← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

فقد أحل الله الطلاق أو التسريح ولكن بإحسان قال الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. خامسًا: قد أحسن النبي ﷺ إلى هذه المرأة وأوفى لها حقها: فقد جاء في روايات هذا الحديث أنه ﷺ : "ولم يأخذ مما آتاها شيئًا" (١). وفي روايةٍ: "وألحق لها مهرها" (٢). وفي روايةٍ: "أمر لها بالصداق" (٣). وفي روايةٍ: "فأكمل لها صداقها" (٤). * * *

стр. 4657

٢١ - شبهة: النبي ﷺ يخرج عريانًا للصحابة . نص الشبهة: قالوا: إن النبي خرج عريانًا ليسلّم على زيد بن حارثة حينما أتاه إلى بيته، فكيف يجوز ذلك؟ . والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: تتبع طرف الحديث، وبيان ضعفها. الوجه الثاني: معنى الحديث. الوجه الثالث: إثبات النهي عن التعري أمام الأجانب. الوجه الرابع: إثبات حياء النبي ﷺ ، وأنه لم يُرَ عريانًا. الوجه الخامس: ذكر بعض ما عندهم من التعري في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل. الوجه الأول: تتبع طرق الحديث، وبيان ضعفها . عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ المَدِينَةَ وَرَسُولُ الله ﷺ فِي بَيْتِي فَأَتَاهُ فَقَرَعَ الْبَابَ فَقَامَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ عُرْيَانًا يجرُّ ثَوْبَهُ، وَالله مَا رَأَيْتُهُ عُرْيَانًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ (١).

стр. 4658

الوجه الثاني: معنى الحديث . معنى (عُرْيَانًا يَجرُّ ثَوْبَهُ): أي ليس عليه سوى الإزار، أيْ: رِدَاءَهُ مِنْ كَمَالِ فَرَحِهِ بِقُدُومهِ وَمَأْتَاهُ، وقد روى الإمام مالك (١)، وغيره: أن رسول الله ﷺ لما دخل عليه عكرمة بن أبي جهل مسلمًا مهاجرًا، قام إليه فرحًا بقدومه. وعن عائشة ﵁ قالت: ما رأيت أحدًا كان أشبه سمتًا وهديًا، ودَلا برسول الله ﷺ من فاطمة ﵂ كانت إذا دخلت عليه قام إليها، فأخذ بيدها وقبلها، وأجلسها في مجلسه، وكانت إذا دخل عليها قامت إليه، وأخذت بيده، وقبلته، وأجلسته في مجلسها" (٢). قال الملا على القاري: تُرِيدُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ سَاتِرًا مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ؛ ولَكِنْ سَقَطَ رِدَاءَهُ عَنْ عَاتِقِهِ، فَكَانَ مَا فَوْقَ سُّرَتِهِ عُرْيَانًا؛ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ تَحْلِفُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَلَى أَنَّهَا لَمْ ترَهُ عُرْيَانًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، مَعَ طُولِ الصُّحْبَةِ، وَكَثْرَةِ الاجْتِمَاعِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ؟ قِيلَ لَعَلَّهَا أَرَادَتْ عُرْيَانًا، اسْتَقْبَلَ رَجُلًا وَاعْتَنَقَهُ، فَاخْتَصَرَتْ الْكَلَامَ لِدَلَالَةِ الحالِ، أَوْ عُرْيَانًا مِثْلَ ذَلِكَ الْعُرْيِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي الْأَوَّلَ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ هَذَا هُوَ الْوَجْهُ لمِا يُشَمُّ مِنْ سِيَاقِ كَلَامِهَا

стр. 4659

رَائِحَةُ الْفَرَحِ، وَالاسْتِبْشَارِ بِقُدُومهِ، وَتَعْجِيلِهِ لِلِقَائِهِ، بِحَيْثُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَمَامِ التَّرَدِّي بِالرِّدَاءِ حَتَّى جَرَّهُ، وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ مِثْلُ هَذَا. انْتَهَى (١). الوجه الثالث: النهى عن التعري أمام الأجانب من القرآن والسنة . أولًا: من القرآن الكريم: قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور ٣٠ - ٣١]. وقال تعالي: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ [الأعراف ٢٦ - ٢٧]. ثانيًا: من السنة المطهرة: عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ، قَالَ: "احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ". قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ قَال: "إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَيَنَّهَا أَحَد فَلا يَرَيَنَّهَا". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا قَالَ: "الله أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ" (٢).

стр. 4660

الوجه الرابع: إثبات حياء النبي ﷺ ، وأنه لم ير عريانا قط . عنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: كَانَ النبي ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا (١). قال الحاقظ: قوله: (أشد حياء من العذراء): أي البكر، وقوله في (خدرها) بكسر المعجمة: أي في سترها. وهو من باب التتميم؛ لأن العذراء في الخلوة يشتد حياؤها أكثر مما تكون خارجة عنه، لكون الخلوة مظنة وقوع الفعل بها، فالظاهر أن المراد تقييده بما إذا دخل عليها في خدرها، لا حيث تكون منفردة فيه، ومحل وجود الحياء منه ﷺ في غير حدود الله، ولهذا قال للذي اعترف بالزنا "أنكتها" لا يكني، وأخرج البزار هذا الحديث من حديث أنس ﵁ وزاد في آخره وكان يقول: "الحياء خير كله"، وأخرج من حديث ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يغتسل من وراء الحجرات، وما رأى أحد عورته قط. وإسناده حسن (٢). وقال ﵀: قوله: الحياء من الإيمان حكى ابن التين، عن أبي عبد الملك أن المراد به كمال الإيمان، وقال أبو عبيد الهروي: معناه: أن المستحى ينقطع بحيائه عن المعاصي، وإن لم يكن له تقية فصار كالإيمان القاطع بينه وبين المعاصي. قال عياض وغيره: إنما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة، لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصد واكتساب وعلم، وأما كونه خيرا كله ولا يأتي إلا بخير فأشكل حمله على العموم؛ لأنه قد يصد صاحبه عن مواجهة من يرتكب المنكرات، ويحمله كل الإخلال ببعض الحقوق، والجواب: أن المراد بالحياء في هذه الأحاديث ما يكون شرعيًا، والحياء الذي ينشأ عنه الإخلال بالحقوق ليس حياء شرعيًا، بل هو عجز ومهانة، وإنما يطلق عليه حياء لمشابهته للحياء الشرعي، وهو: خُلُق يبعث على ترك القبيح، قلت: ويحتمل أن يكون أشير إلى أن من كان الحياء من خلقه، أن الخير يكون فيه أغلب، فيضمحل ما لعله يقع منه مما ذكر في جنب ما يحصل له بالحياء من الخير، أو لكونه إذا صار

стр. 4661

عادة وتخلق به صاحبه يكون سببًا لجلب الخير إليه، فيكون منه الخير بالذات والسبب، وقال أبو العباس القرطبي: الحياء المكتسب هو الذي جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلف به دون الغريزي، غير أن من كان فيه غريزة منه؛ فإنها تعينه على المكتسب، وقد ينطبع بالمكتسب حتى يصير غريزًا، قال: وكان النبي ﷺ قد جمع له النوعان، فكان في الغريزي أشد حياء من العذراء في خدرها، كان في الحياء المكتسب في الذروة العليا ﷺ . (١) الوجه الخامس: ذكر بعض ما عندهم من التعري . هذه القصة فيها بيان ما تنسبه التوراة إلى الله من أمره لنبيه إشعياء بالتعري، ولماذا؟ لكي يري بني إسرائيل ما ينتظرهم من الهوان والذل والعري على يد ملك آشور: تَكَلَّمَ الرَّبُّ عَنْ يَدِ إِشَعْيَاءَ بْنِ آمُوصَ قَائِلًا: اذْهَبْ وَحُلَّ المسْحَ عَنْ حَقْوَيْكَ وَاخْلَعْ حِذَاءَكَ عَنْ رِجْلَيْكَ. فَفَعَلَ هكَذَا وَمَشَى مُعَرًّى وَحَافِيًا. فَقَالَ الرَّبُّ: كَمَا مَشَى عَبْدِي إِشَعْيَاءُ مُعَرًّى وَحَافِيًا ثَلاثَ سِنِينٍ، آيَةً وَأُعْجُوبَةً عَلَى مِصرَ وَعَلَى كُوشَ، هكَذَا يَسُوقُ مَلِكُ أَشُّورَ سَبْيَ مِصرَ وَجَلاءَ كُوشَ، الْفِتْيَانَ وَالشُّيُوخَ، عُرَاةً وَحُفَاةً وَمَكْشُوفِي الأَسْتَاهِ خِزْيًا لمِصْرَ. (إشعياء ٢٠/ ٢ - ٤). يقول التفسير التطبيقي تعليقًا على هذه الفقرة: كان أمر الله لإشعياء أن يتجول عاريًا لمدة ثلاث سنوات، وهو اختبار مُذِل، فقد كان الله يستخدم إشعياء لبيان ما ستختبره مصر وكوش من إذلال على يد آشور، ولكن كانت الرسالة في الواقع ليهوذا. وهكذا فإن رؤية بني إسرائيل لنبيهم عريانًا ثلاث سنين درس كبير وعظة بالغة! أمَا من وسيلة للإيضاح أفضل من هذه الوسيلة العارية؛ فهل يعقل هذا؟ هل يأمر الرب نبيه بالتعري ثلاث سنين؟ وما جاء في إنجيل يوحنا المقدس عندهم عن الرسول بطرس: بطرس الرسول - صخرة الكنيسة - عاريًا على شاطىء البحر!

стр. 4662

يروي يوحنا قصة ظهور المسيح لتلاميذه عند بحيرة طبرية قائلًا: بَعْدَ هذَا أَظْهَرَ أَيْضًا يَسُوعُ نَفْسَهُ لِلتَّلامِيذِ عَلَى بَحْرِ طَبَرِيَّةَ. ظَهَرَ هكَذَا: كَانَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ، وَتُومَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ التَّوْأَمُ، وَنَثَنَائِيلُ الَّذِي مِنْ قَانَا الجلِيلِ، وَابْنَا زَبْدِي، وَاثْنَانِ آخَرَانِ مِنْ تَلامِيذ مَعَ بَعْضِهِمْ. قَالَ لَهُمْ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: أَلا أَذْهَبُ لأَتَصَيَّدَ. قَالُوا لَهُ: نَذْهَبُ نَحْنُ أَيْضًا مَعَكَ. فَخَرَجُوا وَدَخَلُوا السَّفِينَةَ لِلْوَقْتِ. وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لَمْ يُمْسِكُوا شَيْئًا. وَلمَّا كَانَ الصُّبْحُ، وَقَفَ يَسُوعُ عَلَى الشَّاطِئِ. وَلكِنَّ التَّلامِيذَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يَسُوعُ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: يَا غِلْمَانُ أَلعَلَّ عِنْدَكُمْ إِدَامًا؟ . أَجَابُوهُ: لَا! فَقَالَ لَهُمْ: ألقُوا الشَّبَكَةَ إِلَى جَانِبِ السَّفِينَةِ الأَيْمَنِ فَتَجِدُوا. فَألقَوْا، وَلَمْ يَعُودُوا يَقْدِرُونَ أَنْ يَجْذِبُوهَا مِنْ كَثْرَةِ السَّمَكِ. فَقَالَ ذلِكَ التِّلْمِيذُ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ لِبُطْرُسَ: هُوَ الرَّبُّ! . فَلَمّا سَمِعَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنَّهُ الرَّبُّ، اتَّزَرَ بِثَوْبِهِ، لأَنَّهُ كَانَ عُرْيَانًا، وَألقَى نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ. (يوحنا ٢١: ١ - ٧). إن الحدث الغريب حقًّا أن بطرس الرسول عندما سمع أن المسيح قد حضر اتزر بثوبه؛ لأنه كان عريانًا وألقى بنفسه في البحر (يوحنا ٢١: ٧)، كيف يكون بطرس كبير الحواريين عريانًا على شاطىء البحر؟ ! ولماذا يخجل من التعري عندما سمع بحضور المسيح فقط؟ ! هل التعري جائز في غياب المسيح وغير جائز في حضورة؟ ! كيف كان بطرس الرسول الملقب بصخرة الكنيسة عاريًا على الشاطىء أمام التلاميذ ومن كان موجودًا؟ ! ويشبه سفر ميخا حزن الرب على ما أصاب بني إسرائيل بنواح النعام ونحيب إناث الثعالب، فيقول: قول الرب الذي صار إلى ميخا ... من أجل ذلك أنوح وأولول، أمشي حافيًا وعريانًا، أصنع نحيبًا كبنات آوى، ونَوحًا كرعال النعام (ميخا ١/ ١ - ٨). وقصة الشاب الذي هرب من الشبان، فأمسكوا بإزاره الذي يلبسه على عري، فترك الإزار، وهرب منهم عريانا. (انظر: مرقس ١٤/ ٥١ - ٥٢).

стр. 4663

٢٢ - شبهة: النبي ﷺ كان يمص لسان الحسن والحسين . نص الشبهة: يقولون: أن النبي ﷺ كان يمص لسان الحسن والحسين ﵄، وهذا فيه من الشهوانية ما فيه. والرد علي ذلك من وجوه: الوجه الأول: المعنى الإجمالي للحديث. الوجه الثاي: الحديث من مناقب النبي ﷺ . الوجه الثالث: كل إنسان يرى الناس بعين طبعه. الوجه الرابع: الرد من الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: المعنى الاجمالي للعديث . عن معاوية ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يَمُصُّ لِسَانَهُ أَوْ قَالَ شَفَتَهُ يَعْني الحسَنَ بْنَ عَليٍّ، وَإِنَّهُ لَنْ يُعَذَّبَ لِسَانٌ أَوْ شَفَتَانِ مَصَّهُمَا رَسُولُ الله ﷺ . (١) أولًا: ليس في الحديث أية إشارة على أن هذا الفعل كان لشهوة أو كما يدعي هؤلاء. وما يوضح هذا الحديث حديث آخر فيه نفس الفعلة من النبي ﷺ لسبطيه رضوان الله عنهما: عن أبي هريرة ﵁ قال: لا أزال أحب هذا الرجل بعدما رأيت رسول الله ﷺ يصنع ما يصنع، رأيت الحسن في حجر النبي ﷺ وهو يدخل أصابعه في لحية النبي ﷺ ، والنبي ﷺ يدخل لسانه في فمه ثم قال: "اللهم إني أحبه فأحبه" (٢).

стр. 4664

قال ابن حجر: تقبيل الولد وغيره من الأهل الحارم وغيرهم من الأجانب، إنما يكون للشفقة والرحمة، لا للذة والشهوة، وكذا الضم والشم والمعانقة. (١) الفوائد من الحديث السابق: ١ - حب أبي هريرة للحسن وللحسين وذلك لشدة حب رسول الله ﷺ لهما لدرجة أن مروان بن الحكم لاحظ هذا وسأله عنه، وهذا يدل على وضوح شدة حب أبي هريرة ﵁ لهما. ٢ - رحمة رسول الله ﷺ بسبطيه وعطفه عليهما إذ توجه إليهما عندما سمعهما يبكيان رحمةً منه وعطفًا، وهذا هو النبي ﷺ مع الكبير والصغير، ومع القريب وغير القريب، فما بالنا بالحسن والحسين ابني فاطمة حبيبته وابنة حبيبته خديجة رضوان الله عليهم أجمعين. ٣ - سعي النبي ﷺ للبحث لهما عن ماء لما علم سبب بكائهما وهو العطش. ٤ - رحمة النبي ﷺ بالصغيرين ومحاولة إسكاتهما بضمهما إلي صدره ﷺ . ٥ - لما لم يجد النبي ﷺ الماء ليسقيهما مص لسانهما فكان ما كان من سكوت الصغيرين من البكاء. وهذا فيه ما هو جلي من بركة ريق النبي ﷺ . وقد بوَّب محمد بن يوسف الصالحي بابًا في كتابه سبل الهدي والرشاد سماه: في بركة ريقه الطيب ﷺ ، وأورد تحته أحاديث تدل على بركة ريق النبي ﷺ . (٢) وكذلك أشار القاضي عياض في كتابه الشفا إلى هذه الفعلة تحت فصل (فصل في كراماته وبركاته). ٦ - لا إشكال في فعل النبي ﷺ بسبطيه لأنهما طفلان صغيران وربما كانا رضيعين حينئذ، وحتى لو لم يكونا رضيعين فهما صغيران في السن، فقد ولد الحسن في العام الثالث من الهجرة (٣)، وولد الحسين في العام الرابع من الهجرة أي بعد أخيه بعام واحد. (٤)

стр. 4665

ولم يقل أبو هريرة أن النبي ﷺ مص لسانيهما شهوة أو غير ذلك مما لا يليق بالنبي ﷺ . الوجه الثاني: الحديث من مناقب النبي ﷺ -. قال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. قال الطبري: يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ : وما أرسلناك يا محمد إلى خلقنا إلا رحمة من أرسلناك إليه من خلقي. (١) وَأَمْلِكُ إِنْ كَانَ الله نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ". (٢) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ أَبْصَرَ النَّبِي ﷺ يُقَبِّلُ الحسَنَ فَقَالَ: إِنَّ لي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : إِنَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَم". (٣) وقال ابن الملقن تعليقًا على قول النبي ﷺ (مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ): فدل على أن تقبيل الولد الصغير وحمله والتخفي به مما يستحق به رحمة الله، ألا ترى حمله ﷺ أُمامة على عاتقه في اصلاة، وهي أفضل الأعمال عند الله، وقد أمر ﷺ بلزوم الخشوع فيها، والإقبال عليها، ولم يكن حمله لها في الصلاة مما يضاد الخشوع المأمور به فيها، وكره أن يشق عليها لو تركها ولم يحملها في الصلاة، وفي فعله ذلك أعظم الأسوة لنا؛ فينبغي الاقتداء به في رحمة صغار الولد وكبارهم، والرفق بهم، ويجوز تقبيل الولد الصغير في سائر جسده (٤). فهذا دليل من دلائل نبوة محمد ﷺ أنه رحمة الله للعالمين، وأما الاعتراض على تقبيل النبي ﷺ الطفلين من فمهما أو مصه لسانيهما، فليس فيه ما يخالف شرعنا ولا فطرتنا؛ لأن

стр. 4666

هذا مشرع به في دين الله رب العالمين، غير منهي عنه، بل مذموم من لا يرحم الحيوانات، فما بالنا بالإنسان، وما بالنا بأقرب الأقربين من الأهل والأحباب، وكما تقدم فنجد العلماء أقروا هذه الأفعال وذكروا أنها مشروعة، بل ويُمدح فاعلها وأمروا بالاقتداء بسيد الناس ﷺ في هذا؛ لأن في اتباعه الفلاح، وفي لزوم غرزه النجاة بفضل الله رب العالمين. الوجه الثالث: كل إنسان يرى الناس بعين طبعه . كل إنسان يرى الناس بعين طبعه وهذا معلوم، حتى أن الله أشار إلي ذلك في كتابه في مواضع عدة سنوضحها إن شاء الله. قال الله : ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾] [ص: ١ - ٧]. قال الطبري: يقول تعالى ذكره: وعجب هؤلاء المشركون من قريش أن جاءهم منذر ينذرهم بأس الله على كفرهم به من أنفسهم، ولم يأتهم ملك من السماء بذلك ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ يقول: وقال المنكرون وحدانية الله: هذا - يعنون محمدًا ﷺ ساحر كذّاب. (١) فهؤلاء الكفار لا يعبدون الله ويشركون به ما لا ينفع ولا يضر، فلما أتاهم رسول الله لينذرهم ويبشرهم ألقوه بالسحر والكذب والكفر، فرأوه بأعين طباعهم. وقال الله عن موسى ﵇ وقومه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر ٢٣ - ٢٤]. قال الطبري: فقال هؤلاء الذين أرسل إليهم موسى لموسى: هو ساحر يسحر العصا، فيرى الناظر إليها أنها حية تسعى، ﴿كَذَّابٌ﴾ يقول: يكذب على الله، ويزعم أنه

стр. 4667

أرسله إلى الناس رسولًا. (١) وما قاله قوم موسى ابتداءً كان سببه انتشار السحر حينئذ في البلاد. قال الله عن موسى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨)﴾ [الشعراء: ٣٠ - ٣٨]. فلماذا اتهموه بالسحر؟ لأن هذا كان أعين طباعهم وحالهم. لما رأوا من موسى ما رأوه ظنوه سحرا وألقوه به. فها هم يرون تقبيل النبي ﷺ لطفلين صغيرين، وربما كانا رضيعين وهما سبطيه ﵄ بعين طبعهم. فلا بأس أن يقبل رجل امرأة أجنبية عندهم، أو حتى يضاجعها، وهذا معلوم منتشر عندهم. ولكن إذا قبل الرجل ولده أو ابنته رحمة منه وعطفًا اتهموه بالشذوذ الجنسي! ! فهذا هو حالهم ودأبهم، يحرفون الكلم عن مواضعه كما وصفهم الله رب العالمين في كتابه. الوجه الرابع: الرد من الكتاب المقدس . هم يعترضون على تقبيل النبي ﷺ لطفلين ومص لسانيهما ولم يكلفوا أنفسهم بالنظر في كتابهم، جاء في إنجيل يوحنا ما نصه: أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ عَالِمٌ وأَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إِلَى الآبِ، إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى المُنْتَهَى. فَحِينَ كَانَ الْعَشَاءُ، وَقَدْ ألقَى الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ يَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ أَنْ يُسَلِّمَهُ، يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ الآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ الله خَرَجَ، وَإِلَى الله يَمْضِي، قَامَ عَنِ الْعَشَاءِ، وَخَلَعَ

стр. 4668

ثِيَابَهُ، وَأَخَذَ مِنْشَفَةً وَاتَّزَرَ بِهَا، ٥ ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَل، وَابْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التَّلامِيذِ وَيَمْسَحُهَا بِالمنْشَفَةِ الَّتِي كَانَ مُتَّزِرًا بِهَا. فَجَاءَ إِلَى سِمْعَانَ بُطْرُسَ. فَقَالَ لَهُ ذَاكَ: "يَا سَيِّدُ، أَنْتَ تَغْسِلُ رِجْلَيَّ! " ٧ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: "لَسْتَ تَعْلَمُ أَنْتَ الآنَ مَا أَنَا أَصْنَعُ، وَلكِنَّكَ سَتَفْهَمُ فِيمَا بَعْدُ". قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: "لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَدًا! " أَجَابَهُ يَسُوعُ: "إِنْ كُنْتُ لَا أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ". قَالَ لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: "يَا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ وَرَأْسِي". قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "الَّذِي قَدِ اغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَة إِلَّا إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ، بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ. وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ". لأَنَّهُ عَرَفَ مُسَلِّمَهُ، لِذلِكَ قَالَ: "لَسْتُمْ كُلُّكُمْ طَاهِرِينَ"، فَلَمّا كَانَ قَدْ غَسَلَ أَرْجُلَهُمْ وَأَخَذَ ثِيَابَهُ وَاتَّكَأَ أَيْضًا، قَالَ لَهُمْ: "أَتَفْهَمُونَ مَا قَدْ صَنَعْتُ بِكُمْ؟ أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا، وَحَسَنًا تَقُوُلونَ، لأَنِّي أَنَا كَذلِكَ. فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ، لأَنِّي أَعْطَيْتكُمْ مِثَالًا، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا. (يوحنا ١٣/ ١ - ١٥). وإليك نص آخر عجيب في كتابهم: جاء في إنجيل يوحنا ما نصه: وَكَانَ مُتَّكئًا فِي حِضْنِ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنْ تَلامِيذِهِ، كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ. (يوحنا ١٣/ ٢٣).

стр. 4669

٢٣ - شبهة: مخنث يجلس مع نساء رسول الإسلام . نص الشبهة: كيف يدخل مخنث على نساء النبي ﷺ البيت. والرد على ذلك من هذه الوجوه: الوجه الأول: ذكر الحديث . الوجه الثاني: بيان معنى (مخنث). الوجه الثالث: من يكون هذا المخنث؟ . الوجه الرابع: كان ﷺ يرى أنه من غير أولي الإربة. الوجه الخامس: المخنثون والخصاة في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: ذكر الحديث. عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدِى مُخَنَّثٌ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لِعَبْدِ الله بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ يَا عَبْدَ الله أَرَأَيْتَ إِنْ فَتَحَ الله عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا فَعَلَيْكَ بِابْنَةِ غَيْلانَ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَدْخُلَنَّ هَؤُلاءِ عَلَيْكنَّ". قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ المخَنَّثُ هِيتٌ. حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا، وَزَادَ وَهْوَ مُحَاصِرٌ الطَّائِفَ يَوْمَئِذٍ (١). قَالَ أَبُو عَبْدِ الله تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ يَعْنِى أَرْبَعَ عُكَنِ بَطْنِهَا، فهي تُقْبِلُ بِهِنَّ، وَقَولهُ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ. يَعْنِى أَطْرَافَ هَذِهِ الْعُكَنِ الأَرْبَعِ، لأَنَّهَا محُيطَةٌ بِالجنْبَيْنِ حَتَّى لحَقَتْ وَإِنَّمَا قَالَ بِثَمَانٍ. وَلَمْ يَقُلْ بِثَمَانِيَةٍ. وَوَاحِدُ الأَطْرَافِ وَهْوَ ذَكَر، لأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ثَمانِيَةَ أَطْرَافٍ (٢). وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النبي ﷺ مُخَنَّث فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي

стр. 4670

الإِرْبَةِ - قَالَ - فَدَخَلَ النبي ﷺ يوْمًا وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، وَهُوَ يَنْعَتُ امْرَأَةً قَالَ إِذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ. فَقَالَ النبي ﷺ : "أَلا أَرَى هَذَا يَعْرِفُ مَا هَا هُنَا لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُنَّ". قَالَتْ: فَحَجَبوهُ (١). وعن عكرمة: أن النبي ﷺ كان لا يدخل بيتًا فيه مخنث (٢). و"لعن الله بيتًا يدخله مخنث" (٣). الوجه الثاني: بيان معنى (مخنث) . خنث: رجل مخنث، وفيه تخنيث وانخناث وخنث: تكسر وتثن، وقد خنث وتخنث، وتقول: وثقت به فتخبث وتخنث، وما تخنث؛ والخناثي، خباثي؛ وخنّث كلامه: لينه. وخنث فم السقاء وفم الجوالق وقمعه: ثناه إلى خارج، وقبعه: ثناه إلى داخل. واختنث القربة فشرب، "ونهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية" (٤). وخنث له بأنفه: كأنه يهزأ به (٥). خَنِثَ خَنَثًا فَهُوَ خَنِثٌ - مِنْ بَابِ تَعِبَ - إذَا كَانَ فِيهِ لِينٌ وَتَكَسُّر وَيُعَدَّى بِالتَّضْعِيفِ، فَيُقَالُ: خَنّثَهُ غَيْرُهُ إذَا جَعَلَهُ كَذَلِكَ وَاسْمُ الْفَاعِلِ مخنِّث بِالْكَسْرِ وَاسْمُ المُفْعُولِ بِالْفَتْحِ وَفِيهِ انْخِنَاث وَخِنَاثَةٌ بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ خَنَّثَ الرَّجُلُ كَلَامَهُ بِالتَّثْقِيلِ إذَا شَبَّهَهُ بِكَلَامِ النِّسَاءِ لِينًا وَرَخَامَةً فَالرَّجلُ مُخَنِّث بِالْكَسْرِ خَنِثَ" الرَّجُلُ "كَفَرِحَ" خَنَثًا فهو خَنِثٌ. "وتَخَنَّثَ" في كلامِه. وتَخَنَّثَ الرَّجُلُ: فَعَلَ فِعْلَ المُخَنَّثِ. وتَخَنَّثَ الرَّجُلُ وغيْرُه: سَقَطَ من الضَّعْفِ. "وانْخَنَثَ: " تَثَنَّى وتَكَسَّر والأَنْثى خَنِثَةٌ. رَجُلٌ خُنْثَى: له ما لِلذَّكَرِ والأُنْثَى. وقيل: الخُنْثَى: "مَنْ لَهُ ما لِلرِّجال والنَّسَاءِ جَميعًا".

стр. 4671

وفي المصباح: هو الذي خُلِقَ له فَرْجُ الرّجُلِ وفَرْجُ المَرْأَةِ (١). قال شيخُنا: وعند الفُقَهَاءِ: هو مَنْ لَهُ ما لَهُمَان أَو مَنْ عَدِمَ الفَرْجَيْنِ معًا فإِنّهُمْ قالُوا: إِنّه خُنْثَى وبعضهُم قال الخُنْثَى حَقِيقَةً مَن له فَرْجَانِ ومَنْ لا فَرْجَ له بالكُلِّيَّةِ أُلحقَ بالخُنْثَى في أَحكامِه فهو خُنْثَى مجازًا فتَأَمَّل، فإن كان من أصل الخلقة لم يكن عليه لوم وعليه أن يتكلف إزالة ذلك، وإن كان بقصد منه وتكلف له فهو المذموم، ويطلق عليه اسم مخنث سواء فعل الفاحشة أو لم يفعل وإن لم تعرف منه الفاحشة مأخوذ من التكسر في المشي وغيره ولعن من فعل ذلك (٢). الوجه الثالث: من يكون هذا المخنث ؟ هذا المؤنث يسمى: هيت، وهو مولى لعبد الله بن أبي أمية أخى أم سلمة لأمها، وكان طوس مولى عبد الله بن أبي أمية ومن قبله سرى إلى طوس الخنث وقيل: ماتع، وحكى أبو موسى المديني في كون ماتع لقب هيت أو بالعكس أو إنهما اثنان خلافًا، وجزم الواقدي بالتعدد، فإنه قال: كان هيت مولى عبد الله بن أبي أمية وكان ماتع مولى فاخته وذكر أن النبي ﷺ نفاهما معًا إلى الحمى. قَالَ الْقَاضِي: الْأَشْهَر أَنَّ اِسْمه (هِيت) بِكَسْرِ الْهَاء وَمُثَنَّاة تَحْت سَاكِنَة ثُمَّ مُثَنَّاة فَوْق. قَالَ: وَقِيلَ: صَوَابه (هَنَب) بِالنُّونِ وَالْبَاء الموَحَّدَة قَالَهُ ابْن دَرَسْتَوَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّمَا سِوَاهُ تَصْحِيف، قَالَ: وَالْهَنَب الْأَحْمَق، وَقِيلَ: (مَاتِع) بِالمثَنَّاةِ فَوْق مَوْلَى فَاخِتَة المَخْزُوميَّة، وَجَاءَ هَذَا فِي حَدِيث آخَر ذُكِرَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ غَرَّبَ مَاتِعًا هَذَا وَهِيتًا إِلَى الحمَى، ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيّ. وَذَكَرَ أَبو مَنْصور الْبَادَرْدِيّ نَحْو الحكَايَة عَنْ مُخَنَّث كَانَ بِالمُدِينَةِ يُقَال لَهُ: (أَنَّهُ) وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ نَفَاهُ إِلَى حَمْرَاء الْأَسَد. وَالمَحْفُوظ أَنَّهُ هِيت. قَالَ الْعُلَمَاء: وَإِخْرَاجه وَنَفْيه كَانَ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ: أَحَدهَا المعْنَى المذْكُور فِي الحدِيث أَنَّهُ كَانَ يَظُنّ أَنَّهُ مِنْ غَيْر أُولَى الْإِرْبَة، وَكَانَ مِنْهُمْ، وَيَتكتَّم بِذَلِكَ. وَالثَّانِي وَصْفه النِّسَاء وَمَحَاسِنهنَّ وَعَوْرَاتهنَّ بِحَضْرَةِ الرِّجَال، وَقَدْ

стр. 4672

نَهَى أَنْ تَصِف المَرْأَة لِزَوْجِهَا، فَكَيْف إِذَا وَصَفَهَا الرَّجُل لِلرِّجَالِ؟ وَالثَّالِث أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَطَّلِع مِنْ النِّسَاء وَأَجْسَامهنَّ وَعَوْرَاتهنَّ عَلَى مَا لَا يَطَّلِع عَلَيْهِ كَثِير مِنْ النِّسَاء، فَكَيْف الرِّجَال لَا سِيَّمَا عَلَى مَا جَاءَ فِي غَيْر مُسْلِم أَنَّهُ وَصَفَهَا حَتَّى وَصَفَ مَا بَيْن رِجْلَيْهَا أَيْ فَرْجهَا وَحَوَالَيْهِ (١). الوجه الرابع: كان ﷺ يرى أنه من غير أولي الإربة . و(الإربة): الحاجة إلى الوطء، فغير أولى الإربة: هو الأحمق الذي ليس له في النساء حاجة ولا أرب وقَدْ بَيَّنَ فِي الحَدِيثِ سَبَبَ دُخُولِهِ عَلَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ ﵅، وَهُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ غَير أُولِي الْإِرْبَةِ أَيْ الْحَاجَةِ إلَى النِّسَاءِ وَأَنَّهُ لَا يَنْظُرُ فِي أَوْصَافِهِنَّ وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الحسَنَةِ وَالْقَبِيحَةِ مِنْهُنَّ وَلَا شَهْوَةَ لَهُ أَصْلًا وَمثْلُ هَذَا لَا يَجِبُ الاحْتِجَابُ مِنْهُ بِنَصِّ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ فَلَمّا فُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ هَذَا أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ حُجِبَ وَمُنِعَ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهِن كَغَيرِهِ مِنْ الرِّجَالِ فَفِيهِ أَنَّ التَّخَنُّثَ وَلَوْ كَانَ أَصْلِيًّا لَا يَقْتَفِي الدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ وَأَنَّهُ كَانَ المقْتَضِي لِدُخُولِهِ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ لَا كَوْنِهِ مُخَنَّثًا (٢). ولا يرى رسول الله ﷺ أنه يفطن لشيء من أمر النساء مما يفطن له الرجال ولا أن له أربة فسمعه يقول لخالد بن الوليد يا خالد إن افتتحتم الطائف فلا تنفلتن منك بادية بنت غيلان بن سلمة، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال رسول الله ﷺ حين سمع ذلك منه: لا أرى هذا الخبيث يفطن لما أسمع (٣)، وقال ﷺ : مالك قاتلك الله إن كنت لأحسبك من غير أولى الإربة من الرجال وسيره إلى خاخ بمعجمتين ثم قال لنسائه لا تدخلن هذا عليكن فحجب عن بيت رسول الله ﷺ وقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "لَقَدْ غَلَّظْت النَّظَرَ إلَيْهَا يَا عَدُوَّ الله" ثُمَّ أَجَلَاهُ عَنْ المَدِينَةِ إلَى الْحِمَى (٤).

стр. 4673

وقال أبو الخير الفضل بن سعيد بن عمرو في الهجاء: مخنث الطبع وليست له ... خفة أرواح المخانيث (١). ويُستفاد منه حجب النساء عمن يفطن لمحاسنهن، وهذا الحديث أصل في إبعاد من يستراب به في أمر من الأمور، وفي الحديث أيضا تعزير من يتشبه بالنساء بالإخراج من البيوت والنفي إذا تعين ذلك طريقا لردعه وظاهر الأمر وجوب ذلك وتشبه النساء بالرجال والرجال بالنساء من قاصد مختار حرام اتفاقا وسيأتي لعن من فعل ذلك (٢). قال ابن عبد البر: وفي الحديث من الفقه: أنه لا يجوز دخول أحد من المخنثين وهم الذين يدعون عندنا المؤنثين على النساء وأنهم ليسوا من الذين قال الله فيهم: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١]. وهذه الصفة هو الأبلة الأحمق العنين الذي لا إرب له في النساء ولا يفطن بشيء من معايبهن ومحاسنهن، فمن كان بهذه الصفة لم يكن بدخوله على الناس بأس، لأن رسول الله ﷺ ظن بهيت المخنث أنه ممن هذه صفته، فلما سمع منه ما سمع أمر بأن لا يدخل على النساء، ثم أخرجه من المدينة ونفاه عنها، وهذا أصل في كل من يتأذى به ولا يقدر على الاحتراس منه أن يُنفى إلى مكان يؤمن فيه منه الأذى (٣). قال ابن عبد البر: ليس المخنث الذي تُعرف فيه الفاحشة خاصة، وإنما التخنيث بشدة التأنيث في الخلِقة حتى يشبه المرأة في اللين والكلام والنظر والنغمة والعقل، فإذا كان كذلك لم يكن له في النساء أرب، وكان لا يفطن لأمور النساء، وهو من غير أولي الإربة الذين أبيح لهم الدخول على النساء، ألا ترى أن النبي ﷺ لم يمنع ذلك المخنث من الدخول على نسائه فلما سمعه يصف ابنة غيلان وفَهِم أمر النساء أمر بحجبه (٤).

стр. 4674

وقال ابن قدامة: ومن ذهبت شهوته من الرجال لكِبَر، أو عُنّةٍ، أو مرض لا يُرجى برؤه، والخصيّ .. ، والمخنث الذي لا شهوة له، فحكمه حكم ذوي المحرم في النظر، لقوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١] أي غير أولي الحاجة إلى النساء. وقال ابن عباس: هو الذي لا تستحي منه النساء، وعنه: هو المخنث الذي لا يكون عنده انتشار (أي مقدرة على الانتصاب) (١). الوجه الخامس: المخنثون والخصاة في الكتاب المقدس . (متى ١٩/ ١٢): لأَنَّهُ يُوجَدُ خِصْيَان وُلدُوا هكَذَا مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَاهُمُ النَّاسُ، وَيُوجَدُ خِصْيَان خَصَوْا أنفُسَهُمْ لأَجْلِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْبَلَ فَلْتقْبَلْ". (التثنية ٢٣/ ١): لقد عمد فيلبس وهو أحد التلاميذ وزير الملكة كنداكة ملكة الحبشة وهو رجل مخصي عندما كان في طريقه من أورشليم إلي غزة ودخل الرجل في جماعة الرب. كما ورد في حزقيال. وفي (أعمال الرسل ٨/ ٢٧): فَقَامَ وَذَهَبَ وَإِذَا رَجُلٌ حَبَشِيّ خَصِيٌّ، وَزِيرٌ لِكَنْدَاكَةَ مَلِكَةِ الحْبَشَةِ، كَانَ عَلَى جَمِيعِ خَزَائِنِهَا. فَهذَا كَانَ قَدْ جَاءَ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِيَسْجُدَ. (أعمال الرسل ٨/ ٣٨: ٣٦): وَفِيمَا هُمَا سَائِرَانِ فِي الطَّرِيقِ أَقْبَلا عَلَى مَاءٍ، فَقَالَ الْخَصِيُّ: "هُوَذَا مَاءٌ. مَاذَا يَمْنَعُ أَنْ أَعْتَمِدَ؟ " ٣٧ فَقَالَ فِيلُبُّسُ: "إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ يجوزُ". فَأَجَابَ وَقَالَ: "أَنَا أُومنُ أَنَّ يَسُوعَ المَسِيحَ هُوَ ابْنُ الله". ٣٨ فَأَمَرَ أَنْ تَقِفَ المُرْكَبَةُ، فَنَزَلا كِلاهُمَا إِلَى المَاءِ، فِيلُبُّسُ وَالْخَصِيُّ، فَعَمَّدَهُ. (التثنية ٢٣/ ٢: ١): لَا يَدْخُلْ مَخْصِيٌّ بِالرَّضِّ أَوْ مجَبُوبٌ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ. لَا يَدْخُلِ ابْنُ زِنًى فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ. حَتَّى الجيلِ الْعَاشِرِ لَا يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ. والسؤال: ما ذنب هؤلاء وقد ولدوا هكذا فكيف لا يدخلون في جماعة الرب؟ ! ! * * *

стр. 4675

٢٤ - شبهة: استعمال النبي ﷺ وغيره للكحل . نص الشبهة: كيف يجوز للنبي ﷺ أن يستخدم الكحل الذي تستخدمه النساء؟ . والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: بيان درجة الحديث . الوجه الثاني: هل كلمة الزينة والتزين لغةً خاصة بالنساء فقط؟ الوجه الثالث: ضوابط الزينة في الإسلام للنساء والرجال. الوجه الرابع: أنواع من الزينة المباحة للرجال عند العرب. الوجه الخامس: أنواع الزينة التي يستعملها الرجال في مختلف الحضارات. الوجه السادس: أنواع استعمال الكحل عند العرب. الوجه السابع: فوائد الكحل. الوجه الثامن: أنواع من الزينة مباحة للرجال في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: بيان درجة الحديث. ورد في باب الكحل أحاديث كثيرة منها الضعيف ومنها الصحيح، تشير إلى ثبوت استعمال النبي له ووصيته به. عن ابن عباس قال: كانت للنبي مكحلة يكتحل منها ثلاثًا في كل عين. (١)

стр. 4676

الوجه الثاني: هل كلمة الزينة والتزين لغة خاصة بالنساء فقط . سواء كان بالكحل أو الحناء أو الدهن، أو غير ذلك: وهذا لا يتم إلا عن طريق فهم لفظة الزينة لغةً واصطلاحًا. التّزيّن: اتّخاذ الزّينة، وهي ما يستعمل استجلابًا لحسن المنظر، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ أي: حسنت وبهجت بالنّبات (١). الوجه الثالث: ضوابط الزينة في الإسلام للنساء والرجال . فإن كون الإسلام لم يجعل الزينة ممنوعة تمامًا، وكذلك لم يجعلها مباحة بجميع أنواعها، فجعل لها ضوابط، كان ذلك دليلًا على وسطية الإسلام في كل شيء، فلا يُنكر على كونه أباح الكحل للرجال والنساء معًا، ولا يُنكر عليه تحريمه للحرير على الرجال، ولا يُنكر تحريمه للوشم للرجال والنساء معًا. فمن ضوابط الزينة أنها تدور بين الأحكام الشرعية الخمسة: واجب - مستحب - مباح - مكروه - حرام فمثلًا: الزينة المحرمة على النساء والرجال: وصل الشعر - التفلج - الوشم. الوشم أن يغرز الجلد بإبرة ثم يحشى بكحل أو نيل فيزرق أثره أو يخضر.

стр. 4677

الوجه الرابع: أنواع من الزينة المباحة للرجال عند العرب . كان للعرب زينة تُتخذ للرجال والنساء في المناسبات وغيرها: قال د. جواد علي: والعادة عندهم أنهم إذا زاروا ملكًا أو سيد قبيلة أو عظيمًا، لبسوا أحسن ما عندهم من لباس، وتزينوا بأجمل زينة يعرفونها ومنها الكحل والترجيل ولبس جبب الحيرة المكففة بالحرير، كالذي فعله سادات نجران يوم وفدوا على الرسول ﷺ ، والتكحل عادة منتشرة عند جميع الجاهليين رجالًا ونساء وفي كل جزيرة العرب. كما كانوا يتطيبون بالطيب والعطر (١). وقال د. جواد علي أيضا: والعادة - كما هو شأن كل الأمم - أن يتزين في أيام الأعياد بأحسن الثياب والملابس المفتخرة والحلل المثمنة والبرود العجبة .. وقد يخضب الرجال والنساء أيديهم بالخضاب - أي عند العرب -، ولا سيما "الحناء"، ولكن هذا النوع من إظهار القرح والسرور، غالب في الأعراس وفي الختان، حيث تولم الولائم وتقام الأفراح، ويخضب بالحناء (٢). استعمال الزينة عند العرب في الزواج وغيره: قال د. جواد علي: والزواج حادث مهم في حياة الإنسان، ولذلك يعلن عنه بفرح وسرور، ويقال لذلك "بشاشة العرس"، يعلن عنه بدعوة "وليمة" تولم لذوي القربى والأحباء والجيران والأصدقاء، تقترن بالغناء وبالضرب على الدفوف أحيانًا، وبارتداء ملابس نظيفة مناسبة، أو ملابس مصبوغة بصفرة، والصفرة عند أهل الحجاز في. ذلك العهد علامة العرس والفرح والسرور، كما كانوا يصبغون أيديهم ولحاهم بالزعفران، ويكحلون عيونهم، والكحل عندهم من الزينة أيضًا (٣). التجمُّل عند العرب:

стр. 4678

وتجملت المرأة الجاهلية وتزينت على قدر حالها وإمكانها، ومن وسائل الزينة: الوشم غرز إبرة ونحوها في عضو حتى يسيل الدم ثم يحشى بنؤور أو بالكحل أو بالنيلج أو نحوها فيزرق أثره أو يخضر، وكانوا يقصدون بذلك التزّين فينقشون به غالب أبدانهم، أنواعًا من النقوش من صور حيوانات أو نبات أو صور إنسان وكذلك الشفاه، فترى غالب شفاه نسائهم زرقًا، والأطفال منهم يوشمون في بعض المحال من وجوههم لقصد الزينة. وكذلك الرجال، وذكر أن الرسول ﷺ قد نهى عن ذلك في حديث: (لعن الله الواشمة) أو (لعن الله الواشمة والمستوشمة)، ويضفر شعر رأس الأطفال ذوائب، أي ضفائر تتدلى على رأسه وعلى ناصيته. ومتى كبر الطفل وبلغ سنّ الرشد، أو شعر برجولته، ضفرت له ذؤابتان، وهي علامة الشباب والرجولة عندهم (١). الوجه الخامس: أنواع الزينة التي يستعملها الرجال في مختلف الحضارات . فيحكي ول ديورانت عن أنواع الزينة التي يتزين بها ملوك مصر في فترة من الفترات فيقول: (وكان يقف على خدمة الملك - كما يليق بشخص هذه عظمته - عدد كبير من مختلف الأعوان منهم القوّاد، وغاسِلو الملابس، وقُصّارها، وحراس خزائنها، وغير هم من ذوي المراتب الرفيعة. وكان عشرون من الموظفين يشتركون في تزيينه، منهم حلّاقون لا يسمح لهم إلا بقص شعره وحلْق لحيته، وآخرون لإلباسه قلنسوته وتاج رأسه، ومدرمون يقصون أظافره ويدرمونها، ومعطرون يعطرون جسمه ويكحلون جفون عينيه، ويحمرون خديه وشفتيه بالصبغة الحمراء. وجاء في نقش على أحد القبور أن صاحب القبر كان "المشرف على صندوق دهان الشعر والوجه، المسيطر على الدهان) (٢). وفي عصر موليير في فرنسا في أوج عظمتها: راح موليير يهاجم مهنة الطب ... وقد خُيِّل إليه أن الأطباء قتلوا ابنه بأنهم وصفوا له حجر الكحل (الأنتيمون) (٣).

стр. 4679

الإسلام وقضاؤه على الشذوذ: يحكي ول ديورانت عن فترة من فترات الدولة الأموية فيقول: ونشأت طائفة من المخنثين المحترفين تشبهوا بالنساء في ثيابهم وعاداتهم، يضفرون شعورهم، ويصبغون أظافرهم بالحناء ويرقصون الرقص الخليع. وعاقبهم سليمان بن عبد الملك بإخصاء من كان في مكة من المخنثين، وأبصر الهادي امرأتين تباشران عملية السحاق فأمر بقطع رأسيهما على الفور (١). والإسلام يفرق بين الزينة التي تستعملها المرأة والزينة التي يستعملها الرجل وهناك زينة مشتركة بينهما. الوجه السادس: أنواع استعمال الكحل عند العرب . يستعمل عندهم لعدة أغراض سواء للرجال أو للنساء: من ذلك: كحل زينة وكحل طبي: قال د. جواد علي: واستعمل الإثمد والكحل في معالجة الرمد، كما استعملوا قطرات من أدوية استحضروها مثل ماء الكمأة في معالجة أمراض العين. وذكر إن الإثمد يحد البصر، ويقوي النظر. والكحل، من جملة مواد تطبيب العيون، ومن جملة وسائل الزينة كذلك. يستعمله الرجال والنساء. وقد كان معروفًا عند الشعوب الأخرى، يصنع من حرق اللبان أو قشور اللوز، ومن السخام المتبقي من حرق بعض الدهون والزيوت. وقد عرفت مكة لصنع الكحل قبل الإسلام، ولا تزال مشهورة به، وقد كان الناس يحملون المكاحل في جيوبهم ويحتفظون بها في بيوتهم، يعملونها من القرون أو المعادن، ويبالغ الأغنياء منهم في زخرفتها وفي تزيينها للتبجح بها عند إخراجها أمام الناس (٢). فيتبين من ذلك أن العرب تكتحل كناحية طبية. قَالَتْ زَيْنَبُ وَسَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَقَدِ اشْتكَتْ عَيْنَهَا أَفَتكحُلُهَا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا". مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ لَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّمَا هي أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ،

стр. 4680

وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ في الجْاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعَرَةِ عَلَى رَأْسِ الحوْلِ". (١) الوجه السابع: فوائد الكحل . قال ابن القيم: وَفِي الْكُحْلِ حِفْظٌ لِصِحّةِ الْعَيْنِ وَتَقْوِيَة لِلنّورِ الْبَاصِر وَجَلَاءٌ لَهَا وَتَلْطِيفٌ لِلْمَادّةِ الرّدِيئَةِ وَاسْتِخْرَاجٌ لَهَا مَعَ الزّينَةِ فِي بَعْضِ أدوَاعِهِ وَلَهُ عِنْدَ النّوْمِ مَزِيدُ فَضْلٍ لاشْتِمَالِهَا عَلَى الْكُحْلِ وَسُكُونِهَا عَقِيبَهُ عَنْ الحْرَكَةِ المُضِرّةِ بِهَا وَخِدْمَةِ الطّبِيعَةِ لها وَللْإِثْمِدِ مِنْ ذَلِكَ خَاصّيّةٌ. وَفِي "سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ" عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ يَرْفَعُهُ عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ فَإِنّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشّعْرَ وَفِي "كِتَابِ أَبِي نُعَيْمٍ": فَإِنّهُ مَنْبَتَةٌ لِلشّعْرِ مَذْهَبَةٌ لِلْقَذَى مَصْفَاةٌ لِلْبَصَرِ وَفِي "سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ" أَيْضًا: عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ يَرْفَعُهُ خَيْرُ أَكْحَالِكُمْ الْإِثْمِدُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشّعْرَ (٢). عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر وينبت الشعر" (٣). الإثمد: وهو المعروف بالكحل العربي وأصله حجر الإثمد يدق ناعما حتى يصير كالذور بعد أن يضاف إليه بعض بذور الزيتون ويحمى على الحجر حتى يتفحم بذر الزيتون ولهذه الغاية يوضع داخل نصف ليمونة، ينبت الشعر: أي شعر الجفون. وهو دواء ما زال يستعمل لعلافي العديد من أنواع ضعف البصر وخصوصا ما كان في الشبكية. الوجه الثامن: أنواع من الزينة مباحة للرجال في الكتاب المقدس . في سفر الرؤيا (٣: ١٨): أُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنِّي ذَهَبًا مُصَفًّى بِالنَّارِ لِكَيْ تَسْتَغْنِيَ، وثيَابًا بِيضًا لِكَيْ تَلْبَسَ، فَلا يَظْهَرُ خِزْيُ عُرْيَتِكَ. وَكَحِّلْ عَيْنَيْكَ بِكُحْل لِكَيْ تُبْصِرَ. * * *

стр. 4681

٢٥ - شبهة: ادعاؤهم تلفظ النبي ﷺ بألفاظ غير مناسبة . نص الشبهة ثبت أن النبي ﷺ قال كلمة (أنكتها) في حديث فكيف يقولها وهو نبي من عند الله؟ ثم كيف يأمر أصحابه أن يأكلوا من جيفة حمار كما في بعض طرق القصة؟ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: إيراد الحديث برواياته وألفاظه ليتبين ما فيها من الرحمة . الوجه الثاني: العلة من انفراد ابن عباس بهذه اللفظة. الوجه الثالث: الفهم الصحيح للحديمث. الوجه الرابع: محاولة النبي ﷺ دفع الحد عن الرجل كما جاء في ألفاظ الحديث. الوجه الخامس: أن النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى. الوجه السادس: أن الحدود تدرأ بالشبهات، ولا تقام إلا باليقين، وأن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة. الوجه السابع: وضع العلماء هذه اللفظة في أبواب الحدود. الوجه الثامن: حد الرجم يثبت بالإقرار فلابد من البيان والاستفصال. الوجه التاسع: نصوص الكتاب المقدس الفاحشة والتي لا تتناسب أن تكون كلامًا للإله. وإليك التفصيل الوجه الأول: إيراد الحديث برواياته وألفاظه ليتبين ما فيها من الرحمة ١ - عن ابن عباس ﵄ قال: لما أتى ماعز بن مالك النبي ﷺ ، قال له: "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت". قال: لا يا رسول الله. قال: "أنكتها". لا يكني قال: فعند ذلك أمر برجمه (١). ٢ - عن جابر ﵁: أن رجلًا من أسلم أتى النبي ﷺ وهو في المسجد فقال: إنه قد زنى فأعرض عنه، فتنحى لشقه الذي أعرض، فشهد على نفسه أربع شهادات، فدعاه فقال: "

стр. 4682

هل بك جنون؟ ! هل أحصنت؟ ". قال: نعم فأمر أن يرجم بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة جَمَزَ حتى أدرك بالحرة فقتل. (١) ٣ - عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله؛ إني زنيت فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه فقال له: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه، حتى ثنّى ذلك عليه أربع مرات فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله ﷺ فقال: "أبك جنون؟ " قال: لا. قال: "فهل أحصنت؟ " قال: نعم فقال رسول الله ﷺ : "اذهبوا به فارجموه". قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله يقول: فكنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة هرب، فأدركناه بالحرة فرجمناه. (٢) ٤ - عن جابر بن سمرة قال: رأيت ماعز بن مالك حين جيء به إلى النبي ﷺ رجل قصير أعضل ليس عليه رداء، فشهد على نفسه أربع مرات أنه زنى، فقال رسول الله ﷺ : "فلعلك؟ " قال: لا والله؛ إنه قد زنى الأخر. قال: فرجمه، ثم خطب فقال: "ألا كلما نفرنا غازين في سبيل الله خلف أحدهم له نبيب كنبيب التيس، يمنح أحدهم الكثبة أما والله إن يمكني من أحدهم لأنكلنه عنه". (٣) ٥ - عن أبي سعيد ﵁: أن رجلًا من أسلم يقال له ماعز بن مالك أتى رسول الله ﷺ فقال: إني أصبت فاحشة فأقمه علي. فرده النبي ﷺ مرارًا، قال ثم سأل قومه؟ فقالوا: ما نعلم به بأسًا، إلا أنه أصاب شيئًا يرى أنه لا يخرجه منه، إلا أن يقام فيه الحد قال: فرجع إلى النبي ﷺ فأمرنا أن نرجمه. قال: فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد، قال: فما أوثقناه، ولا حفرنا له. قال: فرميناه بالعظم، والمدر، والخزف، قال: فاشتد، واشتددنا خلفه، حتى أتى عرض الحرة؛ فانتصب لنا؛ فرميناه بجلاميد الحرة - يعني الحجارة - حتى سكت. قال: ثم قام

стр. 4683

رسول الله ﷺ خطيبًا من العشي فقال: "أو كلما انطلقنا غزاة في سبيل الله تخلف رجل في عيالنا له نبيب كنبيب التيس، على أن لا أوتى برجل فعل ذلك إلا نكلت به. قال: فما استغفر له ولا سبه". (١) ٦ - عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، طهرني، فقال: "ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه". قال: فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني فقال رسول الله ﷺ : "ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه". قال: فرجع غير بعيد ثم جاء، فقال: يا رسول الله طهرني. فقال النبي ﷺ : مثل ذلك حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله ﷺ : "فيم أطهرك؟ " فقال: من الزنا فسأل رسول الله ﷺ : "أبه جنون؟ " فأخبر أنه ليس بمجنون. فقال: أشرب خمرا؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر قال: فقال رسول الله ﷺ : "أزنيت"؟ فقال: نعم فأمر به فرجم". فكان الناس فيه فرقتين، قائل يقول: لقد هلك؛ لقد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز؛ أنه جاء إلى النبي ﷺ فوضع يده في يده؛ ثم قال: اقتلني بالحجارة. قال: فلبثوا بذلك يومين، أو ثلاثة. ثم جاء رسول الله ﷺ وهم جلوس؛ فسلم؛ ثم جلس، فقال: "استغفروا لماعز بن مالك"، قال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك؛ قال: فقال رسول الله ﷺ : "لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم"، قال: ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله طهرني، فقال: "ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه". فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك قال: "وما ذاك؟ " قالت: إنها حبلى من الزنى فقال: "آنت؟ " قالت: نعم. فقال لها: "حتى تضعي ما في بطنك" قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت. قال: فأتى النبي ﷺ فقال: قد وضعت الغامدية فقال: "إذا لا نرجمها وندع لها ولدها صغيرًا" ليس له من يرضعه. فقام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعه يا نبي الله. قال: فرجمها" (٢).

стр. 4684

٧ - عن نعيم بن هزال عن أبيه قال: كان ماعز بن مالك يتيمًا في حجر أبي فأصاب جارية من الحي. فقال له أبي: ائت رسول الله ﷺ ؛ فأخبره بما صنعت؛ لعله يستغفر لك - وإنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرجًا - فأتاه، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأقم علي كتاب الله. فأعرض عنه، فعاد؛ فقال: يا رسول الله، إني زنيت فأقم علي كتاب الله فأعرض عنه فعاد فقال: يا رسول الله، إني زنيت؛ فأقم علي كتاب الله. حتى قالها أربع مرار. فقال النبي ﷺ " إنك قد قلتها أربع مرات فبمن؟ " قال بفلانة فقال "هل ضاجعتها؟ " قال نعم قال "هل باشرتها؟ . قال نعم قال: "هل جامعتها؟ قال: نعم. قال: فأمر به أن يرجم، فأخرج به إلى الحرة، فلما رجم فوجد مس الحجارة [جزع] فخرج يشتد فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز أصحابه فنزع له بوظيف بعير - خف البعير - فرماه به فقتله ثم أتي النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال "هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه". (١) ٨ - عن أبي هريرة ﵁ أنه سمعه يقول: جاء الأسلمي نبي الله ﷺ ، فشهد على نفسه أنه أصاب حرة حرامًا، أربع مرات، كل ذلك يعرض عنه، فأقبل في الخامسة، قال: "أنكتها؟ قال: نعم، قال: "حتى غاب ذلك منك في ذلك منها كما يغيب المرود في المكحلة، والرشاء في البئر؟ " قال: نعم، قال: هل تدري ما الزنا؟ قال: نعم، أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا، قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، قال: "فأمر به فرجم، فسمع النبي ﷺ رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب، فسكت النبي ﷺ عنهما، حتى مر بجيفة حمار شائل

стр. 4685

برجله، فقال: "أين فلان وفلان؟ " قالا: نحن ذا يا رسول الله قال: "انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار، " فقالا: يا نبي الله غفر الله لك! من يأكل من هذا؟ قال: "فما نلتما من عرض أخيكما آنفا أشد من أكل الميتة، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها" (١). الوجه الثاني: العلة من انفراد ابن عباس بهذه اللفظة . فكما هو معلوم أن هذا الحديث ورد عن عدد من الصحابة كما سبق بيانه، وهذه اللفظة لم تصح إلا من رواية ابن عباس، ولم تصح عن ابن عباس إلا من طريق عكرمة، وهذا يدل على: أن الأصل في هذا الكلام عند الصحابة هجرانه، لا التلفظ به، إلا لضرورة، كما جاء في الرواية، لأن الأصل العام في هذا هو الحياء، وربما كان هناك أمر آخر، وهو: أن النبي ﷺ لما تلفظ بهذه الكلمة اقترب من ماعز، وخفض صوته، فلم يسمعه إلا ابن عباس. الوجه الثالث: الفهم الصحيح للحديث لكي نفهم هذه الكلمة في هذا الحديث الفهم الصحيح لابد أن توضع بين أصلين كبيرين من أصول هذه الشريعة الغراء. الأصل الأول: منهج القرآن والسنة في التعبير عن اتصال الرجل بالمرأة وبيان أن عباراته في ذلك تفيض أدبا وحياءً. الأصل الثاني: منهج الإسلام في المحافظة على النفس المسلمة، وبيان أنه لا يسارع في سفكها، ولو أدى إلى النطق بمثل هذه الكلمة. أما الأصل الأول: فبالمثال يتضح المقال، وهذه عدة أمثلة تبين منهج القرآن والسنة في التعبير عن علاقة الرجل بالمرأة. ١ - التعبير عن الجماع بكلمة الرفث والمباشرة كما في هذه الآية . ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ

стр. 4686

وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فالأصل في الرفث: هو قول الفحش ثم جعل ذلك اسما لما يتكلم به عند النساء من معاني الإفضاء، ثم جعل كناية عن الجماع وعن كل ما يتبعه. فإن قيل: لم كنى هاهنا عن الجماع بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] , ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] , ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] , ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. جوابه: السبب فيه استهجان ما وجد منهم قبل الإباحة كما سماه اختيانا لأنفسهم. والله أعلم. (١) وقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقوله: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ أي من أحرم بالحج أو العمرة فليجتنب الرفث وهو الجماع أي لا جماع فيه لأنه يفسده كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ فالرفث: كناية عن الجماع لأن الله كريم يكني، وبهذا قال ابن عباس، وابن جبير، والسدي، وقتادة، والحسن، وعكر مة، والزهري، ومجاهد، وما لك. وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك. كذلك التكلم به بحضرة النساء. (٢)

стр. 4687

٢ - التعبير عنه بالقرب والإتيان وعن عدمه بالاعتزال كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢ - ٢٢٣]. فالمراد بالقرب هنا الجماع، وليس المراد منه الاقتراب بالبدن لحديث أنس ﵁: أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة منهم لم يواكلوها، ولم يجامعوها في البيوت فسأل أصحاب النبي ﷺ فأنزل الله ﷻ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ حتى فرغ من الآية فقال رسول الله ﷺ : "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود قالت: كذا وكذا أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله ﷺ فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليهما رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة فقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ يعني الفرج لقوله: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" (١)، ويحل مضاجعتها، ومواكلتها بلا خلاف. قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يأمرني فأغسل رأسه وأنا حائض، وكان يتكئ في حجري وأنا حائض، فيقرأ القرآن. وفي الصحيح عنها قالت: كنت أتعرق العرق وأنا حائض فأعطيه النبي ﷺ فيضع فمه في الوضع الذي وضعت فمي فيه وأشرب الشراب، فأناوله فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه. وقوله ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فيه ندب وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال وقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: يعني الفرج وقوله:

стр. 4688

﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس: الحرث موضع الولد ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي كيف شئتم قال: سمعت جابرًا قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول فنزلت ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، عن عكرمة قال جاء رجل إلى ابن عباس وقال: كنت آتي أهلي في دبرها وسمعت قول الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فظننت أن ذلك لي حلال فقال: يا لكع إنما قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة في أقبالهن لا تعدوا ذلك إلى غيره. (١) ٣ - التعبير عنه بالمس كقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَ ى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، ففي هذه الآية أن الله تعالى أباح طلاق المرأة بعد العقد عليها وقبل الدخول بها قال ابن عباس، وطاووس، وإبراهيم، والحسن البصري: المس النكاح، وقال القرطبي: وقرأ حمزة والكسائي (تماسوهن) من المفاعلة، لأن الوطء تم بهما. (٢) فالمراد بالمس في الآية: الجماع. ٤ - ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [ الأعراف ٨١: ٨٠]. فهذه أيضًا من الكنايات ومثلها ما كان في هذه القصة عند ذكرها في القرآن. ٥ - ومن التعبير عنه بالإتيان في السنة حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: من أتى

стр. 4689

حائضًا أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ . (١) وهذا حديث صحيح، وفي المعنى الذي أردناه وردت أحاديث كثيرة تعبر عن جماع النساء بالإتيان ولاشك أن المراد بإتيان النساء غير المراد بإتيان الكهان وهذا من عظمة اللغة التي تكلم بها رسول الله ونزل بها القرآن ٦ - قول عمر في الخطاب ﵁: حولت رحلي

стр. 4690

فعن ابن عباس ﵄ قال: (جاء عمر بن الخطاب ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت. قال: وما الذي أهلكك؟ قال: حولت رحلي الليلة فلم يرد عليه شيئا فأوحي إلى رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ يقول: أقبل وأدبر واتق الدبر، والحيضة" (١) فهذا عمر ﵁ كنى برحله عن زوجته أراد بها غشيانها في قبلها من جهة ظهرها؛ لأن المجامع يعلو المرأة ويركبها مما يلي وجهها؛ فحيث ركبها من جهة ظهرها كنا عنه بتحويل رحله، إما أن يريد به المنزل والمأوى وإما أن يريد به الرحل الذي تركب عليه الإبل وهو الكور. (٢) ٧ - التعبير عنه بالإفضاء: لقوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: "إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه ثم ينشر سرها". (٣) ٨ - التعبير عنه بالغشي قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)﴾ [الأعراف: ١٨٩]. ٩ - التعبير عنه بالطواف عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يطوف على نسائه بغسل واحد (٤). فهذه بعض الأمثلة على الأصل الأول تعبر عن منهج القرآن، والسنة في التعبير عن هذه العلاقة مع ملاحظة أن هذه النصوص سيقت في بيان صلة الرجل بالمرأة، وهذه

стр. 4691

الكنايات في التعبير عن هذا المعنى نابعة من الحياء الذي هو خلق الإسلام. فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان". (١) وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله ﷺ : "دعه فإن الحياء من الإيمان" (٢). وعن عمران بن حصين قال: قال النبي ﷺ : "الحياء لا يأتي إلا بخير". (٣) ولقد ضرب النبي ﷺ فيه بالسهم الأكبر، وحاز النصيب الأوفر، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان النبي ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها (٤). ولكن هذا الحياء لا يمنعه من التحري في إقامة حدود الله تعالى؛ لأجل المحافظة على الدماء، وهذا هو الأصل الثاني الذي تفهم هذه الكلمة من خلاله. الأصل الثاني: فهو محافظة الإسلام على الدماء، وبيان هذا له مكان آخر وحسبنا أن نشير إليه في هذا المقام، فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حرامًا (٥). وفي سبيل الحفاظ على النفس المسلمة جاء هذا الحديث، عن المقداد بن عمرو الكندي؛ وكان حليفًا لبني زهرة؛ وكان ممن شهد بدرا مع رسول الله ﷺ أخبره: أنه قال لرسول الله ﷺ : أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار فاقتتلنا فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لازمني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا تقتله"! . فقال يا رسول الله إنه قطع إحدى يدي ثم قال ذلك بعد ما قطعها؟ ! فقال رسول الله ﷺ : "لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك

стр. 4692

بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" (١). وعنف النبي ﷺ أسامة بن زيد في هذا الحديث لما قتل الرجل بعد قوله لا إله إلا الله. فعن أسامة بن زيد ﵄ قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله. فكف الأنصاري عنه فطعنته برمحي حتى قتلته. فلما قدمنا بلغ النبي ﷺ فقال: يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ . قلت: كان متعوذًا فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم (٢). وفي هذا الحديث ما يدل على وجوب التحري في مثل هذه الأمور قبل الإقدام على إزهاق النفس. فعن أبي عمران الجوني قال: قال جندب: حدثني فلان أن رسول الله ﷺ قال: يجيء المقتول بقاتله يوم القيامة فيقول: سل هذا فيم قتلني؟ فيقول: قتلته على ملك فلان. قال جندب فاتقها (٣). إلى آخر هذه النصوص التي تدل على شدة حرمة النفس، وعلى وجوب التحري في شأنها. وعليه فإذا كان الحياء أصل يحمل على الكناية في التعبير عن هذه العلاقة، فربما كانت الكناية في باب الحدود سببًا لسفك الدم بشبهة؛ وذلك لأن الزنى منه حقيقة، ومنه مجاز فربما فهم البعض أن الحكم في الكل واحد فيحتاج القاضي إلى العدول إلى لفظ لا إجمال فيه، ولا كناية، فيأتي بكلمة كهذه تقطع كل احتمال، حتى إذا أقر بها قتل بغير شبهة وحتى كلمة الجماع ربما تحمل على مجرد الاجتماع والخلوة في مكان (٤).

стр. 4693

ومثال ما ورد في الزنى المجازي قوله: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه. ومثال من خفي عليه الفرق في ذلك ما جاء في حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ فجاءه رجل فقال: يا رسول الله أني أصبت حدًا فأقمه على. قال: ولم يسأله عنه. قال: وحضرت الصلاة، فصلى مع النبي ﷺ . فلما قضى النبي ﷺ الصلاة، قام إليه الرجل فقال يا رسول الله: إني أصبت حدًا، فأقم فيَّ كتاب الله قال: "أليس قد صليت معنا". قال نعم. قال: "فإن الله قد غفر لك ذنبك". أو قال: "حدك". فقد صح أن هذا الرجل فعل مقدمات الجماع ولم يجامع فظن أن هذا فيه الحد، فجاء يعترف ليقام عليه الحد كما في حديث ابن مسعود ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: إني لقيت امرأة في البستان، فضممتها إليّ، وباشرتها، وقبلتها، وفعلت بها كل شيء، غير أني لم أجامعها. قال: فسكت عنه النبي ﷺ فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. قال: فدعاه النبي ﷺ ، فقرأها عليه. فقال عمر: يا رسول الله، أله خاصة أم للناس كافة؟ فقال: "بل للناس كافة". فإذا علم أن الأمر كذلك، وأنه قد يخفى على بعض الناس الفرق بين الزنا حقيقة، والزنا مجازا، علم أننا أمام مصلحتين. الأولى: مصلحة هجر هذه الكلمة الصريحة تبعًا لأصل الحياء. الثانية: الحفاظ على هذا الدم، وأن لا يسفك على سبيل الخطأ، أو الشبهة. وأعظم المصلحتين هي الحفاظ على الدم إذا كان بريئًا. كما أننا أمام مفسدتين، أقلهما ضررًا؛ التلفظ بهذه الكلمة، وأعظمهما ضررًا هي: قتل الرجل من غير تبين من فهمه، وعقله. وحينئذ نجد القاعدة المستنبطة من نصوص القرآن والسنة، وهي التي تقول: تدرأ أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما إذا تعين وقوع إحداهما،

стр. 4694

وأن يحصل أعظم المصلحتين بترك أخفهما إذا تعين عدم إحداهما، وأعني أن ذلك في الجملة لا أنه عام مطلقًا حيث كان ووجد. (١) وبيان هذه القاعدة: هو أن هذه الشريعة خير كلها ومصالح كلها وعدل كلها، فلم تدع خيرًا إلا دلت عليه ولا شرًّا إلا حذرت منه، وقد جاءت بأصلين عظيمين هما: تقرير المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فما ترك النبي ﷺ خيرًا إلا دلنا عليه ولا شرًّا إلا حذرنا منه، فلا تجد فعلًا أو قولًا فيه مصلحة إلا والشريعة قد أمرت به أمر إيجاب أو استحباب، ولا فعلًا أو قولًا فيه مفسدة إلا والشريعة قد نهت عنه إما نهي تحريم أو كراهة؛ فالواجب إذا هو فعل المصالح كلها، واجتناب المفاسد كلها، بحيث لا يقر الإنسان على ترك مصلحة ولا فعل مفسدة، لكن هذا عند عدم تعارض المصالح والمفاسد، لكن لو قدرنا تعارض مصلحتين؛ بحيث يؤدي فعلنا لأحدهما تفويت الأخرى، أو تعارض مفسدتين بحيث يؤدي ترك أحدهما إلى فعل الأخرى؛ ففي هذه الحالة نكون ملزمين بترك إحدى المصلحتين، وبالوقوع في إحدى المفسدتين؛ فأي المصالح يقدم، وأي المفاسد يجتنب؟ هذا هو ما تجيب عليه هاتان القاعدتان، فالأولى: في تعارض المفاسد. والثانية: في تعارض المصالح. فأما الأولى: فتقضي قضاء جازمًا بأنه عند تعارض المفاسد، فإنه ينظر فيهما، هل هما متساويتان في المفسدة؟ أو أن إحداهما أشد مفسدة من الأخرى؟ فإن كانت هذه المفاسد متساوية؛ فإن الإنسان يخير بترك أحدهما، إذ لا مرجح لإحداهما على الأخرى، أما إذا كانت إحداهما أشد مفسدة من الأخرى؛ فإن الواجب هو اجتناب المفسدة الأشد بارتكاب المفسدة الأخف. وأما الثانية: فكذلك إذا تعارضت مصلحتان، فإن الواجب حينئذ هو النظر بينهما، هل هما متساويتان في المصلحة، أو أن إحداهما أعظم مصلحة من الأخرى؛ فإن كانتا متساويتين في المصلحة؛ فإن الإنسان يخير بفعل إحداهما، إذ لا مرجح لإحداهما على

стр. 4695

الأخرى، وأما إذا كانت إحداهما أعظم مصلحة من الأخرى، فإن المشروع حينئذ هو فعل ما كانت مصلحته أكبر بتفويت ما كانت مصلحته أقل. وقد دل على هاتين القاعدتين أدلة كثيرة في الشرع منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فهنا عندنا مفسدتان، ومصلحتان، فالمفسدة الأولى هي: ترك سب آلهة المشركين المجرد. والثانية: سب الله تعالى. والمصلحة الأولى: هي سب آلهة المشركين المجرد. والثانية: تركهم سب الله تعالى، والمفاسد والمصالح هنا متعارضة، فغلَّب الله تعالى ترك أعلى المفسدتين، الذي هو سب الله تعالى بفعل الصغرى وهو ترك سب آلهة المشركين؛ ذلك لأن ترك سب آلهتهم وإن كان فيه مفسدة لكن أقدمنا عليه؛ لأن في فعله اقتحام مفسدة أكبر وهو سب الله تعالى، فتعارضت المفسدتان فراعينا الكبرى بفعل الصغرى؛ لأن الشريعة جاءت بتقليل المفاسد، وغلَّب الشارع كذلك فعل أكبر المصلحتين على فعل أدناهما، فقال: إن سبكم لآلهتهم مصلحة، وتركهم لسب إلهكم أيضا مصلحة، ولكن المصلحة الثانية أعظم بكثير من المصلحة الأولى، فاتركوا المصلحة الصغرى التي هي سبكم لآلهتهم ليتحقق لكم المصلحة الكبرى وهو تركهم لسب إلهكم؛ لأنه إذا تعارضت مصلحتان، روعي أكبرهما بتفويت أدناهما، وهذا من أقوى الأدلة على هذا الأصل. ومنها: قوله ﷺ لعائشة ﵂ "لَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ فَألزَقْتُهَا بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ في بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِنَ الحجْرِ فَإِنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْهَا حَيْثُ بَنَتِ الْكَعْبَةَ". (١) ففي هذا الحديث مفسدتان، ومصلحتان متعارضتان. فالمفسدة الأولى: ترك البيت على وضعه الراهن.
следующие страницы →