← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

الكنايات في التعبير عن هذا المعنى نابعة من الحياء الذي هو خلق الإسلام. فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان". (١) وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله ﷺ : "دعه فإن الحياء من الإيمان" (٢). وعن عمران بن حصين قال: قال النبي ﷺ : "الحياء لا يأتي إلا بخير". (٣) ولقد ضرب النبي ﷺ فيه بالسهم الأكبر، وحاز النصيب الأوفر، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان النبي ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها (٤). ولكن هذا الحياء لا يمنعه من التحري في إقامة حدود الله تعالى؛ لأجل المحافظة على الدماء، وهذا هو الأصل الثاني الذي تفهم هذه الكلمة من خلاله. الأصل الثاني: فهو محافظة الإسلام على الدماء، وبيان هذا له مكان آخر وحسبنا أن نشير إليه في هذا المقام، فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حرامًا (٥). وفي سبيل الحفاظ على النفس المسلمة جاء هذا الحديث، عن المقداد بن عمرو الكندي؛ وكان حليفًا لبني زهرة؛ وكان ممن شهد بدرا مع رسول الله ﷺ أخبره: أنه قال لرسول الله ﷺ : أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار فاقتتلنا فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لازمني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا تقتله"! . فقال يا رسول الله إنه قطع إحدى يدي ثم قال ذلك بعد ما قطعها؟ ! فقال رسول الله ﷺ : "لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك

стр. 4692

بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" (١). وعنف النبي ﷺ أسامة بن زيد في هذا الحديث لما قتل الرجل بعد قوله لا إله إلا الله. فعن أسامة بن زيد ﵄ قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله. فكف الأنصاري عنه فطعنته برمحي حتى قتلته. فلما قدمنا بلغ النبي ﷺ فقال: يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ . قلت: كان متعوذًا فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم (٢). وفي هذا الحديث ما يدل على وجوب التحري في مثل هذه الأمور قبل الإقدام على إزهاق النفس. فعن أبي عمران الجوني قال: قال جندب: حدثني فلان أن رسول الله ﷺ قال: يجيء المقتول بقاتله يوم القيامة فيقول: سل هذا فيم قتلني؟ فيقول: قتلته على ملك فلان. قال جندب فاتقها (٣). إلى آخر هذه النصوص التي تدل على شدة حرمة النفس، وعلى وجوب التحري في شأنها. وعليه فإذا كان الحياء أصل يحمل على الكناية في التعبير عن هذه العلاقة، فربما كانت الكناية في باب الحدود سببًا لسفك الدم بشبهة؛ وذلك لأن الزنى منه حقيقة، ومنه مجاز فربما فهم البعض أن الحكم في الكل واحد فيحتاج القاضي إلى العدول إلى لفظ لا إجمال فيه، ولا كناية، فيأتي بكلمة كهذه تقطع كل احتمال، حتى إذا أقر بها قتل بغير شبهة وحتى كلمة الجماع ربما تحمل على مجرد الاجتماع والخلوة في مكان (٤).

стр. 4693

ومثال ما ورد في الزنى المجازي قوله: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه. ومثال من خفي عليه الفرق في ذلك ما جاء في حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ فجاءه رجل فقال: يا رسول الله أني أصبت حدًا فأقمه على. قال: ولم يسأله عنه. قال: وحضرت الصلاة، فصلى مع النبي ﷺ . فلما قضى النبي ﷺ الصلاة، قام إليه الرجل فقال يا رسول الله: إني أصبت حدًا، فأقم فيَّ كتاب الله قال: "أليس قد صليت معنا". قال نعم. قال: "فإن الله قد غفر لك ذنبك". أو قال: "حدك". فقد صح أن هذا الرجل فعل مقدمات الجماع ولم يجامع فظن أن هذا فيه الحد، فجاء يعترف ليقام عليه الحد كما في حديث ابن مسعود ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: إني لقيت امرأة في البستان، فضممتها إليّ، وباشرتها، وقبلتها، وفعلت بها كل شيء، غير أني لم أجامعها. قال: فسكت عنه النبي ﷺ فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. قال: فدعاه النبي ﷺ ، فقرأها عليه. فقال عمر: يا رسول الله، أله خاصة أم للناس كافة؟ فقال: "بل للناس كافة". فإذا علم أن الأمر كذلك، وأنه قد يخفى على بعض الناس الفرق بين الزنا حقيقة، والزنا مجازا، علم أننا أمام مصلحتين. الأولى: مصلحة هجر هذه الكلمة الصريحة تبعًا لأصل الحياء. الثانية: الحفاظ على هذا الدم، وأن لا يسفك على سبيل الخطأ، أو الشبهة. وأعظم المصلحتين هي الحفاظ على الدم إذا كان بريئًا. كما أننا أمام مفسدتين، أقلهما ضررًا؛ التلفظ بهذه الكلمة، وأعظمهما ضررًا هي: قتل الرجل من غير تبين من فهمه، وعقله. وحينئذ نجد القاعدة المستنبطة من نصوص القرآن والسنة، وهي التي تقول: تدرأ أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما إذا تعين وقوع إحداهما،

стр. 4694

وأن يحصل أعظم المصلحتين بترك أخفهما إذا تعين عدم إحداهما، وأعني أن ذلك في الجملة لا أنه عام مطلقًا حيث كان ووجد. (١) وبيان هذه القاعدة: هو أن هذه الشريعة خير كلها ومصالح كلها وعدل كلها، فلم تدع خيرًا إلا دلت عليه ولا شرًّا إلا حذرت منه، وقد جاءت بأصلين عظيمين هما: تقرير المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فما ترك النبي ﷺ خيرًا إلا دلنا عليه ولا شرًّا إلا حذرنا منه، فلا تجد فعلًا أو قولًا فيه مصلحة إلا والشريعة قد أمرت به أمر إيجاب أو استحباب، ولا فعلًا أو قولًا فيه مفسدة إلا والشريعة قد نهت عنه إما نهي تحريم أو كراهة؛ فالواجب إذا هو فعل المصالح كلها، واجتناب المفاسد كلها، بحيث لا يقر الإنسان على ترك مصلحة ولا فعل مفسدة، لكن هذا عند عدم تعارض المصالح والمفاسد، لكن لو قدرنا تعارض مصلحتين؛ بحيث يؤدي فعلنا لأحدهما تفويت الأخرى، أو تعارض مفسدتين بحيث يؤدي ترك أحدهما إلى فعل الأخرى؛ ففي هذه الحالة نكون ملزمين بترك إحدى المصلحتين، وبالوقوع في إحدى المفسدتين؛ فأي المصالح يقدم، وأي المفاسد يجتنب؟ هذا هو ما تجيب عليه هاتان القاعدتان، فالأولى: في تعارض المفاسد. والثانية: في تعارض المصالح. فأما الأولى: فتقضي قضاء جازمًا بأنه عند تعارض المفاسد، فإنه ينظر فيهما، هل هما متساويتان في المفسدة؟ أو أن إحداهما أشد مفسدة من الأخرى؟ فإن كانت هذه المفاسد متساوية؛ فإن الإنسان يخير بترك أحدهما، إذ لا مرجح لإحداهما على الأخرى، أما إذا كانت إحداهما أشد مفسدة من الأخرى؛ فإن الواجب هو اجتناب المفسدة الأشد بارتكاب المفسدة الأخف. وأما الثانية: فكذلك إذا تعارضت مصلحتان، فإن الواجب حينئذ هو النظر بينهما، هل هما متساويتان في المصلحة، أو أن إحداهما أعظم مصلحة من الأخرى؛ فإن كانتا متساويتين في المصلحة؛ فإن الإنسان يخير بفعل إحداهما، إذ لا مرجح لإحداهما على

стр. 4695

الأخرى، وأما إذا كانت إحداهما أعظم مصلحة من الأخرى، فإن المشروع حينئذ هو فعل ما كانت مصلحته أكبر بتفويت ما كانت مصلحته أقل. وقد دل على هاتين القاعدتين أدلة كثيرة في الشرع منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فهنا عندنا مفسدتان، ومصلحتان، فالمفسدة الأولى هي: ترك سب آلهة المشركين المجرد. والثانية: سب الله تعالى. والمصلحة الأولى: هي سب آلهة المشركين المجرد. والثانية: تركهم سب الله تعالى، والمفاسد والمصالح هنا متعارضة، فغلَّب الله تعالى ترك أعلى المفسدتين، الذي هو سب الله تعالى بفعل الصغرى وهو ترك سب آلهة المشركين؛ ذلك لأن ترك سب آلهتهم وإن كان فيه مفسدة لكن أقدمنا عليه؛ لأن في فعله اقتحام مفسدة أكبر وهو سب الله تعالى، فتعارضت المفسدتان فراعينا الكبرى بفعل الصغرى؛ لأن الشريعة جاءت بتقليل المفاسد، وغلَّب الشارع كذلك فعل أكبر المصلحتين على فعل أدناهما، فقال: إن سبكم لآلهتهم مصلحة، وتركهم لسب إلهكم أيضا مصلحة، ولكن المصلحة الثانية أعظم بكثير من المصلحة الأولى، فاتركوا المصلحة الصغرى التي هي سبكم لآلهتهم ليتحقق لكم المصلحة الكبرى وهو تركهم لسب إلهكم؛ لأنه إذا تعارضت مصلحتان، روعي أكبرهما بتفويت أدناهما، وهذا من أقوى الأدلة على هذا الأصل. ومنها: قوله ﷺ لعائشة ﵂ "لَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ فَألزَقْتُهَا بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ في بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِنَ الحجْرِ فَإِنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْهَا حَيْثُ بَنَتِ الْكَعْبَةَ". (١) ففي هذا الحديث مفسدتان، ومصلحتان متعارضتان. فالمفسدة الأولى: ترك البيت على وضعه الراهن.

стр. 4696

والثانية: افتتان الناس بهدم البيت، فارتكبت أدناهما، وهي تركه على وضعه الراهن. وأما المصلحتان: فالأولى: بناء البيت على قواعد إبراهيم. والثانية: مصلحة عدم افتتان الناس عن الإسلام وتأليفهم عليه، إلى أن يقر الإيمان في قلوبهم، ولا شك أن المصلحة الثانية هي الكبرى، فلما تعارضتا. رُوعِي أكبرهما بتفويت أدناهما، فترك البيت كما هو مراعاة لمصلحة تأليف الناس على الإسلام. (١) وهذه المسألة من هذا الباب فعلم مما مر أن النبي ﷺ راعى أعظم المصلحتين؛ وهي حفظ الدماء، ولو بتفويت أدناهما، وهو ترك النطق بهذه الكلمة، وحاول دفع أعظم المفسدتين وهي سفك الدم من غير تبين ولو بالوقوع في أقلهما، وهي النطق بهذه الكلمة. فإذا كان اللفظ يحتمل اللبس والإشكال أو المجاز، فعند ذلك يذكر الاسم الصريح ولا خجل، ولا عيب في حدود الله، وتقدير النفس البشرية، كقول الله ﷻ : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فذكر الله تعالى الاسم الصريح للفاحشة، وكذلك قول النبي ﷺ للزاني: "أنكتها" ذكره بالاسم الصريح، لئلا يقع في اللبس والإشكال، ولم يؤثر أن رسول الله ﷺ صرح إلا لحاجة ضرورية قصة ماعز ﵁ لما قال: "أنكتها؟ " يصرح لا يكني؛ لأن رسول الله ﷺ يريد درء الحد عن ماعز، ولا يريد منه أن يعترف بمستور تمحوه التوبة؛ ولولا أن القضية قضية نفس إنسانية لما سمعها أحد من لسانه ﷺ ؛ لأن الحاجة هنا داعية للتصريح، حتى يتبين الأمر جليًا، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهذه الكلمة لم تسمع من رسول الله ﷺ من قبل هذه الحادثة ولا من بعد؛ لأن الأمر كان حياة إنسان. فهذا ما ذكره الرسول ﷺ محاولًا تبرئة الزاني خوفًا من أن يكون فهم معنى الزنا بالخطأ، ولكن لو تدبروا الحديث لوجدوا فيه الكثير من العبر وسماحة الإسلام، وقوة إيمان أمته. قال ابن حجر: وفيه التثبت في إزهاق نفس المسلم والمبالغة في صيانته لما وقع في هذه القصة من ترديده والإيماء إليه بالرجوع والإشارة إلى قبول دعواه إن ادعى إكراهًا أو خطأ

стр. 4697

في معنى الزنا أو مباشرة دون الفرج مثلًا أو غير ذلك، وفيه مشروعية الإقرار بفعل الفاحشة عند الإمام، وفي المسجد والتصريح فيه بما يستحيى من التلفظ به من أنواع الرفث في القول من أجل الحاجة الملجئة لذلك. (١) وهذا يدل أن الحدود لا تقام إلا بالإفصاح دون الكنايات، ألا ترى لو أن الشهود شهدوا على رجل بالزنا، ولم يقولوا رأيناه أولج فيها كان حكمهم حكم من قذف لا حكم من شهد، رفقًا من الله بعباده وسترًا عليهم ليتوبوا. (٢) وقال النووي: وقد يستعملون صريح الاسم لمصلحة راجحة وهي إزالة اللبس، أو الاشتراك أو نفي المجاز، أو نحو ذلك كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾، وكقوله ﷺ : "أنكتها" وكقوله ﷺ : "أدبر الشيطان وله ضراط". وكقول أبى هريرة ﵁: الحدث فساء أو ضراط. ونظائر ذلك كثيرة اهـ. (٣) الوجه الثالث [*]: عدم تلفظ النبي ﷺ بهذه الكلمة إلا في هذه المرة . مما يؤكد ما قلناه من الحياء وعدم الفحش، أن هذه الكلمة لم تصدر من النبي ﷺ إلا هذه المرة في هذا الموقف، ولذلك لما جاءت المرأة؛ وكانت حاملًا، وتبيّن زناها بالحمل لم يتكلم معها في هذا الأمر بقليل ولا كثير؛ لأن الأمر ظهر والمرأة حامل، ثم هي معترفة؛ سوى أنه أمرها بالرجوع حتى تضع ما في بطنها، وفي رواية أنه أمرها بإرضاعه، وهذا يؤكد الحافظة على الدماء أيضًا؛ لأنه لو رجمها وهي حامل لمات ما في بطنها من غير ذنب، فأين هذه الرحمة بالجنين وأمه من هؤلاء الذين يقولون بتوفير الجنس الآمن للفتاة عن طريق توفير موانع الحمل وسهولة الإجهاض الذي يعني قتل الأجنة التي لا ذنب لها؟ ! . الوجه الرابع: محاولة النبي ﷺ دفع الحد عن الرجل كما جاء في ألفاظ الحديث .

стр. 4698

ومما يؤكد ما قلناه من جعل المحافظة على الدماء سببًا لهذه الكلمة في هذه الرواية على اختلاف ألفاظها كما مر تخريجها ما يلي: ١ - تلقين النبي ﷺ له ما يبرئه حيث قال له: "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت". قال لا يا رسول الله قال: "أنكتها؟ " - لا يكني - قال: فعند ذلك أمر برجمه، وهذا واضح في أنه لم يقل هذه الكلمة إلا بعد أن نفى الرجل كل الوسائل المحتملة لبراءته ولم يأمر برجمه حتى صرح بها، ولم يكني حتى لا يكون في الأمر بعد ذلك شبهة، ويؤخذ من قوله ﷺ : "هل أحصنت؟ وجوب الاستفسار عن الحال التي تختلف الأحكام باختلافها). (١) وقال ابن القيم: يستحب للإمام أن يعرض للمقر بأن لا يقر، وأنه يجب استفسار المقر في محل الإجمال لأن اليد، والفم، والعين لما كان استمتاعها زنى، استفسر عنه دفعا لاحتماله، وأن الإمام له أن يصرح باسم الوطء الخاص به عند الحاجة إليه كالسؤال عن الفعل. (٢) وقال الشنقيطي: اعلم أن الظاهر اشتراط التصريح بموجب الحد الذي هو الزنا تصريحًا ينفي كل احتمال؛ لأن بعض الناس قد يطلق اسم الزنا على ما ليس موجبا للحد. (٣) ٢ - التثبت من سلامة عقله من الجنون والسكر: لأن المجنون لا يقام عليه الحد والسكران لا يؤاخذ باعترافه، وفيه أن إقرار السكران لا أثر له يؤخذ من قوله: استنكهوه. (٤) وقال ابن القيم: وأن إقرار زائل العقل بجنون، أو سكر ملغي لا عبرة به. (٥) ٣ - الإعراض عنه عدة مرات: والرجل مصر على الاعتراف، وقد وقع في حديث نعيم بن هزال "هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه"، وعند أبي داود من حديث بريدة قال: كنا أصحاب رسول الله ﷺ نتحدث أن ماعزا والغامدية لو رجعا لم يطلبهما. (٦)

стр. 4699

٤ - نصحه له بالرجوع والاستغفار والتوبة ترغيبًا منه في الستر. ٥ - قوله: "هلا تركتموه يعني بعدما فر من الحجارة". فلوحظ في روايات القصة أن هذه الكلمة قيلت في مجلس قضائي كان النبي ﷺ يبحث فيه من خلال الجاني على ما يسقط العقوبة أو يرفعها كما ظهر من روايات الحديث ومما يبين ذلك أن العقوبات ترفع عن الجاني بأمور منها: ١ - الإكراه. ٢ - السكر. ٣ - الجنون. ومنه الجنون المطبق والمتقطع والجزئي وأقله العته، وقريب منه الصرع والهستريا وما أشبه من حالات عصبية. وكما هو معلوم أن الجنون لا يبيح الجريمة، ولكنه يرفع حكمها عن الجاني؛ فإذا كان الجنون معاصرًا للجريمة لا توقع على الجاني عقوبة. (١) الوجه الخامس: أن النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى فهذه الكلمة في هذا الموطن لو كان فيها شيء لعاتبه الله على ذلك؛ كما وقع العِتَابُ في أمور معروفة فلمّا لم يقع شيء من ذلك علم أنها لا شيء فيها. وكذلك لو كان فيها شيء لاحتج عليه بها أعداؤه من اليهود والمنافقين والمشركين في المدينة وخارجها، ولم يقع شيء من ذلك؛ لأنها لا شيء فيها عندهم فهل عرف هؤلاء عن اللغة ما لم يعلمه من سبق؟ . الوجه السادس: أن الحدود تدرأ بالشبهات ولا تقام إلا باليقين وأن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، وذلك لأن الخطأ في العفو يمكن استدراكه بإيقاع العقوبة بعد التيقن، أما الخطأ في العقوبة فأنى يمكن استدراكه إذا تبين الخطأ بعد قتل الرجل، وهذه القاعدة من القواعد الهامة في الشريعة . والحدود هي العقوبات المقدرة، ويدخل تحت الحدود العقوبات المقررة لجرائم الحدود والعقوبات المقررة لجرائم القصاص، والدية.

стр. 4700

ولقد عقد كثير من العلماء عنوانًا في كتابه بهذه القاعدة. فقال ابن أبي شيبة في مصنفه كتاب الحدود: في درء الحدود بالشبهات. وقال البيهقي في السنن (١): باب ما جاء في درء الحدود بالشبهات. وقال الترمذي في الباب الثاني من كتاب الحدود: باب ما جاء في درء الحدود. وفي هذا المعنى آثار عن النبي ﷺ وعن صحابته يقوي بعضها بعضًا، وتدل على أن للقاعدة أصلًا؛ منها ما يلي: ١ - حديث ماعز الذي معنا فإنه يعد من أهم الأدلة على هذه القاعدة. ٢ - عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة. (٢) ٣ - عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: أتي النبي ﷺ برجل سرق شملة فقيل يا رسول الله إن هذا قد سرق. فقال النبي ﷺ : "ما أخاله يسرق أسرقت؟ قال: نعم. قال: "

стр. 4701

فاذهبوا به فاقطعوا يده ثم احسموها ثم ائتوني به فأتوا به فقال: تب إلى الله . قال: فإني أتوب إلى الله. قال اللهم تب عليه". (١) والشاهد قوله: ما إخاله سرق، وما قال ذلك إلا لدرء الحد عنه. ٤ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ادفعوا الحد ما وجدتم له مدفعًا". (٢) ٥ - فعل الصحابة في درء الحد بالشبهة؛ كما في هذه الرواية: عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: توفي عبد الرحمن بن حاطب، وأعتق من صلى من رقيقه وصام، وكانت له أمة نوبية قد صلت، وصامت، وهي أعجمية لم تفقه، فلم يرع إلا حبلها، وكانت ثيبًا، فذهب إلى عمر فزعًا، فحدثه، فقال له عمر: لأنت الرجل لا يأتي بخير، فأفزعه ذلك، فأرسل إليها، فسألها فقال: حبلت؟ قالت: نعم، من مرغوش بدرهمين، وإذا هي تستهل بذلك، لا تكتمه، فصادف عنده عليًّا، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، فقال: أشيروا علي! وكان عثمان جالسًا فاضطجع، فقال علي وعبد الرحمن: كأنها لا تعلمه، وليس الحد إلا على من علمه، فأمر بها فجلدت مئة، ثم غربها، ثم قال: صدقت، والذي نفسي بيده ما الحد إلا على من علم (٣).

стр. 4702

قال البيهقي بعد روايته للحديث: كان حدها الرجم فكأنه ﵁ درأ عنها حدها للشبهة بالجهالة، وجلدها وغربها تعزيرًا. والله أعلم. ٥ - عن إبراهيم قال: قال عمر بن الخطاب: لئن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات. (١) ٦ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أدرءوا القتل والجلد عن المسلمين ما استطعتم. (٢) وقد أخذ بهذه القاعدة جمهور الفقهاء ولم يخالف فيها إلا الظاهرية، وكثرة الآثار المروية فيها عن الصحابة تدل على أن لها أصلًا. فإذا علم هذا علم أن النبي ﷺ قال هذه الكلمة ليزيل الشبهة قبل إقامة الحد والله أعلم. الوجه السابع: وضع العلماء هذه اللفظة في أبواب الحدود . في تراجم العلماء على هذه اللفظة هل هي في أبواب العشرة مثلا أم في أبواب الحدود؟ وبهذا يظهر أن النطق بها عند علماء الإسلام لم يكن إلا لهذا الغرض من التحري في أمر الدماء كما مر، وها هي ترجمة البخاري على هذا الحديث حيث قال: (باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت)، وأخرج ابن حبان هذه اللفظة من حديث أبي هريرة ﵁ في كتاب الحدود، وترجم عليه ابن حجر في بلوغ المرام كتاب الحدود، وأخرجها عبد الرزاق تحت باب الرجم والإحصان، وكأن صنيع أهل العلم في جعل هذه الكلمة تحت هذه التراجم، يشير إلى

стр. 4703

وجوب التحري والتثبت قبل إقامة الحدود حفظًا للدماء أخذا من هذه الكلمة. الوجه الثامن: حد الرجم يثبت بالإقرار فلابد من البيان والاستفصال . والإقرار لغة: الإثبات. وفي الشرع: إخبار الإنسان بما عليه، وهو ضد الجحود. ويشترط في الإقرار أن يكون مفصلًا مبينًا لا إجمال فيه. قال الصنعاني: دلت ألفاظ الحديث على أنه يجب على الإمام الاستفصال عن الأمور التي يجب معها الحد فإنه قد روي في هذا الحديث ألفاظ كثيرة دالة عليه، ففي حديث بريدة أنه قال "أشربت خمرًا؟ قال: لا وأنه قام رجل يستنكهه فلم يجد فيه ريحًا. وفي حديث ابن عباس ﵄: "لعلك قبلت أو غمزت" وفي رواية: "هل ضاجعتها؟ قال: نعم، قال: فهل باشرتها؟ قال: نعم قال: هل جامعتها؟ قال: نعم" وفي حديث ابن عباس: "أنكتها؟ " لا يكني. رواه البخاري وفي حديث أبي هريرة "أنكتها؟ ". قال: نعم قال: دخل ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم. قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال: نعم، قال: تدري ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا. قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: تطهرني، فأمر به فرجم. فدل جميع ما ذكر على أنه يجب الاستفصال والتبين، وأنه يندب تلقين ما يسقط الحد، وأن الإقرار لا بد فيه من اللفظ الصريح الذي لا يحتمل غير المواقعة. وقد روي عن جماعة من الصحابة تلقين المقر كما أخرجه مالك عن أبي الدرداء، وعن علي ﵁ قصة شراحة؛ فإنه قال لها علي (استكرهت)؟ قالت: لا. قال: فلعل رجلًا أتاك في نومك؟ ... الحديث. وعند المالكية أنه لا يلقن من اشتهر بانتهاك الحرمات. وفي قوله: "أشربت خمرًا" دليل على أنه لا يصح إقرار السكران، وفيه خلاف. (١) فدل ذلك كله على أنه يجب في الإقرار أن يكون مفصلًا مبينًا لحقيقة الفعل المقر به. (٢)

стр. 4704

ولأجل هذا سأله النبي ﷺ عن الأمر صريحًا. قال ابن حجر: وفيه جواز تلقين المقر بما يوجب الحد ما يدفع به عنه الحد، وأن الحد لا يجب إلا بالإقرار الصريح، ومن ثم شرط على من شهد بالزنا أن يقول رأيته ولج ذكره في فرجها أو ما أشبه ذلك، ولا يكفي أن يقول أشهد أنه زنى، وثبت عن جماعة من الصحابة تلقين المقر بالحد. كما أخرجه مالك، عن عمرو بن أبي شيبة، عن أبي الدرداء. وعن علي في قصة شراحة، ومنهم من خص التلقين بمن يظن به أنه يجهل حكم الزنا وهو قول أبي ثور، وعند المالكية يستثنى تلقين المشتهر بانتهاك الحرمات، ويجوز تلقين من عداه وليس ذلك بشرط (١). ويترتب على هذا أن الزاني إذا أقر فلا يؤخذ إقراره قضية مسلَّمة، وعلى القاضي لكي يتحقق من صحة إقراره أن يتحقق أولا من صحة عقله كما فعل الرسول ﷺ مع ماعز حيث سأله عن عقله وبعث إلى قومه يسألهم عنه فإذا عرف القاضي أن الزاني صحيح العقل سأله عن ماهية الزنا، وكيفيته، ومكانه، وزمانه؛ فإذا بين ذلك كله على وجه يجعله مسئولًا جنائيًا سأله أمحصن هو أم لا؛ فإن اعترف بالإحصان سأله عن ماهيته، وسؤال المقر عن زمان الزنا لاحتمال أن يكون الزنا وقع قبل البلوغ (٢). شبهة: لماذا قال النبي ﷺ للرجلين: انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار ؟ وهذه هي الرواية بذلك عن أبي هريرة ﵁، قال: جاء ماعز بن مالك الأسلمي، فرجمه النبي ﷺ عند الرابعة، فمر به رسول الله ﷺ ومعه نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: إن هذا لخائن، أتى النبي ﷺ مرارًا، كل ذلك يرده، حتى قتل كما يقتل الكلب، فسكت عنهم النبي ﷺ ، حتى مر بجيفة حمار شائلة رجله، فقال: "كلا من هذا، قالا: من جيفة حمار يا رسول الله! قال: فالذي نلتما من عرض أخيكما آنفا أكثر، والذي نفس محمد بيده إنه في نهر من أنهار الجنة ينغمس". وفي رواية: فأتى رسول الله ﷺ على حمار ميت، فقال لهما: "انهسا من هذا الحمار،

стр. 4705

فقالا: يا رسول الله، جيفة ميتة، كيف ننهس منها؟ فقال: الذي أصبتما من أخيكما أنتن، والذي نفس محمد بيده، إنه لينغمس في أنهار الجنة" (١). والجواب على ذلك: الوجه الأول: أن هذه الزيادة منكرة تفرد بها أبو الزبير المكي، عن عبد الرحمن بن الصامت وهو مجهول لا يدري من هو، وأبو الزبير مدلس ولم يصرح بالتحديث. الوجه الثاني: على فرض صحته فذاك جزاء من يقع في غيبة أخيه المسلم. قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. الوجه التاسع: نصوص الكتاب المقدس الفاحشة والتي لا تتناسب أن تكون كلامًا للإله . جاء في حزقيال (الإصحاح ٢٣/ ١ - ٢٢): وَكَانَ إِليَّ كَلامُ الرَّبِّ قَائِلًا: "يَا ابْنَ آدَمَ، كَانَ امْرَأَتانِ ابْنَتَا أُمٍّ وَاحِدَةٍ، وَزَنَتَا بِمِصْرَ. فِي صِبَاهُمَا زَنَتَا. هُنَاكَ دُغْدِغَتْ ثُدِيُّهُمَا، وَهُنَاكَ تَزَغْزَغَتْ تَرائِبُ عُذْرَتِهَما. وَاسْمُهُما: أُهُولَةُ الْكَبِيرَةُ، وَأُهُولِيبَةُ أُخْتُهَا. وَكَانَتَا لِي، وَوَلَدَتَا بَنِينَ وَبَنَاتٍ. وَاسْمَاهُمَا: السَّامِرَةُ "أُهُولَةُ"، وَأُورُشَلِيمُ "أُهُولِيبَةُ". وَزَنَتْ أُهُولَةُ مِنْ تَحْتِي وَعَشِقَتْ مُحبِّيهَا، أَشُّورَ الأَبْطَالَ اللَّابِسِينَ الأَسْمَانْجُونِيَّ وُلاةً وَشِحَنًا، كُلُّهُمْ شُبَّانُ شَهْوَةٍ، فُرْسَانٌ رَاكِبُونَ الْخَيْلَ.

стр. 4706

فَدَفَعَتْ لهمْ عُقْرَهَا لِمُخْتَارِي بَنِي أَشُّورَ كُلِّهِمْ، وَتَنَجَّسَتْ بِكُلِّ مَنْ عَشِقَتْهُمْ بِكُلِّ أَصْنَامِهِمْ. وَلَمْ تَتْرُكْ زِنَاهَا مِنْ مِصْرَ أَيْضًا، لأَنَّهُمْ ضَاجَعُوهَا في صِبَاهَا، وَزَغْزَغُوا ترَائِبَ عِذْرَتِهَا وَسَكَبُوا عَلَيْهَا زِنَاهُمْ. لِذلِكَ سَلَّمْتُهَا لِيَدِ عُشَّاقِهَا، لِيَدِ بَنِي أَشُّورَ الَّذِينَ عَشِقَتْهُمْ. هُمْ كَشَفُوا عَوْرَتهَا. أَخَذُوا بَنِيهَا وَبَنَاتِهَا، وَذَبَحُوهَا بِالسَّيْفِ، فَصَارَتْ عِبْرَةً لِلنِّسَاءِ. وَأَجْرَوْا عَلَيْهَا حُكْمًا. "فَلَمّا رَأَتْ أُخْتُهَا أُهُولِيبَةُ ذلِكَ أَفْسَدَتْ فِي عِشْقِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، وَفي زِنَاهَا أَكْثَرَ مِنْ زِنَا أُخْتِهَا. عَشِقَتْ بَنِي أَشُّورَ الْوُلاةَ وَالشِّحَنَ الأَبْطَالَ اللَّابِسِينَ أَفْخَرَ لِبَاسٍ، فُرْسَانًا رَاكِبِينَ الْخَيْلَ كُلُّهُمْ شُبَّانُ شَهْوَةٍ. فَرَأَيْتُ أَنَّهَا قَدْ تَنَجَّسَتْ، وَلكِلْتَيْهِمَا طَرِيقٌ وَاحِدَةٌ. وَزَادَتْ زِنَاهَا. وَلمَّا نَظَرَتْ إِلَى رِجَال مُصَوَّرِينَ عَلَى الحائِطِ، صُوَرُ الْكَلْدَانِيِّينَ مُصَوَّرَةً بِمُغْرَةٍ، مُنَطَّقِينَ بِمَنَاطِقَ عَلَى أَحْقَائِهِمْ، عَمائِمُهُمْ مَسْدُولَةٌ عَلَى رُؤُوسِهِمْ. كُلُّهُمْ في المنْظَرِ رُؤَسَاءُ مَرْكَبَاتٍ شِبْهُ بَنِي بَابِلَ الْكَلْدَانِيِّينَ أَرْضُ مِيلادِهِمْ، عَشِقَتْهُمْ عِنْدَ لمحِ عَيْنيهَا إِيَّاهُمْ، وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ رُسُلًا إِلَى أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ. فَأتاهَا بَنُو بَابِلَ في مَضْجَعِ الحُبِّ وَنَجَّسُوهَا بِزِنَاهُمْ، فتَنَجَّسَتْ بِهِمْ، وجَفَتْهُمْ نَفْسُهَا. وَكَشَفَتْ زِنَاهَا وَكَشَفَتْ عَوْرَتهَا، فَجَفَتْهَا نَفْسِي، كما جَفَتْ نَفْسِي أُخْتَهَا. وَأَكْثَرَتْ زِنَاهَا بِذِكْرِهَا أيَّامَ صِبَاهَا الَّتِي فِيهَا زَنَتْ بِأَرْضِ مِصْرَ. وَعَشِقَتْ مَعْشُوقِيهِمِ الَّذِينَ لحمُهُمْ كَلَحْمِ الحَمِيرِ وَمَنِيُّهُمْ كَمَنِيِّ الخَيْلِ. وَافْتَقَدْتِ رَذِيلَةَ صِبَاكِ بِزَغْزَغَةِ المِصْرِيِّينَ ترَائِبَكِ لأَجْلِ ثَدْيِ صِبَاكِ. (نشيد الإنشاد ٧/ ١ - ١٠): مَا أَجْمَلَ رِجْلَيْكِ بِالنَّعْلَيْنِ يَا بِنْتَ الْكَرِيمِ! دَوَائِرُ فَخْذَيْكِ مِثْلُ الحَليِّ، صَنْعَةِ يَدَيْ صَنَّاعٍ. سُرَّتُكِ كَأْسٌ مُدَوَّرَةٌ، لا يُعْوِزُهَا شَرَابٌ مَمزوجٌ. بَطْنُكِ صُبْرَةُ حِنْطَةٍ مُسَيَّجَةٌ بِالسَّوْسَنِ. ثَدْيَاكِ كَخَشْفَتَيْنِ، تَوْأَمَيْ ظَبْيَةٍ. عُنُقُكِ كَبُرْجٍ مِنْ عَاجٍ. عَيْنَاكِ كَالْبِرَكِ في حَشْبُونَ عِنْدَ بَابِ بَثِّ رَبِّيمَ. أنفُكِ كَبُرْجِ لُبْنَانَ النَّاظِرِ تجاهَ دِمَشْقَ. رَأْسُكِ عَلَيْكِ مِثْلُ الْكَرْمَلِ، وَشَعْرُ رَأْسِكِ كَأُرْجُوَانٍ. مَلِكٌ قَدْ أُسِرَ بِالْخُصَلِ. مَا أَجْمَلَكِ وَمَا أَحْلاكِ أَيَّتُهَا الحَبِيبَةُ بِاللَّذَّاتِ! قَامَتُكِ هذِهِ شَبِيهَةٌ بِالنَّخْلَةِ، وَثَدْيَاكِ بِالْعَنَاقِيدِ. قُلْتُ: "إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى النَّخْلَةِ وَأُمْسِكُ بِعُذُوقِهَا". وَتَكُونُ ثَدْيَاكِ كَعَنَاقِيدِ الْكَرْمِ، وَرَائِحَةُ أنْفِكِ كَالتُّفَّاحِ، وَحَنكُكِ كَأَجْوَدِ الْخَمْرِ. * * *

стр. 4707

٢٦ - شبهة أن النبي ﷺ لم يكن رحمة للعالمين نص الشبهة: ما معنى قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ مع أن النبي ﷺ لم يكن رحمة للكافرين؟ والجواب من وجوه: الوجه الأول: معنى الآية الكريمة الوجه الثاني: مظاهر رحمته ﷺ . الوجه الثالث: كيف كان رحمة للكافرين؟ . وإليك التفصيل الوجه الأول: معنى الآية الكريمة. قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ يقول الله تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : وما أرسلناك يا محمد إلى خلقنا إلا رحمة لمن أرسلناك إليه من خلقي. ثم اختلف أهل التأويل في معنى هذه الآية، أجميع العالم الذي أرسل إليهم محمد أريد بها مؤمنهم وكافرهم؟ أم أريد بها أهل الإيمان خاصة دون أهل الكفر؟ فقال بعضهم: عني بها جميع العالم المؤمن والكافر. وورد ذلك عن ابن عباس ﵄ قال: من آمن بالله واليوم الآخر كُتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله، عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف. وقال آخرون: بل أريد بها أهل الإيمان دون أهل الكفر. وأولى القولين في ذلك بالصواب. القول الذي رُوي عن ابن عباس، وهو أن الله أرسل نبيه محمدا ﷺ رحمة لجميع العالم، مؤمنهم وكافرهم، فأما مؤمنهم فإن الله هداه به، وأدخله بالإيمان به، وبالعمل بما جاء من عند الله الجنة، وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذّبة رسلها من قبله (١).

стр. 4708

الوجه الثاني: مظاهر رحمته ﷺ -: قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. فالرسول ﷺ عربي قرشي معروف النسب، لم يطعن أحد في صحة نسبه وكرم محتده، فمخاطبة الله تعالى للعرب بأن الرسول ﷺ من أنفسهم تذكير لهم بأنه لهم ناصح ومحب، وعليهم مشفق، وعلى هدايتهم حريص، وأنه بهم رفيق وعليهم مشفق، يشق عليه ضلالهم ويفرح لهدايتهم، ووردت أحاديث كثيرة تبين بعض مظاهر الرحمة المهداة، والمتمثلة بالمصطفى ﷺ فمن ذلك وفاته ﷺ قبل أمته ليكون لها سلفًا ففي الحديث: "إِنَّ الله إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِنْ عِبَادِهِ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا بَيْنَ يَدَيْهَا وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ فَأَهْلَكَهَا وَهُوَ يَنْظُرُ فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلَكَتِهَا حِينَ كَذَّبُوهُ وَعَصَوْا أَمْرَهُ" (١). ومن وقائع السيرة النبوية أن ثقيفًا آذت رسول الله ﷺ عندما ذهب إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام؛ حتى رشقوه بالحجارة وأدموا قدميه، وخيره الله تعالى أن يعاقبهم فيطبق عليهم الجبال، فقال ﷺ : "بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ الله وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا". (٢) وكان ﷺ أمنا لأمته في حياته، كما أن الاستغفار أمن لها بعد وفاته قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]. وهو رحمة عامة كما جاء في القرآن ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ كما أنه نور يضيء طريق الهداية للناس قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب: ٤٥: ٤٦].

стр. 4709

وعن أنس بن مالك ﵁: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء من المدينة كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه رسول الله ﷺ أظلم من المدينة كل شيء، وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا. (١) وقد منح الله تعالى الأنبياء دعوة مستجابة، فتعجلوها ودعوا بها، أما الرسول الكريم ﷺ فقد ادخرها لأمته كما في الحديث: "لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة" (٢). وتتجلى في رسالة النبي الكريم كل معاني الرحمة، فقد رفع الله عن أمته الإصر والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، فيسر لها الدين ورفع عنها الحرج ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وقد امتلأت نفس الرسول الكريم بالرحمة، وأوصى أتباعه بأن يكونوا رحماء كما وصفهم القرآن: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩]. (٣) رحمة الرسول ﷺ -: ١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. ٢ - وقال ﷺ : "بعثت بالرحمة". (٤) ٣ - وقال ﷺ : "إنما أنا رحمة مهداة". (٥)

стр. 4710

٤ - وقال ﷺ : "لا يرحم الله من لا يرحم الناس" (١). ٥ - وقال ﷺ : "لا تنزع الرحمة إلا من شقي" (٢). ٦ - وقال ﷺ : "الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎: ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء". "أي على السماء وهو الله". (٣) ٧ - وقال في فضل الرحمة "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". (٤) رحمة النبي ﷺ بالعيال: قال أنس بن مالك ﵁: ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ (٥). وقال زيد بن حارثة: أرسلت ابنة النبي ﷺ إليه أن ابنًا لي قبض فأتنا، فأرسل يقرئ السلام ويقول: "إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب"، فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال، فرفع إلى رسول الله ﷺ الصبي ونفسه تتقعقع ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: "هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء". (٦) وعن أبي هريرة ﵁ قال، قبّل رسول الله ﷺ الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس

стр. 4711

التميمي، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبّلتُ منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله ﷺ ، ثم قال: "من لا يرحم لا يُرحم" (١). ٨ - وعن عائشة ﵂ قالت: جاء أعرابى إلى رسول الله ﷺ فقال: إنكم تقبلوا الصبيان، ولا نُقبلهم، فقال رسول الله ﷺ : "أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك". (٢) رحمة الرسول ﷺ بالحيوان: ١ - وعن سهيل بن الحنظلية قال: مرّ رسول الله ﷺ ، ببعير قد لحق ظهره ببطنه، فقال: "اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة" (٣). المعجمة: التي لا تنطق". ٢ - وعن عبد الله، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا (حُمرة) معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة، فجعلت تُعرش، فلما جاء رسول الله ﷺ ، قال: "من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها"، ورأى قرية نمل قد أحرقناها، فقال: "من أحرق هذه؟ " قلنا: نحن، قال: "لا ينبغي أن يُعذب بالنار إلا رب النار". (٤) (الحمرة: طائر يشبه العصفور)، (تُعرش: ترفرف). ٣ - قال ﷺ : "اللهم إنما أنا بشر، فأيُّ المسلمين سببته أو لعنته، فاجعلها له زكاة وأجرًا" (٥). وكان ﷺ ، يُصغي للهرة الإناء، فتشرب ثم يتوضأ، بفضلها، (يصغي، يميل) (٦). ٤ - وقال ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" (٧). ٥ - وعن ابن عباس ﵄ قال: مرّ رسول الله ﷺ على رجل واضع رجله

стр. 4712

على صفحة شاة وهو يحد شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها، فقال: "أتريد أن تميتها موتتين؟ هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها؟ " (تلحظ: تنظر). (١) ٦ - وقال ﷺ : "عُذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض". (٢) "خشاش الأرض: حشراتها". وعن عبد الله أنه قال: نزل النبي ﷺ منزلا فانطلق لحاجته، فجاء وقد أوقد رجل على قرية نمل إما في الأرض وإما في شجرة فقال رسول الله ﷺ : "أيكم فعل هذا" فقال رجل من القوم أنا يا رسول الله، قال: "أطفها أطفها". (٣) عن هشام بن زيد قال: دخلت مع أنس على الحكم بن أيوب فرأى غلمانا أو فتيانا نصبوا دجاجة يرمونها فقال أنس نهى النبي ﷺ أن تصبر البهائم. (٤) وعن سعيد بن جبير قال: (كنت عند ابن عمر فمروا بفتية أو بنفر نصبوا دجاجة يرمونها فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها وقال ابن عمر من فعل هذا؟ إن النبي ﷺ لعن من فعل هذا). (٥) رحمته مع أعدائه ﷺ -: عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل يا رسول الله، ادع على المشركين. قال: "إني لم أبعث لعانًا وإنما بعثت رحمة". (٦) وكان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه " .. ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا" وعَنْ سُلَيْمانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ (كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى الله وَمَنْ مَعَهُ مِن المُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ: "اغْزُوا بِاسْمِ الله فِي سَبِيلِ الله قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِالله اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَمْثُلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَليدًا

стр. 4713

وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِن المُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ... " (١) وكان ﷺ رحيمًا حتى في مقاتلته لأعداء دينه، فقد كان يوصي جيشه المقاتل بألا يضرب إلا من يضربه أو يرفع عليه السلاح، وكان يقول "لا تقتلوا امرأة ولا وليدًا ولا شيخًا ولا تحرقوا نخيلًا ولا زرعًا، كما كان يحرص على عدم التمثيل بهم أو المبالغة في إهانتهم، فيقول: "اجتنبوا الوجوه ولا تضربوها". (٢) وعن أَنَسٍ ﵁ قَالَ كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ: "لَهُ أَسْلِمْ" فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أبَا الْقَاسِمِ ﷺ ، فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "الحمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِن النَّارِ". (٣) رحمته حتى في وقت غضبه: وعن سلمان: أن رسول الله ﷺ قال: "أيما رجل من أمتي سببته سبة في غضبي، أو لعنته لعنة؛ فإنما أنا رجل من ولد آدم أغضب كما تغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، وأجعلها عليه صلاة يوم القيامة". (٤) رحمته بالضعفاء والمساكين: ودعا أمته إلى رحمة الخلق جميعهم - من في الأرض - من يعقل كالإنس ومن لا يعقل كالحيوانات، فقال "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله" (٥).

стр. 4714

وقد سجلت لنا السيدة خديجة شمائله التي طبعه الله تعالى عليها، حتى من قبل أن تأتيه الرسالة، فقالت له لما جاءه الوحي: والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. (١) فكانت هذه خلاله ﷺ قبل أن يوحى إليه، فلما جاءه الوحي زادت نورًا وتلألؤًا وجلالًا، فصلى الله عليك يا من أرسلك ربك رحمة للعالمين. وكان ﷺ يوصي بالنساء قائلًا: "استوصوا بالنساء خيرًا فإنهن خُلقن من ضلع أعوج" (٢)؛ وبما ملكت الأيمان، فنجد آخر كلماته ﷺ حين حضرته الوفاة: "الصلاة، وما ملكت أيمانكم، حتى جعل يغرغر بها صدره، وما يكاد يفيض بها لسانه." (٣) ومن رحمته خوفه على الأمة: عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ تلا قول الله تعالى في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقول عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨] فرفع يديه قائلًا: "اللهم أمتي أمتي" وبكى، فقال الله : "يا جبريل اذهب إلى محمد فسله: "ما يبكيك؟ " فأتاه جبريل فسأله، فأخبره النبي ﷺ بما قال، وهو أعلم، فقال الله تعالى: "يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له: "إنا سنرضيك في أمتك ولن نسوؤك" (٤). كان من دعاء النبي ﷺ : "اللهم من وليَ من أمرِ أمتي شيئًا، فشقَّ عليهم، فاشقُق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا، فرفق بهم، فارفق به". (٥) الوجه الثالث: كيف كان رحمة للكافرين ؟ أولًا: أنه ﷺ كان رحمة في الدين وفي الدنيا، أما في الدين فلأنه ﷺ بعث والناس في

стр. 4715

جاهلية وضلالة، وأهل الكتابين كانوا في حيرة من أمر دينهم لطول مكثهم، وانقطاع تواترهم، ووقوع الاختلاف في كتبهم، فبعث الله تعالى محمدًا ﷺ حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب، فدعاهم إلى الحق، وبين لهم سبيل الثواب، وشرع لهم الأحكام، وميز الحلال من الحرام، ثم إنما ينتفع بهذه الرحمة؛ من كانت همته طلب الحق؛ فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والاستكبار، وكان التوفيق قرينًا له، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] وأما في الدنيا؛ فلأنهم تخلصوا بسببه من كثير من الذل والقتال والحروب، ونصروا ببركة دينه. (١) ولأنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه. ومن خالف ولم يتبع. فإنما أتى من عند نفسه حيث ضيع نصيبه منها. ومثاله: أن يفجر الله عينًا غديقة، فيسقي ناس زروعهم ومواشيهم بمائها فيفلحوا، ويبقى ناس مفرطون عن السقي فيضيعوا، فالعين المفجرة في نفسها، نعمة من الله ورحمة للفريقين، ولكن الكسلان محنة على نفسه؛ حيث حرمها ما ينفعها. وقيل: كونه رحمة للفجار، من حيث أنّ عقوبتهم أخرت بسببه وأمنوا به عذاب الاستئصال. (٢) ثانيًا: وقد يقول المعترض: كيف كان رحمة وقد جاء بالسيف واستباحة الأموال ؟ قلنا: الجواب من وجوه: أحدها: إنما جاء بالسيف لمن استكبر وعاند ولم يتفكر ولم يتدبر، ومن أوصاف الله الرحمن الرحيم، ثم هو منتقم من العصاة. وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩] ثم قد يكون سببًا للفساد (٣). وأيضًا الذين عجل قتلهم وموتهم خير لهم من حياتهم؛ لأن حياتهم زيادة لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة، وهم قد كتب عليهم الشقاء، فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر، وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته، وهم

стр. 4716

أقل شرًّا بذلك العهد من المحاربين له، وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهلهم، واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيره وأما الأمم النائية عنه؛ فإن الله سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض فأصاب كل العالمين النفع برسالته (١). وثانيها: أن كل نبي قبل نبينا كان إذا كذبه قومه أهلك الله المكذبين بالخسف والمسخ والغرق وأنه تعالى أخر عذاب من كذب رسولنا إلى الموت أو إلى القيامة قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] لا يقال: أليس أنه تعالى قال: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤] وقال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣] لأنا نقول تخصيص العام لا يقدح فيه. وثالثها: أنه ﷺ كان في نهاية حسن الخلق قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وقال أبو هريرة ﵁: قيل لرسول الله ﷺ أدع على المشركين، قال: "إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذابًا" وقال في رواية حذيفة: "إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، فأيما رجل سببته أو لعنته فاجعلها اللهم عليه صلاة يوم القيامة". ورابعها: قال عبد الرحمن بن زيد: ﴿إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] يعني المؤمنين خاصة، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري والقولان يرجعان إلى معنى واحد، لما بينا أنه كان رحمة للكل، لو تدبروا في آيات الله وآيات رسوله، فأما من أعرض واستكبر؛ فإنما وقع في المحنة من قبل نفسه كما قال: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤]. (٢) * * *

стр. 4717

٢٧ - شبهة: الله وملائكته يصلون على النبي ﷺ - نص الشبهة: يقولون: لا يوجد في الكتاب المقدس ولا كلمة واحدة تشير - من قريب أو بعيد - أن الله وملائكته قد صلوا أو يصلوا على بشر. لماذا لم يفعلها الله من قبل على موسى أو إبراهيم أو المسيح إذا كان الله يصلي؟ ويقولون: كيف يحرم الله الصلاة لغيره وهو يفعل العكس؟ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: احتجاجكم بالقرآن لا يجوز . الوجه الثاني: التوراة والإنجيل محرفان . الوجه الثالث: التفسير الصحيح للآية والرد على فهمهم الخاطئ. الوجه الرابع: الصلاة لغة واصطلاحًا. الوجه الخامس: الله لم يصل على النبي ﷺ وحده. الوجه السادس: النبي ﷺ أفضل الأنبياء وأفضل الخلق. الوجه السابع: كيف تقارنون بين المسيح ﵇ والنبي ﷺ ؟ ألستم تزعمون أنه إله؟ ! . الوجه الثامن: مدح الرب للأنبياء في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: احتجاجكم بالقرآن لا يجوز. كيف تحتجون بالقرآن وأنتم لا تعتقدون بما فيه، ولا تعتقدون أنه من عند الله ؟ الوجه الثاني: التوراة والإنجيل محرفان قد حرفتم وبدلتم في التوراة والإنجيل، فما أدراكم أن الله لم يصل وملائكته على أحد قبل النبي ﷺ ؟ . (١) الوجه الثالث: الصلاة لغة، واصطلاحًا .

стр. 4718

الصلاة لغة: قال ابن منظور: والصلاةُ: الدُّعاءُ والاستغفارُ، والصلاة من الله - تعالى -: الرحمة، وصلاةُ الله على رسوله ﷺ : رحْمَتُه له وحُسْنُ ثنائِه عليه. ثم ذكر قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾، وقال: فالصَّلاةُ من الملائكة دُعاءٌ واسْتِغْفارٌ ومن الله رحمةٌ وبه سُمِّيَت الصلاةُ لمِا فيها من الدُّعاءِ والاسْتِغْفارِ، فقوله ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ﴾ أَي: يتَرَحَّمُون، وقوله ﷺ : "اللهم صَلِّ على آلِ أَبي أَوْفى" أَي: ترَحَّم عليهم (١). وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا دُعِىَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ" (٢). قوله: فليصل يعني: فليدع لأرباب الطعام بالبركة والخير، ومنه قوله ﷺ : "من صلى عليَّ صلاة صلت عليه الملائكة عشرًا" (٣). وكل داع فهو مصل. وأَما قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فمعنى الصَّلوات ههنا الثناءُ عليهم من الله تعالى، وقال الشاعر: صلَّى على يَحْيَى وأَشْياعِه ... ربٌّ كريمٌ وشفِيعٌ مطاعْ. معناه ترحَّم الله عليه على الدعاءِ لا على الخبرِ. وقال ابن الأَعرابي: الصلاةُ من الله رحمة ومن المخلوقين الملائكةِ، والإنْسِ والجِنِّ، القيامُ والركوعُ والسجودُ والدعاءُ والتسبيحُ والصلاةُ من الطَّيرِ والهَوَامِّ التسبيح، وقال الزجاج: الأَصلُ في الصلاةِ اللُّزوم، يقال: قد صَلِيَ واصْطَلَى إذا لَزِمَ، ومن هذا مَنْ يُصْلَى في النار أَي يُلْزَم النارَ.

стр. 4719

وقال الأزهرى: والقولُ عندي هو الأَوّل إنما الصلاةُ لُزومُ ما فرَضَ الله تعالى والصلاةُ من أَعظم الفَرْض الذي أُمِرَ بلُزومِه (١). قال ابن الأثير: وقيل أصل الصلاة التعظيم. (٢) الصلاة اصطلاحًا: والصلاة: واحدة الصلوات المفروضة، وهو اسم يوضع موضع المصدر، تقول: صليت صلاة، ولا تقل تصلية، وصليت على النبي ﷺ . قال ابن الأثير: وقد تكرر في الحديث ذكر الصلاة، وهي العبادة المخصوصة، وأصلها في اللغة: الدعاء، فسميت ببعض أجزائها (٣). وسميت الصلاة المخصوصة صلاة لما فيها من تعظيم الرب - تعالى وتقدس -، وهي أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة (٤). فمن ذلك يتضح أن الصلاة ليست فقط هي التي تحتوي على الركوع والسجود، وإنما هي بمعنى الدعاء، والاستغفار، والثناء، والرحمة. فمن الله رحمة، وثناء، ومدح؛ ومن الملائكة دعاء، واستغفار، وترحم؛ ومن الإنس والجن كذلك، كما بينا قبل ذلك. إذًا: فمزعوماتهم وافتراءاتهم كلها مبنية على فهم خاطئ، وباطل، وهذا إن دل إنما يدل على جهلهم باللغة العربية، وعلى فهمهم القاصر. الوجه الثالث [*]: التفسير الصحيح للآية والرد على فهمهم الخاطئ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]، ومن قبيل هذه الآية قوله : ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ

стр. 4720

رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧]، وقوله : ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]. قال الطبرى: يقول تعالى ذكره: ربكم الذي تذكرونه الذكر الكثير، وتسبحونه بكرة وأصيلًا إذا أنتم فعلتم ذلك، الذي يرحمكم ويثني عليكم هو، ويدعو لكم ملائكته. وقيل: إن معنى قوله: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾: يشيع عنكم الذكر الجميل في عباد الله. (١) وقال أيضًا: وأما قوله: ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الله وملائكته يبرّكون على النبي محمد ﷺ ، وقد يحتمل أن يقال: إن معنى ذلك: أن الله يرحم النبي، وتدعو له ملائكته ويستغفرون، وذلك أن الصلاة في كلام العرب من غير الله، إنما هو دعاء. (٢) وقد ذكر البخاري كلام ابن عباس ﵄ معلقًا فقال: بَاب قَوْله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، قَالَ أبُو الْعَالِيَة: صَلَاة الله ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الملَائِكَة، وَصَلَاة الملَائِكَة الدُّعَاء، وقال ابن عباس: (يصلون) يبركون (٣). وعن كعب بن عجرة ﵁ قيل: يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه فكيف الصلاة؟ قال: "قولوا اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد" (٤). قال ابن حجر: قَوْله: "كَمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إِبْرَاهِيم"، أَيْ: تَقَدَّمَتْ مِنْك الصَّلَاة عَلَى إِبْرَاهِيم وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيم، فنسْأَل مِنْك الصَّلَاة عَلَى مُحَمَّد، وَعَلَى آلِ مُحَمَّد بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، لِأَنَّ الَّذِي يَثْبُت لِلْفَاضِلِ يَثْبُت لِلْأَفْضَلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. (٥)

стр. 4721

وقال أيضًا: وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الحدِيث عَلَى جَوَاز الصَّلَاة عَلَى غَيْر النَّبِيّ ﷺ مِنْ أَجْلِ قَوْله فِيهِ: "وَعَلَى آلِ مُحَمَّد" وَأَجَابَ مَنْ مَنَعَ: بِأَنَّ الجوَاز مُقَيَّد بِمَا إِذَا وَقَعَ تَبَعًا، وَالمنْع إِذَا وَقَعَ مُسْتَقِلًّا (١)، وَالحُجَّة فِيهِ أنَّهُ صَارَ شِعَارًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَا يُشَارِكهُ غَيْره فِيهِ، فَلَا يُقَال قَالَ أَبُو بَكْر ﷺ : وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا، وَيُقَال: صَلَّى الله عَلَى النَّبِيّ وَعَلَى صِدِّيقه أَوْ خَلِيفَته وَنَحْو ذَلِكَ، وَقَرِيب مِنْ هَذَا أنَّهُ لَا يُقَال: قَالَ مُحَمَّد وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا، لِأَنَّ هَذَا الثَّنَاء صَارَ شِعَار الله سبْحَانه لَا يشَارِكهُ غَيْره فِيهِ. وَلَا حُجَّة لمنْ أَجَازَ ذَلِكَ مُنْفَرِدًا فِيمَا وَقَعَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، ولَا فِي قَوْله: "اللهمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى". (٢) وَلَا فِي قَوْل اِمْرَأَة جَابِر "صَلِّ عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي، فَقَالَ: اللهمَّ صَلِّ عَلَيْهِمَا" (٣) فَإِنَّ ذَلِكَ كُلّه وَقَعَ مِن النَّبِيّ ﷺ . وَلِصَاحِبِ الحَقّ أَنْ يَتَفَضَّل مِنْ حَقّه بِمَا شَاءَ، وَلَيْسَ لِغَيرِهِ أَنْ يَتَصَرَّف إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَمْ يَثْبُت عَنْهُ إِذْن فِي ذَلِكَ. وَيُقَوِّي المَنْع بِأَنَّ الصَّلَاة عَلَى غَيْر النَّبِيّ ﷺ صَارَ شِعَارًا لِأَهْلِ الْأَهْوَاء يُصَلُّونَ عَلَى مَنْ يُعَظِّمُونَهُ مِنْ أَهْل الْبَيْت وَغَيْرهمْ. وَهَل المنع فِي ذَلِكَ حَرَام أَوْ مَكْرُوه أَوْ خِلَاف الْأَوْلَى؟ حَكَى الْأَوْجُه الثَّلَاثَة النَّوَوِيّ فِي "الْأَذْكَار" وَصَحَّحَ الثَّانِي (٤). وقال النووى: قَوْله ﷺ : "قُولُوا: اللهمَّ صلِّ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آل مُحَمَّد كَمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إِبْرَاهِيم، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آل مُحَمَّد كَمَا بَارَكْت عَلَى آلِ إِبْرَاهِيم". قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَى الْبَرَكَة هُنَا الزِّيَادَة مِن الْخَيْر وَالْكَرَامَة، وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى التَّطْهِير وَالتَّزْكِيَة، وأَنَّ نَبِيّنَا ﷺ سَأَل ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَلأَهْلِ بَيْته لِيُتِمّ النِّعْمَة عَلَيْهِمْ كَمَا أَتمّهَا عَلَى إِبْرَاهِيم وَعَلَى آلِهِ، وقِيلَ: بَلْ سَأَل ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ، وَقِيلَ: بَلْ لِيَبْقَى ذَلِكَ لَهُ دَائِمًا إِلَى يَوْم

стр. 4722

الْقِيَامَة، وَيَجْعَل لَهُ بِهِ لِسَان صِدْق فِي الْآخِرِينَ كَإِبْرَاهِيم ﷺ . وَأَجَابُوا عَنْ قَوْل الله : ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾، وَعَن الْأَحَادِيث بِأَنَّ مَا كَانَ مِن الله ورَسُوله فَهُوَ دُعَاء وَتَرَحُّم، وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى التَّعْظِيم وَالتَّوْقِير الَّذِي يَكُون مِنْ غَيْرهمَا. وَأَمَّا الصَّلَاة عَلَى الْآلِ وَالْأَزْوَاج وَالذُّرِّيَّة، فـ إِنَّمَا جَاءَ عَلَى التَّبع لَا عَلَى الاسْتِقْلَال، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يُقَال تَبَعًا لِأَنَّ التَّابع يَحْتَمِل فِيهِ مَا لَا يَحْتَمِل اِسْتِقْلَالًا. (١) وقال ابن كثير: والمقصود من هذه الآية: أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعًا. وقد أخبر أنه يصلي على عباده المؤمنين في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] (٢). وفي الحديث: "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف". (٣) قال المناوى: أي: يستغفرون لمن عن يمين الإمام من كل صف، والمراد يستغفرون لهم أولًا أو كثيرًا اهتمامًا بشأنهم. (٤) وفي الحديث الآخر: "اللهمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى". (٥) وقال النووي: هَذَا الدُّعَاء - وَهُوَ الصَّلَاة - اِمْتِثَال لِقَوْلِ الله : ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾. (٦)

стр. 4723

وقال رسول الله ﷺ لامرأة جابر وقد سألته أن يصلي عليها وعلى زوجها: "صلى الله عليك وعلى زوجك" (١). الوجه الخامس: الله لم يُصل على النبي ﷺ وحده . والدليل على ذلك: قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥: ١٥٦]، وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤١: ٤٣]. فمن ذلك: الله يصلي (أي: يرحم ويثني) على الصابرين وعلى المؤمنين الذين يذكروه ذكرًا كثيرًا ويسبحوه بكرة وأصيلًا، وقال ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف". (٢) وفي رواية: "يُصلّون على الذين يصلون الصفوف" (٣). وقال ﷺ : "اللهم صل على آل أبى أوفى" (٤). وقال رسول الله ﷺ لامرأة جابر وقد سألته أن يصلي عليها وعلى زوجها: "صلى الله عليك وعلى زوجك". (٥)

стр. 4724

وفي حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ" (١). وأيضًا في حديث كعب بن عجرة، وفيه: "كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" (٢). وليس كما زعموا أن الله لم يصل على نبي قبل النبي ﷺ ، وكذلك في هذا الحديث "وعلى آل محمد" فالنبي ﷺ يطلب أن يصلى الله عليه وعلى آله. وقال النووي: ويدخل في آل إبراهيم خلائق لا يحصون من الأنبياء. ولا شك أن قولنا " ﷺ " أو "﵊" لا يجوز. إلا للنبي ﷺ ، وتجوز لغيره تبعًا له، لا استقلالًا، كما بين النووي في شرحه (٣). لأن للرسول ﷺ فضائل عظيمة على الأمة كلها، فبه ﷺ عرفنا خالقنا ومالكنا، وتشرفنا بالإيمان وعن طريقه وصلت إلينا تلك التعليمات المباركة في صورة القرآن الكريم والحديث الشريف التي بها نحصل على فلاح الدنيا والآخرة. قال ابن عبد السلام: ليست صلاتنا على النبي ﷺ شفاعة منا له، فإن مثلنا لا يشفع لمثله، ولكن الله أمرنا بالمكافأة لمن أحسن إلينا وأنعم علينا، فإن عجزنا عنها كافأناه بالدعاء، فأرشدنا الله لما علم عجزنا عن المكافأة بنبينا إلى الصلاة عليه، لتكون صلاتنا عليه مكافأة بإحسانه إلينا، وأفضاله علينا إذ لا إحسان أفضل من إحسانه ﷺ ، وفائدة الصلاة عليه ترجع إلى الذي يصلي عليه، دلالة ذلك على نصوع العقيدة، وخلوص النية، وإظهار المحبة، والمداومة على الطاعة، والاحترام (٤). الوجه السادس: النبي ﷺ أفضل الأنبياء، بل وأفضل الخلق. فكيف لا يُصلّى عليه ؟ عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ

стр. 4725

يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ". (١) قال النووى: قَالَ الْهَرَوِيُّ: السَّيِّد هُوَ الَّذِي يَفُوقُ قَوْمه فِي الْخَيْر، وَقَالَ غَيْره: هُوَ الَّذِي يُفْزَعُ إِلَيْهِ في النَّوَائِب وَالشَّدَائِد، فَيَقُومُ بِأَمْرِهِمْ، وَيَتَحَمَّلُ عَنْهُمْ مَكَارِههمْ، وَيَدْفَعُهَا عَنْهُمْ. وَأَمَّا قَوْله ﷺ : (يَوْم الْقِيَامَة) مَعَ أنَّهُ سَيِّدهمْ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، فَسَبَبُ التَّقْيِيد أَنَّ في يَوْم الْقِيَامَة يَظْهَرُ سُؤْدُده لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَا يَبْقَى مُنَازع، وَلَا مُعَانِد، وَنَحْوه، بِخِلَافِ الدُّنْيَا فَقَدْ نَازَعَهُ ذَلِكَ فِيهَا مُلُوكُ الْكُفَّار وَزُعَماء المُشْرِكِينَ. وَهَذَا التَّقْيِيد قَرِيب مِنْ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، مَعَ أَنَّ المُلْكَ لَهُ سُبْحَانه قَبْل ذَلِكَ، لَكِنْ كَانَ في الدُّنْيَا مَنْ يَدَّعِي المُلْكَ، أَوْ مَنْ يُضَافُ إِلَيْهِ مَجَازًا، فَانْقَطَعَ كُلّ ذَلِكَ في الْآخِرَة. قَالَ الْعُلَمَاء: وَقَوْله ﷺ : "أنا سَيِّد وَلَد آدَم" لَمْ يَقُلْهُ فَخْرًا، بَلْ صَرَّحَ بِنَفْيِ الْفَخْر فِي غَيْر مُسْلِم فِي الحدِيث المَشْهُور "أَنا سَيِّد وَلَد آدَم وَلَا فَخْرَ" (٢)، وإِنَّمَا قَالَهُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا: اِمْتِثَال قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١]. وَالثَّانِي: أنَّهُ مِنْ الْبَيَان الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْلِيغه إِلَى أُمَّته لِيَعْرِفُوهُ، وَيَعْتَقِدُوهُ، وَيَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهُ، وَيُوَقِّرُوهُ ﷺ بِمَا تَقْتَضِي مَرْتَبَتُهُ كَمَا أَمَرَهُمْ الله تَعَالَى. وَهَذَا الحَدِيث دَلِيل لِتَفْضِيلِهِ ﷺ عَلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ. (٣) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي دَعْوَةٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ - وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ - فَنَهسَ مِنْهَا نَهْسَةً، وقَالَ: أنا سَيِّدُ الْقَوْمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ثم ذكر حديث الشفاعة، وفيه: فَيَأْتْونى، فَأَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ فَيُقالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَهْ" (٤). فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنِّي لأوَّلُ النَّاسِ تَنْشَقُّ الأَرْضُ عَنْ جُمْجُمَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا فَخْرَ، وَأُعْطَى لِوَاءَ الحَمْدِ وَلا فَخْرَ، وَأنا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ

стр. 4726

الْقِيَامَةِ وَلا فَخْرَ، وَأنا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا فَخْرَ، وَآتِى بَابَ الجَنَّةِ فآخُذُ بِحَلْقَتِهَا فَيَقُوُلونَ: مَنْ هَذَا؟ فَأَقُولُ: أنا مُحَمَّدٌ. فَيَفْتَحُونَ لِي فَأَدْخُلُ فَأَجِدُ الجَبَّارَ مُسْتَقْبِلي، فَأَسْجُدُ لَهُ فَتقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، تَكَلَّمْ يُسْمَعْ مِنْكَ، وَقُلْ يُقْبَلْ مِنْكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ" (١). حتى إن عيسى ابن مريم ﷺ سينزل في آخر الزمان ويكون واحدًا من هذه الأمة وسيصلي خلف واحد من أفرادها تشريفًا للنبي ﷺ وأمته. فعن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، ويَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفيضَ المالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ" (٢). وفي رواية: ثُمَّ يَقُولُ أَبو هُرَيْرَةَ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩]. (٣) قال النووى: حاكمًا بهذه الشريعة لا ينزل نبيًا برسالة مستقلة، وشريعة ناسخة، بل هو حاكم من حكام هذه الأمة. (٤) وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِي ﷺ يَقُولُ: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ - قَالَ - فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ لَنَا. فَيَقُولُ لا. إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ. تَكْرِمَةَ الله هَذِهِ الأُمَّةَ". (٥) وقد قال الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي

стр. 4727

قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾. [آل عمران: ٨١: ٨٢]. قال السعدي: يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق النبيين وعهدهم المؤكد بسبب ما أعطاهم من كتاب الله المنزل، والحكمة الفاصلة بين الحق والباطل والهدى والضلال، إنه إن بعث الله رسولًا مصدقًا لما معهم أن يؤمنوا به ويصدقوه ويأخذوا ذلك على أممهم، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أوجب الله عليهم أن يؤمن بعضهم ببعض، ويصدق بعضهم بعضا لأن جميع ما عندهم هو من عند الله، وكل ما من عند الله يجب التصديق به والإيمان، فهم كالشيء الواحد، فعلى هذا قد علم أن محمدا ﷺ هو خاتمهم، فكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لو أدركوه لوجب عليهم الإيمان به واتباعه ونصرته، وكان هو إمامهم ومقدمهم ومتبوعهم، فهذه الآية الكريمة من أعظم الدلائل على علو مرتبته وجلالة قدره، وأنه أفضل الأنبياء وسيدهم ﷺ . ثم إن الله لم يناده باسم في القرآن قط إجلالًا له وتعظيمًا، إلا إذا أخبر عنه فيسميه باسمه كقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ..... ﴾ [الفتح: ٢٩]، وأما عند النداء فيقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأحزاب: ٢٨]، على خلاف جميع الأنبياء قال: (يا آدم)، (يا موسى)، (يا عيسى)، فناداهم بأسمائهم، وليس هذا تقليلًا من شأنهم، بل رفعة لمكانة النبي ﷺ عليهم. (١) الوجه السابع: كيف تقارنون بين المسيح ﵇ والنبي ﷺ ؟ ألستم تزعمون أنه إله ؟ ! أنتم تقارنون بين النبي ﷺ وبين المسيح ﵇ فتقولون: لماذا لم يُصل الله من قبل على موسى وإبراهيم إذا كان الله يصلي، وكذلك على المسيح الذي قال عنه: إنه وجيهًا في الدنيا والآخرة؟ ، ألستم تزعمون أنه إله؟ ! فكيف تقارنون بينه وبين هؤلاء الأنبياء؟ ، أم إنه لم يصل على المسيح، وأما عن موسى وإبراهيم وغيرهما من الأنبياء؟ .

стр. 4728

فالجواب: قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ .. ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. الوجه الثامن: مدح الرب للأنبياء في الكتاب المقدس . لقد مدح الله بعض الأنبياء في الكتاب المقدس، فمنهم إبراهيم حيث قال في (إشعياء ٤١/ ١١: ٨): وَأَمَّا أنتَ يَا إِسْرَائِيلُ عَبْدِي، يَا يَعْقُوبُ الَّذِي اخْتَرْتُهُ، نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلي، الَّذِي أَمْسَكْتُهُ مِنْ أَطْرَافِ الأَرْضِ، وَمنْ أَقْطَارِهَا دَعَوْتُهُ، وَقُلْتُ لَكَ: أَنْتَ عَبْدِيَ. اخْتَرْتُكَ وَلَمْ أَرْفُضْكَ. لا تَخَفْ لأنِّي مَعَكَ. لا تَتَلَفَّتْ لأَنِّي إِلهُكَ. قَدْ أَيَّدْتُكَ وَأَعَنْتُكَ وَعَضَدْتُكَ بِيَمِينِ بِرِّي. وفي (التكوين ١٢/ ٤: ١): وَقَالَ الرَّبُّ لأبْرَامَ (إبراهيم): "اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. ٢ فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. ٣ وَأُبارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاعِنَكَ ألعَنُهُ. وَتَتبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ. حتى أن الله يرحم إبراهيم رحمة خاصة كما ورد في (ميخا ٢٠: ١٨): مَنْ هُوَ إِلهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ وَصَافِحٌ عَنِ الذَّنْبِ لِبَقِيَّةِ مِيرَاثِهِ! لا يَحْفَظُ إِلَى الأبَدِ غَضَبَهُ، فَإِنَّهُ يُسَرُّ بِالرَّأْفَةِ. ١٩ يَعُودُ يَرْحَمُنَا ... تَصْنَعُ الأَمَانَةَ لِيَعْقُوبَ وَالرَّأْفَةَ لإِبْرَاهِيمَ، اللَّتَيْنِ حَلَفْتَ لآبائِنَا مُنْذُ أيَّامِ الْقِدَمِ. * * *

стр. 4729

٢٨ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ . نص الشبهة: قالوا: إن الأحاديث الكثيرة تأتي وتقرُّ أن النبي ﷺ كان معصومًا، ووقع في القرآن أنه كان في بدء أمره في الذنب والضلالة كقوله في سورة الضحى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]. (١) والجواب عن هذه الشبهة من ستة أوجه: الوجه الأول: القرآن جعل العصمة للنبي ﷺ ، ونفى عنه الضلال (بمعنى: الباطل) مطلقًا . الوجه الثاني: سبب نزول هذه السورة التي منها هذه الآية. الوجه الثالث: السورة كلها منقبة للرسول ﷺ ، ويظهر هذا من الإشارة إلى معانيها. الوجه الرابع: في بيان معنى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾. الوجه الخامس: الحكمة من كون الرسول ﷺ قبل النبوة ضالًا عنها أميًا لا يقرأ ولا يكتب، وهو الذي جاء بعد بالقرآن والسنة. الوجه السادس: صفة نبي الله عيسى ﵇ في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: القرآن جعل العصمة للنبي ﷺ ونفى عنه الضلال (بمعنى: الباطل) مطلقًا. فقال : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ١: ٤]، بدأ الله السورة بالقسم، فكان على ماذا؟ على المقسم عليه وهو قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾. يقول ابن كثير: هذا هو المقسم عليه، وهو الشهادة للرسول ﷺ بأنه بار راشد تابع للحق ليس بضال، وهو: الجاهل الذي يسلك على غير طريق بغير علم، والغاوي: هو

стр. 4730

العالم بالحق العادل عنه قصدًا إلى غيره، فنزه الله رسوله وشَرْعَه عن مشابهة أهل الضلال كالنصارى وطرائق اليهود، وعن علم الشيء وكتمانه والعمل بخلافه، بل هو ﷺ وما بعثه الله به من الشرع العظيم في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ أي: ما يقول قولًا عن هوى وغرض، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ أي: إنما يقول ما أُمر به، يبلغه إلى الناس كاملا موفَّرًا من غير زيادة ولا نقصان، كما رواه الإمام أحمد: عن أبي أمامة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ليدخلنّ الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثلُ الحيين - أو: مثل أحد الحيين -: رَبِيعة ومُضَر"، فقال رجل: يا رسول الله، أو ما ربيعة من مضر؟ قال: "إنما أقول ما أقول". (١) وقال الإمام أحمد: عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله، ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب، فأمسكتُ عن الكتابة. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده، ما خرج مني إلا حق" (٢). وقال الإمام أحمد: عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا أقول إلا حقًّا". قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله؟ قال: "إني لا أقول إلا حقًّا" (٣). وقال القاسمي: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ يعني: محمدًا ﷺ والخطاب لقريش - أي: ما حاد عن الحق ولا زال عنه، ﴿وَمَا غَوَى﴾: أي: ما صار غويًا، ولكنه على استقامة وسداد ورشد وهدى، وفيه تعريض بأنهم أهل الضلال والغي، وذكره ﷺ بعنوان (صاحبهم)
следующие страницы →