← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

الْقِيَامَةِ وَلا فَخْرَ، وَأنا أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا فَخْرَ، وَآتِى بَابَ الجَنَّةِ فآخُذُ بِحَلْقَتِهَا فَيَقُوُلونَ: مَنْ هَذَا؟ فَأَقُولُ: أنا مُحَمَّدٌ. فَيَفْتَحُونَ لِي فَأَدْخُلُ فَأَجِدُ الجَبَّارَ مُسْتَقْبِلي، فَأَسْجُدُ لَهُ فَتقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ، تَكَلَّمْ يُسْمَعْ مِنْكَ، وَقُلْ يُقْبَلْ مِنْكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ" (١). حتى إن عيسى ابن مريم ﷺ سينزل في آخر الزمان ويكون واحدًا من هذه الأمة وسيصلي خلف واحد من أفرادها تشريفًا للنبي ﷺ وأمته. فعن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، ويَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفيضَ المالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ" (٢). وفي رواية: ثُمَّ يَقُولُ أَبو هُرَيْرَةَ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩]. (٣) قال النووى: حاكمًا بهذه الشريعة لا ينزل نبيًا برسالة مستقلة، وشريعة ناسخة، بل هو حاكم من حكام هذه الأمة. (٤) وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِي ﷺ يَقُولُ: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ - قَالَ - فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ لَنَا. فَيَقُولُ لا. إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ. تَكْرِمَةَ الله هَذِهِ الأُمَّةَ". (٥) وقد قال الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي

стр. 4727

قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾. [آل عمران: ٨١: ٨٢]. قال السعدي: يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق النبيين وعهدهم المؤكد بسبب ما أعطاهم من كتاب الله المنزل، والحكمة الفاصلة بين الحق والباطل والهدى والضلال، إنه إن بعث الله رسولًا مصدقًا لما معهم أن يؤمنوا به ويصدقوه ويأخذوا ذلك على أممهم، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أوجب الله عليهم أن يؤمن بعضهم ببعض، ويصدق بعضهم بعضا لأن جميع ما عندهم هو من عند الله، وكل ما من عند الله يجب التصديق به والإيمان، فهم كالشيء الواحد، فعلى هذا قد علم أن محمدا ﷺ هو خاتمهم، فكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لو أدركوه لوجب عليهم الإيمان به واتباعه ونصرته، وكان هو إمامهم ومقدمهم ومتبوعهم، فهذه الآية الكريمة من أعظم الدلائل على علو مرتبته وجلالة قدره، وأنه أفضل الأنبياء وسيدهم ﷺ . ثم إن الله لم يناده باسم في القرآن قط إجلالًا له وتعظيمًا، إلا إذا أخبر عنه فيسميه باسمه كقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ..... ﴾ [الفتح: ٢٩]، وأما عند النداء فيقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأحزاب: ٢٨]، على خلاف جميع الأنبياء قال: (يا آدم)، (يا موسى)، (يا عيسى)، فناداهم بأسمائهم، وليس هذا تقليلًا من شأنهم، بل رفعة لمكانة النبي ﷺ عليهم. (١) الوجه السابع: كيف تقارنون بين المسيح ﵇ والنبي ﷺ ؟ ألستم تزعمون أنه إله ؟ ! أنتم تقارنون بين النبي ﷺ وبين المسيح ﵇ فتقولون: لماذا لم يُصل الله من قبل على موسى وإبراهيم إذا كان الله يصلي، وكذلك على المسيح الذي قال عنه: إنه وجيهًا في الدنيا والآخرة؟ ، ألستم تزعمون أنه إله؟ ! فكيف تقارنون بينه وبين هؤلاء الأنبياء؟ ، أم إنه لم يصل على المسيح، وأما عن موسى وإبراهيم وغيرهما من الأنبياء؟ .

стр. 4728

فالجواب: قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ .. ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. الوجه الثامن: مدح الرب للأنبياء في الكتاب المقدس . لقد مدح الله بعض الأنبياء في الكتاب المقدس، فمنهم إبراهيم حيث قال في (إشعياء ٤١/ ١١: ٨): وَأَمَّا أنتَ يَا إِسْرَائِيلُ عَبْدِي، يَا يَعْقُوبُ الَّذِي اخْتَرْتُهُ، نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلي، الَّذِي أَمْسَكْتُهُ مِنْ أَطْرَافِ الأَرْضِ، وَمنْ أَقْطَارِهَا دَعَوْتُهُ، وَقُلْتُ لَكَ: أَنْتَ عَبْدِيَ. اخْتَرْتُكَ وَلَمْ أَرْفُضْكَ. لا تَخَفْ لأنِّي مَعَكَ. لا تَتَلَفَّتْ لأَنِّي إِلهُكَ. قَدْ أَيَّدْتُكَ وَأَعَنْتُكَ وَعَضَدْتُكَ بِيَمِينِ بِرِّي. وفي (التكوين ١٢/ ٤: ١): وَقَالَ الرَّبُّ لأبْرَامَ (إبراهيم): "اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. ٢ فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. ٣ وَأُبارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاعِنَكَ ألعَنُهُ. وَتَتبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ. حتى أن الله يرحم إبراهيم رحمة خاصة كما ورد في (ميخا ٢٠: ١٨): مَنْ هُوَ إِلهٌ مِثْلُكَ غَافِرٌ الإِثْمَ وَصَافِحٌ عَنِ الذَّنْبِ لِبَقِيَّةِ مِيرَاثِهِ! لا يَحْفَظُ إِلَى الأبَدِ غَضَبَهُ، فَإِنَّهُ يُسَرُّ بِالرَّأْفَةِ. ١٩ يَعُودُ يَرْحَمُنَا ... تَصْنَعُ الأَمَانَةَ لِيَعْقُوبَ وَالرَّأْفَةَ لإِبْرَاهِيمَ، اللَّتَيْنِ حَلَفْتَ لآبائِنَا مُنْذُ أيَّامِ الْقِدَمِ. * * *

стр. 4729

٢٨ - شبهة: حول قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ . نص الشبهة: قالوا: إن الأحاديث الكثيرة تأتي وتقرُّ أن النبي ﷺ كان معصومًا، ووقع في القرآن أنه كان في بدء أمره في الذنب والضلالة كقوله في سورة الضحى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]. (١) والجواب عن هذه الشبهة من ستة أوجه: الوجه الأول: القرآن جعل العصمة للنبي ﷺ ، ونفى عنه الضلال (بمعنى: الباطل) مطلقًا . الوجه الثاني: سبب نزول هذه السورة التي منها هذه الآية. الوجه الثالث: السورة كلها منقبة للرسول ﷺ ، ويظهر هذا من الإشارة إلى معانيها. الوجه الرابع: في بيان معنى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾. الوجه الخامس: الحكمة من كون الرسول ﷺ قبل النبوة ضالًا عنها أميًا لا يقرأ ولا يكتب، وهو الذي جاء بعد بالقرآن والسنة. الوجه السادس: صفة نبي الله عيسى ﵇ في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: القرآن جعل العصمة للنبي ﷺ ونفى عنه الضلال (بمعنى: الباطل) مطلقًا. فقال : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ١: ٤]، بدأ الله السورة بالقسم، فكان على ماذا؟ على المقسم عليه وهو قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾. يقول ابن كثير: هذا هو المقسم عليه، وهو الشهادة للرسول ﷺ بأنه بار راشد تابع للحق ليس بضال، وهو: الجاهل الذي يسلك على غير طريق بغير علم، والغاوي: هو

стр. 4730

العالم بالحق العادل عنه قصدًا إلى غيره، فنزه الله رسوله وشَرْعَه عن مشابهة أهل الضلال كالنصارى وطرائق اليهود، وعن علم الشيء وكتمانه والعمل بخلافه، بل هو ﷺ وما بعثه الله به من الشرع العظيم في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ أي: ما يقول قولًا عن هوى وغرض، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ أي: إنما يقول ما أُمر به، يبلغه إلى الناس كاملا موفَّرًا من غير زيادة ولا نقصان، كما رواه الإمام أحمد: عن أبي أمامة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ليدخلنّ الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثلُ الحيين - أو: مثل أحد الحيين -: رَبِيعة ومُضَر"، فقال رجل: يا رسول الله، أو ما ربيعة من مضر؟ قال: "إنما أقول ما أقول". (١) وقال الإمام أحمد: عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله، ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب، فأمسكتُ عن الكتابة. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده، ما خرج مني إلا حق" (٢). وقال الإمام أحمد: عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا أقول إلا حقًّا". قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله؟ قال: "إني لا أقول إلا حقًّا" (٣). وقال القاسمي: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ يعني: محمدًا ﷺ والخطاب لقريش - أي: ما حاد عن الحق ولا زال عنه، ﴿وَمَا غَوَى﴾: أي: ما صار غويًا، ولكنه على استقامة وسداد ورشد وهدى، وفيه تعريض بأنهم أهل الضلال والغي، وذكره ﷺ بعنوان (صاحبهم)

стр. 4731

للإعلام بوقوفهم على تفاصيل أحواله الشريفة وإحاطتهم بمحاسن شئونه المنيفة فهو تبكيت لهم على وجه أبلغ من أن يصرح باسمه. (١) وقال ابن عاشور: أول أغراضها تحقيق أن الرسول ﷺ صادق فيما يبلغه عن الله تعالى وأنه منزه عما ادعوه .. ، وقال أيضًا: واعلم أن تنزيهه ﷺ عن النطق عن هوىً يقتضي التنزيه عن أن يفعل أو يحكم عن هوى، لأن التنزه عن النطق عن هوى أعظم مراتب الحكمة، ولذلك ورد في صفة النبي ﷺ : "أنه يمزح ولا يقول إلا حقًّا"، وهنا تم إبطال قولهم فحسن الوقف على قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٢). ويقول الخازن: ولا يلتفت إلى قول من قال إنه ﷺ كان قبل النّبوة على ملة قومه، فهداه الله إلى الإسلام، لأن نبينا ﷺ وكذلك الأنبياء قبله منذ ولدوا نشأوا على التّوحيد والإيمان قبل النّبوة وبعدها، وأنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بصفات الله تعالى وتوحيده، ويدل على ذلك أن قريشًا لما عابوا النبي ﷺ ورموه بكل عيب سوى الشّرك وأمر الجاهلية، فإنهم لم يجدوا لهم عليه سبيلًا، إذ لو كان فيه لما سكتوا عنه ولنقل ذلك، فبرأه الله تعالى من جميع ما قالوه فيه وعيروه به، ويؤكد هذا قوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (٣). الوجه الثاني: سبب نزول هذه السورة التي منها هذه الآية . عن الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ ﵁ قَالَ: اشْتكَى رَسُولُ الله ﷺ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتيْنِ أَوْ ثَلاثًا، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، إني لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ ترَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا. فَأَنْزَلَ الله : ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. (٤)

стр. 4732

وروي عن الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا الْبَجَلِيَّ: قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ الله، مَا أُرَى صَاحِبَكَ إِلَّا أَبْطَأَكَ، فَنزلَتْ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (١). وقال الحافظ ابن حجر: وقع في رواية أخرى عند الحاكم (فقالت خديجة)، وأخرجه الطبري أيضًا من طريق عبد الله بن شداد (فقالت خديجة: ولا أرى ربك)، ومن طريق هشام بن عروة عن أبيه: (فقالت خديجة: لما ترى من جزعه)، وهذان طريقان مرسلان ورواتهما ثقات، فالذي يظهر أن كلًّا من أم جميل وخديجة قالت ذلك، لكن أمَّ جميل عبرت لكونها كافرة بلفظ: (شيطانك)، وخديجة عبرت لكونها مؤمنة بلفظ: (ربك) أو (صاحبك)، وقالت أم جميل شماتةً وخديجة توجعًا (٢). وسواءً كان القائل أم جميل أمْ المشركون أمْ خديجة ﵂ فإن رسول الله ﷺ أصابه الحزن لفتور الوحي، وكما مرَّ عند البخاري أن أمَّ جميل زوج أبي لهب - عليها لعنة الله - قالت ما قالت شماتةً، وهذا مما زاد في حزنه ﷺ ، فكان نزول هذه السورة المباركة من إحدى عشرة آية ترضيةً لرسول الله ﷺ وتطييبًا لخاطره مما أصابه ورفعًا للحزن عنه، فنزلت السورة تنفي مقالة السوء التي فاهت بها الكافرة، ويقسم الله في أولها على حبه لرسوله ﷺ . فكيف يفهم من سورة هذا شأنها أن يكون فيها ما يعيب من قريب أو بعيد رسول الله ﷺ ؟ الوجه الثالث: السورة كلها منقبة للرسول ﷺ ، ويظهر هذا من الإشارة إلى معانيها . ومن ذلك أن الله بدأ السورة بالقسم، فأقسم بالضحى، ثم أتبعه قسمًا آخر فأقسم بالليل، فالله أقسم على ماذا؟ فكان جواب القسم: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾.

стр. 4733

قال السعدى: أي: ما تركك منذ اعتنى بك، ولا أهملك منذ رباك ورعاك، بل لم يزل يربيك أحسن تربية، ويعليك درجة بعد درجة، ﴿وَمَا قَلَى﴾ الله أي: ما أبغضك منذ أحبك، فإنَّ نفيَ الضد دليل على ثبوت ضده، والنفي المحض لا يكون مدحًا إلا إذا تضمن ثبوت كمال، فهذه حال الرسول ﷺ الماضية والحاضرة؛ أكمل حال وأتمها محبة الله له واستمرارها، وترقيته في دَرَج الكمال، ودوام اعتناء الله به. وأما حاله المستقبلة، فقال: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ أي: كل حالة متأخرة من أحوالك، فإن لها الفضل على الحالة السابقة، فلم يزل ﷺ يصعد في درج المعالي ويُمكن له الله دينه، وينصره على أعدائه، ويسدد له أحواله حتى مات، وقد وصل إلى حال لا يصل إليها الأولون والآخرون، من الفضائل والنعم، وقرة العين، وسرور القلب. ثم بعد ذلك، لا تسأل عن حاله في الآخرة، من تفاصيل الإكرام، وأنواع الإنعام، ولهذا قال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وهذا أمر لا يمكن التعبير عنه بغير هذه العبارة الجامعة الشاملة (١). وفيها قال علي والحسن: (هو الشفاعة في أمته حتى يرضى) (٢)، وقال غيرهما: يعطيه حتى يرضيه في أمته، وفيما أعدَّه له من الكرامة، ومن جملته نهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، وطينه من مسك أذفر ويعطيه المقام المحمود والفردوس الأعلى إلى غير ذلك من الإنعام والعطاء (٣). وعلى هذا يتبين أن ما بعد جواب القسم: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ إلى آخر السورة ما هو إلا تفصيل وتوضيح وتدليل على أن الله ما ودعه وما قلاه والقرآن يفسر بعضه بعضًا (٤).

стр. 4734

والسورة نزلت في تعداد نعم الله ومننه على عبده وحبيبه ﷺ ، فكيف وأنَّى للأشقياء أن يجعلوها ذمًّا له ﷺ ؟ (هيهات، هيهات)، ثم عدَّد النعم على رسول الله ﷺ بأنه آواه لما وجده يتيمًا، ووفق جدَّه عبد المطلب فَكَفَلَهُ بعد موت أبيه وأمه ثم كفله عمه أبو طالب مع أن أبا طالب له من الأولاد الكثير مع قلة ذات اليد ولكن الله ألقى في قلبه حُبَّ محمدٍ ﷺ . ثم في مقام تعداد النعم يخبر عبده بنعمه الأخرى، إذ كان قبل البعثة لا يدري ما يُراد به من أمر النبوة والإيمان، فكانت نعمة الله أن هداه للنبوة وعلمه كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]، وكما في آية الضحى هنا إذ وجده ربه ضالًا عن النبوة لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان فهداه (١). ثم يعدد الله سبحانه نعمه وفضله على رسوله ﷺ بأنه وجده عائلًا فقيرًا فأغناه بما أفاض عليه من النعم، وغنى النفس، والمقام السامي مقام النبوة خير مقامات أهل الأرض. ثم كان الخطاب للرسول ﷺ وللأمة من بعده، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ٩ - ١١]، فهي آيات تابعة لما كان بعد النعم المستفيضة السابقة، فكما وجدك يتيمًا فآواك فلا تقهر اليتيم، غافلًا عن النبوة لا تدري الكتاب ولا الإيمان فعلمك وهداك فلا تنهر السائل والمستفتي، وكما كنت عائلًا فأغناك، فحدث بنعم الله مِنْ أمنٍ وعلمٍ ومالٍ ولا تكتمها، فظهر لنا من هذا السياق أن هذه الآيات الثلاث توافق الآيات الثلاث التي قبلها فاستدللنا على معنى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ بقوله: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾؛ لأنه السائل عن العلم (٢).

стр. 4735

قال الرازى: اختيار الحسن أن المراد منه مَنْ يسأل العلم ونظيره من وجه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ [عبس: ١، ٢]، وحينئذ يحصل الترتيب؛ لأنه تعالى قال له أولًا: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى: ٦ - ٨]، ثم اعتبر هذا الترتيب فأوصاه برعاية حق اليتيم، ثم برعاية حق مَنْ يسأله عن العلم والهداية، ثم أوصاه بشكر نعم الله عليه (١). وبمثل ذلك قال ابن كثير قال: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠)﴾ أي: وكما كنت ضالًا فهداك الله، فلا تنهر السائل في العلم المسترشد (٢). وبهذا يتضح المقصود بـ ﴿ضَالًّا﴾ في هذه الآية الكريمة. الوجه الرابع: في بيان معنى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ . الآية لها في كتب المفسرين عدة معانٍ لا تخرج جميعُها عن أن هذه الآية من نعم الله ومِنَنَهِ المتكاثرة على عبدِهِ محمدٍ ﷺ . ١ - المعنى الأول (٣): هذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] أي: أن رسول الله كان قبل البعثة غافلًا عما أوحاه الله إليه لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان فهداه الله، وجعله إمام الدين، هذا والنبي ﷺ لم يكن يعلم فعلمه الله؛ قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]، ومثل ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ

стр. 4736

الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ١ - ٣] يعني: من قبل وحي الله إليك كنت من الغافلين. يقول الشيخ محمد رشيد رضا: أي: وإن الشأن وحقيقة ما يتحدث عنه من قصتك أنت أنك كنت من قبل إيحائنا إياه إليك من جماعة الغافلين عنه من قومك الأميين الذين لا يخطر في بالهم التحديث بأخبار الأنبياء وأقوامهم؛ وبيان ما كانوا عليه من دين وتشريع كيعقوب وأولاده في بداوتهم، ولا ما كانت الأمم فيه من ترف وحضارة كالمصريين الذين وقع يوسف بينهم وحدث له ما حدث في بعض بيوتاتهم (١). قال ابن الجوزى: قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ بمعنى: ضالًا عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة، فهداك إليها، قاله الجمهور، منهم الحسن، والضحاك (٢). وقال القرطبي: أي: غافلًا عما يراد بك من أمر النبوة، فهداك: أي أرشدك، والضلال هنا بمعنى: الغفلة؛ كقوله جل ثناؤه: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ أي: لا يغفل، وقال في حق نبيه: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾، وقال قوم: "ضالًا" لم تكن تدري القرآن والشرائع، فهداك الله إلى القرآن، وشرائع الإسلام؛ عن الضحاك وشهر بن حوشب وغيرهما، وهو معنى قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ (٣). وقال البقاعي: (ووجدك) أي: صادفك (ضالًا) أي: لا تعلم الشرائع، ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾، فأطلق اللازم وهو الضلال على الملزوم، والمسبب على السبب وهو عدم العلم، فكنت لأجل ذلك لا تقدم على فعل من الأفعال؛ لأنك لا تعلم الحكم فيه إلا ما علمت بالعقل الصحيح والفطرة السليمة المستقيمة من التوحيد وبعض توابعه .... إلخ (٤).

стр. 4737

وقال الشوكاني: الضلال هنا بمعنى: الغفلة؛ كما في قوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، وكما في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾، والمعنى: أنه وجدك غافلًا عما يراد بك من أمر النبوّة، واختار هذا الزجاج، وقيل: معنى ضالًا لم تكن تدري القرآن ولا الشرائع، فهداك لذلك (١). وقال القاضى عبد الجبار: وربما قيل في قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ أليس ذلك يدل على جواز الضلال على نبينا ﷺ وعلى سائر الأنبياء؟ وجوابنا: أن المراد بذلك ضالًا عن النبوة والرسالة وسائر ما خصَّ الله تعالى به نبينا ﷺ من التعظيم وغيره فهداك الله إليها؛ لأنه في اللغة قد يقال: ضلَّ عن كيت وكيت إذا كان ذلك طريق منافعه، ولم يقل الله تعالى: ووجدك ضالًا عن الدين حتى يصح تعلقهم (٢). وقال علي بن أحمد السبتي: الدليل على أن ضلال الأنبياء غفلة لا جهل قوله تعالى لنبينا ﷺ : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ يعني: غافلًا عن الشريعة لا تدري كيفية العبادة فهداك لها بالأمر والنهي ثم قال له: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]، والجاهل لا يسمى غافلًا حقيقة لقيام الجهل به فصح أن ضلال الأنبياء ﵈ غفلة لا جهل (٣). وهذا القول هو الذي عليه جمهور المفسرين ومَنْ بقي منهم ذَكر معاني أخرى جليلة (٤) بها فوائد عظيمة، فهَلُمَّ إلى بيانها:

стр. 4738

معانٍ أخرى: المعنى الثاني: أي: وجدك في قوم ضلال، فهداهم الله بك. هذا قول الكلبي والفراء (١)، وعن السدي نحوه، أي: ووجد قومك في ضلال فهداك إلى إرشادهم. اهـ. (٢)

стр. 4739

المعنى الثالث: وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ قال: وجدك بين ضالين فاستنقذك من ضلالتهم (١). قال ابن الجوزى: وجدك في قوم ضُلَّال فهداك للتوحيد والنبوة؛ قاله ابن السائب (٢). وقال الشوكاني: وقيل: وجدك ضائقًا في قومك فهداك إليه، ويكون الضلال بمعنى: الضياع (٣). وقال ابن عطية: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ أي: تنسب إلى الضلال، وقال الكلبي: ووجدك في قوم ضلال فكأنك واحد منهم (٤). المعنى الرابع: أنه ضل وهو صبي صغير في شعاب مكة، فرده الله إلى جده عبد المطلب؛ رواه أبو الضحى عن ابن عباس، كما تقول: ضلَّ فلانٌ في الصحراء أو ضل في طريقه تاه ولم يهتدي لمكانه وطريقه الصحيح. وقيل: إنه لما خرج مع ميسرة غلام خديجة أخذ إبليس بزمام ناقته فعدل به عن الطريق، فجاء جبريل ﵇ فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى الحبشة ورده إلى القافلة، فمنَّ الله عليه بذلك؛ قاله ابن المسيب. المعنى الخامس: وجدك محبًا للهداية فهداك إليها، ويكون الضلال بمعنى: المحبة، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ أي: في محبتك؛ قال الشاعر: هذا الضلال أشاب مِنّي المفرقا ... والعارِضَيْن ولم أكنْ مُتحقّقًا عَجَبًا لَعِزّةَ في اختيارِ قطيعتي ... بعد الضّلالِ فحبْلُها قد أخْلقًا (٥)

стр. 4740

الضلال بمعنى: المحبة كما في قوله: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] أي: محبتك، ومعناه أنك محب فهديتك إلى الشرائع التي بها تتقرب إلى خدمة محبوبك (١). قال القاضي عياض: قال ابن عطاء: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ أي: محبًا لمعرفتي، والضال المحب؛ كما قال: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] أي: محبتك القديمة، ولم يريدوا ههنا في الدين؛ إذ لو قالوا ذلك في نبي الله لكفروا، ومثله عند هذا قوله: ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٣٠] أي: محبة بينة (٢). المعنى السادس: أن الضلال بمعنى النسيان، فوجدك ضالًا أي: ناسيًا؛ كما قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال القرطبي (ضالًا) أي: ناسيًا شأن الاستثناء حين سُئلت عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فأذكرك (٣). وقال الماوردى: ووجدك ناسيًا فأذكرك، وقال ابن الجوزي: ووجدك ناسيًا فهداك إلى الذكر؛ قاله ثعلب، وقال الرازي: ووجدك ضالًا أي: ناسيًا، فهديتك أي: ذكرتك، وذلك أنه ليلة المعراج نسي ما يجب أن يقال بسبب الهيبة، فهداه الله تعالى إلى كيفية الثناء حتى قال: "لا أحصي ثناء عليك" (٤). المعنى السابع: ووجدك متحيرًا في بيان ما نزل عليك فهداك إليه، فيكون الضلال بمعنى: التحير؛ لأن الضال متحير. قال القاضي عياض: والضلال ههنا التحير؛ ولهذا كان ﷺ يخلو بغار حراء في طلب ما يتوجه به إلى ربه ويتشرع به حتى هداه الله إلى الإسلام؛ قال معناه القشيري ... ، وقال الجنيد: ووجدك متحيرًا في بيان ما أنزل إليك فهداك لبيانه لقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾

стр. 4741

(النحل: ٤٤) (١). وهذا المعنى من أقوى المعاني دلالة، وهكذا كانت حاله ﷺ قبل أن يُبعث. قال الأستاذ أحمد مصطفى المراغى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ أي: ووجدك حائرًا مضطربًا في أمرك مع اعتقادك أن قومك ليسوا على بصيرة من أمرهم؛ فعبادتهم باطلة، ومعتقداتهم فاسدة، وكان يفكر في دين اليهودية، ثم يرى اليهود أنفسهم ليسوا على حال خير من حال قومه؛ إذ بدلوا دينهم وخالفوا ما كان عليه رسولهم، فيبدوا عليه الإعراض عنه. وأعظم أنواع حيرته ما كان يراه في العرب أنفسهم من سخف في العقائد وضعف في البصائر، باستيلاء الأوهام عليهم وفساد أعمالهم وشؤمها في أحوالهم بتفرق الكلمة، وتفانيهم في سفك الدماء، والإشراف على الهلاك باستبعاد الغرباء لهم وتحكمهم فيهم، فالحبشة والفرس من جانب، والرومان من جانب آخر. فما العمل في تقويم عقائدهم وتخليصهم من تحكم العادات فيهم؟ وأي الطرق ينبغي أن يُسلك في إيقاظهم من سباتهم؟ وقصارى ذلك أنه كان في قرارة نفسه يعتقد أن قومه قد ضلوا سواء السبيل وبدلوا دين أبيهم إبراهيم، وكانت حال أهل الأديان الأخرى ليست خيرًا من حالهم، لكن الإله الحكيم لم يتركه ونفسه، بل أنزل عليه الوحي يبين له أوضح السبل كما قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] (٢). ويقول الأستاذ سيد قطب: ثم لقد نشأت في جاهلية مضطربة التصورات والعقائد، منحرفة السلوك والأوضاع، فلم تطمئن روحُك إليها، ثم هداك الله، والهداية من حيرة العقيدة وضلال الشعاب فيها هي المنة الكبرى، التي لا تَعْدِلهُا منة؛ وهي الراحة

стр. 4742

والطمأنينة من القلق الذي لا يعدله قلق ومن التعب الذي لا يعدله تعب (١). قال ابن عاشور: والضّلال: عدم الاهتداء إلى الطريق الموصل إلى مكان مقصود سواء سلك السائر طريقًا آخر يبلغ إلى غير المقصود أم وقف حائرًا لا يعرف أيَّ طريق يسلك، وهو المقصود هنا؛ لأن المعنى: أنك كنت في حيرة من حال أهل الشرك من قومك، فأراكه الله غير محمود وكرَّهه إليك ولا تدري ماذا تتبع من الحق، فإن الله لما أنشأ رسوله ﷺ على ما أراد من إعداده لتلقي الرسالة في الإبان، ألْهَمَه أن ما عليه قومه من الشرك خطأ وألقى في نفسه طلب الوصول إلى الحق ليتهيأ بذلك لقبول الرسالة عن الله تعالى (٢). وقال ابن عطية: هذا الضلال الذي ذكره الله تعالى لنبيه ﷺ أقرب ضلال وهو الكون واقفًا لا يميز المهيع لا أنه تمسك بطريق أحد بل كان يرتاد وينظر (٣). المعنى الثامن: ووجدك طالبًا القبلة فهداك إليها، ويكون الضلال بمعنى: الطلب؛ لأن الضال طالب والرسول ﷺ قال الله : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. قال الرازى: ضالًّا عن القبلة، فإنه كان يتمنى أن تجعل الكعبة قبلة له وما كان يعرف أن ذلك هل يحصل له أم لا، فهداه الله بقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] فكأنه سمى ذلك التحير بالضلال. المعنى التاسع: يقال: ضل الماء في اللبن إذا صار مغمورًا، فمعنى الآية: كنت مغمورًا بين الكفار بمكة فقواك الله تعالى حتى أظهرت دينه. المعنى العاشر: العرب تسمي الشجرة الفريدة في الفلاة ضالة، كأنه تعالى يقول: كانت تلك البلاد كالمفازة ليس فيها شجرة تحمل ثمر الإيمان بالله ومعرفته إلا أنت، فأنت شجرة فريدة في مفازة الجهل فوجدتك ضالًا فهديت بك الخلق (٤).

стр. 4743

المعنى الحادي عشر: وله صلة بالسابق، ويعني: وحيدًا. قال القرطبي: أي: لا أحد على دينك، وأنت وحيد ليس معك أحد، فهديت بك الخلق إليَّ. وهذه الأقوال كلها حسان (١). هذه مجمل المعاني الواردة في كتب المفسرين، وثم معانٍ أُخرى في التفسير الكبير للرازي، وابن الجوزي، والشفا للقاضي عياض. الوجه الخامس: كونه (ضالًا) يعني: أميًا لا يقدح في شخص النبي ﷺ -. فمن الإعجاز والأليق بالحكمة أن يكون الرسول الذي جاء بهذا القرآن الكريم الحكيم أميًا وهو في مواجهة كفار قريش المنكرين وإخبارهم بأنه كلام الله تعالى. الحكمة من إرسال الرسل أن يكونوا مبشرين ومنذرين ومبلغين عن رب العالمين، وقد أيَّد الله الرسل بمعجزات تجري على أيديهم تكون تصديقًا لرسالاتهم وأنها من عند الله تعالى، وتأتي المعجزة على وفق ما نبغ فيه القوم المرسل إليهم. فلما حذق قومُ موسى السحرَ كانت المعجزة إبطال هذا السحر في مواجهة علنية يُجمع لها الناس من كل حدب وصوب، فبطل السحر بالحق الذي ليس في وسع البشر أن يأتوا به، فكانت عصا موسى حية تلقف ما يأفكون حتى غُلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين، وليس في مقدور البشر أن تكون العصا التي من خشب حية تأكل؛ فلذا علم السحرة أن هذا الذي أمامهم من عند الله تعالى وبقدرته، وليس بسحر أعين الناس. ولما نبغ قوم عيسى في الطب كانت معجزته من جنس ما نبغوا فيه، فهو يُبْرِئُ الأكمه والأبرص من ساعته بإذن الله، وهذا ليس في مقدورهم، ثم هو يحيى الموتى بإذن الله، وهذا مما اختص الله به، وليس في وسع البشر، فعُلم أن هذا من عند الله، فآمن من آمن منهم. وكان نبوغ قوم محمد ﷺ هو خاتم النبيين - في كلامهم وما أوتوه من قوة اللفظ

стр. 4744

وجزالته وحباهم الله تعالى بلُغة واسعة واضحة مستبينة هي التي قال الله عنها: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾، وكانوا يتبارون في الميادين العامة كأسواق مجنة وعكاظ، ونبغ منهم أقوامٌ في قرض الشعر؛ حتى جعلوا لأشعارهم القداسة فعلقوها على الكعبة. ولقد كانت الأمة العربية على عهد نزول القرآن، تتمتع بخصائص العروبة الكاملة التي فيها قوة الذاكرة وسرعة الحفظ وسيلان الأذهان، وكان العربي يحفظ مئات الآلاف من الأشعار، ويعرف الأحساب والأنساب فيستظهرها عن ظهر قلب، ويعرف التواريخ، وقلَّ أن تجد منهم من لا يعد لك الحسب والنسب، أو من لا يحفظ (المعلقات العشر) على كثرة أشعارها وصعوبة حفظها (١). ومع ذلك كانوا - أعني: العربَ - أمة أُمية لا تقرأ ولا تكتب ويفشو فيهم الجهل، ولا ينقض ذلك أنهم بلغاء الكلام، فهم يعبرون باللفظ الفصيح عن ما يجري في البادية حولهم، كما لا ينقض أميتهم أن كان منهم أفراد على علم بأحوال الأمم من حولهم وعلى معرفة القراءة والكتابة، وكانت العرب تفشو بينهم أخلاق مرذولة من البغاء وأكل الأموال بالباطل، ثم كان بينهم الشرك الأكبر فعبدوا الحجارة والأصنام من دون الله تعالى. ثم بعث الله فيهم رسولًا منهم يعرفونه ويعرفون ما عليه من جميل الأخلاق وكريمها، فكانت معجزته الباقية أبد الآبدين هي من كلام، وهو كلام الله رب العالمين، فهو ليس معجزة مادية كناقة صالح ﵇، أو عصا موسى ﵇، فتنتهي المعجزة بموته، إنما كانت معجزته ﷺ كلامًا لرب العالمين يحتوي على العلم والإيمان والتشريع الذي سيبقى إلى يوم الدين، وليس بأن يبقى إلى وفاة الرسول الذي نزل عليه هذا القرآن العظيم، وهذا ما رواه البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا مِن الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ الله إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ

стр. 4745

تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١). فكان هذا هو الأليق بالحكمة أن تكون معجزة خاتم النبيين باقية من بعده، فلن يأتي نبيٌّ آخر ينذر الناس، بل هذه المعجزة التي هي كلام رب العالمين هي فيهم مقام المنذر والواعظ والناصح، فلا بد أن تكون كلامًا ربانيًا يحوي علمًا وتشريفًا للناس، هذا والذي جاء بهذا الكلام المبين الفصيح الذي يحتوي على العلم والتشريع والفصاحة والبلاغة رسول منهم يعرفونه؛ أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب، ثم جاءهم بكتاب فصيح بلغتهم، ويقول هذا كلام الله ويأمركم أن تتركوا ما وجدتم عليه آباءكم من عبادة الأصنام ومساوئ الأخلاق. ويأتي التحدي على أن يأتوا بمثل هذا القرآن؛ قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، ووجه الخطاب إليهم أن يأتوا بعشر سور فقط مثله، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: ١٣]، فعجزوا عن ذلك وعن ما هو دونه كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: ٣٨]، فلما عجزوا عن ذلك أرادوا أن يقدحوا في الكتاب المنزل وفي ربانية الكلام الذي فيه، وأنه من تأليف الرسول، وأنه إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون. يقول سيد قطب: حتى الماديون الملحدون في روسيا الشيوعية، عندما أرادوا أن يطعنوا في هذا الدين في مؤتمر المستشرقين عام ١٩٥٤ كانت دعواهم أن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من عمل فرد واحد هو محمد؛ بل من عمل جماعة كبيرة، وأنه لا يمكن أن يكون قد كتب في الجزيرة العربية؛ بل إن بعض أجزائه كتب خارجها. دعاهم إلى هذا استكثار هذا الكتاب على موهبة رجل واحد، وعلى علم أمة واحدة، ولم يقولوا ما يوحي به المنطق الطبيعي المستقيم: إنه من وحي رب العالمين؛ لأنهم ينكرون

стр. 4746

أن يكون لهذا الوجود إله، وأن يكون هناك وحي ورسل ونبوات (١). فتحدى الله أهل قريش على أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بمثل سورة فعجزوا وعلموا أن لا طاقة لهم بمثله ولا بمثل آية منه، فصاروا يخبطون القول ويفترون على رسول الله ﷺ الأقاويل مع علمهم بضلال كلامهم؛ قال تعالى عنهم: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣]، فافتروا هذه المقالة، واختلف المفسرون في اسم هذا الذي يقصده كفار قريش، والله ردَّ عليهم بأبلغ رد وأوضحه. فكيف يعجزون وهم أهل العربية عن محاكاة هذا اللسان العربي المبين في القرآن ثم يعلمه ويلقنه هذه الفصاحة أعجمي أو نبط وفد إليهم. يقول الشيخ السعدي: وذلك البشر الذي يشيرون إليه أعجمي اللسان ﴿وَهَذَا﴾ القرآن ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، هل هذا القول ممكن أو له حظ من الاحتمال؟ ! ولكن الكاذب يكذب ولا يفكر فيما يؤول إليه كذبه، فيكون في قوله من التناقض والفساد ما يوجب رده بمجرد تصوره (٢). ويقول سيد قطب: وهذه المقالة منهم يصعب حملها على الجد، وأغلب الظن أنها كيد من كيدهم الذي كانوا يدبرونه وهم يعلمون كذبه وافتراءه، وإلا فكيف يقولون وهم أخبر بقيمة هذا الكتاب وإعجازه: إن أعجميًا يملك أن يعلم محمدًا هذا الكتاب، ولئن كان قادرًا على مثله ليظهرن به لنفسه (٣). فانتفى أن يكون رسول الله ﷺ تعلم هذا القرآن من بشر، كما انتفى أن يكون من تأليفه، فهو وجده ربه أُميًا فعلمه ما لم يكن يعلم وهداه، ولو كان على علم أو كتابة لظنوا

стр. 4747

فيه الظنون؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت: ٤٨]. ويقول ابن كثير: أي: قد لبثت في قومك - يا محمد - ومن قبل أن تأتي بهذا القرآن عُمرًا لا تقرأ كتابًا ولا تحسن الكتابة، بل كل أحد من قومك وغيرهم يعرف أنك رجل أميٌّ لا تقرأ ولا تكتب، وهكذا صفته في الكتب المتقدمة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وهكذا كان ﷺ [دائمًا وأبدًا] إلى يوم القيامة لا يحسن الكتابة ولا يخط سطرًا ولا حرفًا بيده، بل كان له كُتاب يكتبون بين يديه الوحي والرسائل إلى الأقاليم. ومن زعم من متأخري الفقهاء كالقاضي أبي الوليد الباجي ومن تابعه أنه ﷺ كتب يوم الحديبية: "هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله" فإنما حمله على ذلك رواية في صحيح البخاري: "ثم أخذ فكتب"، وهذه محمولة على الرواية الأخرى: "ثم أمر فكتب"، ولهذا اشتد النكير بين فقهاء المغرب والمشرق على من قال بقول الباجي، وتبرؤوا منه، وأنشدوا في ذلك أقوالًا وخطبوا به في محافلهم: وإنما أراد الرجل - أعني الباجي، فيما يظهر عنه - أنه كتب ذلك على وجه المعجزة؛ لا أنه كان يحسن الكتابة. وقوله: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: لو كنت تحسنها لارتاب بعض الجهلة من الناس فيقول: إنما تعلم هذا من كُتب قبله مأثورة عن الأنبياء، مع أنهم قالوا ذلك مع علمهم بأنه أمي لا يحسن الكتابة: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦] (١).

стр. 4748

وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦]. قال ابن كثير: أي: هذا إنما جئتكم به عن إذن الله لي في ذلك ومشيئته ولم أتقوله من عندي، والدليل أنكم عاجزون عن الإتيان بمثله، وأنتم تعلمون حالي قبل هذا الكتاب وتعلمون صدقي وأمانتي ولا تعيبون على شيئًا؛ لهذا قال: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ أي: أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل، ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان ومن معه فيما سأله من صفة النبي ﷺ قال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا، وقد كان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين، ومع هذا اعترف بالحق، وَالفَضْلُ ما شَهدَتْ به الأعداءُ، فقال له هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن ليدَعَ الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله (١). والحديث مشهور في صحيح البخاري (٢). وعن أم المؤمنين أم سلمة ﵂ حديث الهجرة الطويل إلى الحبشة، وفيه أن جعفر بن أبي طالب ﵁ خاطب النجاشي قائلًا: حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده (٣). قال السعدي: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا﴾ طويلًا ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: قبل تلاوته، وقبل درايتكم به، وأنا ما خطر على بالي، ولا وقع في ظني، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أني حيث لم أتقوله في مدة عمري، ولا صدر مني ما يدل على ذلك، فكيف أتقوله بعد ذلك، وقد لبثت فيكم عمرا طويلا تعرفون حقيقة حالي، بأني أمي لا أقرأ ولا أكتب، ولا أدرس ولا أتعلم من أحد؟ ، فأتيتكم بكتاب عظيم أعجز الفصحاء، وأعيا العلماء، فهل يمكن - مع

стр. 4749

هذا - أن يكون من تلقاء نفسي، أم هذا دليل قاطع أنه تنزيل من حكيم حميد؟ . فلو أعملتم أفكاركم وعقولكم، وتدبرتم حالي وحال هذا الكتاب، لجزمتم جزمًا لا يقبل الريب بصدقه، وأنه الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، ولكن إذ أبيتم إلا التكذيب والعناد، فأنتم لا شك أنكم ظالمون، ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [يونس: ١٧]؟ . فلو كنت متقولًا لكنت أظلم الناس، وفاتني الفلاح، ولم تخف عليكم حالي، ولكني جئتكم بآيات الله، فكذبتم بها، فتعين فيكم الظلم (١). وقال ابن عاشور: فتقديره هنا: لو شاء الله ما تلوته لكنني تلوته عليكم. وتلاوته هي دليل الرسالة لأن تلاوته تتضمن إعجازه علميًا إذ جاء به من لم يكن من أهل العلم والحكمة، وبلاغيًا إذ جاء كلامًا أعجز أهل اللغة كلهم مع تضافرهم في بلاغتهم وتفاوت مراتبهم، وليس من شأن أحد من الخلق أن يكون فائقًا على جميعهم، ولا من شأن كلامه أن لا يستطيع مثلَه أحد منهم. ولذلك فُرعت على الاستدلال جملةُ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ تذكيرًا لهم بقديم حاله المعروفة بينهم وهي حال الأمية، أي قد كنت بين ظهرانيكم مدة طويلة، وهي أربعون سنة، تشاهدون أطوار نشأتي فلا ترون فيها حالة تشبه حالة العظمةِ، والكمال المتناهي الذي صار إليه لما أوحَى الله إليه بالرسالة، ولا بلاغة قول واشتهارًا بمقاولة أهل البلاغة والخطابة والشعر تشبه بلاغة القول الذي نطق به عن وحي القرآن، إذ لو كانت حالته بعد الوحي حالًا معتادًا وكانت بلاغة الكلام الذي جاء به كذلك لكان له من المقدمات من حين نشأته ما هو تهيئة لهذه الغاية وكان التخلق بذلك

стр. 4750

أطوارًا وتدرجًا، فلا جرم دل عدم تشابه الحالين على أن هذا الحال الأخير حال رَباني محض، وأن هذا الكلام موحًى إليه من عند الله ليس له بذاته عمل فيه (١). ويقول أيضًا: والتقدير أفلا تعقلون أنَّ مثل هذا الحال من الجمع بين الأمية والإتيان بهذا الكتاب البديع في بلاغته ومعانيه لا يكون إلا حال من أفاض الله عليه رسالته إذ لا يتأتى مثله في العادة لأحد ولا يتأتى ما يقاربه إلا بعد مدارسة العلماء ومطالعة الكتب السالفة ومناظرة العلماء ومحاورة أهل البلاغة من الخطباء والشعراء زمنًا طويلًا وعُمرًا مديدًا، فكيف تأتَّى ما هو أعظم من ذلك المعتادِ دَفعةً لمن قضى عمره بينهم في بلاده يرقبون أحواله صباح مساءَ، وما عُرف بلدهم بمزاولة العلوم ولا كان فيهم من أهل الكتاب إلا من عَكف على العبادة وانقطع عن معاشرة الناس (٢). الوجه السادس: صفة نبي الله عيسى ﵇ في الكتاب المقدس . هذه بعض الصفات التي وُصف بها المسيح في الكتاب المقدس، حيث إن من عادتهم أنهم يلصقون كل صفة قبيحة ومذمومة لأنبيائهم وصالحيهم: يصفون المسيح بأنه غير قادر: (يوحناه/ ٣٠): أَنَا لا أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئًا. كما أَسْمَعُ أَدِينُ، وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ، لأَنِّي لا أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي. ويصفون المسيح بأنه ملعون: (غلاطية ٣/ ١٣): الْمسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: "مَلْعُون كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ. ويفترون عليه كذبًا، ويقولون أنه يأمرهم بالنفاق: (صموائيل الثاني ٢٢/ ٢٧): مَعَ الطَّاهِرِ تَكُونُ طَاهِرًا، وَمَعَ الأَعْوَجِ تَكُونُ مُلْتَوِيًا. * * *

стр. 4751

٢٩ - شبهة: نهي الله الرسول ﷺ أن يطيع الكافرين . نص الشبهة: يقولون: إن محمدًا ﷺ يرضي قومه، فنهاه الله بقوله: ﴿اأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: تفسير الآيات . الوجه الثاني: لماذا يُؤمر النبي ﷺ بالتقوى، ويُنهى عن طاعة الكافرين؟ . الوجه الثالث: النبي ﷺ أتقى الناس لربه. الوجه الرابع: النبي ﷺ لا يحابي أحدًا ولا يجامل أحدًا. وإليك التفصيل. الوجه الأول: تفسير الآيات. قال تعالى: ﴿اأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (الأحزاب: ١)، هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى؛ فإنه تعالى إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا؛ فَلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى، فلا تسمع من الكافرين والمنافقين ولا تستشرهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه؛ فإنه عليم بعواقب الأمور (١). وَلا تُطِع الذين يقولون لك: اطرد عنك أتباعك من ضعفاء المؤمنين بك حتى نجالسك ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الذين يظهرون لك الإيمان بالله والنصيحة لك، وهم لا يألونك وأصحابك ودينك خبالًا؛ فلا تقبل منهم رأيًا (٢). وقال الشوكاني في فتح القدير: لا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر (٣).

стр. 4752

وقوله: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ أي: زد من التقوى، لئلا تلتفت إلى شيء سواه، فإنه أهل لأن يرهب لما له من خلال الجلال، والعظمة والكمال، ولما وجه إليه الأمر بخشية الولي الودود، أتبعه النهي عن الالتفات نحو العدو والحسود. فقال: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (١). وناداه الله بالنبي وأمره بالتقوى تعظيمًا له وتفخيمًا لشأن التقوى. والمراد به الأمر بالثبات عليه ليكون مانعًا له عما نهى عنه بقوله ﴿وَلَا تُطِعِ﴾ (٢). وقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ﴾ مرادف: لا تَتَّق الكافرين والمنافقين؛ فإن الطاعة تقوى. فصار مجموع الجملتين مفيدًا معنى: يأيها النبي لا تتق إلا الله. فعدل عن صيغة القصر وهي أشهر في الكلام البليغ وأوجز إلى ذكر جملتي أمر ونهي لقصد النص، على أنه قصر إضافي أُريد به أن لا يطيع الكافرين والمنافقين؛ لأنه لو اقتصر على أن يُقال: لا تتق إلا الله لما أصاخت إليه الأسماع إصاخة خاصة لأن تقوى النبي ﷺ ربه أمر معلوم (٣). الوجه الثاني: لماذا يؤمر النبي ﷺ بالتقوى . أولًا قدّمنا أن معنى قوله تعالى: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ أي: زد من التقوى وداوم عليها وأكثر منها، وأنه أيضًا خطاب له أريد به أمته. ثانيًا: ولا يجوز حمل هذا الأمر على غفلة النبي ﷺ ؛ لأن قوله ﴿النَّبِيُّ﴾ ينافي الغفلة، لأن النبي ﷺ خبير، فلا يكون غافلًا؛ فيجب حمله على خطر الخطب، فقد يتوهم من قوله: ﴿يَاأَيُّهَا﴾ أن الهاء هنا للتنبيه، نعم هناك فرق بين قولك (يا رجل)، وقولك (يا أيها الرجل)، فالأخرى هي لتنبيه الغافل، لكن مع النبي ﷺ الحال مختلف لفضله ومنزلته ﷺ ،

стр. 4753

فهي لمجرد الخطاب والنداء وليست للتنبيه (١). ثالثا: وإن كانت التقوى معلومة من حاله، ففي أمره بها ثلاثة أمور: أحدها: أن المراد بذلك استدامة ما هو علي، والثاني: الإِكثار مما هو فيه، والثالث: هو خطاب المراد به أُمَّتُه (٢). رابعًا: وفائدة هذا الأمر والنهي التشهير لهم بأن النبي- ﷺ لا يقبل أقوالهم ليَيْأسوا من ذلك لأنهم كانوا يدبرون مع المشركين المكايد ويظهرون أنهم ينصحون النبي ﷺ ويلحّون عليه بالطلبات نصحًا تظاهرًا بالإسلام (٣). خامسًا: الأمر بالشيء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور بالمأمور به، إذ لا يصلح أن يقال للجالس اجلس وللساكت اسكت والنبي ﷺ وكان متقيًا فما الوجه فيه؟ نقول فيه وجهان: أحدهما: منقول وهو أنه أمر بالمداومة؛ فإنه يصح أن يقول القائل للجالس اجلس هاهنا إلى أن أجيئك، ويقول القائل للساكت قد أصبت فاسكت تسلم، أي دم على ما أنت عليه، والثاني: وهو معقول لطيف، وهو أن الملك يتقي منه عباده على ثلاثة أوجه: بعضهم يخاف من عقابه، وبعضهم يخاف من قطع ثوابه، وثالث يخاف من احتجابه، فالنبي ﷺ لم يُؤمر بالتقوى بالمعنى الأول ولا بالمعنى الثاني، وأما الثالث فالمخلص لا يأمنه ما دام في الدنيا. وكيف والأمور الدنيوية شاغلة والآدمي في الدنيا تارة مع الله، وأخرى مقبل على ما لابد منه، وإن كان معه الله وإلى هذا إشارة بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (فصلت: ٦)، يعني يرفع الحجاب عني وقت الوحي ثم أعود إليكم كأني منكم فالأمر بالتقوى يوجب استدامة الحضور (٤).

стр. 4754

سادسًا: هو أن النبي ﷺ كل لحظة كان يزداد علمه ومرتبته؛ حتى كان حاله فيما مضى بالنسبة إلى ما هو فيه تركًا للأفضل، فكان له في كل ساعة تقوى متجددة فقوله: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ على هذا أمر بما ليس فيه وإلى هذا أشار ﷺ بقوله: "من استوى يوماه فهو مغبون" ولأنه طلب من ربه بأمر الله إياه به زيادة العلم حيث قال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وأيضا إلى هذا وقعت الإشارة بقوله ﷺ : "إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة" (١) (٢). سابعًا: والآية لا تدل على عدم تقواه، ومن قال ذلك، فهذا كله كذب لأن النهي عن الشيء لا يدل على وقوعه بل يدل على أنه ممنوع منه لئلا يقع فيما بعد كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فهذا لا يدل على أنه كان يطيعهم. وكذلك قوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ فإنه ﷺ لم يكن مشركًا قط، لا سيما بعد النبوة، فالأمة متفقة على أنه معصوم من الشرك بعد النبوة، وقد نهى عن ذلك بعد النبوة ونظائره كثيرة فقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾ لا يدل على أن الصديق كان قد حزن لكن من الممكن في العقل أنه يحزن فقد ينهى عن ذلك لئلا يفعله (٣). ثامنًا: أن هذا خطاب للتحذير والإنذار، والتحذير ليس معناه أن المخاطب وقع في الحذور. تاسعًا: أن هذا الخطاب أدب من الله ﷺ ، وتهديد لغيره (٤). الوجه الثالث: النبي ﷺ أتقى الناس لربه . قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ (الأحزاب: ٣٩). عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَمَرَهُم، أَمَرَهُمْ مِنْ الْأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ الله، إِنَّ الله قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا

стр. 4755

تَأَخَّرَ؟ فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ يَقُولُ: "إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِالله أَنَا" (١). وعن عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ﵁ أنَّهُ سَأَل رَسُولَ الله ﷺ أَيُقَبِّلُ الصَّائِمُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : "سَلْ هَذه لِأُمِّ سَلَمَةَ، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ يصْنَعُ ذَلِكَ، فَقَالَ يَا رَسولَ الله قَدْ غَفَرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : أَمَا وَالله إِنِّي لَأَتْقَاكُمْ للهَّ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ (٢). وعن أنسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قال: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْألونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَالله إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ للهَّ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ؛ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي (٣). وقال ابن حجر: فِيهِ إِشَارَة إِلَى رَدّ مَا بَنَوْا عَلَيْهِ أَمْرَهُمْ مِنْ أَنَّ الْمغْفُور لَهُ لَا يَحْتَاج إِلَى مَزِيد فِي الْعِبَادَة بِخِلَافِ غَيْره؛ فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ مَعَ كَوْنه يُبَالِغ فِي التَّشْدِيد فِي الْعِبَادَة أَخْشَى لله وَأَتْقَى مِنْ الَّذِينَ يُشَدِّدُونَ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ المشَدِّد لَا يَأْمَن مِنْ المُلَل بِخِلَافِ الْمقْتَصِدَ فَأنّهُ أَمْكَنَ لاسْتِمْرَارِهِ وَخَيْر الْعَمَل مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبه (٤). الوجه الرابع: النبي ﷺ لا يحابي أحدًا . قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [الأنعام: ٥٢]. قال السعدي: أي: لا تطرد عنك، وعن مجالستك، أهل العبادة والإخلاص، رغبة في

стр. 4756

مجالسة غيرهم، من الملازمين لدعاء ربهم، دعاء العبادة بالذكر والصلاة ونحوها، ودعاء المسألة، في أول النهار وآخره، وهم قاصدون بذلك وجه الله، ليس لهم من الأغراض سوى ذلك الغرض الجليل، فهؤلاء ليسوا مستحقين للطرد والإعراض عنهم، بل مستحقون لموالاتهم ومحبتهم، وإدنائهم، وتقريبهم، لأنهم الصفوة من الخلق وإن كانوا فقراء، والأعزاء في الحقيقة وإن كانوا عند الناس أذلاء، وكلّ له حسابه، وله عمله الحسن، وعمله القبيح، ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وقد امتثل ﷺ هذا الأمر، أشد امتثال، فكان إذا جلس الفقراء من المؤمنين صبَّر نفسَه معهم، وأحسن معاملتهم، وألان لهم جانبه، وحسن خلقَه، وقربهم منه، بل كانوا هم أكثر أهل مجلسه ﵃ (١). ولهذه الآية سبب نزول، فعن المقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ ﵁ قال: فِيَّ نَزَلَتْ ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، قَالَ: نَزَلَتْ فِي سِتَّةٍ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ مِنْهُمْ وَكَانَ المُشْرِكُونَ قَالُوا لَهُ تُدْنِي هَؤُلَاءِ (٢). وفي رواية: قال سعد بن أبي وقاص ﵁: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا، قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسولِ الله ﷺ : مَا شَاءَ الله أَنْ يَقَعَ فَحَدَّثَ نَفْسَهُ فَأَنْزَلَ الله : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (٣). فهكذا، نهى الله نبيه أن يحابي أحدًا من الكافرين أو المسلمين، فكيف تقولون أن النبي ﷺ يرضي قومه؛ لأن الله نهاه عن طاعة الكافرين أو المنافقين؟ هذا من السفه في الفهم، وهذا كان دأب النبي ﷺ مع الكافرين والمسلمين، فكان لا يخشى في الله لومة لائم. وعن عَائِشَةَ ﵂ قالت: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُوميَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ

стр. 4757

فَقَالُوا وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ الله ﷺ فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ حِبُّ رَسُول الله ﷺ فكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ؛ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحدَّ؟ وَايْمُ الله لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا (١). فانظر لحكمه ﷺ مع حلمه ورأفته، إلا أن هذا طالما أنه حد من حدود الله فلا شفاعة لأحد فيه. وعن عروة قال: خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فِي شَرِيجٍ مِنْ الحرَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ الْماءَ إِلَى جَارِكَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ الله أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ الله ﷺ ثُمَّ قَالَ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسْ الْماءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجْدْرِ ثُمَّ أَرْسِلْ الْماءَ إِلَى جَارِكَ، وَاسْتَوْعَى النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الحكْمِ حِينَ أَحْفَظَهُ الْأَنْصَارِيُّ كَانَ أَشَارَ عَلَيْهِمَا بِأَمْرٍ لَهما فِيهِ سَعَةٌ، قَالَ الزُّبَيْرُ: فَمَا أَحْسِبُ هَذِه الْآيَاتِ إِلَّا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٢). قال النووي: فيه الغضب عند انتهاك حرمات الشرع، وإن كان المنتهك متأولًا تأويلًا باطلًا (٣). وفيه أن النبي لم يجامل هذا الأنصاري، بل لما أخطأ واتهم نبي الله بالظلم عاقبه. * * *

стр. 4758

٣٠ - شبهة: إعراض النبي ﷺ عن ضعفاء المسلمين، وإقباله على أصحاب الجاه . نص الشبهة: جاء في سورة عبس ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠)﴾ (عبس ١٠: ١). والسؤال: كيف يراعي محمد أصحاب الجاه ويرفض الفقير والمسكين ويقطب وجهه للأعمى؟ أين هو من المسيح ﵇ الذي لما جاءه الأعمى أحاطه بعطفه ورعايته وأعاد إليه بصره؟ والجواب على هذه الشبهة من عدة وجوه: الوجه الأول: سبب نزول الآيات . الوجه الثاني: بيان العلة والسبب الذي شغل النبي ﷺ عن ابن أم مكتوم ﵁. الوجه الثالث: حرص النبي ﷺ على دعوة الكبار والرؤساء للإسلام. الوجه الرابع: أن الله أمر نبيه ﷺ ألا يطرد الضعفاء والمساكين، وأن يصبر نفسه معهم، ولا تعدوا عيناه إلى أهل الجاه والمنزلة في الدنيا. الوجه الخامس: بيان أخلاق النبي ﷺ . الوجه السادس: ليس في نزول الآيات ذنب. الوجه السابع: المسيح ﵇ في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: سبب نزول الآيات. أجمع المفسرون على أن هذه الآيات نزلت في عبد الله بن أم مكتوم ﵁، وذلك أن رسول الله ﷺ كان يوما يخاطبُ بعض عظماء قريش، وقد طَمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابنُ أم مكتوم -وكان ممن أسلم قديمًا- فجعل يسأل رسول ﷺ عن شيء ويلح عليه، وودَّ النبي ﷺ أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل؛ طمعًا ورغبةً في هدايته. وعَبَس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه، وأقبل على الآخر، فأنزل

стр. 4759

الله : ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ أي: يحصل له زكاة وطهارة في نفسه. ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤)﴾ أي: يحصل له اتعاظ وانزجار عن المحارم، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)﴾ أي: أما الغني فأنت تتعرض له لعله يهتدي، ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧)﴾؟ أي: ما أنت بمطالب به إذا لم يحصل له زكاة. ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يقصدك ويؤمك ليهتدي بما تقول له، ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ أي: تتشاغل. ومن هاهنا أمر الله رسوله ﷺ ألا يخص با لإنذار أحدًا، بل يساوى فيه بين الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصغار والكبار. ثم الله يهدي من يشاء (١). عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أُنْزِلَ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى أَتَى رَسُولَ الله ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ يَا رَسُولَ الله أَرْشِدْنِي وَعِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ المُشْرِكِينَ فَجَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ يُعْرِضُ عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ وَيَقُولُ: أَتَرَي بِمَا أَقُولُ بَأْسًا؟ فَيَقُولُ لَا، فَفِي هَذَا أنزِلَت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ (٢). الوجه الثاني: بيان العلة والسبب الذي شغل النبي ﷺ عن ابن أم مكتوم ﵁ -. ليس في القصة ما يفيد احتقاره ﷺ لعبدالله بن أم مكتوم، فإنه لم يعرض عن ابن أم مكتوم قصدًا لإساءته ولا استصغارًا لشأنه، وإنما فعل ذلك حرصًا منه على أن يتفرغ لما هو فيه من دعوة أولئك الأشراف وتهالكًا على إيمانهم، لأنه كان يرجو أن يسلم بإسلامهم خلق كثير ويطمع في ذيوع أمره إذا انضم هؤلاء إليه وكفوا عن مناضلته والكيد له، وكان النبي ﷺ إذن يبتغي بعمله التقرب إلى ربه كان جادًا في نشر الدعوة مستغرقًا فيما رآه

стр. 4760

أنفع لهما وأجدى عليها، وأقرب شيء إلى الطبيعة البشرية في هذه الحالة أن يعبس الإنسان إذا صرفه عما هو بصدده كما فعل ابن أم مكتوم، ولكن ذلك كان على خلاف مراده تعالى فعاتبه عليه ونبهه إليه وبين له أن الصواب في ألا يعرض عن راغب في المعرفة مهما قل شأنه، وألا يتصدى لمعرض عن الهداية وإن كان عظيمًا، لأن مهمته التبليغ وما عليه من شيء في كفر الناس أو إيمانهم، وكان النبي ﷺ بعد ذلك يكرم عبدالله بن أم مكتوم، فعن أنس ﵁ في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾: جاء ابن أم مكتوم إلى النبي ﷺ وهو يكلم أبي بن خلف فأعرض عنه، فأنزل الله ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾، قال: فكان بعد ذلك يكرمه (١). الوجه الثالث: حرص النبي ﷺ على دعوة الكبار والرؤساء للإسلام . لقد حرص النبي ﷺ أشد الحرص على دعوة الكبار والزعماء والقادة والرؤساء إلى دين الله في إجابتهم للإسلام، ودخولهم فيه نصر لدين الله، فكان النبي ﷺ شديد الحزن على المشركين لتركهم الإيمان وبعدهم عنه، قال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ [الكهف: ٦]، وقال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ٣]، وقال أيضًا: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ فاطر: ٨)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ (النحل: ١٢٧). قال ابن كثير: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾، يقول تعالى مسليًا رسوله ﷺ في حزنه على المشركين، لتركهم الإيمان وبعدهم عنه، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ (فاطر: ٨)، وقال: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ (النحل:

стр. 4761

١٢٧)، وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ٣]. باخع: أي مهلك نفسك بحزنك عليهم؛ ولهذا قال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني: القرآن ﴿أَسَفًا﴾ يقول: لا تهلك نفسك أسفًا، قال قتادة: قَاتِل نَفْسَكَ غضبًا وحزنًا عليهم. وقال مجاهد: جزعًا. والمعنى متقارب، أي: لا تأسف عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات (١). قال السعدي: ولما كان النبي ﷺ حريصًا على هداية الخلق، ساعيا في ذلك أعظم السعي، فكان ﷺ يفرح ويسر بهداية المهتدين، ويحزن ويأسف على المكذبين الضالين، شفقة منه ﷺ عليهم، ورحمة بهم، أرشده الله أن لا يشغل نفسه بالأسف على هؤلاء، الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾، وقال: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، وهنا قال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: مهلكها، غمًا وأسفًا عليهم، وذلك أن أجرك قد وجب على الله (٢). ومن الكبار الذين حرص النبي ﷺ على دعوتهم للإسلام عمه أبو طالب، فعن سَعِيد بْن المسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ الله ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ الله بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المغِيرَةِ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ الله فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ الله بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ يَاأَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المطَّلِبِ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ الله ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ المُقَالَةَ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المطَّلِبِ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله فَقَالَ ﷺ : أَمَا وَالله لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ فَأَنْزَلَ الله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا

стр. 4762

لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ (التوبة: ١١٣)، وأَنْزَلَ الله تَعَالَى فِي أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِرَسُول الله- ﷺ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦] " (١). وبلغ أيضًا من حرص النبي ﷺ على دعوة الملوك والرؤساء بأن قام ببعث الكتب والرسائل إليهم، ففي أواخر السنة السادسة من الهجرة حين رجع النبي ﷺ من الحديبية كتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام (٢). فعن أَنسٍ بن مالك ﵁ أَنَّ نَبِيَّ الله ﷺ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَإِلَى قَيْصَرَ وَإِلَى النَّجَاشِيِّ وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الله تَعَالَى وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ (٣). واختار من أصحابه رسلًا لهم معرفة وخبرة، وأرسلهم إلى الملوك، بعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي بكتاب يدعوه فيه إلى الإسلام، فقرأ النجاشي ووضعه بين عينيه، ونزل عن السرير وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب (٤). وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ بعث دحية الكلبي بكتاب إلى هرقل يدعوه فيه للإسلام، فكتب فيه "بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ الله وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ الله أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ و ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ " (٥).

стр. 4763

وكتب إلى غيرهم من الملوك والرؤساء يدعوهم إلى دين الله مما يدل دلالة واضحة على حرص النبي ﷺ على دعوة الرؤساء للإسلام لأن بإسلامهم يدخل الناس في دين الله أفواجًا، وتتم النعمة عليهم بذلك (١). الوجه الرابع: أن الله أمر نبيه ﷺ ألا يطرد الضعفاء والمساكين، وأن يصبر نفسه معهم، ولا تعدوا عيناه إلى أهل الجاه والمنزلة في الدنيا . قال الله تعالى مخاطبًا نبيه محمدًا ﷺ : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [الأنعام: ٥٢]، وفي آية أخرى قال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]، بعد ما عاتب الله نبيه بشأن ابن أم مكتوم، نهاه في هذه الآية الكريمة ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ... ﴾ عن طرد ضعفاء المسلمين وفقرائهم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وفي الاية الأخرى (واصبر نفسك) يأمره أن يصبر نفسه معهم، وأن لا تعدو عيناه عنهم إلى أهل الجاه والمنزلة في الدنيا، ونهاه عن إطاعة الكفرة في ذلك ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (٢). وعَنْ سَعْدٍ بن أبي وقاص ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سِتّة نَفَرٍ، فَقَالَ الْمشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا قَالَ وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ الله ﷺ مَا شَاءَ الله أَنْ يَقَعَ فَحَدَّثَ نَفْسَهُ فَأَنْزَلَ الله : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (٣).

стр. 4764

وعن خباب بن الأرت ﵁ قال: فينا نزلت، كنا ضعفاء عند النبي ﷺ بالغداة والعشي، فعلمنا القرآن والخير، وكان يخوفنا بالجنة والنار وما ينفعنا والموت والبعث، فجاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فقالا: إنا من أشراف قومنا وإنا نكره أن يرونا معهم فاطردهم إذا جالسناك، قال: نعم، قالوا: لا نرضى حتى تكتب بيننا كتابًا، فأتى بأديم ودواة، فنزلت هذه الآيات ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ إلى قوله تعالى ﴿فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ (١). الوجه الخامس: بيان بعض أخلاق النبي (٢). إن النبي ﷺ أرسله رب العالمين رحمة للناس ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وأدبه ربه بأحسن الأخلاق، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، والنبي ﷺ كان رحمة بالصغير والكبير والشيخ والشباب والضعيف والقوي والمرأة والأطفال والصحيح والمريض والسقيم، ولم يكن فظًا ولا غليظًا وكان حريصًا على المؤمنين رؤوفًا بهم ورحيمًا بأمته ﷺ ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ أَنَّ هَذه الآيَةَ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥]، قَالَ فِي التَّوْرَاةِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المتوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئةَ بِالسَّيئةِ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ الله حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الملَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا الله فَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا) (٣).

стр. 4765

فتبين من هذا شأنه وهذه مكانته وهذه أخلاقه، كيف يوصف بالقسوة والإعراض عن الضعفاء والفقراء والمساكين؟ ! ، وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو حِينَ قَدِمَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْكُوفَةِ فَذَكَرَ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَقَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحَاسِنكُمْ أَخْلَاقًا" (١). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا ضرَبَ رَسُولُ الله ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ ولا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يجاهِدَ فِي سَبِيلِ الله وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ الله فيَنْتَقِمَ للهَّ (٢). وقد امتَلأت نفس الرسول الكريم بالرحمة، وأوصى أتباعه بأن يكونوا رحماء كما وصفهم القرآن ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (الفتح: ٢٩)، ومن وقائع السيرة النبوية أن ثقيفًا آذت رسول الله ﷺ عندما ذهب إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام حتى رشقوه بالحجارة وأدموا قدميه، وخيره الله أن يعاقبهم فيطبق عليهم الجبال، فقال ﷺ "بل أرجوا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا" (٣). وعن أَنَس ﵁ قَالَ: خَدَمْتُ رسول الله ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ قط وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لم تركته، وكان رسول الله ﷺ من أحسن الناس
следующие страницы →