← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

١٢٧)، وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ٣]. باخع: أي مهلك نفسك بحزنك عليهم؛ ولهذا قال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني: القرآن ﴿أَسَفًا﴾ يقول: لا تهلك نفسك أسفًا، قال قتادة: قَاتِل نَفْسَكَ غضبًا وحزنًا عليهم. وقال مجاهد: جزعًا. والمعنى متقارب، أي: لا تأسف عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات (١). قال السعدي: ولما كان النبي ﷺ حريصًا على هداية الخلق، ساعيا في ذلك أعظم السعي، فكان ﷺ يفرح ويسر بهداية المهتدين، ويحزن ويأسف على المكذبين الضالين، شفقة منه ﷺ عليهم، ورحمة بهم، أرشده الله أن لا يشغل نفسه بالأسف على هؤلاء، الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾، وقال: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، وهنا قال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: مهلكها، غمًا وأسفًا عليهم، وذلك أن أجرك قد وجب على الله (٢). ومن الكبار الذين حرص النبي ﷺ على دعوتهم للإسلام عمه أبو طالب، فعن سَعِيد بْن المسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ الله ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ الله بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المغِيرَةِ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ الله فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ الله بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ يَاأَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المطَّلِبِ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ الله ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ المُقَالَةَ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المطَّلِبِ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله فَقَالَ ﷺ : أَمَا وَالله لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ فَأَنْزَلَ الله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا

стр. 4762

لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ (التوبة: ١١٣)، وأَنْزَلَ الله تَعَالَى فِي أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِرَسُول الله- ﷺ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦] " (١). وبلغ أيضًا من حرص النبي ﷺ على دعوة الملوك والرؤساء بأن قام ببعث الكتب والرسائل إليهم، ففي أواخر السنة السادسة من الهجرة حين رجع النبي ﷺ من الحديبية كتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام (٢). فعن أَنسٍ بن مالك ﵁ أَنَّ نَبِيَّ الله ﷺ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَإِلَى قَيْصَرَ وَإِلَى النَّجَاشِيِّ وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الله تَعَالَى وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ (٣). واختار من أصحابه رسلًا لهم معرفة وخبرة، وأرسلهم إلى الملوك، بعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي بكتاب يدعوه فيه إلى الإسلام، فقرأ النجاشي ووضعه بين عينيه، ونزل عن السرير وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب (٤). وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ بعث دحية الكلبي بكتاب إلى هرقل يدعوه فيه للإسلام، فكتب فيه "بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ الله وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ الله أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ و ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ " (٥).

стр. 4763

وكتب إلى غيرهم من الملوك والرؤساء يدعوهم إلى دين الله مما يدل دلالة واضحة على حرص النبي ﷺ على دعوة الرؤساء للإسلام لأن بإسلامهم يدخل الناس في دين الله أفواجًا، وتتم النعمة عليهم بذلك (١). الوجه الرابع: أن الله أمر نبيه ﷺ ألا يطرد الضعفاء والمساكين، وأن يصبر نفسه معهم، ولا تعدوا عيناه إلى أهل الجاه والمنزلة في الدنيا . قال الله تعالى مخاطبًا نبيه محمدًا ﷺ : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [الأنعام: ٥٢]، وفي آية أخرى قال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]، بعد ما عاتب الله نبيه بشأن ابن أم مكتوم، نهاه في هذه الآية الكريمة ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ... ﴾ عن طرد ضعفاء المسلمين وفقرائهم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وفي الاية الأخرى (واصبر نفسك) يأمره أن يصبر نفسه معهم، وأن لا تعدو عيناه عنهم إلى أهل الجاه والمنزلة في الدنيا، ونهاه عن إطاعة الكفرة في ذلك ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (٢). وعَنْ سَعْدٍ بن أبي وقاص ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سِتّة نَفَرٍ، فَقَالَ الْمشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا قَالَ وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ الله ﷺ مَا شَاءَ الله أَنْ يَقَعَ فَحَدَّثَ نَفْسَهُ فَأَنْزَلَ الله : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (٣).

стр. 4764

وعن خباب بن الأرت ﵁ قال: فينا نزلت، كنا ضعفاء عند النبي ﷺ بالغداة والعشي، فعلمنا القرآن والخير، وكان يخوفنا بالجنة والنار وما ينفعنا والموت والبعث، فجاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فقالا: إنا من أشراف قومنا وإنا نكره أن يرونا معهم فاطردهم إذا جالسناك، قال: نعم، قالوا: لا نرضى حتى تكتب بيننا كتابًا، فأتى بأديم ودواة، فنزلت هذه الآيات ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ إلى قوله تعالى ﴿فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ (١). الوجه الخامس: بيان بعض أخلاق النبي (٢). إن النبي ﷺ أرسله رب العالمين رحمة للناس ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وأدبه ربه بأحسن الأخلاق، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، والنبي ﷺ كان رحمة بالصغير والكبير والشيخ والشباب والضعيف والقوي والمرأة والأطفال والصحيح والمريض والسقيم، ولم يكن فظًا ولا غليظًا وكان حريصًا على المؤمنين رؤوفًا بهم ورحيمًا بأمته ﷺ ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ أَنَّ هَذه الآيَةَ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥]، قَالَ فِي التَّوْرَاةِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المتوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئةَ بِالسَّيئةِ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ الله حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الملَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا الله فَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا) (٣).

стр. 4765

فتبين من هذا شأنه وهذه مكانته وهذه أخلاقه، كيف يوصف بالقسوة والإعراض عن الضعفاء والفقراء والمساكين؟ ! ، وقال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو حِينَ قَدِمَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْكُوفَةِ فَذَكَرَ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَقَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحَاسِنكُمْ أَخْلَاقًا" (١). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا ضرَبَ رَسُولُ الله ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ ولا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يجاهِدَ فِي سَبِيلِ الله وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ الله فيَنْتَقِمَ للهَّ (٢). وقد امتَلأت نفس الرسول الكريم بالرحمة، وأوصى أتباعه بأن يكونوا رحماء كما وصفهم القرآن ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (الفتح: ٢٩)، ومن وقائع السيرة النبوية أن ثقيفًا آذت رسول الله ﷺ عندما ذهب إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام حتى رشقوه بالحجارة وأدموا قدميه، وخيره الله أن يعاقبهم فيطبق عليهم الجبال، فقال ﷺ "بل أرجوا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا" (٣). وعن أَنَس ﵁ قَالَ: خَدَمْتُ رسول الله ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ قط وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لم تركته، وكان رسول الله ﷺ من أحسن الناس

стр. 4766

خلقًا، وَلَا مَسِسْتُ خَزَّةً وَلَا حَرِيرَةً ولا شيئًا كان أليَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ الله ﷺ وَلَا شَمِمْتُ مِسْكَةً قط وَلَا عطرًا كان أَطْيَبَ من عرق النبي ﷺ (١). وقال ابن القيم: جمع النبي بين تقوى الله وحسن الخلق، لأن تقوى الله يصلح ما بين العبد وبين ربه وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه فتقوى الله توجب له محبة الله وحسن الخلق يدعو إلى محبته (٢). وهكذا تتجلى أخلاق النبي ﷺ في الرحمة والسماحة والرأفة ومقابلة السيئة بالحسنة، إلى غير ذلك من الأخلاق الفاضلة، وفي الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن. (٣) ومعنى هذا أنه ﷺ قد ألزم نفسه ألا يفعل إلا ما أمره به القرآن، ولا يترك إلا ما نهاه عنه القرآن، فصار امتثال أمر ربه خلقًا له وسجية ﷺ إلى يوم الدين، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: ٩)، فكانت أخلاقه ﷺ أشرف الأخلاق وأكرمها وأبرها وأعظمها (٤). الوجه السادس: نزول الآيات ليس فيها إتيان دنب لرسول الله ﷺ -. مع صحة سبب نزول الآيات، فليس فيها إتيان ذنب لرسول الله ﷺ ، بل الآيات إعلام من الله تعالى لرسوله بأن ذلك المتصدي له ممن لا يتزكى وأن الصواب والأولى كان لو كشف له حيال الرجلين لاختار الإقبال على الأعمى، لأنه ﴿جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى﴾ والإعراض عن الكافر وتوهين أمره لأنه استغنى عن الإسلام بكفره ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾، أي: ليس عليك بأس في ألا يتزكى بالإسلام، والمراد: لايبلغن بك الحرص على إسلامهم أن تعرض عمن أسلم بالاشتغال بدعوتهم، إن عليك إلا البلاغ.

стр. 4767

وبالجملة ففي هذه القصة ما يشعر بأن اجتهاد رسول الله ﷺ في دعوة الكافر كان غير متمش مع طبيعة الهداية الإلهية التي عليه أن يعرضها على الناس دون أن يبخع نفسه حرصًا على إيمانهم، فجاءت الاية الكريمة تصحح هذا الاجتهاد وتبين الطريق للدعاة إلى الله تعالى الذين يرثون دعوة رسول الله ﷺ وتبليغ رسالته ونهجه في إيصالها إلى جميع الناس، وإن كان ثم عتاب فهو على أمر اجتهادي وقع على خلاف الأولى، لا على ذنب (١). الوجه السابع: وصف المسيح ﵇ (يسوع) في الكتاب المقدس . جاء في متى (١٥/ ٢٦: ٢١): ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ مِنْ هُنَاكَ وَانْصَرَفَ إِلَى نَوَاحِي صُورَ وَصَيْدَاءَ. ٢٢ وَإِذَا امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيْهِ قَائِلَةً: "ارْحَمْنِي، يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ! اِبْنَتِي مَجْنُونَة جدًّا". ٢٣ فَلَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ. فَتَقَدَّمَ تَلامِيذُهُ وَطَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: "اصْرِفْهَا، لأَنَّهَا تَصِيحُ وَرَاءَنَا! " ٢٤ فَأَجَابَ وَقَالَ: "لَمْ أُرْسَلْ إِلأَ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ"٢٥ فَأَتَتْ وَسَجَدَتْ لَهُ قَائِلَةً: "يَا سَيِّدُ، أَعِنِّي! " ٢٦ فَأَجَابَ وَقَالَ: "لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاب". ونجد يسوع عندهم أيضًا يسمب ويلعن، وليس يعبس فقط كما في (متى ١٢/ ٣٤): يَا أَوْلادَ الأَفَاعِي! كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَتكَلَّمُوا بِالصَّالِحَاتِ وَأَنْتُمْ أَشْرَار؟ فَإِنَهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْب يَتكلَّمُ الْفَمُ. ويريد أن يحرق الأرض وما عليها: جِئْتُ لأُلِقِيَ عَلَى الأَرْضِ نَارًا، فَلَكَمْ أَوَدُّ أَنْ تَكُونَ قَدِ اشْتَعَلَتْ؟ (لوقا ١٢/ ٤٩). فكيف يصدر هذا التعبير القاسي جدًّا من إله المحبة المزعوم؟ ، وكيف يخرج منه هذا السب واللعن بالرغم من أنه جاء ليفديكم من ذنوبكم؟ . والله إن عيسى بريء من هذا * * *

стр. 4768

٣١ - شبهة: قضاء النبي ﷺ بين الزبير بن العوام ﷺ والأنصار . نص الشبهة: الرد على ما يقدح في عصمة النبي ﷺ من كونه قضى بين الزبير بن العوام ﵁ والأنصاري في سقي النخل (وهو غضبان)، وكونه نهى عن الحكم حالة الغضب مع نهيه في الحديث "لا يقضينَّ حكَم بين اثنين وهو غضبان". والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: غضب رسول الله ﷺ ليس كغضب غيره . الوجه الثاني: حديث الزبير وفيه سبب نزول الآية ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (النساء: ٦٥) وشرح الحديث، وبيان عصمة النبي- ﷺ الوجه الثالث: حديث النهي عن الحكم حالة الغضب، وسبب النهي. الوجه الرابع: التوفيق بين الحديثين، وأقوال العلماء. وإليك التفصيل الوجه الأول: غضب رسول الله ﷺ ليس كغضب غيره. قال النووي: وفيه جواز الفتوى والحكم في حال الغضب وأنه نافذ لكن يكره ذلك في حقنا ولا يكره في حق النبي ﷺ ، لأنه لا يخاف عليه في الغضب ما يخاف علينا والله أعلم. (١) وقال ابن القيم: ولا يصح القياس على النبي ﷺ فإنه معصوم في غضبه ورضاه، فكان إذا غضب لم يقل إلا حقًّا كما كان في رضاه كذلك. (٢) وقال ابن بطال: فإن قيل: فقد قضى النبي ﷺ وهو غضبان، قيل: إنما فعل ذلك لأنه لم يخش التجاوز والميل في حكمه؛ لأنه معصوم بخلاف غيره من البشر. (٣) فالنبي ﷺ معصوم من الخطأ فلا يقال إنه داخل في النهي مع سائر المكلفين لأن حاله

стр. 4769

لا تقاس بحال غيره وقد جاء في حديث عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ أُرِيدُ حِفْظَهُ فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا أَتكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ الله ﷺ بَشَرٌ يَتكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا فَأَمْسَكْتُ عَنْ الْكِتَابِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ: "اكْتُبْ فوالذي نَفْسِي بِيَدهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلا حَقٌّ" (١). فالنبي ﷺ بين أن كل ما يصدر منه ﷺ حق، وأنه إن حصل منه شيء في حال الغضب فهو حق، ولا يصدر منه إلا حق ﷺ ، سواء في حال الرضا أو في حال الغضب. وقال البغوي: وفي الحديث أنه ﷺ حكم على الأنصاري في حال غضبه مع نهيه الحاكم أن يحكم وهو غضبان، وذلك لأنه كان معصوما من أن يقول في السخط والرضا إلا حقًّا. (٢) الوجه الثاني: حديث الزبير وفيه سبب نزول الآية ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، ومعنى الآية، وشرح الحديث وبيان عصمة النبي- ﷺ -. أولًا: الحديث وسبب نزول الآية: عن عروة عن عبد الله بن الزبير ﵄ أنه حدثه: أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير عند النبي ﷺ في شراج الحرة التي يسقون بها النخل فقال الأنصاري سرح الماء يمر فأبى عليه فاختصما عند النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ للزبير "اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك ". فغضب الأنصاري فقال أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر ". فقال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٣) ثانيًا: معنى الآية: دلَّت الآيةُ على أنَّ الأنْبِيَاء ﵈ معصُومُون عن الخطأ في الفَتوَى وفِي الأحْكَام، لأنه -تعَالى- أوْجَبَ الانْقِيَاد لحُكْمِهِم، وبالغ في ذَلِك الإيجابِ،

стр. 4770

وبيَّن أنه لا بُدَّ من حُصُولِ الانْقِيَاد في الظَّاهِرِ والقَلْبِ، وذلك يَنْفِي صُدُورَ الخَطَإ عَنْهُم. (١) وقال محمد رشيد رضا: أَقْسَمَ تَعَالَى بِأَنَ أُولَئِكَ الَّذِينَ رَغِبُوا عَنِ التَّحَاكُمِ إِلَيْهِ ﷺ وَأَمْثَالهمْ، وَهُمْ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ الْإِيمَانَ زَعْمًا كَمَا تَقَدَّمَ لَا يُؤْمِنُونَ إِيمَانًا صَحِيحًا حَقِيقِيًّا -وَهُوَ إِيمَانُ الْإِذْعَانِ النَّفْسِيِّ- إِلَّا بِثَلَاثٍ: الْأُولَى: أَنْ يحكِّمُوا الرَّسُولَ ﷺ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، أَيْ: فِي الْقَضَايَا الَّتِي يَخْتَصِمُونَ فِيهَا وَيَشْتَجِرُونَ فَلَمْ يَتبَيَّنِ الْحَقُّ فِيهَا لَهُمْ، أَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ كُلّ مِنْهُمْ، بَلْ يَذْهَبُ كُلّ مَذْهَبًا فِيهِ، فَمَعْنَى شَجَرَ: اخْتَلَفَ وَاخْتَلَطَ الْأَمْرُ فِيهِ، ... وَتَحْكِيمُهُ تَفْوِيضُ أَمْرِ الحكْمِ إِلَيْهِ. الثَّانِيَةُ: قَولهُ: ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ الحْرَجُ: الضَّيقُ، وَالْقَضَاءُ: الْحُكْمُ، وَزَعَمُ بَعْضُ المُسْتَشْرِقِينَ مِنَ الْإِفْرِنْجِ أَنَّ لَفْظَ الْقَضَاءِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعْمَلًا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ الْأَوَّلِ بِمَعْنَى الحكْمِ، وَهَذَا مِنْ دَعَاوِيهِمُ الَّتِي يَتَجَرَّءُونَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِقْصَاءٍ وَلَا عِلْمٍ، وَالْمعْنَى: ثُمَّ تُذْعِنُ نُفُوسُهُمْ لِقَضَائِكَ وَحُكْمِكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ فِيهَا ضِيق وَلَا امْتِعَاض مِنْ قَبُولِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَلمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ أَنْ يَسْبِقَ إِلَيْهَا الأَلمُ، وَالحرَجُ إِذَا خَسِرَتْ مَا كَانَتْ تَرْجُو مِنَ الْفَوْزِ، وَالحكْمِ لَهَا بِالْحَقِّ الْمخْتَصَمِ فِيهِ، عَفَا الله تَعَالَى عَنِ الحرَجِ يُفَاجِئُ النَّفْسَ عِنْدَ الصدْمَةِ الْأُولَى وجَعَلَ هَذَا الشَّرْطَ عَلَى التَّرَاخِي فَعَطَفَهُ بِـ ثُمَّ وَالْمؤْمِنُ الْكَامِلُ الْإِيمَانِ يَنْشَرِحُ صَدْرُهُ لِحُكْمِ الرَّسُولِ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ الْحَقُّ، وَأَنَّ الْخَيْرَ لَهُ فِيهِ، وَالسَّعَادَةَ فِي الْإِذْعَانِ لَهُ، فَإِذَا كَانَ فِي إِيمَانِهِ ضَعْف مَا ضَاقَ صَدْرُهُ عِنْدَ الصدْمَةِ الْأُولَى، ثُمَّ يَعُودُ عَلَى نَفْسِهِ بِالذِّكْرَى وَيَنْحَى عَلَيْهَا بِاللَّوْمِ حَتَّى تَخْشَعَ وَتَنْشَرِحَ بِنُورِ الْإِيمَانِ وَإِيثَارِ الْحَقِّ الَّذِي حَكَمَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى الْهَوَى. الثَّالِثَةُ: قَولهُ تَعَالَى: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا التَّسْلِيمُ هُنَا: الانْقِيَادُ بِالْفِعْلِ، وَمَا كُلُّ مَنْ يَعْتَقِدُ حَقِّيَّةَ الحكْمِ وَلَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ ضِيقًا مِنْهُ يَنْقَادُ لَهُ بِالْفِعْلِ وَيُنَفِّذُهُ طَوْعًا، وَإِنْ لَمْ يَخْشَ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ مُؤَاخَذَةً فِي الدُّنْيَا.

стр. 4771

وَاسْتَدَلُّوا بِالآيةِ عَلَى عِصْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْخَطَأِ فِي الحكْمِ وَغَيْرِهِ ... ولاشَكَّ فِي عِصْمَتِهِ ﷺ فِي الحكْمِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ إِلَّا بالْحَقِّ بِحَسَبِ صُورَةِ الدَّعْوَى وَظَاهِرِهَا لَا بِحَسَبِ الْوَاقِعِ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الحكْمَ فِي شَرِيعَتِهِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَالله يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ (١). ثالثا: شرح الحديث وبيان عصمة النبي ﷺ . قال ابن العربي: وَكُلُّ مَنْ اتَّهَمَ رَسُولَ الله ﷺ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ كَافِرٌ، لَكِنَّ الأَنْصَارِيَّ زَلَّ زَلَّةً فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَقَالَ عَثْرَتَهُ لِعِلْمِهِ بِصِحَّةِ يَقِينِهِ وَأَنَّهَا كَانَتْ فَلْتَةً، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ بَعْدَهُ فَهُوَ عَاصٍ آثِمٌ (٢). وقال ابن حجر: وفي هذا الحديث: أن من سبق إلى شيء من مياه الأودية والسيول التي لا تملك فهو أحق به لكن ليس له إذا استغنى أن يحبس الماء عن الذي يليه وفيه أن للحاكم أن يشير بالصلح بين الخصمين ويأمر به ويرشد إليه ولا يلزمه به إلا إذا رضي وأن الحاكم يستوفي لصاحب الحق حقه إذا لم يتراضيا وأن يحكم بالحق لمن توجه له ولو لم يسأله صاحب الحق وفيه الاكتفاء من المخاصم بما يفهم عنه مقصوده من غير مبالغة في التنصيص على الدعوى ولا تحديد المدعى ولا حصره بجميع صفاته وفيه توبيخ من جفا على الحاكم ومعاقبته ويمكن أن يستدل به على أن للإمام أن يعفو عن التعزير المتعلق به لكن محل ذلك ما لم يؤد إلى هتك حرمة الشرع. وإنما لم يعاقب النبي ﷺ صاحب القصة لما كان عليه من تأليف الناس كما قال في حق كثير من المنافقين لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه. قال القرطبي: فلو صدر مثل هذا من أحد في حق النبي ﷺ أو في حق شريعته لقُتل قتلة زنديق ونقل النووي نحوه عن العلماء والله أعلم. (٣) الوجه الثالث: حديث النهي عن الحكم حالة الغضب وشرحه، وفيه سبب النهي .

стр. 4772

أولًا: الحديث: كتب أبو بكرة إلى ابنه وكان بسجستان بأن لا تقضي بين اثنين وأنت غضبان فإني سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يقضينَّ حكَم بين اثنين وهو غضبان" (١). ثانيًا: معنى الحديث: فيه النهي عن القضاء في حال الغضب قال العلماء ويلتحق بالغضب كل حال يخرج الحاكم فيها عن سداد النظر واستقامة الحال كالشبع المفرط والجوع المقلق والهم والفرح البالغ ومدافعة الحدث وتعلق القلب بأمر ونحو ذلك وكل هذه الأحوال يكره له القضاء فيها خوفًا من الغلط (٢). وكأن الحكمة في الاقتصار على ذكر الغضب لاستيلائه على النفس وصعوبة مقاومته بخلاف غيره ... فإنه لما نهى عن الحكم حالة الغضب فهم منه أن الحكم لا يكون إلا في حالة استقامة الفكر فكانت علة النهي المعنى المشترك وهو تغير الفكر والوصف بالغضب يسمى علة بمعنى أنه مشتمل عليه فالحق به ما في معناه كالجائع قال الشافعي في الأم أكره للحاكم أن يحكم وهو جائع أو تعب أو مشغول القلب فإن ذلك يغير القلب. وسبب النهي: أن الحكم حالة الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحق فمنع وبذلك قال فقهاء الأمصار وقال بن دقيق العيد فيه النهي عن الحكم حالة الغضب لما يحصل بسببه من التغير الذي يختل به النظر فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه قال وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير الفكر كالجوع والعطش المفرطين وغلبة النعاس وسائر ما يتعلق به القلب تعلقا يشغله عن استيفاء النظر وهو قياس مظنة على مظنة. (٣) قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: وَمَعْقُولٌ قَوْلِ رَسُولِ الله ﷺ "لَا يَحْكُمُ الحاكِمُ وَلا يَقْضِي الْقَاضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ" أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي حِينَ يَحْكُمُ فِي حَالٍ لَا يَتَغَيَّرُ فِيهَا خُلُقُهُ وَلَا عَقْلُهُ، وَالحْاكِمُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ فَأَيُّ حَالٍ أَتَتْ عَلَيْهِ تَغَيَّرَ فِيهَا عَقْلُهُ أَوْ خُلُقُهُ انْبَغَى لَهُ أَنْ لَا

стр. 4773

يَقْضِيَ حَتَّى يَذْهَبَ وَأَيُّ حَالٍ صَارَ إِلَيْهِ فِيهَا سُكُونُ الطَّبِيعَةِ وَاجْتِمَاعُ الْعَقْلِ حَكَمَ وَإِنْ غَيَّرَهُ مَرَضٌ أَوْ حُزْنٌ أَوْ فَرَحٌ أَوْ جُوعٌ أَوْ نُعَاسٌ أَوْ مَلَالَةٌ ترَكَ". قَالَ الماوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيح يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَعْتَمِدَ بِنَظَرِهِ، الْوَقْتَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ سَاكِنَ النَّفْسِ مُعْتَدِلَ الْأَحْوَالِ لِيقْدِرَ عَلَى الاجْتِهَادِ فِي النَّوَازِلِ وَيَحْتَرِسَ مِنَ الزَّلَلِ فِي الْأَحْكَامِ، فَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ بِغَضَبٍ أَوْ حَرْدٍ تَغَيَّرَ فِيهَا عَقْلُهُ وَخُلُقُهُ تَوَقَّفَ عَنِ الحكْمِ احْتِرَازًا مِنَ الزَلَلِ. (١) الوجه الرابع: التوفيق بين الحديثين، وأقوال العلماء . قال ابن عبد البر: ومعنى هذا الحديث أن رسول الله ﷺ كان قد أشار على الزبير بها فيه السعة للأنصاري فلما كان منه ما كان من الجفاء استوعب للزبير حقه في صريح الحكم (٢). وقد شرع الطحاوي: بعد ذكر الحديثين في التوفيق بينهما فقال: فَكَانَ جَوَابُنَا له في ذلك أَنَّ الذي رَوَيْنَاهُ عن أبي بَكْرَةَ عن رسول الله ﷺ على غَيره من الحكَّامِ لِلْخَوْفِ عليهم فِيمَا يَنْقُلُهُمْ إلَيْهِ الْغَضَبُ من الْعَدْلِ في الْحُكْمِ إلَى خِلافِهِ وَالَّذِي في حديث الزُّبَيْرِ فَمُخَالِف لِذَلِكَ لأَنَّهُ في رسول الله ﷺ ، وَرَسُولُ الله ﷺ في تَوَلِّي الله تَعَالَى إيَّاهُ وَعِصْمَتِهِ له وَحِفْظِهِ عليه أُمُورَهُ بِخِلافِ الناس في مِثْلِ ذلك فَانْطَلَقَ ذلك لِرَسُولِ الله ﷺ فَاسْتَعْمَلَهُ ولم يَنْطَلِقْ ذلك لغَيْرِه فَنَهَاهُ رسول الله ﷺ عنه كما حدثه أبو بَكْرَةَ عنه وَالله أَعْلَمُ. (٣) وقال القاري فإن قلت هل هذا النهي نهي تحريم أو كراهة؟ قلت: نهي تحريم عند أهل الظاهر وحمله العلماء على الكراهة حتى لو حكم في حال غضبه بالحق نفذ حكمه وهو مذهب الجمهور فإن قلت قد صح عنه أنه قد حكم في حالة غضبه كحكمه للزبير في شراج الحرة حين قال له الأنصاري أن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله ﷺ وقال "اسق يا زبير" ... الحديث، وفي الصحيح أيضا في قصة عبد الله بن عمر حين طلق امرأته

стр. 4774

وهي حائض فذكره عمر ﷺ لرسول الله فتغيظ رسول الله، قلت: أجابوا عنه بأجوبة أحسنها: أنه كان معصومًا فلا يتطرق إليه احتمال ما يخشى من غيره في الحكم وغيره (١). وقال الشوكاني: ولا يخفى أنه يصح إلحاق غيره ﷺ في مثل ذلك لأنه معصوم عن الحكم بالباطل في رضائه وغضبه بخلاف غيره فلا عصمة تمنعه عن الخطأ ولهذا ذهب بعض الحنابلة إلى أنه لا ينفذ الحكم في حالة الغضب لثبوت النهي عنه والنهي يقتضي الفساد وفصل بعضهم بين أن يكون الغضب طرأ عليه بعد أن استبان له الحكم فلا يؤثر وإلا فهو محل الخلاف (٢). ونقل الحافظ ابن حجر عن الخطابي قوله: معناه أمره بالعادة المعروفة التي جرت بينهم في مقدار الشرب (٣). ثم قال ابن حجر: يحتمل أن يكون المراد أمره بالقصد والأمر الوسط مراعاة للجوار ويدل عليه رواية شعيب المذكورة ومثلها لمعمر في التفسير وهو ظاهر في أنه أمره أولا أن يسامح ببعض حقه على سبيل الصلح وبهذا ترجم البخاري في الصلح إذا أشار الإمام بالمصلحة فلما لم يرض الأنصاري بذلك استقصى الحكم وحكم به. وحكى الخطابي أن فيه دليلًا على جواز فسخ الحاكم حكمه، قال: لأنه كان له في الأصل أن يحكم بأي الأمرين شاء فقدم الأسهل إيثارًا لحسن الجوار فلما جهل الخصم موضع حقه رجع عن حكمة الأول وحكم بالثاني ليكون ذلك أبلغ في زجره وتعقب بأنه لم يثبت الحكم أولا كما تقدم بيانه قال وقيل بل الحكم كان ما أمر به أولا فلما لم يقبل الخصم ذلك عاقبه بما حكم عليه به ثانيا على ما بدر منه وكان ذلك لما كانت العقوبة بالأموال. وقد وافق ابن الصباغ من الشافعية على هذا الأخير وفيه نظر وسياق طرق الحديث يأبى ذلك كما ترى لا سيما قوله واستوعى للزبير حقه في صريح الحكم وهي رواية شعيب في الصلح ومعمر في التفسير فمجموع الطرق دال على أنه أمر الزبير أولًا أن يترك بعض

стр. 4775

حقه وثانيًا أن يستوفي جميع حقه قوله (١). وقال أيضًا: لو خالف فحكم في حال الغضب صح أن صادف الحق مع الكراهة هذا قول الجمهور وقد تقدم أنه ﷺ قضى للزبير بشراج الحرة بعد أن أغضبه خصم الزبير لكن لا حجة فيه لرفع الكراهة عن غيره لعصمته ﷺ فلا يقول في الغضب إلا كما يقول في الرضا. قال ابن المنير: أدخل البخاري حديث أبي بكرة الدال على المنع ثم حديث أبي مسعود الدال على الجواز تنبيهًا منه على طريق الجمع بأن يجعل الجواز خاصًا بالنبي ﷺ لوجود العصمة في حقه والأمن من التعدي أو إن غضبه إنما كان للحق فمن كان في مثل حاله جاز وإلا منع وهو كما قيل في شهادة العدو إن كانت دنيوية رُدت وإن كانت دينية لم تُرد قاله ابن دقيق العيد وغيره (٢). وقال القرطبي: فقه الحديث: أنه ﷺ سلك مع الزبير وخصمه مسلك الصلح فقال: اسق يا زبير لقربه من الماء ثم أرسل الماء إلى جارك أي تساهل في حقك ولا تستوفه وعجل في إرسال الماء إلى جارك، فحضه على المسامحة والتيسير فلما سمع الأنصاري هذا لم يرض بذلك غضب لأنه كان يريد ألا يمسك الماء أصلا وعند ذلك نطق بالكلمة الجائرة المهلكة الفاقرة فقال آن كان ابن عمتك بمد همزة أن المفتوحة على جهة الإنكار أي أتحكم له علي لأجل أنه قرابتك فعند ذلك تلون وجه النبي ﷺ غضبًا عليه وحكم للزبير باستيفاء حقه من غير مسامحة له، وعليه لا يقال: كيف حكم في حال غضبه وقد قال: " لا يقضي الحكم بين اثنين وهو غضبان"؟ فإنا نقول: لأنه معصوم من الخطأ في التبليغ والأحكام بدليل العقل الدال على صدقة فيما يبلغه عن الله تعالى فليس مثل غيره من الحكام. وفي هذا الحديث إرشاد الحاكم إلى الإصلاح بين الخصوم وإن ظهر الحق ومنعه مالك واختلف فيه قول الشافعي وهذا الحديث حجة واضحة على الجواز فإن اصطلحوا وإلا

стр. 4776

استوفى لذي الحق حقه وثبت الحكم (١). وقال القاضي عياض: فالجواب: أن النبي ﷺ منزه أن يقع بنفس مسلم منه في هذه القصة أمر يريب ولكنه ﷺ ندب الزبير أولا إلى الاقتصار على بعض حقه على طريق التوسط والصلح فلما لم يرض بذلك الآخر ولج وقال ما لا يجب استوفى النبي ﷺ للزبير حقه ولهذا ترجم البخاري على هذا الحديث: (باب إذا أشار الإمام بالصلح فأبى) حكم عليه بالحكم: وذكر في آخر الحديث: فاستوفى رسول الله ﷺ حينئذ للزبير حقه. وقد جعل المسلمون هذا الحديث أصلا في قضيته، وفيه الاقتداء به ﷺ في كل ما فعله في حال غضبه ورضاه وأنه وإن نهى أن يقضى القاضي وهو غضبان فإنه في حكمه في حال الغضب والرضا سواء لكونه فيها معصومًا، وغضب النبي ﷺ في هذا إنما كان لله تعالى لا لنفسه. (٢) وقد نقل القاضي عياض إجماع العلماء على أنه لا يجوز عليه ﷺ خلف في القول في إبلاغ الشريعة والإعلام بما أخبر به عن ربه وما أوحاه إليه من وحيه لا على وجه العمد ولا على غير عمد ولا في حالي الرضا والسخط والصحة والمرض. (٣) وقال الصنعاني: النهي ظاهر في التحريم وحمله الجمهور على الكراهة ... وصرح النووي بالكراهة في ذلك وإنما حملوه على الكراهة نظرًا إلى العلة المستنبطة لذلك وهي أنه لما رتب النهي على الغضب، والغضب بنفسه لا مناسبة فيه لمنع الحكم وإنما ذلك لما هو مظنة لحصوله وهو تشويش الفكر ومشغلة القلب عن استيفاء ما يجب من النظر وحصول هذا قد يفضي إلى الخطأ عن الصواب ولكنه غير مطرد مع كل غضب ومع كل إنسان فإن أفضى الغضب إلى عدم تمييز الحق من الباطل فلا كلام في تحريمه، وإن لم يفض إلى هذا الحد فأقل أحواله الكراهة وظاهر الحديث أنه لا فرق بين مراتب الغضب ولا بين أسبابه وخصه البغوي وإمام الحرمين بما إذا كان الغضب لغير الله وعلل بأن الغضب لله يؤمن

стр. 4777

معه من التعدي بخلاف الغضب للنفس واستبعده جماعة لخالفته لظاهر الحديث والمعنى الذي لأجله نهي عن الحكم معه ثم لا يخفى أن الظاهر في النهي التحريم وأن جعل العلة المستنبطة صارفة إلى الكراهة بعيد. وأما حكمة ﷺ مع غضبه في قصة الزبير فلما علم من أن عصمته مانعة عن إخراج الغضب له عن الحق عند الظاهر؛ (أيضًا عدم نفوذ الحكم مع الغضب إذ النهي يقتضي الفساد) والتفرقة بين النهي للذات والنهي للوصف كما يقوله الجمهور غير واضح. (١) الآثار الصحية السيئة للغضب على البدن: إن الانفعالات الشديدة والضغوط التي يتعرض لها الإنسان كالخوف والغضب يحرض الغدة النخامية على إفراز هرمونها المحرض لإفراز كل من الإدرينالين والنور أدرينالين من قبل الغدة الكظرية، كما تقوم الأعصاب الودية على إفراز النور أدرينالين. إن ارتفاع هرمون النور أدرينالين في الدم يؤدي إلى تسارع دقات القلب، وهذا ما يشعر به الإنسان حين الإنفعال والذي يجهد القلب وينذر باختلاطات سيئة. فهو يعمل على رفع الضغط الدموي بتقبيضه للشرايين والأوردة الصغيرة، كما أن الارتفاع المفاجئ للضغط قد يسبب لصاحبه نزفًا دماغيًا صاعقًا يؤدي إلى إصابة الغضبان بالفالج، وقد يصاب بالجلطة القلبية أو الموت المفاجئ، وقد يؤثر على أوعية العين الدموية فيسبب له العمى المفاجيء. فالانفعالات النفسية تولد اضطرابًا هرمونيًا خطيرًا في الغدد الصماوية يؤدي إلى تأرجح في التوازن الهرموني بصورة دائمة، ... ولا شك أن نبي الرحمة ﷺ قد عرف بنور الوحي خطورة هذه الانفعالات النفسية على مستقبل المجتمع الإنساني قبل أن يكتشف الطب آثارها، ودعا بحكمة إلى ضبط انفعالاتهم -قدر المستطاع- ألا تغضب، محاولًا أن يأخذ بأيديهم إلى جادة الصواب -رحمة بهم- وحفاظًا على صحة أبدانهم من المرض والتلف. (٢) * * *

стр. 4778

٣٢ - اتهام النبي ﷺ بالوحشية في القتل كما فعل مع أم قرفة والعرنيين . نص الشبهة: ادعاؤهم على النبي ﷺ أنه كان يعامل عدوه معاملة وحشية، من قتلٍ وهتك، كما فعل بأم قرفة والعرنيين لما مَثّل بهم وقتلهم شر قتلة. والجواب عن هذه الشبهة في مبحثين: المبحث الأول: الرد الإجمالي من وجوه. الوجه الأول: بيان رحمة النبي ﷺ وحسن خلقه . الوجه الثاني: نهي النبي ﷺ عن قتل النساء والصبيان حتى في القتال مع الأعداء. الوجه الثالث: تحريم الإسلام للمثلة. الوجه الرابع: بيان حول معاملة الرسول ﷺ للأسرى. المبحث الثاني: الرد التفصيلي أولًا: الرد على شبهة قتل أم قرفة والرد عليه من وجوه الوجه الأول: بيان ضعف قصة قتل أم قرفة. الوجه الثاني: بيان ما ورد في الصحيح لما يخالف هذه القصة. اوجه الثالث: على فرض صحة هذه القصة فلماذا قُتِلَت أم قرفة؟ ثانيًا: الرد على شبهة قصة العرنيين. والرد عليه من وجوه الوجه الأول: بيان معنى الحديث. الوجه الثاني: هذا الحديث أصل في عقوبة المحاربين. الوجه الثالث: أن النبي ﷺ فعل بهم ذلك الأمر قصاصًا. الوجه الرابع: أنه منسوخ وكان هذا قبل نزول الحدود وآية المحاربة والنهي عن المثلة. وإليك التفصيل المبحث الأول: الرد الإجمالي الوجه الأول: بيان رحمة النبي ﷺ وحسن خلقه.

стр. 4779

هذه الشبهة البغيضة إنما تطعن في جانب رحمته بالخلق عامة؛ وبأعدائه خاصة؛ وإنني إذا أردت الحديث عن رحمته ﷺ لا تكفيني هذه الوريقات؛ وإنما هي إشارات وأمارات أدلل بها على سعة رحمته بكل العوالم في الكون الفسيح؛ وصدق ربب إذ يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وإنني إذا أردتُّ الحديث عن أخلاق النبي ﷺ ، أرى كأنني أقف أمام بحر لا ساحل له، ينتابني ما ينتاب فقيرًا خيّم الجوع على أحشائه؛ وقد دُعي إلى مأدبة ملك، لا يدري من أين يبدأ! ! ولعلي أبدأ بحاله ﷺ في معاملة الحيوان (البهائم التي لا تعقل)، ثم أعرج على بيان حال معاملته مع أعدائه؛ لأدلل بالأولى على الثانية؛ لاسيما إذا كان هؤلاء الأعداء ممن يدخلون تحت قول الله : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠] فهم داخلون في عموم التكريم دون خصوصه! فعجبًا لأهل الكفر الذين يطعنون في دين الإسلام، بدعوى أنه انتهك حقوق الإنسان، أما قرأ أولئك عن حال النبي ﷺ مع الحيوان؛ لتستبين لهم حرمة الإنسان في دين الإسلام؟ ! فها هو النبي ﷺ ينهى عن اتخاذ شيء فيه الروحُ غرضًا يُرمى؛ أفينهى عن ذلك في الحيوان؛ ويرضاه في الإنسان؛ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ [الكهف: ٥]. فقد مَرَّ عبد الله بْنُ عُمَرَ ﵁ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيْرًا وَهُمْ يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ، فَلَمّا رَأَوْا ابْنَ عُمَر تفَرَّقُوا، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ لَعَنْ الله مَنْ فَعَلَ هَذَا، إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَعَنَ مَنْ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا. (١) الله أكبر أيلعن فاعل ذلك في طير؛ ويأمر به في امرأة تربط بين جملين وتفسخ نصفين! بل نهى ﷺ أن يحولَ أحدٌ بين حيوانٍ أو طيرٍ وبين ولده، ونهى عن حرق كل ذي روح.

стр. 4780

فعن عبد الله بن مسعود ﵁ كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ في سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فرَأَيْنَا حُمرَةً (١) مَعَهَا فَرْخَانِ، فأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتْ الحمَرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ (٢)، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "مَنْ فَجَعَ هَذه بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا". وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا فَقَالَ: "مَنْ حَرَّقَ هَذِه؟ "قُلْنَا: نَحْنُ. قَالَ: "إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ". (٣) بل أبان ﷺ لنا أنّ الإحسان إلى البهيمة من موجبات المغفرة. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "بينا رجل بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئرا، فنزل فيها، فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأخفه ماء، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له"، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرا؟ فقال: "في كل ذات كبد رطبة أجر" (٤). بل الأعجب من ذلك هذه القصة: والتي رواها لنا أبو هريرة ﵁ قال: قال رَسُولُ الله ﷺ : " بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ برَكِيَّةٍ. (٥) قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا، فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ، فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ" (٦). فيوضح حبيبنا ﷺ أنّ الإساءة إلى البهائم، ربما أودت بالعبد إلى النار والعياذ بالله، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِزَةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ هَزلًا" (٧).

стр. 4781

وأمر ﷺ الإحسان إلى البهيمة حال ذبحها، وأثنى على من فعل ذلك. عنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁، عَنْ رَسُول الله ﷺ قَالَ: "إِنَّ الله كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ". (١) فهل هذه الرحمة المهداة والنعمة المسداه، يظن بها لحظة، أنها تغتال أو تمثل أو تمزق امرأة بهذه الحال التي وصفت، كلا وألف كلا. الوجه الثاني: نهى النبي ﷺ عن قتل النساء والصبيان حتى في القتل مع الأعداء . فقد كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى الله وَمَنْ مَعَهُ مِنْ المسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ: "اغْزُوا بِاسْمِ الله فِي سَبِيلِ الله، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِالله، اغْزُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، ولَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَليدًا" (٢). ووجد امرأةً مقتولة في بعض المغازي فَأَنْكَرَ رَسُولُ الله ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً في بَعْضِ مَغَازِي رَسُول الله ﷺ ، فَنَهَى رَسُولُ الله عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. (٣) وعن الْمَرَقَّعِ بْنِ صَيفيٍّ، عَنْ جَدِّهِ رَبَاحِ بْنِ الرَّبِيعِ، أَخِي حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَمَرَّ رَبَاحٌ، وَأَصْحَابُ رَسُول الله ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ، مِمَّا أَصَابَتِ المقَدِّمَةُ، فوَقَفُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا، ويَتَعَجَّبُونَ مِنْ خَلْقِهَا، حَتَّى لحِقَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فانْفَرَجُوا عَنْهَا، فوَقَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ الله ﷺ ، فقَالَ: "مَا كَانَتْ هَذِه لِتُقَاتِلَ، فقَالَ لأَحَدِهِمْ: الْحَقْ خَالِدًا، فَقُلْ لَهُ: لا تَقْتُلُونَ ذُرِّيَّةً -امرأة-، وَلا عَسِيفًا". (٤)

стр. 4782

الوجه الثالث: تحريم الإسلام للمثلة . فقد كانت وصية النبي ﷺ للجند في الحرب بالنهي عن المثلة، وكان يقول: "اغْزُوا بِاسْمِ الله فِي سَبِيلِ الله، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِالله، اغْزُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، ولَا تَمْثُلُوا". (١) عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ الله ﷺ فِي سَرِيَّةٍ فَقَالَ: "سِيرُوا بِاسْمِ الله وَفِي سَبِيلِ الله قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِالله وَلَا تَمْثُلُوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَقْتُلُوا وَليدًا". (٢) قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على القول بهذا الحديث، ولم يختلفوا في شيء منه، فلا يجوز عندهم الغلول، ولا الغدر، ولا المثلة، ولا قتل الأطفال في دار الحرب. (٣) عن عَبْدَ الله بْنَ يَزِيدَ الأَنْصَارِي قَالَ: نَهَى النبي ﷺ عَنِ النُّهْبَي وَالْمثْلَةِ. (٤) الوجه الرابع: بيان حول معاملة الرسول ﷺ للأسرى فكيف كان رسول الله ﷺ يُعامل الأسرى في حال الاحتفاظ بهم؟ لقد كانت القاعدة العامة التي حَثَّ عليها الرسول ﷺ في أوّل غزوة غنم فيها المسلمون أسرى هي: استوصُوا بهم -أي بالأسرى- خيرًا، لكن المهم في الأمر أن هذه المعاملة الحسنة التي أمر بها رسول الله ﷺ للأسرى لم تكن مجرّد قوانين نظرية، ليس لها تطبيق في واقع الحياة؛ ولكنَّها تمثّلت في مجموعة من المظاهر التي تنبئ عن قلوب ملأتها الرحمة، وعن مشاعر فاضت بالعطف والحنان، وسوف نتناول -إن شاء الله- هذه

стр. 4783

المظاهر من خلال المطالب الآتية: (١) المطلب الأول: إطعام الأسرى قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨] في هذه الآية الكريمة يحث الله تعالى عباده المؤمنين على الإحسان إلى أسراهم وإطعامهم، ويعِدُهم بذلك النعيمَ في الآخرة. قال ابن عباس ﵁: أمر رسول الله ﷺ أصحابه يوم بدر أن يُكرموا الأُسَارى، فكانوا يُقَدِّمُونهم على أنفسهم عند الغداء، وهكذا قال سعيد بن جبير، وعطاء، والحسن، وقتادة (٢). ففيه دليل على أن إطعام الأسارى وإن كانوا من أهل الشرك حسن ويرجى ثوابه (٣). ويعلق ابن جريج على نفس الآية فيقول: لم يكن الأسير على عهد رسول الله ﷺ إلا من المشركين. قال أبو عبيد: فأرى أن الله قد أثنى على من أحسن إلى أسير المشركين، ولم يكن الصحابة ﵃ يقدمون للأسرى ما بقي من طعامهم بل كانوا ينتقون لهم أجود ما لديهم من طعام، ويجعلونهم يأكلونه عملًا بوصية رسول الله ﷺ بهم، وها هو أبو عزيز (٤) - شقيق مصعب بن عمير ﵁ يحكي ما حدث يقول: كنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خَصَّوْني بالخبز، وأكلوا التمر لوصية رسول الله ﷺ إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها؛ فأستحي فأردّها فيردّها عَلَيَّ ما يمسّها! قال ابن هشام: وكان أبو عزيز هذا صاحب لواء المشركين ببدر بعد النضر بن الحارث، أي أنّه لم يكن شخصية عادية، بل كان من أشدّ المشركين على المسلمين، فلا يحمل اللواء إلا شجعان القوم وسادتهم، ولكن هذا لم يغير من الأمر شيئًا، لأن

стр. 4784

الرحمة بالأسير أصل من أصول التعامل لا يجوز التخلي عنه تحت أي ظرف. المطلب الثاني: كسوة الأسرى لم يقتصر المسلمون على إطعام أسراهم من المشركين؛ بل إنهم كانوا يُقدّمون لهم الملابس أيضا، وهذا ثابت في الصحيح، فقد جعل البخاري ﵀ بابًا في الصحيح سمّاه: باب الكسوة للأُسارى، وذكر فيه أن جابر بن عبد الله قال: (لمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، أُتِيَ بِأُسَارَى، وَأُتِيَ بِالْعَبَّاسِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ قَمِيصًا فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ الله بْنِ أُبَيٍّ يَقْدُرُ عَلَيْه فَكَسَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِيَّاهُ ... ). (١) المطلب الثالث: توفير المأوى لهم حتى يتمّ النظر في شأن الأسرى كان المسلمون يجعلونهم في أحد مكانين، إما المسجد وهو أشرف مكان عند المسلمين، وإما بيوت الصحابة ﵃، - وكان المستهدف من إبقاء الأسرى في المسجد أن يَرَوْا أخلاق المسلمين وعبادتهم لعلهم يتأثّرون بها، فيدخل الإيمان في قلوبهم، وقد حدث هذا بالفعل مع بعضهم كثمامة بن أثال ﵁. (٢) وأما إبقاء الأسرى في منازل الصحابة ﵃ فكان هذا إكرامًا كبيرًا من المسلمين لهؤلاء الأسرى. المطلب الرابع: عدم التعرّض لهم بالأذى . الفطرة السليمة تأبى التعذيب للنفوس البشريّة، بل إنها لا ترضى بتعذيب الحيوان أو الطير، وقد ربَّى الرسول ﷺ صحابته الكرام ﵃ على الرحمة. فعن جرير بن عبد الله ﵁ أن رسول الله قال: "مَنْ لَا يَرْحَمْ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ الله ". (٣) فكان الصحابة ﵃ نماذج عملية في الرحمة ببني البشر جميعًا مسلمين وغير مسلمين، وقد ذُكِر قبل ذلك إنكار الرسول ﷺ ضرب غلامي قريش في أحداث بدر وقوله ﷺ : "إِذَا صَدَقَاكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمَا، وَإِذَا كَذَبَاكُمْ تَرَكْتُمُوهُمَا، صَدَقَا وَالله إِنهما لِقُرَيْش. ." (٤)، مع أن

стр. 4785

رهذين الغلامين اللذين ضُرِبَا من الجيش المعادي -جيش المشركين- ويمدَّان الجيش بالماء، بل إن شريعة الإسلام تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث تمنع تعذيب الأسير للإدلاء بمعلومات عن العدو، وقد قيل للإمام مالك: أَيُعذَّبُ الأسيرُ إن رُجِيَ أن يدلّ على عورة العدو؟ قال: ما سمعت بذلك. (١) المطلب الخامس: الرفق بهم واللين معهم . من أخلاق الإسلام أيضًا في التعامل مع الأسرى الرفقُ ولين الجانب، حتى يشعروا بالأمن والطمأنينة، وقد كان من أخلاق رسول الله ﷺ -أنّه كان يردُّ علي استفسارات الأسرى، ولا يسأم أو يَمَلُّ من أسئلتهم، مما يُوحِي بسعة صدره، وعمق رحمته ﷺ التي شملت البشر جميعًا .. فعن عمران بن حصين ﵁ قال: كَانَتْ ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِى عُقَيْلٍ، فَأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول الله ﷺ ، وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ، وَأَصَابُوا مَعَهُ الْعَضْبَاءَ، فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ وَهُوَ فِي الْوَثَاقِ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: "مَا شَأنُكَ؟ " فَقَالَ: بِمَ أَخَذْتَنِي وَبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ؟ فَقَالَ: "إِعْظَامًا لِذَلِكَ أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ "ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ رَحِيمًا رَقِيقًا فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: "مَا شَأنكَ؟ " قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ. قَالَ: "لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاح" ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: "مَا شَانْكَ؟ " قَالَ: إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي وَظَمْآنُ فاسقني، قَالَ: "هَذهِ حَاجَتُكَ" (٢). فهذا التردد على الرجل كلما نادي عليه ﷺ وهو القائد الأول للدولة الإسلامية- ومناداته باسمه ﷺ مجرّدًا يدلّ على مدى الرحمة والإنسانية التي يحملها الرسول ﷺ في قلبه لكل البشر، وأعطى رسولُ الله ﷺ لأبي الهيثم بن التيّهان أسيرًا، وأمره بالإحسان إليه، فأخذه

стр. 4786

أبو الهيثم إلى منزله، ثم قال: إن رسول الله ﷺ أوصاني بك خيرًا، فأنت حُر لوجه الله. (١) المطلب السادس: احترام مشاعرهم الإنسانية إن الإسلام يرفع من قيمة البشر، ويحترم المشاعر الإنسانية احترامًا كبيرًا، سواء مع المسلمين أو مع غيرهم، وقد وجدنا تطبيقات عمليّة كثيرة لهذا الأمر في حياة النبيّ ﷺ ، ويظهر هذا الأمر بوضوح في أوقات الشدائد، وبعد الحروب خاصّة، فنجد النبي- ﷺ يوجِّه أصحابه الكرام توجيهات إنسانية راقية في شأن التعامل مع الأسرى من النساء والأطفال؛ فينهى عن التفريق بين الأم وطفلها؛ فعَنْ أَبي أَيُّوبَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله يَقُولُ: "مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ الله بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٢). المبحث الثاني: الرد التفصيلي . والرد على شبهة قتل أم قرفة الوجه الأول: بيان ضعف قصة قتل أم قرفة . (٣) أولًا: ما حُكي أنها قتلت على عهد النبي ﷺ - الرواية الأولى: قالت عائشة ﵂: بلغ رسول الله ﷺ أن امرأة من بني فزارة يقال لها أم قرفة، قد جهزت ثلاثين راكبًا من ولدها وولد ولدها قالت: اقدموا المدينة فاقتلوا محمدًا، فقال النبي ﷺ : "اللهم أثكلها بولدها". وبعث إليهم زيد بن حارثة فالتقوا بالوادي، وقتل أصحاب

стр. 4787

زيد فارتث جريحًا، وقدم المدينة، فعاهد الله أن لا يمس رأسه ماء حتى يرجع إليهم، فبعث معه رسول الله ﷺ بعثًا، فالتقوا فقتل بني فزارة، وقتل ولد أم قرفة، وقتل أم قرفة، وبعث بدرعها إلى رسول الله ﷺ فنصبه بين رمحين، وأقبل زيد حتى قدم المدينة، قالت عائشة ﵂: ورسول الله ﷺ تلك الليلة في بيتي، فقرع الباب، فخرج إليه يجر ثوبه حتى اعتنقه وقبله رسول الله ﷺ . (١) الرواية الثانية: عن عبد الله بن أبي بكر قال: بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة إلى وادي القرى، فلقي به بني فزارة، فأصيب به أناس من أصحابه، وارتُثَّ زيد من بين القتلى، وأصيب فيها، ورد بن

стр. 4788

عمرو أحد بني سعد بني هذيم، أصابه أحد بني بدر؛ فلما قدم زيد نذر ألا يمس رأسه غسل من جنابة؛ حتى يغزو فزارة، فلما استبل من جراحه بعثه رسول الله ﷺ في جيش إلى بني فزارة، فلقيهم بوادي القرى، فأصاب فيهم، وقتل قيس بن المسحر اليعمري مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر، وأسر أم قرفة -وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر وكانت عند مالك بن حذيفة بن بدر، فأمر زيد بن حارثة أن يقتل أم قرفة" فقتلها قتلًا عنيفًا، ربط برجليها حبلين ثم ربطهما إلى بعيرين حتى شقاها، ثم قدموا على رسول الله ﷺ بابنة أم قرفة وبعبد الله بن مسعدة؛ وكانت ابنة أم قرفة لسلمة بن عمرو بن الأكوع، كان هو الذي أصابها، وكانت في بيت شرف من قومها، كانت العرب تقول: لو كنت أعز من أم قرفة ما زدت، فسألها رسول الله ﷺ فوهبها له، فأهداها لخاله حزن بن أبي وهب؛ فولدت له عبد الرحمن بن حزن. (١) ثانيًا: ما حُكي أنها قتلت على عهد أبي بكر الصديق ﵁ - الرواية الأولى: عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي: أن امرأة يقال لها أم قرفة كفرت بعد إسلامها فاستتابها أبو بكر الصديق ﷺ فلم تتب فقتلها. (٢) الرواية الثانية: عن يزيد بن أبي مالك الدمشقي: أن أبا بكر الصديق ﵁ قتل امرأة يقال لها أم قرفة في الردة. (٣)

стр. 4789

وهذه بعض الأمور التي تدل على ضعف هذه القصة ١ - أنها تتنافى مع ما سبق بيانه من رحمة النبي ﷺ ومنعه لقتل النساء. ٢ - أنها تتنافى مع نهي النبي ﷺ عن المثلة. ٣ - أنها تتنافى مع ما كان النبي ﷺ يعامل به الأسرى. ٤ - أنها تتنافي مع الأمر بحفظ العورات. قال تعالي: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور ٣٠ - ٣١). وعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ قَالَ: "احْفَظْ عَوْرَتَكَ؛ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ في بَعْضٍ قَال: "إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا يَرَيَنَّهَا أَحَد فَلا يَرَيَنَّهَا". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا قَالَ: "الله أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ". (١) وعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "لا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلا الْمرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمرْأَةِ، وَلا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلا تُفْضِي الْمرْأَةُ إِلَى الْمرْأَةِ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ" (٢). وعَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: أَقْبَلْتُ بِحَجَرٍ أَحْمِلُهُ ثَقِيلٍ وَعَلَيَّ إِزَار خَفِيف -قَالَ- فَانْحَلَّ إزاري، ومعي الحجَرُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَضَعَهُ؛ حَتَّى بَلَغْتُ بِهِ إِلَى مَوْضِعِهِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ارْجِعْ إِلَى ثَوْبِكَ فَخُذْه وَلا تَمْشُوا عُرَاةً" (٣).

стр. 4790

الاضطراب في معرفة من قتلها. لقد اضطربت الروايات والأخبار في معرفة من الذي قتل أم قرفة، هل هو قيس بن المحسر، أو زيد بن حارثة، أو ورد بن قتادة؟ ! فقد ذُكر أن الذي قتلها هو قيس بن المحسر. (١) وذكر أن الذي قتلها هو زيد بن حارثة. (٢) وذكر أن الذي قتلها ورد بن قتادة. (٣) فهذا مما يدل على اضطرابها. الوجه الثاني: بيان ما ورد في الصحيح لما يخالف هذه القصة . عن سلمة بن الأكوع قَالَ: غَزَوْنَا فزَارَةَ وَعَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ، أَمَّرَهُ رَسُولُ الله ﷺ عَلَيْنَا، فلَمّا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْماءِ سَاعَة، أَمَرَنَا أَبُو بَكْرٍ فَعَرَّسْنَا، ثُمَّ شَنَّ الْغَارَةَ، فَوَرَدَ الْماءَ فَقَتَلَ مَنْ قتلَ عَلَيْهِ، وَسَبَى، وَأنظُرُ إِلَى عُنُقٍ مِنَ النَّاسِ فِيهِمُ الذَّرَارِي، فَخَشِيتُ أَنْ يَسْبِقُوني إِلَى الجْبَلِ، فَرَمَيْتُ بِسَهْمٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الجبَلِ، فَلَمّا رَأَوُا السَّهْمَ وَقَفُوا، فَجِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ، وَفِيهِمُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي فزَارَةَ عَلَيْهَا قِشْعٌ مِنْ أَدَمٍ -قَالَ الْقِشْعُ النِّطَعُ- مَعَهَا ابْنَةٌ لَها مِنْ أَحْسَنِ الْعَرَبِ، فَسُقْتُهُمْ حَتَّى أَتَيْتُ بِهِمْ أَبَا بَكْرٍ، فَنَفَّلنِي أَبُو بَكْرٍ ابْنتهَا، فَقَدِمْنَا المدِينة وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثوْبًا، فلقِيَنِي رَسُول الله ﷺ فِي السُّوقِ فَقَالَ: "يَا سَلَمَةُ هَبْ لي المُرْأَةَ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، والله لَقَدْ أَعْجَبَتْنِي، وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، ثُمَّ لَقِيَنِي رَسُولُ الله ﷺ مِنَ الْغَدِ فِي السُّوقِ فَقَالَ لِي: "يَا سَلَمَةُ هَبْ لِي المُرْأَةَ للهَّ أَبُوكَ". فَقُلْتُ: هِي لَكَ يَا رَسُولَ الله، فَوَالله مَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، فَبَعَثَ بِهَا رَسُولُ الله ﷺ إِلَىَ أَهْلِ مَكَّةَ، فَفَدَى بِهَا نَاسًا مِنَ المسْلِمِينَ كَانُوا أُسِرُوا بِمَكَّةَ. (٤)

стр. 4791

الوجه الثالث: على فرض صحة هذه القصة، فلماذا قتلت أم قرفة ؟ أولًا: سبب قتل أم قرفة على عهد النبي ﷺ - تذكر الروايات التي ذكرت فيها هذه القصة وكما يذكرها أهل السير أنها قتلت بسبب هذه الأمور: ١ - أنها قد أعدت العدة لقتال النبي ﷺ فقد جهزت ثلاثين أو أربعين راكبًا لقتال الرسول ﷺ . (١) ٢ - بسبب سبها لرسول الله ﷺ . (٢) ثانيًا: سبب قتل أم قرفة على عهد أبي بكر الصديق . وذلك بسبب ردتها، أي: أنها كفرت بعد إسلامها. (٣) ثانيًا [*]: الرد على شبهة قصة العرنيين . الوجه الأول: بيان معنى الحديث عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ أَناسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوُا المُدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِي ﷺ بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَألبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِىَ النَّبِي ﷺ وَاسْتَاقُوا النَعَمَ، فَجَاءَ الْخَبَرُ في أَوَّل النَّهَارِ، فَبَعَثَ في آثَارِهِمْ، فَلَمّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جيء بِهِمْ، فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَألقُوا في الحْرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلا يُسْقَوْنَ. قَالَ أَبُو قِلابَةَ: فهَؤلاءِ سَرَقوا وَقتَلوا وَكفرُوا بَعْدَ إِيَمانِهِمْ، وَحَارَبُوا الله وَرَسُولهُ. (٤) في رواية: حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم. (٥) وفي رواية: فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ثم لم يحسمهم. (٦)

стр. 4792

وفي رواية: ثم أمر بمسامير فأحميت فكَحَلهم بهها. (١) وفي رواية: وتركهم بالحرة يعضون الحجارة. (٢) حتى ماتوا. (٣) على حالهم. (٤) فرأيت الرجل منهم يَكدِم الأرض بلسانه حتى يموت. (٥) وفي رواية: فهؤلاء سعوا في الأرض فسادًا. (٦) وخوَّفوا رسول الله ﷺ (٧). أولًا: بيان لمعاني مفردات الحديث عُكْل: بضم المهملة وإسكان الكاف، قبيلة من تيم الرباب. عُرَيْنَةَ: بالعين والراء المهملتين والنون مصغرًا، حي من قضاعة وحي من بجيلة والمراد هنا الثاني. فَاجْتوَوُا: قال ابن فارس: اجتويت البلد، إذا كرهت المقام فيه وإن كنت في نعمة، وقيده الخطابي بما إذا تضرر بالإقامة، وهو المناسب لهذه القصة، وقال القزاز: اجتووا أي: لم يوافقهم طعامها. وقال ابن العربي: الجوي داء يأخذ من الوباء، وقال غيره الجوي داء يصيب الجوف. واللقاح: باللام المكسورة والقاف وآخره مهملة، النوق ذوات الألبان، وأحدها لقحة بكسر اللام وإسكان القاف، وقال أبو عمرو: يقال لها ذلك إلى ثلاثة أشهر ثم هي لبون. وسمرت أعينهم: بتشديد الميم وفي رواية وسمر بتخفيف الميم، ووقع عند مسلم وسمل بالتخفيف واللام، قال الخطابي: السمل فقء العين بأي شيء كان، قال أبو ذؤيب الهذلي: والعين بعدهم كأن حداقها سملت بشوك فهي عور تدمع، قال: والسمر لغة في

стр. 4793

السمل ومخرجهما متقارب قال وقد يكون من المسمار يريد أنهم كحلوا بأميال قد أحميت. الحرة: أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة. (١) ثانيًا: المعنى الإجمالي للحديث: هؤلاء القوم قدموا على رسول الله ﷺ وكانوا ثمانية، سنة ٦ من الهجرة من قبيلة عكل وعرينة، وكان بهم سقم وهو الهزال الشديد والجهد من الجوع، فكانت ألوانهم مصفرة، فبايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام فأسلموا وكانوا يسكنون المسجد مع أهل الصفة. وقالوا: إن المدينة وخمة فهو من حمى المدينة وذلك لأنه قد وقع بالمدينة الموم: بضم الميم وسكون الواو: وهو البرسام بكسر الموحدة: سرياني معرب أطلق على اختلال العقل، وعلى ورم الرأس، وعلى ورم الصدر والمراد هنا الأخير. فطلبوا من رسول الله ﷺ أن يشربوا من اللبن فأمرهم الرسول ﷺ أن يلحقوا بالإبل ومعهم الراعي، وهذه الإبل كانت إبل الصدقة، ومعها إبل النبي ﷺ وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها، وبالفعل خرجوا وشربوا من ألبانها وأبوالها، فصحوا وسمنوا ورجعت إليهم ألوانهم، ثم بعد ذلك كفروا نعمة الله عليهم، فكفروا بالله تعالى -أي ارتدوا- وقتلوا الراعي، ثم أخذوا الإبل، وفروا هاربين، فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ في أول النهار، فبعث في آثارهم، وبالفعل جيء بهم إلى رسول الله ﷺ وهنا فعل النبي ﷺ بهم هذه الأمور، فقطع أيديهم وأرجلهم ولم يحسمهم؛ والحسم هو: الكي بالنار لقطع الدم، والمعنى: لم يكوِ ما قطع منهم بالنار لينقطع الدم بل تركهم ينزفون. قال ابن بطال: إنما ترك حسمهم لأنه أراد إهلاكهم. وسمَّر أعينهم أي: فقأ أعينهم وذلك بأنه أحمى مسامير فكحلهم بها وذلك بأن يدني من العين حديدة محماة حتى يذهب نظرها. وجعلهم النبي ﷺ في أرض الحرة؛ لأنها قرب المكان الذي فعلوا فيه ما فعلوا.

стр. 4794

تركهم النبي ﷺ على حالتهم هذه حتى ماتوا؛ وذلك لأنهم فعلوا أشياءً كما قال أبو قلابة ﵁: سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إسلامهم وحاربوا الله ورسوله، وسعوا في الأرض فسادًا وخوفوا رسول الله ﷺ . وقال أنس: إنما سمل النبي ﷺ أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء. الوجه الثاني: هذا الحديث أصل في عقوبة المحاربين قال النووي: هذا الحديث -حديث العرنيين- أصل في عقوبة المحاربين، وهو موافق لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ (المائدة: ٣٣، ٣٤). قال ابن حجر: قال ابن بطال: ذهب البخاري إلى أن آية المحاربة نزلت في أهل الكفر والردة، وساق حديث العرنيين وليس فيه تصريح بذلك، وممن قال ذلك: الحسن، وعطاء، والضحاك، والزهري، قال: وذهب جمهور الفقهاء إلى أنها نزلت فيمن خرج من المسلمين يسعى في الأرض بالفساد، ويقطع الطريق، وهو قول مالك والشافعي والكوفيين، ثم قال: ليس هذا منافيًا للقول الأول؛ لأنها وإن نزلت في العرنيين بأعيانهم لكن لفظها عام يدخل في معناه كل من فعل مثل فعلهم من المحاربة والفساد. قلت -ابن حجر-: بل هما متغايران والمرجع إلى تفسير المراد بالمحاربة فمن حملها على الكفر خص الآية بأهل الكفر ومن حملها على المعصية عمم، والمعتمد أن الآية نزلت أولًا: فيهم وهي تتناول بعمومها من حارب من المسلمين بقطع الطريق لكن عقوبة الفريقين مختلف فإن كانوا كفارًا: يخير الإمام فيهم إذا ظفر بهم. وإن كانوا مسلمين فعلى قولين: أحدهما: وهو قول الشافعي والكوفيين ينظر في الجناية فمن قَتل قُتل، ومن أخذ المال قُطع، ومن لم يقتل ولم يأخذ مالًا نفي. وجعلوا أو للتنويع.

стр. 4795

وقال مالك: بل هي للتخيير فيتخير الإمام في المحارب المسلم بين الأمور الثلاثة ورجح الطبري الأول. واختلفوا في المراد بالنفي في الآية فقال مالك والشافعي: يخرج من بلد الجناية إلى بلدة أخرى، زاد مالك فيحبس فيها. وعن أبي حنيفة بل يحبس في بلده. وتعقب بأن الاستمرار في البلد ولو كان مع الحبس إقامة فهو ضد النفي فإن حقيقة النفي الإخراج من البلد وقد قرنت مفارقة الوطن بالقتل قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ (النساء: ٦٦) وحجة أبي حنيفة أنه لا يؤمن منه استمرار المحاربة في البلدة الأخرى فانفصل عنه مالك بأنه يحبس بها، وقال الشافعي: يكفيه مفارقة الوطن والعشيرة خذلانًا وذلًا. (١) واختلف العلماء في معنى حديث العرنيين وبيانه في الوجوه التالية: الوجه الثالث: أن النبي ﷺ فعل بهم ذلك الأمر قصاصًا . ولذلك قال أنس ﵁: إِنَّمَا سَمَلَ النبي ﷺ أَعْيُنَ أُولَئِكَ لأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ. (٢) فهؤلاء -كما قال أبو قلابة- قوم: سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله، وسعوا في الأرض فسادًا، وخوَّفوا رسول الله ﷺ . (٣) ورجحه ابن بطال، (٤) وابن الجوزي، (٥) والنووي. (٦) الوجه الرابع: أنه منسوخ وحكن هذا قبل نزول الحدود وآية المحاربة والنهي عن المثلة . ورجحه كثير من العلماء منهم ابن دقيق العيد، (٧) والطحاوي، (٨) وأبو عبيد، (٩) وابن قتيبة. (١٠)

стр. 4796

قال ابن شاهين عقب حديث عمران بن حصين في النهي عن المثلة: هذا الحديث ناسخ لكل مثله كانت في الإسلام. (١) قال ابن حجر: يدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد من حديث أبي هريرة في النهي عن التعذيب بالنار بعد الإذن فيه. (٢) وقصة العرنيين قبل إسلام أبي هريرة وقد حضر الإذن ثم النهي. وروى قتادة عن ابن سيرين أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود. وإلى هذا مال البخاري، وحكاه إمام الحرمين في النهاية عن الشافعي. (٣) * * *

стр. 4797

٣٣ - شبهة: ادعاؤهم أن محمدًا ﷺ غير نظيف وغيرُ طاهر . نص الشبهة: يقولون أن محمد نبي الإسلام غير نظيف وغير طاهر، وأن ربه أمره أن ينظف نفسه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ﴿المدثر: ٤ - ٥﴾، ويقول له ربه أنه طهره قبل ذلك من الأدناس والأوساخ بقوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ [الشرح: ٢]؟ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: المعنى الصحيح للآيات . الوجه الثاني في: سبب نزول آية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. الوجه الثالث: الكمال الخَلْقي للرسول ﷺ . الوجه الرابع: الأدلة على تطهير الثوب والبدن. الوجه الخامس ذكر معنى الرجس في الكتاب المقدس. الوجه السادس: صفات الأنبياء في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: المعنى الصحيح للآيات. إننا إذا نظرنا في تفسير آية ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾، وآية ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾، نجدها بعيدة كل البعد عما يقوله الذين يطعنون في النبي ﷺ ، وفي كمال خُلُقه وخَلْقه، وهاهو التفسير الصحيح للآيات: قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ بمعنى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (الفتح: ٢) (١). وقال القرطبي: وقال السدي: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ أي: وحططنا عنك ثقلك. وقيل: ذنوب أمتك، أضافها إليه لاشتغال قلبه بها.

стр. 4798

وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة: خففنا عنك أعباء النبوة والقيام بها؛ حتى لا تثقل عليك ... ، وقيل: عصمناك عن احتمال الوزر، وحفظناك قبل النبوة في الأربعين من الأدناس، حتى نزل عليك الوحي وأنت مطهر من الأدناس (١). وقال أيضًا: وقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] فيه ثمانية أقوال: أحدهما: أن المراد بالثياب العمل، الثاني: القلب، الثالث: النفس، الرابع: الجسم، الخامس: الأهل، السادس: الخلق، السابع: الدين، الثامن: الثياب الملبوسات على الظاهر (٢). قال ابن الجوزي: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] فيه ثمانية أقوال: أحدها: لا تلبسها على معصية، ولا على غدر. قال غيلان بن سلمة الثقفي: وَإني بِحَمْدِ الله لَا ثَوْبَ فَاجِرٍ ... لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتقَنَعُّ روى هذا المعنى عكرمة عن ابن عباس ﵁. والثاني: لا تكن ثيابُك من مكسب غير طاهر، روي عن ابن عباس ﵁ أيضًا. والثالث: طهر نفسك من الذنب، قاله مجاهد، وقتادة. ويشهد له قول عنترة: فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الأَصَمِّ ثِيَابَهُ ... لَيْسَ الكَرِيمُ عَلَى القَنَا بِمُحرَّمِ أي: نفسه، وهذا مذهب ابن قتيبة. قال: المعنى: طهر نفسك من الذنوب، فكنى عن الجسم بالثياب؛ لأنها تشتمل عليه. والرابع: وعَمَلَكَ فَأصْلِحْ، قاله الضحاك. والخامس: خُلُقَكَ فَحَسِّنْ، قاله الحسن، والقرظي. والسادس: وثيَابَك فَقَصِّرْ وشَمِّرْ، قاله طاووس. والسابع: قَلْبَكَ فَطَهِّرْ، قاله سعيد بن جبير. ويشهد له قول امرئ القيس: فَإنْ يَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مِني خَلِيقَة ... فَسُلِّي ثِيابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ أي: قلبي من قلبك.

стр. 4799

والثامن: اغسل ثيابك بالماء، ونقِّها، قاله ابن سيرين، وابن زيد. (١) وقال البيضاوي: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] من النجاسات؛ فإن التطهير واجب في الصلوات محبوب في غيرها، وذلك بغسلها أو بحفظها عن النجاسة بتقصيرها، مخافة جر الذيول فيها، وهو أول ما أمر به من رفض العادات المذمومة، أو طهر نفسك من الأخلاق الذميمة والأفعال الدنيئة فيكون أمرًا باستكمال القوة العملية، بعد أمره باستكمال القوة النظرية والدعاء إليه، أو فطهر دثار النبوة عما يدنسه من الحقد والضجر وقلة الصبر (٢). فنجد من ذلك أن الآيات لا تطعن في طهر النبي ﷺ ولا في طهارة جسده قلبًا وقالبًا. أما الرجز الذي أمر الله نبيه ﷺ بأن يهجره، فليس الرجس بمعنى الدنس، وذلك فيما يلى: قال ابن الجوزي: وفي معنى "الرجز" للمفسرين ستة أَقوال: أحدها: أنه الأصنام، والأوثان، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والزهري، والسدي، وابن زيد. والثاني: أنه الإثم، روي عن ابن عباس ﵁ أيضا. والثالث: الشرك، قاله ابن جبير، والضحاك. والرابع: الذنب، قاله الحسن. والخامس: العذاب، قاله ابن السائب، قال الزجاج: الرجزُ في اللغة: العذاب. ومعنى الآية: اهجر ما يؤدِّي إلى عذاب الله، والسادس: الشيطان، قاله ابن كيسان (٣). الوجه الثاني: سبب نزول آية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يحدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثهِ: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا المُلَكُ الَّذِي جَاءَنِي

стр. 4800

بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَئِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُوني، فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ إلى ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ وَهِيَ الْأَوْثَانُ (١). ونلاحظ أنه لا يوجد في سبب نزول هذه الآية ما يدل على ما يزعمونه أن النبي ﷺ لم يكن نظيفًا. الوجه الثالث: الرسول ﷺ أحمل الناس خَلْقًا . عن أبي هريرة ﷺ قال: كان رسول الله ﷺ أبيض كأنما صيغ من فضة، رَجِلُ الشعر. (٢) وعن سعيد الجريري قال: سمعت أبا الطفيل يقول: رأيت النبي ﷺ وما بقي على وجه الأرض أحد رآه غيري، قلت: صفه لي، قال: كان أبيض مليحًا مقصدًا. (٣) والمقصد: ليس بطَويِل ولا قَصير ولا جَسيم. وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَزْهَرَ اللَّوْنِ كَأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤُ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ، وَلَا مَسِسْتُ دِيبَاجَةً وَلَا حَرِيرَةً أليَنَ مِنْ كَفِّ رَسُول الله ﷺ ، وَلَا شَمِمْتُ مِسْكَةً وَلَا عَنْبَرَةً أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رَسُول الله. (٤) قال النووي: قَوْله: أَزْهَر اللَّوْن هُوَ الْأَبْيَض الْمُسْتَنِير، وَهِيَ أَحْسَن الأَلوَان. قَوْله: كَأَنَّ عَرَقه اللُّؤْلُؤ أَيْ: فِي الصَّفَاء وَالْبَيَاض. (٥) وعن أبي جحيفة ﵁ قال: وَقَامَ النَّاسُ فَجَعَلوا يَأْخُذُونَ يَدَيْهِ - يد النبي ﷺ - فَيَمْسَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ قَالَ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَوَضَعْتُهَا عَلَى وَجْهِي فَإِذَا هِيَ أَبْرَدُ مِنْ الثَّلْجِ وَأَطْيَبُ رَائِحَةً مِنْ المسْكِ (٦). حتى إن الصحابة ﵃ كانوا يتبركون بقربه منهم، فعَنْ أَنَسٍ ﵁
следующие страницы →