стр. 4761
١٢٧)، وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ٣]. باخع: أي مهلك نفسك بحزنك عليهم؛ ولهذا قال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني: القرآن ﴿أَسَفًا﴾ يقول: لا تهلك نفسك أسفًا، قال قتادة: قَاتِل نَفْسَكَ غضبًا وحزنًا عليهم. وقال مجاهد: جزعًا. والمعنى متقارب، أي: لا تأسف عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات (١).
قال السعدي: ولما كان النبي ﷺ حريصًا على هداية الخلق، ساعيا في ذلك أعظم السعي، فكان ﷺ يفرح ويسر بهداية المهتدين، ويحزن ويأسف على المكذبين الضالين، شفقة منه ﷺ عليهم، ورحمة بهم، أرشده الله أن لا يشغل نفسه بالأسف على هؤلاء، الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾، وقال: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، وهنا قال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: مهلكها، غمًا وأسفًا عليهم، وذلك أن أجرك قد وجب على الله (٢).
ومن الكبار الذين حرص النبي ﷺ على دعوتهم للإسلام عمه أبو طالب، فعن سَعِيد بْن المسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ الله ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ الله بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المغِيرَةِ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ الله فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ الله بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ يَاأَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المطَّلِبِ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ الله ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ المُقَالَةَ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المطَّلِبِ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله فَقَالَ ﷺ : أَمَا وَالله لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ فَأَنْزَلَ الله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا