← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

قال ابن شاهين عقب حديث عمران بن حصين في النهي عن المثلة: هذا الحديث ناسخ لكل مثله كانت في الإسلام. (١) قال ابن حجر: يدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد من حديث أبي هريرة في النهي عن التعذيب بالنار بعد الإذن فيه. (٢) وقصة العرنيين قبل إسلام أبي هريرة وقد حضر الإذن ثم النهي. وروى قتادة عن ابن سيرين أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود. وإلى هذا مال البخاري، وحكاه إمام الحرمين في النهاية عن الشافعي. (٣) * * *

стр. 4797

٣٣ - شبهة: ادعاؤهم أن محمدًا ﷺ غير نظيف وغيرُ طاهر . نص الشبهة: يقولون أن محمد نبي الإسلام غير نظيف وغير طاهر، وأن ربه أمره أن ينظف نفسه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ﴿المدثر: ٤ - ٥﴾، ويقول له ربه أنه طهره قبل ذلك من الأدناس والأوساخ بقوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ [الشرح: ٢]؟ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: المعنى الصحيح للآيات . الوجه الثاني في: سبب نزول آية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. الوجه الثالث: الكمال الخَلْقي للرسول ﷺ . الوجه الرابع: الأدلة على تطهير الثوب والبدن. الوجه الخامس ذكر معنى الرجس في الكتاب المقدس. الوجه السادس: صفات الأنبياء في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: المعنى الصحيح للآيات. إننا إذا نظرنا في تفسير آية ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾، وآية ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾، نجدها بعيدة كل البعد عما يقوله الذين يطعنون في النبي ﷺ ، وفي كمال خُلُقه وخَلْقه، وهاهو التفسير الصحيح للآيات: قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ بمعنى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (الفتح: ٢) (١). وقال القرطبي: وقال السدي: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ أي: وحططنا عنك ثقلك. وقيل: ذنوب أمتك، أضافها إليه لاشتغال قلبه بها.

стр. 4798

وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة: خففنا عنك أعباء النبوة والقيام بها؛ حتى لا تثقل عليك ... ، وقيل: عصمناك عن احتمال الوزر، وحفظناك قبل النبوة في الأربعين من الأدناس، حتى نزل عليك الوحي وأنت مطهر من الأدناس (١). وقال أيضًا: وقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] فيه ثمانية أقوال: أحدهما: أن المراد بالثياب العمل، الثاني: القلب، الثالث: النفس، الرابع: الجسم، الخامس: الأهل، السادس: الخلق، السابع: الدين، الثامن: الثياب الملبوسات على الظاهر (٢). قال ابن الجوزي: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] فيه ثمانية أقوال: أحدها: لا تلبسها على معصية، ولا على غدر. قال غيلان بن سلمة الثقفي: وَإني بِحَمْدِ الله لَا ثَوْبَ فَاجِرٍ ... لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتقَنَعُّ روى هذا المعنى عكرمة عن ابن عباس ﵁. والثاني: لا تكن ثيابُك من مكسب غير طاهر، روي عن ابن عباس ﵁ أيضًا. والثالث: طهر نفسك من الذنب، قاله مجاهد، وقتادة. ويشهد له قول عنترة: فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الأَصَمِّ ثِيَابَهُ ... لَيْسَ الكَرِيمُ عَلَى القَنَا بِمُحرَّمِ أي: نفسه، وهذا مذهب ابن قتيبة. قال: المعنى: طهر نفسك من الذنوب، فكنى عن الجسم بالثياب؛ لأنها تشتمل عليه. والرابع: وعَمَلَكَ فَأصْلِحْ، قاله الضحاك. والخامس: خُلُقَكَ فَحَسِّنْ، قاله الحسن، والقرظي. والسادس: وثيَابَك فَقَصِّرْ وشَمِّرْ، قاله طاووس. والسابع: قَلْبَكَ فَطَهِّرْ، قاله سعيد بن جبير. ويشهد له قول امرئ القيس: فَإنْ يَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مِني خَلِيقَة ... فَسُلِّي ثِيابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ أي: قلبي من قلبك.

стр. 4799

والثامن: اغسل ثيابك بالماء، ونقِّها، قاله ابن سيرين، وابن زيد. (١) وقال البيضاوي: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] من النجاسات؛ فإن التطهير واجب في الصلوات محبوب في غيرها، وذلك بغسلها أو بحفظها عن النجاسة بتقصيرها، مخافة جر الذيول فيها، وهو أول ما أمر به من رفض العادات المذمومة، أو طهر نفسك من الأخلاق الذميمة والأفعال الدنيئة فيكون أمرًا باستكمال القوة العملية، بعد أمره باستكمال القوة النظرية والدعاء إليه، أو فطهر دثار النبوة عما يدنسه من الحقد والضجر وقلة الصبر (٢). فنجد من ذلك أن الآيات لا تطعن في طهر النبي ﷺ ولا في طهارة جسده قلبًا وقالبًا. أما الرجز الذي أمر الله نبيه ﷺ بأن يهجره، فليس الرجس بمعنى الدنس، وذلك فيما يلى: قال ابن الجوزي: وفي معنى "الرجز" للمفسرين ستة أَقوال: أحدها: أنه الأصنام، والأوثان، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والزهري، والسدي، وابن زيد. والثاني: أنه الإثم، روي عن ابن عباس ﵁ أيضا. والثالث: الشرك، قاله ابن جبير، والضحاك. والرابع: الذنب، قاله الحسن. والخامس: العذاب، قاله ابن السائب، قال الزجاج: الرجزُ في اللغة: العذاب. ومعنى الآية: اهجر ما يؤدِّي إلى عذاب الله، والسادس: الشيطان، قاله ابن كيسان (٣). الوجه الثاني: سبب نزول آية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يحدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثهِ: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا المُلَكُ الَّذِي جَاءَنِي

стр. 4800

بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَئِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُوني، فَدَثَّرُونِي، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ إلى ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ وَهِيَ الْأَوْثَانُ (١). ونلاحظ أنه لا يوجد في سبب نزول هذه الآية ما يدل على ما يزعمونه أن النبي ﷺ لم يكن نظيفًا. الوجه الثالث: الرسول ﷺ أحمل الناس خَلْقًا . عن أبي هريرة ﷺ قال: كان رسول الله ﷺ أبيض كأنما صيغ من فضة، رَجِلُ الشعر. (٢) وعن سعيد الجريري قال: سمعت أبا الطفيل يقول: رأيت النبي ﷺ وما بقي على وجه الأرض أحد رآه غيري، قلت: صفه لي، قال: كان أبيض مليحًا مقصدًا. (٣) والمقصد: ليس بطَويِل ولا قَصير ولا جَسيم. وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَزْهَرَ اللَّوْنِ كَأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤُ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ، وَلَا مَسِسْتُ دِيبَاجَةً وَلَا حَرِيرَةً أليَنَ مِنْ كَفِّ رَسُول الله ﷺ ، وَلَا شَمِمْتُ مِسْكَةً وَلَا عَنْبَرَةً أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رَسُول الله. (٤) قال النووي: قَوْله: أَزْهَر اللَّوْن هُوَ الْأَبْيَض الْمُسْتَنِير، وَهِيَ أَحْسَن الأَلوَان. قَوْله: كَأَنَّ عَرَقه اللُّؤْلُؤ أَيْ: فِي الصَّفَاء وَالْبَيَاض. (٥) وعن أبي جحيفة ﵁ قال: وَقَامَ النَّاسُ فَجَعَلوا يَأْخُذُونَ يَدَيْهِ - يد النبي ﷺ - فَيَمْسَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ قَالَ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَوَضَعْتُهَا عَلَى وَجْهِي فَإِذَا هِيَ أَبْرَدُ مِنْ الثَّلْجِ وَأَطْيَبُ رَائِحَةً مِنْ المسْكِ (٦). حتى إن الصحابة ﵃ كانوا يتبركون بقربه منهم، فعَنْ أَنَسٍ ﵁

стр. 4801

قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ وَالْحَلَّاقُ يَحْلِقُهُ، وَأَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إِلَّا فِي يَدِ رَجُلٍ (١). الوجه الرابع: الأدلة على تطهير الثوب والبدن . أولًا: في القرآن: منها قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، يَنْهَى الله تَعَالَى مَنْ كَانَ جُنُبًا مِنْ دُخُولِ المَسَاجِدِ إلَّا أنْ يَكُونَ مُجْتَازًا مِنْ بَابٍ إلى بَابٍ مِنْ غَيْرِ مَكْثٍ حَتَّى يَغْتَسِل أَوْ يَتيَمَّمَ. (٢) وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وإن كنتم جنبًا عند القيام إلى الصلاة بسب ملامسة أزواجكم فاغسلوا جميع أبدانكم بالماء. (٣) وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي: من ذنوبهم على الدوام ... والمتنزهين عن الآثام وهذا يشمل التطهر الحسي من الأنجاس والأحداث. (٤) وقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] عَنْ النَّجَاسَة أَوْ قَصِّرْهَا خِلَاف جَرّ الْعَرَب ثِيَابهمْ خُيَلَاء فَرُبَمَا أَصَابَتْهَا نَجَاسَة. (٥) وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] (التوبة: ١٥٨) قال أبو العالية: إن الطهور بالماء لحسن، ولكنهم المطهرون من الذنوب، وهو ثناء من الله على أهل قباء بخير وإخبار بأنهم يحبون أن يتطهروا من الخبث الحسِّي والمعنوي، فكانوا يجمعون في الاستنجاء بين الحجارة والماء فأثنى الله تعالى عليهم بذلك. (٦)

стр. 4802

ثانيًا: من السنة ١ - عن ابن عباس ﵁ قال: مر النبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة أو مكة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما فقال النبي ﷺ : "يعذبان وما يعذبان في كبير". ثم قال: بلى كان أحدهما لا يستتر من بوله وكان الآخر يمشي بالنميمة. ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة فقيل له يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال: لعله أن يخفف عنهما ما لم تيبسا. أو إلى أن ييبسا. (١) قال البغوي: معناه: أنَّهما لم يعذبا في أمر كان يكبر ويشق عليهما الاحتراز عنه؛ لأنه لم يكن يشق عليهما الاستتار عند البول، وترك النميمة، ولم يُرِد أن الأمر فيهما هين غير كبير في أمر الدين بدليل قوله: "وإنه لكبير". (٢) وقال الخطابي: معناه: أنَّهما لم يعذبا في أمر كان يكبر عليهما، أو يشق فعله لو أرادا أن يفعلاه، وهو التنزه من البول، وترك النميمة، ولم يرد أن المعصية في هاتين الخصلتين ليست بكبيرة في حق الدين وأن الذَّنْب فيهما هين أو سهل. وفي قوله "أمَّا هذا فكان لا يستنزه من البول" دلالة على أن الأبوال كلها نجسة مجتنبة من مأكول اللحم وغير مأكولة لورود اللفظ به مطلقًا على سبيل العموم والشمول. (٣) ٢ - عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أبا هريرة ﵁ قال قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي ﷺ : "دعوه وهريقوا على بوله سجلًا من ماء أو ذنوبًا من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" (٤). وإنما تركوه يبول في المسجد؛ لأنه كان شرع في المفسدة، فلو منع لزادت إذ حصل تلويث جزء من المسجد، فلو منع لدار بين أمرين؛ إما أن يقطعه فيتضرر، وإما أن لا يقطعه

стр. 4803

فلا يأمن من تنجيس بدنه أو ثوبه أو مواضع أخرى من المسجد (١). قال ابن حزم: وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ وَكُلِّ مَا أَمَرَ الله تَعَالَى بِإِزَالَتِهِ فَهُوَ فَرْضٌ. هَذه الْمَسْأَلةُ تَنْقَسِمُ أَقْسَامًا كَثِيرَة، يَجْمَعُهَا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ أَمَرَ الله تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ بِاجْتِنَابِهِ، أَوْ جَاءَ نَصٌّ بِتَحْرِيمِهِ أَوْ أَمَرَ كَذَلِكَ بِغَسْلِهِ أَوْ مَسْحِه، فَكُلُّ ذَلِكَ فَرْضٌ يَعْصِي مَنْ خَالَفَه لمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ أَنَّ طَاعَتَهُ تَعَالَى وَطَاعَةَ رَسُولِهِ ﷺ فَرْضٌ (٢). ومنَ المُقَرَّرِ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ: طَهَارَةَ الثَّوْبِ، وَالْبَدَنِ، وَالْمَكَانِ مِنَ النَّجَاسَةِ، وقد أمر الله بتطهير الثياب من النجاسات؛ لأن طهارة الثياب شرط في صحة الصلاة، ويقبح أن تكون ثياب المؤمن نجسة، ومن هذه الآية ذهب الشافعي إلى وجوب غسل النجاسة من ثياب المصلي. (٣) ٣ - وقد أوجب الإسلام الغسل سواء كان أمر إيجاب أو ندب في أمور منها: خروج المني بشهوة في النوم أو اليقظة، من ذكر أو أنثى، وهو قول عامة الفقهاء. لحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما الماء من الماء" (٤) ومنها: التقاء الختانين لحديث: إذا التقى الختانان فقد وجب الغُسْل فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا". (٥) ومنها: انقطاع الحيض والنفاس: لقول الله تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ولحديث: أنَّ فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ﷺ قالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: "لا إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي" (٦).

стр. 4804

ومنها: الموت، لحديث: "اغسلوه بماء وسدر" (١)، ولحديث: قوله ﷺ في ابنته زينب ﵂: "اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا ... ". (٢) ومنها: إذا أسلم الكافر يجب عليه الغسل لحديث أبي هريرة ﵁ بعث النبي ﷺ خيلًا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه النبي ﷺ فقال "أطلقوا ثمامة" فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. (٣) ومنها غسل الجمعة: فعن أبي سعيد له: أنَّ النبي ﷺ قال: "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" (٤) ومنها: غسل العيدين، لكن لم يأت في ذلك حديث صحيح، ومنها غسل من غسل ميتًا: لحديث أبي هريرة له: أنَّ النبي ﷺ قال: "من غسل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ". (٥) ومنها غسل الإحرام: لحديث زيد بن ثابت: أنَّه رأى رسول الله ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل (٦). ومنها غسل دخول مكة: لأن ابن عمر ﵁ كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوي حتى يصبح ثم يدخل مكة نهارًا، ويَذكُرُ عن النبي ﷺ أنه فعله. (٧) ومنها غسل الوقوف بعرفة: لما رواه مالك عن نافع: أنَّ عبد الله بن عمر ﵁ كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخول مكة، ولوقوفه عشية عرفة" (٨). (٩)

стр. 4805

الطهارة من منظور طبي: تستلزم الصلاة طهارة الجسم والثياب والمكان، وتتضمن طهارة الجسم غسل الجنابة إذا كان هناك داع لذلك، والاستنجاء والوضوء، ومن المعروف، في السنة الصحيحة، أن الوضوء يهيئ المسلم نفسيًّا للدخول في الصلاة، إذ يذهب عنه الغضب والتوتر ويريح أعصابه. وقد أثبت العلم الحديث أن الوضوء والاغتسال، أيضًا - في وجود الضوء - يساعد على سقوط فوتونات الضوء (Light Phonts) فوق زاد الماء، ويعمل على انتشار أيونات سالبة الشحنة، من جزيئات الماء المتناثرة في الهواء، وهذه الشحنات السالبة عبارة عن شحنات كهرومغناطيسية، وتؤثر في جسم المتوضئ أو المغتسل تأثيرًا حسنًا من الناحية الصحية، إذ تسبب الاسترخاء العضلي، فتزيل أي توتر عصبي أو أي انفعال ناتج عن الغضب. كما ثبت علميًا وجود ملايين الميكروبات على الجلد طوال النهار، وخلال الممارسات المعيشية، وتقف ملايين الميكروبات على الأيدي والأقدام والوجه وغيره، وإذا تركت هكذا مدة طويلة تثبت نفسها وتتكاثر، ونتيجة لأنشطتها المختلفة تظهر علامات الإصابة بها في شكل أعراض مرضية على المصاب، ولقد ثبت علميًا أن الاغتسال بالماء الجاري ثلاث مرات - في الوضوء - يزيل نحو ٩٥% من هذه الميكروبات، فإذا توضأ المسلم عدة مرات كل يوم؛ أدى ذلك إلى تخلصه نهائِيًا من جميع الميكروبات. (١) الوجه الخامس: معنى الرجس في الكتاب المقدس . جاءت كلمة (رجس) في الكتاب المقدس بمعنى الوثن والصنم، فمن ذلك: الملوك الأول (١١/ ٧: ٥): فَذَهَبَ سلَيْمَانُ وَرَاءَ عَشْتُورَثَ إِلهَةِ الصِّيدُونيِّينَ، وَمَلْكُومَ رِجْسِ الْعَمُّونِيِّينَ، وَعَمِلَ سُلَيْمَانُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَلَمْ يَتْبَعِ الرَّبَّ تَمَامًا كَدَاوُدَ أَبِيهِ.

стр. 4806

حِينَئِذٍ بَنَي سُلَيْمَانُ مُرْتَفَعَةً لِكَمُوشَ رِجْسِ الْمَوآبِيِّينَ عَلَى الجبَلِ الَّذِي تُجَاهَ أُورُشَلِيمَ، وَلمُولَكَ رِجْسِ بَنِي عَمُّونَ. حزقيال: (٧/ ٤: ٢): وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَهكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ لأَرْضِ إِسْرَائِيلَ: نِهَايَةٌ! قَدْ جَاءَتِ النِّهَايَةُ عَلَى زَوَايَا الأَرْضِ الأَرْبَعِ. الآنَ النِّهَايَةُ عَلَيْكِ، وَأُرْسِلُ غَضَبِي عَلَيْكِ، وَأَحْكُمُ عَلَيْكِ كَطُرُقِكِ، وَأَجْلِبُ عَلَيْكِ كُلَّ رَجَاسَاتِكِ. فَلَا تَشْفُقُ عَلَيْكِ عَيْنِي، وَلَا أَعْفُو، بَلْ أَجْلِبُ عَلَيْكِ طُرُقَكِ وَتَكُونُ رَجَاسَاتُكِ فِي وَسْطِكِ، فتعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ. الخروج (٨/ ٢٦): فَقَالَ مُوسَى: "لَا يَصْلَحُ أَنْ نَفْعَلَ هكَذَا، لأَنَّنَا إِنَّمَا نَذْبَحُ رِجْسَ المصْرِيِّينَ لِلرَّبِّ إِلِهنَا. إِنْ ذَبَحْنَا رِجْسَ المصْرِيِّينَ أَمَامَ عُيُونِهِمْ أَفَلَا يَرْجُمُونَنَا؟ . الوجه السادس: الأنبياء يعبدون آلهةً من دون الله في الكتاب المقدس . يعتقد اليهود والنصارى أن سليمان ﵇ كفر، وعبد آلهةً أخرى من دون الله تعالى كما في الملوك الأول (١١/ ٧: ٥): فَذَهَبَ سُلَيْمَانُ وَرَاءَ عَشْتُورَثَ إِلهَةِ الصِّيدُونيِّينَ، وَمَلْكُومَ رِجْسِ الْعَمُّونِيِّينَ، وَعَمِلَ سُلَيْمَانُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَلَمْ يَتْبَعِ الرَّبَّ تَمَامًا كَدَاوُدَ أَبِيهِ. حِينَئِذٍ بَنَي سُلَيْمَانُ مُرْتَفَعَةً لِكَمُوشَ رِجْسِ الْمَوآبِيِّينَ عَلَى الجبَلِ الَّذِي تجاهَ أُورُشَلِيمَ، وَلمُولَكَ رِجْسِ بَنِي عَمُّونَ. ويقولون أن هارون ﵇ كفر وعبد العجل كما في الخروج (٣٢/ ٤: ٣): فَقَالَ لهمْ هَارُونُ: "انْزِعُوا أَقْرَاطَ الذَّهَبِ الَّتِي فِي آذَانِ نِسَائِكُمْ وَبَنِيكُمْ وَبَنَاتِكُمْ وَاتُونِي بِهَا". فَنزعَ كُلُّ الشَّعْبِ أَقْرَاطَ الذَّهَبِ الَّتِي فِي آذَانِهِمْ وَأَتُوْا بِهَا إِلَى هَارُونَ. فَأَخَذَ ذلِكَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَصَوَّرَهُ بِالإِزْميلِ، وَصَنَعَهُ عِجْلًا مَسْبُوكًا. فَقَالُوا: "هذِهِ آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّتِي أَصْعَدَتْكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ". * * *

стр. 4807

٣٤ - شبهة: ادعاؤهم أن النبي ﷺ صلى من غير وضوء . نص الشبهة: يقولون: إن النبي ﷺ صلى من غير وضوء واستدلوا على ذلك بحديثين: الحديث الأول: حديث سويد بن النعمان ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إِلَى خَيْبَرَ فَلَمّا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ، قَالَ يَحْيَى: (وَهِيَ مِنْ خَيْبَرَ) عَلَى رَوْحَةٍ دَعَا رَسُولُ الله ﷺ بِطَعَامٍ فَمَا أُتِيَ إِلَّا بِسَوِيقٍ فَلُكْنَاهُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا فَصَلَّى بِنَا المَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ (١). الحديث الثاني: حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نِمْتُ عِنْدَ مَيْمُونَةَ وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ فتوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَقُمْتُ عَلَى يَسَارِهِ فَأَخَذَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ نَامَ حَتَّى نَفَخَ وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ ثُمَّ أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ فَخَرَجَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ (٢). والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الطهارة شرط لكل صلاة . الوجه الثاني: أنه لا يشترط تجديد الوضوء لكل صلاة. الوجه الثالث: تجديد الوضوء لكل صلاة مستحب. الوجه الرابع: أنَّ تَرْكَ النبي ﷺ لتجديد الوضوء في بعض الأحيان يدل على جواز الأمرين تيسيرًا على الأمة. الوجه الخامس: الحديث فيه دليل على أن الأمر بالوضوء مما مست النار منسوخ. الوجه السادس: أنَّ النبي ﷺ لا يُنتقض وضوءه بالنوم. وإليك التفصيل الوجه الأول: الطهارة شرط لكل صلاة. قال النووي: وقد أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة. (٣)

стр. 4808

ومن أدلة ذلك قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، وقول النبي ﷺ : "لا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَة مِنْ غُلُولٍ". (١) وكذلك قوله ﷺ : "لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ" (٢). وقال أيضًا: هذا الحديث - أي الأول - نص في وجوب الطهارة للصلاة .. وأما قوله ﷺ في الحديث الثاني: "لا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ" فمعناه: حتى يتطهر بماء أو تراب، وإنما اقتصر ﷺ على الوضوء لكونه الأصل والغالب، والله أعلم. (٣) كما قال ﵀ عند شرحه لحديث: "الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ ... " (٤) وقيل: المراد بالإيمان هنا الصلاة كما قال الله تعالى: ميو ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، والطهارة شرط في صحة الصلاة فصارت كالشطر وليس يلزم في الشطر أن يكون نصفًا حقيقيًا، وهذا القول أقرب الأقوال. (٥) الوجه الثاني: أنَّه لا يشترط تجديد الوضوء لكل صلاة . في الحديث كلمة "لَمْ يَتَوَضَّأُ" لا تعني أنه صلى وهو مُحدِث - أي على غير وضوء - بل إنها دليل على جواز الصلاة بالوضوء الواحد أكثر من فرض، وليس هذا الحديث - أي الأول - بمفرده هو الدليل على ذلك فقد ذكر العلماء حديثا آخر يبين جواز ذلك بصورة واضحة، وذلك في حديث سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ

стр. 4809

تَصْنَعُهُ، قَالَ: عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ" (١). قال النووي: في هذا الحديث أنواع من العلم منها: جواز المسح على الخف، وجواز الصلوات المفروضات، والنوافل بوضوء واحد ما لم يحدث، وهذا جائز بإجماع من يعتد به (٢). ومن الأحاديث الواردة في بيان جواز ذلك أيضًا حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ قُلْتُ - أي عمرو بن عامر راوي الحديث عن أنس ﵁ - كَيْفَ كُنتمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ (٣). وفي معناه أحاديث كثيرة كحديث الجمع بين الصلاتين، بعرفة والمزدلفة وسائر الأسفار والجمع بين الصلوات الفائتات يوم الخندق وغير ذلك. (٤) الوجه الثالث: تجديد الوضوء لكل صلاة مستحب . أجمع العلماء على أن تجديد الوضوء لكل صلاة مستحب. قال النووي: ولكن تجديده - أي الوضوء - لكل صلاة مستحب وعلى هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك ولم يبق بينهم فيه خلاف. (٥) وقد ورد في فضل الوضوء أحاديث كثيرة: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ" قال أبو هريرة: فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ. (٦) قال النووي: في الحديث معنى ما ترجم له من فضل الوضوء، لأن الفضل الحاصل بالغرة والتحجيل من آثار الزيادة على الواجب، فكيف الظن بالواجب؟ . (٧)

стр. 4810

عن عثمان بن عفان ﵁ قال: وَالله لَأُحَدِّثَنَكمْ حَدِيثًا وَالله لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ الله مَا حَدَّثْتكمُوهُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلَاةَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا". (١) الوجه الرابع: أنَّ تَرْكَ النبي ﷺ لتجديد الوضوء في بعض الأحيان يدل على جواز الأمرين تيسيرا على الأمة . فالنبي ﷺ كان يترك المداومة على بعض الأعمال خشية أن تفرض على الأمة فيشق ذلك عليهم، ومن أمثلة ذلك: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَصَلَّى فِي المُسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فتحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ فَصَلَّوْا بِصلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ: عَجَزَ المَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ؛ فَلَمّا قَضى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فتشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، لَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا" فَتُوُفيَ رَسُولُ الله، وَالأَمرُ عَلَى ذَلِكَ. (٢) وكذلك ورد عنها أنَّها قالت: إِنْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ الله ﷺ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا. (٣) وقد فسر العلماء قولها (مَا سَبَّحَ) أي ما داوم عليها. (٤) عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ فَجِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ وَجَاءَ رَجُل آخَرُ فَقَامَ أَيْضًا، حَتَّى كُنَّا رَهْطًا فَلَمَّا حَسَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّا خَلْفَهُ جَعَلَ يَتَجَوَّزُ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ دَخَلَ رَحْلَهُ فَصَلَّى صَلَاةً لَا يُصَلِّيهَا عِنْدَنَا، قَالَ: قُلْنَا لَهُ حِينَ أَصْبَحْنَا أَفَطَنْتَ لَنَا اللَّيْلَةَ،

стр. 4811

قَالَ: فَقَالَ: "نَعَمْ ذَاكَ الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى الَّذِي صَنَعْتُ، قَالَ فَأَخَذَ يُوَاصِلُ رَسُولُ الله ﷺ وَذَاكَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَأَخَذَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يُوَاصِلُونَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا بَالُ رِجَالٍ يُوَاصِلُونَ إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِثلي أَمَا وَالله لَوْ تَمَادَّ لِي الشَّهْرُ لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ". (١) فهذا من تيسيره ﷺ على هذه الأمة. الوجه الخامس: الحديث فيه دليل على أن الأمر بالوضوء، مما مست النار منسوخ . ففي الحديث الأول أيضًا أن النبي ﷺ أكل من السويق، والسويق هو دقيق الشعير أو السلت المقلى. (٢) فإن قيل: أنَّ الأمر جاء في السنة بالوضوء مما مست النار فنذكر أقوال العلماء التي تبين أن هذا الأمر قد نسخ: قال النووي: ذكر مسلم - رحمه الله تعالى - في هذا الباب الأحاديث الواردة بالوضوء مما مست النار، ثم عقبها بالأحاديث الواردة بترك الوضوء مما مست النار؛ فكأنه يشير إلى أن الوضوء منسوخ، وهذه عادة مسلم وغيره من أئمة الحديث، يذكرون الأحاديث التي يرونها منسوخة ثم يعقبونها بالناسخ. وقد اختلف العلماء في قوله ﷺ : "توضئوا مما مست النار"، فذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا ينتقض الوضوء بأكل ما مسته النار، ممن ذهب إليه: أبو بكر الصديق ﵁، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وابن عباس، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن سمرة، وزيد بن ثابت، وأبو موسى، وأبو هريرة، وأبي بن كعب، وأبو طلحة، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة، وعائشة ﵃، وهؤلاء كلهم صحابة، وذهب إليه جماهير التابعين وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، وأبي ثور، وأبي خيثمة ﵏ وذهب طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعي - وضوء الصلاة بأكل ما مسته النار - وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز،

стр. 4812

والحسن البصري، والزهري، وأبي قلابة، وأبي مجلز، واحتج هؤلاء بحديث "توضئوا مما مسته النار"، واحتج الجمهور بالأحاديث الواردة بترك الوضوء مما مسته النار. وقد ذكر مسلم هنا منها جملة، وباقيها في كتب أئمة الحديث المشهورة وأجابوا عن حديث الوضوء مما مست النار بجوابين أحدهما: أنَّه منسوخ بحديث جابر ﵁ قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار. وهو حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي وغيرهما من أهل السنن بأسانيد صحيحة. والجواب الثاني: أنَّ المراد بالوضوء غسل الفم والكفين. وقد اعترض ابن عبد البر في "التمهيد" على هذا الجواب الثاني. (١) ثم قال ﵀ (أي النووي): ثم إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء بأكل ما مسته النار والله أعلم. (٢) قال ابن عبد البر: وقوله ﷺ : "توضئوا مما مست النار" أمر منه بالوضوء المعهود للصلاة لمن أكل طعامًا مسته النار، وذلك عند أكثر العلماء، وعند جماعة أئمة الفقهاء منسوخ بأكله ﷺ طعامًا مسته النار، وصلاته بعد ذلك دون أن يحدث وضوءًا فاستدل العلماء بذلك على أن أمره بالوضوء مما مست النار منسوخ، وأشكل ذلك على طائفة كثيرة من أهل العلم بالمدينة والبصرة، ولم يقفوا على الناسخ في ذلك من المنسوخ، أو لم يعرفوا غير الوجه الواحد، فكانوا يوجبون الوضوء مما مست النار. ثم قال: والأصل أن لا ينتقض وضوء مجتمع عليه إلا بحديث مجتمع عليه أو بدليل من كتاب أو سنة لا معارض له. (٣) الوجه السادس: أنَّ النبي ﷺ لا يُنْتَقض وضوئه بالنوم . فقد أورد البخاري في صحيحه من حديث عائشة ﵂ حديثا في قصة

стр. 4813

التهجد وفيه: قلت: قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ . (١) قال ابن حجر: وهو ظاهر في أن ذلك من خصائصه ﷺ . (٢) قال ابن الملقن: كان لا ينتقض وضوءه بالنوم بخلاف غيره؛ لأنه كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه. (٣) قال النووي في شرحه لحديث مسلم الذي أورده في باب (صلاة الليل وعدد الركعات) وفيه أن عائشة سألت النبي ﷺ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي". (٤) ثم ذكر النووي أن: (هذا من خصائص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم). (٥) قال ابن حجر: وَكَانَ لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ بِالنَّوْمِ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ حَتَّى عَائِشَةَ مَرْفُوعًا" إنَّ عَيْنِي تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي"، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﷺ " نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ"، وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي حديث الإسراء. (٦) كما قال السيوطي: عن ابن مسعود قال: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَنَامُ مُستَلْقِيًا حَتَّى يَنْفُخَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ"، وعلة ذلك أنه تنام عينه ولا ينام قلبه (٧). وقد ذكر العلماء أن يقظة قلوبهم تمنعهم من الحديث - أي الأنبياء - وأن نومه ﷺ مضطجعًا وكذا سائر الأنبياء. (٨) * * *

стр. 4814

٣٥ [*]- شبهة: التبرك بوضوء النبي ﷺ -. نص الشبهة: أن النبي ﷺ مج في إناء وشرب منه بعض الصحابة. كأنهم يستقذرون ذلك. والرد من وجوه: الوجه الأول: الفهم الصحيح للحديث. الوجه الثاني: أنَّ شخص النبي ﷺ غير شخصنا. وإليك التفصيل الوجه الأول: بيان معنى الحديث . عن أبي جُحَيْفَةَ ﵁ قال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله ﷺ بالْهَاجِرَةِ فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأْ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ، فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ (١). وَقَالَ أَبُو مُوسَى ﵁: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ بقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ ثُمَّ قَالَ لهما: "اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا" (٢). وللحديث قصة: عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهوَ نَازِلٌ بِالجعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيًا فَقَالَ أَلَا تُنْجِزُ لِي مَا وَعَدْتَنِي، فَقَالَ لَهُ: "أَبْشِرْ"، فَقَالَ: قَدْ أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ أَبْشِرْ فَأَقْبَلَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلَالٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ، فَقَالَ: رَدَّ الْبُشْرَى فَاقْبَلَا أَنْتُمَا قَالَا: قَبِلْنَا ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: "اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا، وَأَبْشِرَا" فَأَخَذَا الْقَدَحَ فَفَعَلَا فَنَادَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ أَنْ أَفْضِلَا لِأُمِّكُمَا فَأَفْضَلَانِي مِنْهُ طَائِفَةً (٣). قال أبي حجر: (وَمَجَّ فِيهِ) أَيْ: صَبَّ مَا تَنَاوَلَهُ مِنْ الماء فِي الْإِنَاء، وَالْغَرَض بِذَلِكَ إِيجَاد

стр. 4815

الْبَرَكَة بِرِيقِهِ المبَارَك (١). قَوْله: (أَلَا تُنْجِز لِي مَا وَعَدْتنِي) يُحْتَمَل أَنَّ الْوَعْد كَانَ خَاصًّا بِهِ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون عَامًّا (٢). وَفِي الحدِيث مَنْقَبَة لِأَبِي عَامِر وَلأَبِي مُوسَى وَلبِلَالِ وَلأُمِّ سَلَمَة. والمنقبة لمجرد أن شربوا من فضل ماء مج فيه ﷺ . وقال بدر الدين العيني: وإن كان المراد: أنَّهم كانوا يأخذون ما فضل من وضوئه في الإناء، فيكون المراد منه التبرك بذلك. وفي الحديث الدلالة على طهارة الماء المستعمل على الوجه الذي ذكرناه وفيه جواز مج الريق في الماء، قاله الكرماني. قلت: هذا في حق النبي ﷺ ، لأن لعابه أطيب من المسك ومن غيره يستقذر، ولهذا كره العلماء ذلك. والنبي ﷺ مقامه أعظم، وكانوا يتدافعون على نخامته، ويدلكون بها وجوههم، لبركتها وطيبها وخلوفه ما كان يشابه خلوف غيره، وذلك لمناجاته الملائكة فطيب الله نكهته، وخلوف فمه، وجميع رائحته (٣). وفي حديث عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ المسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ: ( ... ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَيْنَيْهِ قَالَ فَوَالله مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ الله ﷺ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ ..... ) (٤). وعن السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ (٥).

стр. 4816

وقد علق الشاطبي على مثل هذه الأحاديث فقال: فالظاهر في مثل هذا النوع أن يكون مشروعًا في حق من ثبتت ولايته واتباعه لسنة رسول الله ﷺ وأن يتبرك بفضل وضوئه ويتدلك بنخامته ويستشفى بآثاره كلها، ولكن هناك إشكال يبين أن هذا خاص بالنبي ﷺ . (١) وقال الشاطبي: وهو أن الصحابة رضى الله عنهم بعد موته ﵇ لم يقع من أحد منهم شىء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه، فلم يثبت ذلك لأبي بكر ولا لعمر ولا لعثمان ولا لعلي، وهو أفضل الأمة بعده ﷺ (٢). لا خفاء عَلَى مَنْ مَارَسَ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ، أَوْ خُصَّ بِأَدْنَى لَمْحَةٍ مِنَ الْفَهْمِ: بِتَعْظِيمِ اللَّهِ قَدْرَ نَبِيِّنَا ﷺ وخُصُوصِهِ إيَّاهُ بِفَضَائِلَ وَمَحَاسِنَ وَمَنَاقِبَ لَا تَنْضَبِطُ لِزِمَامٍ: وَتَنويِهِهِ مِنْ عَظِيمِ قَدْرِهِ بِمَا تَكِلُّ عَنْهُ الْأَلْسِنَةُ وَالْأَقْلَامُ (٣). وكان النبي ﷺ ينهاهم عن ذلك مثل النخامة وما شابه ذلك، ولكن تركهم لأن الموقف كان يستدعي ذلك، إظهارًا لمحبته أمام العدو بقصد ليعلم كم هي الصفوف هاتفة خلف نبيها، وكم هي لا تفرط في أيّ شيء يتعلق بنبيها حتى نخامته وماء وضوئه ﷺ . وقال ابن رجب في معرض سياقه النهي عن المبالغة في تعظيم الأولياء والصالحين، وكذلك التبرك بالآثار، فإنما كان يفعله الصحابة مع النبي ﷺ ، ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم، ولا يفعله التابعون مع الصحابة مع علو قدرهم، فدل على أن هذا لا يفعل إلا مع النبي ﷺ (٤). الوجه الثاني: شخص النبي ﷺ غير شخصنا . فهو رسول الله ﷺ وخاتم النبيين: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ وَبِيَدِي لِوَاءُ الحمْدِ وَلَا فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ" (٥).

стр. 4817

وعن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ" (١). قال النووي: هو سَيِّدهمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، فَسَبَبُ التَّقْيِيد أَنَّ فِي يَوْم الْقِيَامَة يَظْهَرُ سُؤْدُده لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَا يَبْقَى مُنَازع، وَلَا مُعَانِد، وَنَحْوه، بِخِلَافِ الدُّنْيَا فَقَدْ نَازَعَهُ ذَلِكَ فِيهَا مُلُوكُ الْكفَّار وَزُعَمَاء المْشْرِكِينَ. قال العلماء: لم يقل ذلك فخرًا، بل صرح بنفي الفخر، إنما قال ذلك امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١]. وهذا أيضًا مِنْ الْبَيَان الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْلِيغه إِلَى أُمَّته لِيَعْرِفُوهُ، وَيَعْتَقِدُوهُ، وَيَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهُ، وَيُوَقِّرُوهُ ﷺ بِمَا تَقْتَضِي مَرْتَبَتُهُ كَمَا أَمَرَهُمْ الله تَعَالَى، وَهَذَا الحدِيث دَلِيل لِتَفْضِيلِهِ ﷺ عَلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ؛ لِأَنَّ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة أَنَّ الْآدَمِيِّينَ أَفْضَل مِنْ المُلَائِكَة، وَهُوَ ﷺ أَفْضَل الْآدَمِيَينَ وَغَيْرهُمْ (٢). الوجه الثالث: التبرك بالقذارات في الكتاب المقدس . ألم يرد في كتابك المقدس أن الرب أمر نبيه (حزقيال) بأكل الخراء وهو البراز: (وَتَأْكُلُ كَعْكًا مِنَ الشَّعِيرِ. عَلَى الْخُرْءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإِنْسَانِ تَخْبِزُهُ أَمَامَ عُيُونِهِمْ) (حزقيال ٤/ ١٣). ليس هذا فقط، بل انظر في (سفر إشعياء ٣٦/ ١٢) (فَقَالَ رَبْشَاقَى: "هَلْ إِلَى سَيِّدِكَ وَإِلَيْكَ أَرْسَلَنِي سَيِّدِي لِكَيْ أَتَكَلَّمَ بِهذَا الْكَلَام؟ أَليْسَ إِلَى الرِّجَالِ الجالِسِينَ عَلَى السُّورِ، لِيَأْكُلُوا عَذِرَتهمْ وَيَشْرَبُوا بَوْلَهُمْ مَعَكُمْ؟ ". * * *

стр. 4818

٣٦ - شبهة: تمسح الصحابة بالنبي ﷺ ولفضل وضوئه . نص الشبهة: كيف يتمسح الصحابة بالنبي ﷺ ، وبفضل وضوئه؟ . والرد من وجوه: - الوجه الأول: ذكر الأحاديث التي ذكر فيها هذا التمسح . الوجه الثاني: توجه الأحاديث التي ذُكر فيها هذا التمسح. الوجه الثالث: هذا من التبرك المشروع. الوجه الرابع: تكميل الله تعالى له ﷺ المحاسن خَلْقًا وخُلُقًا. الوجه الخامس: بعض خصائص النبي ﷺ البدنية. الوجه السادس: شق صدر النبي ﷺ وتطهير قلبه من حظ الشيطان. الوجه السابع: التمسح في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: ذكر الأحاديث التي ذكر فيها هذا التمسح. عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ فِي قُبَّةٍ حَمرَاءَ مِنْ آدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ وَضُوءَ رَسُول الله ﷺ وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَاكَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ عَنَزةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ في حُلَّةٍ حَمرَاءَ مُشَمِّرًا، صَلَّى إِلَى الْعَنزةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ مِنْ بَيْنِ يَدَي الْعَنَزَةِ (١). وَقَالَ أَبُو مُوسَى ﵁: دَعَا النَّبِي ﷺ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: "لَهما اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا" (٢). وعَنِ الْجَعْدِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بي خالتي إِلَى النبي ﷺ ،

стр. 4819

فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ ابْنَ أختي وَجِعٌ. فَمَسَحَ رأسي وَدَعَا لي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَربْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلِ زِرِّ الْحَجَلَةِ (١). الوجه الثاني: توجيه هذه الأحاديث . أولًا: أنَّ المراد بالفضل الماء الذي يبقى في الظروف بعد الفراغ . والوضوء الذي ابتدره الناس كان فضل الماء الذي توضأ به النبي ﷺ . ثانيًا: قوله يأخذون من فضل وضوئه كأنهم اقتسموا الماء الذي فضل عنه . ثالثًا: ويحتمل أن يراد به الماء الذي يتقاطر عن أعضاء المتوضئ وهو الماء الذي يقول له الفقهاء: الماء المستعمل (٢). فالأغلب أنَّها كانت غسالة أعضائه ﷺ وإلا لما فعل بها الصحابة ما فعلوا؛ لأن ما يفضل من وضوئه في الإناء، مثل ما يفضل من وضوئه من البئر؛ فلولا كان الذي أخرجه بلال فضل وضوئه لما فعلوا به ما فعلوا (٣). قلت: وإن كان المراد بفضل الوضوء ما تقاطر من أعضائه ﷺ من الماء؛ فهذا لا قذارة فيه كما سيأتي في الوجه التالي. الوجه الثالث: هذا من التبرك المشروع . أولًا: تعريف التبرك، وأنواعه، وحكمه، والفرق بينه وبين التوسل . تعريف التبرك: هو طلب البركة، والتبرك بالشيء طلب البركة بواسطته. أنواع التبرك: ينقسم التبرك إلى قسمين: مشروع، وممنوع: التبرك المشروع: أي الذي شرعه الله تعالى أو رسوله ﷺ ، وهو إما يكون واجبًا، أو مستحبًا، أو مباحًا. * * *

стр. 4820

التبرك الممنوع: وهو التبرك بأشياء نص الشرع على النهي عنها، التحذير من فعلها، وما تجاوز حدود التبرك المشروع، وما لم يكن له مستند من الشرع أصلًا. شروط التبرك المشروع: للتبرك الشرعي شروط لابد من توافرها، وهي: الإيمان الشرعي المقبول عند الله فمن لم يكن مسلمًا صادق الإسلام؛ فلن يحقق الله له أي خير بتبركه هذا، كما يشترط للراغب في التبرك أن يكون حاصلَا على أثر من آثاره ﷺ ويستعمله ونحن نعلم أن آثاره من ثياب، أو شعر، أو فضلات، قد فقدت، وليس في مكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين، وإذا كان الأمر كذلك، فإن التبرك بهذه الآثار يصبح أمرًا غير ذي موضوع في زماننا هذا، ويكون أمرًا نظريًا محضًا (١). الفرق بين التوسل والتبرك: إن التبرك هو التماس من حاز أثرًا النبي ﷺ حصول خير به خصوصية له ﷺ . وأما التوسل فهو إرفاق دعاء الله تعالى بشيء من الوسائل التي شرعها الله تعالى لعباده كأن يقول: اللهم إني أسالك بحبي لنبيك ﷺ أن تغفر لي ونحو ذلك، ويتبدى هذا الفرق في أمرين: أولهما: أنَّ التبرك يرجى به شيء من الخير الدنيوي فحسب بخلاف التوسل الذي يرجى به أي شيء من الخير الدنيوي والأخروي. ثانيهما: أنَّ التبرك هو التماس الخير العاجل كما سبق بيانه (٢). ثانيًا: التبرك بآثار النبي ﷺ -. بعد إثبات الفرق بين التوسل والتبرك نعلم أن آثار النبي ﷺ لا يُتوسل بها إلى الله تعالى، وإنما يُتبرك بها فحسب، أي يُرجى بحيازتها حصول بعض الخير الدنيوي كما سبق بيانه. وإننا نرى أن التوسل بآثار النبي ﷺ غير مشروع البتة. وأن من الافتراء على الصحابة ﵃ عليهم الادعاء بأنهم كانوا يتوسلون بتلك الآثار، ومن ادعى خلاف رأينا فعليه الدليل بأن يثبت أن الصحابة كانوا يقولون في دعائهم مثلا: اللهم ببصاق نبيك

стр. 4821

اشف مرضانا، أو اللهم ببول نبيك أو غائطه أجرنا من هذا. ولا بد من الإشارة إلى أننا نؤمن بجواز التبرك بآثاره ﷺ ولا ننكره خلافًا لما يوهمه صنيع خصومنا (١). ثالثا: العلة من ترك النبي ﷺ الصحابة يتبركون بآثاره، ويتمسحون به . إن النبي ﷺ وإن أقر الصحابة في غزوة الحديبية وغيرها على التبرك بآثاره ﷺ والتمسح بها وذلك لغرض مهم، وخاصة في تلك المناسبة، وذلك الغرض هو إرهاب كفار قريش، وإظهار مدى تعلق المسلمين بنبيهم وحبهم له، وتفانيهم في خدمته وتعظيم شأنه؛ إلا أن الذي لا يجوز التغافل عنه ولا كتمانه أن النبي ﷺ بعد تلك الغزوة رغب المسلمين بأسلوب حكيم وطريقة لطيفة عن هذا التبرك، وصرفهم عنه، وأرشدهم إلى أعمال صالحة خير لهم منه عند الله وأجدى وهذا ما يدل عليه الحديث الآتي. عن عبد الرحمن بن أبي قراد له أن النبي ﷺ توضأ يومًا فجعل أصحابه يتمسحون بوضوئه فقال لهم النبي ﷺ : "ما يحملكم على هذا؟ قالوا: حب الله ورسوله: فقال النبي ﷺ : من سره أن يحب الله ورسوله أو يحبه الله ورسوله فليصدق حديثه إذا حدث وليؤد أمانته إذا أؤتمن وليحسن جوار من جاوره" (٢). الوجه الرابع: تكميل الله تعالى له المحاسن خَلْقًا وخُلْقًا، وقرانه جميع الفضائل الدينية والدنيوية فيه نسقًا . اعلم أيها المحب لهذا النبي الكريم الباحث عن تفاصيل جميل قدره العظيم، أن خصال الجمال والكمال في البشر نوعان: ضروري دنيوي اقتضته الجبلة وضرورة الحياة الدنيا، ومكتسب ديني: وهو ما يحمد فاعله ويقرب إلى الله تعالى زلفى، ثم هي على فنين أيضًا منها ما يتخلص لأحد الوصفين ومنها ما يتمازج ويتداخل. فأما الضروري المحض في ليس للمرء فيه اختيار ولا اكتساب، مثل ما كان في حملته

стр. 4822

من كمال خلقته، وجمال صورته، وقوة عقله، وصحة فهمه، وفصاحة لسانه، وقوة حواسه، وأعضائه، واعتدال حركاته، وشرف نسبه، وعزة قومه، وكرم أرضه، ويلحق به ما تدعوه ضرورة حياته إليه من غذائه، ونومه، وملبسه، ومسكنه، ومنكحه، وماله، وجاهه، وقد تلحق هذه الخصال الآخرة بالأخروية إذا قصد بها التقوى ومعونة البدن على سلوك طريقها، وكانت على حدود الضرورة وقواعد الشريعة. وأما المكتسبة الأخروية فسائر الأخلاق العلمية، والآداب الشرعية من الدين والعلم، والحلم، والصبر، والشكر، والعدل، والزهد، والتواضع، والعفو، والعفة والجود، والشجاعة، والحياء، والمروءة، والصمت، والتؤدة، والوقار، والرحمة، وحسن الأدب، والمعاشرة، وأخواتها، وهي التي جماعها: حسن الخلق. وقد يكون من هذه الأخلاق ما هو في الغريزة وأصل الجبلة لبعض الناس، وبعضهم لا تكون فيه فيكتسبها، ولكنه لا بد أن يكون فيه من أصولها في أصل الجبلة شعبة وتكون هذه الأخلاق دنيوية إذا لم يرد بها وجه الله، والدار الآخرة، ولكنها كلها محاسن وفضائل باتفاق أصحاب العقول السليمة، وإن اختلفوا في موجب حسنها وتفضيلها. وإذا كانت خصال الكمال والجلال ما ذكرناه، ورأينا الواحد منا يتشرف بواحدة منها أو اثنتين إن اتفقت له في كل عصر، إما من نسب أو جمال أو قوة أو علم أو حلم أو شجاعة أو سماحة، حتى يعظم قدره ويضرب باسمه الأمثال ويتقرر له بالوصف بذلك في القلوب أثرة وعظمة وهو منذ عصور خوال رمم بوال، في ظنك بعظيم قدر من اجتمعت فيه كل هذه الخصال إلى ما لا يأخذه عد ولا يعبر عنه مقال، ولا ينال بكسب ولا حيل إلا بتخصيص الكبير المتعال، من فضيلة النبوة، والرسالة، والخلة، والمحبة، والاصطفاء، والإسراء، والرؤية، والقرب، والوحي، والشفاعة، والوسيلة، والفضيلة، والدرجة الرفيعة، والمقام المحمود، والبراق، والمعراج، والبعث إلى الأحمر والأسود، والصلاة بالأنبياء، والشهادة بين الأنبياء، والأمم، وسيادة ولد آدم، ولواء الحمد، والبشارة، والنذارة، والمكانة عند ذي العرش، والطاعة، والأمانة، والهداية، ورحمة

стр. 4823

للعالمين، وإعطاء الرضي، والسؤل، والكوثر، وسماع القول، وإتمام النعمة، والعفو عما تقدم وما تأخر، وشرح الصدر، ووضع الإصر، ورفع الذكر، وعزة النصر، ونزول السكينة، والتأييد بالملائكة، وإيتاء الكتاب، والحكمة، والسبع المثاني، والقرآن العظيم، وتزكية الأمة، والدعاء إلى الله، وصلاة الله تعالى، والملائكة، والحكم بين الناس بما أراه الله، والأغلال عنهم، والقسم باسمه، وإجابة دعوته، وتكليم الجمادات، والعجم، وإحياء الموتى، وإسماع الصم، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير القليل، وانشقاق القمر، ورد الشمس، وقلب الأعيان، والنصر بالرعب، والاطلاع على الغيب، وظل الغمام، وتسبيح الحصى، وإبراء الآلام، والعصمة من الناس إلى ما لا يحويه محتفل ولا يحيط بعلمه إلا ما نحه ذلك، ومفضله به لا إله غيره إلى ما أعد له في الدار الآخرة من منازل الكرامة، ودرجات القدس، ومراتب السعادة، والحسنى، والزيادة التي تقف دونها العقول ويحار دون إدراكها الوهم. إن قلت أكرمك الله لا خفاء على القطع بالجملة أنه ﷺ أعلى الناس قدرًا وأعظمهم محلًا وأكملهم محاسن وفضلًا، وقد ذهبت في تفاصيل خصال الكمال مذهبًا جميلًا شوقني إلى أن أقف عليها من أوصافه ﷺ تفصيلًا، فاعلم - نور الله قلبي وقلبك وضاعف في هذا النبي الكريم حبي وحبك - أنك إذا نظرت إلى خصال الكمال التي هي غير مكتسبة، وفى جبلة الخلقة وجدته ﷺ حائزًا لجميعها محيطًا بشتات محاسنها دون خلاف بين نقلة الأخبار لذلك، بل قد بلغ بعضها مبلغ القطع، أما الصورة وجمالها تناسب أعضائه في حسنها فقد جاءت الآثار الصحيحة (١). الوجه الخامس: من خصائص النبي ﷺ نظافة جسمه وطيب ريحه وعرقه ونزاهته عن الأقذار وعورات الجسد ﷺ -. فكان قد خصه الله تعالى في ذلك بخصائص لم توجد في غيره، ثم تممها بنظافة الشرع وخصال الفطرة العشر، فعن أنس ﵁ قال: ما شممت عنبًرا قط ولا مسكًا ولا شيئًا أطيب من ريح رسول الله ﷺ ، وعن جابر بن سمرة ﵁ أنه ﷺ مسح خده، قال: فوجدت ليده بردًا

стр. 4824

وريحًا كأنما أخرجها من جؤنة عطار - الجؤنة بضم الجيم وسكون الهمزة وقد تسهل - قال غيره مسها بطيب أم لم يمسها، يصافح المصافح، فيظل يومه يجد ريحها، ويضع يده على رأس الصبي، فيعرف من بين الصبيان بريحها عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﷺ قَالَ دَخَلَ عَلَيْنَا النبي ﷺ فَقَالَ عِنْدَنَا، فَعَرِقَ وَجَاءَتْ أمي بِقَارُورَةٍ فَجَعَلَتْ تَسْلُتُ الْعَرَقَ فِيهَا فَاسْتَيْقَظَ النبي ﷺ فَقَالَ: "يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا هَذَا الذي تَصْنَعِينَ". قَالَتْ هَذَا عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ في طِيبِنَا وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ (١). وعن جابر ﵁ قال: لم يكن النبي ﷺ يمر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيبه، وذكر إسحاق بن راهويه إن تلك كانت رائحته بلا طيب ﷺ ، وروى المزني والحربي عن جابر ﵁: أردفني النبي ﷺ خلفه فالتقمت خاتم النبوة بفمي، فكان ينم على مسكًا وشاهد هذا أنه ﷺ لم يكن منه شيء يكره ولا غير طيب، ومنه حديث علي ﵁ غسلت النبي ﷺ فذهبت انظر ما يكون من الميت فلم أجد شيئًا فقلت: طبت حيًّا وميتًا، قال: وسطعت منه ريح طيبة لم نجد مثلها قط، ومثله قال أبو بكر ﵁ حين قبَّل النبي ﷺ بعد موته: طبت حيًا وميتًا (٢). الوجه السادس: شق صدر النبي ﷺ وتطهير قلبه من حظ الشيطان . فعَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ الله أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَالِكٍ يَقُولُ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِرَسولِ الله ﷺ في مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَهْوَ نَائِمٌ فِي المُسْجِدِ الحرَامِ، فَقَالَ أَوَّلُهُمْ أَيُّهُمْ هُوَ، فَقَالَ: أَوْسَطُهُمْ هُوَ خَيْرُهُمْ. فَقَالَ آخِرُهُمْ خُذُوا خَيْرَهُمْ. فَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ، وَتَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ وَكَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتَّى احْتَمَلُوهُ فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلَّاهُ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ فَشَقَّ جِبْرِيلُ مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى لَبَّتِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرر وَجَوْفِهِ، فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ، حَتَّى أَنْقَى جَوْفَهُ، ثُمَّ أُتِىَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَوْرٌ مِنْ ذَهَبٍ، مَحْشُوًّا إِيمَانًا وَحِكْمَةً، فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ - يَعْنِى عُرُوقَ حَلْقِهِ - ثُمَّ أَطْبَقَهُ ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَضَرَبَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا، فَنَادَاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ: مَنْ هَذَا فَقَالَ جِبْرِيلُ. قَالُوا وَمَنْ

стр. 4825

مَعَكَ قَالَ مَعِي مُحَمَّدٌ. قَالَ وَقَدْ بُعِثَ قَالَ نَعَمْ. قَالُوا فَمَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلَا. فَيَسْتَبْشِرُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ، لَا يَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِمَا يُرِيدُ الله بِهِ فِي الأَرْضِ حَتَّى يُعْلِمَهُم" (١). وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ -وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَالَ هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ. ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ لأَمَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِى ظِئْرَهُ - فَقَالُوا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ. فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ. قَالَ أَنَسٌ وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ المخْيَطِ فِي صَدْرِهِ (٢). الوجه السابع: الرد على اليهود والنصارى بما عندهم من تمسح . وَإِذَا امْرَأَةٌ في المَدِينَةِ كَانَتْ خَاطِئَةً، إِذْ عَلِمَتْ أَنَّهُ مُتَّكِئٌ فِي بَيْتِ الْفَرِّيسِيِّ، جَاءَتْ بِقَارُورَةٍ طِيبٍ، وَوَقَفَتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ بَاكِيةً، وَابْتَدَأَتْ تَبُلُّ قَدَمَيْهِ بِالدُّمُوعِ، وَكَانَتْ تَمْسَحُهُما بِشَعْرِ رَأْسِهَا، وَتُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ وَتَدْهَنهمَا بِالطِّيبِ. فَلَمّا رَأَى الْفَرِّيسِيُّ الَّذِي دَعَاهُ ذلِكَ، تَكَلَّمَ فِي نَفْسِهِ قِائِلًا: "لَوْ كَانَ هذَا نَبِيًّا، لَعَلِمَ مَنْ هذِهِ الامَرْأَةُ الَّتِي تَلْمِسُهُ وَمَا هِيَ! إِنَّهَا خَاطِئةٌ". (لوقا ٧/ ٣٩: ٣٧). وفي سفر الخروج (٢٨/ ٤١: ٤٠): "وَلبَنِي هَارُونَ تَصْنَعُ أَقْمِصَةً، وَتَصْنَعُ لَهُمْ مَنَاطِقَ، وَتَصْنَعُ لَهُمْ قَلَانِسَ لِلْمَجْدِ وَالْبَهَاءِ. وَتُلْبِسُ هَارُونَ أَخَاكَ إِيَّاهَا وَبَنِيهِ مَعَهُ، وَتَمْسَحُهُمْ، وَتَمْلأُ أَيَادِيهِمْ، وَتُقَدِّسُهُمْ لِيَكْهَنُوا لِي. سفر الخروج (٤٠/ ١٥: ٩): وَتَأْخُذُ دُهْنَ المُسْحَةِ وَتَمَسَحُ المُسْكَنَ وَكُلَّ مَا فِيهِ، وَتُقَدِّسُهُ وَكُلَّ آنِيَتهِ ليَكُونَ مُقَدَّسًا. وَتمَسحُ مَذْبَحَ الْمَحْرَقَةِ وَكُل آنِيَتهِ، وَتُقَدِّسُ المذْبَحَ ليكونَ المذْبَحُ قُدْسَ أَقْدَاسٍ. وَتَمَسحُ المرْحَضَةَ وَقَاعِدَتَهَا وَتُقَدِّسُهَا. وَتُقَدِّمُ هَارُونَ وَبَنِيهِ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِماعِ وَتَغْسِلُهُمْ بِمَاءٍ. وَتُلْبِسُ هَارُونَ الثِّيَابَ الْمُقَدَّسَةَ وَتمَسحُهُ وَتُقَدِّسُهُ ليَكْهَنَ لِي. وَتُقَدِّمُ بَنِيهِ وَتُلْبِسُهُمْ أَقْمِصَةً. وَتُمَسَحُهُمْ كَمَا مَسَحْتَ أَبَاهُمْ ليَكْهَنُوا لِي. وَيَكُونُ ذلِكَ لِتَصِيرَ لَهُمْ مَسْحَتُهُمْ كَهَنُوتًا أَبَدِيًّا فِي أَجْيَالهِمْ. * * *

стр. 4826

٣٧ - شبهة: اتهام النبي ﷺ بمحاولة الانتحار . نص الشبهة: إن هذه الشبهة واحدة من الشبه التي يثيرها أعداء الإسلام وخاصة النصارى للنيل من شخصية النبي ﷺ وإظهارها أمام الناس أو المسلمين بصفة خاصة على أنَّها شخصية عادية بل أقلّ من العادية ويصورونه على أنه إنسان يائس من الحياة يقدم على مثل هذه المحاولة كي يتخلص من حياته. وللرد على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: جمع طرق الحديث الذي وردت فيه القصة والحكم على الحديث بما تقتضيه أصول الحديث ونقد الروايات الضعيفة. الوجه الثاني: الكلام على عصمة النبي ﷺ وحفظ الله له من الوقوع في مثل هذه المعصية. الوجه الثالث: هل الإنسان يؤاخذ على ما يجول في خاطره ويحاسب عليه حتى ولو لم يقدم على فعله؟ الوجه الرابع: ما هي عقوبة من يحاول الانتحار أو قتل نفسه في الشريعة الإسلامية؟ . الوجه الخامس: إثبات حدوث الانتحار في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: جمع طرق الحديث الذي وردت فيه القصة والحكم على الحديث بما تقتضيه أصول الحديث ونقد الروايات الطريق الأول للرواية: نص رواية البخاري التي وردت فيها القصة محل الشبهة وهي تعد أوفى موضع للقصة، وهي في كتابه (التعبير) من صحيح البخاري: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ح وحَدَّثَنِي عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَر قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵁ أَنَّهَا قَالَتْ أَوَّلُ مَا بدِئَ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصادِقَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤيا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ فَكَانَ يَأْتِي حِرَاءً فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَتُزَوِّدُهُ لمِثْلِهَا حَتَّى فَجِئَهُ الحْقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ،

стр. 4827

فَجَاءَهُ المَلَكُ فِيهِ، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجْهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم" (٥)﴾ فَرَجَعَ بِهَا تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ: "زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي" فزمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ يَا خَدِيجَةُ مَا لِي وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ وَقَالَ قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي فَقَالَتْ لَهُ كَلَّا أَبْشِرْ فَوَالله لَا يُخْزِيكَ الله أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الحْدِيثَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخُو أَبِيهَا وَكَانَ امْرَءًا تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ فَيَكْتُبُ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنْ الْإِنْجِيلِ مَا شَاءَ الله أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيْ ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ وَرَقَةُ: ابْنَ أَخِي مَاذَا ترَى؟ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ما رَأَى فَقَالَ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أنزِلَ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ "فَقَالَ وَرَقَةُ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ ﷺ فِيَما بَلَغَنَا حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ شَوَاهِقِ الجبَالِ فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ رَسُولُ الله حَقًّا فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ وَتَقِرُّ نَفْسُهُ فَيَرْجعُ فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا لمِثْلِ ذَلِكَ فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْو جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ (١).

стр. 4828

وإليك تفصيل الحكم على بلاغات الزهري: عن أحمد بن سنان الواسطي قال: كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئًا، ويقول: هو بمنزلة الريح، ويقول: هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء علقوه (١). وقال الحافظ العلائي: اختلف في مراسيل الزهري لكن الأكثر على تضعيفها، قال أحمد بن أبي شريح: سمعت الشافعي يقول: يقولون نحابي ولوحابينا أحدًا لحابينا الزهري وإرسال الزهري ليس بشيء ذلك أن نجده يروي عن سليمان بن أرقم، وقال أبو قدامة عبيد الله بن سعيد: سمعت يحيى بن سعيد يعني القطان يقول: مرسل الزهري شر من مرسل غيره؛ لأنه حافظ وكلما قدر أن يسمي سمي وإنما يترك من لا يستجيز أن يسميه، وروى عباس الدوري عن يحيى بن معين قال: مراسيل الزهري ليست بشيء، وقال يعقوب بن سفيان: سمعت جعفر بن عبد الواحد الهاشمي يقول لأحمد بن صالح - يعني المصري - قال يحيى بن سعيد: مرسل الزهري شبه لا شيء (٢). قال الذهبي: مراسيل الزهري كالمعضل؛ لأنه يكون قد سقط منه اثنان، ولا يسوغ أن نظن به أنه أسقط الصحابي فقط، ولو كان عنده عن صحابي لأوضحه، ولا عجز عن وصله، ولو أنه يقول: عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، ومن عَدَّ مرسل الزهري كمرسل

стр. 4829

سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ونحوهما، فإنه لم يَدْرِ ما يقول، نعم مرسله كمرسل قتادة ونحوه (١). فهذا هو قول العلماء في بلاغات الزهري ﵀. وهنا يبرز إشكال: طالما أن بلاغات الزهري واهية لا تصح كيف أخرج البخاري في صحيحه هذه الرواية بهذا اللفظ؟ . والرد على الإشكال من وجهين: الأول: بيان مكانة الإمام البخاري في العلل: قال أحمد بن يسار المروزي محمد بن إسماعيل طلب العلم وجالس الناس ورحل في الحديث ومهر فيه وأبصر وكان حسن المعرفة حسن الحفظ وكان يتفقه. وقال يوسف بن ريحان سمعت محمد بن إسماعيل يقول كان علي بن المديني يسألني عن شيوخ خراسان إلى أن قال: كل من أثنيت عليه فهو عندنا الرضى. وقال الفربري سمعت محمد بن إسماعيل يقول ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي وربما كنت أغرب عليه وقال إسحاق بن أحمد بن خلف البخاري حدثني حامد بن أحمد قال ذكر لعلي بن المديني قول محمد بن إسماعيل ما تصاغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني فقال ذروا قوله ما رأى مثل نفسه. قال عمرو بن علي: حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث، وقال أبو مصعب: محمد بن إسماعيل أفقه عندنا وأبصر من ابن حنبل. وقال ابن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ ولا أحفظ له من البخاري. وقال الترمذي: لم أر في معنى العلل والرجال أعلم من محمد بن إسماعيل. وقال حاشد بن عبد الله: رأيت محمد بن رافع وعمرو بن زرارة عند محمد بن إسماعيل يسألانه عن علل الحديث فلما قاما قالا لمن حضر: لا تخدعوا عن أبي عبد الله فإنه أفقه منا وأعلم وأبصر.

стр. 4830

قال العقيلي: لما ألف البخاري كتابه الصحيح عرضه علي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهم فامتحنوه وكلهم قال: كتابك صحيح إلا أربعة أحاديث، قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري وهي صحيحة (١). الثاني: توجيه إخراج البخاري للمعلق والبلاغ في كتابه: وقد بيّن ذلك ابن حجر في الفصل الرابع من هدي الساري وهو مقدمة فتح الباري، فقال: الفصل الرابع، في بيان السبب في إيراده للأحاديث المعلقة (مرفوعة وموقوفة)، وشرح أحكام ذلك. والمراد بالتعليق ما حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر، ولو إلى آخر الإسناد وتارة يجزم به كقول وتارة لا يجزم به كيذكر، فأما المعلق من المرفوعات فعلى قسمين: أحدهما: ما يوجد في موضع آخر من كتابه هذا موصولًا، وثانيهما: ما لا يوجد فيه إلا معلقًا، فالأول قد بينا السبب فيه في الفصل الذي قبل هذا وأنه يورده معلقًا حيث يضيق مخرج الحديث، إذ من قاعدته أنه لا يكرر إلا لفائدة، فمتى ضاق المخرج واشتمل المتن على أحكام فاحتاج إلى تكريره، فإنه يتصرف في الإسناد بالاختصار خشية التطويل، والثاني وهو ما لا يوجد فيه إلا معلقًا، فإنه على صورتين، إما أن يورده بصيغة الجزم، وإما أن يورده بصيغة التمريض، فالصيغة الأولى يستفاد منها الصحة إلى من علق عنه لكن يبقى النظر فيمن أبرز من رجال ذلك الحديث، فمنه ما يلتحق بشرطه، ومنه ما لا يلتحق، أما ما يلتحق فالسبب في كونه لم يوصل إسناده إما لكونه أخرج ما يقوم مقامه فاستغنى عن إيراد هذا مستوفى السياق ولم يهمله، بل أورده بصيغة التعليق طلبًا للاختصار، وإما لكونه لم يحصل عنده مسموعًا، أو سمعه وشك في سماعه له من شيخه، أو سمعه من شيخه مذاكرة، في رأى أنه يسوقه مساق الأصل، وغالب هذا فيما أورده عن مشايخه فمن ذلك أنه قال في كتاب الوكالة: قال عثمان بن الهيثم حدثنا عوف حدثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال:

стр. 4831

وكلني رسول الله ﷺ بزكاة رمضان ... الحديث بطوله، وأورده في مواضع أخرى منها في فضائل القرآن وفي ذكر إبليس ولم يقل في موضع منها حدثنا عثمان، فالظاهر أنه لم يسمعه منه، وقد استعمل المصنف هذه الصيغة فيما لم يسمعه من مشايخه في عدة أحاديث، فيوردها عنهم بصيغة قال فلان ثم يوردها في موضع آخر بواسطة بينه وبينهم وسيأتي لذلك أمثلة كثيرة في مواضعها، فقال في التاريخ: قال إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف فذكر حديثًا، ثم قال: حدثوني بهذا عن إبراهيم، ولكن ليس ذلك مطردًا في كل ما أورده بهذه الصيغة، لكن مع هذا الاحتمال لا يحمل حمل جميع ما أورده بهذه الصيغة على أنه سمع ذلك من شيوخه، ولا يلزم من ذلك أن يكون مدلا عنهم، فقد صرح الخطيب وغيره بأن لفظ (قال) لا يحمل على السماع إلا ممن عرف من عادته أنه لا يطلق ذلك إلا فيما سمع، فاقتضى ذلك أن من لم يعرف ذلك من عادته كان الأمر فيه على الاحتمال. وأما ما لا يلتحق بشرطه فقد يكون صحيحًا على شرط غيره وقد يكون حسنًا صالحًا للحجة، وقد يكون ضعيفًا لا من جهة قدح في رجاله، بل من جهة انقطاع يسير في إسناده، قال الإسماعيلي: قد يصنع البخاري ذلك، إما لأنه سمعه من ذلك الشيخ بواسطة من يثق به عنه وهو معروف مشهور عن ذلك الشيخ، أو لأنه سمعه ممن ليس من شرط الكتاب، فنبه على ذلك الحديث بتسمية من حدث به لأعلى جهة التحديث به عنه. قلت: والسبب فيه أنه أراد أن لا يسوقه مساق الأصل. والصيغة الثانية وهي صيغة التمريض لا تستفاد منها الصحة إلا من علق عنه لكن فيه ما هو صحيح وفيه ما ليس بصحيح على ما سنبينه فأما ما هو صحيح فلم نجد فيه ما هو على شرطه إلا مواضع يسيره جدًّا ووجدناه لا يستعمل ذلك إلا حيث يورد ذلك الحديث المعلق بالمعنى كقوله في الطب ويذكر عن بن عباس عن النبي ﷺ في الرقي بفاتحة الكتاب فإنه أسنده في موضع آخر من طريق عبيد الله بن الأخنس عن بن أبي مليكة عن ابن عباس ﵄ أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ مروا بحي فيهم لديغ فذكر الحديث في رقيتهم للرجل بفاتحة الكتاب وفيه

стр. 4832

قول النبي ﷺ لما أخبروه بذلك: "أن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله"، فهذا كما ترى لما أورده بالمعنى لم يجزم به، إذ ليس في الموصول أنه ﷺ ذكر الرقية بفاتحة الكتاب، إنما فيه أنه لم ينههم عن فعلهم، فاستفيد ذلك من تقريره وأما مال لم يورده في موضع آخر مما أورده بهذه الصيغة، فمنه ما هو صحيح، إلا أنه ليس على شرطه، ومنه ما هو حسن، ومنه ما هو ضعيف فرد، إلا أن العمل على موافقته، ومنه ما هو ضعيف فرد لا جابر له. ومثال الرابع وهو الضعيف الذي لا عاضد له وهو في الكتاب قليل جدًّا وحيث يقع ذلك فيه يتعقبه المصنف بالتضعيف بخلاف ما قبله فمن أمثلته قوله في كتاب الصلاة ويذكر عن أبي هريرة رفعه لا يتطوع الإمام في مكانه ولم يصح فيه فهذا حكم جميع ما في الكتاب من التعاليق المرفوعة بصيغتي الجزم والتمريض وهاتان الصيغتان قد نقل النووي إتفاق محققي المحدثين وغيرهم على اعتبارهما وأنه لا ينبغي الجزم بشيء ضعيف لأنَّها صيغة تقتضي صحته عن المضاف إليه فلا ينبغي أن تطلق إلا فيما صح قال وقد أهمل ذلك كثير من المصنفين من الفقهاء وغيرهم واشتد إنكار البيهقي على ما خالف ذلك وهو تساهل قبيح جدًّا من فاعله إذ يقول في الصحيح يذكر ويروي وفي الضعيف قال وروى وهذا قلب للمعاني وحيد عن الصواب قال وقد اعتنى البخاري ﵀ باعتبار هاتين الصيغتين وإعطائهما حكمهما في صحيحه فيقول في الترجمة الواحدة بعض كلامه بتمريض وبعضه يجزم مراعيًا ما ذكرنا وهذا مشعر بتحريه وورعه وعلى هذا فيحمل قوله ما أدخلت في الجامع إلا ما صح أي مما سقت إسناده والله تعالى أعلم انتهى كلامه وقد تبين مما فصلنا به أقسام تعاليقه أنه لا يفتقر إلى هذا الحمل وأن جميع ما فيه صحيح باعتبار أنه كله مقبول ليس فيه ما يرد مطلقًا إلا النادر فهذا حكم المرفوعات وأما الموقوفات فإنه يجزم منها بما صح عنده ولو لم يكن على شرطه ولا يجزم بما كان في إسناده ضعف أو انقطاع إلا حيث يكون منجبرًا أما بمجيئه من وجه آخر هاما بشهرته عمن قاله وإنما يورد ما يورد من الموقوفات من فتاوى الصحابة والتابعين ومن تفاسيرهم لكثير من الآياتِ على طريق الاستئناس والتقوية لما يختاره من المذاهب في المسائل التي فيها

стр. 4833

الخلاف بين الأئمة فحينئذ ينبغي أن يقال جميع ما يورد فيه إما أن يكون مما ترجم به أو مما ترجم له فالمقصود من هذا التصنيف بالذات هو الأحاديث الصحيحة المسندة وهي التي ترجم لها والمذكور بالعرض والتبع الآثار الموقوفة والأحاديث المعلقة نعم والآيات المكرمة فجميع ذلك مترجم به إلا أخها إذا اعتبرت بعضها مع بعض واعتبرت أيضًا بالنسبة إلى الحديث يكون بعضها مع بعض منها مفسر ومنها مفسر فيكون بعضها كالمترجم له باعتبار ولكن المقصود بالذات هو الأصل فافهم هذا فإنه نحلص حسن يندفع به اعتراض كثير عما أورده المؤلف من هذا القبيل، والله الموفق. وبعد هذا البيان نقول إن الإمام البخاري رحمه الله تعالى وهو أمير المؤمنين في الحديث كان إمامًا في العلل ولا يتصور أبدًا أن مثل هذه العلة تخفى عليه ودليل ذلك أنه روى الحديث في صحيحه في ستة مواضع من صحيحه كلها عن الزهري بدون هذه اللفظة، ولم يروى هذه اللفظة إلا في موضع واحد من صحيحه في كتاب التعبير (١) بلاغًا كما أشرنا في مقدمة الكلام، فهذا إن دل يدل أن البخاري إنما أوردها لبيان علتها كعادته في كثير من المواضع في صحيحه، وإليك نص كلام الحافظ ابن حجر ﵀ على هذه اللفظة: وقوله هنا: "فترة حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا "هَذَا وَمَا بَعْده مِنْ زِيَادَة مَعْمَر عَلَى رِوَايَة عُقَيْل ويُونُس. (وأقول أنا أن هذه المقالة وقعت في كل من رواية عقيل مقرونًا مع معمر في رواية البخاري السابقة ووقعت في مسند أبي عوانة في رواية يونس بن يزيد (١/ ١٠٢/ ١٠٣) ووقعت كذلك عند ابن منده عن كليهما عن عقيل (٢/ ٦٧٣: ٦٧٢)، وعن يونس (٢/ ٦٦٨) وكذلك الدولابي في الذرية الطاهرة (١/ ٢٦) عن يونس). يقول الحافظ ابن حجر: وصنيع المؤلف يوهم أنه دخل في رواية عقيل، وقد جرى على ذلك الحميدي في جمعه فساق الحديث إلى قوله "وفتر الوحي فترة حتى حزن" فساقه إلى آخره، والذي عندي - أي الحافظ - أن هذه الزيادة خاصة برواية معمر فقد أخرج

стр. 4834

طريق عقيل أبو نعيم في مستخرجه من طريق أبي زرعة الرازي عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه في أول الكتاب بدونها، وأخرجه مقرونًا هنا برواية معمر وبين أن اللفظ لمعمر وكذلك صرح الإسماعيلي أن الزيادة في رواية معمر، وأخرجه البخاري ومسلم والإسماعيلي وغيرهم وأبو نعيم أيضًا من طريق جمع من أصحاب الليث عن الليث بدونها، ثم إن القائل فيما بلغنا هو الزهري، ومعنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله ﷺ في هذه القصة وهو من بلاغات الزهري وليس موصولًا، وقال الكرماني: هذا هو الظاهر ويحتمل أن يكون بلغه الإسناد المذكور، ووقع عند ابن مردويه في التفسير من طريق محمد بن كثير عن معمر بإسقاط قوله: "فيما بلغنا" ولفظة: "فترة حزن النبي ﷺ منها حزنًا غدا منه" إلى آخره فصار كله مدرجا على رواية الزهري وعن عروة عن عائشة، والأول هو المعتمد. فليس الاقتصار على رواية معمر فقط في إيراد القصة ولكنها وقعت في رواية يونس وعقيل كما أشرنا. وقوله: "مكث أيامًا بعد مجيء الوحي لا يرى جبريل فحزن حزنًا شديدًا حتى كاد يغدو إلى ثبير مرّة وإلى حراء أخرى يريد أن يلقي نفسه فبينا هو كذلك عامدا لبعض تلك الجبال إذ سمع صوتًا فوقف فزعًا ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض متربعًا يقول يا محمد أنت رسول الله حقًّا وأنا جبريل، فانصرف وقد أقر الله عينه وانبسط جأشه ثم تتابع الوحي "فيستفاد من هذه الرواية تسمية بعض الجبال التي أبهمت في رواية الزهري وتقليل مدة الفترة والله أعلم، وقد تقدم في تفسير سورة الضحى شيء يتعلق بفترة الوحي. نص الرواية الثانية في قصة فتور الوحي: قال ابن سعد في طبقاته (١/ ١٩٦): أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن أبي موسى عن داود بن الحصين عن أبي غطفان بن طريف عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما نزل عليه الوحي بحراء مكث أيامًا لا يرى جبريل، فحزن حزنًا شديدًا

стр. 4835

حتى كان يغدو إلى ثبير مرّة وإلى حراء مرّة يريد أن يلقي نفسه منه، فبينا رسول الله ﷺ كذلك عامدًا لبعض تلك الجبال إلى أن سمع صوتًا من السماء، فوقف رسول الله ﷺ صعقًا للصوت ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض متربعًا عليه يقول: يا محمد أنت رسول الله حقًّا وأنا جبريل، قال: فانصرف رسول الله ﷺ وقد أقر الله عينه وربط جأشه، ثم تتابع الوحي بعد وحمي. بيان ضعف الرواية: أولًا: فيها الواقدي وهو كذاب متروك الحديث ومعلوم أن الحديث إذا كان في سنده كذاب أو متروك لا يحتج به لا في الأصول ولا في الشواهد والمتابعات. قال البخاري: الواقدي مدني سكن بغداد متروك الحديث تركه أحمد وابن المبارك وابن نمير وإسماعيل بن زكريا وقال في موضع آخر كذبه أحمد وقال معاوية بن صالح قال لي أحمد بن حنبل: الواقدي كذاب، وقال لي يحيى بن معين ضعيف وقال مرّة ليس بشيء وقال مرّة كان يقلب حديث يونس يغيره عن معمر ليس بثقة وقال مرّة ليس بشيء قال ابن المديني الهيثم بن عدي أوثق عندي من الواقدي ولا أرضاه في الحديث (١). وأحيلك على ترجمة مفصلة للواقدي في بحث أجري على شبهة عن نسب النبي ﷺ . ٢ - إبراهيم بن محمد بن أبي موسى، قال الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة (٢)، قال لم أعرفه، ثم قال ولكني أظن أن جده (أبا موسى) محرف من (أبي يحيى) فإن كان كذلك فهو معروف ولكن بالكذب، وهو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي أبو إسحاق المدني، كذبه جماعة، قال الحافظ في التقريب: متروك (٣). قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب (٤) على وجه الإجمال:
следующие страницы →