وكلني رسول الله ﷺ بزكاة رمضان ... الحديث بطوله، وأورده في مواضع أخرى منها في فضائل القرآن وفي ذكر إبليس ولم يقل في موضع منها حدثنا عثمان، فالظاهر أنه لم يسمعه منه، وقد استعمل المصنف هذه الصيغة فيما لم يسمعه من مشايخه في عدة أحاديث، فيوردها عنهم بصيغة قال فلان ثم يوردها في موضع آخر بواسطة بينه وبينهم وسيأتي لذلك أمثلة كثيرة في مواضعها، فقال في التاريخ: قال إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف فذكر حديثًا، ثم قال: حدثوني بهذا عن إبراهيم، ولكن ليس ذلك مطردًا في كل ما أورده بهذه الصيغة، لكن مع هذا الاحتمال لا يحمل حمل جميع ما أورده بهذه الصيغة على أنه سمع ذلك من شيوخه، ولا يلزم من ذلك أن يكون مدلا عنهم، فقد صرح الخطيب وغيره بأن لفظ (قال) لا يحمل على السماع إلا ممن عرف من عادته أنه لا يطلق ذلك إلا فيما سمع، فاقتضى ذلك أن من لم يعرف ذلك من عادته كان الأمر فيه على الاحتمال.
وأما ما لا يلتحق بشرطه فقد يكون صحيحًا على شرط غيره وقد يكون حسنًا صالحًا للحجة، وقد يكون ضعيفًا لا من جهة قدح في رجاله، بل من جهة انقطاع يسير في إسناده، قال الإسماعيلي: قد يصنع البخاري ذلك، إما لأنه سمعه من ذلك الشيخ بواسطة من يثق به عنه وهو معروف مشهور عن ذلك الشيخ، أو لأنه سمعه ممن ليس من شرط الكتاب، فنبه على ذلك الحديث بتسمية من حدث به لأعلى جهة التحديث به عنه.
قلت: والسبب فيه أنه أراد أن لا يسوقه مساق الأصل.
والصيغة الثانية وهي صيغة التمريض لا تستفاد منها الصحة إلا من علق عنه لكن فيه ما هو صحيح وفيه ما ليس بصحيح على ما سنبينه فأما ما هو صحيح فلم نجد فيه ما هو على شرطه إلا مواضع يسيره جدًّا ووجدناه لا يستعمل ذلك إلا حيث يورد ذلك الحديث المعلق بالمعنى كقوله في الطب ويذكر عن بن عباس عن النبي ﷺ في الرقي بفاتحة الكتاب فإنه أسنده في موضع آخر من طريق عبيد الله بن الأخنس عن بن أبي مليكة عن ابن عباس ﵄ أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ مروا بحي فيهم لديغ فذكر الحديث في رقيتهم للرجل بفاتحة الكتاب وفيه
стр. 4832
قول النبي ﷺ لما أخبروه بذلك: "أن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله"، فهذا كما ترى لما أورده بالمعنى لم يجزم به، إذ ليس في الموصول أنه ﷺ ذكر الرقية بفاتحة الكتاب، إنما فيه أنه لم ينههم عن فعلهم، فاستفيد ذلك من تقريره وأما مال لم يورده في موضع آخر مما أورده بهذه الصيغة، فمنه ما هو صحيح، إلا أنه ليس على شرطه، ومنه ما هو حسن، ومنه ما هو ضعيف فرد، إلا أن العمل على موافقته، ومنه ما هو ضعيف فرد لا جابر له.
ومثال الرابع وهو الضعيف الذي لا عاضد له وهو في الكتاب قليل جدًّا وحيث يقع ذلك فيه يتعقبه المصنف بالتضعيف بخلاف ما قبله فمن أمثلته قوله في كتاب الصلاة ويذكر عن أبي هريرة رفعه لا يتطوع الإمام في مكانه ولم يصح فيه فهذا حكم جميع ما في الكتاب من التعاليق المرفوعة بصيغتي الجزم والتمريض وهاتان الصيغتان قد نقل النووي إتفاق محققي المحدثين وغيرهم على اعتبارهما وأنه لا ينبغي الجزم بشيء ضعيف لأنَّها صيغة تقتضي صحته عن المضاف إليه فلا ينبغي أن تطلق إلا فيما صح قال وقد أهمل ذلك كثير من المصنفين من الفقهاء وغيرهم واشتد إنكار البيهقي على ما خالف ذلك وهو تساهل قبيح جدًّا من فاعله إذ يقول في الصحيح يذكر ويروي وفي الضعيف قال وروى وهذا قلب للمعاني وحيد عن الصواب قال وقد اعتنى البخاري ﵀ باعتبار هاتين الصيغتين وإعطائهما حكمهما في صحيحه فيقول في الترجمة الواحدة بعض كلامه بتمريض وبعضه يجزم مراعيًا ما ذكرنا وهذا مشعر بتحريه وورعه وعلى هذا فيحمل قوله ما أدخلت في الجامع إلا ما صح أي مما سقت إسناده والله تعالى أعلم انتهى كلامه وقد تبين مما فصلنا به أقسام تعاليقه أنه لا يفتقر إلى هذا الحمل وأن جميع ما فيه صحيح باعتبار أنه كله مقبول ليس فيه ما يرد مطلقًا إلا النادر فهذا حكم المرفوعات وأما الموقوفات فإنه يجزم منها بما صح عنده ولو لم يكن على شرطه ولا يجزم بما كان في إسناده ضعف أو انقطاع إلا حيث يكون منجبرًا أما بمجيئه من وجه آخر هاما بشهرته عمن قاله وإنما يورد ما يورد من الموقوفات من فتاوى الصحابة والتابعين ومن تفاسيرهم لكثير من الآياتِ على طريق الاستئناس والتقوية لما يختاره من المذاهب في المسائل التي فيها
стр. 4833
الخلاف بين الأئمة فحينئذ ينبغي أن يقال جميع ما يورد فيه إما أن يكون مما ترجم به أو مما ترجم له فالمقصود من هذا التصنيف بالذات هو الأحاديث الصحيحة المسندة وهي التي ترجم لها والمذكور بالعرض والتبع الآثار الموقوفة والأحاديث المعلقة نعم والآيات المكرمة فجميع ذلك مترجم به إلا أخها إذا اعتبرت بعضها مع بعض واعتبرت أيضًا بالنسبة إلى الحديث يكون بعضها مع بعض منها مفسر ومنها مفسر فيكون بعضها كالمترجم له باعتبار ولكن المقصود بالذات هو الأصل فافهم هذا فإنه نحلص حسن يندفع به اعتراض كثير عما أورده المؤلف من هذا القبيل، والله الموفق.
وبعد هذا البيان نقول إن الإمام البخاري رحمه الله تعالى وهو أمير المؤمنين في الحديث كان إمامًا في العلل ولا يتصور أبدًا أن مثل هذه العلة تخفى عليه ودليل ذلك أنه روى الحديث في صحيحه في ستة مواضع من صحيحه كلها عن الزهري بدون هذه اللفظة، ولم يروى هذه اللفظة إلا في موضع واحد من صحيحه في كتاب التعبير (١) بلاغًا كما أشرنا في مقدمة الكلام، فهذا إن دل يدل أن البخاري إنما أوردها لبيان علتها كعادته في كثير من المواضع في صحيحه، وإليك نص كلام الحافظ ابن حجر ﵀ على هذه اللفظة:
وقوله هنا: "فترة حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا "هَذَا وَمَا بَعْده مِنْ زِيَادَة مَعْمَر عَلَى رِوَايَة عُقَيْل ويُونُس. (وأقول أنا أن هذه المقالة وقعت في كل من رواية عقيل مقرونًا مع معمر في رواية البخاري السابقة ووقعت في مسند أبي عوانة في رواية يونس بن يزيد (١/ ١٠٢/ ١٠٣) ووقعت كذلك عند ابن منده عن كليهما عن عقيل (٢/ ٦٧٣: ٦٧٢)، وعن يونس (٢/ ٦٦٨) وكذلك الدولابي في الذرية الطاهرة (١/ ٢٦) عن يونس).
يقول الحافظ ابن حجر: وصنيع المؤلف يوهم أنه دخل في رواية عقيل، وقد جرى على ذلك الحميدي في جمعه فساق الحديث إلى قوله "وفتر الوحي فترة حتى حزن" فساقه إلى آخره، والذي عندي - أي الحافظ - أن هذه الزيادة خاصة برواية معمر فقد أخرج
стр. 4834
طريق عقيل أبو نعيم في مستخرجه من طريق أبي زرعة الرازي عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه في أول الكتاب بدونها، وأخرجه مقرونًا هنا برواية معمر وبين أن اللفظ لمعمر وكذلك صرح الإسماعيلي أن الزيادة في رواية معمر، وأخرجه البخاري ومسلم والإسماعيلي وغيرهم وأبو نعيم أيضًا من طريق جمع من أصحاب الليث عن الليث بدونها، ثم إن القائل فيما بلغنا هو الزهري، ومعنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله ﷺ في هذه القصة وهو من بلاغات الزهري وليس موصولًا، وقال الكرماني: هذا هو الظاهر ويحتمل أن يكون بلغه الإسناد المذكور، ووقع عند ابن مردويه في التفسير من طريق محمد بن كثير عن معمر بإسقاط قوله: "فيما بلغنا" ولفظة: "فترة حزن النبي ﷺ منها حزنًا غدا منه" إلى آخره فصار كله مدرجا على رواية الزهري وعن عروة عن عائشة، والأول هو المعتمد.
فليس الاقتصار على رواية معمر فقط في إيراد القصة ولكنها وقعت في رواية يونس وعقيل كما أشرنا.
وقوله: "مكث أيامًا بعد مجيء الوحي لا يرى جبريل فحزن حزنًا شديدًا حتى كاد يغدو إلى ثبير مرّة وإلى حراء أخرى يريد أن يلقي نفسه فبينا هو كذلك عامدا لبعض تلك الجبال إذ سمع صوتًا فوقف فزعًا ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض متربعًا يقول يا محمد أنت رسول الله حقًّا وأنا جبريل، فانصرف وقد أقر الله عينه وانبسط جأشه ثم تتابع الوحي "فيستفاد من هذه الرواية تسمية بعض الجبال التي أبهمت في رواية الزهري وتقليل مدة الفترة والله أعلم، وقد تقدم في تفسير سورة الضحى شيء يتعلق بفترة الوحي.
نص الرواية الثانية في قصة فتور الوحي:
قال ابن سعد في طبقاته (١/ ١٩٦): أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن أبي موسى عن داود بن الحصين عن أبي غطفان بن طريف عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لما نزل عليه الوحي بحراء مكث أيامًا لا يرى جبريل، فحزن حزنًا شديدًا
стр. 4835
حتى كان يغدو إلى ثبير مرّة وإلى حراء مرّة يريد أن يلقي نفسه منه، فبينا رسول الله ﷺ كذلك عامدًا لبعض تلك الجبال إلى أن سمع صوتًا من السماء، فوقف رسول الله ﷺ صعقًا للصوت ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض متربعًا عليه يقول: يا محمد أنت رسول الله حقًّا وأنا جبريل، قال: فانصرف رسول الله ﷺ وقد أقر الله عينه وربط جأشه، ثم تتابع الوحي بعد وحمي.
بيان ضعف الرواية:
أولًا: فيها الواقدي وهو كذاب متروك الحديث ومعلوم أن الحديث إذا كان في سنده كذاب أو متروك لا يحتج به لا في الأصول ولا في الشواهد والمتابعات.
قال البخاري: الواقدي مدني سكن بغداد متروك الحديث تركه أحمد وابن المبارك وابن نمير وإسماعيل بن زكريا وقال في موضع آخر كذبه أحمد وقال معاوية بن صالح قال لي أحمد بن حنبل: الواقدي كذاب، وقال لي يحيى بن معين ضعيف وقال مرّة ليس بشيء وقال مرّة كان يقلب حديث يونس يغيره عن معمر ليس بثقة وقال مرّة ليس بشيء قال ابن المديني الهيثم بن عدي أوثق عندي من الواقدي ولا أرضاه في الحديث (١).
وأحيلك على ترجمة مفصلة للواقدي في بحث أجري على شبهة عن نسب النبي ﷺ .
٢ - إبراهيم بن محمد بن أبي موسى، قال الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة (٢)، قال لم أعرفه، ثم قال ولكني أظن أن جده (أبا موسى) محرف من (أبي يحيى) فإن كان كذلك فهو معروف ولكن بالكذب، وهو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي أبو إسحاق المدني، كذبه جماعة، قال الحافظ في التقريب: متروك (٣).
قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب (٤) على وجه الإجمال:
стр. 4836
قال يحيى بن سعيد القطان: سألت مالكًا عنه أكان ثقة؟ قال: لا، ولا ثقة في دينه.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان قدريًا معتزليًا جهميًا كل بلاء فيه، وقال أبو طالب عن أحمد: لا يكتب حديثه ترك الناس حديثه، كان يروي أحاديث منكرة لا أصل لها، وكان يأخذ أحاديث الناس يضعها في كتبه.
قال بشر بن المفضل: سألت فقهاء أهل المدينة عنه فكلهم يقولون: كذاب، وقال ابن المديني عن يحيى القطان: كذاب.
قال البخاري: جهمي تركه ابن المبارك والناس، كان يرى القدر، وقال عباس عن ابن معين: ليس بثقة.
قال الجوزجاني: غير مقنع ولا حجة، فيه ضروب من البدع.
قال النسائي: متروك الحديث، وقال في موضوع آخر: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه.
قال الربيع: سمعت الشافعي يقول كان قدريًا، وقال الدارقطني: متروك، وقال ابن حبان: كان يرى القدر.
قال أبو زرعة: ليس بشيء، وقال العجلي: كان قدريًا معتزليًا، رافضيًا.
فهل بعد هذان الكاذبان في هذه الرواية يمكن أن تقوم بها قائمة أو أن يستدل بها في إثارة هذه الشبهة.
نص الرواية الثالثة التي رواها الطبري في تاريخه وقد روى الطبري هذه القصة في ثلاثة مواضع من تاريخه متتالية وبأسانيد مختلفة وفي بعض ألفاظها تغاير وقد قسمتها إلى ثلاث روايات هي كالاتي: -
قال الطبري ﵀ (١) وقد روى الحديث وفيه قصة طويلة: -
حدثنا بن حميد قال حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي
стр. 4837
حدثنا يا عبيد كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من النبوة حين جاء جبريل ﵇، فقال عبيد وأنا حاضر يحدث عبد الله بن الزبير ومن عنده من الناس كان رسول الله ﷺ يجاور في حراء من كل سنة شهرًا وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية والتحنث التبرر، وقال أبو طالب: وَرَاقٍ لَيْرقى في حِرَاءٍ وَنَازِل فكان رسول الله ﷺ يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاء من المساكين فإذا قضى رسول الله ﷺ جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعًا أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله فيه ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه فيها، وذلك في شهر رمضان خرج رسول الله ﷺ إلى حراء كما كان يخرج لجواره معه أهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها جاءه جبريل بأمر الله، فقال رسول الله ﷺ : فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ؟ ، فقلت: ما أقرأ، فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ؟ فقلت: ماذا أقرأ؟ ، وما أقول ذلك إلا افتدًاء منه أن يعود إلى بمثل ما صنع بي، قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ إلى قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾، قال: فقرأته قال ثم انتهى ثم انصرف عني وهببت من نومي وكأنما كتب في قلبي كتابًا.
قال ولم يكن من خلق الله أحد أبغض إلى من شاعر أو مجنون كنت لا أطيق أن أنظر إليهما قال قلت إن الأبعد يعنى نفسه لشاعر أو مجنون لا تحدث بها عني قريش أبدًا! لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن قال فخرجت أريد ذلك حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتًا من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل قال: فرفعت رأسي إلى السماء فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل قال فوقفت انظر إليه وشغلني ذلك عما أردت في أتقدم وما أتأخر وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا انظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك في زلت واقفًا ما أتقدم أمامي ولا أرجع ورائي حتى بعثت
стр. 4838
خديجة رسلها في طلبي حتى بلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ثم انصرف عنى وانصرفت راجعًا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا فقالت يا أبا القاسم أين كنت فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إلى قال قلت لها أن الأبعد لشاعر أو مجنون فقالت أعيذك بالله من ذلك يا أبا القاسم ما كان الله ليصنع ذلك بك ما أعلم منك من صدق حديثك وعظم أمانتك وحسن خلقك وصلة رحمك وما ذاك يا ابن عم لعلك رأيت شيئًا قال فقلت لها نعم ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت أبشر يا ابن عم واثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد وهو ابن عمها وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل فأخبرته بما أخبرها به رسول الله ﷺ أنه رأى وسمع فقال ورقة قدوس قدوس والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر يعنى بالناموس جبريل ﵇ الذي كان يأتي موسى وإنه لنبي هذه الأمة فقولي له فليثبت فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بقول ورقة فسهل ذلك عليه بعض ما هو فيه من الهم فلما قضى رسول الله ﷺ جواره وانصرف صنع كما كان يصنع بدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة ابن نوفل وهو يطوف بالبيت فقال يا ابن أخي أخبرني بما رأيت أو سمعت فأخبره رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له ورقة والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء إلى موسى ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه ولئن أنا أدركت ذلك لأنصرن الله نصرًا يعلمه ثم أدنى رأسه فقبل يافوخه ثم انصرف رسولى الله ﷺ إلى منزله وقد زاده ذلك من قول ورقة ثباتا وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم.
وهذه الرواية إسنادها مسلسل بالعلل ومتنها منكر لا يصح وإليك البيان:
стр. 4839
أما السند ففيه ابن حميد وهو: محمد بن حميد بن حيان التميمي الحافظ، أبو عبد الله الرازي، وقال الحافظ: حافظ ضعيف وكان ابن معين حسن الرأي فيه (١).
قال أبو حاتم الرازي: سالني يحيى بن معين عن ابن حميد من قبل أن يظهر منه ما ظهر، فقال: أي شيء ينقمون منه؟ فقلت: يكون في كتابه شيء، فيقول: ليس هذا هكذا، فيأخذ القلم ويغيره، فقال: بئس هذه الخصلة قدم علينا بغداد فأخذنا منه كتاب يعقوب القمي ففرقنا الأوراق بيننا ومعنا أحمد فسمعناه ولم نر إلا خيرًا.
وقال يعقوب بن شيبة: محمد بن حميد كثير المناكير وقال البخاري: في حديثه نظر، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الجورجاني: رديء المذهب غير ثقة.
وقال فضلك الرازي: عندي عن ابن حميد خمسون أَلف حديث لا أحدث عنه بحرف وقال البيهقي: كان إمام الأئمة - يعنى: ابن خزيمة - لا يروى عنه.
وقال النسائي فيما ساله عنه حمزة الكناني: محمد بن حميد ليس بشيء، قال: فقلت له: البتة؟ ! قال: نعم، قلت: ما أخرجت له شيئًا؛ قال: لا، قال: وذكرته له يومًا، فقال: غرائب عندي عنه، وقال في موضع آخر: محمد بن حميد كذاب، وكذا قال ابن وارة.
وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالمقلوبات، وقال أبو علي النيسابورى: قلت لابن خزيمة: لو حدث الأستاذ عن محمد بن حميد فإن أحمد قد أحسن الثناء عليه؟ فقال: إنه لم يعرفه، ولو عرفه كما عرفناه ما أثنى عليه أصلًا.
فهذا هو مجمل كلام أهل الجرح والتعديل في محمد بن حميد وترجمته كما ترون مظلمة لم يوثقه إلا أحمد ويحيى وقد بينا لماذا وثقاه؟ وكيف بين ابن خزيمة علة التوثيق له كما أشرنا، والله أعلم.
العلة الثانية في السند:
هي سلمة بن الفضل الأبرش الأنصاري، مولاهم أبو عبد الله الأزرق، قاضي الري. (٢)
قال البخاري: عنده مناكير، وهَّنَهُ علي، قال علي: ما خرجنا من الري حتى رمينا بحديثه
стр. 4840
وقال البرذعي عن أبي زرعة: كان أهل الري لا يرغبون فيه لمعان فيه، من سوء رأيه وظلم فيه، وأما إبراهيم بن موسى فسمعته غير مرّة وأشار أبو زرعة إلى لسانه يريد الكذب.
قال أبو حاتم: محله الصدق، في حديثه إنكار، يكتب حديثه ولا يحتج به.
وقال النسائي: ضعيف، وقال الدوري عن ابن معين: كتبنا عنه وليس به بأس، وكان يتشيع. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا، وهو صاحب مغازي ابن إسحاق، قلت - أي الحافظ -: قرأت بخط الذهبي: مات سنة (١٩١)، وكأنه أخذه من قول البخاري.
وقال الترمذي: كان إسحاق يتكلم فيه، وقال ابن عدي عن البخاري: ضعفه إسحاق، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال الآجرى عن أبى داود: ثقة، وذكره ابن خلفون أن أحمد سئل عنه، فقال: لا أعلم إلا خيرًا. وفيه محمد بن إسحاق مدلس لكنه صرح بالسماع.
العلة الثالثة في السند:
هي عبيد بن عمير بن قتادة الليثي ليس صحابيًا إنما هو من كبار التابعين، قال ابن عبد البر: يكنى أبا عاصم، قاضي أهل مكة، ذكر البخاري أنه رأى النبي ﷺ ، وذكره مسلم بن الحجاج فيمن وُلد على عهد رسول الله ﷺ ، وهو معدود في كبار التابعين سمع عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعائشة أم المؤمنين ﵃ (١).
قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة، وقال العوام بن حوشب: رأى ابن عمر في حلقة عبيد بن عمير يبكي.
قلت - أي الحافظ -: وقال ابن حبان في الثقات: مات سنة (٦٨)، وقال العجلي: مكي، تابعي، ثقة من كبار التابعين، يُرْوَى عن مجاهد أنه قال: نفخر على التابعين بأربعة فذكره فيهم. ومما سبق تبين أن عبيد بن عمير من كبار التابعين ولم تثبت له صحبة وهو يحكي حديثًا عن النبي ﷺ فيحكم على حديثه بالإرسال كما نص على ذلك علماء الحديث أن الإرسال:
стр. 4841
هو قول التابعي الكبير قال رسول الله ﷺ والمرسل عند علماء الحديث من قسم الضعيف لا تثبت به أحكام ولا غيرها.
إذن فالرواية ساقطة من جهة السند كما أشرنا والله أعلم.
أما المتن فمنكر لا يصح من وجوه:
الوجه الأول: أنَّ الرواية تقول إن جبريل جاء النبي ﷺ في المنام وهذا باطل يخالف ما رواه الثقات كالبخاري ومسلم وغيرهما كما أشرنا في جمع طرق الحديث فانظره. من أن جبريل ﵇ جاءه في الحقيقة وليس في المنام وأن الرؤيا حقيقية.
الوجه الثاني: أنَّ الرواية تقول أنه قال له "اقرأ" فقال له النبي ﷺ "ماذا أقرأ" فهذا أيضًا يخالف ما رواه البخاري وغيره من أن اللفظ الذي قاله النبي ﷺ "ما أنا بقاريء" وهي نفي القراءة مطلقًا إذ النبي ﷺ أُميّ لا يعرف القراءة.
أما لفظ "ماذا أقرأ" فقد يؤدي إلى معنى: أي شيء أقرأ؟ ، فلا يفهم منه أنه لا يعرف القراءة ولكن يفهم منه أنه يسال عن أي شيء أقرالك.
الطريق الثاني للرواية:
قال الطبري (١): حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا ابن ثور عن معمر عن الزهري قال فتر الوحي عن رسول الله ﷺ فترة فحزن حزنا شديدًا جعل يغدو إلى رؤوس شواهق الجبال ليتردى منها فكلما أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فيقول إنك نبي الله فيسكن لذلك جأشه وترجع إليه نفسه فكان النبي ﷺ يحدث عن ذلك قال فبينما أنا أمشى يومًا إذ رأيت الملك الزى كان يأتيني بحراء على كرسي بين السماء والأرض فجئثت منه رعبًا فرجعت إلى خديجة فقلت زملوني فزملناه أي دثرناه فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ (المدثر ١: ٤) قال الزهري: فكان أول شيء أنزل عليه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
стр. 4842
وهذه الرواية واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار أنَّها مرسلة لأن الزهري قطعًا لم يدرك النبي ﷺ .
إذن فهي لا يحتج بها أيضًا على مثل هذه الشبهة بل نحن نحتج بها على هؤلاء المتهِمين لنبينا- ﷺ ويرمونه بهذه الفرية الكاذبة وذلك لما يأتي: -
١ - الرواية المرسلة هذه تؤكد أن لفظ (فيما بلغنا) من كلام الزهري وليس من كلام غيره لأن سندها صحيح إلى الزهري.
٢ - ترفع الشبهة عن صحيح البخاري بأنه أخرج مثل هذه الرواية الضعيفة وكما بينا أن البخاري أخرجها وأوضح علتها وأنه لم يخرجها إلا في موضع واحد بينما أخرج حديث بدء الوحي في عدة مواضع عن الزهري بدونها.
الطريق الثالث للرواية:
نص الرواية الثالثة التي ذكرت القصة محل الشبهة:
قال الطبري (١): حدثني أحمد بن عثمان المعروف بأبي الجوزاء، قال حدثنا وهب بن جرير، قال حدثنا أبي، قال سمعت النعمان بن راشد يحدث عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أنَّها قالت: كان أول ما ابتدئ به رسول ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة، كانت تجئ مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان بغار بحراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ثم يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها حتى فجأه الحق، فأتاه، فقال يا محمد أنت رسول الله، قال رسول الله ﷺ فجثوت لركبتي وأنا قائم، ثم زحفت ترجف بوادري، ثم دخلت على خديجة؛ فقلت زملوني، زملوني! حتى ذهب عني الروع ثم أتاني فقال يا محمد أنت رسول الله، قال: فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك، فقال يا محمد أنا جبريل، وأنت رسول الله. ثم قال: اقرأ، قلت: ما اقرأ؟ قال: فأخذني فغتني ثلاث مرات، حتى بلغ منى الجهد، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
стр. 4843
(١)﴾ فقرأت. فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي فأخبرتها خبري، فقالت: أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدًا؛ ووالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدى الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. ثم انطلقت بي إلى ورقة بن نوفل بن أسد، قالت اسمع من ابن أخيك فسالني فأخبرته خبري فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى بن عمران ليتني فيها جذع ليتني أكون حيًّا حين يخرجك قومك قلت: أمخرجيَّ هم؟ قال: نعم إنه لم يجئ رجل قط بما جئت به إلا عودي ولئن أدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. ثم كان أول ما نزل عليَّ من القرآن بعد ﴿اقْرَأْ﴾، ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ و ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾.
قلت: وإسناده واه وآفته النعمان بن راشد.
قال يحيى بن معين: النعمان بن راشد ضعيف الحديث، قلت: ضعيف فيما روى عن الزهري وحده؟ قال عن الزهري وعن غير الزهري هو ضعيف الحديث.
قال علي بن المديني: ذكر يحيى بن سعيد القطان النعمان بن راشد فضعفه جدًّا.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عنه، فقال: مضطرب الحديث، روى أحاديث مناكير، وقال البخاري: في حديثه وهم كثير، وهو صدوق في الأصل، وقال النسائي: ضعيف، كثير الغلط، وقال في موضع آخر: أحاديثه مقلوبة (١).
الوجه الثاني: بيان حفظ الله لنبيه ﷺ ورعايته له وأنه معصوم من الوقوع في الزلل قبل البعثة وبعدها .
إن العصمة تعني حفظ الله ﵎ لأنبيائه عن مواقعة الذنوب الظاهرة والباطنة، وأن العناية الإلهية لم تنفك عنهم في كل أطوار حياتهم قبل النبوة وبعدها، على ما هو المعتمد كما سيأتي تحقيقه، فهي محيطة بهم تحرسهم من الوقوع في منهي عنه شرعًا أو
стр. 4844
عقلًا وصدق القائل حين قال:
وإذا السعادة لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان
وهذا ما ظهر أثره في الخارج، فقد كان أنبياء الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام محفوظي الظواهر والبواطن من التلبس بمنهي عنه ولو نهي كراهة أو خلاف الأولى.
إن عصمة النبي ﷺ جزء لا يتجزأ من عقيدتنا وأصل من أصول الإيمان والإسلام وهي عقيدة لا تنفك عن شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، والطعن في هذه العصمة طعن في هذه الشهادة، ولما لا وهي دليلنا على حجية الوحي الإلهي (قرءانًا وسنة) وهي دليلنا على الاقتداء الشامل برسول الله ﷺ .
إن عصمة رسول الله ﷺ في التبليغ لها دلالتها وأهميتها في حجية كل ما يبلغ عن ربه من الوحي سواء كان متلوًا من القرآن الكريم، أو غير متلؤا من السنة النبوية المطهرة ومن هنا ترى علماء الأصول تناولوا العصمة في مباحث السنة الشريفة، نظرًا لشدة التصاقها بها حيث تتوقف حجية السنة المطهرة، بل والقرآن الكريم أيضًا على عصمة رسول الله ﷺ لأن القرآن الكريم والسنة الشريفة، عليها دليل شرعي يجب العمل به.
ومن المعلوم أن العصمة سبيل الاقتداء بالنبي ﷺ ، فالعصمة لرسول الله ﷺ في أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وأوامره، ونواهيه، مما هو ليمس من باب البلاغ، مما كان في أمور الدنيا وأحوال نفسه الشريفة، لها أيضًا دلالتها على الاقتداء به.
وعصمة رسول الله ﷺ من الكبائر والصغائر في أقواله وأفعاله مما ليس سبيله البلاغ دل عليها القرآن الكريم، والسيرة العطرة، والسنة المطهرة، وإجماع الأمة.
ومن هذه الشهادات الربانية:
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] في كان أن يحث نبيه على الاقتداء والأسوة بأنبيائه ورسله إلا وهم معصومون في الصغائر، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، ووجه الاستدلال في الآيتين
стр. 4845
أنه تعالى جعل الاقتداء والمتابعة لرسوله ﷺ لازمة من محبته الواجبة، ولازمة للهداية والفلاح في الدنيا والآخرة، وما تلك الملازمة وسابقتها إلا شهادة من رب العزة لرسوله ﷺ على عصمته من الصغائر في كل أقواله وأفعاله.
أما السنة العطرة:
وهي تنضح وتشهد بعصمة النبي ﷺ من الصغائر في أحواله كلها حيث لم يعلم عنه الوقوع في صغيرة ولا الدنو من شيء منها.
فقول النبي ﷺ : "نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا، فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" (١)، فلو رأى الصحابة ﵃ أو سمعوا منه شيئًا مما أجازه عليه بعض أهل العلم من قربه الصغائر - وحاشاه من ذلك - لما فاتهم نقل ذلك منه ضمن ما نقلوه من أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته.
ولا يكون لأقواله وأفعاله ذلك الوصف التشريعي إلا بالقول بوجوب العصمة لرسول الله ﷺ عن الصغائر خلافًا عن لمن أجازها من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين تمسكًا بظواهر القرآن وبعض الأحاديث الصحاح التي تدل على عصمته من الصغائر.
واما إجماع الأمة على عصمته ﷺ من الصغائر:
حكى القاضي عياض اتفاق السلف وإجماعهم على أنه لا يصدر عنه ﷺ خبر بخلاف إخباره عنه فقال: أما ما ليس سبيله سبيل البلاغ من الأخبار التي لا مستند لها إلى الأحكام، ولا أخبار المعاد، ولا تضاف إلى وحي، بل في أمور الدنيا، وأحوال نفسه
стр. 4846
الشريفة؛ فالذي يجب اعتقاده تنزيه النبي ﷺ عن أن يقع خبره في شيء من ذلك بخلاف مخبره لا عمدًا، ولا سهوًا، ولا غلطًا، وأنه معصوم من ذلك في حال رضاه، وحال سخطه، وجده ومزحه، وصحته ومرضه، ودليل ذلك اتفاق السلف وإجماعهم عليه، وذلك أَنَّا نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله، والثقة بجميع أخباره في أي باب كانت، وعن أي شيء وقعت، وأنه لم يكن لهم توقف ولا تردد في شيء منها ولا استثبات عن حاله عند ذلك هل وقع فيها سهو أم لا (١).
واستدل على ذلك بما جرى لسيدنا عمر بن الخطاب ﵁ مع ابن أبي الحقيق اليهودي حين أجلاهم من خيبر حيث احتج عليه عمر ﵁ بقوله ﷺ : "كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة؟ ! (٢)، فقال اليهودي: كانت هزيلة من أبي القاسم ﷺ فقال له عمر: كذبت يا عدو الله! فأجلاهم عمر وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالا وإبلا وعروضا من أقتاب وحبال وغير ذلك (٣).
قال القاضي عياض: وأيضًا فإن أخباره وآثاره وسيره وشمائله معتنى بها مستقصى تفاصيلها، ولم يرد في شيء منها استدراكه ﷺ لغلط في قول قاله، أو اعترافه بوهم في شيء أخبر به.
قال: ولو كان ذلك لنقل كما نقل من قصته في رجوعه ﷺ عما أشار به على الأنصار في تلقيح النخل (٤)، وكان ذلك رأيًا لا خبرًا (يعني يدخله الصدق والكذب) إلى أن قال: فلنقطع عن يقين بأنه لا يجوز على الأنبياء خلف في قول أو فعل في وجه من الوجوه لا بقصد، ولا بغير قصد، ولا تسامح في تجويز ذلك عليهم حال السهو مما ليس طريقه البلاغ (٥).
وقد كانت جميع أقواله وأفعاله المتعلقة بأمور الدنيا، وأحوال نفسه الشريفة تشريعًا
стр. 4847
تقتضي المتابعة والاقتداء، وعلى ذلك سلفنا الصالح من الإيمان بعصمته في أحواله كلها، ولهذا كانوا يسارعون إلى التأسي به.
والأمثلة على ذلك كثيرة ومعلومة منها ما يلي:
١ - حرصهم على مضاهاته ﷺ في العبادة، كما في قصة وصاله ﷺ ورغبة بعض الصحابة الوصال نحوه، على ما بين وصاله ووصالهم من الفرق، حيث إنه إذا واصل يطعمه ربه ويسقيه بخلافهم، ومع ذلك فحرصوا على التأسي به فيه.
فعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم فقالوا: إنك تواصل، فقال ﷺ : "إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقيني" (١).
٢ - ومنها قصة اتخاذه ﷺ خاتمًا من ذهب حيث اتخذ الناس خواتيم كذلك، فطرحه النبي ﷺ فطرح الناس خواتيمهم.
فعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: اتخذ رسول الله ﷺ خاتمًا من ذهب، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، فقال النبي ﷺ إني اتخذت خاتمًا من ذهب، فنبذه، وقال: إني لن ألبسه أبدًا فنبذ الناس خواتيمهم (٢).
٣ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم القوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، قال: ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال: إن جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا، وقال: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر: فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما" (٣).
стр. 4848
ويلاحظ هنا في الحديث مسارعة صحابة رسول الله ﷺ إلى متابعته في خلع نعليه، وهو فعل من أفعال العادة، وفي ذلك أقوى دليل على فهمهم واعتقادهم بعصمة النبي ﷺ من الصغائر حتى في أفعاله الجبلية.
٤ - ولقد كان من كمال تأسي الصحابة ﵃ برسول الله ﷺ واعتقادهم بعصمته من الصغائر في كل أحواله شدة حرصهم على تأسيهم به حتى في أمور بيته، وذلك كاختلافهم في جواز القبلة للصائم (١)، وفي طلوع الفجر على الجنب وهو صائم (٢)، فسألوا أم المؤمنين عائشة ﵂ فأخبرتهم أن ذلك وقع من النبي ﷺ فرجعوا إلى ذلك وعلموا أنه لا حرج على فاعله لعصمته.
٥ - وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال لست تاركا شيئًا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ. (٣)
٦ - ولما وقف عمر بن الخطاب ﵁ أمام الحجر الأسود يقبله خاطبه بقوله: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك (٤).
٧ - ولقد بلغ من كمال امتثال عمر ﵁ لهدي رسول الله ﷺ أنه كان يتأسى به حتى في حركاته وسكناته العادية التي هي من أفعال الجبلة، حيث كان يتبع آثار رسول الله ﷺ في كل مكان حتى أنه كان يأتي شجرة بين مكة والمدينة فيقيل تحتها ويخبر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك (٥).
وكل الذي سقناه إن دل فإنما يدل على عصمته ﷺ من الصغائر، ومن ثَمّ، فإن العصمة
стр. 4849
سبيل الاقتداء برسول الله ﷺ ، والله أعلم (١).
الوجه الثالث: هل الإنسان يؤاخذ على شيء يدور في خاطره ولم يفعله أم لا يؤاخذ ؟ !
قال الله : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة: ٢٨٤].
ذهب أكثر أهل العلم من المفسرين أن هذه الآية منسوخة وبه قال ابن مسعود وعائشة وأبو هريرة والشعبي وعطاء ومحمد بن سيرين ومحمد بن كعب وموسى بن عبيدة، وهو مروي عن ابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين وهذا هو أولى الأقوال (٢).
عن أبي هريرة ﵁ قال لمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قَالَ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ فَأَتَوْا رَسُولَ الله ﷺ ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَب فَقَالُوا أَيْ رَسُولَ الله كُلِّفْنَا مِنْ الْأَعمالِ مَا نُطِيقُ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالجهَادَ وَالصَّدَقَةَ وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذه الْآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَتَرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا بَلْ قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ"، قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ فَلَمّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ فَأَنْزَلَ الله فِي إِثْرِهَا ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا الله تَعَالَى فَأَنْزَلَ الله ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قَالَ نَعَمْ ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قَالَ
стр. 4850
نَعَمْ ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قَالَ نَعَمْ ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ قَالَ نَعَمْ (١).
قال القاضي عياض: وقد أنكر بعض المتأخرين النسخ، ودعواهم في إنكار أنه خبر ولا يدخل النسخ الأخبار وليس كما قال، فإنه وإن كان خبرًا فهو خبر عن تكليف ومؤاخذة بما تكن النفوس، والتعبد لما أمرهم النبي ﷺ في الحديث بذلك، وأن يقولوا سمعنا وأطعنا، وهذه أقوال وأعمال اللسان والقلب ثم نسخ ذلك عنهم برفع الحرج والمؤاخذة، وروي عن بعض المفسرين: أن معنى النسخ هنا إزالة ما وقع في قلوبهم من الشدة والفرق من هذا الأمر، فأزيل عنهم بالآية الأخرى، واطمأنت نفوسهم، وهذا القائل يرى أنهم لم يلزموا ما لا يطيقون، لكن ما يشق عليهم من التحفظ من خواطر النفس وإخلاص الباطن فأشفقوا أن يكلفوا من ذلك ما لا يطيقون، فأزيل عنهم الإشفاق وبين أنهم لم يكلفوا إلا وسعهم، وعلى هذا لا حجة فيه لجواز تكليف ما لا يطاق إذ ليس فيه نص على تكليفه واحتج بعضهم باستعاذتهم منه بقوله : ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ولا يستعيذون إلا مما يجوز التكليف به وأجاب عن ذلك بعضهم بأن معنى ذلك ما نطيقه إلا بمشقة، وذهب بعضهم إلى أن الآية محكمة في إخفاء اليقين والشك للمؤمنين والكافرين فيغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين (٢).
ثم أورد الإمام مسلم عدة أحاديث في كتاب الإيمان تدور حول هذا المعنى منها: وما بعده حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعلموا به" (٣).
والحديث الآخر الذي رواه أبو هريرة أيضًا قال قال رسول الله ﷺ : "قال الله : إذا
стр. 4851
همَّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا همَّ بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة فإن عملها فاكتبوها عشرًا" (١).
وروي هذا الحديث بألفاظ مختلفة كلها تصب في هذا المعنى.
وهذان الحديثان صفعة في وجوه هؤلاء المشككين في نزاهة النبي وعصمته ﷺ ومعناهما لا يحتاج إلى تأويل لكنني أشير إلى طرف من كلام أهل العلم في توجيه هذه الأحاديث.
قال النووي: قال القاضي عياض: إِنَّ هَذَا الْعَزْم يُكْتَب سَيِّئَة وَلَيْسَتْ السَّيِّئَة الَّتِي هَمَّ بِهَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْمَلهَا وَقَطَعَهُ عَنْهَا قَاطِعٌ غَيْر خَوْف الله تَعَالَى وَالْإِنَابَة. لَكِنَّ نَفْس الْإِصْرَار وَالْعَزْم مَعْصِيَة فَتكْتَب مَعْصِيَة فَإِذَا عَمِلَهَا كُتِبَتْ مَعْصِيَة ثَانِيَة، فَإِنْ ترَكَهَا خَشْيَة للهِ تَعَالَى كُتِبَتْ حَسَنَة كَمَا فِي الْحَدِيث: "إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ" فَصَارَ تَرْكه لَهَا لِخَوْفِ اللهَ تَعَالَى وَمُجَاهَدَته نَفْسه الْأَمَّارَة بِالسُّوءِ فِي ذَلِكَ وَعِصْيَانه هَوَاهُ حَسَنَة. فَأَمَّا الْهَمّ الَّذِي لَا يُكْتَب فَهِيَ الْخَوَاطِر الَّتِي لَا تُوَطَّن النَّفْس عَلَيْهَا، وَلَا يَصْحَبهَا عَقْد وَلَا نِيَّة وَعَزْم (٢).
وهذا هو الذي لو كانت صحت روايات هذه القصة لحملنا همّ النبي ﷺ عليه أي ما لم يعقد فيه عزم ولا نية وهذا هو الحاصل إذ لم يُلق النبي ﷺ بنفسه من فوق قمة الجبل هذا إن فرضنا أن القصة أو الرواية صحت، لكنها لم تصح أصلًا وهذا الذي بيناه في مقدمة الرد على هذه الشبهة، فهل الذي كتبت له حسنة يكون مُلاما أو يتهم في عصمته.
الوجه الرابع: ما هي عقوبة من يحاول الانتحار أو قتل نفسه ؟
فإن الله لما خلق السلالة البشرية وحثهم على عمارة الأرض أرشدهم أيضًا إلى حفظ هذه السلالة وعدم التعرض لها بأي أذى لذلك نهى عن قتل النفس وإهلاكها فقال : ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقال أيضًا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ والآيات في القرآن كثيرة تدل على ضرورة الحفاظ على الذات البشرية ولذلك فإن لله ﵎ وضع عقوبات دنيوية وعقوبات أخروية من قتل نفسه أو قتل غيره فقال تعالى: ﴿وَلَا
стр. 4852
تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ [النساء: ٢٩ - ٣٠]، وقال أيضًا: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].
وذكرهم الله أيضا لما سرد أوصاف عباده كما في سورة الفرقان: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] وغيرها من الآيات التي تزجر وتتوعد قاتل النفس.
وجاء في السنة أحاديث كثر أذكر منها حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ... " (١) فهذا الحديث وغيره يبين لنا عقوبة الذي يقتل نفسه في الشريعة الإسلامية لكنني أريد أن أربط الحكم بهذه الشبهة التي يفترونها عن النبي ﷺ وهل يصح أن نطلق عليها محاولة انتحار وهل تأخذ نفس الحكم أم لا؟
أولًا: يجب أن نعرف أن هذا الفعل من رسول الله ﷺ وهذا على تقدير ثبوت القصة - كان قبل أن يبعث بالرسالة وقد سبق الكلام على عصمة النبي ﷺ قبل البعثة وبعدها وأنه منزه عن اقتراف هذه الأفعال.
ثانيًا: ينبغي أن نعرف أيضًا أن هذا الفعل على التسليم بصحته ولم يثبت كان قبل نزول الأحكام الشرعية والتي جاء فيها بيان حكم قتل النفس أو الانتحار، ومن ثم فلا يجوز إسقاط فعل رسول الله ﷺ وتكييفه تكييفًا شرعيًا لأن الأحكام لم تكن شرعت حين إذ فمعلوم أن الذي يزني إذا كان محصنًا يرجم بالحجارة حتى الموت فإذا لم يكن هناك حكمًا في شأن الذي يزني فلا يكون عقاب عليه أو عقاب لذلك كان من أفرى الفرى أن تقول أن هذه محاولة انتحار إذ لم تكن معروفة آنذاك.
стр. 4853
فلعل أصحاب هذه الشبهة يعترضون على هذا الجواب ويقولون العبرة ليست بعدم نزول حكم قتل النفس ولكن العبرة بحرمة قتل النفس عمومًا في كل التشريعات.
فنرد عليهم لأنه بذلك يلزمهم الأخذ بكل الأحكام الشرعية ومنها قوله ﷺ : "من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة" إلى آخر الحديث الذي أشرنا إليه آنفًا. وبذلك تدفعهم أن هذه الفعلة أو المحاولة من النبي ﷺ كتب له عليها أجر إذ أنه همّ بالفعل ولم يفعله.
أفيكون المأجور ملامًا على فعله؟ ! !
الوجه الخامس: إثبات حدوث الانتحار في الكتاب المقدس
قديمًا قال القائل: "رمتني بدائها وانسلت" وهذا المثل يطلق على نوعية من البشر إذا أرادوا أن يأخذوا عقول الناس وتفكيرهم عن رؤية عيوبهم ومساوئهم الظاهرة يرمونك أنت بهذا العيب وهذا النقص كي تنشغل به عن رؤيته فيهم.
فهذا المثل ينطبق بالضبط على النصارى الذين أثاروا شبهة محاولة النبي ﷺ الانتحار، وكذبوا فهو المبرء من كل نقيصة والمنزه عن كل رذيلة، أعظم الناس خُلقًا وخَلقًا.
وهذا هو الذي عهدناه من النصارى أن يثيروا شبهة حول الإسلام هي في الأصل حقيقة ثابتة عندهم ولاقتها كتبهم التي يحتجون بها علينا.
ومصداقًا لقول ربنا : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾، فقد وقفت على نص في الكتاب المقدس ثبت فيه الانتحار فعلا وليس المحاولة وهذا وقع في الكتاب المقدس سفر صموئيل الأول ٣٠/ ١٩ - ٣١/ ٩، وإليك نص الكلام:
معركة الجلبوع وموت (١) شاول: ((١) وَحَارَبَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ إِسْرَائِيلَ، فَهَرَبَ رِجَالُ إِسْرَائِيلَ مِنْ أَمَامِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَسَقَطُوا قَتْلَى فِي جَبَلِ جِلْبُوعَ. (٢) فَشَدَّ الْفِلِسْطِينِيُّونَ وَرَاءَ شَاوُلَ وَبَنِيهِ، وَضَرَبَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ يُونَاثَانَ وَأَبِينَادَابَ وَمَلْكِيشُوعَ أَبْنَاءَ شَاوُلَ. (٣) وَاشْتَدَّتِ الحرْبُ عَلَى شَاوُلَ فَأَصَابَهُ الرُّمَاةُ رِجَالُ الْقِسِيِّ، فَانْجَرَحَ جدًّا مِنَ الرُّمَاةِ. (٤)
стр. 4854
فَقَالَ شَاوُلُ لِحَامِلِ سِلاحِهِ: "اسْتَلَّ سَيْفَكَ وَاطْعَنِّي بِهِ لِئَلَّا يَأْتِيَ هَؤُلاءِ الْغُلْفُ وَيَطْعَنُونِي وَيُقَبِّحُونِي". فَلَمْ يَشَأْ حَامِلُ سِلاحِهِ لأَنَّهُ خَافَ جدًّا. فَأَخَذَ شَاوُلُ السَّيْفَ وَسَقَطَ عَلَيْهِ. (٥) وَلمَّا رَأَى حَامِلُ سِلاحِهِ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ شَاوُلُ، سَقَطَ هُوَ أَيْضًا عَلَى سَيْفِهِ وَمَاتَ مَعَهُ. (٦) فَمَاتَ شَاوُلُ وَبَنُوهُ الثَّلاثَةُ وَحَامِلُ سِلاحِهِ وَجَمِيعُ رِجَالِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَعًا).
وهذا النص من الكتاب المقدس يثبت انتحار شاول وقتلِه نفسه حتى لا يقتلوه.
وإليك أيضًا ما ذكر في تفسير هذا النص من كتاب "التفسير التطبيقي للكتاب المقدس") سفر صموئيل الأول ٣٠، ٣١، ٤، ٣: ٣١).
"وكان للفلسطينيين شهرة واسعة في تعذيب أسراهم، ولا شك في أن شاول كان يعرف مصير شمشون (قض ١٦: ١٨ - ٣١) ولم يشأ أن يعرض نفسه للتشويه الجسماني أو غير ذلك من وجوه التعذيب، فعندما رفض حامل سلاحه أن يقتله، قضى هو على حياته بيده".
ثم ذكروا بعد ذلك كلامًا يصفون فيه شاول هذا بكل نقيصة وأنه كان شريرًا خبيث النفس ومثل هذه الأوصاف الدنيئة التي يتنزه عنها أقل الناس فضلًا عن أن يكون ملكًا.
ثم ذكروا كلامًا أيضًا عن حامل سلاحه فقالوا "واجه حامل سلاح شاول مشكلة أدبية هل ينفذ أمرًا خاطئًا صادرًا له هذا السلطان؟ كان يعرف أن عليه أن يطيع سيده الملك، ولكنه كان يعرف أيضًا أن القتل خطية وهناك فرق بين تنفيذ أمر لا توافق عليه، وتنفيذ أمر تعلم أنه خطأ، فليس من الحق أو من الأخلاق إطلاقًا أن تقوم بعمل خطأ مهما كان الذي يصدر الأمر ومهما كانت عواقب العصيان، فما الذي يحدد اختيارك عندما تواجه مشكلة أدبية؟ لتكن لك الشجاعة في أن تتبع شريعة الله فوق كل الأوامر البشرية".
وهذا تفسير النص الذي سقناه يدل على ثبوت انتحار شاول وقتله نفسه. فيا ترى هل خفي عليهم هذا النص أم أنهم لا يعرفون أنه في كتابهم المقدس أم سينكرونه إذا لزم الأمر.
* * *
стр. 4855
٣٨ - شبهة: موت النبي ﷺ بالسم .
نص الشبهة:
كيف مات النبي ﷺ متأثرًا بالسم؟ أليس في هذا طعنا في نبوته؟ !
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: أدلة عصمته ﷺ من القتل .
الوجه الثاني: النبي ﷺ بشر ولابد أن يموت.
الوجه الثالث: القصة دالة على نبوته ﷺ .
الوجه الرابع: الله قد جمع له بين الحسنيين.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: أدلة عصمته ﷺ من القتل.
١ - عن عائشة ﵂ قالت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فَأَخْرَجَ رَسُولُ الله ﷺ رأْسَهُ مِنْ الْقُبَّةِ فَقَالَ لَهُمْ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي الله". (١)
٢ - عن جابر بن عبد الله ﵁ أخبر أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ فَلَمّا قَفَلَ رَسُولُ الله ﷺ قَفَلَ مَعَهُ فَأَدْرَكَتْهُمْ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَنزلَ رَسُولُ الله ﷺ وتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ فَنزلَ رَسُولُ الله ﷺ تحتَ سَمُرَةٍ وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ وَنِمْنَا نَوْمَةً فَإِذَا رَسُولُ الله ﷺ يدْعُونَا وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: "إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا فَقَالَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي فَقُلْتُ الله ثَلَاثًا وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ". (٢)
٣ - عن أبي بكر ﵁ قال: قلت للنبي ﷺ وأنا في الغار لو أن أحدهم نظر تحت قدميه
مَغَازِي مُوسَى بْن عُقْبَة" أَنَّ لَوْنه صَارَ فِي الحال كَالطَّيْلَسَانِ (١) " يَعْنِي أَصْفَر شَدِيد الصُّفْرَة (٢).
الوجه الرابع: جمع الله له بين الحسنيين .
وكون السم كان من أسباب موته ﷺ ففي هذا فضيلة له ﷺ إذ جمع له ربه الشهادة إلى سائر فضائله فمات متأثرًا بسم الشاة. وهذا لا يتنافى مع عصمته أبدًا لسبب واضح وهو أن عصمة رسول الله ﷺ قد تمت كما وعده ربه لأن هذه العصمة هدفها تمكينه من تبليغ الرسالة وهي مقترنة بها، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧] وقد حدثت العصمة له حتى أتم مهمته، ولم يمت رغم السم إلا بعد ثلاثة سنين كاملة (إن كان مات بسببه) في حين مات الصحابي الجليل (بشر) ﵁ فور أكله منها مباشرة، فكان في ذلك إعجاز على إعجاز، وقد كانت هذه السنوات الثلاث من أهم مراحل الدعوة النبوية، ففيها فتحت مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا وحج النبي ﷺ حجة الوداع، واكتملت الشريعة غير منقوصة.
فتبين من هاتين النقطتين مدى الكرامة المقدرة لرسول الله ﷺ ، إذ جمع له ربه بين الحسنيين، فما استطاعوا أن يقتلوه حين أرادوا لوقف دعوته وتدميرها، ونال الشهادة حين وفاته بعد أن أكمل رسالته وأتمها أتم كمال.
وأيضًا من أدلة نبوته ﷺ أنه أخبر قطعًا وجزمًا أن هذه الشاة مسمومة، مما يؤكد صدقه ﷺ كنبي موحى إليه من الله، إذ جاء الصحابة باليهودية واعترفت أنها سمت الشاة، كما أخبرت الذراع النبي ﷺ .
ولكن حين تصاب القلوب بالعمى بسبب ما يغشاها من الحقد والكراهية يدفعها
стр. 4860
حقدها إلى تشويه الخصم بما يعيب، وبما لا يعيب، واتهامه بما لا يصلح أن يكون تهمة، حتى إنك لترى من يعيب إنسانًا مثلًا بأن عينيه واسعتان أو أنه أبيض اللون طويل القامة، أو مثلًا قد أصيب بالحمى ومات بها، أو أن فلانًا من الناس قد ضربه وأسال دمه؛ فهذا كأن تعيب الورد بأن لونه أحمر مثلًا؛ وغير ذلك مما يستهجنه العقلاء ويرفضونه ويرونه إفلاسًا وعجزًا. (١)
قال ابن سعد ﵀ بعد ما سم به رسول الله ﷺ :
وعاش رسول الله ﷺ بعد ذلك ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي قبض فيه جعل يقول في مرضه: "ما زلت أجد من الأكلة التي أكلتها يوم خيبر عدادًا حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري"، وهو عرق في الظهر، وتوفي رسول الله ﷺ شهيدًا، صلوات الله عليه ورحمته وبركاته ورضوانه. (٢)
وأليس موته ﷺ متأثرًا بهذا السم بعد سنوات فيه رفع درجاته.
فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ عِظَمَ الجْزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ وَإِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ". (٣)
* * *
стр. 4861
٣٩ - شبهة: ماذا حدث لجسد النبي ﷺ بعد وفاته ؟
نص الشبهة:
يقول المعترض: إن جسد محمد ﷺ قد أسن وانتفخ كشأن سائر الأجساد بعد وفاته، واستدلوا على ذلك: بحديث وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن البهي وفيه: ..... وكان ترك يومًا وليلة، حتى ربا بطنه، وانثنت خنصراه.
وكذلك قول العباس بن عبد المطلب ﵁: إن رسول الله ﷺ يأسن كما يأسن البشر، وإن رسول الله ﷺ قد مات فادفنوا صاحبكم.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: نقد الروايات التي استدل بها المعترض.
الوجه الثاني: ذكر الروايات الصحيحة الثابتة في حادث موت النبي ﷺ وتغسيله ودفنه.
الوجه الثالث: نبينا ﷺ بشر فلا نعبده كما يعبد غيرنا أنبياءهم.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: نقد الروايات:
الرواية الأولى:
عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله البهي: أن رسول الله ﷺ لما مات لم يدفن حتى ربا بطنه، وانثنت خنصراه. قال قتيبة حدث بهذا الحديث وكيع وهو بمكة، وكانت سنة حج فيها الرشيد فقدموه إليه، فدعا الرشيد سفيان بن عيينة، وعبد الجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، فأما عبد الجيد فقال: يجب أن يقتل هذا؛ فإنه لم يرو هذا إلا وفي قلبه غش للنبي ﷺ ، فسأل الرشيد سفيان بن عيينة فقال لا يجب عليه القتل رجل سمع حديثًا فرواه، لا يجب عليه القتل، إن المدينة أرض شديدة الحر توفي النبي ﷺ يوم الاثنين، فترك إلى ليلة الأربعاء؛ لأن القوم كانوا في صلاح أمر أملى محمد ﷺ ، واختلفت قريش والأنصار فمن ذلك تغير. (١)
стр. 4862
تحقيق الإسناد: عبد الله البهي، مولى مصعب بن الزبير
ذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقال ابن سعد: كان ثقة معروفًا بالحديث وقال ابن أبى حاتم في (العلل)، عن أبيه: لا يحتج بالبهي، وهو مضطرب الحديث.
وقال الحافظ: صدوق يخطئ.
إسماعيل بن أبي خالد: ثقة ثبت، روى له الجماعة.
وكيع بن الجراح: إمام، ثقة.
وهذا إسناد ضعيف لضعف عبد الله البهي، واضطرابه وأيضا، هو لم يدرك حادثة وفاة النبي ﷺ ، فهو من أوساط التابعين ولم يذكر عن من أخذ الرواية ممن شهدها من صحابة النبي ﷺ ، أضف إلى ذلك أن الإمام سفيان بن عيينة قد أنكر هذا الحديث لما سمعه، كما ورد في رواية أخرى للقصة عند ابن عساكر: لما حدث وكيع بهذا الحديث بمكة اجتمعت قريش وأرادوا صلبه ونصبوا خشبة ليصلبوه فجاء سفيان بن عيينة فقال لهم الله الله هذا فقيه أهل العراق وابن فقيههم، وهذا حديث معروف، ثم قال ابن عيينة: ولم أكن سمعت هذا الحديث إلا أني أردت تخليصه.
قلت: وهذا دليل آخر على الاضطراب الوارد في القصة.
الرواية الثانية:
عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: توفي رسول الله ﷺ يوم الاثنين فحبس بقية يومه وليلته والغد حتى دفن ليلة الأربعاء" وقالوا: إن رسول الله ﷺ لم يمت، ولكن عرج بروحه كما عرج بروح موسى فقام عمر فقال: إن رسول الله ﷺ لم يمت ولكن عرج بروحه كما عرج بروح موسى، والله لا يموت رسول الله ﷺ حتى يقطع أيدي أقوام وألسنتهم، فلم يزل عمر يتكلم حتى أزبد شدقاه مما يوعد ويقول. فقام العباس فقال: إن رسول الله ﷺ قد مات، وإنه لبشر وإنه يأسن كما يأسن البشر، أي قوم فادفنوا صاحبكم. فإنه أكرم على الله من أن يميته إماتتين. أيميت أحدكم إماتة ويميته إماتتين وهو أكرم على الله من ذلك؟ . أي قوم، فادفنوا صاحبكم، فإن يك كما تقولون فليس بعزيز على الله أن يبحث عنه التراب، إن
стр. 4863
رسول الله ﷺ والله ما مات حتى ترك السبيل نهجًا واضحًا، فأحل الحلال، وحرم الحرام، ونكح وطلق، وحارب وسالم، ما كان راعي غنم يتبع بها صاحبها رءوس الجبال، يخبط عليها العضاة بمخبطه، ويمدر حوضها بيده بأنصب ولا أدأب من رسول الله ﷺ . كان فيكم. أي قوم، فادفنوا صاحبكم. قال: وجعلت أم أيمن تبكي، فقيل لها: يا أم أيمن تبكين على رسول الله ﷺ ؟ قالت: إني والله ما أبكي على رسول الله ﷺ أن لا أكون أعلم أنه قد ذهب إلى ما هو خير له من الدنيا، ولكني أبكي على خبر السماء انقطع قال حماد: خنقت العبرة أيوب حين بلغ هاهنا. (١)
الروايات الأخرى:
وكل الروايات التي ذكرت في كتب السيرة مثل طبقات ابن سعد وغيره، هي من رواية الحسن، وإبراهيم وغيرهم من الذين لم يدركوا حادث وفاة النبي ﷺ ، وإنما قالوه هكذا مرسلًا ولم يذكروا عمن أخذوه، وعليه فلا يحتج بأي منها، ولا يعترض علينا إلا بم صح من الروايات والأخبار.
وحتى لو صحت هذه الروايات، فيمكن توجيهها على أن العباس لم يكن يخبر عن أمر قد وقع وإنما هو اجتهاد من قبل العباس إذ ظن أن جسد رسول الله ﷺ سيسري عليه ما يسري على سائر الأجساد بعد الموت، إذا فجسد رسول الله ﷺ لم يكن قد أسن وإنما طالب العباس بدفن البدن الشريف إكراما له وترهيبا من تركه حتى يأسن، اعتقادا منه أن ذلك محتملا مع رسول الله ﷺ بحكم بشريته وطبيعته الإنسانية.
الوجه الثاني: ذكر الروايات الصحيحة الثابتة في حادثة موت النبي ﷺ وتغسيله ودفنه .
أولًا: موت النبي ﷺ -.
عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ، أن رسول الله ﷺ ، مات وأبو بكر بالسنح، - قال: إسماعيل يعني بالعالية - فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ ، قالت: وقال عمر:
стр. 4864
والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر: فكشف عن رسول الله ﷺ فقبله، قال: بأبي أنت وأمي، طبت حيًا وميتًا، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدًا، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمدًا ﷺ فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله؛ فإن الله حي لا يموت، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾. (١)
وعنها قالت: كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: "إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده في الجنة ثم يحيا أو يخير". فلما اشتكى وحضره القبض، ورأسه على فخذ عائشة، غشي عليه فلما أفاق، شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: "اللهم في الرفيق الأعلى". فقلت إذا لا يجاورنا فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح. (٢)
وعن عائشة قالت: إن من نعم الله علي: أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته: دخل علي عبد الرحمن، وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله ﷺ ، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه: "أن نعم" فتناولته، فاشتد عليه، وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه: "أن نعم" فلينته، فأمره، وبين يديه ركوة أو علبة - يشك عمر - فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه، يقول: "لا إله إلا الله، إن للموت سكرات" ثم نصب يده، فجعل يقول: "في الرفيق الأعلى" حتى قبض ومالت يده (٣).
ثانيًا: غسل النبي ﷺ -.
стр. 4865
عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لما أرادوا غسل رسول الله ﷺ اختلفوا فيه فقالوا والله ما نرى كيف نصنع أنجرد رسول الله ﷺ كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه قالت فلما اختلفوا أرسل الله عليهم السنة حتى والله ما من القوم من رجل إلا ذقنه في صدره نائما قالت ثم كلمهم من ناحية البيت لا يدرون من هو فقال اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه قالت فثاروا إليه فغسلوا رسول الله ﷺ وهو في قميصه يفاض عليه الماء والسدر ويدلكه الرجال بالقميص وكانت تقول لو استقبلت من الأمر ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه. (١)
ثالثا: حالة الجسد الشريف بعد موته .
قال علي بن أبي طالب: غسلت رسول الله فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئًا وكان طيبًا ﷺ حيًا وميتًا. (٢) فهذا رسول الله ﷺ لم يدفن ثلاثة أيام ثم لما حانت ساعة تغسيله أنزل الله النعاس على صحابته، وسمعوا صوتًا يأمرهم أن يغسلوه بثيابه دون أن يكشفوه إكرامًا وتوقيرًا، ثم يتولى علي بن أبي طالب ﵁ تدليك جسده الطاهر الشريف، فلا يجد منه ما يجد من الميت، بل يجد كل طيب من أطيب الطيبين".
الوجه الثالث: نحن لا نعبد نبينا كما يعبد غيرنا أنبياهم .
إننا معشر المسلمين لا نعبد رسول الله ﷺ ، ولا نعتقد في ألوهيته، كما يعتقد النصارى في المسيح ابن مريم ﵇، حتى نتتبع إن كان جسده الشريف يتغير ويبلى بالوفاة أم لا ... بل نؤمن أنه عبد الله ورسوله، وإن كان سيد الأنبياء وخاتم المرسلين، وقد حفظ الله تعالى نبيه العظيم حتى أتم رسالته، واكتملت شريعته، حتى أنزل سبحانه قوله ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فلا يضير رسول الله ﷺ شيء بعد
стр. 4866
أن أتم رسالته السامية، وترك البشرية على المحجة البيضاء، وصعدت روحه الطيبة إلى بارئها. وقد جاءت إرهاصات تشير إلى قرب أجل النبي ﷺ منها: قوله تعالى في سورة النصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ فكانت هذه السورة إشارة رقيقة إلى أن رسول الله ﷺ قد بلغ الأمانة، ونصح الأمة، وعليه الآن أن يستعد للرحيل من هذه الدار بسلام إلى دار السلام، فكان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده "سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي".
* * *
стр. 4867
موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام
تأليف
أحمد بن سليمان أيوب ونخبة من الباحثين
فكرة وإشراف
د. سليمان الدريع
المجلد التاسع
شبهاتٌ عن زوجات النبي ﷺ والصحابة
دار إيلاف الدولية
للنشر والتوزيع
стр. 4868
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4869
موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام ٩
стр. 4870
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الاولى
١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م
دار إيلاف الدولية
(دار وقفية دعوية)
المدير العام: د/ فرحان بن عبيد الشمري
falaslmi@gmail.com
الإدارة: مجمع المخيال - هاتف ٢٤٥٠٠٨٢ - ٩٦٩٩٩١٨٢ - الكويت.
الفرع الأول: الجهراء - مجمع الخير - الدور الأول مكتب ١٠ هاتف ٢٤٥٥٧٥٥٩
الفرع الثاني: حولي - شارع المثنى، هاتف وناسوخ: ٢٢٦٤١٧٩٧
رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: ١١٠٤٥/ ٢٠١٥ م
التوزيع داخل جمهورية مصر العربية:
دار العلم للبحث العلمي وتحقيق التراث
لصاحبها: أحمد بن سليمان
ah.solaiman ١٩٧٠@gmail.com
ت: ٠١١٥٨٩٨٠٥٨٠