← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

أن أتم رسالته السامية، وترك البشرية على المحجة البيضاء، وصعدت روحه الطيبة إلى بارئها. وقد جاءت إرهاصات تشير إلى قرب أجل النبي ﷺ منها: قوله تعالى في سورة النصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ فكانت هذه السورة إشارة رقيقة إلى أن رسول الله ﷺ قد بلغ الأمانة، ونصح الأمة، وعليه الآن أن يستعد للرحيل من هذه الدار بسلام إلى دار السلام، فكان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده "سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي". * * *

стр. 4867

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام تأليف أحمد بن سليمان أيوب ونخبة من الباحثين فكرة وإشراف د. سليمان الدريع المجلد التاسع شبهاتٌ عن زوجات النبي ﷺ والصحابة دار إيلاف الدولية للنشر والتوزيع

стр. 4868

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4869

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام ٩

стр. 4870

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الاولى ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م دار إيلاف الدولية (دار وقفية دعوية) المدير العام: د/ فرحان بن عبيد الشمري falaslmi@gmail.com الإدارة: مجمع المخيال - هاتف ٢٤٥٠٠٨٢ - ٩٦٩٩٩١٨٢ - الكويت. الفرع الأول: الجهراء - مجمع الخير - الدور الأول مكتب ١٠ هاتف ٢٤٥٥٧٥٥٩ الفرع الثاني: حولي - شارع المثنى، هاتف وناسوخ: ٢٢٦٤١٧٩٧ رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: ١١٠٤٥/ ٢٠١٥ م التوزيع داخل جمهورية مصر العربية: دار العلم للبحث العلمي وتحقيق التراث لصاحبها: أحمد بن سليمان ah.solaiman ١٩٧٠@gmail.com ت: ٠١١٥٨٩٨٠٥٨٠

стр. 4871

شبهات عن زوجات النبي ﷺ - وفيها: ١ - شبهة: حديث الإفك. ٢ - شبهة: ادعاؤهم تطاول عائشة على النبي محمد ﷺ . ٣ - شبهة استغلال عائشة وفاة النبي ﷺ في إشعال الصراع على الخلافة. ٤ - أخلاق عائشة مع خديجة بنت خويلد. ٥ - أخلاق عائشة مع سودة. ٦ - أخلاق عائشة مع حفصة. ٧ - أخلاق عائشة مع زينب بنت خزيمة. ٨ - أخلاق عائشة مع أم سلمة. ٩ - أخلاق عائشة مع زينب بنت جحش. ١٠ - شبهة: أخلاق عائشة مع جويرية بنت الحارث. ١١ - أخلاق عائشة مع صفية بنت حيي بن أخطب. ١٢ - أخلاق عائشة مع أم حبيبة. ١٣ - أخلاق عائشة مع مارية القبطية. ١٤ - أخلاق عائشة مع اللاتي لم يدخل بهن النبي ﷺ . ١٥ - شبهة: أخلاق عائشة ﵂ وعثمان بن عفان ﵁.

стр. 4872

١ - شبهة: حديث الإفك نص الشبه: في قصة الإفك أسئلة كثيرة: ١ - لماذا طلبت عائشة الذهاب إلى بيت أبويها لتمرض هناك؟ والاستدلال بذلك على أنها لم تتأثر بالحادث؛ لأن لها شخصية قوية لم تدعها تستسلم لتأنيب الضمير، ولماذا أعرض عنها النبي ﷺ ولم يعول على حسن الظن؟ ٢ - أن أمها عزت أصل الأقاويل إلى ضرائرها اللاتي تآمرن عليها. ٣ - إذا ثبتت التهمة على عائشة سيحصل خلاف بين أبي بكر ومحمد ﷺ مما سيؤدي إلى تفكك الحركة الإسلامية ولذا كان على محمد أن يمارس كل ما يمكن للحصول على براءة عائشة. ٤ - ولماذا اختار عليًّا وأسامة بالذات؟ ٥ - اتهام علي لعائشة كان مبنيا على سوء الظن القائم على معرفته بماضيها السيئ وهذا الظن السيئ مترافق مع سوء العلاقة بين فاطمة وعائشة بسبب الصراع بينهما على النبي ﷺ . ٦ - قالوا إن أخطر ما في القضية أن حسانًا شاعر الرسول شارك فيها وروج لها. ٧ - محمد ﷺ هو الذي دفع صفوان إلى الانتقام من حسان. والدليل أنه لم يعاقب صفوان وقال لحسان: أتشوهت على قومي أن هداهم الله للإسلام. ٨ - أخذوا من قول النبي ﷺ في صفوان ولا يدخل على أهلي إلا معي. دلالة على أن صفوان كان يدخل بيت النبي ﷺ بانتظام وربما كان ذلك من الأسباب الإضافية وراء قضية الإفك. وأخذوا من قول عائشة وكان يراني قبل أن يضرب علي الحجاب دلالة على أنها تحاول إخفاء استمرار زيارة صفوان للبيت. ٩ - لماذا لم يقم محمد ﷺ باستدعاء الوحي من أول لحظة مع أنه كان يمكنه هذا؟ ١٠ - قالوا: إن عائشة لم تجب أمام النبي ﷺ وشرعت بالبكاء. ١١ - لماذا قالت عائشة لأبي بكر هلا عذرتني؟

стр. 4873

١٢ - لماذا قال القرآن عصبة مع أن الروايات لم تسم إلا أربعة، ثم أليس في هذا دليل على كثرة الخائضين في الحديث؟ ١٤ - لماذا لم يُحد ابن أبي! هل لأن له شيعة وأتباعا؟ ولم يكن محمد ﷺ يجرؤ على إقامة الحد عليه؟ ١٥ - كيف يصف القرآن أهل الإفك بأنهم يتبعون خطوات الشيطان ثم يقول ولولا فضل الله عليكم ورحمته؟ ١٦ - لماذا تورط مسطح مع حاجته وفقره؟ لعله كان ذا هوى بعائشة فأراد الانتقام منها ومن أبيها وهذا شأن كل محب أناني، أو أنه كان ذا هوى بحمنة فاستهوته لذلك. ١٧ - هناك ظروف محيطة بحديث الإفك وهي: أ - المشادة التي وقعت بين المهاجرين والأنصار مما يدل على أن الأنصار قرروا الانتقام من المهاجرين. ب - زواج النبي ﷺ بزينب قبل الغزوة وبجويرية بعدها مما حدا بعائشة الشابة أن تفكر في الانتقام من زوجها ففعلت ذلك. ١٨ - قولهم إن عائشة تكره جويرية. ١٩ - كيف رحل النبي ﷺ ولم يسأل عنها ولماذا لم يشعر بها في أثناء الطريق وما هي مدة قضاء الحاجة التي استغرقت رحيل الجيش كله وهو مئات؟ ولماذا قعدت يائسة ولم تلحق بالعسكر ٢٠ - وكيف تمرض فجأة بعد العودة، وهل يعقل أنها لم تعلم بالحديث عشرين ليلة ولماذا ذهبت لتمرض عند أهلها؟ ٢١ - لماذا تأخر صفوان عن الجيش؟ ٢٢ - وهل يجسر القوم على أن يؤذوا رسول الله في أعز الناس إليه إذا لم يكن للشبهة مأخذ؟ ٢٣ - كيف لم تنتبه لضجيج العسكر؟ ٢٤ - لماذا لم يواجه محمد عائشة بالشائعات فور الوصول؟

стр. 4874

٢٥ - التناقض بين قول عائشة إنه كان حصورًا لا يأتي النساء، وبين كونه له زوجه وله منها أولاد وفي الشكوى أنه كان ذا شبق بالنساء. ٢٦ - لماذا تغضب عائشة من هذه التهمة ويهتم لها المجتمع المسلم وينزل فيها القرآن مع أنها صوبت نفس التهمة لمارية ولم يضربها النبي ﷺ الحد نظرًا لنوعية العلاقات في المجتمع الإسلامي الأول؟ ٢٧ - ما هو سر تدخل الله العجيب في تهمة تخص مراهقة لم تبلغ من العمر خمسة عشر عامًا؟ ٢٨ - قوله ﷺ في صفوان إنه خبيث اللسان طيب القلب. ٢٩ - كان طلحة يحب عائشة وكان يقول لئن مات محمد لأتزوجن عائشة وحدث ذلك بالفعل أثناء خروجها إلى حرب الجمل. والإجابة على تلك الترهات كما يلي: الوجه الأول: سياق حديث الإفك كما رواه مسلم ﵀ قال: حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا يُوُنسُ بْنُ يَزِيدَ الْأَيْليُّ، ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحْنْظَليُّ، وَمُحَمَّدُ بنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا - عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، - وَالسِّيَاقُ حَدِيثُ مَعْمَرٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدٍ وَابْنِ رَافِعٍ - قَالَ يُونُسُ وَمَعْمَر جَمِيعًا: عَنِ الزُّهْرِيّ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، حِينَ قَالَ في أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوَا: فَبَرَّأَهَا اللهُ مِمَّا قَالُوا، وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثهَا، وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثهَا مِنْ بَعْضٍ، وَأَثْبَتَ اقْتِصَاصًا، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الحدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي، وَبَعْضُ حَدِيثهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، ذَكَرُوا، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا، أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا أنزِلَ الحجَابُ، فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي، وَأنزَلُ فِيهِ مَسِيرَنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوِهِ، وَقَفَلَ، وَدَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ

стр. 4875

فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الجيْشَ، فَلَمّا قَضيْتُ مِنْ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ، فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي فَحَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِيَ الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، قَالَتْ: وَكَانَتِ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا، لَمْ يُهَبَّلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَحَلُوهُ وَرَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جَارَيةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الجمَلَ وَسَارُوا، وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الجْيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْمسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فتيَمَّصْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَة فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكَانَ صفْوَانُ بْنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الجْيْشِ فَادَّلَجَ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الحجَابُ عَلَيَّ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَوَالله مَا يُكَلِّمُنِي كَلِمَةً وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِيَ الرَّاحِلَةَ، حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ، بَعْدَمَا نَزُلوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِير، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِي شَأْنِي، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، فَقَدِمْنَا المُدِينَةَ فَاشْتكيْتُ، حِينَ قَدِمْنَا المُدِينَةَ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ، وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ اللُّطْفَ، الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتكِي، إِنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ الله ﷺ فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ " فَذَاكَ يَرِيبُنِي، وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَمَا نَقَهْتُ وَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَناصِعِ، وَهُوَ مُتبرَّزُنَا، وَلَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التَّنَزُّهِ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ، وَهِيَ بِنْتُ أَبِي رُهْمِ بْنِ المطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ، خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنها مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ المطَّلِبِ، فَأَقْبَلْتُ أَلا وَبِنْتُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي، حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا،

стр. 4876

فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ فَقُلْتُ لها: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ أَوْ لَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟ قَالَتْ: فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي، فَلَمّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ " قُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقَّنَ الخْبرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، فَأَذِنَ لِي رَسُولُ الله ﷺ ، فَجِئْتُ أَبَوَيَّ فَقُلْتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاهْ مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنيَةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ فَوَاللهَ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، وَفي ضَرَائِرُ، إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا، قَالَتْ قُلْتُ: سُبْحَانَ الله وَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي، وَدَعَا رَسُولُ الله ﷺ عَليَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زيدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ، يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ فًأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ بالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ لهمْ مِنَ الْوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله هُم أَهْلُكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَإِنْ تَسْأَلِ الجارَيةَ تَصْدُقْكَ، قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ الله ﷺ برِيرَةَ فَقَالَ: "أَيْ بَرِيرَةُ هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ مِنْ عَائِشَةَ؟ " قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا، أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فتَأْتِي الدَّاجِنُ فتَأْكُلُهُ، قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى المنْبَرِ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ وهُوَ عَلَى المَنْبَرِ: "يَا مَعْشَرَ المسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي فَوَالله مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهلي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهلي إِلَّا مَعِي" فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الأَنصَارِيُّ، فَقَالَ: أَلا أَعْذِرُكَ مِنْهُ، يَا رَسُولَ الله إِنْ كَانَ مِنَ الْأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ، قَالَتْ: فَقًامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنِ اجْتَهَلَتْهُ الحْمِيَّةُ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ الله لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ - وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِق تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ فَثَارَ الْحَيَّانِ

стр. 4877

الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَائِمٌ عَلَى المنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، قَالَتْ: وَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتِي المُقْبِلَةَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي اسْتَأْذَنتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنصَارِ، فَأَذِنْتُ في فَجَلَسَتْ تَبْكِي، قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُوُلُ الله ﷺ ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَىَ إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ، قَالَتْ: فتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً، فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ، ثُمَّ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ" قَالَتْ: فَلَمّا قَضَى رَسُولُ الله ﷺ ، مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ الله ﷺ ، فِيمَا قَالَ فَقَالَ: وَالله مَا أَدْرِي مَا أقوُلُ لِرَسُولُ الله ﷺ فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللهَ ﷺ ، فَقَالَتْ: وَالله مَما أَدْرِي مَما أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ وَأَنَا جَارَيةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرأُكَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ إِنِّيَ وَالله لَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِهَذَا حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي نُفُوسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَإِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّيَ بَرِيئَةٌ وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُونَنِي وَإِنِّي، وَالله مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] قَالَتْ: ثُمَّ تحَوَّلْتُ فَاضطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، قَالَتْ: وَأَنَا، وَالله حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأَنَّ اللهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ، وَالله مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يُنْزَلَ فِي شَأْنِي وَحْيٌ يُتْلَى، وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ الله ﷺ في النَّوْمِ رُؤيا يُبَرِّئُنِي اللهُ بِهَا، قَالَتْ: فَوَالله مَا رَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَجْلِسَهُ، وَلَا خَرَجَ مِنْ أَهْلَ الْبَيْتِ أَحَدٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْيِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ، فِي الْيَوْمِ الشَّاتِ، مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أنزِلَ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَلَمّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: "أَبْشِرِي يَا

стр. 4878

عَائِشَةُ أَمَّا اللهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ" فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللهَ، هُوَ الَّذِي أنزَلَ بَرَاءَتِي، قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ .. ﴾ عَشْرَ آيَاتٍ فَأَنْزَلَ اللهُ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ بَرَاءَتِي، قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ: وَالله لَا أنفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِين .. ﴾ إلى قوله ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، قَالَ حِبَّانُ بْنُ مُوسَى: قَالَ عَبْدُ الله بْنُ المُبَارَكِ: هَذِهِ أَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالله إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَع إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَا أنزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ سَأَل زينَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أَمْرِي "مَا عَلِمْتِ؟ أَوْ مَا رَأَيْتِ؟ " فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَالله مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَعَصَمَهَا اللهُ بِالْوَرَعِ، وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ تُحَارِبُ لَهَا، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَهَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ وقَالَ فِي حَدِيثِ يُوُنسَ، وصالح: احْتَمَلَتْهُ الحْمِيَّةُ. وَفِي حَدِيثِ فُلَيْحٍ: اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ كَمَا قَالَ مَعْمَر، وَزَادَ فِي حَدِيثِ صَالِحٍ: قَالَ عُرْوَةُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ، وَتَقُولُ: فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ وَزَادَ أَيْضًا: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَالله إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ لَيَقُولُ: سُبْحَانَ الله فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ، قَالَتْ: ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللهَ، وِفي حَدِيثِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: مُوعِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، وقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: مُوغِرِينَ، قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ: مَا قَولهُ مُوغِرِينَ؟ قَالَ: الْوَغْرَةُ شِدَّةُ الحرِّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِي الَّذِي ذُكِرَ، وَمَا عَلِمْتُ بِهِ، قَامَ رَسُولُ الله ﷺ خَطِيبًا فتشَهَّدَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأثنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهلي، وَايْمُ اللهِ مَا

стр. 4879

عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ قَطُّ، وَأَبَنُوهُمْ، بِمَنْ، وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ، وَلَا دَخَلَ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا وَأَنَا حَاضِر، وَلَا غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي" وَسَاقَ الحْدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَفِيهِ: وَلَقَدْ دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ بَيْتِي، فَسَأَل جَارَيتِي، فَقَالَتْ: وَالله مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْبًا، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ فتَأْكُلَ عَجِينَهَا، أَوْ قَالَتْ خَمِيرَهَا - شَكَّ هِشَامٌ - فَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: اصْدُقِي رَسُولَ الله ﷺ ، حَتَى أَسْقَطُواها بِهِ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ الله وَالله مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرَ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ، وَقَدْ بَلَغَ الْأَمْرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِيَ قِيلَ لَهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ الله وَالله مَا كَشَفْتُ، عَنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطُّ. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقُتِلَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَفِيهِ أَيْضًا مِنَ الزِّيَادَةِ: وَكَانَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِهِ مِسْطَح وَحَمْنَةُ وَحَسَّانُ، وَأَمَّا المنافِقُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ وَحَمْنَةُ (١). الوجه الثاني: فوائد الحديث . وبعد سياق حديث الإفك نذكر بعض الفوائد المستنبطة من هذا الحديث ليكون القارئ على بصيرة من أمره قبل عرض التساؤلات الواردة على هذا الحديث. كما قال ابن حجر (٢) بعد ذكر فوائد الحديث: وبذلك يعرف قصور من قال براءة عائشة ثابتة بصريح القرآن فأي فائدة لسياق قصتها. اعلم أن في حديث الإفك فوائد كثيرة: ١ - صحة القرعة بين النساء وفى العتق وغيره. ٢ - وفيه مشروعية جواز حكاية ما وقع للمرء من الفضل ولو كان فيه مدح ناس وذم ناس إذا تضمن ذلك إزالة توهم النقص عن الحاكي إذا كان بريئًا عند قصد نصح من يبلغه ذلك لئلا يقع فيما وقع فيه من سبق ٣ - إن الاعتناء بالسلامة من وقوع الغير في الإثم أولى من تركه يقع في الإثم وتحصيل الأجر للموقوع فيه.

стр. 4880

٤ - وفيه استعمال التوطئة فيما يحتاج إليه من الكلام. ٥ - جواز ركوب النساء في الهوادج على ظهر البعير ولو كان ذلك مما يشق عليه حيث يكون مطيقًا لذلك. ٦ - وأن الهودج يقوم مقام البيت في حجب المرأة. ٧ - وجواز تستر المرأة بالشيء المنفصل عن البدن. ٨ - وجوب الإقراع بين النساء عند إرادة السفر ببعضهن. ٩ - أنه لا يجب قضاء مدة السفر للنسوة المقيمات. وهذا مجمع عليه إذا كان السفر طويلًا وحكم القصير حكم الطويل على المذهب الصحيح. ١٠ - جواز سفر الرجل بزوجته. ١١ - جواز غزوهن. ١٢ - جواز خدمة الرجال لهن في تلك الأسفار إذا كان من وراء حجاب. ١٣ - أن ارتحال العسكر يتوقف على أمر الأمير. ١٤ - جواز خروج المرأة لحاجة الإنسان بغير إذن الزوج وهذه من الأمور المستثناة اعتمادًا على الإذن العام المستند إلى العرف العام. ١٥ - جواز لبس النساء القلائد في السفر كالحضر. ١٦ - وصيانة المال ولو قل للنهي عن إضاعة المال؛ فإن عقد عائشة لم يكن من ذهب ولا جوهر. ١٧ - أن من يُركب المرأة على البعير وغيره لا يكلمها إذا لم يكن محرمًا إلا لحاجة؛ لأنهم حملوا الهودج ولم يكلموا من يظنونها فيه. ١٨ - جواز تأخر بعض الجيش ساعة ونحوها لحاجة تعرض له عن الجيش إذا لم يكن ضرورة إلى الاجتماع. ١٩ - واستعمال بعض الجيش ساقةً يكون أمينًا ليحمل الضعيف ويحفظ ما يسقط وغير ذلك من الصالح.

стр. 4881

٢٠ - إعانة الملهوف، وعون المنقطع، وإنقاذ الضائع، وإكرام ذوى الأقدار كما فعل صفوان ﵁ في هذا كله. ٢١ - حسن الأدب مع الأجنبيات لاسيما في الخلوة بهن عند الضرورة في برية أو غيرها كما فعل صفوان من إبراكه الجمل من غير كلام ولا سؤال، وأنه ينبغى أن يمشى قدامها لا بجنبها ولا وراءها ليستقر خاطرها وتأمن مما يتوهم من نظره لما عساه ينكشف منها في حركة المشي. ٢٢ - استحباب الإيثار بالركوب ونحوه كما فعل صفوان. ٢٣ - استحباب الاسترجاع قول إنا لله وإنا إليه راجعون - عند المصائب سواء كانت في الدين أو الدنيا، وسواء كانت في نفسه أو من يعز عليه. ٢٤ - تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي سواء كان صالحًا أو غيره. ٢٥ - جواز الحلف من غير استحلاف. ٢٦ - أنه يستحب أن يستر عن الإنسان ما يقال فيه إذا لم يكن في ذكره فائدة كما كتموا عن عائشة هذا الأمر شهرًا ولم تسمع بعد ذلك إلا بعارض عرض وهو قول أم مسطح: تعس مسطح. ٢٧ - استحباب ملاطفة الرجل زوجته وحسن المعاشرة. ٢٨ - أنه إذا عرض عارض بأن سمع عنها شيئًا أو نحو ذلك يقلل من اللطف ونحوه لتفطن هي أن ذلك لعارض فتسأل عن سببه فتزيله أو تعتذر أو تعترف. ٢٩ - استحباب السؤال عن المريض. ٣٠ - وفيه إشارة إلى مراتب الهجران بالكلام والملاطفة؛ فإذا كان السبب محققًا فيترك أصلًا، وإن كان مظنونًا فيخفف، وإن كان مشكوكًا فيه أو محتملًا فيحسن التقليل منه لا للعمل بما قيل بل لئلا يظن بصاحبه عدم المبالاة بما قيل في حقه؛ لأن ذلك من خوارم المروءة. ٣١ - أنه يستحب للمرأة إذا أرادت الخروج لحاجة أن تكون معها رفيقة تستأنس بها. ٣٢ - كراهة الإنسان صاحبه وقريبه إذا أذى أهل الفضل أو فعل غير ذلك من القبائح كما فعلت أم مسطح في دعائها عليه.

стр. 4882

٣٣ - أن الزوجة لا تذهب إلى بيت أبويها إلا بإذن زوجها. ٣٤ - مشروعية التسبيح عند سماع ما يعتقد السامع أنه كذب. ٣٥ - استحباب مشاورة الرجل بطانته وأهله وأصدقاءه فيما ينوبه من الأمور وتخصيص من جربت صحة رأيه منهم بذلك ولو كان غيره أقرب. ٣٦ - جواز البحث والسؤال عن الأمور المسموعة عمن له به تعلق. أما غيره فهو منهي عنه وهو تجسس وفضول واستصحاب حال من اتهم بسوء إذا كان قبل ذلك معروفًا بالخير إذا لم يظهر عنه بالبحث ما يخالف ذلك. ٣٧ - والبحث عن حال من اتهم بشيء وحكاية ذلك للكشف عن أمره ولا يعد ذلك غيبة. ٣٨ - جواز استعمال (لا نعلم إلا خيرًا) في التزكية، وأن ذلك كاف في حق من سبقت عدالته ممن يطلع على خفي أمره. ٣٩ - التثبت في الشهادة. ٤٠ - فطنة الإمام عند الحادث المهم. ٤١ - توطئة العذر من يراد إيقاع العقاب به أو العتاب له. ٤٢ - استشارة الأعلى من هو دونه. ٤٣ - أن من استفسر عن حال شخص فأراد بيان ما فيه من عيب فليقدم ذكر عذره في ذلك إن كان يعلمه كما قالت بريرة في عائشة حيث عاتبها بالنوم عن العجين فقدمت قبل ذلك أنها جارية حديثه السن. ٤٤ - فيه أن النبي ﷺ كان لا يحكم لنفسه إلا بعد نزول الوحي لأنه ﷺ لم يجزم في القصة بشيء قبل نزول الوحي. ٤٥ - أن الحمية لله ورسوله لا تذم. ٤٦ - فيه فضائل جمة لعائشة ولأبويها ولصفوان بن المعطل ﵁ بشهادة النبي ﷺ له بما شهد وبفعله الجميل في إركاب عائشة ﵂ وحسن أدبه في جملة. القضية ولعلي بن أبي طالب وأسامة وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير.

стр. 4883

٤٧ - خطبة الإمام الناس عند نزول أمر مهم. ٤٨ - اشتكاء ولى الأمر إلى المسلمين من تعرض له بأذى في نفسه أو أهله أو غيره واعتذاره فيما يريد أن يؤذيه به. ٤٩ - المبادرة إلى قطع الفتن والخصومات والمنازعات وتسكين الغضب. ٥٠ - وإطلاق الكذب على الخطأ. ٥١ - والقسم بلفظ العمر الله واحتمال أخف الضررين بزوال أغلظهما وفضل احتمال الأذى. ٥٢ - وفيه مباعدة من خالف الرسول ولو كان قريبًا حميمًا. ٥٣ - وفيه أن من آذى النبي ﷺ بقول أو فعل يقتل؛ لأن سعد بن معاذ أطلق ذلك ولم ينكره النبي ﷺ . ٥٤ - وفيه مساعدة من نزلت فيه بلية بالتوجع والبكاء والحزن. ٥٥ - وفيه تثبت أبي بكر الصديق في الأمور؛ لأنه لم ينقل عنه في هذه القصة مع تمادي الحال فيها شهرًا كلمة فما فوقها إلا ما ورد عنه في بعض طرق الحديث أنه قال (والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية فكيف بعد أن أعزنا الله بالإسلام) وقع ذلك في حديث ابن عمر عند الطبراني (١). ٥٦ - توقيف من نقل عنه ذنب على ما قيل فيه بعد البحث عنه. ٥٧ - فيه مشروعية التوبة، وأنها تقبل من المعترف المقلع المخلص، وأن مجرد الاعتراف لا يجزئ فيها، وأن الاعتراف بما لم يقع لا يجوز ولو عرف أنه يصدق في ذلك ولا يؤاخذ على ما يترتب على اعترافه بل، عليه أن يقول الحق أو يسكت. ٥٨ - أن الصبر يحمد عاقبته ويغبط صاحبه. ٥٩ - فيه الضحك والفرح والاستبشار عند ذلك. ٦٠ - ومعذرة من انزعج عند وقوع الشدة لصغر من ونحوه. ٦١ - وإدلال المرأة على زوجها وأبويها.

стр. 4884

٦٢ - تفويض الكلام إلى الكبار دون الصغار لأنهم أعرف. ٦٣ - وفيه أن الشدة إذا اشتدت أعقبها الفرج. ٦٤ - وفيه فضل من يفوض الأمر لربه، وأن من قوي على ذلك خف عنه الهم والغم. كما وقع في حالتي عائشة قبل استفسارها عن حالها وبعد جوابها بقولها. والله المستعان. ٦٥ - ووقوع المغفرة من أحسن إلى من أساء إليه أو صفح عنه. ٦٦ - براءة عائشة ﵂ من الإفك وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز فلو تشكك فيها إنسان - والعياذ بالله - صار كافرًا مرتدًا بإجماع المسلمين. قال ابن عباس وغيره: لم تزن امرأة نبي من الأنبياء (١) وهذا إكرام من الله تعالى لهم. ٦٧ - أنه يستحب من حلف على يمين ورأى خيرا منها أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه. ٦٨ - فضيلة زينب أم المؤمنين ﵂. ٦٩ - وتحريم الشك في براءة عائشة. ٧٠ - إكرام المحبوب بمراعاة أصحابه ومن خدمة أو أطاعة كما فعلت عائشة - رضى الله عنها - بمراعاة حسان وإكرامه إكرامًا للنبي ﷺ . ٧١ - التأسي بما وقع للأكابر من الأنبياء وغيرهم. ٧٢ - ذم الغيبة وذم سماعها وزجر من يتعاطاها لا سيما إن تضمنت تهمة المؤمن بما لم يقع منه. ٧٣ - فيه تأخير الحد عمن يخشى من إيقاعه به الفتنة. (٢) ٧٤ - استدل بالحديث أبو علي الكرابيسي - صاحب الشافعي - في كتاب القضاء على منع الحكم حالة الغضب لما بدا من سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة من قول بعضهم لبعض حالة الغضب حتى كادوا يقتتلون. قال: فإن الغضب يخرج الحليم

стр. 4885

المتقي إلى ما لا يليق به، فقد أخرج الغضب قومًا من خيار هذه الأمة بحضرة رسول الله ﷺ إلى مالا يشك أحد من الصحابة أنها منهم زلة إلى آخر كلامه في ذلك. ٧٥ - ويؤخذ من سياق عائشة ﵂ جميع قصتها المشتملة على براءتها بيان ما أجمل في الكتاب والسنة لسياق أسباب ذلك وتسمية من يعرف من أصحاب القصص لما في ضمن ذلك من الفوائد الأحكامية والآدابية وغير ذلك، وبذلك يعرف قصور من قال براءة عائشة ثابتة بصريح القرآن فأي فائدة لسياق قصتها. ٧٦ - اتقاء مواطن الشبهات فإن عائشة ﵂ مع أنها أم المؤمنين قيل فيها ذلك فكيف بغيرها؟ وهذا في زمان رسول الله ﷺ فكيف بغير زمانه ﵊. ٧٧ - ترتيب المصالح وارتكاب أخف الضررين وتقديم الأولويات، فإن ضياع العقد أهون من التخلف عن الجيش ولأنها ﵂ كانت حديثة السن. ٧٨ - علاج الأمور في الفتن باللين، والحكمة، والبعد عن الشدة، والأدب في الدفاع عن النفس، واللجوء إلى الله تعالى، واستنفاد الجهد في ذلك. (١) ٧٩ - التواضع الجم والأدب الوفير: قال ابن كثير ﵀: ومن خصائصها: أن الله، سبحانه، برأها مما رماها به أهل الإفك، وأنزل في عذرها، وبراءتها، وحيًا يتلى في محاريب المسلمين، وصلواتهم إلى يوم القيامة، وشهد لها أنها من الطيبات، ووعدها المغفرة والرزق الكريم، وأخبر سبحانه، أن ما قيل فيها من الإفك كان خيرًا لها، ولم يكن بذلك الذي قيل فيها شر لها، ولا عيب لها، ولا خافض من شأنها، بل رفعها الله بذلك، وأعلى قدرها وعظم شأنها، وأصار لها ذكرًا بالطيب والبراءة بين أهل الأرض والسماء، فيا لها من منقبة ما أجلها. وتأمل هذا التشريف والإكرام الناشئ عن فرط تواضعها واستصغارها لنفسها، حيث قالت: ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بوحي يتلى، ولكن كنت أرجو

стр. 4886

أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا يبرئني الله بها، فهذه صديقة الأمة، وأم المؤمنين، وحب رسول الله ﷺ ، وهي تعلم أنها بريئة مظلومة، وأن قاذفيها ظالمون مفترون عليها، قد بلغ أذاهم إلى أبويها، وإلى رسول الله ﷺ ، وهذا كان احتقارها لنفسها وتصغيرها لشأنها، فما ظنك بمن قد صام يومًا أو يومين، أو شهرًا أو شهرين، قد قام ليلة أو ليلتين، فظهر عليه شيء من الأحوال، ولاحظوا أنفسهم بعين استحقاق الكرامات، وأنهم ممن يتبرك بلقائهم، ويُغتنم بصالح دعائهم، وأنهم يجب على الناس احترامهم وتعظيمهم وتعزيرهم وتوقيرهم، فيتمسح بأثوابهم، ويقبل ثرى أعتابهم، وأنهم من الله بالمكانة التي ينتقم لهم لأجلها ممن تنقصهم في الحال، وأن يؤخذ من أساء الأدب عليهم من غير إمهال، وإن إساءة الأدب عليهم ذنب لا يكفره شيء إلا رضاهم. ولو كان هذا من وراء كفاية لهان، ولكن من وراء تخلف، وهذه الحماقات والرعونات نتاج الجهل الصميم، والعقل غير المستقيم، فإن ذلك إنما يصدر من جاهل معجب بنفسه، غافل عن جرمه وعيوبه وذنوبه، مغتر بإمهال الله له عن أخذه بما هو فيه من الكبر والازدراء على من لعله عند الله خير منه. نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة. وينبغي للعبد أن يستعيذ بالله أن يكون عند نفسه عظيمًا، وهو عند الله حقير. (١) ٨٠ - وقال القرطبي: قال بعض أهل التحقيق: إن يوسف ﵇ لما رمى بالفاحشة برأه الله على لسان صبى في المهد، وإن مريم لما رميت بالفاحشة برأها الله على لسان ابنها عيسى - صلوات الله عليه -، وإن عائشة لما رميت بالفاحشة برأها الله تعالى بالقرآن، فما رضى لها ببراءة صبي ولا نبي حتى برأها الله بكلامه من القذف والبهتان. (٢) ٨١ - وينبغي أن يعلم أن سب عائشة ﵂ بما برأها الله منه يعتبر مروقًا من الدين - حسبما تقرر في القواعد الشرعية - وسابها كافر، وعلى هذا إجماع علماء المسلمين، مستدلين

стр. 4887

بقوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وبغيرها من آيات الكتاب الحكيم. قال القاضي أبو يعلى: من قذف عائشة ﵂ بما برأها الله منه كفر بلا خلاف. (١) وروى عن محمد بن زيد بن علي بن الحسين أخي الحسن بن زيد أنه لما قدم عليه رجل من العراق فذكر عائشة بسوء، فقام إليه بعمود فضرب به دماغه فقتله، فقيل له: هذا من شيعتنا ومن بني الآباء! فقال: هذا سمى جدي (٢) قرنان، ومن سمى جدي قرنان استحق القتل (٣). وروي عن أخيه الحسن بن زيد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب: أنه كان بحضرته رجلًا فذكر عائشة بذكر قبيح من الفاحشة، فقال: يا غلام، اضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا، فقال: معاذ الله، هذا رجل طعن على النبي ﷺ ، وقال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦]، فإن كانت عائشة خبيثة، فالنبي ﷺ خبيث! ، فهو كافر فاضربوا عنقه. فاضربوا عنقه، وأنا حاضر - على حد قول الراوي -. وقال ابن تيمية: ومن رمى عائشة ﵂ بما برأها الله منه فقد مرق من الدين .. (٤) وقال ابن حجر الهيتمي بعد ما ذكر حديث الإفك: علم من حديث الإفك أن من نسب عائشة إلى الزنا كان كافرًا، وقد صرح بذلك أئمتنا وغيرهم لأن في ذلك تكذيب النصوص القرآنية، ومكذبها كافر بإجماع المسلمين، وبه يعلم القطع بكفر كثيرين من غلاة الروافض؛ لأنهم ينسبونها إلى ذلك - قاتلهم الله - أنى يؤفكون. (٥)

стр. 4888

وأقوال علماء المسلمين كثيرة في هذا الباب، وكلها متضافرة على كفر من رمى الصديقة بما برأها الله منه، أو نسبها إلى الفاحشة - عياذا بالله - متبعين لكتاب ربهم الذي قرر أن الطيبين للطيبات والخبيثين للخبيثات وسنة نبيهم ﷺ التي دلت دلالة قطعية على أن رسول الله ﷺ يحب الصديقة الطيبة عائشة حبًا شديدا، وكان ﷺ لا يحب إلا طيبًا. (١) الوجه الثالث: الإجابة على أسئلة المعترض: ١ - لماذا طلبت عائشة الذهاب إلى بيت أبويها لتمرض هناك، والاستدلال بذلك على أنها لم تتأثر بالحادث لأن لها شخصية قوية؟ ولماذا أعرض عنها النبي ﷺ ، ولم يعول على حسن الظن كبقية المؤمنين؟ وما هو سر تدخل الله العجيب في هذه المراهقة؟ والجواب في نقاط: ١ - لم يقل ﷺ : بحسن الظن لشدة غيرته ﷺ ، والغيور لا يكاد يعول في مثل ذلك على حسن الظن. ب - إن قول أولئك الأصحاب ﵁: سبحانك هذا بهتان عظيم. لم يكن ناشئًا إلا عن حسن الظن ولم يتمسك به ﷺ ؛ لأنه لا يحسم القال والقيل ولا يرد به شيء من الأباطيل. ولا ينبغي من يؤمن بالله تعالى ورسوله ﷺ أن يخالج قلبه بعد الوقوف على الآيات والأخبار شك في طهارة نساء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الفجور في حياة أزواجهن وبعد وفاتهم عنهن. (٢) ج - لم يكن هذا من النبي ﷺ إعراضًا كليًا، وإنما كان من هديه مُلَاطَفَة الزَّوْجَة وَحُسْنُ مُعَاشَرَتهَا وَالتَّقْصِير مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ إِشَاعَة مَا يَقْتَفِي النَّقْص وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّق، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنْ تَتَفَطَّنَ لِتَغْيِيرِ الحْال فَتَعْتَذِر أَوْ تَعْتَرِف. د - وفي هذا الهدي إِشَارَةٌ إِلَى مَرَاتِبِ الهجْرَانِ بِالْكَلَامِ وَالمُلَاطَفَةِ، فَإِذَا كَانَ السَّبَبُ مُحَقَّقًا فَيُتْرَكُ أَصْلًا، وَإِنْ كَانَ مَظْنُونًا فَيُخَفَّفُ، وَإِنْ كَانَ مَشْكُوكًا فِيهِ أَوْ مُحْتَمَلًا فَيَحْسُن التَّقْلِيلُ

стр. 4889

مِنْهُ لَا لِلْعَمَلِ بِمَا قِيلَ، بَلْ لِئَلَّا يُظَنّ بِصَاحِبِهِ عَدَمُ المُبَالَاةِ بِمَا قِيلَ فِي حَقِّهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَوَارِمِ المُرُوءَةِ. (١) هـ - لقد فاجأت هذه الحادثة سمع النبي ﷺ وهو في طور من إنسانيته العادية فأخذ يتصرف ويفكر كأي أحد من الناس في حدود العصمة المعروفة للأنبياء، فاستقبلها كما يستقبل مثلها أي بشر من الناس ليس له اطلاع على غيب مكنون ولا ضمير مجهول ولا قصد ملفق كاذب، فأخذ يقلب الأمر على وجوهه ويستعين في ذلك بمشورة أولى الرأي من أصحابه. (٢) وقال حسين الموسوي: إن المتتبع لقصة الإفك يتضح أمامه صورة كاملة للحرية التامة التي كان المسلمون يتمتعون بها في الفكر والتعبير والكلام، ... وهنا فريد أن نستنتج شيئًا أهم من هذه الحادثة، وهو: أن المجتمع الذي يصل فيه التعبير عن الرأي وحرية الكلام سواء أكان ذلك صحيحًا أو سقيمًا إلى هذه المرحلة بحيث لا يرعى في حرمة رسول الله ﷺ الذي أنقذهم من الضلال والهلاك وهداهم إلى خير الدنيا والآخرة وخير البركات حتى أن نزلت آيات التأديب بحق الناس في ذلك المجتمع، هل يمكن للنبي ﷺ أن يحمل مجتمعًا مثل اهذا على أمر وهو مكره عليه إلا إذا كان ذلك الأمر من الله وبنص من كتابه، فحينئذ كانت الحريات الفكرية والاجتماعية كلها تتبخر أمام الأوامر الإلهية ويصبح الفرد والمجتمع أمام أوامر الله ونواهيه عبادًا مطيعين منقادين لا يسعهم إلا الامتثال لأمره والعزوف عن نواهيه. (٣) وأما انتقالها إلى بيت أبويها فلم يكن لتمرض هناك، بل طلبت الذهاب بعد أن نقهت من مرضها وسمعت بالخبر من أم مسطح لتستيقن الخبر من قبل أبويها؛ لأنه لا يليق بها أن تسأل زوجها عن ذلك، كما قالت هي عن نفسها في سياق القصة: وأنا حينئذ أربد أن أستثبت الخبر من قِبَلهما. ز - وقولهم لم تتأثر بذلك لقوة شخصيتها: كذب لما يلي:

стр. 4890

١ - لما ورد في سياق القصة أنها قالت فازددت مرضا على مرضي. ٢ - وقالت: فبكيت ليلتي هذه لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. ٣ - وقولها بعد ذلك: فبكيت يومي هذا وليلتي تلك وأصبح أبواي عندي وهما يظنان أن البكاء فالق كبدي. أفبعد هذا كله تتهم أنها لم تتأثر بما فعلت لقوة شخصيتها فأي شخصية أمام هذا الاتهام الجائر لهذه الجارية في هذا السن؟ ثانيا - فَإِنْ قِيلَ فَمَا بَالُ رَسُولِ الله ﷺ تَوَقّفَ فِي أَمْرِهَا وَسَأَل عَنْهَا وَبَحَثَ وَاسْتَشَارَ وَهُوَ أَعْرَفُ بِالله وَبِمَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ وَبِمَا يَلِيقُ بِهِ وَهَلّا قَالَ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ كَمَا قَالَهُ فُضَلَاءُ الصّحَابَةِ؟ فَالْجَوَابُ: ١ - أَنّ هَذَا مِنْ تَمَامِ الحِكَمِ الْبَاهِرَةِ الّتِي جَعَلَ الله هَذِهِ الْقِصّةَ سَبَبًا لَهَا وَامْتِحَانًا وَابْتِلَاءً لِرَسُولِهِ ﷺ وَلِجَمِيعِ الْأُمّةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِيَرْفَعَ بِهَذِهِ الْقِصّةِ أَقْوَامًا وَيَضَعَ بِهَا آخَرِينَ وَيَزِيدُ الله الّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَإِيمَانًا وَلَا يَزِيدُ الظّالمِينَ إلّا خَسَارًا فَاقْتَضَى تَمَامُ الامْتِحَانِ وَالابْتِلَاءِ أَنْ حُبِسَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ الْوَحْيُ شَهْرًا فِي شَأْنِهَا لَا يُوحَى إلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ لِتَتِمّ حِكْمَتُهُ الّتِي قَدّرَهَا وَقَضَاهَا وَتَظْهَرَ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ. ٢ - وَلتَتِمّ الْعُبُودِيّةُ المُرَادَةُ مِنْ الصّدّيقَةِ وَأَبَوَيْهَا، وَتَتِمّ نِعْمَةُ الله عَلَيْهِمْ. ٣ - وَلتَشْتَدّ الْفَاقَةُ وَالرّغْبَةُ مِنْهَا وَمنْ أَبَوَيْهَا وَالافْتِقَارُ إلَى الله وَالذّلّ لَهُ وَحُسْنُ الظّنّ بِهِ وَالرّجَاءُ لَهُ وَليَنْقَطِعَ رَجَاؤُهَا مِنْ المَخْلُوقِينَ وَتَيْأَسَ مِنْ حُصُولِ النّصْرَةِ وَالْفَرَجِ عَلَى يَدِ أَحَدٍ مِنْ الْخَلْقِ، وَلِهَذَا وَفّتْ هَذَا الْمَقَامَ حَقّهُ لمّا قَالَ في أَبَوَاهَا: قُومِي إلَيْهِ وَقَدْ أَنْزَلَ الله عَلَيْهِ بَرَاءَتهَا فَقَالَتْ: وَالله لَا أَقُومُ إلَيْهِ وَلَا أَحْمَدُ إلّا الله، هُوَ الّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي. ٤ - وَأَيْضًا فَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ حَبْسِ الْوَحْيِ شَهْرًا أَنّ الْقَضِيّةَ مُحّصَتْ، وَتَمحّضَتْ وَاسْتَشْرَفَتْ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ أَعْظَمَ اسْتِشْرَافٍ إلَى مَا يُوحِيهِ الله إلَى رَسُولِهِ فِيهَا وَتَطَلّعَتْ إلَى ذَلِكَ غَايَةَ التّطَلّعِ فَوَافَى الْوَحْيَ أَحْوَجَ مَا كَانَ إلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَالصّدّيقُ وَأَهْلُهُ وَأَصْحَابُهُ وَالمُؤْمِنُونَ، فَوَرَدَ عَلَيْهِمْ وُرُودَ الْغَيْثِ عَلَى الْأَرْضِ أَحْوَجَ مَا كَانَتْ إلَيْهِ

стр. 4891

فَوَقَعَ مِنْهُمْ أَعْظَمَ مَوْقِعٍ وَأَلْطَفَهُ وَسُرّوا بِهِ أَتَمّ السّرُورِ، وَحَصَلَ لَهُمْ بِهِ غَايَةُ الهَنَاءِ فَلَوْ أَطْلَعَ الله رَسُولَهُ عَلَى حَقِيقَةِ الحالِ مِنْ أَوّلِ وَهْلَةٍ، وَأَنْزَلَ الْوَحْيَ عَلَى الْفَوْرِ بِذَلِكَ لَفَاتَتْ هَذه الحكَمُ وَأَضْعَافُهَا بَلْ أَضْعَافُ أَضْعَافِهَا. ٥ - إظْهَارُ الله مَنْزِلَتَهُ ﷺ وَأَهْلِ بَيْتِهِ عِنْدَهُ، ... وَأَنْ يُخْرِجَ رَسُولَهُ عَنْ هَذِهِ الْقَضِيّةِ وَيَتَوَلّى هُوَ بِنَفْسِهِ الدّفَاعَ وَالمُنَافَحَةَ عَنْهُ وَالرّدّ عَلَى أَعْدَائِهِ وَذَمّهِمْ وَعَيْبِهِمْ بِأَمْرٍ لَا يَكُونُ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ وَلَا يُنْسَبُ إلَيْهِ، بَلْ يَكُونُ هُوَ وَحْدَهُ المُتَوَلّي لِذَلِكَ الثّائِرُ لِرَسُولِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ. ٦ - وَأَيْضًا فَإِنّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ هُوَ المَقْصُودَ بِالْأَذَى وَالّتِي رُمِيَتْ زَوْجَتُهُ، فَلَمْ يَكُنْ يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَشْهَدَ بِبَرَاءَتِهَا مَعَ عِلْمِهِ أَوْ ظَنّهِ الظّنّ المُقَارِبَ لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَتِهَا وَلَمْ يَظُنّ بِهَا سُوءًا قَطّ - وَحَاشَاهُ وَحَاشَاهَا - وَلذَلِكَ لمّا اسْتَعْذَرَ مِنْ أَهْلِ الْإِفْكِ قَالَ: مَنْ يَعْذِرُنِي فِي رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهلي وَالله مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهلي إلّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهلي إلّا مَعِي، فَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْقَرَائِنِ الّتِي تَشْهَدُ بِبَرَاءَةِ الصّدّيقَةِ أَكْثَرَ مِمّا عِنْدَ المؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ لِكَمَالِ صَبر وَثَبَاتِهِ وَرِفْقِهِ وَحُسْنِ ظَنّهِ بِرَبّهِ وثقَتِهِ بِهِ وَفّى مَقَامَ الصبْرِ وَالثّبَاتِ وَحُسْنِ الظّنّ بِالله حَقّهُ حَتّى جَاءَهُ الْوَحْيُ بِمَا أَقَرّ عَيْنَهُ وَسَرّ قَلْبَهُ وَعَظّمَ قَدْرَهُ وَظَهَرَ لِأُمّتِهِ احْتِفَالُ رَبّهِ بِهِ وَاعْتِنَاؤُهُ بِشَأْنِهِ. (١) ٧ - ما كان حديث الإفك رمية لعائشة وحدها، إنما كان رمية للعقيدة في شخص نبيها وبانيها .. من أجل ذلك أنزل الله القرآن ليفصل في القضية ... ويكشف عن الحكمة العليا وراء ذلك كله؛ وما يعلمها إلا الله. (٢) ثالثا: قولهم: أما أمها فعزت أصل الأقاويل إلى ضرائرها اللاتي تآمرن عليها . والجواب: أن هذا كذب وسوء فهم. فإن الذي قالته أمها ليس كذلك، ولا يفهم منه هذا. وها هو الحوار بينهما: فَقُلْتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاهُ، مَاذَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي

стр. 4892

عَلَيْكِ، فَوَالله لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا. قَالَتْ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ الله أَوَ لَقَدْ تحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ: نعم ..... الحديث. أولًا: هذا من أمها ليس اتهامها لضرائر عائشة بهذا الإفك. وإنما هو بمثابة ضرب مثل من أمها تعزيها به في مثل هذا الموقف، وغرضها أن تقول لها: لست وحدك المصابة فهاهن نساء العالمين قلما توجد فيهن امرأة مثلك لها ضرائر وزوجها يحبها مثلك إلا تكلم الضرائر فيها، فللحب والتألق ضريبة تدفع ولابد. فقولها إلا كثّرن عليها ليس بعائد علي ضرائر عائشة، وإنما هو عائد على ضرائر المرأة الوضيئة التي ضربت بها المثل. وتهوين المصيبة بذكر كثرة المصابين أمر معروف في الكتاب والسنة. وكانت أم رومان تعلمه ولذلك قدمته لابنتها في الوقت التي تحتاجه. ومن ذلك ذكر قصص السابقين في القرآن والسنة ومنه في هذا الحديث قول عائشة: ما أري لي ولكم مثلًا إلا قول - أَبُو يُوسُفَ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. وأما فيما يتعلق بالضرائر فلم تتكلم واحدة منهن في عائشة بسوء، حتى زينب بنت جحش قالت: أحمي سمعي وبصري ولا أعلم عليها إلا خيرًا. فينما تكلمت حمنة فقط وليس من زوجات النبي ﷺ إنما هي أخت زينب. فلعل سبب كلامها فيها المحاربة لأجل أختها. أما الضرائر زوجات النبي ﷺ فلم تتفوه واحدة منهن بما يسيء إلي رسول الله ﷺ ولا إلي عائشة أبدًا. فقوله: عزت أصل الكلام إلي الضرائر: سوء فهم للعبارة التي خرجت من أم رومان على سبيل التعزية بضرب المثل كما مر. (١) رابعًا: وبعد كلامه على قوة شخصية عائشة التي فهمها من أنها لم تبال بالأمر وانتقلت إلى أبويها. قال: وربما لو كانت غير عائشة من زوجات النبي ﷺ الأخريات لبلغت حد الانتحار . وهذه النتيجة التي يتحدث عنها مبنية علي مقدمات: الأولي: أنه سلم باتهام أم المؤمنين بهذه التهمة. الثانية: أنها ذات شخصية قوية من دون زوجات النبي ﷺ . الثالثة: جهله بالحالة الإيمانية عند الصحابة عمومًا، وعند أمهات المؤمنين خاصةً.

стр. 4893

فإذا علم أن إجماع المسلمين على براءة عائشة من هذه التهمة، وأنها لم تتمالك نفسها من كثرة البكاء عند علمها بهذا الأمر. فينبغي الجواب علي قوله - لبلغت حد الانتحار: وهذا مبني على جهله بحال من يتكلم عنهم، وذلك أن الانتحار الذي يتحدث عنه يوجد في مجتمعه هو لا في مجتمع عاش فيه رسول الله ﷺ . وليس الكلام في هذا الآن. وإنما الكلام في أعلى منها وأحسن. وهي أنهم كانوا إذا وقع أحدهم في الذنب سرًّا وخفية أتي رسول الله ﷺ واعترف لكي يطهره بالحد قبل أن يلقي الله تعالي. وإليك بعض هذه الصور: ١ - عن عبد الله بن مسعود قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةً فِي أَقْصَى المَدِينَةِ وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا. فَأَنَا هَذَا فَاقْضِ فِيَّ مَا شِئْتَ .. ) (١). فانظر كيف ستره الله حالة الفعل لكن ضميره لم يسمح له حتى جاء يطلب أن يعاقب على فعله بين يدي رسول الله ﷺ ولم يفكر في الانتحار كما زعم هذا. ٢ - وعن أنس وأبي أمامة ﵁: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ ... ) (٢) وهكذا كانت الروح الإيمانية في مجتمع الصحابة بحيث لو وقع أحدهم في معصية سارع إلى رسول الله ﷺ معترفًا بذلك بين يديه ولم يفكر أحد منهم في الانتحار؛ لأن الانتحار ذنب فوق ذنب. فكلام هذا الكاتب في حق الزوجات الطاهرات اتهام مبني علي وهم توهمه - وحسبنا الله ونعم الوكيل -، وذلك لأنهم كانوا يفقهون حديث النبي ﷺ الذي رواه ثابت بن الضحاك أنه قال: "وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٣). وقوله ﷺ في حديث الرجل الذي قتل نفسه: "بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجنّةَ". (٤)

стр. 4894

خامسا قولهم: إذا ثبتت التهمة على عائشة سيحصل خلاف بين أبي بكر والنبي محمد ﷺ مما سيؤدي إلى تفكك الحركة الإسلامية ولذا كان على النبي محمد ﷺ أن يمارس كل ما يمكن للحصول على براءة عائشة وللإجابة على ذلك نقم بطرح سؤالين: ١ - هل ثبوت التهمة يترتب عليه وقوع الخلاف بين أبي بكر ورسول الله ﷺ ؟ ٢ - هل لو وقع الخلاف ينهدم صرح الدعوة الإسلامية كما زعم هؤلاء؟ وبالإجابة على هذين السؤالين يتجلى بطلان هذا الزعم: أولا: إن الناظر في حياة الصديق مع النبي ﷺ يرى أنه كان أولى الناس بقوله ﷺ في حديث أنس: "لَا يُؤْمنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ". (١) وإليك بعض المواقف من حياته توضح ذلك: أ - صفاته التي قاربت إلى حد كبير صفات النبي ﷺ كما جاء على لسان ابنِ الدُّغُنَّةِ في وصف أبي بكر موافقًا لوصف خديجة للنبي ﷺ من غير مواطأة منهما على ذلك. ٢ - لقد هاجر مع النبي ﷺ وترك بيته وعياله وفيهم عائشة وكان أسعد الناس بذلك. وها هو الحديث: عن عُرْوَة بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَايَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ الله ﷺ طَرَفَي النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمّا ابْتُليَ المُسْلِمُونُ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا نَحْوَ أَرْضِ الحبَشَةِ، حَتَّى بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدُّغُنَّةِ وَهْوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ. فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي، فَأُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ في الأَرْضِ وَأَعْبُدَ رَبِّي. قَالَ ابْنُ الدُّغُنَّةِ: فَإِنَّ مِثْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ، إِنَّكَ تَكْسِبُ المُعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَقْرِى الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَأَنَا لَكَ جَارٌ، ارْجِعْ وَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ. فَرَجَعَ وَارْتحَلَ مَعَهُ ابْنُ الدُّغُنَّةِ، فَطَافَ ابْنُ الدَّغِنَةِ عَشِيَّةً في أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لهمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلَا يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يَكْسِبُ المُعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الْكَلَّ، وَيَقْرِى الضَّيْفَ،

стр. 4895

وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَلَمْ تُكَذِّبْ قُرَيْشٌ بِجِوَارِ ابْنِ الدَّغِنَةِ، وَقَالُوا لابْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ في دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ فِيهَا وَلْيقْرَأْ مَا شَاءَ، وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ، وَلَا يَسْتَعْلِنْ بِهِ، فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا. فَقَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ لأَبِى بَكْرٍ، فَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ يَعْبُدُ رَبَّهُ في دَاره، وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِصَلاتِهِ، وَلَا يَقْرَأُ في غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لأَبِى بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجدًّا بِفِنَاءِ دَارِهِ وَكَانَ يُصَلِّى فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَنْقَذِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ، وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً، لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ، وَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ. فَقَالُوا: إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ بِجِوَارِكَ، عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ في دَارِهِ، فَقَدْ جَاوَزَ ذَلِكَ، فَابْتَنَى مَسْجدًّا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَأَعْلَنَ بِالصَّلاةِ وَالْقِرَاءَةِ فِيهِ، وَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا فَانْهَهُ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ في دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ بِذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّا قَدْ كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ، وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لأَبِى بَكْرٍ الاسْتِعْلانَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الذي عَاقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيَّ ذِمَّتِي، فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّى أُخْفِرْتُ في رَجُلٌ عَقَدْتُ لَهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فَإِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ وَأَرْضَى بِجِوَارِ الله . وَالنَّبِي ﷺ يَوْمَئِذٍ بمَكَّةَ. فَقَالَ النَّبِي ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ: "إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لابَتَيْنِ -، وَهُمَا الَحرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ، وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الحبَشَةِ إِلَى المَدِينَةِ، وَتجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ المَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : "عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لي". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ قَالَ: "نَعَمْ". فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِقتيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ - وَهْوَ الْخَبَطُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ -. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ في بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قَالَ قَائِلٌ لأَبِى بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ الله ﷺ مُتَقَنِّعًا - في سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا - فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَالله مَا جَاءَ بِهِ في هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ. قَالَتْ: فَجَاءَ

стр. 4896

رَسُولُ الله ﷺ ، فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ لأَبِى بَكْرٍ: "أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أنتَ يَا رَسُولَ الله. قَالَ: "فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّحَابَةُ - بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ الله. قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "نَعَمْ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأَبي أَنْتَ يَا رَسُولَ الله إِحْدَى رَاحِلَتيّ هَاتَيْنِ. قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بِالثَّمَنِ". قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الجهَازِ، وَصَنَعْنَا لهما سُفْرَةً في جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مَنْ نِطَاقِهَا فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الجرَابِ - فَبِذَلِكَ سُقَيَتْ ذَاتَ النِّطَاقِ - قَالَتْ - ثُمَّ لحِقَ رَسُولُ الله ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ في جَبَلِ ثَوْرٍ فَكَمَنَا فِيهِ ثَلاثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ الله بْنُ أَبِي بَكْرٍ - وَهْوَ غُلامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ -، فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ، حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلامُ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ، فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ يَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ في رِسْلٍ - وَهْوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفهِمَا - حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ الليالي الثَّلاثِ، وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ الله ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ، وَهْوَ مِنْ بَني عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ هَادِيًا خِرِّيتًا - وَالخرِّيتُ المَاهِرُ بِالْهِدَايَة - قَدْ غَمَسَ حِلْفًا في آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِي، وَهْوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَأَمِنَاهُ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلاثٍ، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ. (١) ٣ - كان أبو بكر على أتم استعداد لقتل ابنه عبد الرحمن في غزوة بدر؛ لأنه كان يقاتل مع المشركين، فقال له بعد أن أسلم: لو أهدفت لي ما صدفت عنك. فعن ابن سيرين أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق كان يوم بدر مع المشركين فلما أسلم قال لأبيه: لقد أهدفت لي يوم بدر فصرفت عنك ولم أقتلك، فقال أبو بكر: لكنك لو أهدفت لي لم أنصرف عنك.

стр. 4897

قال ابن عساكر: وهذا من أكبر فضائله؛ لأنه كان لا تأخذه في الله لومة لائم جعل الله في قلبه من جلالة الإيمان. وبهذا وصف الله أصحاب محمد ﷺ ، فقال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] (١) ثانيًا: ولو فرض أن هذا يقع من أبي بكر فهل تتوقف حركة الدعوة الإسلامية كما ظن؟ والجواب يتضح إذا علم أن النبي ﷺ مات، ومات أبو بكر، وعمر، وكل الصحابة ولم ينته أمر هذا الدين؛ لأن الذي تكفل بحفظه هو الله تعالى فكيف ينهار بسبب أمر كهذا! وإذا كان الأمر كذلك فما الذي يدعو رسول الله ﷺ لأن يستخدم التقية مع أبي بكر ويقوم بإنزال آيات في براءة عائشة ﵂؟ ! سادسًا: لماذا خص النبي ﷺ عليًّا وأسامة بالمشورة في هذه القضية ؟ هل لأنه لاذ بالعصبية في مثل هذا الموقف؟ أم هربًا من الإحراج لو انكشف أمر كهذا أمام علي وأسامة؟ والجواب من وجوه: الوجه الأول: أنه صح أنه استشار غيرهما كما في هذه الرواية الصحيحة أنه سأل عنها زينب وبريرة. الوجه الثاني: الْعِلَّة فِي اخْتِصَاص عِليّ وَأُسَامَة بِالمُشَاوَرة: أَنَّ عَلِيًّا كَانَ عِنْدَهُ كَالْوَلَدِ؛ لأَنَّهُ رَبَّاهُ مِنْ حَالِ صِغَره ثُمَّ لَمْ يُفَارِقهُ، بَلْ وَازْدَادَ اتِّصَاله بِتَزْوِيجِ فَاطِمَة فَلِذَلِكَ كَانَ مَخْصُوصًا بِالمُشَاوَرَةِ فِيمَا يَتَعَلَّق بِأَهْلِهِ لمِزِيدِ اطِّلَاعه عَلَى أَحْوَاله أَكْثَر مِنْ غَيْره؛ وَكَانَ أَهْل مَشُورَته فِيمَا يَتَعَلَّق بِالْأُمُورِ الْعَامَّة أَكَابِر الصَّحَابَة كَأَبِي بَكْر وَعُمَر. وَأَمَّا أُسَامَة فَهُوَ كَعَليٍّ فِي طُولِ المُلَازَمَة وَمَزِيد الاخْتِصَاص وَالمَحَبَّة، وَلذَلِكَ كَانُوا يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ أَنَّهُ حِبُّ رَسُول الله ﷺ . (٢)

стр. 4898

سابعًا: موقف علي ﵁ فيما قال: الذي قاله علي ﵁ هو: "يَا رَسُول الله لَمْ يُضيِّق الله عَلَيْك، وَالنِّسَاء سِوَاهَا كَثِيرٌ وَإِنْ تَسْأَلْ الجْارِيَةَ تَصْدُقْكَ) حيث قالوا تعليقًا على مشورة علي ﵁: إن عليًّا قال هذا اعتمادًا علي سوء الظن الناشئ عن معرفته بسوابق أحوال عائشة. الجواب: ١ - لقد استشار النبي ﷺ صاحبيه في فراقها ولم يسألهما أصلًا عن حسن الظن أو سوء الظن. فَأَشَارَ عَلَيْهِ عَليّ ﵁ أَنْ يُفَارِقَهَا تَلْوِيحًا لَا تَصْرِيحًا؛ لأَنه رَأَى أَنّ مَا قِيلَ مَشْكُوكٌ فِيهِ فأَشَارَ بِتَرْكِ الشّكّ وَالرّيبَةِ إلَى الْيَقِينِ لِيَتَخَلّصَ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ الْهَمّ وَالْغَمّ الّذِي لحَقَهُ مِنْ كَلَامِ النّاسِ فَأَشَارَ بِحَسْمِ الدّاءِ (١). ٢ - وهذا الكلام الذي قاله عليّ ﵁ حمله عليه ترجيح جانب النبي ﷺ لما رأي عنده من القلق والغم بسبب القول الذي قيل. ٣ - كان النبي ﷺ شديد الغيرة فرأى عليّ أنه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن يتحقق براءتها فيمكن رجعتها (٢). ٤ - رأى عليّ هذا الرأي ارتكابًا لأخف الضررين لدفع أعظمهما. فالأخف هو الطلاق والأعظم هو ما فيه رسول الله من الغم والهم (٣). قال النووي: رَأَى عِليّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَصْلَحَة فِي حَقّ النَّبِيّ ﷺ وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ لمَا رَأَى مِنْ انْزِعَاجه، فَبَذَلَ جَهْده فِي النَّصِيحَة لِإِرَادَةِ رَاحَة خَاطِره ﷺ (٤). ٥ - وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة: لَمْ يَجْزِم عَليّ بِالْإِشَارَةِ بِفِرَاقِهَا؛ لِأَنَّهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (وَسَلْ الْجَارِيَة تَصْدُقْك)، فَفَوَّضَ الْأَمْر فِي ذَلِكَ إِلَى نَظَر النَّبِيّ ﷺ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ أَرَدْت تَعْجِيل

стр. 4899

الرَّاحَة فَفَارِقْهَا، وَإِنْ أَرَدْت خِلَاف ذَلِكَ فَابْحَثْ عَنْ حَقِيقَة الْأَمْر إِلَى أَنْ تَطَّلِعَ عَلَى بَرَاءَتَهَا. لِأَنَّهُ كَانَ يعلم أَنَّ بَرِيرَةَ لَا تُخْبِرهُ إِلَّا بِمَا عَلِمَتْهُ، وَهِيَ لَمْ تَعْلَم مِنْ عَائِشَة إِلَّا الْبَرَاءَة المَحْضَة (١). قلت: فيبدو مما مر أن عليًّا رجح النظر إلى جانب رسول الله ﷺ فلم يبق عنده موضع للدفاع عن عائشة في البداية. ثم عاد للدفاع عنها عندما قال (وَسَلْ الجارِيَة تَصْدُقْك). ولا يشك منصف في أن عليًّا ﵁ لم يقصد الإساءة إلى عائشة بهذه المشورة؛ لأنه يعلم أن الإساءة إليها إساءة لرسول الله ﷺ . وما الغم والهم عند رسول الله ﷺ إلا بسبب هذا الكلام. أفيعقل أن يشارك فيه علي وهو يريد أن يسري الهم عن رسول الله ﷺ ؟ ! . ٦ - وقوله سوء الظن الناشئ عن معرفته بسوابق أحوال عائشة، وأنه عرف ذلك من الجارية. فالجواب عنه من وجهين: الأول: أن الجارية قالت (لا أعلم عليها إلا خيرًا) وتعجبت من تهمة عائشة بذلك. (٢) الثاني: إن عائشة على أصح الأقوال كان سنها في حديث الإفك اثني عشر سنة. فأي السوابق فعلتها عائشة قبل هذا السن؟ ولعله يذكر اعتراضه من قليل على زواج النبي ﷺ بها في التاسعة. فكيف يقول في التاسعة والعاشرة طفلة؟ والآن يقول إن لها سوابق؟ ! . قوله: وهذا الظن السيئ ترافق مع سوء العلاقة بين فاطمة وعائشة، وإنه في هذه الحالة كانت أشباح فاطمة هي التي كانت تضرب الجارية بيد علي - وأنه كان يتمنى طرد عائشة من بيت الرسول ﷺ لأنها كانت هي وفاطمة في شقاق دائم. والجواب علي هذا: ١ - سبق الجواب في الفقرة السابقة أن سوء ظن علي ﵁ في عائشة لا أصل له. ٢ - أما سوء العلاقة بين فاطمة وعائشة فهذه فرية من أعظم الفرى. ومن الأدلة حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لفاطمة: "ألَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ فَقَالَتْ: بَلَى. قَالَ: "فَأَحِبِّي هَذِهِ - يعني عائشة -" (٣). فلو لم تكن فاطمة تحب عائشة لكانت غير صادقة في قولها (بلى)، ولكانت عاصية لأبيها في قوله "فَأَحِبِّي هَذِهِ". وليست كذلك فاطمة ﵂.

стр. 4900

ثانيًا: إن قوله إن فاطمة وعائشة كانتا في شقاق دائم كذب لا دليل عليه أصلًا. بل لما قال النبي ﷺ "فأحبي هذه" قالت: وَالله لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا. وهذه العداوة التي يفتعلها الروافض بين فاطمة وعائشة ﵄، فيدحضها موقف عائشة البريء الشريف من فاطمة وروايتها لفضائلها. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَرْحَبًا بِابْنَتِي، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمالِهِ، ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ. فَقُلْتُ لهَا: لِمَ تَبْكِينَ؟ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ. فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ. فَسَألتُهَا عَما قَالَ. فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ الله ﷺ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَسَألتُهَا فَقَالَتْ: أَسَرَّ إِلَيَّ إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لحاقًا بِي فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: "أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدةَ نِسَاءِ أَهْلِ الجنَّةِ أَوْ نِسَاءِ المُؤْمِنينَ"، فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ (١). فانظر إلى هذه الفضائل العظيمة التي ترويها عائشة - رضى الله عنها - عن رسول الله ﷺ ومنها ما تصف به فاطمة عن قناعة بها. كما روت عائشة فضائل خديجة ﵂ ومن ذلك "بُشرى رسول الله ﷺ لها ببيت بالجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب". (٢) فهذا من أعظم الأدلة على منزلة فاطمة وأمها عند عائشة وحبها وتقديرها لهما ونقول مثل ذلك في فاطمة ﵂ أنها تحب عائشة وتقدرها. ولا يفتعل العداوة بينهما إلا الروافض كما يفتعلون العداوة بين أهل البيت وبين الصحابة. وتاريخ الجميع الصحيح يفضح الروافض أعداء الجميع، ويكفي أصحاب محمد ﷺ وأزواجه تزكية الله وتزكية رسوله لهم، وشهادة الله لهم بالجنة والرضوان، وتعظيم المسلمين حقًّا لهم ولا يضرهم حقد وأكاذيب الأعداء ومن على نهجهم.

стр. 4901

اللهم إنا نشهدك أننا نحب رسولك محمدًا ﷺ وأصحابه الكرام وزوجاته الشريفات أمهات المؤمنين وأهل بيته الكرام. فنسألك اللهم التوفيق لطاعة هذا الرسول الكريم ﷺ في كل أمورنا واتباعه في عقائدنا ومناهجنا وأخلاقنا. ونسألك أن تُثبِّتنا على ذلك إنَّك جواد كريم. (١) ثامنًا: أما عن قولهم: أن حسان شاعر النبي محمد ﷺ كان يروج للمسألة . فالظاهر أن حسان لم يتكلم به عن صميم. قلت: وإنما نقله عن ابن أُبي - لعنه الله تعالى -، وقد جاء أنه ﵁ اعتذر عما نسب إليه في شأن عائشة ﵂ فقال: حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ عَقِيلَةُ حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ ... كِرَامِ المُسَاعِي مَجْدُهُمْ غَيْرُ زَائِلِ مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ الله خِيمَهَا ... وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَبَاطِلِ فَإِنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ الَّذِي قَدْ زَعَمْتُمْ ... فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إلَيَّ أَنَامِلي وَكَيْفَ وَوُدِّي مَا حَيِيتُ وَنُصْرَتي ... لِآلِ رَسُولِ الله زَيْنُ المُحَافِلِ لَهُ رَتَبٌ عَالٍ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ ... تَقَاصَرَ عَنْهُ سَوْرةُ المُتَطَاوِلِ فَإِنَ الَّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَائِطٍ ... وَلَكِنَّهُ قَوْلُ امْرِئٍ بِي مَاحِلِ وكانت عائشة ﵂ تكرمه بعد ذلك وتذكره بخير وتقول: لا تؤذوا حسان؛ فإنه كان ينصر رسول الله ﷺ بلسانه. وعنها أنها قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة. ومن دفاعه عن رسول الله قوله لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: هَجَوْتَ مُحَمَّدًا وَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ الله فِي ذَاكَ الجزَاءُ أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ هَجَوْتَ مُبَارَكًا بَرًّا حَنِيفًا ... أَمِينَ الله شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ

стр. 4902

أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ الله مِنْكُمْ ... وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ؟ فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَيْبَ فِيهِ ... وَبَحْرِي لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ (١) تاسعًا: هل كان صعود النبي ﷺ على المنبر وقوله: من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، من باب استثارة الجماهير ضد عبد الله بن أبي ؟ والجواب: لا. لم يكن شيء من ذلك وبيانه ما يلي: ١ - كان صعوده ﷺ من باب العذر حتى لا يقول من لا يعلم القضية إن محمدًا يقتل أصحابه. فيكون ذلك سببًا للصد عن سبيل الله. فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ العُذْرُ مِنْ الله مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ". (٢) ٢ - وكان صعوده ﷺ طلبًا للمشورة على عادته، كما فِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة "أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاس أَبَنُوا أَهلي" بتخفيف الموحدة أو بتشديدها، وَمَعْنَاهُ: عَابُوا أَهْلِي أَوْ اِتَّهَمُوا أَهْلِي. (٣) ٣ - لإخباره ﷺ في حدود ما يعلم بحال أهله وبحال صاحبه المتهم حيث قال: "ووالله لا أعلم على أهلي إلا خيرًا ... ولقد ذكروا رجلًا من أصحابي لا أعلم عليه إلا خيرًا ولا يدخل على أهلي إلا معي". عاشرًا: لقد تلقف البائس قول النبي ﷺ : (ولا يدخل على أهلي إلا معي) ليجعلها تهمة ودليل إدانة. فقال: إن فيها إشارة إلى أن صفوان كان يدخل بيت محمد بانتظام. وربما ذلك من الأسباب الإضافية وراء قصة الإفك. وبالمقارنة مع قول عائشة السابق (إنه كان يراني قبل نزول الحجاب) يتبين من عائشة محاولة لإخفاء استمرارية زيارات صفوان لبيت محمد . والجواب: ١ - لقد كانت زيارة صفوان في وجود رب البيت. ومَنْ مِنَ العالمين ينكر شأن زيارة كهذه؟ وبعض الألفاظ أنه ﷺ قال: "ولا خرجت في سفر إلا كان معي". فلو كان حال

стр. 4903

رجل كهذا فيه ريبة وشك لما جاز من بني آدم أن يزور رجلًا في بيته ولا يأمن أحدًا على حريمه. كيف وهم دعاة الاختلاط وقادة السفور في العالم؟ ٢ - وقوله: "ولا يدخل على أهلي إلا معي" أين الدلالة فيه على أن الزيارة بانتظام؟ ولو كانت فما الإدانة؟ . الظاهر أنها دليل شرف لأنه يزوره بانتظام بحيث يعلم رب المنزل. أما الزيارة التي لايعلمها رب المنزل فهذه لم يعرفها الصحابة مع النبي ﷺ . ٣ - ولقد قال صفوان وأقسم أنه ما كشف كنف أنثي قط في حرام ولا حلال، ولا يمنع ذلك أنه تزوج بعدها. (١) ٤ - وقول عائشة إن صفوان كان يراها قبل نزول الحجاب ليس محاولة لإخفاء استمرارية الزيارة، لأن الزيارة لم تنقطع، إنما هي لرسول الله ﷺ فما علاقة عائشة بها؟ وإنما قالت ذلك لتبين كيف عرفها أنها زوجة رسول الله ﷺ مع أنهن محجبات لا يراهن أحد. فإذا كانت عائشة محجبة لا يراها أحد فكيف عرفها صفوان لما انكشف وجهها وهي نائمة؟ ! تقول: (كان يراني قبل أن يضرب علي الحجاب)، ولم يكن يراها لما عرف أنها زوجة رسول الله ﷺ . حادي عشر: (وكانت الخطوة التالية استدعاء الوحي لتبرئة عائشة، وأنه كان في إمكانه أن ينزل وحيًا من أول يوم لكنه سكت جريًا على عادته في التأني والتثبت) . وهذا الكلام مبني على فهمه أن النبي ﷺ هو الذي ينزل الوحي والقرآن. وأن الوحي ينزل عليه وقت استدعائه وكأن القرآن من عنده؟ . وهذا خطأ. لقوله تعالي ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (النمل: ٦) ولقوله تعالي: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (يونس ١٥). لكن يريد بهذا أن يقول ليس القرآن وحيًا من عند الله، أو على الأقل ليس القرآن النازل في الإفك من عند الله. ولو كان لما تأخر هذه المدة، وترك المجتمع يموج في الإفك

стр. 4904

وشاور أصحابه. ولما جرت كل هذه الأمور التي لو نزل الوحي أولى الأمر لما جرت. فما كان يمنعه أن ينزله لو كان من عنده؟ . أما لماذا تأخر الوحي طيلة هذه الفترة ولم ينزل على رسول الله ﷺ ، فهذا من الأدلة على أن الوحي ليس من عنده. ولعل من حكمة تأخر الوحي طيلة هذه الفترة ظهور حقيقتان للناس: الأولي: هي أن النبي ﷺ لم يخرج بنبوته ورسالته عن كونه بشرًا من الناس فلا ينبغي لمن آمن به أن يتصور أن النبوة قد تجاوزت به حدود البشرية فينسب إليه من الأمور أو التأثير في الأشياء ما لا يجوز نسبته إلا لله وحده. الثانية: وهي أن الوحي الإلهي ليس شعورًا نفسيًا يتفق من كيان النبي ﷺ كما أنه ليس شيئًا خاضعًا لإرادته أو تطلعه وأمنياته. إذ لو كان كذلك لكان من السهل عليه أن ينهي هذه المشكلة من يوم ميلادها ويريح نفسه من ذيولها ونتائجها. ويجعل مما يعتقد من الخير والاستقامة قرآنًا يطمئن به أصحابه المؤمنين ويسكت الآخرين من أصحاب الفضول ولكنه لم يفعل لأنه لا يملك ذلك. ولقد كانت السيدة عائشة ﵂ أول من تجلى له هاتان الحقيقتان حتى ذهبت في توحيدها وعبوديتها لله وحده مذهبًا أنساها ما سواه ومن سواه. فلذلك أجابت أمها حينما طلبت إليها أن تقوم فتشكر النبي ﷺ قائلة (لا أقوم إليه وأحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي). (١) ٣ - قال ابن القيم ﵀: وَأَيْضًا، فَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ حَبْسِ الْوَحْيِ شَهْرًا أَنّ الْقَضِيّةَ مُحّصَتْ وَتَمَحّضَتْ وَاسْتَشْرَفَتْ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ أَعْظَمَ اسْتِشْرَافٍ إلَى مَا يُوحِيهِ الله إلَى رَسُولِهِ فِيهَا وَتَطَلّعَتْ إلَى ذَلِكَ غَايَةَ التّطَلّعِ فَوَافَى الْوَحْيُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَالصّدّيقُ وَأَهْلُهُ وَأَصْحَابُهُ وَالمُؤْمِنُونَ، فَوَرَدَ عَلَيْهِمْ وُرُودَ الْغَيْثِ عَلَى الْأَرْضِ أَحْوَجَ مَا كَانَتْ إلَيْهِ فَوَقَعَ مِنْهُمْ أَعْظَمَ مَوْقِعٍ وَألطَفَهُ وَسُرّوا بِهِ أَتَمّ السّرُورِ وَحَصَلَ لَهُمْ بِهِ غَايَةُ

стр. 4905

الْهَنَاءِ، فَلَوْ أَطْلَعَ الله رَسُولَهُ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ مِنْ أَوّلِ وَهْلَةٍ وَأَنْزَلَ الْوَحْيَ عَلَى الْفَوْرِ بِذَلِكَ لَفَاتَتْ هَذه الحكَمُ وَأَضْعَافُهَا، بَلْ أَضْعَافُ أَضْعَافِهَا. (١) ثاني عشر: ثم قال الكاتب (لكن عائشة لم تجب - يعني على سؤال رسول الله ﷺ لها - وشرعت في البكاء . ولكنها أجابت بما هو أبلغ من الإجابة التي يقصدها الكاتب حيث قالت: (قلت: وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنْ الْقُرْآنِ فَقُلْتُ: إِنِّي وَالله لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ وَوَقَرَ فِي أنفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئةٌ - وَالله يَعْلَمُ إِنِّي لَبَرِيئَةٌ - لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ - وَالله يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ - لَتُصَدِّقُنِّي وَالله مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ إِذْ قَالَ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (يوسف ١٨). ثالث عشر: وقولها لأبي بكر: هلا عذرتني، وإدعاء الكاتب بذلك أن أبا بكر كان يشك فيها . والحق أن أبا بكر قال لها: لَا أَدْرِي لِأَنَّهُ كَانَ كَثِير الاتِّبَاع لِرَسُولِ الله ﷺ . فَأَجَابَ بِمَا يُطَابِق السُّؤَال فِي المَعْنَى، وَلأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يَتَحَقَّق بَرَاءَتهَا لَكِنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُزَكِّيَ وَلَده. وَكَذَا الجوَاب عَنْ قَوْل أُمّهَا: لَا أَدْرِي. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة الْآتِيَة: (فَقَالَ: مَاذَا أَقُول. وَفِي رِوَايَة أَبِي أُويْس، فَقُلْت لِأَبِي: أَجِبْ، فَقَالَ: لَا أَفْعَل، هُوَ رَسُول الله وَالْوَحْي يَأْتِيه) (٢). فيفهم من هذا أن أبا بكر سكت ليس شاكًا فيها، وإنما سكتط متأدبًا مع الرسول ﷺ ومع الوحي وعملًا بقول الله تعالي ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. رابع عشر: لماذا لم تذكر الروايات إلا أربعة في حين قال الله تعالي فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ ؟ والجواب من وجوه: ١ - أن أهل العصبة في اللغة الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض - وعلى هذا فلا يلزم منه عدد. ٢ - أن العصبة من ثلاثة إلى عشرة، وعليه فلا إشكال. ٣ - أنها من عشرة إلى أربعين أو إلى خمسة عشر، فيكون المراد من سعى ومن ساعدهم.
следующие страницы →