← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

اللهم إنا نشهدك أننا نحب رسولك محمدًا ﷺ وأصحابه الكرام وزوجاته الشريفات أمهات المؤمنين وأهل بيته الكرام. فنسألك اللهم التوفيق لطاعة هذا الرسول الكريم ﷺ في كل أمورنا واتباعه في عقائدنا ومناهجنا وأخلاقنا. ونسألك أن تُثبِّتنا على ذلك إنَّك جواد كريم. (١) ثامنًا: أما عن قولهم: أن حسان شاعر النبي محمد ﷺ كان يروج للمسألة . فالظاهر أن حسان لم يتكلم به عن صميم. قلت: وإنما نقله عن ابن أُبي - لعنه الله تعالى -، وقد جاء أنه ﵁ اعتذر عما نسب إليه في شأن عائشة ﵂ فقال: حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ عَقِيلَةُ حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ ... كِرَامِ المُسَاعِي مَجْدُهُمْ غَيْرُ زَائِلِ مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ الله خِيمَهَا ... وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَبَاطِلِ فَإِنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ الَّذِي قَدْ زَعَمْتُمْ ... فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إلَيَّ أَنَامِلي وَكَيْفَ وَوُدِّي مَا حَيِيتُ وَنُصْرَتي ... لِآلِ رَسُولِ الله زَيْنُ المُحَافِلِ لَهُ رَتَبٌ عَالٍ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ ... تَقَاصَرَ عَنْهُ سَوْرةُ المُتَطَاوِلِ فَإِنَ الَّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَائِطٍ ... وَلَكِنَّهُ قَوْلُ امْرِئٍ بِي مَاحِلِ وكانت عائشة ﵂ تكرمه بعد ذلك وتذكره بخير وتقول: لا تؤذوا حسان؛ فإنه كان ينصر رسول الله ﷺ بلسانه. وعنها أنها قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة. ومن دفاعه عن رسول الله قوله لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: هَجَوْتَ مُحَمَّدًا وَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ الله فِي ذَاكَ الجزَاءُ أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ هَجَوْتَ مُبَارَكًا بَرًّا حَنِيفًا ... أَمِينَ الله شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ

стр. 4902

أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ الله مِنْكُمْ ... وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ؟ فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَيْبَ فِيهِ ... وَبَحْرِي لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ (١) تاسعًا: هل كان صعود النبي ﷺ على المنبر وقوله: من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، من باب استثارة الجماهير ضد عبد الله بن أبي ؟ والجواب: لا. لم يكن شيء من ذلك وبيانه ما يلي: ١ - كان صعوده ﷺ من باب العذر حتى لا يقول من لا يعلم القضية إن محمدًا يقتل أصحابه. فيكون ذلك سببًا للصد عن سبيل الله. فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ العُذْرُ مِنْ الله مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ". (٢) ٢ - وكان صعوده ﷺ طلبًا للمشورة على عادته، كما فِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة "أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاس أَبَنُوا أَهلي" بتخفيف الموحدة أو بتشديدها، وَمَعْنَاهُ: عَابُوا أَهْلِي أَوْ اِتَّهَمُوا أَهْلِي. (٣) ٣ - لإخباره ﷺ في حدود ما يعلم بحال أهله وبحال صاحبه المتهم حيث قال: "ووالله لا أعلم على أهلي إلا خيرًا ... ولقد ذكروا رجلًا من أصحابي لا أعلم عليه إلا خيرًا ولا يدخل على أهلي إلا معي". عاشرًا: لقد تلقف البائس قول النبي ﷺ : (ولا يدخل على أهلي إلا معي) ليجعلها تهمة ودليل إدانة. فقال: إن فيها إشارة إلى أن صفوان كان يدخل بيت محمد بانتظام. وربما ذلك من الأسباب الإضافية وراء قصة الإفك. وبالمقارنة مع قول عائشة السابق (إنه كان يراني قبل نزول الحجاب) يتبين من عائشة محاولة لإخفاء استمرارية زيارات صفوان لبيت محمد . والجواب: ١ - لقد كانت زيارة صفوان في وجود رب البيت. ومَنْ مِنَ العالمين ينكر شأن زيارة كهذه؟ وبعض الألفاظ أنه ﷺ قال: "ولا خرجت في سفر إلا كان معي". فلو كان حال

стр. 4903

رجل كهذا فيه ريبة وشك لما جاز من بني آدم أن يزور رجلًا في بيته ولا يأمن أحدًا على حريمه. كيف وهم دعاة الاختلاط وقادة السفور في العالم؟ ٢ - وقوله: "ولا يدخل على أهلي إلا معي" أين الدلالة فيه على أن الزيارة بانتظام؟ ولو كانت فما الإدانة؟ . الظاهر أنها دليل شرف لأنه يزوره بانتظام بحيث يعلم رب المنزل. أما الزيارة التي لايعلمها رب المنزل فهذه لم يعرفها الصحابة مع النبي ﷺ . ٣ - ولقد قال صفوان وأقسم أنه ما كشف كنف أنثي قط في حرام ولا حلال، ولا يمنع ذلك أنه تزوج بعدها. (١) ٤ - وقول عائشة إن صفوان كان يراها قبل نزول الحجاب ليس محاولة لإخفاء استمرارية الزيارة، لأن الزيارة لم تنقطع، إنما هي لرسول الله ﷺ فما علاقة عائشة بها؟ وإنما قالت ذلك لتبين كيف عرفها أنها زوجة رسول الله ﷺ مع أنهن محجبات لا يراهن أحد. فإذا كانت عائشة محجبة لا يراها أحد فكيف عرفها صفوان لما انكشف وجهها وهي نائمة؟ ! تقول: (كان يراني قبل أن يضرب علي الحجاب)، ولم يكن يراها لما عرف أنها زوجة رسول الله ﷺ . حادي عشر: (وكانت الخطوة التالية استدعاء الوحي لتبرئة عائشة، وأنه كان في إمكانه أن ينزل وحيًا من أول يوم لكنه سكت جريًا على عادته في التأني والتثبت) . وهذا الكلام مبني على فهمه أن النبي ﷺ هو الذي ينزل الوحي والقرآن. وأن الوحي ينزل عليه وقت استدعائه وكأن القرآن من عنده؟ . وهذا خطأ. لقوله تعالي ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (النمل: ٦) ولقوله تعالي: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (يونس ١٥). لكن يريد بهذا أن يقول ليس القرآن وحيًا من عند الله، أو على الأقل ليس القرآن النازل في الإفك من عند الله. ولو كان لما تأخر هذه المدة، وترك المجتمع يموج في الإفك

стр. 4904

وشاور أصحابه. ولما جرت كل هذه الأمور التي لو نزل الوحي أولى الأمر لما جرت. فما كان يمنعه أن ينزله لو كان من عنده؟ . أما لماذا تأخر الوحي طيلة هذه الفترة ولم ينزل على رسول الله ﷺ ، فهذا من الأدلة على أن الوحي ليس من عنده. ولعل من حكمة تأخر الوحي طيلة هذه الفترة ظهور حقيقتان للناس: الأولي: هي أن النبي ﷺ لم يخرج بنبوته ورسالته عن كونه بشرًا من الناس فلا ينبغي لمن آمن به أن يتصور أن النبوة قد تجاوزت به حدود البشرية فينسب إليه من الأمور أو التأثير في الأشياء ما لا يجوز نسبته إلا لله وحده. الثانية: وهي أن الوحي الإلهي ليس شعورًا نفسيًا يتفق من كيان النبي ﷺ كما أنه ليس شيئًا خاضعًا لإرادته أو تطلعه وأمنياته. إذ لو كان كذلك لكان من السهل عليه أن ينهي هذه المشكلة من يوم ميلادها ويريح نفسه من ذيولها ونتائجها. ويجعل مما يعتقد من الخير والاستقامة قرآنًا يطمئن به أصحابه المؤمنين ويسكت الآخرين من أصحاب الفضول ولكنه لم يفعل لأنه لا يملك ذلك. ولقد كانت السيدة عائشة ﵂ أول من تجلى له هاتان الحقيقتان حتى ذهبت في توحيدها وعبوديتها لله وحده مذهبًا أنساها ما سواه ومن سواه. فلذلك أجابت أمها حينما طلبت إليها أن تقوم فتشكر النبي ﷺ قائلة (لا أقوم إليه وأحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي). (١) ٣ - قال ابن القيم ﵀: وَأَيْضًا، فَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ حَبْسِ الْوَحْيِ شَهْرًا أَنّ الْقَضِيّةَ مُحّصَتْ وَتَمَحّضَتْ وَاسْتَشْرَفَتْ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ أَعْظَمَ اسْتِشْرَافٍ إلَى مَا يُوحِيهِ الله إلَى رَسُولِهِ فِيهَا وَتَطَلّعَتْ إلَى ذَلِكَ غَايَةَ التّطَلّعِ فَوَافَى الْوَحْيُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَالصّدّيقُ وَأَهْلُهُ وَأَصْحَابُهُ وَالمُؤْمِنُونَ، فَوَرَدَ عَلَيْهِمْ وُرُودَ الْغَيْثِ عَلَى الْأَرْضِ أَحْوَجَ مَا كَانَتْ إلَيْهِ فَوَقَعَ مِنْهُمْ أَعْظَمَ مَوْقِعٍ وَألطَفَهُ وَسُرّوا بِهِ أَتَمّ السّرُورِ وَحَصَلَ لَهُمْ بِهِ غَايَةُ

стр. 4905

الْهَنَاءِ، فَلَوْ أَطْلَعَ الله رَسُولَهُ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ مِنْ أَوّلِ وَهْلَةٍ وَأَنْزَلَ الْوَحْيَ عَلَى الْفَوْرِ بِذَلِكَ لَفَاتَتْ هَذه الحكَمُ وَأَضْعَافُهَا، بَلْ أَضْعَافُ أَضْعَافِهَا. (١) ثاني عشر: ثم قال الكاتب (لكن عائشة لم تجب - يعني على سؤال رسول الله ﷺ لها - وشرعت في البكاء . ولكنها أجابت بما هو أبلغ من الإجابة التي يقصدها الكاتب حيث قالت: (قلت: وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنْ الْقُرْآنِ فَقُلْتُ: إِنِّي وَالله لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ وَوَقَرَ فِي أنفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئةٌ - وَالله يَعْلَمُ إِنِّي لَبَرِيئَةٌ - لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ - وَالله يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ - لَتُصَدِّقُنِّي وَالله مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ إِذْ قَالَ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (يوسف ١٨). ثالث عشر: وقولها لأبي بكر: هلا عذرتني، وإدعاء الكاتب بذلك أن أبا بكر كان يشك فيها . والحق أن أبا بكر قال لها: لَا أَدْرِي لِأَنَّهُ كَانَ كَثِير الاتِّبَاع لِرَسُولِ الله ﷺ . فَأَجَابَ بِمَا يُطَابِق السُّؤَال فِي المَعْنَى، وَلأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يَتَحَقَّق بَرَاءَتهَا لَكِنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُزَكِّيَ وَلَده. وَكَذَا الجوَاب عَنْ قَوْل أُمّهَا: لَا أَدْرِي. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هِشَام بْن عُرْوَة الْآتِيَة: (فَقَالَ: مَاذَا أَقُول. وَفِي رِوَايَة أَبِي أُويْس، فَقُلْت لِأَبِي: أَجِبْ، فَقَالَ: لَا أَفْعَل، هُوَ رَسُول الله وَالْوَحْي يَأْتِيه) (٢). فيفهم من هذا أن أبا بكر سكت ليس شاكًا فيها، وإنما سكتط متأدبًا مع الرسول ﷺ ومع الوحي وعملًا بقول الله تعالي ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. رابع عشر: لماذا لم تذكر الروايات إلا أربعة في حين قال الله تعالي فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ ؟ والجواب من وجوه: ١ - أن أهل العصبة في اللغة الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض - وعلى هذا فلا يلزم منه عدد. ٢ - أن العصبة من ثلاثة إلى عشرة، وعليه فلا إشكال. ٣ - أنها من عشرة إلى أربعين أو إلى خمسة عشر، فيكون المراد من سعى ومن ساعدهم.

стр. 4906

ولم يقم رسول الله الحد إلا علي من صرح بالإفك وثبت عليه الخوض فيه. (١) ٤ - وقيل عصبة منكم أي جماعة منكم. (٢) خامس عشر: لماذا لم يحد عبد الله بن أبي ؟ قال الكاتب: من الواقع أن محمدًا لم يكن ليجرؤ على مس عبد الله بن أبي بالشر، وذلك لقوة نفوذه في يثرب وبالتحديد لزعامته جناح الخزرج. وكان أي أذي يلحق به سيؤدي - لا محالة - إلى إشعال نار الاقتتال العصبي بين الأطراف في يثرب). والجواب عن ذلك من وجوه: أولها: لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة، والخبيث ليس أهلًا لذلك. وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة. فيكفيه ذلك عن الحد. ثانيًا: لأنه كَانَ يَسْتَوْشِي الحدِيثَ وَيَجْمَعُهُ وَيَحْكِيهِ وَيُخْرِجُهُ فِي قَوَالِبِ مَنْ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ. ثالثا: قِيلَ: إن الحدّ لَا يَثْبُتُ إلّا بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِبَيّنَةٍ وَهُوَ لَمْ يُقِرّ بِالْقَذْفِ وَلَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَإِنّهُ إنّمَا كَانَ يَذْكُره بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ يَذْكُرُهُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ. رابعًا: وَقِيلَ: بَلْ تَرَكَ حَدّهُ لمَصْلَحَةٍ هِيَ أَعْظَمُ مِنْ إقَامَتِهِ كما تَرَكَ قَتْلَهُ مَعَ ظُهُورِ نِفَاقِهِ وَتَكَلّمِهِ بِما يُوجِبُ قَتْلَهُ مِرَارًا وَهِيَ تَأْلِيفُ قَوْمِهِ وَعَدَمُ تَنْفِيرِهِمْ عَنْ الْإِسْلَامِ، وَلَعَلّهُ تُرِكَ لِهَذِهِ الْوُجُوهِ كُلّهَا. (٣) خامسًا: قال القرطبي: وإنما لم يحد عبد الله بن أبيّ؛ لأن الله تعالى قد أعد له في الآخرة عذابًا عظيمًا. فلو حد في الدنيا لكان ذلك نقصًا من عذابه في الآخرة وتخفيفًا عنه. سادسًا: أن الله تعالى قد شهد ببراءة عائشة ﵂ وبكذب كل من رماها، فقد حصلت فائدة الحد، إذ مقصوده إظهار كذب القاذف وبراءة المقذوف، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾. وإنما حد هؤلاء المسلمون ليكفر عنهم إثم ما

стр. 4907

صدر عنهم من القذف حتى لا يبقى عليهم تبعة من ذلك في الآخرة، وقد قال ﷺ في الحدود إنها كفارة لمن أقيمت عليه، كما في حديث عبادة بن الصامت (١). ثامنًا: وقيل: يحتمل أنه تركه احترامًا لابنه ﵁. فقد كان من فضلاء الصحابة ﵃. تاسعًا: وأما قوله: إن النبي ﷺ كان لايستطيع قتله، فهذا خطأ. ويكفي في ذلك وجهين: الأول: أنه كان منافقا أظهر الإسلام خوفًا. ولو كان عنده نفوذ وقوة لما احتاج إلى ذلك. الثاني: أنه كان لابن أبيّ ولد مؤمن مخلص يسمي عبد الله بن عبد الله بن أبيّ بن سلول. وقد قال مرة لرسول الله ﷺ : يَا رَسُولَ الله، إنّهُ بَلَغَنِي أَنَّك تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ الله بْنِ أُبَيّ فِيمَا بَلَغَك عَنْهُ فَإِنْ كُنْت لَا بُدّ فَاعِلًا فَمُرْني بِهِ فَأَنَا أَحْمِلُ إلَيْك رَأْسَهُ، فَوَالله لَقَدْ عَلِمَتْ الْخَزْرَجُ مَا كَانَ لَهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرّ بِوَالِدِهِ مِنّي، وَإِنّي أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيقْتُلَهُ فَلَا تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْظُرُ إلَى قَاتِلِ عَبْدِ الله بْنِ أُبَيّ يَمْشِي فِي النّاسِ فَأَقْتُلَهُ فَأَقْتُلَ رَجُلًا مُؤْمِنًا بِكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النّارَ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بَلْ نَتَرَفّقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَته مَا بَقِيَ مَعَنَا". (٢) لقد ضرب هذا الابن أروع المثل في الإيمان والتضحية بعاطفة الأبوة فقابله ﷺ صاحب القلب الكبير والخلق العظيم بمثل رفيع في العفو والرحمة وحسن الصحبة. فقد تلطف النبي ﷺ بهذا الصحابي الجليل، وهدأ من روعه وأذهب هواجسه. (٣) سادس عشر: ثم زعم أن تورط مسطح في حديث الإفك مع فقره، وحاجته لأبي بكر. ثم قال (لا نستثني) احتمال أن يكون مسطح ذا هوى بعائشة، فأراد الانتقام منها ديدن كل محب أناني. أو أنه كان يهوي حمنة فجعلته يسايرها في حملته ضد عائشة. والجواب عن ذلك ما يلي: ١ - هذا الوهم ليس من أخلاق الصحابة على كل حال وإنما وقع مسطح في الإفك لأنه ليس معصومًا، وتاب الله عليه، وأقيم عليه الحد. ومن فضائله أنه شهد بدرًا. أما أن يكون

стр. 4908

يهوى عائشة فانتقم منها، أو يهوى حمنة فاستهوته فهذا لا يوجد في مجتمع الصحابة ﵁. فضلا عن كونه دعوى بلا برهان. قال الذهبي ﵀: إياك يا جري أن تنظر إلى هذا البدري شزرًا لهفوة بدت منه، فإنها قد غفرت، وهو من أهل الجنة. هاياك يا رافضي أن تلوح بقذف أم المؤمنين بعد نزول النص في براءتها فتجب لك النار. (١) وقد اعتذر مسطح ﵁ ذلك كما قال ابن الجوزي: فجاء مسطح فاعتذر وقال: إنما كنت أغشى مجالس حسان فأسمع ولا أقول. فقال له أبو بكر: لقد ضحكت وشاركت. وكفر على يمينه في عدم النفقة عليه، فأنزل الله الآية. وفيها وصفه بأنه من المهاجرين. (٢) وقال أيضًا: وقد كان، في أصحاب الإفك قوم مسلمون ولكنهم خاضوا حبًا للفتنة. (٣) سابع عشر: ثم نسج الكاتب من خياله ما سماه الظروف المحيطة بحادث الإفك. وصاغ منها أمرين: الأول منها: أن هذا الحادث كان انتقامًا للأنصار من المهاجرين بعد المشادة التي جرت بين غلام الأنصار وغلام المهاجرين. الثاني: انتقام عائشة من النبي ﷺ ، لأنه تزوج عليها قبل الغزوة زينب بنت جحش وبعدها جويرية بنت الحارث. ففعلت ذلك انتقامًا منه. وإليك بيان وهم المعترض في هذا الخيال الذي انتزعه من بيئته التي يعيش فيها، وهذه آفته فيما يكتب عصر وجيل الصحابة ﵃: أولًا: وكما هو واضح أن هذا الكاتب لم يفرق بين المنافقين أو المعارضين على حد تعبيره وبين الأنصار. ولذلك نظمهم في سلك واحد عندما عبر بقوله: إن حادث الإفك كان انتقامًا للأنصار من المهاجرين بعد الواقعة التي جرت بين المهاجري والأنصاري.

стр. 4909

وبداية نبين هذه الواقعة، ثم نذكر كيف تصرف فيها الأنصار: عن جابر ﵁ يَقُولُ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ المُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا وَكَانَ مِنْ المُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ فَكَسَعَ أنصَارِيًّا، فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ غَضبًا شَدِيدًا حَتَّى تَدَاعَوْا وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ، فقَالَ: "مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الجاهِلِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ مَا شَأْنُهُمْ؟ فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ المُهَاجِرِيِّ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "دَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ" وَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. فَقَالَ عُمَرُ: أَلَا نَقْتُلُ يَا رَسُولَ الله هَذَا الْخَبِيثَ - لِعَبْدِ الله -، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ". (١) فقوله "دعوها إنها خبيثة، أي دعوي الجاهلية". (٢) وهي قولهم - ياللأنصار، ياللمهاجرين - وبعد أن نهاهم النبي ﷺ انتهى الأمر بالنسبة للمهاجرين والأنصار. وبقيت كلمة المنافق الذي عرض ولده على رسول الله ﷺ أن يأتيه برأس أبيه بعد قول هذه المقالة. فأين هذا من قوله إن الأنصار انتقموا من المهاجرين فأشاعوا حديث الإفك نتيجة هذا الحادث الذي انتهي بقول النبي ﷺ "دعوها". ثانيًا: مكانة الأنصار التي بوأها الله تعالى لهم تدل على أنهم يستحيل أن يفكروا في مثل ما دار في خاطر هذا الكاتب الذي يصطنع القمامة ليسكن فيها؛ لأنه يأبي أن يعيش نزيهًا. ومن فضائلهم ما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: ٩). ولا خلاف أن الذين تبوءوا الدارهم الأنصار الذين

стр. 4910

استوطنوا المدينة قبل المهاجرين إليها. فهم الذين استوطنوا المدينة واعتقدوا الإيمان وأخلصوه يحبون المهاجرين ولا يحسدونهم على فضل الله أعطاه الله لهم. (١) ٢ - قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: ١٠٠). ٣ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اللهمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ". (٢) ٤ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قال: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال في الأنصار: "اللهم أنتم مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، اللهمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ". (٣) ٥ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الْأَنْصَارَ كَرِشِي وَعَيْبَتِي، وَإِنَّ النَّاسَ سَيَكْثُرُونَ وَيَقِلُّونَ فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَاعْفُوا عَنْ مُسِيئهِمْ". (٤) وفي حديث أبي هريرة "لَوْلَا الهجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَءًا مِنْ الْأنصَارِ". وعن أنس ﵁ قال: "خَرَجْتُ مَعَ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله الْبَجَليِّ فِي سَفَرٍ فَكَانَ يَخْدُمُنِي، فَقُلْتُ لَهُ: لَا تَفْعَلْ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الْأَنْصَارَ تَصْنَعُ بِرَسُولِ الله ﷺ شَيْئًا آلَيْتُ أَنْ لَا أَصْحَبَ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا خَدَمْتُهُ. وَكَانَ جَرِيرٌ أسن مِنْ أَنَسٍ". (٥) ثالثا: ذكر بعض مواقف الأنصار من المهاجرين عند الهجرة: ١ - عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁: لمَّا قَدِمْنَا المدِينَةَ آخَى رَسُولُ الله ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ: إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا، فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي، وَانْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ هَوِيتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا. قَالَ: فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَا حَاجَةَ لِي

стр. 4911

فِي ذَلِكَ. هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: سُوقُ قَيْنُقَاعٍ. قَالَ: فَغَدَا إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَاتى بِأَقِطٍ وَسَمْنٍ. قَالَ: ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ. فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : تَزَوَّجْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَمَنْ؟ قَالَ: امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ. قَالَ: "كَمْ سُقْتَ؟ قَالَ: زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ". (١) ٢ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ قَالَ: كَانَ المُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا المدِينَةَ تُوَرَّثُ الْأَنْصَارَ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى رَسُولُ الله ﷺ بَيْنَهُمْ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ مِنْ النَّصْرِ وَالنَّصِيحَةِ وَالرِّفَادَةِ وَيُوصِي لَهُ وَقَدْ ذَهَبَ الميرَاثُ. (٢) ٣ - عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: آخَى رَسُولُ الله ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ وَبَيْنَ أَبِي الدَّرْدَاءِ، فزَارَ سَلْمَانُ أبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتبَذِّلَةً، فَقَالَ: مَا شَأْنُكِ مُتبَذِّلَةً؟ قَالَتْ: إِنَّ أَخَاكَ أَبَا الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا. قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ قَرَّبَ إِلَيْهِ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ؛ فَإِنِّي صَائِمٌ. قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ. قَالَ: فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لِيَقُومَ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: نَمْ فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ لَهُ: نَمْ فَنَامَ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ قَالَ لَهُ سَلْمَانُ: قُمْ الْآنَ، فَقَامَا فَصَلَّيَا فَقَالَ: إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًا، وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَيَا النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: "صَدَقَ سَلْمَانُ". (٣)

стр. 4912

رابعًا: أن ما سماه الظروف المحيطة بالإفك تناقض أوله مع آخره. فبينما قال في الأول بانتقام الأنصار من المهاجرين وهذا في حد قوله يدل علي أن الحادث لا أصل له لأن المفروض أن الأنصار اختلقوه لينتقموا من المهاجرين. ثم عاد فذكر في الظرف الثاني أن عائشة انتقصت من النبي ﷺ ؛ لأنه تزوج عليها ففعلت ذلك مع صفوان. فأي الأمرين يريد أن يقول؟ على أي حال الأمر الأول يدل على براءة عائشة، والثاني يدل على براءة الأنصار. ومن يضلل الله فما له من هاد. خامسًا: وإذا كان هذا هو موقف الأنصار بصفة عامة، فما هو موقفهم من حديث الإفك؟ ١ - لم يشارك أحد من الأنصار في حديث الإفك إلا ما كان من حسان نقلًا عن لسان المنافقين، وتاب الله عليه، وكفر عنه سيئته، وأقيم عليه الحد. وشهدت له بذلك عائشة ﵂. ٢ - بل خرج من الأنصار من جزم ببراءة السيدة الصديقة ﵂، وهو أبو أيوب الأنصاري ﵁ والذي سأل زوجته أكنت تفعلين ذلك؟ قالت: لا. قال فعائشة أطهر منك وأولي أن لا تفعل ذلك. فنزل فيه وفي أمثاله قوله تعالي ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾ (النور: ١٢) (١). وما موقف سعد بن معاذ وأسيد بن حضير ببعيد وهما من رهط الأنصار الذي يتحدث عنهم هذا الكاتب ويتهمهم بالانتقام من المهاجرين عن طريق حديث الإفك؟ .

стр. 4913

وأما موقف سعد بن عبادة ورده على سعد بن معاذ فأعاذه الله أن يكون أراد بموقفه هذا موافقة علي قول الإفك في عائشة ولا اعتراضًا علي عقوبة القائل. وهذا واضح من قول عائشة (وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا وَلَكِنْ اِحْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّة) أي: أغضبته وحملته علي الجهالة. فهذا كلام خرج من سعد بن عبادة ساعة الغضب الذي عذر الله فيه ولم يقصد رمي أم المؤمنين. وحمله بعض العلماء على أنه أراد أن يقول لسعد بن معاذ لا يجعل أمره إليك لأنه ليس من رهطك ولذلك لا تقتله ولا تقدر علي قتله. وقال الحافظ: وهو حمل جيد. (١) وبعض الروايات: أن سعد بن عبادة ظن سعد بن معاذ يريد عود ما مضى من الحرب. قال الحافظ: وَفي رِوَايَة اِبْن حَاطِب (فَقَالَ سَعْد بْن عُبَادَةَ: يَا ابْن مُعَاذ، وَالله مَا بِك نُصْرَة رَسُول الله ﷺ ، وَلَكِنَّهَا قَدْ كَانَتْ بَيْنَنَا ضَغَائِن فِي الجاهِلِيَّة وَإِحَن لَمْ تَحْلُلْ لَنَا مِنْ صُدُوركُمْ، فَقَالَ اِبْن مُعَاذ: الله أَعْلَم بِمَا أَرَدْت). قَالَ اِبْن التِّين: قَوْل اِبْن مُعَاذ (إِنْ كَانَ مِنْ الْأَوْس ضَرَبْت عُنُقه) إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَوْس قَوْمه وَهُمْ بَنُو النَّجَّار، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فِي الْخَزْرَج لمَا كَانَ بَيْنَ الْأَوْس وَالْخَزْرَج مِنْ التَّشَاحُن قَبْلَ الْإِسْلَام، ثُمَّ زَالَ بِالْإِسْلَامِ وَبَقِيَ بَعْضه بِحُكْمِ الْأَنَفَة. قَالَ: فَتكلَّمَ سَعْد بْن عُبَادَةَ بِحُكْمِ الْأَنَفَة وَنَفَى أَنْ يَحْكُم فِيهِمْ سَعْد بْن مُعَاذ وَهُوَ مِنْ الْأَوْس. قَالَ: وَلَمْ يُرِدْ سَعْد بْن عُبَادَةَ الرِّضَا بِمَا نُقِلَ عَنْ عَبْد الله بْن أُبَيٍّ، وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْل عَائِشَة (وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا) أَيْ لَمْ يَتَقَدَّم مِنْهُ مَا يَتَعَلَّق بِالْوُقُوفِ مَعَ أَنفَة الْحَمِيَّة، وَلَمْ تَرِدْ أَنَّهُ نَاضَلَ عَنْ المُنَافِقِينَ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، إِلَّا أَنَّ دَعْوَاهُ أَنَّ بَنِي النَّجَّار قَوْم سَعْد بْن مُعَاذ خَطَأ وَإِنَّمَا هُمْ مِنْ رَهْط سَعْد بْن عُبَادَةَ، وَلَمْ يَجْرِ لَهُمْ فِي هَذه الْقِصَّة ذِكْر (٢). وَأَمَّا قَوْله: (لَا تَقْدِر عَلَى قَتْله) أي إِنْ كَانَ مِنْ الْخَزْرَج لِعِلْمِهِ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ لا يَأْمُر غَيْر قَوْمه بِقَتْلِهِ، وَذَلِكَ بِحُكْمِ الحمِيَّة الَّتِي أَشَارَتْ إِلَيْهَا عَائِشَة، وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ مَا فَهِمَهُ المَذْكُور أَنَّهُ يَرُدّ أَمْر النَّبِيّ ﷺ بِقَتْلِهِ وَلَا يَمْتَثِلهُ. واِعْتَذَرَ عَنْ قَوْل أُسَيْدِ بْن حُضيْرٍ لِسَعْدِ بْن

стр. 4914

عُبَادَةَ (إِنَّك مُنَافِق تجادل عن المنافقين) بأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ عَلَى جِهَة الْغَيْظ وَالْحَنَق وَالمُبَالَغَة فِي زَجْر سَعْد بْن عُبَادَةَ عَنْ المُجَادَلَة عَنْ اِبْن أُبَيٍّ وَغَيْره، وَلَمْ يَرُدّ النِّفَاق الَّذِي هُوَ إِظْهَار الْإِيمَان وَإِبْطَان الْكُفْر. وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ كَانَ يُظْهِر المَوَدَّة لِلْأَوْسِ ثُمَّ ظَهَرَ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّة ضِدّ ذَلِكَ فَأَشْبَهَ حَال المُنافِق لِأَنَّ حَقِيقَته إِظْهَار شَيْء وَإِخْفَاء غَيْره، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَب فِي تَرْك إِنْكَار النَّبِيّ ﷺ عَلَيْهِ (١). قلت: فظهر بهذا أن خلافهم كان عصبية وأنفة وسببه اختلافهم فيمن يباشر قتل عبد الله بن أبيّ، وليس اختلافًا في حديث الإفك هل وقع أو لا. وظهر أيضًا أن جميع الأنصار من الأوس والخزرج كانوا على اتفاق في أمر براءة الصديقة ﵂ وإنما خلافهم كان في قتل القائل إن كان من الخزرج فمن الذي يباشر قتله. وهل تقدر الأوس على مباشرته أم لا. والله أعلم. فما سبق هو موقف الأنصار. والفرق واضح بين الأنصار وبين المنافقين. ومن وقع من الأنصار وهو حسان أقيم عليه الحد تطهيرًا له. وأما الفرية الثانية وهي أن عائشة فعلت هذا انتقامًا من النبي ﷺ لأنه تزوج عليها بزينب وجويرية: والرد عليها من وجوه: الوجه الأول: أن هذا الكلام مبني على أنها فعلت ذلك فعلًا. وقد قامت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول على براءة أم المؤمنين ﵂. فأما من الكتاب فالآيات من سورة النور من (١١ - ٢٠)، والسنة فحديث القصة المذكور، وأما الإجماع فواضح إلا ما كان من الروافض ولا عبرة بخلافهم. وأما المعقول: فمن مجيئها ﵂ علي ظهر البعير في نحر الظهيرة أمام الكل، ولو كان في الأمر ريبة لما كان كذلك أبدًا ولحاولت هي وصفوان إخفاءه (٢). الوجه الثاني: بمعرفة موقف عائشة ﵂ يوم زواج النبي ﷺ يكون بطلان هذه الفرية أكثر ظهورًا وتجليًا. فعن أَنَسٍ ﵁ قَالَ: بُنِيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِخُبْزٍ

стр. 4915

وَلحمٍ، فَأُرْسِلْتُ عَلَى الطَّعَامِ دَاعِيًا فَيَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، فَدَعَوْتُ حَتَّى مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُو، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله، مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُوهُ قَالَ: "ارْفَعُوا طَعَامَكُمْ". وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْتِ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَانْطَلَقَ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ الله"، فَقَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ الله كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ - بَارَكَ الله لَكَ؟ فَتَقَرَّى حُجَرَ نِسَائِهِ كُلِّهِنَّ يَقُولُ لَهُنَّ كَمَا يَقُولُ لِعَائِشَةَ وَيَقُلْنَ لَهُ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ فَإِذَا ثَلَاثَةٌ مِنْ رَهْطٍ فِي الْبَيْتِ يَتَحَدَّثُونَ - وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ شَدِيدَ الْحَيَاءِ - فَخَرَجَ مُنْطَلِقًا نَحْوَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَمَا أَدْرِي آخْبَرْتُهُ أَوْ أُخْبِرَ أَنَّ الْقَوْمَ خَرَجُوا، فَرَجَعَ حَتَّى إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي أُسْكُفَّةِ الْبَابِ دَاخِلَةً وَأُخْرَى خَارِجَةً أَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الحجَابِ). (١) وفي رواية عند البخاري أيضًا. قال أنس: .. ثُمَّ خَرَجَ إِلَى حُجَرِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ صبِيحَةَ بِنَائِهِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ ويُسَلِّمْنَ عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُنَّ وَيَدْعُونَ لَهُ). (٢) ٣ - وكذلك قرارها النهائي في جويرية ﵂ يجلي لنا هذا الأمر أكثر. فعن عائشة قالت: لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن شماس - أو لابن عم له - فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله ﷺ لتستعينه في كتابتها. قالت: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي، فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت. فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس - أو لابن عم له - فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي. قال: "فهل لك في خير من ذلك"؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: "أقضى عنك كتابك وأتزوجك". قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت. قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ قد

стр. 4916

تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ . فأرسلوا ما بأيديهم. قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها (١). فها هي كرهتها قبل أن تسلم وقبل أن يتزوجها رسول الله ﷺ كامرأة تغار على زوجها من امرأة أجنبية. فلما أسلمت وتزوجها رسول الله ﷺ قالت: (فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها). وعند ذلك زالت الكراهية بحب رسول الله لها. ثامن عشر: ويسأل بعضهم قائلًا: ما مدة قضاء الحاجة التي استغرقت رحيل الجيش كله وهو مئات ؟ والجواب: أن هذا الوقت لم يستغرق في قضاء الحاجة إنما كان في البحث عن العقد الضائع كما صرحت بذلك في قولها أثناء سياق القصة حيث قالت: (فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ، فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ قَدْ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ ... الحديث). (٢) وهذا واضح أن الذي حبسها هو ابتغاء العقد وليس مجرد قضاء الحاجة. وأيضًا فإن رحيل العسكر لا يستغرق وقتًا طويلًا كما ظن الكاتب وذلك لأمور: منها: سرعة امتثالهم لأمر النبي ﷺ . ومنها: سعة المكان الذي كانوا ينزلون فيه. ومنها: أن الحال إذا كان كذلك، فانصراف الجيش كله لا يعدوا أن يكون مستغرقًا وقت انصراف شخص واحد لأن كل واحد يتلقي الأمر على نفسه ويطبقه في حدود النظام العام وغاية ما في الأمر أن يقوم بتنبيه من على يمينه ومن على يساره. ويعتبر في ذلك بحالهم عند القيام إلي الصلاة حيث ينتظمون في صف واحد في وقت قصير جدًّا. ومنها: أن كل واحد من الجيش كان يعرف مكانه ومهمته ولا يتعداها بدليل قولها (وجاء الرهط الذين كان يرحلون هودجي) فهؤلاء كانت مهمتهم معروفة.

стр. 4917

وعليه فإذا عرف كل امرئ مهمته وقت الرحيل، فإن رحيل الجيش لا يستغرق وقتًا طويلًا كما ظن الكاتب. تاسع عشر: لماذا قعدت يائسة ولم تلحق بالعسكر ؟ والجواب: أولًا: لقد قالت عائشة: (وظننت أن القوم سيفقدونني ويرجعون إلي .. ) ويفهم من هذا كما هو واضح أنها لم تقعد يائسة، ولكنها قعدت منتظرة لرجوع الجيش إذا علموا بأنها ليست معهم. ثانيًا: (لقد قالت قبل ذلك: وكنت جارية حديثة السن) ويفهم من هذا قلة خبرتها لحداثة سنها ولكونها امرأة بطرق الصحراء الكثيرة المتشعبة المتشابهة. ثالثا: ماذا لو أنها سارت خلف الجيش في طريقه، ورجع الجيش ليبحث عنها من طريق آخر فلم يجدها في الطريق ولا في مكان نزول الجيش، يقوم الجيش بالرجوع وتركها في الصحراء أم يبحث عنها. ثم لو بحث فأين يبحث في هذه الصحراء الشاسعة المترامية الأطراف، وإلى متى يبحث حتى يجدها أو حتى يشرف على الهلاك، وإذا وجدها بعد ذلك حية أو ميتة فهل كانت تسلم من أقلامكم، وألسنتكم. وإذا لم يجدها أصلًا فما هو مقدار حظها من السلامة من أقلامكم وألسنتكم؟ إن الصواب هو ما فعلته عائشة؛ لأنها جلست في مكانها فإذا افتقدها الجيش رجع إلى المكان فوجدها من غير عناء ولا تعب ولا مشقة السفر. قال الحافظ ابن حجر: قال عياض تعليقًا على قولها: (وظننت أن القوم سيفقدونني ويرجعون) الظَّنّ هُنَا بِمَعْنَى الْعِلْم، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون عَلَى بَابه، فَإِنَّهُمْ أَقَامُوا إِلَى وَقْت الظُّهْر وَلَمْ يَرْجِع أَحَد مِنْهُمْ إِلَى المنْزِل الَّذِي كَانَتْ بِهِ وَلَا نُقِلَ أَنَّ أَحَدًا لَاقَاهَا فِي الطَّرِيق، لَكِنْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُونُوا اِسْتَمَرُّوا فِي السَّيْر إِلَى قُرْب الظُّهْر، فَلَمَّا نَزَلُوا إِلَى أَنْ يَشْتَغِلُوا بِحَطِّ رِحَالهمْ وَرَبْط رَوَاحِلهمْ وَاسْتَصْحَبُوا حَالهمْ فِي ظَنّهمْ أَنَّهَا فِي هَوْدَجهَا لَمْ يَفْتَقِدُوهَا إِلَى أَنْ وَصَلَتْ عَلَى قُرْب، وَلَوْ فَقَدُوهَا لَرَجَعُوا كَمَا ظَنَّتْهُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَة اِبْن إِسْحَاق (وَعَرَفَتْ أَنْ لَوْ اِفْتَقَدُونِي

стр. 4918

لَرَجَعُوا إِلَيَّ) وَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّهَا لَمْ تَتَّبِعهُمْ، وَوَقَعَ فِي سياق حَدِيث اِبْن عُمَر خِلَاف ذَلِكَ فَإِنَّ فِيهِ (فَجِئْت فَاتَّبَعْتهمْ حَتَّى أَعْيَيْت، فَقُمْت عَلَى بَعْض الطَّرِيق فَمَرَّ بِي صَفْوَان)، وَهَذَا السِّيَاق لَيْسَ بِصَحِيحٍ لأن في إسناده أحد الكذابين ثم هو مُخَالفٌ لمَا فِي الصَّحِيح، من أَنَّهَا أَقَامَتْ فِي مَنْزِلهَا إِلَى أَنْ أَصْبَحَتْ، وَكَانهُ تَعَارَضَ عِنْدَهَا أَنْ تَتْبَعَهُمْ فَلَا تَأْمَنُ أَنْ يَخْتَلِفَ عَلَيْهَا الطُّرُقُ فتَهْلِكَ قَبْلَ أَنْ تُدْرِكَهُمْ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ كَانَتْ فِي اللَّيْلِ، أَوْ تُقِيمُ فِي مَنْزِلِهَا لَعَلَّهُمْ إِذَا فَقَدُوهَا عَادُوا إِلَى مَكَانِهَا الَّذِي فَارَقُوهَا فِيهِ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لمِنْ فَقَدْ شَيْئًا أَنْ يَرْجِعَ بِفِكْرِهِ الْقَهْقَرَى إِلَى الْحَدِّ الَّذِي يَتَحَقَّقُّ وُجُودُهُ ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْ هُنَاكَ فِي التَّنْقِيبِ عَلَيْهِ. وَأَرَادَتْ بِمَنْ يَفْقِدُهَا مَنْ هُوَ مِنْهَا بِسَبَبٍ كَزَوْجِهَا أَوْ أَبِيهَا، وَالْغَالِبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ شَأْنِه ﷺ أَنْ يُسَايِرَ بَعِيرَهَا وَيتَحَدَّثَ مَعَهَا فَكَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَّفِقْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَلمَّا لَمْ يَتَّفِقْ مَا تَوَقَّعَتْهُ مِنْ رُجُوعِهمْ إِلَيْهَا سَاقَ اللهُ إِلَيْهَا مَنْ حَمَلَهَا بِغَيْرِ حَوْلٍ مِنْهَا وَلَا قُوَّةٍ .. (١). العشرون. قولهم: وهل يجسر القوم على أن يؤذوا رسول الله في أعز الناس إليه إذا لم يكن للشبهة مأخذ . والجواب: أن الذين اختلقوه لم يكونوا من المؤمنين إنما هم (عصبة) متجمعة ذات هدف واحد. ولم يكن عبد الله بن أبيّ بن سلول وحده هو الذي أطلق ذلك الإفك. إنما هو الذي تولى معظمه. وهو يمثل عصبة اليهود أو المنافقين، الذين عجزوا عن حرب الإسلام جهرة؛ فتواروا وراء ستار الإسلام ليكيدوا للإسلام خفية، وكان حديث الإفك إحدى مكائدهم القاتلة. ثم خُدع فيها بعض المسلمين، فخاض منهم من خاض في حديث الإفك كحمنة بنت جحش؛ وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة. أما أصل التدبير فكان عند تلك العصبة، وعلى رأسها ابن سلول، الحذر الماكر، الذي لم يظهر بشخصه في المعركة. ولم يقل علانية ما يؤخذ به، فيقاد إلى الحد. إنما كان يهمس به بين ملئه الذين يطمئن إليهم، ولا يشهدون عليه. وكان التدبير من المهارة والخبث بحيث أمكن أن ترجف به المدينة شهرًا كاملًا، وأن تتداوله الألسنة في أطهر بيئة وأتقاها وقد بدأ السياق ببيان تلك الحقيقة

стр. 4919

ليكشف عن ضخامة الحادث، وعمق جذوره، وما وراءه من عصبة تكيد للإسلام والمسلمين هذا الكيد الدقيق العميق اللئيم. ثم سارع بتطمين المسلمين من عاقبة هذا الكيد ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. خير. فهو يكشف عن الكائدين للإسلام في شخص رسول الله ﷺ وأهل بيته! (١) وقال أبو حيان: وكان ذلك من عبد الله بن أُبي لإمعانه في عداوة الرسول ﷺ ، وانتهازه الفرصَ، وروي عنه كلام قبيح في ذلك نزهت كتابي عن ذكره وقلمي عن كتابته قبحه الله اهـ. (٢) وقال الرازي: وأجمع المسلمون على أن المراد ما أفك به على عائشة، وإنما وصف الله تعالى ذلك الكذب بكونه إفكًا؛ لأن المعروف من حال عائشة خلاف ذلك لوجوه: أحدهما: أن كونها زوجة للرسول ﷺ المعصوم يمنع من ذلك. لأن الأنبياء مبعوثون إلى الكفار ليدعوهم ويستعطفوهم، فوجب أن لا يكون معهم ما ينفرهم عنهم وكون الإنسان بحيث تكون زوجته مسافحة من أعظم المنفرات، فإن قيل: كيف جاز أن تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط ولم يجز أن تكون فاجرة وأيضًا فلو لم يجز ذلك لكان الرسول أعرف الناس بامتناعه ولو عرف ذلك لما ضاق قلبه، ولما سأل عائشة عن كيفية الواقعة، قلنا: الجواب عن الأول أن الكفر ليس من المنفرات، أما كونها فاجرة فمن المنفرات. والجواب عن الثاني: أنه ﷺ كثيرًا ما كان يضيق قلبه من أقوال الكفار مع علمه بفساد تلك الأقوال، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾ (الحجر: ٩٧) فكان هذا من هذا الباب. وثانيها: أن المعروف من حال عائشة قبل تلك الواقعة إنما هو الصون والبعد عن مقدمات الفجور، ومن كان كذلك كان اللائق إحسان الظن به.

стр. 4920

وثالثها: أن القاذفين كانوا من المنافقين وأتباعهم، وقد عرف أن كلام العدو المفترى ضرب من الهذيان، فلمجموع هذه القرائن كان ذلك القول معلوم الفساد قبل نزول الوحي. أما العصبة فقيل: إنها الجماعة من العشرة إلى الأربعين وكذلك العصابة واعصوصبوا: اجتمعوا، وهم عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس النفاق، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم. أما قوله: ﴿مِّنكُم﴾ فالمعنى أن الذين أتوا بالكذب في أمر عائشة جماعة منكم أيها المؤمنون، لأن عبد الله كان من جملة من حكم له بالإيمان ظاهرًا. ورابعها: أنه سبحانه شرح حال المقذوفة ومن يتعلق بها بقوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، والصحيح أن هذا الخطاب ليس مع القاذفين، بل مع من قذفوه وآذوه، فإن قيل هذا مشكل لوجهين: أحدهما: أنه لم يتقدم ذكرهم. والثاني: أن المقذوفين هما عائشة وصفوان فكيف تحمل عليهما صيغة الجمع في قوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾. والجواب عن الأول: أنه تقدم ذكرهم في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾، وعن الثاني: أن المراد من لفظ الجمع كل من تأذى بذلك الكذب واغتم، ومعلوم أنه ﷺ تأذى بذلك وكذلك أبو بكر ومن يتصل به، فإن قيل: فمن أي جهة يصير خيرًا لهم مع أنه مضرة في العاجل؟ قلنا لوجوه: أحدهما: أنهم صبروا على ذلك الغم طلبًا لمرضاة الله تعالى فاستوجبوا به الثواب وهذه طريقة المؤمنين عند وقوع الظلم بهم. وثانيها: أنه لولا إظهارهم للإفك كان يجوز أن تبقى التهمة كامنة في صدور البعض، وعند الإظهار انكشف كذب القوم على مر الدهر. وثالثها: أنه صار خيرًا لهم لما فيه من شرفهم وبيان فضلهم من حيث نزلت ثمان عشرة آية كل واحدة منها مستقلة ببراءة عائشة، وشهد الله تعالى بكذب القاذفين ونسبهم إلى الإفك وأوجب عليهم اللعن والذم، وهذا غاية الشرف والفضل.

стр. 4921

ورابعها: صيرورتها بحال تعلق الكفر والإيمان بقدحها ومدحها، فإن الله تعالى لما نص على كون تلك الواقعة إفكًا وبالغ في شرحه، فكل من يشك فيه كان كافرًا قطعًا، وهذه درجة عالية. وقال في الذي تولى كبره منهم: والأقرب في الرواية أن المراد به عبد الله بن أبيّ بن سلول فإنه كان منافقًا يطلب ما يكون قدحًا في الرسول ﷺ . اهـ. (١) حادى وعشرون: قولهم إن عائشة صوبت نفس التهمة إلى مارية أم إبراهيم فلماذا لم يقم عليها الحد ؟ . ١ - وهذه فرية جديدة حاولوا أن يحولوا فيها حادث الإفك إلى اتهام لأم المؤمنين لا تبرئة إلهية لها! ! حادث الإفك معروف مشهور، ونزل القرآن الكريم بتبرئة أم المؤمنين السيدة عائشة، فعز عليهم أن يبرئ الله تعالى زوجة النبي ﷺ ، وابنة أبى بكر أول من آمن بالله ورسوله ولهذا قاموا بإفك جديد، فجعلوا من الحديث عن الإفك اتهامًا للسيدة عائشة لا تبرئة لها! فعند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ أنها نزلت في مارية القبطية، وما رمتها به بعض النساء المنافقات. ثم ذكروا رواية أنه قال: "لما مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، حزن عليه حزنًا شديدًا، فقالت منافقة: ما الذي يحزنك عليه؟ فما هو إلا ابن جريج! فبعث رسول الله ﷺ عليًّا وأمره بقتله". وعن عائشة ﵂ قالت: أهديت مارية إلى رسول الله ﷺ ومعها ابن عم لها، قالت: فوقع عليها وقعة فاستمرت حاملًا، قالت: فعزلها عند ابن عمها، قالت: فقال أهل الإفك والزور: من حاجته إلى الولد ادّعى ولد غيره، وكانت أمه قليلة اللبن فابتاعت له ضائنة لبون فكان يغذى بلبنها، فحسن عليه لحمه، قالت عائشة ﵂: فدخل به على النبي ﷺ ذات يوم فقال: "كيف ترين؟ ، فقلت: من غذي بلحم الضأن يحسن لحمه، قال: "ولا الشبه" قالت: فحملني ما يحمل النساء من الغيرة أن قلت: ما أرى شبهًا قالت: وبلغ رسول الله ﷺ ما يقول الناس فقال لعلي: "خذ هذا السيف فانطلق فاضرب عنق ابن عم

стр. 4922

مارية حيث وجدته"، قالت: فانطلق فإذا هو في حائط على نخلة يخترف رطبًا قال: فلما نظر إلى عليّ ومعه السيف استقبلته رعدة قال: فسقطت الخرقة، فإذا هو لم يخلق الله له ما للرجال شيء - ممسوح - (١).

стр. 4923

٢ - وكما هو واضح مما سبق فهم يحاولون أنه يصرفوا عن أم المؤمنين البراءة المسجلة في حديث الإفك بكونها نزلت في مارية التي قذفتها عائشة فاتهموها بالقذف وصرفوا عنها شهادة البراءة من الإفك إلى مارية. ومما يبطل فرية القوم - في أن قول الله تعالى في سورة النور: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ... ﴾ الآيات العشر إنما نزلت في تبرئة مارية مما قذفتها به عائشة- (وحاشاها ألف مرة) - أن حديث الإفك ونزول هذه الآيات كان في غزوة بني المصطلق سنة أربع أو خمس أو ست على أقوال، وأرجحها أنه كان في سنة خمس، وأن بعث المقوقس بمارية القبطية إلى رسول الله كان عام مكاتبة رسول الله ملوك الأرض سنة سبع أو ثمان أرجحهما أنه كان سنة ثمان وذلك بعد غزوة بني المصطلق التي حصل فيها القذف والتي سلف آنفًا تاريخها. فنزول الآيات في براءة عائشة كان قبل مجيء مارية بحوالي ثلاث سنوات، فكيف ينزل في شأنها قرآن وهي في مصر على دين قومها؟ وكيف حصل هذا القذف المزعوم وهي في بلادها من وراء السهوب والبحار؟ وإذًا فالقرآن والسنة والواقع التاريخي وإجماع الأمة كلها تفضح هؤلاء وترد كيدهم وإفكهم على أفضل رسول وأفضل وأطهر بيت عرفه التاريخ وعرفته الدنيا. فهذا موقف الإسلام وما يدين به المسلمون من تعظيم رسول الله ﷺ وإكرامه وتنزيه عرضه مما يدنسه أو يمسه من قريب أو بعيد وإكرام أهل بيته وأزواجه وصحابته الكرام.

стр. 4924

وذلك ضد وخلاف ما يرتكبه الحاقدون من بهت وإفك وتشويه بالطرق الواضحة والخفية والملتوية، والله لهم ثم المؤمنون بالمرصاد يفضحون مكايدهم وحربهم على الإسلام والمسلمين بشتى الطرق ونحتلف الأساليب. ولم يكتف الروافض بهذا البهتان العظيم، بل أضافوا إلى ذلك أن جعلوا عائشة ﵂ طاعنة في عرض رسول الله ﷺ الآخر مارية أم إبراهيم ويهدفون من ذلك إلى رمي رسول الله ﷺ بأنه يقر هذا الطعن ولا يقيم الحد، لأنه كما زعموا جاء بالرحمة لتمرير طعنهم فيه، وتناسوا أنه أشد الناس غيرة لمحارم الله وأقوم الناس لحدود الله على من يستحق أن يقام عليه الحد حتى قال لأسامة حِبه وابن حِبه "أتشفع في حد من حدود الله والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". ويزعم هؤلاء الطاعنون أن إمامهم المعدوم المزعوم سيقيم الحد عليها الذي لم يقمه رسول الله ﷺ ، فهل ترى أشدَّ منهم حقدًا وافتراءً على رسول الله ﷺ وأشد طعنًا فيه وفي أهل بيته؟ ! . فقبح الله وأخزى الحاقدين على رسول الله والطاعنين فيه، والله ما يقصدون بالطعن في أصحاب رسول الله وزوجاته، بل الطعن في القرآن إلا الطعن في رسول الله ورسالته العظيمة. (١) ثاني وعشرون: وما هي مصلحة صفوان في التخلف عن الجيش ؟ والجواب عن ذلك ما يلي: ١ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِي ﷺ وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ زَوْجِي صَفْوَانَ بْنَ المعَطَّلِ يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ، وَيُفَطِّرُنِي إِذَا صُمْتُ، وَلا يُصَلِّي صَلاةَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. قَالَ: وَصَفْوَانُ عِنْدَهُ. قَالَ: فَسَأَلهُ عَمَّا قَالَتْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَمَّا قَوْلُهَا يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ، فَإِنَّهَا تَقْرَأُ بِسُورَتَيْنِ وَقَدْ نَهَيْتُهَا. قَالَ: فَقَالَ: "لَوْ كَانَتْ سُورَةً وَاحِدَةً لَكَفَتِ النَّاسَ. وَأَمَّا قَوْلُهَا يُفَطِّرُنِي، فَإِنَّهَا تَنْطَلِقُ فَتَصُومُ وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ فَلا أَصْبِرُ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ يَوْمَئِذٍ: "لا تَصُومُ امْرَأةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا". وَأَمَّا قَوْلُهَا إِنِّي لا

стр. 4925

أُصَلِّى حَتَّى تَطْلُعَ الشَمْسُ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ قَدْ عُرِفَ لَنَا ذَاكَ لا نَكَادُ نَسْتَيْقِظُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. قَالَ "فَإِذَا اسْتَيْقَظْتَ فَصَلِّ". (١) فهذا الحديث صريح في السبب الذي تأخر لأجله صفوان. قال ابن القيم بعد ذكر هذا الحديث: وَلِهَذَا صَادَفَ أُمَّ المؤْمِنِينَ فِي قِصةِ الْإِفْكِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي آخِرِ النَّاسِ، وَلَا يُنَافِي هَذَا الحدِيثَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ (وَالله مَا كَشَفْتُ كَنَفَ أُنْثَى قَطُّ) فَإِنَّهُ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمْ يَكْشِفْ كَنَفَ أُنْثَى قَطُّ، ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَ ذَلِكَ (٢). لكنهم استخرجوا منه شبهة أخرى وهي شدة الشبق عند صفوان لأنه يفطر امرأته إذا صامت مما يسهم في أن يكون سببا لحادث الإفك:

стр. 4926

وصاب ذلك أنه كان كذلك لأنه كان مشتغلا بالليل بسقي الماء فكان لا يتمكن من امرأته إلا نهارًا. (١) ٢ - قال القرطبي: وكان صفوان هذا صاحب ساقة رسول الله ﷺ في غزواته لشجاعته، وكان من خيار الصحابة ﵃. (٢) ٣ - لقد كان صفوان يرى أنه يقوم بخدمات جليلة لعسكر المسلمين فكان إذا وجد شيئًا أتى به جهرة أمام كل الناس ومن صفاء سريرته حسب أن المنافقين سينظرون إلى عائشة كغيرها من المتاع. قال البقاعي: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ﴾ أي كذب عظيم ﴿مُبِينٌ﴾ أي واضح في نفسه، موضح لغيره، وبيانه وظهوره أن المرتاب يكاد يقول: خذوني فهو يسعى في التستر جهده، فإتيان صفوان بعائشة ﵂ راكبة على جمله داخلًا به الجيش في نحر الظهيرة والناس كلهم يشاهدون، ورسول الله ﷺ بين أظهرهم ينزل عليه الوحي، إدلالًا بحسن عمله، غافلًا عما يظن به أهل الريب، أدل دليل على البراءة وكذب القاذفين، ولو كان هناك أدنى ريبة لجاء كل منهما وحده على وجه من التستر والذعر، تعرف به خيانته، فالأمور تذاق، ولا يظن الإنسان بالناس إلا ما في نفسه (٣). ٤ - ومما يشار إليه هنا أن المنافقين لم يكونوا يخرجون مع النبي ﷺ قبل هذه الغزوة فلم يكونوا عارفين بمهام الجند، ولذلك استغربوا غياب صفوان ومجيئه من وراء الجيش. ثالث وعشرون: أما عن حديث: دعوا صفوان؛ فإن صفوان خبيث اللسان طيب القلب هو حديث ضعيف. أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني باب ومن ذكر سعد مولى أبي بكر الصديق ﵁، والطبراني في الكبير، وأبو نعيم في معرفة الصحابة باب من اسمه سعد من طريق عامر بن صالح رستم عن أبيه عن الحسن عن سعد مولى أبي بكر به. وإسناده

стр. 4927

ضعيف وعامر بن صالح، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وليس بقوي، وقال أبو داود: ضعيف. وقال مرة: ليس به بأس. وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. تهذيب التهذيب، والجرح والتعديل (٦/ ٣٢٤)، والحسن مدلس، وقد عنعن ولهذا فالحديث ضعيف. وفي الحديث الذي معنا أنه ﷺ قال: لا أعلم عليه إلا خيرًا، وقد ضعفه الألباني في الضعيفة (٣٦٠٠). الوجه الرابع: وهذا كشف لبعض الغبرة لترى العيون ولعل هؤلاء الطاعنين بهذا الكلام يريدون أن يثيروا غبارًا أمام أعين الناظرين لكي يبصروا ما نسبوه لله وأنبيائه في كتابهم المقدس، وعلى كل حال فنحن نقبل التعاون معهم في كشف هذا الغبار لينظر طالب الحق من غير ما يصاب بالرمد. وهذه بعض النصوص من الكتاب المقدس عندهم فاقرأها وقارن بينها وبين ما في القرآن من تنزيه أم المؤمنين وزوج النبي الكريم وتبرئتها من البهتان والإفك، ثم قرر بعد ذلك أي الكلامين من عند الله. ١ - بنات لوط يزنين معه: سفر التكوين ١٩: ٣٠ "وَغَادَرَ لُوطٌ وَابْنَتَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ صُوغَرَ، وَاسْتَقَرُّوا فِي الجبَلِ لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَسْكُنَ فِي صُوغَرَ. فَلَجَأَ هُوَ وَابْنَتَاهُ إِلَى كَهْفٍ هُنَاكَ. فَقَالَتْ الابْنَةُ الْبكْرُ لأُخْتِهَا الصَّغِيرَةِ: إِنَّ أَبَانَا قَدْ شَاخَ وَلَيْسَ فِي الأَرْضِ رَجُلٌ ليدخل علينا كَعَادَةِ كُلِّ النَّاسِ. فَتَعَالَيْ نَسْقِيهِ خَمْرًا وَنَضْطَجِعُ مَعَهُ فَلا تَنْقَطِعُ ذُرِّيَّةُ أَبِينَا. فَسَقَتَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَبَاهُمَا خَمْرًا، وَأَقْبَلَتْ الابْنَةُ الْكُبْرَى وَضَاجَعَتْ أَبَاهَا فَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا وَلا بِقِيَامِهَا. وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَالَتْ الابْنَةُ الْبِكْرُ لأُخْتِهَا الصَّغِيرَةِ: إِنِّي قَدِ اضْطَجَعْتُ مَعَ أَبِي لَيْلَةَ أَمْسِ، فَتَعَالَيْ نَسْقِيهِ اللَّيْلَةَ أَيْضًا خَمْرًا ثُمَّ ادْخُلي وَاضْطَجِعِي مَعَهُ فَنُحْيِيَ مِنْ أَبِينَا نَسْلًا. فَسَقَتَا اسداهُمَا خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَيْضًا وَأَقْبَلَتْ الابْنَةُ الصغِيرَةُ وَضَاجَعَتْ أَبَاهَا. فَلَمْ يَعْلَمْ بِاضطِجَاعِهَا وَلا بِقِيَامِهَا. وَهَكَذَا حَمَلَتْ الابْنَتَانِ كِلْتَاهُمَا مِنْ أَبِيهِمَا." (الكتاب المقدس ترجمة الحياة).

стр. 4928

٢ - نبي الله داود يزني بزوجة جاره! صموئيل الثاني [١١: ١] "قام في داود عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك فرأى من على السطح امرأة تستحم، وكانت المرأة جميلة المنظر جدًّا، فأرسل وسأل عن المرأة فقال واحد: أليست هذه بشثبع بنت اليعام امرأة أوريا الحثي؟ فأرسل داود رجلًا وأخذها، فدخلت إليه فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها، ثم رجعت إلى بيتها. وحبلت المرأة فأخبرت داود بذلك فدعا داود زوجها (أوريا الحثي). ... فأكل أمامه وشرب وأسكره ... وَفِي الصَّبَاحِ كَتَبَ دَاوُدُ رِسَالَةً إِلَى يُوآبَ، بَعَثَ بِهَا مَعَ أُورِيَّا، جَاءَ فِيهَا: "اجْعَلُوا أُورِيَّا فِي الْخُطُوطِ الأُولَى حَيْثُ يَنْشُبُ الْقِتَالُ الشَّرِسُ، ثُمَّ تَرَاجَعُوا مِنْ وَرَائِهِ لِيَلْقَى حَتْفَه ... فأرسل داود وضم امرأة أوريا إلى بيته وصارت له امرأة وولدت له ابنًا. ٣ - ابن داود يزني بأخته! ! صموئيل الثاني [١٣: ١] "وَكَانَ لأَبْشَالُومَ بْنِ دَاوُدَ أُخْتٌ جَمِيَلَةٌ تُدْعَى ثَامَارَ، فَأَحَبَّهَا أَخُوهَا غَيْرُ الشَّقِيقِ أَمْنُونُ. وَعَانَى أَمْنُونُ مِنْ سُقْمِ الْحُبِّ، لأَنَّ ثَامَارَ أُخْتَهُ كَانَتْ عَذْرَاءَ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ تَحْقِيقُ مَأْرَبِهِ مِنْهَا. وَكَانَ لأَمْنُونَ صَدِيقٌ رَاجِحُ الْعَقْلِ، ... فنصحه: "تَمَارَضْ فِي سَرِيرِكَ. وَعِنْدَمَا يَجِيءُ أَبُوكَ لِيَزُورَكَ قُلْ لَهُ: دَعْ ثَامَارَ أُخْتِي تَأْتِي لِتُطْعِمَنِي ... فَاضْطَجَعَ أَمْنُونُ وَتَمَارَضَ، وَقَالَ لأَبِيهِ عِنْدَمَا جَاءَ لِيَزُورَهُ: "دَعْ ثَامَارَ تَأْتِي لِتَصْنَعَ أَمَامِي كَعْكَتَيْنِ، فَآكُلَ مِنْ يَدِهَا فَأَرْسَلَ دَاوُدُ مَنْ يَدْعُو ثَامَارَ مِنْ بَيْتِهَا قَائِلًا: "اذْهَبِي إِلَى بَيْتِ أَخِيكِ أَمْنُونَ وَاصْنَعِي لَهُ طَعَامًا". فَمَضَتْ ثَامَارُ إِلَى بَيْتِ أَخِيهَا أَمْنُونَ الرَّاقِدِ فِي سَرِيرِهِ فأمر أمنون أن يخرج الجميع من غرفته إلا ثامار ثم قال لها: ائتني بالطعام إلى المخدع فآكل من يدك. فأحضرت الكعكة أمامه وأطعمته بيدها في المخدع فأمسكها وقال لها: تعالي اضطجعي معي يا أختي. فقالت له: لا يا أخي لا تذلني أين أذهب بعاري. فَأَبَى أَنْ يَسْتَمِعَ لِتَوَسُّلاتِهَا، بَلْ تَغَلَّبَ عَلَيْهَا وَاغْتَصبَهَا. فخرجت صارخة. .. وَعِنْدَمَا رَآهَا أَخُوهَا أَبْشَالُومُ سَأَلَهَا: "هَلِ اغْتَصَبَكِ أَمْنُونُ؟ اسْكُتِي الآنَ يَا أُخْتِي، فَإِنَّهُ أَخُوكِ وَلا تَحْمِلي وِزْرَ هَذَا الأَمْرِ فِي قْلبِكِ."

стр. 4929

عزيزي القارىء: من العجب أن الكتاب المقدس وصف (يوناداب) الذي شجع ابن عمه (أمنون) ابن داود ﵇ ووضع له الخطة لارتكاب الخطية الجنسية بأنه راجح العقل وأحكم الحكماء! ! ! : صموئيل الثاني [١٣: ١]: "وَكَانَ لأَمْنُونَ صَدِيقٌ رَاجِحُ الْعَقْلِ، هُوَ ابْنُ عَمِّهِ، يُونَادَابُ بْنُ شِمْعَى، فَسَأَلهُ: "مَا لِي أَرَاكَ سَقِيمًا يَا ابْنَ المُلِكِ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ؟ أَلا تُخْبِرُنِي؟ " فَأَجَابَهُ أَمْنُونُ: "إِنِّي أُحِبُّ ثَامَارَ أُخْتَ أَبْشَالُومَ أَخِي". فَقَالَ يُونَادَابُ: "تَمَارَضْ فِي سَرِيرِكَ. وَعِنْدَمَا يَجِيءُ أَبُوكَ لِيَزُورَكَ قُلْ لَهُ: دَعْ ثَامَارَ أُخْتِي تَأْتِي لِتُطْعِمَنِي. دَعْهَا تُعِدُّ الطَّعَامَ أَمَامِي فَأَرَى مَا تَفْعَلُ وَآكُلُ مِنْ يَدِهَا .. " ترجمة كتاب الحياة. ٤ - ممارسة الجنس بين زوجة الابن وحميها على صفحات الكتاب المقدس سفر التكوين [٢٨: ١٣ (فَقِيلَ لِثَامَارَ: "هُوَذَا حَمُوكِ قَادِمٌ لِتِمْنَةَ لِجزِّ غَنَمِهِ". فَنزعَتْ عَنْهَا ثِيَابَ تَرَمُّلِهَا، وَتَبَرْقَعَتْ وَتَلَفَّعَتْ وَجَلَسَتْ عِنْدَ مَدْخَلِ عَيْنَايِمَ الَّتِي عَلَى طَرِيقِ تِمْنَةَ، ... فَعِنْدَمَا رَآهَا يَهُوذَا ظَنَّهَا زَانِيَةً لأَنَّهَا كَانَتْ مُحَجَّبَةً، فَمَالَ نَحْوَهَا إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ وَقَالَ: "هاتي أدخل عليك". وَلَمْ يَكُنْ يَدْرِي أَنَّهَا كَنَّتُهُ. فَقَالَتْ: "مَاذَا تُعْطِينِي لِكَيْ تُعَاشِرَنِي؟ " فَقَالَ: "أَبْعَثُ إِلَيْكِ جَدْيَ مِعْزَى مِنَ الْقَطِيعِ". فَقَالَتْ: "أَتَعْطِينِي رَهْنًا حَتَّى تَبْعَثَ بِهِ؟ " فَسَأَلَهَا: "أَيُّ رَهْنٍ أُعْطِيكِ؟ " فَأَجَابَتْهُ: "خَاتَمُكَ وَعِصَابَتُكَ وَعَصَاكَ". فَأَعْطَاهَا مَا طَلَبَتْ، وَعَاشَرَهَا فَحَمَلَتْ مِنْهُ. ثُمَّ قَامَتْ وَمَضَتْ، وَخَلَعَتْ بُرْقَعَهَا وَأرْتَدَتْ ثِيَابَ تَرَمُّلِهَا. وَعِنْدَمَا أَرْسَلَ الجدْيَ مَعَ صَاحِبِهِ الْعَدُلامِيِّ لِيَسْتَرِدَّ الرَّهْنَ مِنْ يَدِ المُرْأَةِ فلَمْ يَجِدْهَا. فَسَأَل أَهْلَ المُكَانِ: "أَيْنَ الزَّانِيَةُ الَّتِي كَانَتْ تَجْلِسُ عَلَى الطَّرِيقِ فِي عَيْنَايِمَ؟ " فَقَالُوا: "لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا المكَانِ زَانِيَةٌ" ... وَبَعْدَ مُضِيِّ ثَلاثَةِ أَشْهُرٍ قِيلَ لِيَهُوذَا: "ثَامَارُ كَنَّتُكَ زَنَتْ، وَحَبِلَتْ مِنْ زِنَاهَا"." ٥ - تأشيرة جنسية. أية عظة تلك التي تحصل عليها المرأة المسيحية عندما تقرأ أن المسيح قد دافع عن امرأة زانية قال له اليهود: ((موسى في الناموس أوصانا أن هذه ترجم)) [يوحنا ٨: ٥]. ((ولما استمروا يسألونه انتصب وقال لهم: من كان منكم بلا خطية فليرمها أولًا بحجر)) [يوحنا ٨: ٧] سبحان الله؛ ما هذا الدفاع عن امرأة زانية أليس في ما يدعوا غيرها إلى الزنا! بحجة أن كل الناس خطاة وآثمون وليست الزانيات وحدهن؟

стр. 4930

ومثل هذا الذي نقلناه في الكتاب المقدس كثير! ونحن نسأل: أهذا هو القصص الحق الذي يهدي إلى الصراط المستقيم؟ ! وأين هذا كله وغيره مما لم نذكر من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (النور ١١ - ٢٨). * * *

стр. 4931

٢ - شبهة: ادعاؤهم تطاول عائشة على النبي ﷺ - نص الشبهة: لقد زعم القوم أن عائشة بصغر سنها كانت تمتلك إمكانيات لا تمتلكها غيرها من زوجات النبي ﷺ ، ولذلك كانت تسيطر على عقل النبي ﷺ ، فكان يتساهل معها ويتبع هواها مما أدى إلى تطاولها عليه إلى حدود لا تليق به كبشر عادي فضلًا عن كونه نبيًا. والجواب على هذا الإفك من وجوه: الوجه الأول: أن حسن تعامل النبي ﷺ وحسن أخلاقه مع عائشة لم يكن نابعًا من متابعة الهوى ولا من سيطرة عائشة ﵂ بإمكانياتها عليه، ولكن الأمر كما يلي: ١ - لقد ندب النبي ﷺ إلى حسن الأخلاق بصفة عامة، وكذلك كان ﷺ . ٢ - لقد أوصى ﷺ بحسن عشرة النساء عامة. وذلك لأن طبيعتهن تتطلب ذلك. ٣ - ومن هذا المنطلق كان ﷺ خير الناس لنسائه. ٤ - ولا ننكر ولا نماري في أن عائشة ﵂ كانت مقدمة عليهن في الحب القلبي لما لها من خصوصيات عند الله ورسوله ليست لغيرها من زوجات النبي ﷺ . ٥ - ولكن هذا الحب لم يكن ليحمله ﷺ لحظة واحدة على قبول الظلم منها لغيرها من نسائه، أو ليمكنها من مخالفة شرعية. الوجه الثاني: حسن خلق عائشة ﵂ والكلام على ذلك في محورين: ١ - وهذا شيء من سيرتها يبين ذلك. ٢ - أما الروايات التي توهم ذلك فمنها ما لم يصح، ومنها ما صح وأسيء فهمه. الوجه الثالث: استنكار حسن عشرة النبي ﷺ لعائشة تبعًا لاحتقار مكانة المرأة أصلًا عند النصارى. وإليك التفصيل الوجه الأول: أن حسن تعامل النبي ﷺ وحسن أخلاقه مع عائشة لم يكن نابعًا من متابعة الهوى ولا من سيطرة عائشة ﵂ بإمكانياتها عليه، ولكن الأمر كما يلي: أولًا: لقد ندب النبي ﷺ إلى حسن الأخلاق بصفة عامة، وكذلك كان ﷺ .

стр. 4932

١ - عن عائشة قالت: (ما ضرب رسول الله ﷺ خادمًا له قط، ولا امرأة له قط، ولا ضرب بيده إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء فانتقمه من صاحبه إلا أن تنتهك محارم الله فينتقم لله ، وما عرض عليه أمران أحدهما أيسر من الآخر إلا أخذ بأيسرهما إلا أن يكون مأثمًا، فإن كان مأثمًا كان أبعد الناس منه) (١). ثانيًا: لقد أوصى ﷺ بحسن عشرة النساء عامة. وذلك لأن طبيعتهن تتطلب ذلك، ومن ذلك ما يلي: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا". (٢) ولفظه عند مسلم: "إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها". (٣) ٢ - وعن عبد الله بن زمعة عن النبي ﷺ قال: "لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم". (٤) ٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر، أو قال غيره". (٥) ثالثا: ومن هذا المنطلق كان ﷺ خير الناس لنسائه: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وخياركم خياركم لنسائهم خلقًا. (٦) ٢ - عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي". (٧)

стр. 4933

قال الحليمي: دل على أن حسن الخلق إيمان وعدمه نقصان إيمان، وأن المؤمنين يتفاوتون في إيمانهم فبعضهم أكمل إيمانا من بعض. ومن ثم كان المصطفى ﷺ أحسن الناس خلقًا لكونه أكملهم إيمانًا "وخياركلم خياركم لنسائهم" أي من يعاملهن بالصبر على أخلاقهن ونقصان عقلهن وطلاقة الوجه والإحسان. وكف الأذى وبذل الندى وحفظهن من مواقع الريب. ولهذا كان المصطفى ﷺ أحسن الناس معاشرة لعياله وهل المراد بهن حلائل الرجل من زوجة وسرية أو أصوله وفروعه وأقاربه أو من في نفقته منهن أو الكل؟ والحمل على الأعم أتم. (١) ٣ - عن الأسود قال: سألت عائشة: ما كان رسول الله ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. (٢) رابعًا: ونحن لا نشك ولا نماري في أن عائشة أم المؤمنين كانت مقدمة عليهن في هذا الحب بتقديم الله لها لا بمجرد الهوى كما فهم على غير الصواب، وبيان ذلك فيما يأتي: ١ - عن عروة بن الزبير قال: كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة فقلن: يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري رسول الله ﷺ أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيثما كان أو حيثما دار، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي ﷺ قالت: فأعرض عني فلما عاد إلي ذكرت له ذلك، فأعرض عني فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال: "يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل عليّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها". (٣)

стр. 4934

قال الذهبي ﵀: وهذا الجواب منه دال على أن فضل عائشة على سائر أمهات المؤمنين بأمر إلهي وراء حبه لها، وأن ذلك الأمر من أسباب حبه لها (١). ٢ - ومن أجل هذا الفضل أحبها حبًا شديدًا كان يتظاهر به، بحيث إن عمرو بن العاص، وهو ممن أسلم سنة ثمان من الهجرة، سأل النبي ﷺ : أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: "عائشة" قال: فمن الرجال؟ قال: "أبوها" (٢). وهذا خبر ثابت على رغم أنوف الشانئين، وما كان ﵇ ليحب إلا طيبًا، وقد قال: "لو كنت متخذًا خليلًا من هذه الأمة، لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإسلام أفضل" فأحب أفضل رجل من أمته وأفضل امرأة من أمته، فمن أبغض حبيبي رسول الله ﷺ فهو حري أن يكون بغيضًا إلى الله ورسوله، وحبه ﷺ لعائشة كان أمرًا مستفيضًا، ألا تراهم كيف كانوا يتحرون بهداياهم يومها تقربًا إلى مرضاته. (٣) كما مر في الحديث السابق. ٣ - ومن فضائلها على غيرها أنها ابنة أبي بكر الصديق السبّاق إلى الخيرات، وليس غيرها كذلك بهذه الدرجة فعن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: أرسل أزواج النبي ﷺ فاطمة بنت رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي فأذن لها، فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة وأنا ساكتة، قالت: فقال لها رسول الله ﷺ : "أي بنية ألست تحبين ما أحب"؟ فقالت: بلى، قال: "فأحبي هذه"، قالت: فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله ﷺ فرجعت إلى أزواج النبي ﷺ فأخبرتهن بالذي قالت وبالذي قال لها رسول الله ﷺ فقلن لها: ما نراك أغنيت عنا من شيء، فارجعي إلى رسول الله ﷺ فقولي له إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة، فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبدًا قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ ولم أر

стр. 4935

امرأة قط خيرًا في الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثًا وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى ما عدا سورة من حد كانت فيها تسرع منها الفيئة. قالت فاستأذنت علي رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ مع عائشة في مرطها على الحالة التي دخلت فاطمة عليها وهو بها فأذن لها رسول الله ﷺ . فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، قالت: ثم وقعت بي فاستطالت علي وأنا أرقب رسول الله ﷺ وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها؟ قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنتصر قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها حين أنحيت عليها قالت: فقال رسول الله ﷺ وتبسم: "إنها ابنة أبي بكر". (١) قلت: واضح من هذا الحديث أن النبي ﷺ خصها بفضيلة ليست لواحدة من النساء غيرها وهي أنها ابنة أبي بكر وليست واحدة من النساء لأبيها من السابقة والفضل والمكانة وحسن التأديب لابنته ما لأبي بكر، فكيف تريدون أن تكون مكانتكم تضاهي مكانتها؟ ! لعل ذلك لو حصل يكون منافيًا للعدل الذي تنشدنه فعند ذلك عرفن فضلها وسكتن، فلم يعاودن السؤال مرة ثانية، والله أعلم. فثبت بهذا وبغيره مما لم أذكره أن عائشة كانت مقدمة في الحب القلبي لما حباها الله به من خصائص ليست لغيرها من زوجات النبي ﷺ وهذا لاينقص من شأن أيتهن أبدًا، ولكن سنة الله أن يكون لكل قدره.

стр. 4936

خامسًا: ولكن هذا الحب لم يكن ليحمله ﷺ على الظلم لبقية النساء ولم يكن يحمله كذلك على السكوت على مخالفة شرعية تصدر من عائشة ﵂ فأما بقية النساء فتظهر قمة العدل منه ﷺ فيما يلي: ١ - عندما كان في مرضه الذي توفي فيه فأراد أن يمرض في بيت عائشة ﵂ فاستأذنهن ولم يفوت حقهن في الاستئذان حتى وهو في هذا الموقف العصيب الشديد فلو أن الأمر نابع من الهوى ومن سيطرة عائشة ﵂ عليه لما حصل هذا الاستئذان. فعن عائشة قالت: لما ثقل النبي ﷺ واشتد به وجعه استأذن أزواجه في أن يمرض في بيتي، فأذن له فخرج النبي ﷺ بين رجلين تحط رجلاه في الأرض (١). ٢ - ما كان ﷺ يأخذها معه في سفر إلا إذا أصابتها قرعة ولم يحرم سودة من ليلتها حتى وهبتها لعائشة ﵁ فلو أن الأمر أمر أمر هوى لأقبل على الشابة وترك العجوز، وأين المقارنة بين فتاة بكر وامرأة عجوز حتى يكون لها ليلة تهبها لعائشة ليكون لها فضل الهبة بعد ذلك إلا في ظل العدل المحمدي من رسول الله ﷺ ، وها هي الصديقة تحفظ لنا هذا الخبر، فعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها، غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي ﷺ تبتغي بذلك رضًا رسول الله ﷺ (٢). ٣ - لقد كانت رغبتها ﵂ تخالف أحيانًا فلا تستطيع أن تقول شيئًا لأنها تتعامل مع رسول الله ﷺ لا على أنه زوج فحسب بل على أنه زوج ورسول من عند الله تعالى. فعن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا خرج أقرع بين نسائه فطارت القرعة لعائشة وحفصة، وكان النبي ﷺ إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث فقالت حفصة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك تنظرين وأنظر؟ فقالت: بلى، فركبت فجاء النبي ﷺ إلى جمل عائشة وعليه

стр. 4937

حفصة فسلم عليها، ثم سار حتى نزلوا، وافتقدته عائشة فلما نزلوا جعلت رجليها بين الإذخر وتقول: يا رب سلط عليّ عقربًا أو حية تلدغني ولا أستطيع أن أقول له شيئًا (١). فأين سيطرتها بإمكانياتها في هذه الرواية على رسول الله ﷺ وهي تقول رسولك ولا أستطيع أن أقول شيئًا؟ فظهر مما سبق أن النبي ﷺ وإن كان يحب عائشة أكثر إلا أنه لم يكن يعطيها حق غيرها وهذا من تمام عدله ووفور عقله - صلوات الله وسلامه عليه. وأما من جهة المخالفات الشرعية فلم يكن حبه لها ليجعله يسكت على مخالفة شرعية حتى وإن كانت من أحب الناس إليه وهي عائشة ﵂ ومن ذلك ما يلي: ١ - عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها أخبرته: أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب فلم يدخله فعرفت في وجهه الكراهية، فقلت: يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله ﷺ ماذا أذنبت؟ فقال رسول الله ﷺ : "ما بال هذه النمرقة" قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله ﷺ : "إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون فيقال لهم أحيوما خلقتم". وقال: "إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة". (٢) ٢ - ولم يوافقها ﷺ على كلمة قالتها في صفية ﵂ عن عائشة قالت: قلت للنبي ﷺ : حسبك من صفية كذا وكذا. قال غير مسدد تعني: قصيرة فقال: "لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته" قالت: وحكيت له إنسانًا قال: "ما أحب أني حكيت إنسانًا وأن لي كذا وكذا". (٣) فهذه الرواية تذكر أن عائشة بحكم بشريتها تحذر النبي ﷺ من صفية بكلمة وإشارة، لكن رسول الله ﷺ مع حبه لعائشة لم يقرها على ذلك، فكيف يقال: إنها كانت تسيطر على النبي ﷺ وتدفعه بما لها من إمكانيات إلى التساهل معها في حقوق الله تعالى؟ الوجه الثاني: حسن خلق عائشة ﵂ -.

стр. 4938

والكلام على هذا في محورين: أولًا: حسن خلقها ﵂ صفة عامة ومع النبي ﷺ بصفة خاصة. ثانيًا: الكلام على الروايات التي حصل لهم هذا الوهم بسببها. المحور الأول: حسن خلقها ﵂ مع النبي ﷺ -: أذكر بعض الروايات عن أم المؤمنين ﵂ لبيان حسن أخلاقها مع النبي ﷺ : ١ - عن عائشة أنها قالت: أقسم رسول الله ﷺ أن لا يدخل على نسائه شهرًا، قالت: فلبث تسعًا وعشرين. قالت: فكنت أول من بدأ به. فقلت للنبي ﷺ : أليس كنت أقسمت شهرًا فعدت الأيام تسعًا وعشرين، فقال النبي ﷺ : "الشهر تسع وعشرون". (١) ووجه الدلالة أنها لو كانت سيئة مع النبي ﷺ لما أخذت تنتظره وتعد الأيام كما صرحت بذلك في رواية الإمام مسلم فقالت: لما مضت تسع وعشرون ليلة أعدهن دخل على رسول الله ﷺ قالت: بدأ بي، فقلت: يا رسول الله، إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدّهن، فقال: "إن الشهر تسع وعشرون". ٢ - وعن عائشة ﵂ تقول: طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين حين أحرم ولحله حين أحل قبل أن يطوف وبسطت يديها. (٢) ووجه ذلك أن المرأة التي تطيب زوجها بيديها مع كونه يتصف باللين معها ولا يجبرها على مثل ذلك. لا شك أنها حسنة الأخلاق مع هذا الزوج وتدبر هذا في امرأة من نساء زماننا تضع الطيب بيديها على رأس زوجها وتسرح له شعره من غير ما يأمرها بذلك وهو رجل سهل لين، فهل يقول أحد عنها أنها امرأة سيئة الخلق مع زوجها؟ ! ٣ - عن عائشة ﵂: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي ﷺ وأنا مسندته إلى صدري ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فأبده رسول الله ﷺ بصره فأخذت السواك فقضمته ونفضته وطيبته، ثم دفعته إلى النبي ﷺ فاستن به فما رأيت رسول الله ﷺ

стр. 4939

استن استنانا قط أحسن منه فما عدا أن فرغ رسول الله ﷺ رفع يده أو إصبعه ثم قال: "في الرفيق الأعلى". ثلاثًا ثم قضى، وكانت تقول: مات بين حاقنتي وذاقنتي. (١) فانظر كيف كانت مراقبة لعين رسول الله ﷺ ، وكيف كانت عارفة بما يحب وما يريد حتى في مثل هذه الحال، فهل يعد هذا من سوء الخلق إلا عند حاسد شانئ وأم المؤمنين تعد من نعم الله عليها أن جمع الله بين ريقها وريق رسول الله ﷺ في آخر يوم من حياته، فعن ابن أبي مليكة أن أبا عمرو ذكوان مولى عائشة أخبره أن عائشة كانت تقول: إن من نعم الله علي أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته دخل علي عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله ﷺ فرأيته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه (أن نعم)، فتناولته فاشتد عليه وقلت ألينه لك؟ فأشار برأسه (أن نعم). فلينته فأمره وبين يديه ركوة أو علبة - يشك عمر - فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه يقول: "لا إله الإ الله إن للموت سكرات", ثم نصب يده فجعل يقول: "اللهم في الرفيق الأعلى" حتى قبض ومالت يده. (٢) وكيف كان قلبها يتفطر وهي ترى سكرات الموت تنزل برسول الله ﷺ حتى قالت: توفي رسول الله ﷺ أو قبض أو مات وهو بين حاقنتي وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعد الذي رأيت برسول الله ﷺ (٣). ٤ - ثم هذا جوابها على الفور لما خيَّرها رسول الله ﷺ : عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لما أمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: "إني ذاكرًا لك أمرًا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك"، قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه قالت ثم قال إن الله جل ثناؤه قال ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ

стр. 4940

أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا .. إلى قوله: عَظِيمًا﴾. قالت: فقلت: ففي أي هذا أستأمر أبوي؛ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت. (١) ٥ - ثم كيف هي تحافظ على راحة رسول الله ﷺ حتى وهي تتألم وذلك عندما تأخر الجيش أثناء البحث عن عقدها فنام رسول الله ﷺ على فخذها، فجاء أبو بكر يطعنها في خاصرتها ويعنفها وهي لا يمنعها من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ منها. كما قالت عائشة ﵂: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم فتيموا، فقال أسيد بن التحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. قال: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فأصبنا العقد تحته. (٢) ٦ - ولقد كانت ترضى بالقليل ابتغاء مرضاة الله ولا تشكوا، وهذا من حسن أخلاقها مع من كانت أحب الناس إليه ﷺ . فعن عائشة ﵂ قالت: ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض (٣). وهي حين تخبرنا بذلك لا تشكوا ولكن تخبر من أجل التأسي بمثل ما كانوا عليه من الصبر، والرضا والتحذير من الكنز، ويؤيد ذلك الرواية الأخرى. عن عبد الرحمن بن عابس عن أبيه قال: قلت لعائشة: أنهى النبي ﷺ أن تؤكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث؟ قالت: ما فعله إلا في عام جاع الناس فيه فأراد أن يطعم الغني الفقير وإن كنا لنرفع الكراع فنأكله بعد خمس عشرة قيل ما اضطركم إليه؟ فضحكت قالت: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز بر مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله (٤). وبعد هذه الروايات الصحيحة الواضحة في التصريح والدلالة على حسن خلق السيدة عائشة مع
следующие страницы →