← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

خامسًا: ولكن هذا الحب لم يكن ليحمله ﷺ على الظلم لبقية النساء ولم يكن يحمله كذلك على السكوت على مخالفة شرعية تصدر من عائشة ﵂ فأما بقية النساء فتظهر قمة العدل منه ﷺ فيما يلي: ١ - عندما كان في مرضه الذي توفي فيه فأراد أن يمرض في بيت عائشة ﵂ فاستأذنهن ولم يفوت حقهن في الاستئذان حتى وهو في هذا الموقف العصيب الشديد فلو أن الأمر نابع من الهوى ومن سيطرة عائشة ﵂ عليه لما حصل هذا الاستئذان. فعن عائشة قالت: لما ثقل النبي ﷺ واشتد به وجعه استأذن أزواجه في أن يمرض في بيتي، فأذن له فخرج النبي ﷺ بين رجلين تحط رجلاه في الأرض (١). ٢ - ما كان ﷺ يأخذها معه في سفر إلا إذا أصابتها قرعة ولم يحرم سودة من ليلتها حتى وهبتها لعائشة ﵁ فلو أن الأمر أمر أمر هوى لأقبل على الشابة وترك العجوز، وأين المقارنة بين فتاة بكر وامرأة عجوز حتى يكون لها ليلة تهبها لعائشة ليكون لها فضل الهبة بعد ذلك إلا في ظل العدل المحمدي من رسول الله ﷺ ، وها هي الصديقة تحفظ لنا هذا الخبر، فعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها، غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي ﷺ تبتغي بذلك رضًا رسول الله ﷺ (٢). ٣ - لقد كانت رغبتها ﵂ تخالف أحيانًا فلا تستطيع أن تقول شيئًا لأنها تتعامل مع رسول الله ﷺ لا على أنه زوج فحسب بل على أنه زوج ورسول من عند الله تعالى. فعن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا خرج أقرع بين نسائه فطارت القرعة لعائشة وحفصة، وكان النبي ﷺ إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث فقالت حفصة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك تنظرين وأنظر؟ فقالت: بلى، فركبت فجاء النبي ﷺ إلى جمل عائشة وعليه

стр. 4937

حفصة فسلم عليها، ثم سار حتى نزلوا، وافتقدته عائشة فلما نزلوا جعلت رجليها بين الإذخر وتقول: يا رب سلط عليّ عقربًا أو حية تلدغني ولا أستطيع أن أقول له شيئًا (١). فأين سيطرتها بإمكانياتها في هذه الرواية على رسول الله ﷺ وهي تقول رسولك ولا أستطيع أن أقول شيئًا؟ فظهر مما سبق أن النبي ﷺ وإن كان يحب عائشة أكثر إلا أنه لم يكن يعطيها حق غيرها وهذا من تمام عدله ووفور عقله - صلوات الله وسلامه عليه. وأما من جهة المخالفات الشرعية فلم يكن حبه لها ليجعله يسكت على مخالفة شرعية حتى وإن كانت من أحب الناس إليه وهي عائشة ﵂ ومن ذلك ما يلي: ١ - عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها أخبرته: أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب فلم يدخله فعرفت في وجهه الكراهية، فقلت: يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله ﷺ ماذا أذنبت؟ فقال رسول الله ﷺ : "ما بال هذه النمرقة" قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله ﷺ : "إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون فيقال لهم أحيوما خلقتم". وقال: "إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة". (٢) ٢ - ولم يوافقها ﷺ على كلمة قالتها في صفية ﵂ عن عائشة قالت: قلت للنبي ﷺ : حسبك من صفية كذا وكذا. قال غير مسدد تعني: قصيرة فقال: "لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته" قالت: وحكيت له إنسانًا قال: "ما أحب أني حكيت إنسانًا وأن لي كذا وكذا". (٣) فهذه الرواية تذكر أن عائشة بحكم بشريتها تحذر النبي ﷺ من صفية بكلمة وإشارة، لكن رسول الله ﷺ مع حبه لعائشة لم يقرها على ذلك، فكيف يقال: إنها كانت تسيطر على النبي ﷺ وتدفعه بما لها من إمكانيات إلى التساهل معها في حقوق الله تعالى؟ الوجه الثاني: حسن خلق عائشة ﵂ -.

стр. 4938

والكلام على هذا في محورين: أولًا: حسن خلقها ﵂ صفة عامة ومع النبي ﷺ بصفة خاصة. ثانيًا: الكلام على الروايات التي حصل لهم هذا الوهم بسببها. المحور الأول: حسن خلقها ﵂ مع النبي ﷺ -: أذكر بعض الروايات عن أم المؤمنين ﵂ لبيان حسن أخلاقها مع النبي ﷺ : ١ - عن عائشة أنها قالت: أقسم رسول الله ﷺ أن لا يدخل على نسائه شهرًا، قالت: فلبث تسعًا وعشرين. قالت: فكنت أول من بدأ به. فقلت للنبي ﷺ : أليس كنت أقسمت شهرًا فعدت الأيام تسعًا وعشرين، فقال النبي ﷺ : "الشهر تسع وعشرون". (١) ووجه الدلالة أنها لو كانت سيئة مع النبي ﷺ لما أخذت تنتظره وتعد الأيام كما صرحت بذلك في رواية الإمام مسلم فقالت: لما مضت تسع وعشرون ليلة أعدهن دخل على رسول الله ﷺ قالت: بدأ بي، فقلت: يا رسول الله، إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدّهن، فقال: "إن الشهر تسع وعشرون". ٢ - وعن عائشة ﵂ تقول: طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين حين أحرم ولحله حين أحل قبل أن يطوف وبسطت يديها. (٢) ووجه ذلك أن المرأة التي تطيب زوجها بيديها مع كونه يتصف باللين معها ولا يجبرها على مثل ذلك. لا شك أنها حسنة الأخلاق مع هذا الزوج وتدبر هذا في امرأة من نساء زماننا تضع الطيب بيديها على رأس زوجها وتسرح له شعره من غير ما يأمرها بذلك وهو رجل سهل لين، فهل يقول أحد عنها أنها امرأة سيئة الخلق مع زوجها؟ ! ٣ - عن عائشة ﵂: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي ﷺ وأنا مسندته إلى صدري ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فأبده رسول الله ﷺ بصره فأخذت السواك فقضمته ونفضته وطيبته، ثم دفعته إلى النبي ﷺ فاستن به فما رأيت رسول الله ﷺ

стр. 4939

استن استنانا قط أحسن منه فما عدا أن فرغ رسول الله ﷺ رفع يده أو إصبعه ثم قال: "في الرفيق الأعلى". ثلاثًا ثم قضى، وكانت تقول: مات بين حاقنتي وذاقنتي. (١) فانظر كيف كانت مراقبة لعين رسول الله ﷺ ، وكيف كانت عارفة بما يحب وما يريد حتى في مثل هذه الحال، فهل يعد هذا من سوء الخلق إلا عند حاسد شانئ وأم المؤمنين تعد من نعم الله عليها أن جمع الله بين ريقها وريق رسول الله ﷺ في آخر يوم من حياته، فعن ابن أبي مليكة أن أبا عمرو ذكوان مولى عائشة أخبره أن عائشة كانت تقول: إن من نعم الله علي أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته دخل علي عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله ﷺ فرأيته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه (أن نعم)، فتناولته فاشتد عليه وقلت ألينه لك؟ فأشار برأسه (أن نعم). فلينته فأمره وبين يديه ركوة أو علبة - يشك عمر - فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه يقول: "لا إله الإ الله إن للموت سكرات", ثم نصب يده فجعل يقول: "اللهم في الرفيق الأعلى" حتى قبض ومالت يده. (٢) وكيف كان قلبها يتفطر وهي ترى سكرات الموت تنزل برسول الله ﷺ حتى قالت: توفي رسول الله ﷺ أو قبض أو مات وهو بين حاقنتي وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعد الذي رأيت برسول الله ﷺ (٣). ٤ - ثم هذا جوابها على الفور لما خيَّرها رسول الله ﷺ : عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: لما أمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: "إني ذاكرًا لك أمرًا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك"، قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه قالت ثم قال إن الله جل ثناؤه قال ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ

стр. 4940

أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا .. إلى قوله: عَظِيمًا﴾. قالت: فقلت: ففي أي هذا أستأمر أبوي؛ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت. (١) ٥ - ثم كيف هي تحافظ على راحة رسول الله ﷺ حتى وهي تتألم وذلك عندما تأخر الجيش أثناء البحث عن عقدها فنام رسول الله ﷺ على فخذها، فجاء أبو بكر يطعنها في خاصرتها ويعنفها وهي لا يمنعها من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ منها. كما قالت عائشة ﵂: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم فتيموا، فقال أسيد بن التحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. قال: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فأصبنا العقد تحته. (٢) ٦ - ولقد كانت ترضى بالقليل ابتغاء مرضاة الله ولا تشكوا، وهذا من حسن أخلاقها مع من كانت أحب الناس إليه ﷺ . فعن عائشة ﵂ قالت: ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض (٣). وهي حين تخبرنا بذلك لا تشكوا ولكن تخبر من أجل التأسي بمثل ما كانوا عليه من الصبر، والرضا والتحذير من الكنز، ويؤيد ذلك الرواية الأخرى. عن عبد الرحمن بن عابس عن أبيه قال: قلت لعائشة: أنهى النبي ﷺ أن تؤكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث؟ قالت: ما فعله إلا في عام جاع الناس فيه فأراد أن يطعم الغني الفقير وإن كنا لنرفع الكراع فنأكله بعد خمس عشرة قيل ما اضطركم إليه؟ فضحكت قالت: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز بر مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله (٤). وبعد هذه الروايات الصحيحة الواضحة في التصريح والدلالة على حسن خلق السيدة عائشة مع

стр. 4941

الرسول ﷺ يقال عنها كانت سيئة الأخلاق معه، لا جرم، فقد تنكر العين ضوء الشمس من رمد، وينكر الفم طعم الماء من سقم! المحور الثاني: الروايات التي أوهمت القوم ما ذهبوا اليه من الطعن في السيدة عائشة من هذه الناحية . الحديث الأول: عن عائشة أنها قالت: وكان متاعي فيه خف وكان على جمل ناج وكان متاع صفية فيه ثقل وكان على جمل ثقال بطئ يتبطأ بالركب، فقال رسول الله ﷺ : "حولوا متاع عائشة على جمل صفية وحولوا متاع صفية على جمل عائشة حتى يمضي الركب"، قالت عائشة: فلما رأيت ذلك قلت: يا لعباد الله! غلبتنا هذه اليهودية على رسول الله! قالت: فقال رسول الله ﷺ : يا أم عبد الله، إن متاعك كان فيه خف وكان متاع صفية فيه ثقل فأبطأ بالركب فحولنا متاعها على بعيرك وحولنا متاعك على بعيرها، قالت: فقلت: ألست تزعم أنك رسول الله، قالت: فتبسم قال: "أو في شك أنت يا أم عبد الله"؟ قالت: قلت: ألست تزعم إنك رسول الله؟ أفهلا عدلت؟ وسمعني أبو بكر وكان فيه غرب - أي حدة - فأقبل علي فلطم وجهي، فقال رسول الله ﷺ : "مهلًا يا أبا بكر"، فقال: يا رسول الله أما سمعت ما قالت؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الغيرى لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه". (١) والجواب عليه من وجوه: الوجه الأول: أن الحديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به. قال البوصيري في إتحاف المهرة (٣/ ٤٣): رواه أبو يعلى بسند ضعيف، لتدليس ابن إسحاق. الوجه الثاني: ولو صح فإن الذي ترويه هي عائشة ﵂ فهي تعترف أن هذا خطأ وتابت منه وتاب الله عليها ولو كانت كما يقولون لا روته فالأولى عند صحة هذا الحديث أن يوضع في

стр. 4942

مناقبها؛ لأنها هي التي روته فكان حفاظها على الشريعة وعلى نقلها أولى عندها من أي شيء آخر، حتى ولو كان نفسها. الوجه الثالث: ولكن اعتذر عنها رسول الله ﷺ بأن الغيرى لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه. الوجه الرابع: ثم إن أبا بكر عاقبها على ذلك والذي دافع عنها هو رسول الله ﷺ فما دخل هؤلاء. ألا ينادون بحقوق المرأة. الحديث الثاني: عن النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر على النبي ﷺ فسمع صوت عائشة عاليًا وهي تقول: والله لقد علمت أن عليًّا أحب إليك من أبي، فأهوى إليها أبو بكر ليلطمها وقال: يا ابنة فلانة أراك ترفعين صوتك على رسول الله ﷺ فأمسكه رسول الله ﷺ وخرج أبو بكر مغضبًا، فقال رسول الله ﷺ : "يا عائشة كيف رأيتني أنقذتك من الرجل"؟ ثم استأذن أبو بكر بعد ذلك وقد اصطلح رسول الله ﷺ وعائشة، فقال: أدخلاني في السلم كما أدخلتماني في الحرب فقال رسول الله ﷺ : "قد فعلنا". (١) وهذا حديث صحيح، وتوجيهه كما يلي: ١ - إن اعتقادنا في أم المؤمنين أنها بشر يخطئ ويصيب فهي امرأة تغار كغيرها من النساء إلا أن لها فضلًا عليهن بتفضيل الله لها كما أخبر النبي ﷺ أن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام، ولكنها مع هذا الفضل ليست معصومة. ٢ - لقد كان رسول الله ﷺ يعلم هذه الطبيعة من النساء، ولذلك حال بينها وبين أبي بكر، ثم إنه في الرواية أن أبا بكر دخل ورسول الله ﷺ يضاحكها، فقال: أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما.

стр. 4943

٣ - ثم لو فرض أن هذا ذنب فقد تابت منه ورضي عنها الله ورسوله، ومن رحمة الله بنا أن من أذنب ثم تاب وعمل صالحًا تاب الله عليه وبدل سيئاته حسنات وإن رغمت بذلك أنوف. ٤ - ثم كيف تحاسبونها الآن على سوء الخلق وأنتم الذين تقولون أنه تزوجها طفلة؟ أليس من الممكن أن يكون هذا القول في هذه الطفولة المزعومة؟ فما هو موقفكم بالضبط؟ هل هو الطعن فيها بسوء الخلق، أم هو الدفاع عنها بأنها طفلة؟ ثم كيف تكون طفلة وتمتلك إمكانيات تسيطر بها على عقل النبي ﷺ ؟ فإنها لو كانت طفلة لبطل ما تزعمونه في حقها، ولو كانت تمتلك هذه الإمكانيات المزعومة لبطل ما يقال في حق النبي ﷺ من أنه يتزوج الأطفال، والحق أن الكل باطل. الحديث الثالث: عن عائشة: أنا رسول الله ﷺ كانا يقولا لها: "إني أعرف غضبك إذا غضبت ورضاك إذا رضيت". قالت: وكيف تعرف ذلك يا رسول الله؟ قال: "إذا غضبت قلت يا محمد وإذا رضيت قلت: يا رسول الله" (١). والجواب من طرق:

стр. 4944

١ - أن هذا لفظ شاذ فلا يصح الاحتجاج به في مقابل المحفوظ وبيانه في الحاشية. ٢ - أن هذا يخالف ما أقسمت عليه في الرواية المحفوظة التي قالت فيها: والله ما أهجر إلا اسمك. قال ابن حجر: وقول عائشة أجل يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك ١ - قال الطيبي: هذا الحصر لطيف جدًّا؛ لأنها أخبرت أنها إذا كانت في حال الغضب الذي يسلب العاقل اختياره لا تتغير عن المحبة المستقرة فهو كما قيل: إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسما إليك مع الصدود لأميل ٢ - وقال ابن المنير: مرادها أنها كانت تترك التسمية اللفظية ولا يترك قلبها التعلق بذاته الكريمة مودة ومحبة اهـ. ٣ - وفي اختيار عائشة ذكر إبراهيم ﷺ دون غيره من الأنبياء دلالة على مزيد فطنتها لأن النبي ﷺ أولى الناس به كما نص عليه القرآن فلما لم يكن لها بد من هجر الاسم الشريف أبدلته بمن هو منه بسبيل حتى لا تخرج عن دائرة التعلق في الجملة. (١) الحديث الرابع: وقالوا كذلك بعد ذكر الرواية السابقة وكان النبي ﷺ بدوره يغضب منها، ثم ساقوا رواية هذا نصها عن عائشة قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ بأسير فلهوت عنه فذهب فجاء النبي ﷺ فقال: "ما فعل الأسير"؟ قالت: لهوت عنه مع النسوة، فخرج فقال مالك: "قطع الله يدك أو يديك"، فخرج فآذن به الناس فطلبوه فجاؤوا به فدخل علي وأنا أقلب يدي، فقال: "مالك أجننت"؟ قلت: دعوت علي فأنا أقلب يدي أنظر أيهما يقطعان، فحمد الله وأثنى عليه ورفع يديه مدًا وقال: "اللهم إني بشر أغضب كما يغضب البشر فأيما مؤمن أو مؤمنة دعوت عليه فاجعله له زكاةً وطهورًا". (٢) وهذا حديث صحيح وجواب فهمهم له ما يلي:

стр. 4945

١ - إن النبي ﷺ بشر أوحى الله إليه يغضب كما يغضب البشر كما هو منصوص عليه في الحديث، وقد جرى مثل هذه القصة لحفصة ﵂ كما أخرج أحمد عن أنس بن مالك: (أن رسول الله ﷺ دفع إلى حفصة ابنة عمر رجلًا فقال: احتفظي به. قال فغفلت حفصة ومضى الرجل فدخل رسول الله ﷺ وقال: يا حفصة، ما فعل الرجل قالت: غفلت عنه يا رسول الله، فخرج، فقال رسول الله: "قطع الله يدك" فرفعت يديها هكذا فدخل رسول الله ﷺ فقال: "ما شأنك يا حفصة" فقالت: يا رسول الله، قلت قبل لي كذا وكذا فقال لها: "صُفّي يديك، فإني سألت الله أيما إنسان من أمتي دعوت الله عليه أن يجعلها له مغفرة" (١). ٢ - ثم إن هذا الحديث الأولى به أن يكون في مناقب عائشة ﵂؛ لأن النبي ﷺ سأل الله أن يجعل دعاءه على أي أحد من أمته مغفرة ورحمة وهكذا هذه الدعوة إن شاء الله لعائشة وإلا فدعاؤه ﷺ مستجاب فلو لم يكن الأمر كما مر لقطعت يدها وهذا لم يحدث حتى ماتت ﵂ فدل على أنها لها مغفرة ورحمة. الحديث الخامس: عن عائشة ﵂ قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ (الأحزاب: ٥١)، قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. (٢) والجواب: أن هذا ليس من سوء الأدب مع النبي ﷺ ، ولكنه من باب إظهار مكانة النبي ﷺ عند ربه والمعنى كما يلي: ١ - أَيْ: مَا أَرَى الله إِلَّا مُوجدًا لمِا تُرِيد بِلَا تَأْخِير، مُنْزِلًا لمَا تُحِبّ وَتَخْتَار. (٣) ٢ - وقيل: مَعْنَاهُ يُخَفِّف عَنْك وَيُوَسِّع عَلَيْك فِي الْأُمُور وَلِهَذَا خَيَّرَك. (٤)

стр. 4946

٣ - أو: أن هذا القول كِنَايَةٌ عَنْ تَرْكِ ذَلِكَ التَّنْفِيرِ وَالتَّقْبِيحِ لمِا رَأَتْ مِنْ مُسَارَعَةِ اللهِ تَعَالَى فِي مَرْضَاةِ النَّبِيّ ﷺ أَيْ كُنْتُ أُنفِّرُ النِّسَاءَ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَيْتُ اللهَ أَنَّهُ يُسَارعُ فِي مَرْضَاة النَّبِيّ ﷺ تَرَكْتُ ذَلِكَ لمِا فِيهِ مِنْ الْإِخْلَالِ بِمَرْضَاتِهِ ﷺ ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَم. (١) ٤ - أما عن العبارة فهَذَا قَوْلُ أَبْرَزَهُ الدَّلَالُ وَالْغَيْرَةُ، وَهُوَ مِنْ نَوْعٌ قَوْلهَا مَا أَحْمَدُكُمَا وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا الله، وَإِلَّا فَإِضَافَةُ الْهَوَى إِلَى النَّبِيّ ﷺ لَا تُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرها، لِأَنَّهُ لَا يَنْطِق عَنْ الْهَوَى وَلَا يَفْعَلُ بِالْهَوَى، وَلَوْ قَالَتْ إِلَى مَرْضَاتِكَ لَكَانَ أَلْيَقَ، وَلَكِنَّ الْغَيْرَةَ يُغْتَفَرُ لِأَجْلِهَا إِطْلَاقُ مِثْلِ ذَلِكَ. (٢) ٥ - وذلك أن الغيرة إن كانت لما في الطباع البشرية التي أيسلم منها أحد من النساء فتعذر فيها ما لم تتجاوز إلى ما يحرم عليها من قول أو فعل، وعلى هذا يحمل ما جاء عن السلف الصالح من النساء في ذلك. (٣) ومن أجل هذا المعنى لم يرد ذلك عليها ولا زجرها، وعذرها لما جعل الله في فطرتها من شدة الغيرة. (٤) ٦ - وَقَدْ يُقَال: المُذْمُوم هُوَ الْهَوَى الْخَالِي عَنْ الْهُدَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ... ﴾ (القصص: ٥٥)، وَالله تَعَالَى أَعْلَم، فَلْيُتَأَمَّلْ. (٥) ومن هذا المعنى قول عمر في قصة المشاورة في أسارى بدر: فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلتُ، وهذا الحديثُ مما جاء استعمال الهوى فيهِ بمعنى المحبة المحمودة وعلى هذا ينبغي أن يفرق بين حالين من الهوى: ١ - الهوى والشهوة المستقرة في النفس البشرية وهي مجبولة عليها.

стр. 4947

٢ - اتباع الهوى ومخالفة الشرع في ذلك. فأما النوع الأول فليس بمذموم شرعًا ولا عقلًا ... فأما عقلًا فلأجل أن ليس للأنسان يدٌ في ذلك البتة، فكيف يذم في شيء قد ركزت في الطباع؟ . بل، أذهب أبعد من ذلك - ولست أبالغ - إلى أن من لم يكن ذا شهوة فهو ناقص عن أقرانه، فمن لا يشتهي النساء رجل ناقص الذكورة؛ فلا يمدح بذلك عرفًا ولا يرغبه الناس، بل هو عيب يحق للقاضي أن يفرق بين الزوجين بسببه وهو ما يسمى (العنين). فإذا كان نقص هذه الشهوة عيب، فما يقابلها كمال بشري يمدح صاحبها. وأما وجه عدم ذمها شرعًا - أعني بذلك الشهوة المستقرة في النفس - فيدل عليه حديث عائشة قالت: كنت أغار على اللاتي يهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ ، فلما أنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ (الأحزاب: ٥١)، قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك! ! (١). فإذا وافق الهوى الشرع فلا يذم. وأما القسم الثاني: وهو اتباع الهوى ومخالفة الشرع في ذلك؛ فهذا هو المذموم فالنصوص جاءت بذم الاتباع للهوى لا وجود الهوى. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (ص: ٢٦)، وهكذا جاءت بقية النصوص كلها تتفق على ذم اتباع الهوى لا مجرد وجوده، وبهذا يظهر أن كلمة عائشة ﵂ هذه جارية على التفصيل السابق وعليه فإن عائشة ما قالت إلا الصواب، فالله شرع لنبيه الذي وافق مايهواه ويشتهيه، وجعله يهوى ما شرع الله له فأي سوء عبارة في ذلك؟ . (٢)

стр. 4948

الحديث السادس: عن عائشة ﵂ قالت: كان اليهود يسلمون على النبي ﷺ يقولون: السام عليك، ففطنت عائشة إلى قولهم، فقالت: عليكم السام واللعنة، فقال النبي ﷺ : "مهلًا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله" فقالت: يا نبي الله، أولم تسمع ما يقولون؟ قال: "أولم تسمعي أني أرد ذلك عليهم فأقول وعليكم". (١) وفي لفظ عند مسلم أنه قال: "يا عائشة، لا تكوني فاحشة" (٢). والجواب من وجوه: الوجه الأول: إن عائشة قالت ذلك غضبًا لرسول الله ﷺ وما قالته إلا بعد أن تكرر هذا الفعل من اليهود ثلاث مرات كما تبين ذلك الرواية الصحيحة عن عائشة قالت: دخل يهودي على رسول الله ﷺ فقال: السام عليك يا محمد، فقال النبي ﷺ : "وعليك"، فقالت عائشة: فهممت أن أتكلم، فعلمت كراهية النبي ﷺ لذلك، فسكت، ثم دخل آخر، فقال: السام عليك، فقال: "عليك"، فهممت أن أتكلم، فعلمت كراهية النبيّ ﷺ لذلك، ثم دخل الثالث فقال. السام عليك، فلم أصبر حتى قلت: وعليك السام وغضب الله ولعنته إخوان القردة والخنازير! أتحيون رسول الله بما لم يحيه الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، قالوا قولًا فرددنا عليهم". ورواه أبو نعيم أيضًا. (٣) الوجه الثاني: وعائشة قالت هذا من باب الانتصار، وهذا لا إثم فيه ولا عيب، قال تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (الشورى: ٤١). الوجه الثالث: ولكن النبي ﷺ أرشدها إلى الأفضل وهو الصبر وحسن المنطق عملًا بقول الله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (الشورى: ٤٣). الوجه الرابع: أن النبي ﷺ بعث معلمًا للجن والإنس، ومن الإنس أهل بيته ومنهم زوجاته ﵅، وقد علمها الأفضل في هذا الأمر، ولا شك أنها استجابت

стр. 4949

وتعلمت منه ما دلها عليه ولم يرد ما يدل على خلاف هذا، ففي أي شرع أو عقل أو قانون يذم من عمل سيئة من غير علم ثم أقلع عنها وامتثل للأحسن بعد علمه بكونها سيئة. الوجه الخامس: إنها لم تكن تعلم أنهم لا يستجاب لهم في النبي ﷺ فلما أعلمها بذلك هدأت وسكنت، ولعلها لم تكن فهصت كذلك أن رد النبي ﷺ عليهم يكفي، فلما علمت سكتت. الوجه السادس: وأولى من هذا كله أنها هي التي روت لنا هذه القصة لنتعلم بها كيف نقول ونتصرف في مثل هذا الموقف، ولنستدل بها على مكارم الأخلاق، فلو كتمتها هل كنا نعلم هذه السنة ثم هل كان الطاعنون يعلمون ما جرى في هذه اللحظة ليطعنوا به فيها؟ ! ولهذا ينبغي أن نفهم أنها لو كانت كما يقولون لما نقلت لنا هذه الأمور ولكن حرصها على تعليم الدين كان فوق ما نتصور. الوجه السابع: قال ابن تيمية: ومثل هذا الدعاء أذى للنبي ﷺ وسب له ولو قاله المسلم لصار به مرتدًا؛ لأنه دعاء على رسول الله ﷺ في حياته بأنه يموت وهذا فعل كافر ومع هذا فلم يقتلهم، بل نهى عن قتل اليهودي الذي قال ذلك لما استأمره أصحابه في قتله. الحديث السابع: عن عائشة أن رجلًا استأذن على النبي ﷺ فلما رآه قال "بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة"، فلما جلس تطلق النبي ﷺ في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت عائشة: يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه؟ فقال رسول الله ﷺ : "يا عائشة متى عهدتني فحاشًا؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره"، وهذا حديث صحيح، ولكن القوم فهموا منه أن عائشة تصور النبي ﷺ في أحاديثها بصورة الرجل المغتاب أو الذي يخشى من المواجهة، أو أنها كانت تريد منه أن يواجه الرجل بالكلام السيئ.

стр. 4950

والجواب من وجوه: الوجه الأول: أن هذا القول من النبي ﷺ الغرض منه النصيحة ليحذر السامع من هذا الداخل حيث كان منحرفًا عن الإسلام. (١) والفاسق المجاهر بمعصيته لا تحرم غيبته. الوجه الثاني: أو أن هذا من المداراة: وهي درء المفسدة والشر بالقول اللين وترك الغلظة أو الإعراض عن صاحب الشر إذا خيف شره، أو حصل منه أكبر مما هو ملابس له. كالرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه والإنكار عليه بلطف القول والفعل ولا سيما إذا احتيج إلى تأليفه. (٢) الوجه الثالث: أن هذا الرجل كان منافقًا كما روى الحارث بن أبي أسامة فقال: حدثنا الخليل بن زكريا ثنا هشام الدستوائي عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن صفوان بن عسال المرادي قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأقبل رجل فلما نظر إليه رسول الله ﷺ قال: "بئس أخو العشيرة أو بئس الرجل" فلما دنا منه أدنى مجلسه فلما قام وذهب قالوا: يا رسول الله، حين أبصرته قلت بئس أخو العشيرة أو بئس الرجل، ثم أدنيت مجلسه، فقال رسول الله ﷺ : "إنه منافق أداريه عن نفاقه وأخشى أن يفسد على غيره". (٣) الوجه الرابع: قال الحافظ ابن حجر: قَالَ اِبْن بَطَّال: هُوَ عُيَيْنَة بْن حِصْن بْن حُذَيْفَة بْن بَدْر الْفَزَارِيُّ، وَكَانَ يُقَال لَهُ الْأَحْمَق المُطَاع، وَرَجَا النَّبِيّ ﷺ بِإِقْبَالِهِ عَلَيْهِ تَأَلُّفه لِيُسْلِم قَوْمه لِأَنَّهُ كَانَ رَئِيسهمْ، وَكَذَا فَسَّرَهُ بِهِ عِيَاض ثُمَّ الْقُرْطُبِيّ وَالنَّوَوِيّ جَازِمينَ بِذَلِكَ، وَنَقَلَهُ اِبْن التِّين عَنْ الدَّاوُدِيِّ لَكِنْ اِحْتِمَالًا لَا جَزْمًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد فِي -المُبْهَمَات- مِنْ طَرِيق عَبْد الله بْن عَبْد الْحَكَم عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَة اِسْتَأْذَنَ عُيَيْنَة بْن حِصْن عَلَى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ: "بِئْسَ اِبْن الْعَشِيرَة" الحدِيث، وَأَخْرَجَهُ اِبْن بَشْكُوَال فِي -المُبْهَمَات- مِنْ طَرِيق

стр. 4951

الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير أَنَّ عُيَيْنَةَ اِسْتَأْذَنَ فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا. وقَالَ الْخَطَّابِيُّ: جَمَعَ هَذَا الْحَدِيث عِلْمًا وَأَدَبًا، وَلَيْسَ فِي قَوْل النَّبِيّ ﷺ فِي أُمَّته بِالْأُمُورِ الَّتِي يُسَمِّيهِمْ بِهَا وَيُضِيفهَا إِلَيْهِمْ مِنْ المُكْرُوه غِيبَة، وَإِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ مِنْ بَعْضهمْ فِي بَعْض، بَلْ الْوَاجِب عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّن ذَلِكَ وَيُفْصِح بِهِ وَيُعَرِّف النَّاس أَمْره، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَاب النَّصِيحَة وَالشَّفَقَة عَلَى الْأُمَّة، وَلَكِنَّهُ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْ الْكَرَم وَأُعْطِيه مِنْ حُسْن الْخُلُق أَظْهَرَ لَهُ الْبَشَاشَة وَلَمْ يُجِبْهُ بِالمُكْرُوهِ لِتَقْتَدِي بِهِ أُمَّته فِي اِتِّقَاء شَرِّ مَنْ هَذَا سَبِيله، وَفي مُدَارَاته لِيَسْلَمُوا مِنْ شَرّه وَغَائِلَته. قُلْت: وَظَاهِر كَلَامه أَنْ يَكُون هَذَا مِنْ جُمْلَة الْخَصَائِص، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كُلّ مَنْ اِطَّلَعَ مِنْ حَال شَخْص عَلَى شَيْء وَخَشِيَ أَنَّ غَيْره يَغْتَرّ بِجَمِيلِ ظَاهِره فَيَقَع فِي مَحْذُور مَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْلِعهُ عَلَى مَا يَحْذَر مِنْ ذَلِكَ قَاصِدًا نَصِيحَته، وَإِنَّمَا الَّذِي يُمْكِن أَنْ يَخْتَصّ بِهِ النَّبِيّ ﷺ أَنْ يَكْشِف لَهُ عَنْ حَال مَنْ يَغْتَرّ بِشَخْصٍ مِنْ غَيْر أَنْ يُطْلِعهُ المُغْتَرّ عَلَى حَاله فَيذَمّ الشَّخْص بِحَضْرَتِهِ لِيَتَجَنَّبهُ المُغْتَرّ لِيَكُونَ نَصِيحَة، بِخِلَافِ غَيْر النَّبِيّ ﷺ فَإِنَّ جَوَاز ذَمّه لِلشَّخْصِ يَتَوَقَّف عَلَى تحَقُّق الْأَمْر بِالْقَوْلِ أَوْ الْفِعْل مِمَّنْ يُرِيد نُصْحه. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِي الحدِيث جَوَاز غِيبَة المُعْلِن بِالْفِسْقِ أَوْ الْفُحْش وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْجَوْر فِي الْحُكْم وَالدُّعَاء إِلى الْبِدْعَة مَعَ جَوَاز مدَارَاتهمْ اِتِّقَاء شَرّهمْ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى المُدَاهَنَة فِي دِين الله تَعَالَى. ثُمَّ قَالَ تَبَعًا لِعِيَاضٍ: وَالْفَرْق بَيْنَ المُدَارَاة وَالمُدَاهَنَة أَنَّ المُدَارَاة بَذْل الدُّنْيَا لِصَلَاحِ الدُّنْيَا أَوْ الدِّين أَوْ هُمَا مَعًا، وَهِيَ مُبَاحَة، وَرُبَّمَا اُسْتُحِبَّتْ، وَالمُدَاهَنَة تَرْك الدِّين لِصَلَاحِ الدُّنْيَا، وَالنَّبِيّ ﷺ إِنَّمَا بَذَلَ لَهُ مِنْ دُنْيَاهُ حُسْن عِشْرَته وَالرِّفْق في مُكَالمَته وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَمْدَحهُ بِقَوْلٍ فَلَمْ يُنَاقِض قَوْله فِيهِ فِعْله، فَإِنَّ قَوْله فِيهِ قَوْل حَقٌّ، وَفِعْله مَعَهُ حُسْن عَشْرَة، فَيَزُول مَعَ هَذَا التَّقْرِير الْإِشْكَال بِحَمْدِ الله تَعَالَى. الوجه الخامس: قال الحافظ ابن حجر: وَقَدْ نُوزَعَ فِي كَوْن مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ غِيبَة، وَإِنَّمَا هُوَ نَصِيحَة لِيَحْذَر السَّامِع، وَإِنَّمَا لَمْ يُوَاجِه الْمَقُول فِيهِ بِذَلِكَ لِحُسْنِ خُلُقه ﷺ ، وَلَوْ وَاجَهَ الْمَقُول فِيهِ بِذَلِكَ لَكَانَ حَسَنًا، وَلَكِنْ حَصَلَ الْقَصْد بِدُونِ مُوَاجَهَة. وَالجوَاب أَنَّ المُرَاد أَنَّ

стр. 4952

صُورَة الْغِيبَة مَوْجُودَة فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَل الْغِيبَة الْمَذْمُومَة شَرْعًا، وَغَايَته أَنَّ تَعْرِيف الْغِيبَة الْمَذْكُور أَوَّلًا هُوَ اللُّغَوِيّ، وإذَا اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ مَا ذُكِرَ كَانَ ذَلِكَ تَعْرِيفهَا الشَّرْعِيّ. (١) الوجه الثالث: استنكار حسن عشرة النبي ﷺ جاء تبعًا لاحتقار مكانة المرأة في الكتاب المقدس . إن المتفحص لكتاب النصارى يجد أنه مليء بالأمور التي تجعل المرأة متدنية وحقيرة، ولا تحق لها مثل ما يحق للرجل. وقد مر ذلك مرارًا، وليراجع ذلك في كتاب المرأة، فإنه مهم (٢).

стр. 4953

٣ - شبهة: استغلال عائشة وفاة النبي ﷺ في إشعال الصراع على الخلافة . نص الشبهة: زعموا أن السيدة عائشة ﵂ استغلت وفاة النبي ﷺ واستغلت مكان الوفاة في إشعال الصراع على الخلافة حيث سئلت هل أوصى النبي ﷺ لعلي ﵁؟ فقالت: ومتى لقد توفي وإني لمسندته إلى صدري، بينما أقسم ابن عباس أنه توفي على صدر علي بن أبي طالب ﵁ وبهذا يكون مكان النبي ﷺ قد استغل من الجانبين في الصراع على الخلافة حتى عقد ابن سعد بابًا لمن قال بأن النبي ﷺ توفي على صدر عائشة وبابًا لمن قال بأنه توفي على صدر علي ﵁. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الأحاديث القائلة بأنه توفي على صدر علي ﵁ كذب مختلق ولا يصح منها شيء . وها هي: ١ - عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن كعب الأحبار قام زمن عمر، فقال ونحن جلوس عند عمر أمير المؤمنين ما كان آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ ، فقال عمر سل عليا، قال أين هو، قال هو هنا فسأله فقال علي أسندته إلى صدري فوضع رأسه على منكبي، فقال الصلاة الصلاة فقال كعب: كذلك آخر عهد الأنبياء، وبه أمروا، وعليه يبعثون، قال: فمن غسله يا أمير المؤمنين؟ قال سل عليا، قال فسأله فقال كنت أغسله، وكان العباس جالسًا، وكان أسامة وشقران يختلفان إلي بالماء. (١) ٢ - عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده قال، قال رسول الله ﷺ : "في مرضه ادعوا لي أخي"، قال فدعي له علي ﵁، فقال: "ادن مني" فدنوت منه، فاستند إليَّ فلم يزل مستندًا، وإنه ليكلمني حتى إن بعض ريق النبي ﵁ ليصيبني ثم نزل برسول الله ﷺ وثقل في حجري فصحت يا عباس أدركني فإني هالك، فجاء العباس فكان

стр. 4954

جهدهما جميعًا أن أضجعاه. (١) ٣ - عن علي بن حسين قال: قبض رسول الله ﷺ ورأسه في حجر علي (٢). ٤ - عن الشعبي، قال توفي رسول الله ﷺ ورأسه في حجر علي وغسله علي، والفضل محتضنه، وأسامة يناول الفضل الماء (٣). ٥ - عن أبي غطفان قال: سألت ابن عباس أرأيت رسول الله ﷺ توفي ورأسه في حجر أحد، قال: توفي وهو لمستند إلى صدر علي، قلت فإن عروة حدثني عن عائشة أنها قالت: توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري فقال: ابن عباس أتعقل؟ والله لتوفي رسول الله ﷺ وإنه لمستند إلى صدر علي وهو الذي غسله، وأخي الفضل بن عباس، وأبي أبي أن يحضر وقال: إن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نستتر فكان عند الستر. (٤)

стр. 4955

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4956

٦ - عن عائشة قالت: قالت رسول الله ﷺ وهو في بيتها لما حضره الموت: "ادعوا إليَّ حبيبي"، فدعوت له أبو بكر، فنظر إليه ثم وضع رأسه ثم قال: "ادعوا إليَّ حبيبي"، فدعوا له عمر، فلما نظر إليه وضع رأسه ثم قال: "ادعوا إليَّ حبيبي"، فقلت: ويلكم ادعوا له علي بن أبى طالب فوالله ما يريد غيره، فلما رآه فرد الثوب الذي كان عليه ثم أدخله فيه فلم يزل محتصنه حتى قبض ويده عليه. (١) الوجه الثاني: الأحاديث القائلة بأنه توفي على صدر عائشة هي الصحيحة وعليها المعتقد . وها هي من عند أمير المؤمنين محمد في إسماعيل البخاري: ١ - عن عروة عن عائشة قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليتعذر في مرضه: "أين أنا اليوم أين أنا غدًا". استبطاء ليوم عائشة فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري، ودفن في بيتي. (٢) ٢ - قالت عائشة: توفي النبي ﷺ في بيتي، وفي نوبتي، وبين سحري ونحري، وجمع الله بين ريقي وريقه. قالت دخل عبد الرحمن بسواك فضعف النبي ﷺ عنه، فأخذته فمضغته، ثم سننته به. (٣) ٣ - عن عائشة أنها كانت تقول: إن من نعم الله علي أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته .. الحديث (٤). اذن ثبتت صحة أحاديث الوفاة عند عائشة مع عدم الوصية وبطلان الأحاديث الأخرى كما مر فإن الضعيف لا يقوى على معارضة الصحيح فضلًا عن المكذوب والموضوع.

стр. 4957

٤ - أخلاق عائشة ﵂ مع خديجة بنت خويلد ﵄ . نص الشبهة: لقد رأى بعضهم في عائشة ﵂ إنسانًا أنانيًا لا يحركه نحو خديجة ﵂ إلا الغيرة، وبناءً على ذلك فهم الأحاديث التي روتها عائشة ﵂ في شأن الغَيْرة، وفهم أن المقصود بها الحط من شأن خديجة ﵂ ثم هو يرى أن هذه الغَيْرة لا مبرر لها. والرد على ذلك من وجوه. الوجه الأول: بيان معنى الغيرة، وبيان المحمود منها والمذموم . الوجه الثاني: ذكر البرهان على أن غيرة المرأة على زوجها أمر فطري لا يختص بعائشة ﵂ وخصوصًا إذا كان الزوج رسول الله ﷺ . الوجه الثالث: بيان أن هذه الأحاديث روتها عائشة ﵂ في مناقب خديجة لا في الطعن فيها، وفيه بيان مكانة خديجة عند عائشة ﵄. الوجه الرابع: الغَيْرة في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: بيان معنى الغيرة، وبيان المحمود منها والمذموم. الغيرة: كراهة شركة الغير في حقه (١)، والغَيْرةُ بالفتح مصدر قولك غَارَ الرجل على أهله يَغار غَيْرًا وغَيْرَةً وغارًا، ورجل غَيُور وغَيْرانُ وامرأة غَيُورٌ وغَيْرَي (٢)، وجمع (غَيُورٍ) (غُيُرٌ) مثل رسول ورُسُل، وجمع (غَيْرَانَ) و (غَيْرَى) (غَيَارَى) بالضم والفتح و (أَغَارَ) الرجل زوجته تزوج عليها. فَغَارَتْ عليه (٣)، والعرب تقول: أَغْيَرُ من الحُمَّى أَي أَنها تُلازِم المحموم مُلازَمَةَ الغَيُور لبعْلها. (٤) وهي مشتقة من تغير القلب وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص

стр. 4958

وأشد ما يكون ذلك بين الزوجين. (١) قلت: فقد اتضح من خلال التعريف السابق أن الإنسان قد يعتقد اختصاصه بأمر ما فيرى أن مشاركة غيره فيه اعتداء على حقه، ولهذا يتغير القلب وينزعج، وهذه الغيرة منها المحمود والمذموم، ومنها الفطري الذي لا تؤاخذ عليه المرأة. فالمحمود ما قاد صاحبه إلى كل خير وكفه عن الشر ووقف فيه الإنسان عند حدود الله تعالى. والمذموم ما حمل صاحبه على تعدي حدود الله تعالى، وتسبب في سوء الظن أو قام عليه، ومن الفطري غيرة المرأة على زوجها وقد كرمها الإسلام بأن قبل منها ذلك وعذرها عليه، ولكنه لم يأذن لها في تخطي الحدود بسبب هذا النوع من الغيرة حتى لو كان فطريًا. قال ابن أبي حجلة في ديوان الصبابة: هذا باب عقدناه لذكر غيرة المحب على المحبوب حتى من نفسه وأبناء جنسه، والمحبون فيها نوعان، والمضروبون بسوطها ضربان: فالأول يحبه الله ورسوله ويتم به للمحب رسوله، والثاني مذموم وصاحبه ملوم، فالنوع المحبوب منها أن يغار عند قيام الريبة، والنوع المذموم أن يغار من غير ريبة؛ بل من مجرد سوء الظن، وهذه الغيرة تفسد المحبة ولا تترك منها حبة؛ لأنها توقع العداوة بين المحب والمحبوب، وربما حملته على الوقوع فيما اتهمه به ويترتب عليها مفاسد كثيرة مما يؤدي إلى فساد الصورة والحكايات في هذا الباب مشهورة (٢). وقال عبد الله بن شداد: الغيرة غيرتان؛ غيرة يصلح بها الرجل أهله، وغيرة تدخل النار. (٣) وقال ابن القيم: وأما الغيرة على المحبوب فإنما تحمد حيث يحمد الاختصاص بالمحبوب ويذم الاشتراك فيه شرعًا وعقلًا؛ كغيرة الإنسان على زوجته، وأمته، والشيء الذي يختص هو به، فيغار من تعرض غيره لذكره ومشاركته له فيه، وهذه الغيرة تختص

стр. 4959

بالمخلوق ولا تتصور في حق الخالق، بل المحب لربه يحب أن الناس كلهم يحبونه، ويذكرونه، ويعبدونه، ويحمدونه، ولا شيء أقر لعينه من ذلك بل هو يدعو إلى ذلك بقوله وعمله (١). وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال في خطبة الكسوف: "والله يا أمة محمد ما أحدٌ أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته". (٢) وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس شيء أغير من الله؛ من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله؛ من أجل ذلك أثنى على نفسه، ولا أحد أحاب إليه العذر من الله؛ من أجل ذلك أرسل الرسل" (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يغار، والمؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه". (٤) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المؤمن يغار، والله أشد غيرة". (٥) وملاك الغيرة وأعلاها ثلاثة أنواع: غيرة العبد لربه أن تنتهك محارمه وتضيع حدوده، وغيرته على قلبه أن يسكن إلى غيره وأن يأنس بسواه، وغيرته على حرمته أن يتطلع إليها غيره، فالغيرة التي يحبها الله ورسوله دارت على هذه الأنواع الثلاثة، وما عداها فإما: من خدع الشيطان، وإما بلوى من الله، كغيرة المرأة على زوجها أن يتزوج عليها. (٦) الوجه الثاني: بيان أن غيرة المرأة على زوجها أمر فطري طبعي لا تستطيع المرأة دفعه عن نفسها . ومن حاول ذلك فقد حاول منها في أمر خلاف ما تقدر عليه، في صفة لازمة للمرأة التي يبحث القوم عن نصرتها وتخليصها من الظلم، أم أن التي يتكلمون عنها ليست امرأة؟ ! وبيان ذلك ما يلي:

стр. 4960

أولا: هذه الغيرة في الحقيقة نابعة من الحب للمحبوب لا من كراهية من تسبب في الغيرة، ومن ذلك ما نذكره: ١ - غيرة عائشة، وسنذكر ذلك في المحور الثالث بالتفصيل إن شاء الله تعالى. ٢ - غيرة سارة زوجة إبراهيم، وهذه بالطبع لم تنشأ من البغض لهاجر التي تذكرها بمن الله عليها عندما خلصها من يد الفاجر، ثم هي التي وهبتها لإبراهيم ﵇، ولكنها رأتها بقلب من تحب وكانت قبل ذلك ترى أن هذا الرجل العظيم خاصًا بها، ولم يعاقبها إبراهيم ﵇ على هذه الغيرة، ولا أوحى الله إليه في عقابها بشيء، بل أمره بأن يهاجر بهاجر إلى مكة وذلك لحكمة يعلمها الله تعالى ظهرت بعد وعرفت؛ ولأن الغيرة فطرة في النساء والله تعالى فطرهن على ذلك. وها هي قصتها عن ابن عباس ﵁ قال: لمَّا كَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَبَيْنَ أَهْلِهِ مَا كَانَ خَرَجَ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّ إِسْمَاعِيلَ وَمَعَهُمْ شَنَّةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تَشْرَبُ مِنْ الشَّنَّةِ فَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَوَضَعَهَا تَحْتَ دَوْحَةٍ ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَهْلِهِ فَاتَّبَعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ حَتَّى لمَّا بَلَغُوا كَدَاءً نَادَتْهُ مِنْ وَرَائِهِ: يَا إِبْرَاهِيمُ، إِلَى مَنْ تَتْرُكُنَا؟ قَالَ: إِلَى الله. قَالَتْ: رَضِيتُ بِالله. قَالَ: فَرَجَعَتْ فَجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنْ الشَّنَّةِ وَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا، حَتَّى لمَّا فَنِيَ الْمَاءُ قَالَتْ. لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أَحَدًا. قَالَ: فَذَهَبَتْ فَصَعِدَتْ الصَّفَا فَنَظَرَتْ وَنَظَرَتْ هَلْ تُحِسُّ أَحَدًا؟ فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا .... ، فَبَلَغَ ابْنُهَا فَنَكَحَ فِيهِمْ امْرَأَةً. قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لِأَهْلِهِ: إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي. قَالَ: فَجَاءَ فَسَلَّمَ فَقَالَ: أَيْنَ إِسْمَاعِيلُ؟ فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ: ذَهَبَ يَصِيدُ. قَالَ: قُولِي لَهُ إِذَا جَاءَ غَيِّرْ عَتبَةَ بَابِكَ، فَلَمّا جَاءَ أَخْبَرَتْه. قَالَ: أَنْتِ ذَاكِ فَاذْهَبِي إِلَى أَهْلِكِ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لِأَهْلِهِ: إِنِّي مُطَّلِعٌ تَرِكَتِي. قَالَ: فَجَاءَ فَقَالَ أَيْنَ إِسْمَاعِيلُ؟ فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ: ذَهَبَ يَصِيدُ، فَقَالَتْ: أَلا تَنْزِلُ فَتَطْعَمَ وَتَشْرَبَ؟ فَقَالَ: وَمَا طَعَامُكُمْ وَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتْ: طَعَامُنَا اللَّحْمُ وَشَرَابُنَا المُاءُ. قَالَ: اللَّهُمَّ، بَارِكْ لَهُمْ فِي طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : بَرَكَةٌ بِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ ﷺ . (١)

стр. 4961

وفي رواية قال ابن عباس: أولُ ما اتخذ النساء النطق مِنْ قبلُ أمُّ اسماعيل اتخذت منطقًا لتعفي أثرها على سارة. (١) وما حصل من غيرة سارة من هاجر هو من هذا الباب، فطلب الزوجة من زوجها أن لا ترى ضرتها، أو أن لا تجاورها أمرٌ غير مستنكر، مع أن الذي ذكره أهل العلم أن إبراهيم ﵇ هو الذي خرج بهاجر وابنه، لا أن سارة زوجه طلبت منه ذلك. قال ابن كثير: والمقصود أن هاجر ﵍ لما ولد لها إسماعيل اشتدت غيرة سارة منها وطلبت من الخليل أن يغيَّب وجهها عنها، فذهب بها وبولدها فسار بهما حتى وضعهما حيث مكة اليوم، ويقال: إن ولدها كان إذ ذاك رضيعًا، فلما تركهما هناك وولى ظهره عنهما قامت إليه هاجر وتعلقت بثيابه، وقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتدعنا هاهنا وليس معنا ما يكفينا؟ فلم يجبها، فلما ألحت عليه وهو لا يجيبها قالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: فإذًا لا يضيعنا. (٢) وهل هذه الغيرة مما ينقص من شأن سارة زوجة إبراهيم ﵇؟ والجواب: لا؛ لأن غيرة المرأة من ضرائرها أمرٌ جُبلت عليه، وهو غير مكتسب، ولذا فإنها لا تؤاخذ عليه إلا أن تتعدى، وتقع بسبب الغيرة فيما حرم الله عليها من ظلم أختها، فتقع في غيبة أو نميمة أو تؤدي بها غيرتُها إلى طلب طلادتى ضرتها أو الكيد لها وما شابه ذلك. قال الحافظ ابن حجر: وأصل الغيرة غير مكتسب للنساء، لكن إذا أفرطت في ذلك بقدر زائد عليه تلام، وضابط ذلك ما ورد في الحديث عن جابر بن عتيك الأنصاري رفعه: "إِنَّ مِنْ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ الله ، وَمِنْهَا مَا يَبْغُضُ الله ، فَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يحبُّ الله فَالْغيرَةُ فِي الرِّيبَةِ، وَأَمَّا الْغيرَةُ الَّتِي يَبْغُضُ الله فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ" (٣).

стр. 4962

فالغيرة منهما -أي: من الزوج والزوجة- إن كانت لما في الطباع البشرية التي لم يسلم منها أحد من النساء فتعذر فيها، ما لم تتجاوز إلى ما يحرم عليها من قول أو فعل، وعلى هذا يحمل ما جاء من السلف الصالح عن النساء في ذلك. (١) وقال ابن مفلح: قال الطبري وغيره من العلماء: الغيرة مسامح للنساء فيها، لا عقوبة عليهن فيها لما جُبِلن عليه من ذلك. (٢) وقال الحافظ ابن حجر شرحًا لحديث كسر عائشة لإناء إحدى ضرائرها: وقالوا -أي: جميع من شرحوا الحديث-: فِيهِ إِشَارَة إِلَى عَدَم مُؤَاخَذَة الْغَيْرَاء بِمَا يَصْدُر مِنْهَا؛ لأَنَّهَا فِي تِلْكَ الْحَالَة يَكُون عَقْلهَا مَحْجُوبًا بِشِدَّةِ الْغَضب الَّذِي أَثَارَتْهُ الْغَيْرَة (٣). وما وقع من فضليات النساء من الغيرة إنما هو مما لم يسلم منه أحد، وهنَّ غير مؤاخذات عليه؛ لأنه ليس في فعلهن تعدٍّ على شرع الله تعالى، وما حصل من غيرة سارة من هاجر هو من هذا الباب، فطلب الزوجة من زوجها أن لا ترى ضرتها، أو أن لا تجاورها أمرٌ غير مستنكر، مع أن الذي ذكره أهل العلم أن إبراهيم ﵇ هو الذي خرج بهاجر وابنه، لا أن سارة زوجه طلبت منه ذلك. قال الحافظ ابن حجر: وأما إذا كان الزوج مقسطًا عادلًا وأدى لكل من الضرتين حقها، فالغيرة منهما إن كانت لما في الطباع البشرية التي لم يسلم منها أحد من النساء فتعذر فيها ما لم تتجاوز إلى ما يحرم عليها من قول أو فعل، وعلى هذا يحمل ما جاء عن السلف الصالح من النساء في ذلك. (٤) ٤ - ولهذا الأمر الذي ذكرناه حرم الشرع الجمع بين أنواع معلومة من النساء لئلا تتقطع الأرحام بسبب الغيرة، ومعلوم أن المرأة تكره الزواج من زوجها بأختها؛ لا لأنها تكرهها فهي أختها من أبويها، ولكنها تحب أن تستأثر بزوجها.

стр. 4963

قال القرطبي: ثم ورد في بعض الأخبار التنبيه على العلة في منع الجمع بين من ذكر، وذلك ما يفضي إليه الجمع من قطع الأرحام القريبة مما يقع بين الضرائر من الشنآن والشرور بسبب الغيرة، فروى ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتزوج الرجلُ المرأةَ على العمة أو على الخالة، وقال: "إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم". (١) قلت: فهذا واضح في أن الغيرة تقع فطرية لا كسبية؛ لأنها قد تقع بين المرأة وبين أحب الناس إليها، ثم مَنْ كان في مثل شخصية وأخلاق الرسول الأعظم ﷺ كيف لا تغار عليه زوجته؟ ! الوجه الثالث: هذه الأحاديث التي وردت عن عائشة ﵂ في شأن الغيرة من خديجة ﵂ لخبربه عائشة عن أمر جرى في نفسها؛ لتدل به على عظمة خديجة ﵂ لا لتعلن عن حقدها أو حسدها، وإليكم هذه الأحاديث لتنظروا بعين الإنصاف . ١ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما غرت على امرأة لرسول الله كما غرت على خديجة؛ لكثرة ذكر رسول الله ﷺ إياها وثنائه عليها؛ وقد أوحي إلى رسول الله ﷺ أن يبشرها ببيت لها في الجنة من قصب. (٢) وفي رواية لمسلم أن النبي ﷺ قال لها: "إني قد رزقت حبها". (٣) قال ابن حجر: فيه ثبوت الغيرة وأنها غير مستنكر وقوعها من فاضلات النساء فضلًا عمن دونهن، وأن عائشة كانت تغار من نساء النبي ﷺ ، لكن كانت تغار من خديجة أكثر، وقد بينت سبب ذلك وأنه لكثرة ذكر النبي ﷺ إياها، وأصل غيرة المرأة من تخيل محبة غيرها أكثر منها، وكثرة الذكر تدل على كثرة المحبة، وقال القرطبي: مرادها بالذكر لها مدحها والثناء عليها. (٤) وعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء. قالت: فغرت يومًا فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق! قد أبدلك الله بها خيرًا

стр. 4964

منها. قال: "ما أبدلني الله خيرًا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء". (١) وفي رواية أنها قالت: ذكر رسول الله ﷺ يومًا خديجة فأطنب في الثناء عليها فأدركني ما يدرك النساء من الغيرة. (٢) قال ابن القيم ﵀: فانظر هذه الغيرة الشديدة على امرأة بعدما ماتت وذلك لفرط محبتها لرسول الله ﷺ ؛ كانت تغار عليه أن يذكر غيرها. (٣) ٢ - وعن عائشة قالت: لم يتزوج النبي ﷺ على خديجة حتى ماتت. (٤) قلت: فهذه فضيلة لخديجة تفردت بها ولم يشاركها فيها غيرها ترويها عائشة ﵂ ولو كانت كارهة لما ذكرتها. ٣ - عن عائشة قالت: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله ﷺ فعرف استئذان خديجة فارتاح لذلك، فقال: "اللهم هالة بنت خويلد"، فغرت فقلت: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت من الدهر فأبدلك الله خيًرا منها. (٥) وزاد أحمد في روايته: قالت: فتغير وجه رسول الله ﷺ تغيرًا لم أره تغير عند شيء قط إلا عند نزول الوحي، أو عند المخيلة حتى يعلم رحمة أو عذاب. (٦)

стр. 4965

وزاد الطبراني: أنها قالت: قلت: يا رسول الله، اعف عني عفا الله عنك، والله لا تسمعني أذكر خديجة بعد هذا اليوم بشيء تكرهه. (١) ٤ - عن عائشة قالت: بشر رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد ببيت في الجنة. (٢) قلت: فالذي فهمه العلماء من هذه الروايات أن عائشة ﵂ تثني بها على خديجة ﵃، ولذلك تُرْجِمَ عليها في صحيح مسلم بـ باب فضائل خديجة أم المؤمنين ﵂. وتستمر عائشة ﵂ في رواية فضائل خديجة فهل هذا من سوء الأدب والحسد؟ ! أم هو من تمام الوفاء لرسول الله ﷺ على قاعدة الحب وهي أن حبيب المحبوب حبيب؟ ٦ - فعن عروة بن الزبير ﵁ يقول: قالت عائشة زوج النبي ﷺ : فرجع إلى خديجة يرجف فؤاده، فدخل فقال: "زملوني زملوني" فزمل، فلما سرى عنه قال: "يا خديجة، لقد أشفقت على نفسي بلاءً". قالت خديجة: أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصدق الحديث، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نوفل بن أسد؟ ... الحديث (٣) ٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: إنا كنا لنذبح الشاة فيبعث رسول الله ﷺ بأعضائها إلى صدائق خديجة. (٤) ٨ - ومن إعجاب عائشة بما لخديجة من الفضل تمنت أن يكون لها نفس المكانة عند الله وعند رسوله، فعن عائشة قالت: ما حسدت أحدًا ما حسدت خديجة وما تزوجني رسول الله ﷺ إلا بعد ما ماتت؛ وذلك أن رسول الله ﷺ بشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب. (٥)

стр. 4966

ولقد أساء مَنْ لا يعلم لغة العرب فَهِمَ الحسد في هذا الحديث عن عائشة، فظن أنه الحسد الذي يعني تمني زوال النعمة وهذا خطأ؛ إنما هو الغبطة التي تعني تمني زيادة النعمة مع تمني أن يكون للعبد مثلها من فضل الله وكرمه، أو المراد به الغيرة المحمودة التي سبق الحديث عنها (١). الوجه الرابع: الغيرة وبعض النقول عن المرأة في أخلاقها مع زوجها وضرائرها من الكتاب المقدس . ١ - في سفر (التكوين ٣: ١٦): وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: "تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلادًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ اهـ. فالمرأة التي تعتقد أن الزوج سيدها، وأن اشتياقها إليه كما جاء في الكتاب المقدس ألا تغار عليه! ٢ - وفي سفر التكوين (١٦/ ١٦: ١): وَأَمَّا سَارَايُ امْرَأَةُ أَبْرَامَ فَلَمْ تَلِدْ لَهُ، وَكَانَتْ لَهَا جَارِيةٌ مِصْرِيَّةٌ اسْمُهَا هَاجَرُ، فَقَالَتْ سَارَايُ لأَبْرَامَ: "هُوَذَا الرَّبُّ قَدْ أَمْسَكَنِي عَنِ الْوِلادَةِ، ادْخُلْ عَلَى جَارِيتِي لَعَلِّي أُرْزَقُ مِنْهَا بَنِينَ"، فَسَمِعَ أَبْرَامُ لِقَوْلِ سَارَايَ. فَأَخَذَتْ سَارَايُ امْرَأَةُ أَبْرَامَ هَاجَرَ المصْرِيَّةَ جَارِيتَهَا مِنْ بَعْدِ عَشَرِ سِنِينَ لإِقَامَةِ أَبْرَامَ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، وَأَعْطَتْهَا لأَبْرَامَ رَجُلِهَا زَوْجَةً لَهُ، فَدَخَلَ عَلَى هَاجَرَ فَحَبِلَتْ، وَلمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرَتْ مَوْلَاتُهَا فِي عَيْنَيْهَا. فَقَالَتْ سَارَايُ لأَبْرَامَ: "ظُلْمِي عَلَيْكَ! أَنَا دَفَعْتُ جَارِيَتِي إِلَى حِضْنِكَ، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ صَغُرْتُ فِي عَيْنَيْهَا، يَقْضِي الرَّبُّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ"، فَقَالَ أَبْرَامُ لِسَارَايَ: "هُوَذَا جَارِيتُكِ فِي يَدِكِ. افْعَلي بِهَا مَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْكِ"، فَأَذَلَّتْهَا سَارَايُ، فَهَرَبَتْ مِنْ وَجْهِهَا، فَوَجَدَهَا مَلاكُ الرَّبِّ عَلَى عَيْنِ المَاءِ فِي الْبَرَّيَّةِ، عَلَى الْعَيْنِ الَّتِي فِي طَرِيقِ شُورَ، وَقَالَ: "يَا هَاجَرُ جَارِيةَ سَارَايَ، مِنْ أَيْنَ أَتَيْتِ؟ وَإِلَى أَيْنَ تَذْهَبِينَ؟ " فَقَالَتْ: "أَنَا هَارِبَةٌ مِنْ وَجْهِ مَوْلاتِي سَارَايَ"، فَقَالَ لَهَا مَلاكُ الرَّبِّ: "ارْجِعِي إِلَى مَوْلاتِكِ وَاخْضَعِي تَحْتَ يَدَيْهَا"، وَقَالَ لَهَا مَلاكُ الرَّبِّ: "تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ نَسْلَكِ فَلا يُعَدُّ مِنَ الْكَثْرَةِ"، وَقَالَ لَهَا مَلاكُ الرَّبِّ: "هَا أَنْتِ حُبْلَى، فَتَلِدِينَ ابْنًا وَتَدْعِينَ اسْمَهُ إِسْمَاعِيلَ؛ لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ سَمِعَ لِمَذَلَّتِكِ، وَإِنَّهُ يَكُونُ إِنْسَانًا وَحْشِيًّا، يَدُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، ويدُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ، وَأَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ يَسْكُنُ". فَدَعَتِ اسْمَ الرَّبِّ الَّذِي تَكَلَّمَ مَعَهَا: "أنتَ إِيلُ رُئِي"؛ لأَنَّهَا

стр. 4967

قَالَتْ: "أَهاهُنَا أَيْضًا رَأَيْتُ بَعْدَ رُؤيةٍ؟ " لِذلِكَ دُعِيَتِ الْبِئْرُ "بِئْرَ لحَيْ رُئِي". هَا هِيَ بَيْنَ قَادِشَ وَبَارَدَ، فَوَلَدَتْ هَاجَرُ لأَبْرَامَ ابْنًا، وَدَعَا أَبْرَامُ اسْمَ ابْنِهِ الَّذِي وَلَدَتْهُ هَاجَرُ "إِسْمَاعِيلَ"، كَانَ أَبْرَامُ ابْنَ سِتٍّ وَثَمانِينَ سَنَةً لمَّا وَلَدَتْ هَاجَرُ إِسْمَاعِيلَ لأَبْرَامَ. فهذا القدر واضح في غيرة سارة بشكل تعدت فيه إلى ما لا يجوز، وأقرها زوجها على ذلك، وأما ما جاء في شرعنا فليس فيه شيء من ذلك بفضل الله تعالى، ثم هذه عائشة الصغيرة في السن أولى بالغيرة من سارة التي بلغت من العمر عتيًا، وكذلك هي التي وهبتها لزوجها فكان الأولى بها أن لا تغار؛ ولكن لا عيب عليها، لأنها فطرة النساء، وكذلك عائشة ﵂. وانظر أيضًا في سفر التكوين (١٩/ ٣٨: ٣١): وَقَالَتِ الْبِكْرُ لِلصَّغِير: "أَبُونَا قَدْ شَاخَ، وَلَيْسَ فِي الأَرْضِ رَجُلٌ ليَدْخُلَ عَلَيْنَا كَعَادَةِ كُلِّ الأَرْضِ، هَلُمَّ نَسْقِي أَبَانَا خَمْرًا وَتَضْطَجعُ مَعَهُ، فَنُحْيِي مِنْ أَبِينَا نَسْلًا". فَسَقَتَا أَبَاهُما خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَدَخَلَتِ الْبِكْرُ وَاضْطَجَعَتْ مَعَ أَبِيهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا وَلا بِقِيَامِهَا. وَحَدَثَ فِي الْغَدِ أَنَّ الْبِكْرَ قَالَتْ لِلصَّغِير: "إِنِّي قَدِ اضْطَجَعْتُ الْبَارِحَةَ مَعَ أَبِي، نَسْقِيهِ خَمْرًا اللَّيْلَةَ أَيْضًا فَادْخُلي اضطَجِعِي مَعَهُ، فَنُحْيِيَ مِنْ أَبِينَا نَسْلًا". فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَيْضًا، وَقَامَتِ الصغِيرَةُ وَاضْطَجَعَتْ مَعَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا وَلا بِقِيَامِهَا، فَحَبِلَتِ ابْنَتَا لُوطٍ مِنْ أَبِيهِمَا، فَوَلَدَتِ الْبِكْرُ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ "موآبَ"، وَهُوَ أَبُو المُوآبِيِّينَ إِلَى الْيَوْمِ، وَالصَّغِيرَةُ أَيْضًا وَلَدَتِ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ "بِنْ عَمِّي"، وَهُوَ أَبُو بَنِي عَمُّونَ إِلَى الْيَوْمِ. قلت: أظن كاتب الكتاب المقدس لو كان يعلم أن بنتي لوط عندهن شيء من الغيرة ما كتب هذا عنهما، ولو قرأ الطاعن في عائشة بالحديث عن الجنس هذا الكلام وغيره مما ورد في سفر حزقيال وسفر نشيد الإنشاد لغير رأيه واعتقاده، وظني فيه أنه لو قرأ الكتاب المقدس بعين التحرر من التقليد الأعمى والحقد على الإسلام وأهله لغير دينه إن شاء الله، وأسأل الله له الهداية للحق. * * *

стр. 4968

٥ - أخلاق عائشة مع سودة ﵄ . نص الشبهة: ١ - تناقض في التاريخ من وجهة نظر الكاتب حيث قرأ أن سودة كانت امرأة مسنة، ولهذا أراد النبي ﷺ أن يطلقها، ومع ذلك فقد عاشت بعد النبي ﷺ حوالي أربعين عامًا، فلو فرض أنها عاشت مائة عام لكانت عند وفاته ﷺ عندها ستين عامًا وعليه فلم تكن أكبر منه، فلماذا طلقها أو أراد طلاقها؟ ٢ - لماذا وصفتها عائشة بالحدة والحسد مع أنها وهبت ليلتها لعائشة ﵂. ٣ - بعض المواقف بين عائشة وسودة. ٤ - دخول سودة في قصة المغافير التي يعتقد الكاتب أنها كذب لستر القصة الحقيقية التي كانت سببًا لنزول سورة التحريم؛ وهي وقوع النبي ﷺ على مارية. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: التعريف بسودة مع ذكر فضائلها ﵂، وفي أثناء ذلك الرد على دعواه بأنها كانت غير مرغوب فيها. الوجه الثاني: ذكر شيء عن العلاقة بين عائشة وسودة، وذكر شيء من علاقة نساء النبي ﷺ مع بعض. الوجه الثالث: نقد هذه الروايات نقدًا علميًا، وبيان أساس الرغبة في النساء في شرع النبي ﷺ . وإليك التفصيل الوجه الأول: التعريف بسودة ﵂ -. هي: سودة أم المؤمنين بنت زمعة بن قيس من بني عامر بن لؤي القرشية العامرية. (١) فضائلها: ١ - هي أول من تزوج بها النبي ﷺ بعد خديجة، وهذا فيه أعظم الشرف حيث صارت بذلك أمّا للمؤمنين. (٢) ٢ - وانفردت به نحوًا من ثلاث سنين أو أكثر؛ حتى دخل بعائشة.

стр. 4969

وقال الصفدي: انفردت بصحبة رسول الله ﷺ أربع سنين لا يشاركها فيه امرأة ولا سرية، وهي من سادات النساء. (١) ٣ - وهي التي وهبت يومها لعائشة رعايةً لقلب رسول الله ﷺ . (٢) وهذا مِن خواصِّها؛ أنَّها آثَرَت بيَومِها حِبَّ النَّبِيِّ ﷺ تقرُّبًا إلى رسول الله ﷺ وحُبًّا له، وإيثارًا لِمُقامِها معه، فكان رسولُ الله ﷺ يَقسِمُ لنسائه ولا يَقسِمُ لها؛ وهي راضية بذلك مُؤثِرةٌ على نفسها رسول الله ﷺ لعلمها أنه يحب عائشة ﵄. (٣) ٤ - هجرتها مع النبي ﷺ . (٤) ٥ - هجرتها قبل ذلك مع زوجها إلى الحبشة. (٥) قال ابن سعد: وأسلمت بمكة قديما وبايعت، وأسلم زوجها السكران بن عمرو، وخرجا جميعًا مهاجرين إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية. (٦) ٦ - زهدها وإنفاقها المال في سبيل الله تعالى: عن ابن سيرين أن عمر بعث إلى سودة بغرارة دراهم، فقالت: ما هذه؟ قالوا: دراهم، قالت: في الغرارة مثل التمر؛ يا جارية: بلغيني القنع. قال: ففرقتها. (٧) ٧ - امتثالها لأمر النبي ﷺ : فعن أبي هريرة ﵁ قال: حج رسول الله ﷺ بنسائه عام حجة الوداع، ثم قال: هذه حجة ثم ظهور الحصر، قال أبو هريرة: وكان كل نساء النبي ﷺ يحججن إلا سودة بنت زمعة، وزينب بنت جحش قالتا: لا تحركنا دابة بعد رسول الله ﷺ . (٨)

стр. 4970

٨ - رجاحة عقلها في الاستئذان في الإفاضة بعد منتصف الليل: فعن عائشة ﵂ قالت: استأذنت سودة رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة تدفع قبله وقبل حطمة الناس، وكانت امرأة ثبطة (يقول القاسم: والثبطة: الثقيلة). قال: فأذن لها فخرجت قبل دفعه وحبسنا حتى أصبحنا فدفعنا دفعه؛ ولأن أكون استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة فأكون أدفع بإذنه أحب إلي من مفروح به. (١) والمعنى لكنت أسعد بذلك من كل شيء يفرح به. قلت: وهذا واضح في أن عائشة ﵂ تمدح سودة بهذه الرواية بدليل أنها تمنت أن لو فعلت مثلها. وفي لفظ لمسلم: فليتني كنت استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة، وكانت عائشة لا تفيض إلا مع الإمام. (٢)

стр. 4971

٩ - رجاحة عقلها في مراعاة قلب النبي ﷺ : حيث وهبت نوبتها لعائشة ﵂ فكان رسول الله ﷺ قسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة (١). قال النووي نقلًا عن القاضي عياض: (مسلاخها) المسلاخ هو الجلد ومعناه: أن أكون أنا هي (من امرأة). قال القاضي (من) هنا للبيان واستفتاح الكلام. (حدة) لم ترد عائشة عيب سودة بذلك بل وصفتها بقوة النفس وجودة القريحة وهي الحدة. (٢) ثانيًا: هل صح أن النبي ﷺ طلقها ؟ والإجابة: لم يصح أن النبي ﷺ طلقها، وهذه هي الآثار التي وردت في ذلك وأشيع بسببها هذا الأمر: الرواية الأولى: عن عبد الرزاق، عن أبي حنيفة، عن الهيثم أو أبي الهيثم -شك أبو بكر-: أن النبي ﷺ طلق سودة تطليقة فجلست له في طريقه، فلما مرَّ سألته الرجعة، وأن تهب قسمها منه لأي أزواجه شاء رجاء أن تبعث يوم القيامة زوجته، فراجعها وقبل ذلك. (٣)

стр. 4972

الرواية الثانية: عن القاسم بن أبي بزة أن النبي ﷺ بعث إلى سودة بطلاقها، فلما أتاها جلست على طريقه بيت عائشة، فلما رأته قالت: أنشدك بالذي أنزل عليك كتابه واصطفاك على خلقه لم طلقتني؛ ألموجدة وجدتها في؟ قال: "لا"، قالت: فإني أنشدك بمثل الأولى أما راجعتني، وقد كبرت ولا حاجة لي في الرجال، ولكني أحب أن أبعث في نسائك يوم القيامة، فراجعها النبي ﷺ قالت: فإني وقد جعلت يومي وليلتي لعائشة حِبة رسول الله ﷺ (١). والجواب: أنها رواية ضعيفة لا حجة فيها. الرواية الثالثة: عن النعمان بن ثابت التيمي قال: قال رسول الله ﷺ لسودة بنت زمعة: "اعتدي". فقعدت له على طريقه ليلة فقالت: يا رسول الله ما بي حب الرجال؛

стр. 4973

ولكني أحب أن أبعث في أزواجك فارجعني قال: فرجعها رسول الله ﷺ . (١) والجواب أن هذا الأثر ضعيف جدًّا. ومن خلال ما نرى أنه لم يصح أن النبي ﷺ طلقها. ثالثا: هل ثبت أن النبي ﷺ هَمَّ بطلاقها؛ ولذلك وهبت نوبتها لعائشة خوفًا من الطلاق؟ وهل في هذا ظلم لها لو كان ؟ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الصحيح أن ذلك لم يثبت، وبيان ذلك في نقد الروايات الآتية: الرواية الأولى: عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم مِنْ مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله ﷺ : يا رسول الله، يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول الله ﷺ منها. قالت: نقول في ذلك أنزل الله وفي أشباهها أراه قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾. (٢)

стр. 4974

ولفظه في الكبير: وكانت قد يئست فأراد أن يفارقها، فقالت: يومي منك ونصيبي لعائشة، فقبل ذلك منها ففيها نزلت: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾. ومحصل الجواب: أن هذه رواية شاذة؛ لأن عبد الرحمن بن أبي الزناد تفرد بهذه الزيادة التي تذكر أن النبي ﷺ هم بطلاقها، وأن الآية نزلت في ذلك، وخالفه في ذلك جماعة من الثقات، وعليه فلا يصح أن النبي ﷺ هم بطلاقها. وبناءً عليه فالصحيح عن عائشة هو أن سودة وهبت نوبتها لعائشة تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ كما سبق في الرواية الصحيحة، وأما ما ذكره ابن عباس فهذا مجرد فهم له ﵁ لا يعارض ما صح عن عائشة؛ لأنها أعرف بهذه الواقعة منه، والله أعلم. الرواية الثانية: عن عبد الرحمن بن سابط قال: أراد النبي ﷺ فراق سودة فدعا أبا بكر وعمر ليشهدهما على طلاقها، فقالت: يا رسول الله، ما بي رغبة في الدنيا إلا لأحشر يوم القيامة في أزواجك فيكون لي من الثواب ما لهن. (١)

стр. 4975

الرواية الثالثة: وهي أثر ثالث بهذا المعنى عن معمر قال: بلغني أن النبي ﷺ كان أراد فراق سودة، فكلمته في ذلك فقالت: يا رسول الله، ما بي حرص الأزواج، ولكن أحب أن يبعثني الله يوم القيامة زوجًا لك. (١) الوجه الثاني: وعلى فرض صحة هذه الزيادة، فلماذا همَّ النبي ﷺ بطلاقها ؟ والإجابة: كانت أسنت، وتوقع أن لا يوفيها حقها، فرغبت أن يمسكها، ويجعل يومها لعائشة بنت أبي بكر، فأمسكها. (٢) الوجه الثالث: أن في هذا منقبة عظيمة تدل على سعة فهمها حيث أراحت قلب زوجها، وحافظت عليه زوجًا كي تبعث يوم القيامة في أزواجه ﷺ . الوجه الرابع: وعلى فرض صدور مثل هذا الهم من النبي ﷺ فلا عيب؛ لأن الطلاق في شريعة الإسلام حلال، وقد أكرم الإسلامُ المرأةَ حتى في طلاقها بما لا تذم به المرأة ولا تعاب بعد طلاقها، فكيف وهي لم تطلق بحمد الله تعالى؟ ثانيًا: وفاتها والاختلاف في التاريخ: توفيت في آخر خلافة عمر بالمدينة. (٣) قال النووي: وهذا قول الأكثرين. (٤) وروى عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال: أن سودة ﵂ تُوفيت في زمن عمر. (٥) وقال الواقدي: وماتت بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين، قال: وهذا الثبت عندنا. (٦)
следующие страницы →