← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

٩ - رجاحة عقلها في مراعاة قلب النبي ﷺ : حيث وهبت نوبتها لعائشة ﵂ فكان رسول الله ﷺ قسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة (١). قال النووي نقلًا عن القاضي عياض: (مسلاخها) المسلاخ هو الجلد ومعناه: أن أكون أنا هي (من امرأة). قال القاضي (من) هنا للبيان واستفتاح الكلام. (حدة) لم ترد عائشة عيب سودة بذلك بل وصفتها بقوة النفس وجودة القريحة وهي الحدة. (٢) ثانيًا: هل صح أن النبي ﷺ طلقها ؟ والإجابة: لم يصح أن النبي ﷺ طلقها، وهذه هي الآثار التي وردت في ذلك وأشيع بسببها هذا الأمر: الرواية الأولى: عن عبد الرزاق، عن أبي حنيفة، عن الهيثم أو أبي الهيثم -شك أبو بكر-: أن النبي ﷺ طلق سودة تطليقة فجلست له في طريقه، فلما مرَّ سألته الرجعة، وأن تهب قسمها منه لأي أزواجه شاء رجاء أن تبعث يوم القيامة زوجته، فراجعها وقبل ذلك. (٣)

стр. 4972

الرواية الثانية: عن القاسم بن أبي بزة أن النبي ﷺ بعث إلى سودة بطلاقها، فلما أتاها جلست على طريقه بيت عائشة، فلما رأته قالت: أنشدك بالذي أنزل عليك كتابه واصطفاك على خلقه لم طلقتني؛ ألموجدة وجدتها في؟ قال: "لا"، قالت: فإني أنشدك بمثل الأولى أما راجعتني، وقد كبرت ولا حاجة لي في الرجال، ولكني أحب أن أبعث في نسائك يوم القيامة، فراجعها النبي ﷺ قالت: فإني وقد جعلت يومي وليلتي لعائشة حِبة رسول الله ﷺ (١). والجواب: أنها رواية ضعيفة لا حجة فيها. الرواية الثالثة: عن النعمان بن ثابت التيمي قال: قال رسول الله ﷺ لسودة بنت زمعة: "اعتدي". فقعدت له على طريقه ليلة فقالت: يا رسول الله ما بي حب الرجال؛

стр. 4973

ولكني أحب أن أبعث في أزواجك فارجعني قال: فرجعها رسول الله ﷺ . (١) والجواب أن هذا الأثر ضعيف جدًّا. ومن خلال ما نرى أنه لم يصح أن النبي ﷺ طلقها. ثالثا: هل ثبت أن النبي ﷺ هَمَّ بطلاقها؛ ولذلك وهبت نوبتها لعائشة خوفًا من الطلاق؟ وهل في هذا ظلم لها لو كان ؟ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الصحيح أن ذلك لم يثبت، وبيان ذلك في نقد الروايات الآتية: الرواية الأولى: عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم مِنْ مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله ﷺ : يا رسول الله، يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول الله ﷺ منها. قالت: نقول في ذلك أنزل الله وفي أشباهها أراه قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾. (٢)

стр. 4974

ولفظه في الكبير: وكانت قد يئست فأراد أن يفارقها، فقالت: يومي منك ونصيبي لعائشة، فقبل ذلك منها ففيها نزلت: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾. ومحصل الجواب: أن هذه رواية شاذة؛ لأن عبد الرحمن بن أبي الزناد تفرد بهذه الزيادة التي تذكر أن النبي ﷺ هم بطلاقها، وأن الآية نزلت في ذلك، وخالفه في ذلك جماعة من الثقات، وعليه فلا يصح أن النبي ﷺ هم بطلاقها. وبناءً عليه فالصحيح عن عائشة هو أن سودة وهبت نوبتها لعائشة تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ كما سبق في الرواية الصحيحة، وأما ما ذكره ابن عباس فهذا مجرد فهم له ﵁ لا يعارض ما صح عن عائشة؛ لأنها أعرف بهذه الواقعة منه، والله أعلم. الرواية الثانية: عن عبد الرحمن بن سابط قال: أراد النبي ﷺ فراق سودة فدعا أبا بكر وعمر ليشهدهما على طلاقها، فقالت: يا رسول الله، ما بي رغبة في الدنيا إلا لأحشر يوم القيامة في أزواجك فيكون لي من الثواب ما لهن. (١)

стр. 4975

الرواية الثالثة: وهي أثر ثالث بهذا المعنى عن معمر قال: بلغني أن النبي ﷺ كان أراد فراق سودة، فكلمته في ذلك فقالت: يا رسول الله، ما بي حرص الأزواج، ولكن أحب أن يبعثني الله يوم القيامة زوجًا لك. (١) الوجه الثاني: وعلى فرض صحة هذه الزيادة، فلماذا همَّ النبي ﷺ بطلاقها ؟ والإجابة: كانت أسنت، وتوقع أن لا يوفيها حقها، فرغبت أن يمسكها، ويجعل يومها لعائشة بنت أبي بكر، فأمسكها. (٢) الوجه الثالث: أن في هذا منقبة عظيمة تدل على سعة فهمها حيث أراحت قلب زوجها، وحافظت عليه زوجًا كي تبعث يوم القيامة في أزواجه ﷺ . الوجه الرابع: وعلى فرض صدور مثل هذا الهم من النبي ﷺ فلا عيب؛ لأن الطلاق في شريعة الإسلام حلال، وقد أكرم الإسلامُ المرأةَ حتى في طلاقها بما لا تذم به المرأة ولا تعاب بعد طلاقها، فكيف وهي لم تطلق بحمد الله تعالى؟ ثانيًا: وفاتها والاختلاف في التاريخ: توفيت في آخر خلافة عمر بالمدينة. (٣) قال النووي: وهذا قول الأكثرين. (٤) وروى عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال: أن سودة ﵂ تُوفيت في زمن عمر. (٥) وقال الواقدي: وماتت بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين، قال: وهذا الثبت عندنا. (٦)

стр. 4976

وقال ابن حجر: وماتت سنة خمس وخمسين على الصحيح. (١) قلت: الراجح أنها ماتت في آخر خلافة عمر ﵁؛ كما رواه البخاري في التاريخ عن سعيد بن أبي هلال لصحة الإسناد، أما الرواية التي ذكر أنها ماتت سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية فانفرد بها الواقدي؛ وهو متروك الرواية واتهمه أحمد بالكذب. وعليه فالقول الآخر هو الراجح، وبهذا يزول التناقض الذي ظنه الطاعنون من ناحية التاريخ. الوجه الثاني: بعض الصور المشرقة في حسن العلاقة بين زوجات النبي ﷺ بصفة عامة، وبين عائشة وسودة بصفة خاصة؛ حيث اشتبه على البعض أن العلاقة بينهن كانت سيئة لكونهن ضرائر، والله المستعان . ١ - عن عائشة قالت: اجتمعن نساء النبي ﷺ فلم تغادر منهن امرأة، فجاءت فاطمة كأن مشيتها مشية رسول الله ﷺ ، فقال: "مرحبا بابنتي"، ثم أجلسها عن شماله، ثم إنه أسرَّ إليها حديثًا فبكت فاطمة، ثم إنه سارَّها فضحكت أيضًا. فقلت لها ما يبكيك؟ قالت: ما كنت لأفشي سرَّ رسول الله ﷺ ، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حزن، فقلت لها حين بكت: أخصك رسول الله ﷺ بحديث دوننا ثم تبكين؟ وسألتها عما قال، فقالت: ما كنت لأفشي سرَّ رسول الله ﷺ ، حتى إذا قبض سألتها عما قال، فقالت: إنه كان يحدثني أن جبرائيل كان يعارضه بالقرآن في كل عام مرة، وأنه عارضه به العام مرتين، "ولا أراني إلا قد حضر أجلي، وأنك أول أهلي لحوقًا بي، ونعم السلف أنا لك" فبكيت، ثم إنه سارني فقال: "ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو نساء هذه الأمة؟ " فضحكت لذلك. (٢) ٢ - وعن موقف عائشة من نساء النبي ﷺ ؛ فهي أنهن في الجملة فضليات يقتدي بفعلهن؛ فعن عائشة قالت: كن نساء النبي ﷺ يصلين مع النبي ﷺ الفجر ثم يرجعن متلفعات بمروطهن قبل أن يعرفن. (٣)

стр. 4977

٣ - وأما عن سودة ونساء النبي ﷺ فقد سبق أنها وهبت نوبتها لعائشة وهي منهن، وكانت تجلس معهن وتسافر معهن كما في حجة النبي ﷺ . الوجه الثالث: نقد الروايات التي أوهمت الشبهة، وتوجيه الصحيح منها بما يتناسب مع آل بيت رسول الله ﷺ -. ١ - لقد سبق الكلام عن الروايات التي ذكرت في طلاق النبي ﷺ لسودة أو همه بطلاقها، وبيَّنا عدم ثبوتها، ووجهناها على فرض صحتها، وبينا كذلك الرأي الصحيح في تاريخ وفاة السيدة سودة ﵂؛ وبه يزول التساؤل الذي وضع: لماذا طلق النبي ﷺ سودة، أو لماذا هم بطلاقها؟ ولكن بقيت بعض الروايات التي أوهمت القوم بسبب طلاق النبي ﷺ لسودة؛ حيث فهموا منها أنها صفات جعلت سودة غير مرغوب فيها، ولذلك طلقها النبي ﷺ أو هم بطلاقها. الرواية الأولى: صفتا الحدة والحسد اللتان وصفتها عائشة بهما ، وهل ذلك يعني طعنًا جديدًا جاء على لسان عائشة، يضاف إلى لسائر الصفات السيئة التي اتصفت بها سودة؟ أما وصفها بالحدة فقد روت عائشة قالت: ما رأيت امرأة أحب إلى أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة؛ مِنْ امرأة فيها حدة، قالت: فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة، قالت: يا رسول الله، قد جعلت يومي منك لعائشة، فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة. (١) والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: سياق الحديث بتمامه يدل على أن عائشة تمدحها لا تذمها؛ وهذا وأضح، فإنها تتمنى أن تكون هي وسودة في جلد واحد؛ أي: امرأة واحدة، وهذا لا شك من حسن صنيع سودة في عين عائشة، فكيف تكون هذه صفة ذم لسودة ولعائشة حيث ذمت سودة؟ ! الوجه الثاني: وقولها: فيها حدة لم تُرِدْ به عائشةُ عيبَ سودة بذلك؛ بل وصفتها بقوة النفس وجودة القريحة؛ وهي الحدة. (٢)

стр. 4978

ويبين هذا المعنى تمام الحديث، حيث جادت لها بليلتها، وهذا لا تقوى عليه إلا النفوس القوية الكريمة. الوجه الثالث: ويحتمل أن يكون المراد: حدة، أي: صحة، وقوة، وسلامة، عقل، ورأي، فعند ذلك تمنت عائشة أن تكون هي وسودة امرأة واحدة، فلما كبرت سودة فعلت أمرًا أشبه ما تمنته عائشة، حيث وهبت ليلتها لعائشة. والله أعلم. الوجه الرابع: ويحتمل أن يكون المراد بالحدة: قوة البصر كَنَّتْ به عن قوة البصيرة وبُعد النظر في الرأي؛ لأنها آثرت ما يحبه النبي ﷺ على ما تحبه هي، فوهبت ليلتها لعائشة مع أنها حتما تحب القرب من رسول الله ﷺ حتى ولو كانت مسنة، فوصفتها عائشة لذلك بقوة البصيرة التي كَنَّتْ عنها بقوة البصر الذي من معانيه الحدة. والله أعلم. وأما قولها: فيها حسد . فقد قال ابن سعد: أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن سمية، عن عائشة أنها كانت تقول: ما من الناس امرأة أحب إلي أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة إلا أنها امرأة فيها حسد. (١) والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: قال الألباني ﵀: لعله محرف من (حدة). (٢) الوجه الثاني: هذا اللفظ منكر، لأنه تفردت به سمية البصرية عن عائشة، وخالفها عروة بن الزبير كما أخرجه مسلم. (٣) وسمية لم أجد فيها جرحًا ولا تعديلًا. وقال الحافظ: مقبولة. (٤) وكما هو منهج الحافظ في التقريب أن الراوي المقبول يعني: حيث يتابع، وسمية لم تتابع بل خولفت من عروة بن الزبير عن خالته. الوجه الثالث: آخرُ الحديث يردُّ أولَه؛ إذ كيف تتمنى أن تكون معها ثم تصفها

стр. 4979

بالحسد؟ وكفى به إثمًا، وعلى ذلك فالصحيح: حدة لا حسد؛ وهي صفة مدح من عائشة لا ذم فيها. والله أعلم. ٢ - أما الرواية الثانية التي جعلوها تحت عنوان: صفات غير مرغوبة في سودة جاءت على لسان عائشة أدت إلى طلاقها؛ فهي ما أخرجه البخاري عن عائشة أن أزواج النبي ﷺ كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع؛ وهو صعيد أفيح فكان عمر يقول للنبي ﷺ : احجب نساءك فلم يكن رسول الله ﷺ ، يفعل فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ ليلة من الليالي عشاءً، وكانت امرأة طويلة فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة؛ حرصًا على أن ينزل الحجاب فأنزل الله آية الحجاب؛ هذا لفظ البخاري، وفي لفظ لمسلم: خرجت سودة بعد ما ضرب عليها الحجاب لتقضي حاجتها؛ وكانت امرأة جسيمة تفرع النساء جسمًا لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة، والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله ﷺ في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق، فدخلت فقالت: يا رسول الله، إني خرجت فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحي إليه ثم رفع عنه؛ وإن العرق في يده ما وضعه، فقال: إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن (١). وفي رواية أبي بكر يفرع النساءَ جسمُها، زاد أبو بكر في حديثه فقال هشام يعني: الْبَرَاز. قال النووي: (جسيمة) أي: عظيمة الجسم، (تفرعُ النساءَ) أي: تطولهن فتكون أطول منهن، والفارع: المرتفع العالي، لا تخفى على من يعرفها يعني: لا تخفى إذا كانت متلففة في ثيابها ومرطها في ظلمة الليل ونحوها على من سَبَقَتْ له معرفةُ طولها لانفرادها بذلك. (٢) وفي هذا الحديث عدة مناقب لسودة ﵂ ترويها عائشةُ ﵂ منها ما يلي: ١ - أن لها صلة مباشرة بنزول الحجاب ومشروعيته وهذه فضيلة. ٢ - امتثالها لأمر الحجاب حيث لم يعرفها عمر إلا بطولها لتفردها به. ٣ - طولها الذي أثنت عليه عائشة في الرواية، وهذه إحدى الميزات التي تميزت بها عن غيرها.

стр. 4980

٤ - رجوعها مسرعة عندما قال لها عمر ذلك حياءً. ٥ - نزول الرخصة في الخروج للحاجة بسببها، كما هو مبين في الرواية، فسبحان الله تذكر سودة في الحجاب وفي الرخصة للخروج، فما أعظم هذه المنة في عنق مَنْ جاء بعدها ﵂. الرواية الثالثة: وهي التي اتهمت بسببها سودة بالسذاجة: عن رزينة مولاة رسول الله ﷺ أن سودة اليمانية جاءت عائشة تزورها وعندها حفصة بنت عمر، فجاءت سودة في هيئة وفي حالة حسنة؛ عليها برد من دروع اليمن وخمار كذلك، وعليها نقطتان مثل الفرستين من صبر وزعفران إلى موقها قالت عليلة: وأدركت النساء يتزينَّ به، فقالت حفصة لعائشة: يا أم المؤمنين، يجيء رسول الله ﷺ وهذه بيننا تبرق، فقالت أم المؤمنين: اتقِ الله يا حفصة، فقالت: لأفسدن عليها زينتها، قالت: ما تقلن؟ وكان في أذنها ثقل، قالت لها حفصة: يا سودة، خرج الأعور، قالت: نعم، ففزعت فزعًا شديدًا فجعلت تنتفض، قالت: أين أختبئ؟ قالت: عليك بالخيمة، خيمة لهم من سعف يختبئون فيها، فذهبت، فاختبأت فيها وفيها القذر ونسيج العنكبوت، فجاء رسول الله ﷺ وهما تضحكان لا تستطيعان أن يتكلما من الضحك، فقال: "ماذا الضحك؟ " (ثلاث مرات)، فأومأتا بأيديهما إلى الخيمة، فذهب فإذا سودة ترعد، فقال لها: "يا سودة، ما لك؟ " قالت: يا رسول الله، خرج الأعور، قال: "ما خرج وليخرجن، ما خرج وليخرجن"، فأخرجها فجعل ينفض عنها الغبار ونسيج العنكبوت. (١) وهذا حديث ضعيف لجهالة عليلة بنت الكميت ومن فوقها، وعلى فرض صحته ففيه مدح لسودة ﵂ من وجوه: الأول: أنهم وصفوها بالنظافة والجمال والحسن بخلاف ما قيل عنها بضد ذلك.

стр. 4981

الثاني: أنها عالمة بدين الله تعالى حق معرفته حيث قال النبي ﷺ ما بعث الله نبيًّا إلا أنذر أمته من الأعور الدجال. (١) وذكر النبي ﷺ الدجال فخفض فيه ورفع حتى ظنه الصحابة في طائفة النخل وعرف ذلك فيهم النبي ﷺ . (٢) ولذلك خافت واختبأت خوفًا على دينها وعلى نفسها من الفتن؛ وهذا عين العقل، فكيف تتهم بضد ذلك؟ ! الرواية الرابعة التي زعموا أن فيها إساءة من عائشة لسودة ﵄ -: عن عائشة ﵂ قالت: أتيت النبي ﷺ بخزيرة (٣) قد طبختها له فقلت لسودة والنبي ﷺ بيني وبينها: كلي فأبت، فقلت: لتأكلن أو لألطخن وجهك، فأبت فوضعت يدي في الخزيرة فطليت وجهها، فضحك النبي ﷺ فوضع بيده لها وقال لها: "الطخي وجهها"، فضحك النبي ﷺ لها، فمر عمر فقال: يا عبد الله! يا عبد الله! فظن أنه سيدخل فقال: "قوما فاغسلا وجوهكما" فقالت عائشة: فما زلت أهاب عمر لهيبة رسول الله ﷺ . (٤) وهذا حديث حسن ولقد استخدمه البعض للطعن في عائشة وسودة ﵄ بل في رسول الله -صلى الله عليه وسل-. والرد على ذلك من وجوه: ١ - أما عائشة فإنها راوية هذا الحديث ولو لم تروه لما علمناه ولا علمه أحد، وكفى بهذا شرفًا ونبلًا وأمانةً في نقل دين الله تعالى لتعلم الأزواج درسًا في التعامل مع الزوجات، ولو كان فيه ما يسيء إليها ونقلته حفظًا لسنة النبي ﷺ فهذا أعلى مما لو لم يكن فيه ذلك.

стр. 4982

٢ - وأما كونها فعلت ذلك بسودة فهذا أمر طبيعي عادي بين الضرائر، ولك أن تلاحظ أدبها الجَمَّ مع النبي ﷺ عندما سكتت حتى لطخت سودة وجهها، وهذا يبين أنها غالبًا كانت تمزح معها فرضي الله عنهما، ولذلك ترجمه الحافظ ابن حجر (١) بقوله: باب المزاح؛ حديث عائشة في تلطيخها وجه سودة بالخزيرة. وقال الحافظ العراقي: أخرجه الزبير بن بكار في كتاب الفكاهة، وذكره الغزالي في الإحياء في باب المزاح، ووضعه الشامي في سبل الهدى والرشاد في باب مزاحه ومداعبته ﷺ . (٢) ٣ - وأما سودة فهذه منقبة عظيمة لها حيث أمرها النبي ﷺ أن تفعل بعائشة مثل ما فعلت بها رغم حبه لعائشة ﵂ ولكنه رسول الله ﷺ لا يُظلم عنده أحد ولو في أمر هين كهذا، ولو ممن يحب كعائشة، ولو كان المظلوم زوجة مسنة كسودة ﵂. ٤ - أما النبي ﷺ فيتيح لهن أن ينفذن شيئًا من غيرتهن بحيث لا يتجاوزن الحد المشروع، ويضفي على سلوكهن ذلك المرح والابتسامة، وهذا الحديث من هذا القبيل. الرواية الرابعة: قال الجرجاني: روي أن سودة أنشدت: عدي وتيم تبتغي من تحالف (٣). فظنت عائشة وحفصة أنها عرضت بهما، وجرى بينهن كلام في هذا المعنى، فأخبر النبي ﷺ فدخل عليهن وقال: "يا ويلكن، ليس في عديكن ولا تيمكن قيل هذا، وإنما قيل في عدي تميم وتيم تميم". (٤) فهذه قصة لا أصل لها ولا عبرة بمثل هذا. والله أعلم. فثبت بطلان ما زعموه في العلاقة بين عائشة وسودة بما سبق والحمد لله.

стр. 4983

٦ - أخلاق عائشة مع حفصة ﵄ . نص الشبهة: هذه الشبهة تتعلق بأخلاق عائشة مع حفصة ﵄ و هي تدور في محورين: الأول: طعن في أخلاق حفصة مع النبي ﷺ ولذلك طلقها. الثاني: طعن في عائشة ﵂ حيث غارت من حفصة ﵂ رغم العلاقة الحميمة بينهما. والرد من على ذلك وجوه: الوجه الأول: التعريف بحفصة وبفضائلها مع النبي ﷺ -. الوجه الثاني: ذكر الروايات التي تتصل بحفصة وفيها شبهة مع الحكم عليها. الوجه الثالث: الجواب عن قولهم بأنها كانت سيئة الخلق مع النبي ﷺ ، وفي أثنائه توجيه طلاق النبي ﷺ لحفصة، وبيان أنه في النهاية منقبة لحفصة. وإليك التفصيل الوجه الأول: التعريف بحفصة وبفضائلها مع النبي ﷺ . هي: السِّتْرُ الرَّفيعُ بنت عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح، وأمها زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب. (١) مولدها: قبل بعث النبي ﷺ بخمس سنين. (٢) ثانيًا: كانت تحت خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي من أصحاب الهجرتين: هاجر إلى الحبشة مع المهاجرين الأولين ثم هاجر إلى المدينة؛ وكان الوحيد من بني سهم الذي شهد إلى جانب رسول الله ﷺ بدرًا، وجُرِحَ في أحد، ثم مات في دار الهجرة متأثرًا بجراحه، وترك وراءه أرملته الشابة. وتزوجها النبي ﷺ في شعبان على رأس ثلاثين شهرًا (من الهجرة) في سنة ثلاث، وقيل: سنة اثنتين، فكان ذلك قرة عين لأبيها عمر ﵁ على صدقه وإخلاصه وتفانيه في سبيل هذا الدين، وعمر هو بطل الإسلام الذي أعزّ الله به الإسلام والمسلمين، ورفع به منار الدين،

стр. 4984

فكان اتصاله ﷺ به عن طريق المصاهرة خير مكافأة له على ما قدم في سبيل الإسلام (١). وها هي القصة فإن فيها عبرة: عن ابن عمر أن عمر ﵃ حين تأيّمت حفصة من خنيس بن حذافة السهمي لقي عثمان ﵁ فقال: إن شئتَ أنكحتك حفصة، قال: سأنظر في أمري، فلبث ليالي فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج، قال عمر: فقلت لأبي بكر ﵁: إن شئت أنكحتك حفصة، فصمت، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها النبي ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدتَ عليّ حين عرضت عليّ حفصة فلم أرجع إليك شيئًا، قلت: نعم، قال: إنه لم يمنعني أن أرجع إليك إلا أني علمت أن النبي ﷺ ذكرها، فلم أكن أفشي سره، ولو تركها لقبلتها. (٢) ثالثا: دورها في جمع المصحف: أشار عمر بن الخطاب على الخليفة أبي بكر أن يبادر إلى جمع القرآن الكريم قبل أن يبعد العهد بنزوله، ويمضي حفظته الأولون، وقد استشهد منهم مئات في حروب الردة، واستجاب أبو بكر بعد تردد، وجمع المصحف الكريم وأودعه عند أم المؤمنين حفصة بنت عمر، وفي عهد عثمان ﵁ تم توحيد حرف المصحف، ورسمه من المصحف المجموع المودع لدى حفصة، ونسخت منه نسخ المصحف العثماني الإمام، ووزعت على الأمصار. فعن زيد بن ثابت الأنصاري ﵁ -وكان ممن يكتب الوحي- قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني، فقال: إن القتل قد استحر يوم

стр. 4985

اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن، قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر، قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالس لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه، فو الله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله النبي ﷺ ؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فقصت فتتبدت القرآن أجمعه من الرقاع، والأكتاف، والعسب، وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ... ﴾ إلى آخرهما، وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر. (١) وعن أنس بن مالك: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القريشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم فافعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردَّ عثمانُ الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق

стр. 4986

بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. (١) وهذا دور عظيم قامت به حفصة في جمع القرآن. رابعًا: مواقفها السياسية: ولحفصة أم المؤمنين مواقف مشهودة تدلّ على عمق فهمها ووعيها لمجريات الأمور. فعندما تعرض الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ لمحاولة الاغتيال راجعه المسلمون بأن يستخلف لهم، وعندما علمت حفصة بموقفه أصرّت على أخيها عبد الله بأن يكلمه وينقل له رأيها بضرورة الاستخلاف، فعن ابن عمر ﵄ قال: دخلت على حفصة، فقالت: أعلمت أن أباك غير مستخلف؟ قال: قلت: ما كان ليفعل، قالت: إنه فاعل، قال: فحلفت أني أكلمه في ذلك، فسكت حتى غدوت ولم أكلمه، قال: فكنت كأنما أحمل بيميني جبلًا حتى رجدت فدخلت عليه، فسألني عن حال الناس وأنا أخبره، قال: ثم قلت له: إني سمعت الناس يقولون مقالة، فآليت أن أقولها لك، زعموا أنك غير مستخلف، وإنه لو كان لك راعي إبل، أو راعي غنم، ثم جاءك وتركها، رأيت أن قد ضيع فرعاية الناس أشد، قال: فوافقه قولي، فوضع رأسه ساعة، ثم رفعه إلي، فقال: إن الله يحفظ دينه، وإني لئن لا أستخلف؛ فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف، قال: فوالله، ما هو إلا أن ذكر رسول الله ﷺ وأبا بكر، فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله ﷺ أحدًا، وأنه غير مستخلف (٢). وتوفيت في شعبان سنة خمس وأربعين في خلافة معاوية وقد بلغت ثلاثًا وستين سنة، وقيل: ماتت سنة إحدى وأربعين وأوصت إلى عبد الله أخيها بما أوصى إليها عمر، وبصدقة تصدقت بها بمال وقفته بالغابة، وصلى عليها مروان ودفنت بالبقيع. (٣) وذكر ابن كثير أنها توفيت سنة سبع وعشرين، وقيل: ثمان وعشرين.

стр. 4987

وأخرج ابن سعد أنها توفيت سنة خمس وأربعين في خلافة معاوية بن أبي سفيان، وهي يومئذ ابنة ستين سنة. (١) الوجه الثاني: الروايات التي تتصل بحفصة وفيها شبهة . الرواية الأولى: طعن بعضهم في حفصة بأنها دخلت على عائشة وعليها خمار رقيق فشقته عائشة وكستها خمارًا كثيفا، ثم قال: ولا نعلم إذا كان ذلك يوحي برقة الدين عند حفصة أو بشيء آخر. والجواب: أن هذه ليست حفصة زوج النبي ﷺ إنما هي حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ابنة أخي عائشة أم المؤمنين ﵂. وها هو الخبر بذلك: عن مالك، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه أنها قالت: دخلت حفصة بنت عبد الرحمن على عائشة زوج النبي ﷺ وعلى حفصة خمار رقيق فشقته عائشة وكستها خمارًا كثيفًا. (٢) الرواية الثانية: وكذلك طعنوا في عائشة بهذه القصة بسبب غيرة عائشة ﵂ من حفصة ﵂. عن عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا خرج أقرع بين نسائه فطارت القرعة لعائشة وحفصة، وكان النبي ﷺ إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث فقالت حفصة ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك تنظرين وأنظر؟ فقالت: بلى، فركبت فجاء النبي ﷺ إلى جمل عائشة وعليه

стр. 4988

حفصة فسلم عليها ثم سار حتى نزلوا وافتقدته عائشة، فلما نزلوا جعلت رجليها بين الإذخر وتقول: يا رب، سلط علي عقربًا أو حية تلدغني، ولا أستطيع أن أقول له شيئًا. (١) والجواب على هذا كما يلي: ١ - أن هذا من الغيرة الفطرية المتسامح فيها، وقد سبق الكلام عن ذلك في فصل خديجة ﵂؛ قال المهلب: وفيه أن الغيرة للنساء مسموح لهن فيها وغير منكر من أخلاقهن، ولا معاقب عليها ولا على مثلها؛ لصبر النبي ﷺ لسماع مثل هذا من قولها. (٢) ٢ - أن عائشة هي التي روت هذه القصة، ووجه: لو كان فيها شيء مما زعموا ما نقلتها. ٣ - هذه منقبة لعائشة ﵂؛ لأنها غارت، ولم تعترض على فعل النبي ﷺ ؛ لأنه رسول الله ﷺ ، وقد صرحت بذلك، ومنقبة لحفصة ﵂؛ لأنها تتمتع بدرجة من الذكاء والحيلة. وقد أورد ابن الجوزي هذه القصة في كتاب الأذكياء (الباب الحادي والثلاثون) في ذكر طرف من أخبار النساء والمتفطنات، ثم هي الأخرى تحب رسول الله ﷺ ، وتحب أن يسير معها. الوجه الثالث: الجواب عن قولهم بأن حفصة كانت سيئة الخلق مع النبي ﷺ -. وأما طعنهم في حفصة بأنها كانت سيئة الخلق مع النبي ﷺ ولذلك طلقها. فيجاب عنه من وجوه: أولًا: إن حفصة لما خيرها النبي ﷺ اختارت النبي ﷺ ، ورضيت وكانت به قريرة العين وها هي القصة بذلك: عن عبد الله بن عباس ﵃ قال: لم أزل حريصًا على أن أسأل عمر ﵁ عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ اللتين قال الله لهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، فحججت معه فعدل وعدلت معه بالإداوة فتبرز، حتى جاء فسكبت على يديه من الإداوة فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين، مَنْ المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان قال الله لهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾، فقال: واعجبي لك يا ابن عباس، عائشة وحفصة، ثم استقبل عمر الحديث

стр. 4989

يسوقه، فقال: إني كنت وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي ﷺ ، فينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته من خبر ذلك اليوم من الأمر وغيره، وإذا نزل فعل مثله، وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصحت على امرأتي، فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ولم تنكر أن أراجعك، فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل، فأفزعني، فقلت: خابت من فعل منهن بعظيم، ثم جمعت علي ثيابي، فدخلت على حفصة، فقلت: أي حفصة أتغاضب إحداكن رسول الله ﷺ اليوم حتى الليل؟ فقالت: نعم، فقلت: خابت وخسرت أفتأمن أن يغضب الله لغضب رسوله ﷺ ، فتهلكين لا تستكثري على رسول الله ﷺ ، ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه، واسأليني ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوضأ منك، وأحب إلى رسول الله ﷺ -يريد عائشة- وكنا تحدثنا أن غسان تنعل النعال لغزونا، فنزل صاحبي يوم نوبته فرجع عشاء، فضرب بابي ضربًا شديدًا، وقال: أنائم هو، ففزعت، فخرجت إليه، وقال: حدث أمر عظيم، قلت: ما هو؟ أجاءت غسان؟ قال: لا، بل أعظم منه وأطول طلق رسول الله ﷺ نساءه، قال: قد خاب حفصة وخسرت، كنت أظن أن هذا يوشك أن يكون، فجمعت علي ثيابي، فصليت صلاة الفجر مع النبي ﷺ ، فدخل مشربة له، فاعتزل فيها، فدخلت على حفصة، فإذا هي تبكي، قلت: ما يبكيك؟ أولم أكن حذرتك، أطلقكن رسول الله ﷺ ، قالت: لا أدري هو ذا في المشربة، فخرجت، فجئت المنبر، فإذا حوله رهط يبكي بعضهم، فجلست معهم قليلًا، ثم غلبني ما أجد، فجئت المشربة التي هو فيها، فقلت لغلام له أسود: استأذن لعمر، فدخل، فكلم النبي ﷺ ، ثم خرج فقال: ذكرتك له، فصمت، فانصرفت، حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت، فذكر مثله، فجلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فذكر مثله، فلما وليت منصرفًا، فإذا الغلام يدعوني قال: أذن لك رسول الله ﷺ ، فدخلت

стр. 4990

عليه، فإذا هو مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه متكئ على وسادة من أدم حشوها ليف، فسلمت عليه، ثم قلت وأنا قائم: طلقت نساءك، فرفع بصره إلي، فقال: "لا"، ثم قلت وأنا قائم: أستأنس يا رسول الله، لو رأيتني وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على قوم تغلبهم نساؤهم، فذكره فتبسم النبي ﷺ ، ثم قلت: لو رأيتني، ودخلت على حفصة، فقلت: لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوضأ منك، وأحب إلى النبي ﷺ -يريد عائشة- فتبسم أخرى، فجلست حين رأيته تبسم، ثم رفعت بصري في بيته، فوالله ما رأيت فيه شيئًا يرد البصر غير أهبة ثلاثة، فقلت: ادع الله فليوسع على أمتك؛ فإن فارس والروم وسع عليهم، وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله، وكان متكئًا فقال: "أوفي شك أنت يا ابن الخطاب، أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا "فقلت: يا رسول الله، استغفر لي، فاعتزل النبي ﷺ من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة، وكان قد قال: "ما أنا بداخل عليهن شهرًا من شدة موجدته عليهن، حين عاتبه الله"، فلما مضت تسع وعشرون، دخل على عائشة، فبدأ بها، فقالت له: عائشة إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا، وإنا أصبحنا لتسع وعشرين ليلة أعدها عدًا، فقال النبي ﷺ : "الشهر تسع وعشرون"، وكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين، قالت عائشة: فأنزلت: آية التخيير فبدأ بي أول امرأة، فقال: "إني ذاكر لك أمرًا، ولا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك"، قالت: قد أعلم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقك، ثم قال: "إن الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ ... ﴾ إلى قوله عَظِيمًا"، قلت: أفي هذا أستأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ثم خير نساءه، فقلن مثل ما قالت عائشة. (١) والآية هي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٢٨، ٢٩).

стр. 4991

وهذا أمر من الله لرسوله ﷺ بأن يخَيّر نساءه بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره ممن يَحصُل لهن عنده الحياةُ الدنيا وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن ﵅ وأرضاهن- الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة. (١) ثانيًا: أن النبي ﷺ لما طلقها أمره الله بمراجعتها مع حسن الثناء عليها وهذه من أعظم المناقب لحفصة ﵂، فعن ابن عباس عن عمر ﵄ أن النبي ﷺ طلق حفصة ثم راجعها (٢). وفي غير هذه الرواية أن الذي أوحى إلى النبي ﷺ بمراجعتها هو الله تعالى، وعلل له ذلك بأنها صوامة قوامة؛ وهي زوجته في الجنة (٣)، وهذه زيادة حسنة بشواهدها كما في الحاشية. والله أعلم.

стр. 4992

٧ - أخلاق عائشة مع زينب بنت خزيمة ﵄ . نص الشبهة: قالوا إن عائشة ﵂ كانت تسخر منها وتغتابها لما روي أنها ربطت حقويها بسبيبة وألقتها خلف ظهرها فقالت عائشة لحفصة انظري إلى هذا الذي تجره خلفها كأنه لسان كلب، وكذلك كانت تقول إنها قصيرة فهل هذا صحيح؟ . والرد على ذلك أن القصة ليس لها إسناد، فلا عبرة بها، وقد نسبها بعض العلماء إلى أم سلمة وبعضهم إلى زينب بنت خزيمة والكل بلا إسناد. قال القرطبي: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ (الحجرات: ١١): قال المفسرون: نزلت في امرأتين من أزواج النبي ﷺ سخرتا من أم سلمة، وذلك أنها ربطت خصريها بسبيبة -وهو ثوب أبيض- وسدلت طرفيها خلفها فكانت تجرها، فقالت عائشة لحفصة: انظري! ما تجر خلفها كأنه لسان كلب، فهذه كانت سخريتهما. وقال أنس وابن زيد: نزلت في نساء النبي ﷺ ، عيرن أم سلمة بالقصر. وقيل: نزلت في عائشة، أشارت بيدها إلى أم سلمة، يا نبي الله إنها لقصيرة (١). قلت: وهو كما قال القرطبي ﵀ في كتب التفسير وهو في أم سلمة لا في زينب بنت خزيمة، ولا إسناد له، ومثل هذا لا عبرة به. والله أعلم. وقال الآلوسي: بعد أن ذكر ما قيل في أم سلمة: وما روي عن عائشة أنها كانت تسخر من زينب بنت خزيمة الهلالية وكانت قصيرة فنزلت (٢). قلت: فهذا الآلولسي ذكر نسبة القصر من عائشة إلى زينب ولكن من غير إسناد كذلك وذكرها أيضا الواحدي من غير إسناد (٣) ولا عبرة به، (٤).

стр. 4993

٨ - أخلاق عائشة مع أم سلمة ﵄ -. نص الشبهة: لقد زعم البعض أن زواج النبي ﷺ بأم سمة قد صنع شرخًا في العلاقة بين النبي ﷺ وبين عائشة. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: سيرة النبي ﷺ مع عائشة بعد زواجه بأم سلمة. الوجه الثاني: أن الروايات الواقعة في ذلك ضعيفة جدًّا لا يعتمد عليها. وإليك التفصيل الوجه الأول: أن سيرة النبي ﷺ مع عائشة بعد زواجه بأم سلمة ﵂ لم يظهر فيها أي تغير ولا يزال النبي ﷺ يسأل من أحب الناس إليك فيقول: عائشة، وحتى رقد ﷺ على فراش الموت استأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة ﵂، وقدر الله لها أن يموت النبي ﷺ بين سحرها ونحرها؛ وفي هذا وغيره أحاديث صحيحة سبق تخريجها في باب: فضائل عائشة ﵂، وهذا يُبين لنا كذب هذه الدعوى التي قامت على خلاف الواقع بين النبي ﷺ وعائشة حتى رحيله عنا ﷺ . الوجه الثاني: أن الروايات الواقعة في ذلك ضعيفة جدًّا لا يعتمد عليها، وها هي: الرواية الأولى: عن هند بنت الحارث الفراسية قالت: قال رسول الله: إن لعائشة مني شعبة ما نزلها مني أحد، فلما تزوج أم سلمة سئل رسول الله ﷺ ، فقيل: يا رسول الله، ما فعلت الشعبة فسكت رسول الله، فعرف أن أم سلمة قد نزلت عنده. (١) والجواب عن هذه الرواية من وجوه: الأول: أنها من طريق محمد بن عمر الواقدي وهو متروك كما سبق؛ مع كونه مرسلًا، وله طريق أخرى إلى هند عند الحاكم في المستدرك ولا تصح. (٢)

стр. 4994

وللحديث طريق ثالثة: عن هند بنت الحارث به. (١) وإسناده إليها صحيح ولكنه مرسل، ولا يقال: إن هذا يقويه ما قبله، لأن الروايات الثلاث تنتهي إلى هند بنت الحارث. والوجه الثاني: وهو على فرض صحة الرواية فليس فيها هذا الشرخ المزعوم ولا ما في معناه من ضعف العلاقة بين عائشة والنبي ﷺ ، وغاية ما فيه أن النبي ﷺ سكت في هذه الرواية، ولكنه صرح في غيرها أن أحب الناس إليه عائشة، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة سبق ذكرها. وكما هو معلوم أن من أراد السلامة في باب من أبواب العلم لا ينهي البحث فيه حتى يجمع كل الروايات الخاصة به في غالب ظنه، ثم يجمع بينها ويبني على ذلك الجمع أو الترجيح عقيدته ولا يلتقط نصًا واحدًا ويدع نصوصًا كثيرة أوضح منه وأصرح. الوجه الثالث: أن هذا السؤال على فرض صحته أيضًا ربما كان في حضرة أم سلمة فسكت النبي ﷺ لئلا ينكسر قلبها في أول زواجه بها، ومما يؤيد ذلك أنها ذكرت للنبي ﷺ قبل أن يتزوجها أنها تغار، ومما يخفف الغيرة أن لا يتحدث الرجل كثيرًا عن حبه لإحدى الزوجتين أمام الأخرى حفاظًا على قلبها، فلو صحت الرواية لكنا أسعد الناس بها. الوجه الرابع: معرفة النبي ﷺ بغيرة أم سلمة فسكت مراعاة لذلك، وإليك هذه الرواية: عن أم سلمة أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها، إلا أخلف الله له خيرا منها"، قالت: فلما مات أبو سلمة، قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ، ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله ﷺ ، قالت: أرسل إلي رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له، فقلت: إن لي بنتا وأنا غيور، فقال: "أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها، وأدعو الله أن يذهب بالغيرة" (٢).

стр. 4995

ومعلوم أن سكوت النبي ﷺ في مثل هذا الموقف يعد من الأخذ بالأسباب التي تخفف الغيرة. الرواية الثانية: التي استدلوا بها على ما ذهبوا إليه من الطعن في أم المؤمنين - ضي الله عنها-: عن عائشة قالت: لما تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة حزنت حزنًا شديدًا لما ذكروا لنا من جمالها، قالت: فتلطفت لها حتى رأيتها، فرأيتها والله أضعاف ما وصفت لي في الحسن والجمال، قالت: فذكرت ذلك لحفصة، وكانتا يدًا واحدة، فقالت: لا والله، إن هذه إلا الغيرة ما هي كما يقولون، فتلطفت لها حفصةُ حتى رأتها، فقالت: قد رأيتها ولا والله ما هي كما تقولين ولا قريب؛ وإنها لجميلة، قالت: فرأيتها بعد فكانت لعمري كما قالت حفصة، ولكني كنت غيري (١). والرد على ذلك من وجوه: أحدها: أن الحديث من رواية الواقدي وهو متروك. الثاني: أنه لو صح لما كان فيه طعن في عائشة؛ لأن أمر الغيرة معفوُّ عنه كما سبق. الثالث: أن أم المؤمنين ﵂ هي التي روت ذلك على فرض صحته، فلو كان فيه شيء يسيء إليها كما يقولون ما نقلته، ولكنها تنقل ما لها وما عليها حفظًا لدين الله تعالى وهذا من أعظم المناقب. الرابع: أن غيرة المرأة على زوجها تعني حبها له، وهذا ما كان بالفعل من أزواج النبي ﷺ . الرواية الثالثة: التي استدل بها مَنْ أساء الفهم على سوء الأخلاق من عائشة تجاه أم سلمة: عن أم سلمة: أنها أتت بطعام في صحفة لها إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، فجاءت عائشة متزرة بكساء ومعها فهر ففلقت به الصحفة، فجمع النبي ﷺ بين فلقتي الصحفة ويقول: "كلوا غارت أمكم" مرتين، ثم أخذ رسول الله ﷺ صحفة عائشة فبعث بها إلى أم

стр. 4996

سلمة وأعطي صحفة أم سلمة عائشة. (١) وهذه رواية صحيحة، أما موضع الاعتراض فهو من الغيرة، ويرون فيها إساءة لأم سلمة. والرد على ذلك من وجوه. الأول: ما سبق ذكره وبيانه من أن الغيرة معفوُّ عنها في نحو هذه الحدود. الثاني: ومن الجبلة والفطرة أن الإنسان ربما يغار، وخاصة إذا كان مع أهل الفضل، فنساء النبي ﷺ تصيبهن الغيرة، وهذا قد يكون -في بعض الأحوال- من أصالة المرأة؛ لأنها إذا كملت محبتها لزوجها تفانت في هذه المحبة إلى درجة أنها تغار، فلما أُتي بالطعام غارت أم المؤمنين عائشة ﵂، فضربت القصعة فكسرتها وسقط الطعام، حتى ورد في الخبر أن النبي ﷺ جعل يقول: "غارت أمكم، غارت أمكم، غارت أمكم"، ومَنْ الذي لا يغار على رسول الله ﷺ ؟ ! فلما كسر الإناء وذهب الطعام ندمت عائشة -رضي الله عنا-، وسألت رسول الله ﷺ عن هذا الأمر؛ لأن الله لا يضيع سعي العبد إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، فسألت رسول الله ﷺ عن ما صنعت، فأمرها رسول الله ﷺ بالضمان وقال: "إناء كإناء، وطعام كطعام" أي: اضمني إناءً مثل الإناء الذي كسرتيه، واضمني طعامًا مثل الطعام الذي أتلفتيه. (٢)

стр. 4997

فوضح بهذا أن هذه الغيرة فطرية طبيعية لاشيء فيها، بخلاف الغيرة التي تصل إلى حالة المرض والعياذ بالله، ولم يقع منها شيء في البيت النبوي بحمد الله. الثالث: أن مثل هذه الأمور تحدث في البيت النبوي لنتعلم كيف نتصرف فيها إذا حدثت لنا، لأن لنا في رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة، وبهذه المناسبة نذكر بعض الفوائد من هذا الحديث فانظرها في الحاشية. (١)

стр. 4998

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4999

الرواية الرابعة: عن عائشة تقول يومًا: دخل عليَّ يومًا رسول الله ﷺ ، فقلت: أين كنت منذ اليوم؟ قال: "يا حميراء، كنت عند أم سلمة"، فقلت: ما تشبع من أم سلمة! قالت: فتبسم، فقلت: يا رسول الله، ألا تخبرني عنك لو أنك نزلت بعدوتين إحداهما لم تُرْعَ والأخرى قد

стр. 5000

رُعيت؛ أيهما كنت ترعى؟ قال: "التي لم تُرْعَ"، قلت: فأنا ليس كأحد من نسائك، كلُّ امرأة من نسائك قد كانت عند رجل غيري، قالت: فتبسم رسول الله ﷺ . (١) والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: أن هذا الحديث بهذا السياق والتمام لا يصح؛ لأنه من رواية الواقدي؛ وهو متروك الرواية متهم بالكذب، وفاطمة بنت مسلم لم أجد من ترجم لها بجرح أو تعديل، وبناء على ذلك فالزيادات التي انفردت بها هذه الرواية لا تقبل ولا يعول عليها، ومن هذه الزيادات قولها: ما تشبع من أم سلمة؛ فهذه الفقرة لا تصح. الوجه الثاني: ولو صحت لكانت محمولة على الغيرة التي تدل على حب عائشة لزوجها رسول الله ﷺ وما العيب في ذلك؟ وقد سبق الكلام عن الغيرة. الوجه الثالث: مثال العدوتين الذي ضربته عائشة لرسول الله ﷺ له أصل في الصحيح وهو من مناقب عائشة في ﵂ بالمقارنة مع سائر أمهات المؤمنين، وهذا واضح عند أصحاب الفطر السليمة. وها هو الحديث الصحيح بذلك: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت لو نزلت واديًا وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرًا لم يؤكل منها، في أيها كنت ترتع بعيرك؟ قال: "في التي لم يرتع منها". تعني: أن رسول الله ﷺ لم يتزوج بكرًا غيرها. (٢) وهذه الرواية الصحيحة لا تعلق لها بأم سلمة على الخصوص، وإنما هي تدل بنفسها على من أرسله الله بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا بذكر شيء خصها الله به من دون نساء النبي ﷺ ، وفي هذه الرواية الصحيحة فوائد، منها ما يلي: ١ - أن النبي ﷺ لم يتزوج بكرًا غيرها وهذه خصوصية لها من دون نساء النبي ﷺ . ٢ - وهذا أحد الوجوه التي بها يندفع كون زواجه ﷺ لأجل الشهوة والدنيا، فلو كان

стр. 5001

الأمر كذلك لاستكثر من الأبكار، وقد سبق الكلام في هذه. ٣ - ومنها أنها كانت أحب أزواج رسول الله ﷺ إليه، كما ثبت ذلك عنه في البخاري وغيره، أنه سئل: أيُّ الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة". قيل: فمن الرجال؟ قال: "أبوها". (١) وأما قول النبي ﷺ : "يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة؛ فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها". (٢) فهل هذا يدل على أن أم سلمة لم تكن ترتاح إلى عائشة مِنْ جراءِ كسر الصحفة لها؟ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: ذكر سياق القصة يدل على أن أم سلمة ذكرت ذلك في مناقب عائشة وعنها روت عائشة القصة، ولولا أن أم سلمة قالت ذلك لعائشة ولغيرها من نساء النبي ﷺ لما علمناه وإليك هذا السياق: عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة، فقلن: يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري رسول الله ﷺ أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيثما كان أو حيثما دار، قالت: فذكرت ذلك أمُّ سلمة للنبي ﷺ ، قالت: فأعرض عني، فسألنها فقالت: ما قال لي شيئًا، فقلن لها: فكلميه، فلما عاد إلي ذكرت له ذلك فأعرض عني، قالت: فكَلَّمَتْهُ حين دار إليها أيضًا، فلم يقل لها شيئًا، فسألنها، فقالت: ما قال لي شيئًا، فقلن لها: كلميه حتى يكلمك، فدار إليها، فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال: "يا أم سلمة، لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها، قالت: فقالت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله، ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ تقول: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر، فكلمته فقال: "يا بنية ألا تحبين ما أحب؟ "، قالت: بلى، فرجعَت إليهن فأخبرتهن فقلن: ارجعي إليه فأبت أن ترجع، فأرسلن زينب

стр. 5002

بنت جحش، فأتته فأغلظت وقالت: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت ابن أبي قحافة، فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة فسبتها، حتى إن رسول الله ﷺ لينظر إلى عائشة هل تَكَلَّمُ، قال: فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها، قالت: فنظر النبي ﷺ إلى عائشة وقال: "إنها بنت أبي بكر" (١)، وفي مسند أحمد من رواية أم سلمة أن أم سلمة قالت: فقالت أعوذ بالله أن أسوءك في عائشة. (٢) قلت: فهذا صريح في أنها ذكرت ذلك لرسول الله فيما بينه وبينها، ثم أعرض عنها، ثم قال لها بعد ذلك هذا القول، فنقلته على أنه منقبة وفضيلة لعائشة ﵂، وهو كذلك. والحمد لله. الوجه الثاني: ويبدو كذلك من السياق أن عائشة ترى فيها فضيلة لأم سلمة على أساس أنها هي التي اختيرت من نساء النبي ﷺ لأداء هذه الرسالة. - وقد سبق القول بأن هذا الذي جرى بين أزواج النبي ﷺ إنما باعثه الغيرة التي باعثها حب النبي ﷺ ، والتنافس الشريف على قلبه ووده، على أن الغيرة طبعية لا لوم فيها إكرامًا للمرأة في الإسلام. - لا يوجد في سياق القصة ما يدل على سوء العلاقة بينهما، أو أن أم سلمة لم تكن ترتاح لعائشة ﵅ جميعًا. - ثم إن عائشة هي التي روت القصة فلو كان فيها شيء يسيء إليها وهي على سوء لما نقلته، فلما نقلته قلنا: إما أن يكون فيه شيء ضدها أولا، فإن لم يكن وهذا واضح فهذا أدلُّ على نبلها وحرصها على تبليغ دين الله للناس؛ لما في هذه القصة من فوائد تدل على فضيلة لعائشة وأم سلمة، ويظهر من السياق كذلك أن أم سلمة لم تكن هي المنفردة بهذا الطلب، وفي مسند أحمد أن أم سلمة هي التي روت القصة، ونفس الكلام يقال فيها كما قيل في عائشة بل أوضح. ولهم شبهة أخرى على هذا الحديث وهي كيف ينزل القرين على النبي ﷺ وهو في ثوب عائشة ؟ والرد على ذلك من وجوه:

стр. 5003

أولًا سياق الحديث: قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة، فقلن: يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري رسول الله ﷺ أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيثما كان أو حيثما دار، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي ﷺ ؛ قالت: فأعرض عني، فلما عاد إلي ذكرت له ذلك فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال: "يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة؛ فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها". (١) ثانيًا معنى قوله ﷺ : "والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها". ١ - نعلم أولًا أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، والسنة تفسر بعضها بعضًا، والسنة أيضًا تفسر القرآن كما كان يفعل الرسول ﷺ ، وحرف (في) هو الذي يسبب للنصارى سوء فهم بسبب ضعفهم اللغوي، فقد قال فرعون عن السحرة: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (طه: ٧١)، ومن الطبيعي ألا يقول عاقل: إن السحرة صلبهم فرعون في داخل النخل، ولكن (في) هنا تعنى: على النخل. ٢ - أطلق القرآن على النساء والرجال لفظ لباس: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (البقرة: ١٨٧)، ولا يعني هذا أن المرأة بنطلون للرجل أو أن الرجل فستان للمرأة كما يفهم النصارى وطبيعي أن المفهوم من الآية: أنه كما تستر الملابس الجسد فإن المرأة تستر زوجها من الزنا والمعاصي، وكذلك الرجل يستر زوجته ويعفها. ٣ - لكي نفهم معنى: "في ثوب عائشة" لابد من البحث عن القصة بكل ملابساتها وظروفها في أحاديث أخرى في النقاش الذي كان بين الرسول ﷺ ونسائه وهنا يتضح لنا المقصود والمعنى، فبعض الأحاديث وردت بلفظ لباس وبعضها بلفظ لحاف، ومن هنا يتضح أن المقصود بالثوب هو اللحاف وهو الغطاء أو السترة؛ لأن كل نساء النبي ﷺ لهن سترة، ولكن لم يأتِ الوحي إلا في بيت عائشة وهذا لفضلها ومن مناقبها ﵂. ٤ - وعلى هذا نفهم من الحديث أن أم المؤمنين السيدة عائشة هي الوحيدة من زوجات

стр. 5004

النبي ﷺ التي كان ينزل الوحي عليه وهو نائم بجانبها في الفراش، أو بمعنى آخر في فراشها دون وضع جماع، وفي اللغة العربية من الممكن التعبير بالجزء عن الكل إذا اعتبرنا أن الثياب ملازم للمرء وملامس لجسده، وكذلك الفرش واللحاف لا يستغنى عنه المرء ودائمًا ما يتردد عليه المرء للنوم ويكون مهادًا ورداءً لجسده. ثالثًا: من خلال هذا التقرر نفهم أن معنى الثياب أو اللحاف ما يتغطى به الرجل مع امرأته حال النوم، وإنما نسب إلى عائشة وإن كان ملكًا للنبي ﷺ ؛ لأن له أكثر من زوجة، فمن اللائق أن ينسب اللحاف الذي يتغطى به مع كل واحدة إليها، وفي وضع النوم تحت اللحاف نزل الوحي وهذه فضيلة لعائشة ﵂. ٥ - ويبقى لنا سؤال: كيف خلع المسيح ثيابه ونشف قدم التلاميذ وبقى عريانًا؟ هل هذا يليق برب خالق ومعبود؟ ! وإليكم النص من إنجيل يوحنا ١٣/ ٥: (ثم صب ماء في مغسل وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان متزرًا بها). الرواية الخامسة من الروايات التي يرون فيها دليلًا على سوء الأخلاق في بيت النبي ﷺ . عن عائشة قالت: كانت عندنا أم سلمة، فجاء النبي ﷺ عند جنح الليل، قالت: فذكرت شيئًا صنعه بيده، قالت: وجعل لا يفطن لأم سلمة، - قالت: وجعلت أومئ إليه حتى فطن، قالت أم سلمة: أهكذا الآن؟ أما كانت واحدة منا عندك إلا في خِلَابَةٍ (١) كما أرى؟ وسبت عائشة، وجعل النبي ﷺ ينهاها فتأبى، فقال النبي ﷺ : "سيبها"، فسبتها حتى غلبتها، فانطلقت أم سلمة إلى عليّ وفاطمة فقالت: إن عائشة سبتها وقالت لكم وقالت لكم، فقال عليّ لفاطمة: اذهبي إليه فقولي: أن عائشة قالت لنا وقالت لنا، فأتته فذكرت ذلك له، فقال لها النبي ﷺ : "إنها حِبَّةُ أبيك ورب الكعبة"، فرجعت إلى عليّ فذكرت له الذي قال لها، فقال: أما كفاك إلا أن قالت لنا عائشة وقالت لنا، حتى أَتَتْكَ

стр. 5005

فَاطِمَةُ فقلت لها: إنها حبة أبيك ورب الكعبة. (١) والجواب من وجوه: ١ - الحديث بهذا السياق منكر كما قال ابن كثير ﵀: وعلي بن زيد ضعيف، وأم محمد مجهولة، وقد اضطرب فيه فجعل القصة مرة مع زينب ومرة مع أم سلمة. ٢ - وعلى فرض أنه صحيح فالجواب عليه من وجوه: أحدها: أن الحامل لزينب على هذا هو الغيرةُ؛ وقد سبقت الإجابة عنها. فالغيرة الزوجية غريزة أو عاطفة في الرجال والنساء، وهي فيهن أشدُّ ولاسيما إذا تعددن عند الرجل. ولئن كان أزواج النبي ﷺ كلهن يغرن من عائشة لعلمهن أنها الأحب إليه فلهي كانت أشدهن غيرة، حتى كانت تغار من خديجة وهي لم ترها، وفي كتب السيرة والسنة أحاديث كثيرة تتحدث عن غيرة عائشة، وغيرة بقية نسائه .. وكان رسول الله ﷺ يعالج كل ذلك بالصبر والأناة والحلم والتسامح. ثانيهما: أن المراد بالسب ما يناسب أهل الفضل إذا اختلفوا؛ كما يقول أحدهم: هذا ظلم أو اتق الله وقد أخذت ما لا يحل لك، أما السب الذي يحدث بين السوقة والعامة فيستحيل أن يكون في بيت النبي ﷺ وعلى مرأى منه ومسمع، وقولها: (حتى أَنْحَيْت (٢) عليها) أي: بالغت في جوابها وأفحمتها. (٣) ٣ - إن عائشة لم تتكلم حتى عرفت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن تنتصر، ولما انتصرت

стр. 5006

كان ذلك شبيها بالمناظرات بين أهل العلم وقد كان بكل أدب، ولهذا قال النبي ﷺ في الرواية الصحيحة: "إنها ابنة أبي بكر" إشارة إلى كمال فهمها وحسن منطقها، قال ابن الملك وفي الحديث دلالة على جواز الانتقام بالحق لكن العفو أفضل لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. (١) وفي قوله: "إنها ابنة أبي بكر" إشارة إلى كمال فهمها ومتانة عقلها حيث صبرت إلى أن ثبت أن التعدي من جانب الخصم ثم أجابت بجواب إلزام. (٢) ٤ - وجاء في الرواية الصحيحة التي وقدت مع زينب ﵂ ما يدل على الإنصاف والعدل وسمو الأخلاق من عائشة ﵁؛ حيث قالتْ قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ ، ولم أرَ قط خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرب به إلى الله ، ما عدا سَوْرَة (٣) من حد كانت فيها تسرع منها الفيئة. ٥ - إن الرد الذي وقع من عائشة على زينب في الرواية الصحيحة كان بإذن النبي ﷺ وكان ردًا مؤدبًا، ومع ذلك فهو من باب الانتصار الذي قال الله فيه: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾. ٦ - قوله: "لا يكره أن انتصر" ليس فيه دليل على أن النبي ﷺ أذن لعائشة، ولا أشار بعينه ولا غيرها، بل لا يحل اعتقاد ذلك؛ فإنه ﷺ تحرم عليه خائنة الأعين، وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها فلم ينهها. (٤) وخلاصة القول: إن هذا السياق منكر لا يصح، وما وافق منه الحديث الصحيح فهو في الرد على زينب وتوجيهه ما سبق. والله أعلم. * * *

стр. 5007

٩ - أخلاق عائشة مع زينب بنت جحش ﵄ - هذه الشبهة تتعلق بزواج النبي ﷺ من زينب بنت جحش وما ترتب على ذلك من أخلاق لعائشة معها بعد وقوع المنافسة بينهما على قلب النبي ﷺ حيث زعموا أن زواج زينب أحدث صراعًا بين عائشة وزينب مما يدل على سوء أخلاق السيدة عائشة ﵂. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: ذكر الآية وبيان الصحيح من كلام المفسرين عليها . الوجه الثاني: موقف عائشة ﵂ ليلة زواج النبي ﷺ من زينب. الوجه الثالث: ثناء عائشة ﵂ على زينب. الوجه الرابع: إخبار عائشة ﵂ عن زينب أنها تسارع في الخير. الوجه الخامس: براءتها من الوقوع في عرض السيدة عائشة في قصة الإفك وثناء عائشة عليها. الوجه السادس: إخبار عائشة ﵂ أن زينب كانت تكرم النبي ﷺ في نوبة غيرها وتسقيه عسلًا. الوجه السابع: إخبار عائشة ﵂ عن زينب بأنها كانت تعمل وتتصدق. وإليك التفصيل. الوجه الأول: ذكر الآية وبيان الصحيح من كلام المفسرين عليها. قال الله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (الأحزاب: ٣٧). ١ - عن علي بن الحسين: أن النبي ﷺ كان قد أوحى الله تعالى إليه أن زيدًا يطلق زينب وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها، فلما تشكى زيد للنبي ﷺ خلق زينب وأنها لا تطيعه، وأعلمه أنه يريد طلاقها قال له رسول الله ﷺ على جهة الأدب والوصية: "اتق الله في قولك وأمسك عليك زوجك"، وهو يعلم أنه سيفارقها ويتزوجها هو، وهذا هو الذي أخفى في نفسه ولم يرد أن يأمره بالطلاق لما علم أنه سيتزوجها، وخشي رسول الله ﷺ أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب بعد زيد، وهو مولاه وقد أمره بطلاقها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر، من

стр. 5008

أن خشي الناس في شيء قد أباحه الله له بأن قال: أمسك مع علمه بأنه يطلق (١)، وأعلمه أن الله أحق بالخشية: أي في كل حال، قال علماؤنا -رحمة الله عليهم-: وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين كالزهري، والقاضي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي، وغيرهم. والمراد بقوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ إنما هو إرجاف المنافقين؛ بأنه نهى عن تزويج نساء الأبناء وتزوج بزوجة ابنه، فأما ما روي أن النبي ﷺ هوى زينب امرأة زيد، وربما أطلق بعض المُجَّان لفظ عشق فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي ﷺ عن مثل هذا، أو مستخف بحرمته، قال الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأسند إلى علي بن الحسين قوله: فعلي بن الحسين جاء بهذا من خزانة العلم جوهرًا من الجواهر، ودررًا من الدرر، أنه إنما عتب الله عليه في أنه قد أعلمه أن ستكون هذه من أزواجك، فكيف قال بعد ذلك لزيد: أمسك عليك زوجك؟ وأخذتك خشيةُ الناس أن يقولوا: تزوج امرأة ابنه والله أحق أن تخشاه. اهـ. (٢) ومن خلال هذا يبدو أن السبب في طلاق زيد لزينب ومن ثم زواج النبي ﷺ منها: هو ما كان بين زيد وبين زينب من خلافات، وأنه لم يكن بينهما وئام يؤمل معه أن تبقى الحياة الزوجية بينهما، فطلقها بمحض اختياره ورغبته، وكان رسول الله ﷺ ينهاه عن ذلك، وقد كان الله قد أعلم نبيه ﷺ أن زيذا سيطلق زينب، وأنها ستكون زوجة له، وأنه ﷺ كان يخفي هذا، ويخشى من مقولة الناس أنه تزوج مطلقة مَنْ كان يُدْعَى إليه، فعاتبه ربه على ذلك. (٣)

стр. 5009

٢ - فإن قيل لأي معنى قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وقد أخبره الله أنها زوجه؟ قلنا: أراد أن يختبر منه ما لم يُعلِمْه الله من رغبتِه فيها أو رغبتِه عنها، فعلم نفرة زيد عنها من جوابه له. فإن قيل: كيف يأمره بالتمسك بها وقد علم أن الفراق لا بد منه، وهذا تناقض؟ قلنا: بل هو صحيح للمقاصد الصحيحة لإقامة الحجة ومعرفة العاقبة، ألا ترى أن الله تعالى يأمر العبد بالإيمان وقد علم أنه لا يؤمن؟ فليس في مخالفة متعلق الأمر لمتعلق العلم ما يمنع من الأمر به عقلًا وحكمًا وهذا من نفيس العلم فتيقنوه وتقبلوه. (١) ٣ - وقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ أي: إنما أبحنا لك تزويجها، وفعلنا ذلك لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء، وذلك أن رسول الله ﷺ كان قبل النبوة قد تبنى زيد بن حارثة ﵁ فكان يقول له: زيد بن محمد، فلما قطع الله تعالى هذه النسبة بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ثم زاد ذلك بيانًا وتأكيدًا بوقوع تزويج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش ﵂ لما طلقها زيد بن حارثة ﵁ ولهذا قال تعالى في آية التحريم ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ليحترز من الابن الدعي فإن ذلك كان كثيرًا فيهم وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أي: وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدره الله تعالى وحتمه وهو كائن لا محالة، كانت زينب ﵂ في علم الله ستصير من أزواج النبي ﷺ ، ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ أي: فيما أحل له وأمره به من تزويج زينب ﵂ التي طلقها دعيه زيد بن حارثة ﵁، وقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: هذا حكم الله تعالى في الأنبياء قبله لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حرج، وهذا رد على من توهم من المنافقين نقصًا في تزويجه امرأة زيد مولاه ودعيه الذي

стр. 5010

كان قد تبناه، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ أي: وكان أمره الذي يقدره كائنًا لا محالة وواقعًا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾؛ يمدح ﵎ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾ أي: إلى خلقه ويؤدونها بأماناتها ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ أي: يخافونه ولا يخافون أحدًا سواه فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاع رسالات الله تعالى، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي وكفى بالله ناصرًا ومعينًا ... وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ نهى أن يقال بعد هذا: زيد بن محمد أي: لم يكن أباه وإن كان قد تبناه، فإنه ﷺ لم يعش له ولد ذكر حتى بلغ الحلم. اهـ (١) الوجه الثاني: موقف عائشة ﵂ ليلة زواج النبي ﷺ من زينب . فعن أنس ﵁ قال: فخرج النبي ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: "السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله"، فقالت: وعليك السلام ورحمة الله كيف وجدت أهلك؟ " بارك الله لك (فيهن) "، فَتَقَرَّى حُجَرَ نِسَائِهِ كُلِّهِنَّ يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة .. (٢) قلت: ومحل الشاهد من الحديث واضح وهو قول عائشة ﵂ ليلة عرس زينب لرسول الله ﷺ كيف وجدت؟ أهلك بارك الله لك، وكذلك قال نساء النبي ﷺ ، ومَنْ مِنْ النساء تفعل هذا؟ ! الوجه الثالث: ثناء عائشة على زينب قالت عائشة: في زينب ﵂: وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ ، ولم أرَ امرأة قط خيرًا في الدين من زينب وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل
следующие страницы →