← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

أولها: ما معنى كلمة "البدء"؟ وأي بدء تعني؟ ما حده الزمني؟ وإذا كان له حد زمني فهل يكون له متعلق بالله؟ وهل ذلك مما يليق بكمال الله الذي لا يحصره شيء .. زمانًا ... ومكانًا؟ فالله سبحانه أول بلا ابتداء ويجيب النصارى: أي الأزل. لكن ذلك لا يسلم لهم، فإن الكلمة وردت في الدلالة على معان منها: ١ - وقت بداية الخلق والتكوين كما جاء في "في البدء خلق الله السموات والأرض" (التكوين ١/ ١)، ومثله قول المسيح عن إبليس أنه كان منذ البدء: " أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالًا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الحُقَّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَق" (يوحنا ٨/ ٤٤). ٢ - ومثله قاله متى على لسان المسيح، وهو يحاجج اليهود" قَالوا لَهُ: "فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلَاق فَتُطَلَّقُ؟ " ٨ قَال لهُمْ: "إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا." (متى ٧/ ١٩ - ٨)، ومعناه أن ذلك لم يكن مأذونًا به عند بداية الخليقة، وبداية الخلق لحظة مخلوقة، وليست الأزل الذي يسبق كل زمان. ٣ - وترد كلمة البدء أيضًا، ويراد منها فترة معهودة من الزمن كما في قول لوقا: "كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء" (لوقا ١/ ٢)، أي في أول رسالة المسيح. ٤ - ومثله قول يوحنا: " أيُّهَا الإِخْوَةُ، لَسْتُ أَكَتُبُ إِلَيْكُمْ وَصِيَّةً جَدِيدَةً، بَلْ وَصِيَّةً قَدِيمَةً كَانَتْ عِنْدَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ. الْوَصِيَّةُ الْقَدِيمَةُ هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتي سَمِعْتُمُوهَا مِنَ الْبَدْءِ." (يوحنا ١: ٢/ ٧). ٥ - ومثله أيضًا قول يوحنا: "وَلكِنْ مِنْكُمْ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ". لأَنَّ يَسُوعَ مِنَ الْبَدْءِ عَلِمَ مَنْ هُمُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ، وَمَنْ هُوَ الَّذِي يُسَلِّمُهُ." (يوحنا ٦/ ٦٤). ٦ - ومثله قوله في جواب اليهود لما سألوه: "فقالوا له: من أنت؟ فقال لهم يسوع: أنا من البدء ما أكلمكم أيضًا به" (يوحنا ٨/ ٢٥)، فكل هذه الاستعمالات لكلمة البدء لا

стр. 527

يراد منها الأزل، بل أوقات معينة حادثة. وعليه فلا يجوز قول النصارى، بأن المراد بالبدء هنا الأزل إلا بدليل مرجح. ويرجح الشيخ العلمي في كتابه الفريد "سلاسل المناظرات" بأن المعنى هنا هو بدء تنزل الوحي على الأنبياء، أي أنه كان بشارة صالحة عرفها الأنبياء كما في (إرميا ٣٣/ ١٤). (١) ثانيها: ما المقصود بالكلمة؟ هل هو المسيح علية السلام؟ أم أن اللفظ يحتمل أمورًا أخرى، وهو الصحيح. فلفظة "الكلمة" لها إطلاقات في الكتاب المقدس، منها: ١ - كتاب الله أو وحيه "وكانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا" (لوقا ٣/ ٢)، " أمي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها" (لوقا ٨/ ٢١) "لكن ليس هكذا حتى إن كلمة الله قد سقطت، لأن ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون" (رومية ٩/ ٦). ٢ - ومنها: الأمر الإلهي الذي به صنعت المخلوقات، كما جاء في المزامير "بكلمة الرب صنعت السموات، وبنسمة فيه كل جنودها .. لأنه قال فكان، هو أمر فصار" (المزمور ٣٣/ ٩ - ٦)، ولهذا المعنى سمي المسيح ﵇ كلمة، لأنه خلق بأمر الله، من غير سبب بشري قريب (أي من غير أب)، أو لأنه - حسب المعنى الأول - أظهر كلمة الله. ٣ - كما قد يسمى وعد الله كلمته؛ كما حكى النبي إرمياء استعجال بني إسرائيل ليوم البلاء والعذاب الذي أوعدهم الله إياه: "هَا هُمْ يَقُولُونَ لِي: "أَيْنَ هِيَ كلِمَةُ الرَّبِّ؟ لِتَأْتِ! " ١٦ أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَعْتَزِلْ عَنْ أَنْ أَكُونَ رَاعِيًا وَرَاءَكَ، وَلَا اشْتَهَيْتُ يَوْمَ الْبَلِيَّةِ." (إرمياء ١٧/ ١٥ - ١٦)، والمسيح وفق هذا المعنى كلمة الله؟ أي أنه الكلمة الموعودة المبشر بها على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وأما المعنى الذي يزعمه النصارى للكلمة (اللوغس)، وأنها الأقنوم الثاني للثالوث الأقدس، فلم يرد في كتب الأنبياء البتة. ثالثا: "وكان الكلمة الله" غاية ما يستدل بها أن المسيح ﵇ أطلق عليه: (الله)، كما أطلق على القضاة في التوراة "اللهُ قَائِمٌ فِي مَجْمَعِ اللهِ. فِي وَسْطِ الآلهِةِ يَقْضِي: ٢"حَتَّى مَتَى

стр. 528

تَقْضُونَ جَوْرًا وَتَرْفَعُونَ وُجُوهَ الأَشْرَارِ؟ " (المزمور ٨٢/ ١)، وكما سمي به أشراف اليهود في قول داود: "أحمدك من كل قلبي، قدام الآلهة أرنم لك" (المزمور ١٣٨/ ١)، وقد قال الله لموسى عن هارون: " وهو يكون لك فما، وأنت تكون له إلهًا" (الخروج ٤/ ١٦). وغيرهم كما سبق بيانه. رابعها: قوله: "والكلمة كان عند الله"، والعندية لا تعني المثلية، ولا المساواة. إنما تعني أن الكلمة خلقت من الله كما في قول حواء: "اقتنيت رجلًا من عند الرب" (التكوين ٤/ ١)، فقايين ليس مساويًا للرب، ولا مثله، وإن جاءها من عنده، وجاء في موضع آخر" وأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتًا ونارًا من عند الرب" (التكوين ١٩/ ٢٤). (١) وما نبه عليه العلامة ديدات إلى أن هذا النص، قد انتحله كاتب الإنجيل من فيلون الإسكندراني (ت ٤٠ م)، وأنه بتركيباته الفلسفية غريب عن بيئة المسيح وبساطة أقواله وعامية تلاميذه، وخاصة يوحنا الذي يصفه سفر أعمال الرسل بأنه عامي عديم العلم، فيقول: "فلما رأوا مجاهرة بطرس ويوحنا، ووجدوا أنهما إنسانان عديمًا العلم وعاميان تعجبوا" (أعمال ٤/ ١٣). (٢) خامسًا: نصوص نسبت أفعال الله إلى المسيح: أ. إسناد الخالقية لله بالمسيح: كما أسندت بعض النصوص الخالقية لله بالمسيح، فتعلق النصارى بها، ورأوها دالة على ألوهيته ومنها قول بولس عن المسيح: "فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلَاطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ" (كولوسي ١/ ١٦ - ١٧)، وفي موضع آخر يقول: "الله خالق الجميع بيسوع المسيح" (أفسس ٣/ ٩)، ومثله ما جاء في مقدمة يوحنا "كان في العالم، وكون العالم به، ولم يعرفه العالم" (يوحنا ١/ ١٥)، ومثله في (عبرانيين ١/ ٢) وغيرها.

стр. 529

والجواب من وجوه: ١ - أننا نلحظ ابتداء أن الخلق في كافة النصوص الكتابية مسند لله تعالى فقط، فقد قال سفر التكوين "في البدء خلق الله السماوات والأرض" (التكوين ١/ ١)، ولم يذكر خالقا شارك الله بالخلق أو كان واسطة تم الخلق من خلاله، وفي سفر إشعياء "هكذا يقول الله الرب خالق السموات" (إشعيا ٤٢/ ٥)، كما وقد قال بولس وبرنابا لأهل مدينة لسترة: "نبشركم أن ترجعوا من هذه الأباطيل إلى الإله الحي الذي خلق السماء والأرض والبحر وكل ما فيها" (أعمال ١٤/ ١٥)، فلم يذكر الكتاب خالقا سوى الله العظيم. وما بين أيدينا من أقوال بولس ويوحنا؛ فإنها إنما تتحدث عن الله الذي خلق بيسوع كما صنع المعجزات بيد يسوع (انظر أعمال ٢/ ٢٢)، ولا تذكر أنه هو الخالق أبدا، فغاية ما تحتمله هذه النصوص - لو سلم بصحتها - أن يقال بأن الله خلق بالمسيح ما خلق من الكائنات والمخلوقات. يقول القس جيمس أنس متحدثًا عن الأقانيم وأعمالها المختلفة: "ومن أمثلة التميز في الأعمال أن الآب خلق العالم بواسطة الابن" (١). وهذا المعنى جد غريب لم تنطق به أنبياء العهد القديم، ولا ذكره المسيح علية السلام، إنما ورد من كلام بولس ومقدمة يوحنا الفلسفية، المستمدة من الفكر الأفلوطيني والفلسفات الغنوصية؛ التي ترى أن الله أشرف من يخلق بنفسه، لذا ينيط هذا الفعل بالعقل الكلي أو الملائكة. ٢ - ولا يمكن أن يكون المسيح علية السلام خالقًا للسماوات والأرض وما بينهما؛ إذ هو ذاته مخلوق، وإن زعمت النصارى أنه أول المخلوقين، لكنه على كل حال مخلوق، والمخلوق غير الخالق" الذي هو صورة الله غير المنظور، بكر كل خليقة" (كولوسي ١/ ١٥). ٣ - ثم إن الذي عجز عن رد الحياة لنفسه عندما مات؛ لهو أعجز من أن يكون خالقًا للسماوات والأرض، أو أن تخلق به "فيسوع هذا أقامه الله" (أعمال ٢/ ٣٢)، ولو لم يقمه الله لما عاد من الموتى، وفي موضع آخر: "ورئيس الحياة قتلتموه الذي أقامه الله من الأموات"

стр. 530

(أعمال ٣/ ١٥)، ومثله قول بولس: "والله الآب الذي أقامه من الأموات" (غلاطية ١/ ١). ٤ - ويرى المحققون أن المقصود من هذه النصوص؛ أن المسيح خلقت به الخلائق خلقة الهداية والإرشاد، لا الإيجاد والتكوين، فتلك خلقة الله فحسب، والخلقة التي خلقها الله بالمسيح ﵇ هي الخلقة الجديدة، خلقة الهداية، التي تحدث عنها داود، وهو يدعو الله بقوله: "قلبًا نقيًّا اخلق في يا الله، وروحًا مستقيمًا جدد في داخلي" (المزمور ٥١/ ١٠). ومثله قال بولس عن المؤمنين بالمسيح: "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة" (كورنثوس (٢) ٥/ ١٧). وقال: "لَيْسَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلَا الْغُرْلَةُ، بَلِ الخلِيقَةُ الجدِيدَةُ." (غلاطية ٦/ ١٥). وفي موضع آخر يقول: "تلبسوا الإنسان المخلوق الجديد بحسب الله في البر" (أفسس ٤/ ٢٤). وعلى هذا الأساس؛ اعتبر يعقوب التلاميذ باكورة المخلوقات فقال: "شاء فولدنا بكلمة الحق، لكي نكون باكورة من خلائقه" (يعقوب ١/ ١٨) أي أوائل المهتدين الذين تلبسوا بالخليقة الجديدة. وعليه؛ فإن المقصود من خلق المسيح للبشر هو الخلق الروحي، إذ جعله الله محييا لموات القلوب وقاسيها. ٥ - لكن قائلًا قد يرد استدلالنا وتأولنا للنصوص بما يقرأه فيها من حديث عن خلق السماوات والأرض وما فيهما بالمسيح، فيرى أن النصوص التي يتعلق بها النصارى لا تتعلق بالبشر فقط؛ إذ فيها أن الله خلق به ما في السماوات والأرض، وهذا قد يراه البعض - ممن لم يعتد طريقة الأسفار في التعبير- مانعًا من صرف النص إلى الخليقة الجديدة. أما الذين اعتادوا على طريقة الأسفار في التعبير، فإنهم يرون في هذه النصوص مبالغة معهودة، حملتها مرارا الأسفار التوراتية والإنجيلية، ومن ذلك وصف العهد الجديد المسيح ﵇ والتلاميذ أنهم نور العالم، يقول يوحنا: "مَّ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا قَائِلًا: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلَا يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الحيَاةِ" (يوحنا ٨/ ١٢)، وقال لتلاميذه: "أنتم نور العالم" (يوحنا ٥/ ١٤). ومن المعلوم أنهم جميعًا كانوا نورًا استنار به المؤمنون، وأعرض عنه غيرهم، فأظلمت قلوبهم، ولا يمكن أن يدعى ظهور النور في الجماد والحيوان

стр. 531

الموجودين في العالم، فكما وصف النص يوحنا الإنجيلي المسيح وتلاميذه بنور العالم من غير أن يكون لهم أثر في إنارة غير قلوب المؤمنين من الكافرين أو الجمادات، فإنه وصف المسيح بأنه كان واسطة الخليقة الجديدة للعالم، والمقصود المؤمنون في العالم فحسب. ومثله أيضًا، قول بولس عن المصالحة التي تمت بدم المسيح فإنه يقول: "وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلًا الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كلانَ: مَا عَلَى الأَرْضِ، أَمْ مَا فِي السَّماوَاتِ." (كولوسي ١/ ٢٠)، مع أن المصالحة كما يجزم القس جيمس أنس خاصة بشعبه المفديين دون الجمادات والكائنات الكافرة التي في السماوات والأرض، فهؤلاء لا حظ لهم في المصالحة، التي قد يفهم من النص شمولها إياهم، كما قد يفهم من نصوص الخلق شموله غير المؤمنين. وقال بولس أيضًا عن الذين أرسل الله المسيح لفدائهم: " لِتَدْبِيِر مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي المسِيحِ، مَا فِي السَّماوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ" (أفسس ١/ ١٠). يقول القس جيمس أنس: " لا يمكن أن يكون معنى (كل شيء) العالمين، حيها وجمادها، كالشمس والقمر والنجوم، لأنها ليست قابلة للمصالحة مع الله؛ ولهذا السبب عينه لا يمكن أن يقصد جها كل الحيوان، ولا يمكن أن يقصد بها كل الخلائق العاقلة الساقطة؛ لأن المسيح لم يأت ليفتدي الملائكة الساقطين (عبرانيين ٢/ ١٦) ولا يقصد بها جميع البشر، لأن الكتاب يعلم أن ليس كل البشر يتصالحون مع الله" (١). ومثله أيضًا قوله: "لأنه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع" (كورنثوس (١) ١٥/ ٢٢)، فلئن كان الموت يشمل جميع البشر بسبب خطية آدم؛ فإن الذين يحيون جميع المؤمنين فحسب، لا جميع البشر الأموات الذين ماتوا بسبب خطيئة آدم. لكن النص كما رأينا يفهم من ظاهره ما لا يقصد، يفهم منه العموم ويراد به الخصوص، ومثل هذه المبالغات في التعبير -كما أسلفنا- معهودة ومألوفة في الكتاب، إذ يقول موسى لبني إسرائيل: " هوذا أنتم اليوم كنجوم السماء في الكثرة، الرب إلهكم يزيد عليكم مثلكم

стр. 532

ألف مرة" (التثنية ١/ ١٠ - ١١). ومثله في قوله: " وَكَانَ الْمِدْيَانِيُّونَ وَالْعَمَالِقَةُ وَكُلُّ بَنِي المشْرِقِ حَالِّينَ فِي الْوَادِي كَالجرَادِ فِي الْكَثْرَةِ، وَجِمَالهُمْ لَا عَدَدَ لهَا كَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ فِي الْكَثْرَةِ" (القضاة ٧/ ١٢). وتصل المبالغة عند يوحنا أقصاها حين قال: "وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ، إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً واحِدَةً، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ المكْتُوبَةَ" (يوحنا ٢١/ ٢٥)، فهذه المبالغة في الحديث عن خلقة الكون بالمسيح إنما هي بعض ما تعودناه من كتاب الكتاب المقدس. (١) ب. إسناد الدينونة إلى المسيح: وتتحدث الأسفار عن المسيح ﵇ وأنه ديان الخلائق يوم القيامة، يقول بولس: " أَنَا أُنَاشِدُكَ إِذًا أَمَامَ الله وَالرَّبِّ يَسُوعَ المسِيحِ، الْعَتِيدِ أَنْ يَدِينَ الأَحْيَاءَ وَالأَمْوَاتَ، عِنْدَ ظُهُورِهِ وَمَلَكُوتِهِ" (تيموثاوس (٢) ٤/ ١)، فيرون في ذلك دليلا على ألوهيته، لأن التوراة تقول: "الله هو الديان" (المزامير ٥٠/ ٦). والجواب من وجوه: ١ - توجد نصوص تمنع أن يكون المسيح المسيح عبيه السلام هو الديان "لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص به العالم، الذي يؤمن به لا يدان، والذي لا يؤمن قد دين، لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد" (يوحنا ٣/ ١٧)، فالمسيح لن يدين أحدا. وهو ما أكده يوحنا بقوله: "وإن سمع أحد كلامي ولم يؤمن فأنا لا أدينه، لأني لم آت لأدين العالم بل لأخلص العالم، من رذلني ولم يقبل كلامي فله من يدينه (أي الله وشرعه). الكلام الذي تكلمت به هو يدينه في اليوم الأخير" (يوحنا ١٢/ ٤٧ - ٤٨). وقال لهم أيضًا: أما أنا فلست أدين أحدا وإن كنت أدين فدينونتي حق لأنني لست وحدي بل أنا والآب الذي أرسلني (يوحنا ٨ - ٥). ٢ - والمسيح ﵇ لم يستطع أن يضمن الجنة لابني خالته وتلميذيه، ابني زبدي، لأن الله لم يأذن له بذلك، ومن كان هذا حاله فإنه عن الدينونة المطلقة أعجز، فقد جاءته أم ابني زبدي وكانا من تلاميذه "فسألها ما تريدين؟ قالت: أن يجلس ابناي هذان، واحد عن

стр. 533

يمينك، والآخر عن اليسار في ملكوتك. فأجاب يسوع، وأما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أعد لهم من أبي" (متى ٢٠/ ٢٠ - ٢٢). ٣ - وإن أصر النصارى على أن الدينونة من أعمال المسيح ﵇ فإن آخرين يشاركونه فيها، وهم تلاميذه الاثنا عشر، بما فيهم الخائن يهوذا الأسخريوطي "فقال لهم يسوع: الحق أقول لكم: إنكم أنتم الذين تبعتموني في التجديد، متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده؛ تجلسون أنتم أيضًا على اثني عشر كرسيًا، تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر" (متى ١٩/ ٢٨)، (وانظر لوقا ٢٢/ ٣٠). ٤ - وبولس أيضًا وغيره من القديسين سيمارسون الدينونة حتى للملائكة، حيث يقول: "ألستم تعلمون أن القديسين سيدينون العالم؟ ... ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة" (كورنثوس (١) ٦/ ٢ - ٣). فهو وغيره من القديسين سيدينون الملائكة والعالم، وليسوا آلهة. ٥ - ولا يفوتنا أن ننبه إلى أن دينونة المسيح للبشر - إن صحت - قد دفعها الله للمسيح الإنسان، فهو يصنعها بمقتضى إنسانيته "وأعطاه سلطانا أن يدين أيضًا، لأنه ابن الإنسان" (يوحنا ٥/ ٢٧). ج. غفران المسيح الذنوب . ومما يستدل به النصارى على ألوهية المسيح ﵇ ما نقلته الأناجيل من غفران ذنب المفلوج والخاطئة على يديه، والمغفرة - كما يرون - من خصائص الألوهية، وعليه فالمسيح إله يغفر الذنوب، فقد قال للخاطئة مريم المجدلية: "مغفورة لك خطاياك" (لوقا ٧/ ٤٨)، كما قال للمفلوج: " ثق يا بني، مغفورة لك خطاياك"، وقد اتهمه اليهود لما سمعوا ذلك منه بالتجديف فقالوا: " قالوا في أنفسهم: هذا يجدف" (متى ٩/ ٣)، أي أنه يدعي الإلهية حين يغفر للناس. والجواب ما يلى: ١ - إذا رجعنا إلى قصتي الخاطئة والمفلوج؛ فإنا سنرى وبوضوح أن المسيح السلام ليس هو من غفر ذنبيهما، ففي قصة المرأة لما شك الناس بالمسيح وكيف قال لها: "مغفورة خطاياك"، وهو مجرد بشر، أزال المسيح ﵇ اللبس، وأخبر المرأة أن إيمانها هو الذي

стр. 534

خلصها، ويجدر أن ننبه إلى أن المسيح لم يدع أنه هو الذي غفر ذنبها، بل أخبر أن ذنبها قد غفر، والذي غفره بالطبع هو الله تعالى. والقصة بتمامها كما أوردها لوقا: " وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ دَهَنَتْ بِالطِّيبِ رِجْلَيَّ. ٤٧ مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَقُولُ لَكَ: قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا الْكَثِيرَةُ، لأَنَّهَا أَحَبَّتْ كَثِيرًا. وَالَّذِي يُغْفَرُ لَهُ قَلِيلٌ يُحِبُّ قَلِيلًا". ٤٨ ثُمَّ قَال لهَا: "مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ". ٤٩ فَابْتَدَأَ المُتَّكِئُونَ مَعَهُ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ: "مَنْ هذَا الَّذِي يَغْفِرُ خَطَايَا أَيْضًا؟ ". ٥٠ فَقَال لِلْمَرْأَةِ: "إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ، اِذْهَبِي بِسَلَامٍ" (لوقا ٧/ ٤٦ - ٥٠)، فقد غفر الله لها بإيمانها، والمسيح أخبرها برحمة الله التي وسعتها، وأفهم الحاضرين بوضوح أنه لم يجدف ولم يدع لنفسه مغفرة الخطايا. وإذا كان يغفر الخطايا فلم لم يغفر الله خطيئة آدم لأن الإنسان يقدر أن يغفر والله لا يقدر وأيضًا لماذا لم يغفرها المسيح من غير قتل أو صلب يزيد الخطيئة ولا يمحوها؟ . (١) ٢ - وكذا في قصة المفلوج لم يدع المسيح أنه الذي يغفر الذنوب، فقد قال للمفلوج: "ثق يا بني، مغفورة لك خطاياك" فأخبر بتحقق الغفران، ولم يقل: إنه هو الغافر لذنوب المفلوج. ٣ - ولما أخطأ اليهود، ودار في خلدهم أنه يجدف، وبخهم المسيح على الشر الذي في أفكارهم، وصحح لهم الأمر، وشرح لهم أن هذا الغفران ليس من فعل نفسه، بل هو من سلطان الله، لكن الله أذن له بذلك، كما سائر المعجزات والعجائب التي كان يصنعها، وقد فهموا منه المراد، وزال اللبس من صدورهم، "فلما رأى الجموع تعجبوا، ومجدوا الله الذي أعطى الناس سلطانا مثل هذا". (متى ٩/ ٨). والقصة بتمامها كما أوردها متى تقول: "قَال لِلْمَفْلُوجِ: "ثِقْ يَا بُنَيَّ. مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ". ٣ وَإِذَا قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ قَدْ قَالوا فِي أَنْفُسِهِمْ: "هذَا يجدِّفُ! " ٤ فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ، فَقَال: "لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِالشَّرِّ فِي قُلُوبِكُمْ؟ ٥ أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَال: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَال: قُمْ وَامْشِ؟ ٦ وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الخطَايَا". حِينَئِذٍ قَال لِلْمَفْلُوجِ: "قُمِ احْمِلْ

стр. 535

فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ! " ٧ فَقَامَ وَمَضَى إِلَى بَيْتِهِ. ٨ فَلمَّا رَأَى الجُمُوعُ تَعَجَّبُوا وَمَجَّدُوا اللهَ الَّذِي أَعْطَى النَّاسَ سُلْطَانًا مِثْلَ هذَا." (متى ٩/ ٣ - ٨). فاتضح من هذا النص النص أمران: الأول: أن المسيح لم يقل للمفلوج: ثق يا بني لقد غفرتُ لك خطاياك! بل أنبأه قائلًا: مغفورة لك خطاياك. والفرق واضح بين الجملتين، فالجملة الثانية لا تفيد أكثر من إعلام المفلوج، بأن الله تعالى قد غفر ذنوبه، وليس في هذا الإعلام أي دليل على ألوهية المسيح، لأن الأنبياء والرسل المؤيدين بالوحي والمتصلين بجبريل الأمين، يطلعون بإطلاع الله تعالى لهم، على كثير من المغيبات والشؤون الأخروية ومنها العاقبة الأخروية لبعض الناس، كما أخبر نبينا محمد ﷺ عن بعض صحابته فبشرهم أنهم من أهل الجنة وعن آخرين فبشرهم أنهم من أهل النار. ثانيًا: قد يشكل على ما قلناه قول المسيح فيما بعد، ولكن لتعلموا أن لابن الإنسان سلطانا على الأرض أن يغفر الخطايا، فنسب غفران الخطايا لنفسه. قلنا: آخر النص يجعلنا نحمل هذه النسبة على النسبة المجازية، أي على معنى أن ابن الإنسان (المسيح) خوله الله أن يعلن غفران خطايا، وذلك لأن الجملة الأخيرة في النص السابق تقول: "فلما رأى الجموع ذلك تعجبوا ومجدوا الله الذي أعطى الناس سلطانا مثل هذا"، فالغافر بالأصل والأساس هو الله تعالى، ثم هو الذي منح هذا الحق للمسيح وأقدره عليه؛ لأن المسيح فنى في الله تعالى وكان على أعلى مقام من الصلة بالله والكشف الروحي ولا يتحرك إلا ضمن حكمه وإرادته فلا يبشر بالغفران إلا من استحق ذلك. ومما يؤكد أن غفران المسيح للذنوب هو تخويل إجمالي من الله تعالى له بذلك، وليس بقدرة ذاتيه له ﵇، هو أن المسيح، في بعض الحالات كان يطلب المغفرة للبعض من الله تعالى فقد جاء في إنجيل لوقا (٢٣/ ٣٤): " فقال يسوع: يا أبتاه! اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون". فانظر كيف طلب من الله غفران ذنبهم ولو كان إلهًا يغفر الذنوب

стр. 536

بذاته ومستقلًا، كما ادعوا، لغفر ذنوبهم بنفسه. (١) ٤ - وهذا السلطان دفع إليه، كما دفع كثير غيره من الله ﵎: "التفت إلى تلاميذه وقال: كل شيء قد دفع إلي من أبي" (لوقا ١٠/ ٢٢)، وإلا فهو لا حول له ولا قوة، قد قال في موضع آخر: "دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض" (متى ٢٨/ ١٨)، لكنه ليس سلطانه الشخصي، بل هو قد دفع إليه من الله، ولو كان إلهًا لكان هذا من خصائصه وقدراته الذاتية، لكنه يعجز عنه ﵇، لأنه عبد الله، وكما يقول عن نفسه: " أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئا" (يوحنا ٥/ ٣٠)، فلولا دفع الله بهذا السلطان إليه لما قدر على غفران ذنب أو خطيئة. ٥ - وسأل اليهود المسيح ﵇" وكلموه قائلين: قل لنا: بأي سلطان تفعل هذا؟ أو من هو الذي أعطاك هذا السلطان؟ " فلم يزعم المسيح أنه سلطان ذاتي امتلكه بموجب لاهوته الأزلي، بل سألهم عن السلطان الذي كان ليوحنا المعمدان في معمودية غفران الذنوب من أين هو؟ فقال: " وأنا أيضًا أسألكم كلمة واحدة، فقولوا لي: معمودية يوحنا المعمدان، من السماء كانت أم من الناس؟ " (لوقا ٢٠/ ٢ - ٤)، أي أنه يصنع الغفران وغيره بذات السلطان الذي كان للمعمدان، إنه سلطان النبوة فحسب. ٦ - وسلطان غفران الخطايا دفع أيضًا إلى غير المسيح ﵇، فقد دفع إلى التلاميذ، وأصبح بمقدورهم غفران الذنوب التي تتعلق بحقوقهم الشخصية، بل وكل الذنوب والخطايا، ومغفرتهم للذنوب الشخصية بحقهم يقول عنه المسيح: "إن غفرتم للناس زلاتهم؛ يغفر لكم أيضًا أبوكم السماوي، هان لم تغفروا للناس زلاتهم، لا يغفر لكم أبوكم أيضًا زلاتكم" (متى ٦/ ١٤ - ١٥). فيما يعطيهم يوحنا صكًا مفتوحًا في غفران أي ذنب وخطيئة، فيقول: "من غفرتم خطاياه تغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أمسكت" (يوحنا ٢٠/ ٢٣)، فهم كالمسيح ﵇، ومع ذلك فإن أحدًا من النصارى لا يقول بألوهيتهم!

стр. 537

٧ - وقد ورثت الكنيسة عن بطرس ما والتلاميذ هذا المجد وهذا السلطان؛ فأصبح القسس يغفرون للخاطئين عن طريق الاعتراف أو صكوك الغفران، واعتمدوا في إقرار ذلك على وراثتهم للسلطان الذي دفع لبطرس "أنت بطرس وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطا في السماوات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولا في السماوات .. " (متى ١٦/ ١٩)، فلو غفر بطرس أو البابا - وارث كرسيه ومجده - لإنسان غفرت خطيئته من غير أن يقتضي ذلك ألوهية بطرس أو البابا أو القسيس. ٨ - وهذا السلطان ليس خاصًّا ببطرس وورثته، بل دفع لكل التلاميذ" الحقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ. ١٩ وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: إِنِ اتَّفَقَ اثْنَانِ مِنْكُمْ عَلَى الأَرْضِ فِي أَيِّ شَيْءٍ يَطْلُبَانِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لهُمَا مِنْ قِبَلِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (متى ١٨/ ١٨ - ٢٠)، لكنه كما لا يخفى لا يعني ألوهيتهم، لأنه ليس حقًّا شخصيًا لهم، بل هبة إلهية وهبت لهم ولمعلمهم المسيح. هذا ما يذكره الكتاب المقدس. ٩ - ولما كان المسيح ﵇ لا يملكه من تلقاء نفسه؛ فقد طلب من الله أن يغفر لليهود، ولو كان يملكه لغفر لهم ولم يطلبه من الله كما في لوقا" فقال يسوع: يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لوقا ٢٣/ ٣٤). (١) سادسًا: دلالة معجزات المسيح على ألوهيته وتذكر الأناجيل الكثير من معجزات المسيح ﵇، وتستدل بها على ألوهيته كولادته من غير أب وإحيائه للموتى وشفائه للمرضى وإخباره بالغيوب. والجواب عن ذلك من وجهين: الوجه الأول: كل الأنبياء أيده الله بالمعجزة فليست خاصة بعيسى ﵇ وبناء عليه لاحظ المحققون - من قراء الكتاب المقدس - أن الكثير مما صنعه المسيح ﵇ من عجائب ومعجزات قد شاركه فيه غيره من الأنبياء، وسواهم، ولم يقل

стр. 538

أحد من النصارى بألوهيتهم، فدل ذلك على أن غاية ما تدل عليه المعجزات نبوة أصحابها، وإلا لزم القول بألوهية كل من شارك المسيح في الأعاجيب التي صنعها الله على يديه. وإليك شيء من هذه المعجزات التي شاركه فيها غيره. أ. الميلاد العذراوي: لقد كانت ولادة المسيح ﵇ من غير أب بشري إحدى أعظم معجزاته ﵇، وقد تعلق بها القائلون بألوهيته، يقول ياسين منصور: "لو لم يولد المسيح من عذراء لكان مجرد إنسان". (١) وهو بحق كذلك، بدليل أن بعض المخلوقات شارك المسيح في صورة هذه المعجزة الباهرة، أي ولادته من عذراء، من غير أب. فأصول سائر المخلوقات ومنهم البشر لا أب لهم ولا أم، ووجود آدم خلقًا سويًا أكبر وأكمل من خلقة المسيح الذي خلق جنينا في بطن أمه، ثم كبر بعد ذلك ونما. والميلاد من غير أب أعجوبة ولا ريب، لكنها لا تقتضي الألوهية بحال، ولو اقتضاها لاقتضى ألوهية أصول جميع الحيوانات، وألوهية أبوينا آدم وحواء، فقد ولد آدم من غير أب ولا أم، وولدت حواء من آدم، ولا أم لها. وذلك المعنى هو ما أرشدنا إليه الله بقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩]. ورغم المثلية القائمة بين آدم وعيسى من جهة ميلادهما من غير أب، إلا أن آدم يتميز عن عيسى بأمور، منها أن آدم ﵇ لم يخرج من بين نجو وطمث، وأيضًا فإن الله أسجد له ملائكته، وعلمه الأسماء من علمه، كما كانت الجنة منزله، وقد تولى الله مناجاته بنفسه دون أن يرسل إليه رسولًا، إلى غير ذلك مما لم يكن لعيسى ولا غيره. فما دام آدم مميزًا بكل هذه المميزات، فلم لا تقول النصارى بألوهيته؟ ! وممن فاق المسيح في هذه المعجزة - حسب الكتاب المقدس - ملكي صادق كاهن ساليم في عهد إبراهيم، فإن بولس يزعم أن لا أب له ولا أم ولا بداية ولا نهاية، يقول:

стр. 539

"ملكي صادق هذا ملك ساليم كاهن الله العلي ... بلا أب، بلا أم، بلا نسب، لا بداءة أيام له، ولا نهاية حياة، بل هو مشبه بابن الله، هذا يبقى كاهنا إلى الأبد" (عبرانيين ٧/ ١ - ٣)، فلم لا يقول النصارى بألوهية ملكي صادق، وهو الذي لا أب له ولا أم؟ ومثل هذا أيضًا يلزم النصارى بحق الملائكة، فهم أيضًا خلقوا من غير أب ولا أم، بل ولا طين، لكن النصارى لا تعتبرهم آلهة. وهكذا فالميلاد العذراوي لا يصلح دليلًا على الألوهية، وإن كان حدثًا فريدًا - نسبيًا - في تاريخ البشرية. ب. معجزة إحياء الموتى: لا ريب أن معجزة إحياء الموتى معجزة عظيمة من معجزات المسيح ﵇، وقد أثبتها القرآن له، وأخبر بأنها من عند الله ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]، وهو ما يتفق أيضًا مع الإنجيل، فقد قال عيسى للذين شاهدوه وعاصروه: "أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئًا" (يوحنا ٥/ ٣٠). لكن النصارى يصرون على أن إحياء الموتى يدل على ربوبية المسيح وألوهيته، ويتجاهلون نصوصًا كتابية أسندت ذات الفعل لغير المسيح. فلم لا تقول النصارى بألوهيتهم؟ ! . إن إعراض النصارى عن القول بألوهية هؤلاء، إنما هو دليل على بطلان الاستدلال لألوهية المسيح بمعجزة الخلق. ١ - فلئن كان المسيح أحيا لعازر (انظر يوحنا ١١/ ٤١ - ٤٤)، فإن النبي إلياس أحيا ابن الأرملة "وقال: أيها الرب إلهي، أيضًا إلى الأرملة التي أنا نازل عندها قد أسأت بإماتتك ابنها - وحاشا لله أن يسيء -، فتمدد على الولد ثلاث مرات، وصرخ إلى الرب وقال: يا رب إلهي لترجع نفس هذا الولد إلى جوفه. فسمع الرب لصوت إيليا، فرجعت نفس الولد إلى جوفه فعاش" (الملوك (١) ١٧/ ١٩ - ٢٤)، لذا خاطبه يشوع بن سيراخ: "أنت الذي أقمت ميتا من الموت" (ابن سيراخ ٤٨/ ٥). ٢ - واليسع أيضًا أحيا - بإذن الله - ميتين أحدهما أحياه حال حياته، والآخر بعد وفاته، فقد أحيا ابن الإسرائيلية التي جاءته "دخل أليشع البيت، وإذا بالصبي ميت ومضطجع

стр. 540

على سريره، فدخل وأغلق الباب على نفسيهما كليهما، وصلى إلى الرب، ثم صعد واضطجع فوق الصبي، ووضع فمه على فمه، وعينيه على عينيه، ويديه على يديه، وتمدد عليه، فسخن جسد الولد، ثم عاد وتمشى في البيت تارة إلى هنا وتارة إلى هناك، وصعد وتمدد عليه، فعطس الصبي سبع مرات، ثم فتح الصبي عينيه" (الملوك (٢) ٤/ ٣٢ - ٣٦). ٣ - كما أحيا اليسع بقدرة الله بعد موته ميتًا وضعه أهله على قبر اليسع، فعاد حيا "وَفِيمَا كَانُوا يَدْفِنُونَ رَجُلًا إِذَا بِهِمْ قَدْ رَأَوْا الْغُزَاةَ، فَطَرَحُوا الرَّجُلَ فِي قَبْرِ أَلِيشَعَ، فَلمَّا نَزَلَ الرَّجُلُ وَمَسَّ عِظَامَ أَلِيشَعَ عَاشَ وَقَامَ عَلَى رِجْلَيْهِ." (الملوك (٢) ١٣/ ٢١). ٤ - والعجب من استدلال النصارى بإحياء الموتى لإثبات ألوهية المسيح ﵇ مع أنهم أثبتوا هذه القدرة للحواريين، والمقصود ما جاء قصة إحياء بطرس لطابيثا. فقد جاء في أعمال الرسل أن بطرس أحيا طابيثا بعد أن ماتت وغسلها أهلها "وكان في يافا تلميذة اسمها طابيثا الذي ترجمته غزالة .... وحدث في تلك الأيام أنها مرضت وماتت، فغسلوها ووضعوها في علية .... فأخرج بطرس الجميع خارجا وجثا على ركبتيه وصلى، ثم التفت إلى الجسد وقال: يا طابيثا قومي، ففتحت عينيها، ولا أبصرت بطرس جلست" (أعمال ٩/ ٣٦ - ٤١)، فأي فرق بين ما فعله المسيح وما فعله بطرس، فكل ذلك بإذن الله وقدرته. وكل التلاميذ - حسب الكتاب المقدس - يقدرون على إحياء الموتى، فقد قال لهم المسيح: "وَفِيمَا أَنْتُمْ ذَاهِبُونَ اكْرِزُوا قَائِلِينَ: إِنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ. ٨ اِشْفُوا مَرْضَى. طَهِّرُوا بُرْصًا. أَقِيمُوا مَوْتَى. أَخْرِجُوا شَيَاطِينَ." (متى ١٥/ ٧ - ٨)، فهل كل هؤلاء آلهة؟ ٥ - كما يغفل النصارى المتحدثون عن ألوهية المسيح الذي أحيا الموتى، يغفلون عن تلك النصوص التي تتحدث عن موت المسيح، وعجزه عن دفع الموت عن نفسه، كما عجز عن ردها إلى الحياة من جديد، حتى أعاده الله وأقامه من الأموات، وقد تكاثرت النصوص على إيراد هذه الحقيقة حتى بلغت خمسة عشر نصا، منها "فيسوع هذا أقامه الله" (أعمال ٢/ ٣٢)، ومنها "ورئيس الحياة قتلتموه الذي أقامه الله من الأموات" (أعمال

стр. 541

٣/ ١٥) " وكذا "المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم، الذي أقامه الله" (أعمال ٤/ ١٠). وهكذا بطل الاستدلال بهذه العجيبة على ألوهية المسيح، ولكنها بحق أعجوبة عظيمة دفعها الله للمسيح ليقيم بها الحجة على نبوة هذا النبي العظيم ﷺ . ج. معجزة شفاء المرضى: ويستدل النصارى على ألوهية المسيح ﵇ بقدرته على شفاء المرضى، ولئن كان عيسى ﵇ قد شفى الأبرص (انظر متى ٨/ ٣) فإن اليسع شفى أبرصًا، وأمرض آخر وذريته من بعده بالبرص "فأرسل إليه أليشع رسولًا يقول: اذهب واغتسل سبع مرات في الأردن، فيرجع لحمك إليك، وتطهر ... فبرص نعمان يلصق بك وبنسلك إلى الأبد، وخرج من أمامه أبرص كالثلج" (الملوك (٢) ٥/ ١٠ - ٢٧). د. التنبؤ بالغيوب: وقد تنبأ المسيح ﵇ بكثير من الغيوب، فكانت كما قال، فقد أخبر التلميذان اللذان أرسلهما لذبح فصح العيد بما سيكون لهما (انظر مرقس ١٤/ ١٢ - ١٦)، وقد قال له بطرس: "يا رب أنت تعلم كل شيء" (يوحنا ٢١/ ٧١)، كما علم بأن الجحش المربوط في قرية بيت فاجي لم يركب عليه أحد، وهو كما يقول القس إبراهيم سعيد: "دليل جديد على أن المسيح يعلم بالغيب علمًا دقيقًا مفصلًا، لا يقبل شكًا ولا تأويلًا، وفي هذا برهان آخر على المجد الوضيع (هكذا) الذي كان يحف بالمسيح" (١). ١ - لكن ليس المسيح وحده من قد تنبأ بالمغيبات، فقد تنبأ قبله يعقوب ﵇ فقال لأبنائه: "اجتمعوا لأنبئكم بما يصيبكم في آخر الأيام ... " (التكوين ٤٩/ ١ - ٢٧). ٢ - ومثله تنبأ صموئيل وإيليا (انظر صموئيل (١) ١٠/ ٢ - ٩، الملوك (١) ٢١/ ٢١ - ٢٤)، وقد تحققت نبوءتهما في (الملوك (٢) ١٠/ ١ - ١٧، ٩/ ٣٠ - ٣٧). ومثل هذا كثير في الأسفار المقدسة. (انظر صموئيل (١) ١٩/ ٢٣ - ٢٤، الملوك (٢) ٤/ ٨ - ١٨، ٨/ ١٢ - ١٣، يوحنا ٤٩/ ١١ - ٥٢). ٣ - وقد جاء في وصف بلعام بن بعور المتنبئ الكافر الذي قتله موسى ﵇ بأنه "الذي

стр. 542

يسمع أقوال الله، ويعرف معرفة العلي، الذي يرى رؤيا القدير" (العدد ٢٤/ ١٦) وذكرت الأسفار التوراتية عددًا من تنبؤاته التي تحققت. ٤ - ثم إن المسيح ﵇ كما تنبأ بالغيوب فإنه عجز عن أخر، وجهلها، إذ لم يعرف بالخبز وعدده (انظر متى ١٥/ ٣٤)، كما جهل موعد الساعة (انظر مرقس ١٣/ ٣٢ - ٣٣). ٥ - وينبه العلامة ديدات أنه لا يجوز للنصارى أن يذكروا شيئًا عن مغيبات أخبر عنها المسيح وهم ينسبون إليه الكذب - وحاشاه - عندما تنبأ بعودته السريعة قبل انقضاء جيله. (انظر مرقس ١٣/ ٢٦، ٣٠، متى ١٠/ ٢٣) وهو ما لم يحدث حتى يومنا هذا. هـ. التسلط على الشياطين: وكذلك أوتي المسيح ﵇ سلطانًا على الشياطين (انظر متى ١٢/ ٢٧ - ٢٨)، ولكنها معجزة قام بها غيره. ١ - فعندما اتهمه اليهود بأنه يخرج الشياطين بمعونة رئيسهم قال: "إن كنت أنا أخرج الشياطين ببعزبول، فأبناؤكم بمن يخرجونهم؟ " (متى ١٢/ ٢٧)، فأثبت لأبناء اليهود مثل قدرته. ٢ - كما وقد حزر ﵇ من الكذبة الذين سينجحون في إخراج الشياطين فقال: "كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب، يا رب، أليس باسمك تنبأنا؟ وباسمك أخرجنا شياطين؟ وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟ " (متى ٧/ ٥ - ٢٣)، فالأنبياء الكذبة يخرجون الشياطين، من غير أن يدل ذلك على نبوتهم أو صلاحهم، فضلا عن القول بألوهيتهم. وعجائب مختلفة: وتذكر الأناجيل عجائب متفرقة للمسيح ﵇، كتحويله الماء إلى خمر (انظر يوحنا ٢٢/ ٧ - ٩)، وإطعامه الجمع كبير من خمسة أرغفة (متى ١٤/ ١٩ - ٢١)، ويباس شجرة التين بقوله. (انظر متى ٢١/ ١٨ - ١٩). كما لا يفوتهم التنبيه إلى الظلمة العظيمة التي أعتمت الأرض عند موته المزعوم على الصليب (متى ٢٧/ ٤٥)، فدلت هذه العجائب المختلفة على ألوهيته وأنه ابن الله. وأيضًا يستدل القائلون بألوهيته ﵇ بإطاعة الرياح والبحر له، فقد أوتي سلطانًا على العناصر الطبيعية، فالرياح والبحر يطيعه "وَإِذَا اضْطِرَابٌ عَظِيمٌ قَدْ حَدَثَ فِي الْبَحْرِ حَتَّى غَطَّتِ الأَمْوَاجُ السَّفِينةَ، وَكَانَ هُوَ نَائِمًا. ٢٥ فَتَقَدَّمَ تَلَامِيذُهُ وَأَيْقَظُوهُ

стр. 543

قَائِلِينَ: "يَا سَيِّدُ، نَجِّنَا فَإِنّنَا نَهْلِكُ! " ٢٦ فَقَال لهُمْ: "مَا بَالكُمْ خَائِفِينَ يَا قَلِيلي الإِيمَانِ؟ " ثُمَّ قَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيَاحَ وَالْبَحْرَ، فَصَارَ هُدُو عَظِيمٌ. ٢٧ فَتَعَجَّبَ النَّاسُ قَائِلِينَ: "أَيُّ إِنْسَانٍ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّيَاحَ وَالْبَحْرَ جَمِيعًا تُطِيعُهُ! "." (متى ٨/ ٢٣ - ٢٨)، فمن ذا الذي تطيعه الرياح والبحار، ولا يجدون - حسب فهمهم البسيط - من إجابة إلا أن يقولوا: إنه الله المسيح. وكذا فإن المسيح صام أربعين يومًا لم يجع خلالها، وهو ما لا يطيقه بشر، فدل ذلك على أنه الله. (انظر متى ٤/ ١ - ٢). كما صعد المسيح إلى السماء، وجلس عن يمين الله. (مرقس ١٦/ ١٩)، وهو كما يرى النصارى منزل لم يصل إليه أحد من العالمين إلا المسيح بما له من خواص الألوهية. ولكن أمثال هذه المعجزات بل وأعظم منها جرت على يدي غيره، ولم تقتض ألوهيتهم. ١ - فلئن كان المسيح ﵇ قد حول الماء إلى خمر (انظر يوحنا ٢/ ٧ - ٩)، فإن موسى ﵇ حول الماء إلى دم كما في سفر الخروج" تَأْخُذُ مِنْ مَاءِ النَّهْرِ وَتَسْكُبُ عَلَى الْيَابِسَةِ، فَيَصِيرُ الماءُ الَّذِي تَأْخُذُهُ مِنَ النَّهْرِ دَمًا عَلَى الْيَابِسَةِ" (الخروج ٤/ ٩). ٢ - وأما اليشع فقد صنع أعظم من ذلك، إذ ملأ قدور العجوز الفارغة زيتًا، من غير أن يكون فيها شيء" فَقَال: "اذْهَبِي اسْتَعِيري لِنَفْسِكِ أَوْعِيَةً مِنْ خَارِجٍ، مِنْ عِنْدِ جَمِيعِ جِيرَانِكِ، أَوْعِيَةً فَارِغَةً. لَا تُقَلِّلي. ٤ ثُمَّ ادْخُلي وَأَغْلِقِي الْبَابَ عَلَى نَفْسِكِ وَعَلَى بَنِيكِ، وَصُبِّي فِي جَمِيعِ هذِهِ الأَوْعِيَةِ، وَمَا امْتَلأَ انْقُلِيهِ". ٥ فَذَهَبَتْ مِنْ عِنْدِهِ وَأَغْلَقَتِ الْبَابَ عَلَى نَفْسِهَا وَعَلَى بَنِيهَا. فَكَانُوا هُمْ يُقَدِّمُونَ لهَا الأَوْعِيَةَ وَهِيَ تَصُبُّ.٦ وَلمَّا امْتَلأَتِ الأَوْعِيَةُ قَالتْ لابْنِهَا: "قَدِّمْ لِي أَيْضًا وِعَاءً". فَقَال لهَا: "لَا يُوجَدُ بَعْدُ وِعَاءٌ". فَوَقَفَ الزَّيْتُ.٧ فَأَتَتْ وَأَخْبَرَتْ رَجُلَ اللهِ فَقَال: "اذْهَبِي بِيعِي الزَّيْتَ وَأَوْفِي دَيْنَكِ، وَعِيشِي أَنْتِ وَبَنُوكِ بِمَا بَقِيَ"." (الملوك (٢) ٤/ ٣ - ٧). ٣ - وإن طعم ببركة المسيح ﵇ خمسمائة شخص من خمسة أرغفة (انظر متى ١٤/ ١٩ - ٢١)، فقد أطعم الله بني إسرائيل - وهم زهاء ستمائة ألف - المن والسلوى أربعين سنة، وكل ذلك ببركة موسى ﵇. (انظر الخروج ١٦/ ٣٥ - ٣٦).

стр. 544

٤ - ولئن كان المسيح ﵇ قد حول شجرة التين إلى يابس. (انظر متى ٢١/ ١٨ - ١٩)، فإن موسى ﵇ حول العصا اليابسة إلى حية. (انظر الخروج ٧/ ٩)، وهو أعظم، إذ قد يدخل يبس الشجرة في قانون الطبيعة، لكن تحويل العصا إلى حية معجز بكل حال. ٥ - وأما الظلمة التي يدعي النصارى حصولها عند صلب المسيح، فهي ليست - بأي حال - بأكبر من الظلمة التي استمرت على أرض مصر ثلاثة أيام بسبب كفرهم بموسى، "فَمَدَّ مُوسَى يَدَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ فَكَانَ ظَلَامٌ دَامِسٌ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ" (الخروج ١٠/ ٢٢ - ٢٣). ٦ - وأيضًا فإن يشوع لما حارب الأموريين، وكادت ليلة السبت أن تدخل، ناجى ربه فقال: "أمام عيون إسرائيل: يا شمس دومي على جبعون، ويا قمر دوم على وادي أيلون، فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب ... فوقفت الشمس في كبد السماء، ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل" (يشوع ١٠/ ١٢ - ١٣)، وهذا الذي حصل ليشوع لا يقتضي ألوهيته، وهو أعظم من غياب الشمس ثلاث ساعات، فإنها قد تغيب بالغيوم، وهو داخل في السنن المعهودة، أما توقف دوران الكرة الأرضية فهو أعظم من ذلك بكثير. ٧ - وأعظم منهما، ما صنعه النبي إشعيا، فقد أعاد الله بدعائه الشمس إلى الوراء، ليبرهن للملك حزقيا على صدق مواعيد الرب. (انظر: الملوك (٢) ٢٠/ ١٠ - ١١)، وقال عنه ابن سيراخ: "في أيامه رجعت الشمس إلى الوراء" (ابن سيراخ ٤٨/ ٢٣)، ورغم هذا كله فإن أحدًا لا يقول بألوهية النبي إشعيا. ٨ - ثم لئن كانت الطبيعة تطيع المسيح؛ فإن ذلك قد حصل مع الأنبياء أيضًا، فإيليا أطاعته النار حتى قال: "إن كنت أنا رجل الله فلتنزل نار من السماء تأكلك أنت والخمسين الذين لك، فنزلت نار الله من السماء وأكلته هو والخمسين الذين له" (الملوك (٢) ١ - ٩/ ١١). ٩ - وكذا أطاع البحر إيليا "وأخذ إيليا رداءه، ولفه، وضرب الماء فانفلق إلى هنا وهناك، فعبر كلاهما (أليشع وإيليا) في اليبس" (الملوك (٢) ٢/ ٧ - ٨)، وقد رأينا كيف

стр. 545

أطاعت الشمس والقمر يشوع. ١٠ - وأما صيام المسيح ﵇ أربعين يومًا فلا يدل على ألوهيته؛ إذ إنه "جاع أخيرًا" (متى ٤/ ٢)، فلئن كان صومه وصبره يدل على ألوهيته، فإن جوعه يكذب هذه الدعوى، ويدل على بشريته. ١١ - ولموسى ﵇ "أقمت في الجبل أربعين نهارا وأربعين ليلة لا آكل خبزا ولا أشرب ماء" (التثنية ٩/ ٩). ١٢ - وإيليا حين أكل ثم "سار بقوة تلك الأكلة أربعين نهارًا وأربعين ليلة إلى جبل الله" (الملوك ١٩/ ٧ - ٨). ١٣ - ولئن قال النصارى برفع المسيح للسماء وجلوسه عن يمين الله، فإن مثل ذلك حصل مع إيليا الذي رفع من غير أن يصلب أو أن يصفع أو أن يصاب بسوء. (انظر الملوك (٢) ٢/ ١١ - ١٢)، ومثله حصل مع أخنوخ. (انظر التكوين ٥/ ٢٤). ١٤ - وأما الجلوس عن يمين الله؛ فقد ألحقته الكنيسة بإنجيل مرقس (انظر مرقس ١٦/ ١٩)، ولا يمكن حمله على الحقيقة، بل غايته أن يقال: بأنه جلوس معنوي أي برفع مكانته، كما جاء في كلام ميخا "لقد رأيت الرب جالسا على كرسيه، وكل جند السماء وقوف عن يمينه ويساره" (الأيام (٢) ١٨/ ١٨). (١) الوجه الثاني: جميع الأنبياء معترفون بأن المعجزة من الله تعالى ومنهم عيسى ﵇، وبهذا نعلم أن المعجزات هبة إلهية ليست من صنع المسيح ﵇ في شيء وإليك هذا البيان . الوجه الأول: ذكر القرآن وأكد صدور المعجزات العظيمة عن المسيح ﵇ -، وأخبر أنه يصنعها بتأييد من الله، فقال: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩].

стр. 546

الوجه الثاني: وهو ما أكدته النصوص الإنجيلية ، ونقلته عن المسيح، فعندما أتى المسيح بما أتى به من المعجزات كان يؤكد أنها من الله عزوجل، ولم ينسبها إلى نفسه فقال: ١ - "أَنَا بِرُوحِ الله أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ" (متى ١٢/ ٢٨). ٢ - وقال: "كُنْتُ بِأَصْبعِ الله أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ" (لوقا ١١/ ٢٠). ٣ - وعندما جاء لإحياء لعازَر" وَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ إِلَى فَوْقُ، وَقَال: "أَيُّهَا الآبُ، أَشْكُرُكَ لأَنَّكَ سَمِعْتَ ليِ، ٤٢ وَأَنَا عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كُلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي. وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا الجمْعِ الْوَاقِفِ قُلْتُ، لِيُؤْمنُوا أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي" (يوحنا ١١/ ٤٠ - ٤١)، لقد شكر الله أن قبل منه تضرعه ودعاءه حين رفع عينيه إليه متوسلا ضارعا، فاستجاب الله له، وأحيا على يديه لعازر. ٤ - وأيضًا استلهم من الله القدير العون لا أراد إطعام الجمع من الأرغفة الخمس "رفع نظره نحو السماء، وبارك وكسر" (متى ١٤/ ١٩). ٥ - ولما جيء له بالأصم "رفع نظره نحو السماء وأنّ، وقال: افثأ، أي انفتح، وللوقت انفتحت أذناه، وانحل رباط لسانه، وتكلم مستقيمًا" (مرقس ٧/ ٣٤ - ٣٥)، فأنينه تضرع واستغاثة بالله لم يخيبه الله فيهما. ٦ - وقال متحدثًا عن سائر معجزاته وأعاجيبه: "دفع إلي (أي من الله) كل سلطان في السماء وعلى الأرض" (متى ١٨/ ٢٨)، فكل ما يؤتاه هبة الله، ولو كان إلهًا لكانت معجزاته ذاتية تنبع من طبيعته الإلهية، ولا يحتاج إلى من يهبها له أو يمنعه إياها. ٧ - وأكد المسيح ﵇ أيضًا أنه لا حول له ولا قوة بغير تأييد الله له، فقال: "أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئا" (يوحنا ٥/ ٣٠). ٨ - ويقول: "الأعمال التي أعملها باسم أبي هي تشهد لي" (يوحنا ١٠/ ٢٥). ٩ - وأما الذين رأوا معجزات المسيح فقد عرفوا أنما يصنعه إنما هو من المعجزات التي يعطيها الله لأنبيائه، ولم يفهم أحد منهم ألوهية صاحب هذه المعجزات، فعندما شفي الصبي من الروح النجس "بهت الجميع من عظمة الله" (لوقا ٩/ ٣٤).

стр. 547

١٠ - ولما شفى المرأة المقوسة الظهر "استقامت (أي المرأة بظهرها) ومجدت الله" (لوقا ١٣/ ١٣). ولما أقام المفلوج ورأت الجموع ذلك "تعجبوا ومجدوا الله الذي أعطى الناس سلطانا مثل هذا" (متى ٩/ ٨). ١١ - وهو ما قاله عنه الأعمى الذي شفاه "فقالوا له: كيف انفتحت عيناك؟ أجاب ذاك وقال: إنسان يقال له يسوع" (يوحنا ٩/ ١٠ - ١١). ١٢ - وحين انتهر البحر والرياح وأطاعته لم يفهم الراؤون لهذا ألوهيته رغم عظم هذه المعجزة، بل عجبوا لقدرة المسيح الإنسان، يقول متى: "فتعجب الناس قائلين: أي إنسان هذا؟ فإن الرياح والبحر جميعا تطيعه" (متى ٨/ ٢٧). ١٣ - ولما أرادت مرثا أخت لعازر أن يُحييَ أخاها أكدت معرفتها بأن هذه المعجزات هي من الله، وأنه يؤيد بها المسيح، فقالت له: "أعلم أن كل ما تطلب من الله يعطيك الله إياه" (يوحنا ١١/ ٢٢). ١٤ - وهذا تلميذه بطرس كبير الحواريين يقول نحاطبًا الجموع مؤكدًا هذا المفهوم: "يسوع الناصري رجل قد تبرهن من قبل الله بقوات وعجائب صنعها الله بيده" (أعمال ٢/ ٢٢). ١٥ - وأيضًا نيقوديموس معلم الناموس، أدرك سر هذه المعجزات العظيمة التي يصنعها المسيح، وأنها من قبل الله، وبسبب عونه وتأييده، فقال للمسيح ﵇: "يا معلم، نعلم أنك قد أتيت من الله معلمًا، لأن ليس أحد يقدر أن يعمل هذه الآيات التي أنت تعمل، إن لم يكن الله معه" (يوحنا ٣/ ٢). ١٦ - وتحكي الأناجيل ما يؤكد أن هذه المعجزات لم تكن إلا هبة من الله، وكان المسيح يحذر أن لا يؤتاها في بعض المواطن، لذلك لما تقدم إلى لعازر الميت خاف أن لا يتمكن من صنع معجزة "قال بعض منهم: ألم يقدر هذا الذي فتح عيني الأعمى أن يجعل هذا أيضًا لا يموت؟ فانزعج يسوع أيضًا في نفسه" (يوحنا ١١/ ٣٧ - ٣٨).

стр. 548

١٧ - وفي مرات أخر طلب منه الفريسيون آيات، فلم يقدر على صنعها، أو لم يصنعها "فتنهد بروحه، وقال: لماذا يطلب هذا الجيل آية؟ الحق أقول لكم: لن يعطى هذا الجيل آية، ثم تركهم ودخل السفينة ومضى" (مرقس ٨/ ١١ - ١٣). ولما تكاثرت جموع اليهود عليه تطلب آية لم يجبهم إلى طلبهم، بل قال: "جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تعطى له آية" (متى ١٢/ ٣٨ - ٣٩). ١٨ - ثم لو كان ما يصدر من المسيح من آيات تدل على ألوهيته فلم يأمر بإخفائها، وهي السبيل الذي يدل الناس على حقيقته؟ فقد قال المسيح للأبرص لما شفاه "انظر، لا تقل لأحد شيئا" (مرقس ١/ ٤٤). ولما شفى الأعميان قال: "انظرا، لا يعلم أحد" (متى ٩/ ٣١). وقال للأعمى الثالث لما شفاه: "لا تدخل القرية، ولا تقل لأحد في القرية" (مرقس ٨/ ٢٦). وتكرر منه ذلك "فعلم يسوع وانصرف من هناك، وتبعته جموع كثيرة فشفاهم جميعا، وأوصاهم أن لا يظهروه" (متى ١٢/ ١٥ - ١٦)، فالمسيح ﵇ بإخفائه للمعجزات يبريد أن لا ينشغل الناس بالمعجزات عن دعوته وجوهرها، ولو كانت دليل ألوهيته لوجب أن ينبههم إلى ذلك. ١٩ - المعجزات لا تدل - حسب الكتاب المقدس - على النبوة فضلًا عن الألوهية، والعجب - كل العجب - أن يعتبر النصارى معجزات المسيح ﵇ دالة على ألوهيته، والكتاب مصرح بقدرة غيره من البشر على صنع مثل هذه المعجزات العظيمة، من غير أن يكون ذلك دالا على ألوهية هؤلاء. فقد أثبت الكتاب هذه المعجزات وما هو أعظم منها لكل المؤمنين بالمسيح، فقال: "الحق أقول لكم: من يؤمن بي، فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضًا، ويعمل أعظم منها" (يوحنا ١٤/ ١٢)، أي يستطيع المؤمنون شفاء المرضى بل وإحياء الموتى، بل ويستطيعون صنع أعظم من ذلك، وعليه لا تصلح في الدلالة على الألوهية. ٢٠ - وفعل العجائب - حسب الكتاب المقدس - لا يصح للدلالة على صدق أو صحة إيمان أصحابها، فضلا عن النبوة أو الألوهية، فإن المسيح ﵇ ذكر بأن كذبة

стр. 549

سيفعلون المعجزات، ويزعمون أنهم يصنعونها باسم المسيح. فقد ذكر متى أن المسيح قال: "ليس كل من يقول لي: يا رب يا رب، يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات، كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة، فحينئذ أصرح لهم: إني لم أعرفكم قط، اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" (متى ٧/ ٢١ - ٢٣)، فهؤلاء المنافقون الكذبة قدروا على فعل المعجزات، ولم تدل على صلاحهم وإيمانهم، فضلًا عن نبوتهم وألوهيتهم. وأيضًا إنسان الخطيئة يصنع الكثير من المعجزات والعجائب، من غير أن يعني ذلك صدقه أو ألوهيته، إذ يصنعها بعون الشيطان وقوته، يقول عنه بولس: "الذي مجيئه بعمل الشيطان، بكل قوة وبآيات وعجائب كاذبة" (تسالونيكي (٢) ٢/ ٩). الوجه السابع: استدلال النصارى بآيات من القران على ألوهية المسيح: وهي عبارة عن دعاوى وشبهات يرون فيها أن القرآن يشهد لألوهية المسيح: فالادعاء الأول ، هو: أن ضمائر الجمع التي تكلم الله بها عن نفسه في القرآن؛ تدل على ألوهية المسيح ﵇ لأنها - بزعمهم - تدل على أن الإله ثلاثة أشخاص منهم: المسيح ﵇ (فقد كان نصارى نجران يقولون عن عيسى ﵇: هو الله، ويقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة، ويحتجون بأنه ثالث ثلاثة بقول الله: فعلنا، وأمرنا، وخلقنا وقضينا فيقولون: لو كان الله واحدا ما قال إلا فعلت، وقضيت وأمرت وخلقت ولكنه هو وعيسى ومريم) (١)، كما احتجوا على الرسول ﷺ بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ [الحجر: ٩]. قالوا: وهذا يدل على أنهم ثلاثة) (٢). كذلك ردد عبد المسيح الكندي هذا الزعم حيث يقول - مخاطبًا عبد الله الهاشمي: "وفي كتابك أيضًا شبيه بما ذكرنا من قول موسى، ودانيال عن الله تعالى: فعلنا، وخلقنا،

стр. 550

أمرنا، وأوحينا، وأهلكنا، ودمرنا، مع نظائر لهذه كثيرة" (١) فحجتهم أن الله تكلم عن نفسه في القرآن بصيغة الجمع ومن ثم زعموا أن ذلك دليل على أن عيسى ﵇ واحد من الذين تدل عليهم الضمائر المذكورة، وأن هذا الجمع إنما هو ثلاثة، وزعموا بذلك أن القرآن يدل على ألوهية المسيح ﵇. أما الادعاء الثاني ، فهو: أن المسيح ﵇ روح من الله بجعل (من) للتبعيض؛ إذ يرونه إلهًا من إله، وكلمة الله التي تجسدت - بزعمهم - وصارت إنسانًا أي أن كلمة الله هي عيسى ﵇، إلى غير ذلك مما يتعلق بهذا الزعم. يقول عبد المسيح الكندي - مخاطبا عبد الله الهاشمي: (فافهم كيف أوجب (يقصد الرسول ﷺ وقد كذب عليه في ذلك) أن الله ﵎ ذو كلمة وروح، وصرح بأن المسيح كلمة الله تجسدت وصارت إنسانًا) (٢). أما الادعاء الثالث ، فهو زعمهم أن المعجزات التي أيد الله بها عيسى ﵇ التي ذكرت في القرآن تدل على ألوهية عيسى ﵇ ولا سيما إحياء الموتى. وقد كان وفد نصارى نجران الذين وفدوا على الرسول ﷺ (يحتجون في قولهم (عن عيسى بأنه) هو الله بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طائرًا) أي بالمعجزات التي أيد الله بها عيسى ﵇ والتي ذكرت في القرآن. الرد على هذه الشبهات يدور الرد في محورين: الأول مجمل، والثاني مفصل. الأول: المجمل، ويتكون من وجهين: الأول: أن هذه العقيدة خالفت أصول الأنبياء في تقديس الله ووصفه بصفات الكمال، فكيف يدل عليها القرآن؟ وإليك التفصيل: الأول: إن الله ، هو الأول الواحد الأحد، لا شريك له في ملكه، ولا ند ولا ضد ولا وزير ولا مشير ولا ظهير ولا شافع إلا من بعد إذنه. الثاني: أنه غنى بذاته فلا بأكل ولا يشرب ولا يحتاج إلى شيء مما يحتاج إليه خلقه بوجه من الوجوه.

стр. 551

الثالث: أنه لا يتغير ولا تعرض له الآفات، من الهرم والمرض والسنة والنوم والنسيان والندم والخوف والهم والحزن ونحو ذلك. الرابع: أنه لا يماثل شيئًا من مخلوقاته، بل ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. ومما يبين ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (سورة الإخلاص). فهذه السورة متضمنة لتوحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للرب تعالى من الأحدية المنافية لمطلق المشاركة بوجه من الوجوه، والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال، التي لا يلحقها نقص بوجه من الوجوه، ونفي الولد والوالد، الذي هو من لوازم الصمدية وغناه وأحديته، ونفي الكفء المتضمن لنفي التشبيه والتمثيل والتنظير. فتضمنت هذه السورة إثبات كل كمال له، ونفي كل نقص عنه، ونفى إثبات شبيه أو مثيل له في كماله، ونفي مطلق الشريك عنه. وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي الذي يباين صاحبه جميع فرق الضلال والشرك؛ ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن؛ فإن القرآن مداره على الخبر والإنشاء، والإنشاء ثلاثة: أمر ونهي وإباحة، والخبر نوعان: خبر عن الخالق تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه، وخبر عن خلقه فأخلصت سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ الخبر عنه، وعن أسمائه وصفاته؛ فعدلت ثلث القرآن، وخلصت قارئها المؤمن بها من الشرك العلمي، كما خلصت سورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ من الشرك العملي الإرادي القصدي (١). الخامس: أنه لا يحل في شيء من مخلوقاته، ولا يحل في ذاته منها، بل هو بائن عن خلقه بذاته، والخلق بائنون عنه. السادس: أنه أعظم من كل شيء منها، بل هو بائن عن خلقه بذاته، والخلق بائنون عنه. السابع: أنه أعظم من كل شيء، وأكبر من كل شيء، وفوق كل شيء وعال على كل شيء وليس فوقه شيء البتة.

стр. 552

فنحن نتبع طريقة المتبعين للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، فما اعتقدوه اعتقدناه، فما اعتقدوه أن الأحاديث التي تثبت عن النبي ﷺ في العرش واستواء الله علي يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه وأن الله بائن عن خلقه والخلق بائنون منه لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم وهو مستو على عرشه في سماواته من دون أرضه. وقال أبو أحمد الكرخي: (كان ربنا وحده ولا شيء معه ولا مكان يحويه فخلق كل شيء بقدرته وخلق العرش لا لحاجته إليه فاستوى على استواء استقرار كيف شاء وأراد لا استقرار راحة كما يستريح الخلق وهو يدبر السماوات والأرض ويدبر ما فيهما ومن في البر والبحر لا مدبر غيره ولا حافظ سواه يرزقهم ويمرضهم ويعافيهم ويميتهم والخلق كلهم عاجزون: الملائكة والنبيون والمرسلون وسائر الخلق أجمعين وهو القادر بقدرة والعلم بعلم أزلي غير مستفاد وهو السميع بسمع والبصير ببصر تعرف صفتهما من نفسه لا يبلغ كنهها أحد من خلقه متكلم بكلام يخرج منه لا بآلة مخلوق كآلة المخلوقين لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه ﷺ وكل صفة وصف بها نفسه أو وصف بها نبيه فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز. (١) الثامن: أنه قادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء يريده، بل هو الفعال لما يريد. التاسع: أنه عالم بكل شيء، يعلم السر وأخفى، ويعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن، لو كان كيف كان يكون، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] ولا متحرك إلا وهو يعلمه على حقيقته. العاشر: أنه سميع بصير، يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، فقد أحاط سمعه بجميع المسموعات، وبصره بجميع المبصرات، وعلمه بجميع المعلومات، وقدرته بجميع المقدورات، ونفذت مشيئته في جميع البريات، وعمت رحمته جميع المخلوقات،

стр. 553

ووسع كرسيه الأرض والسموات. الحادي عشر: أنه الشاهد الذي لا يغيب، ولا يستخلف أحدًا على تدبير ملكه، ولا يحتاج إلى من يرفع إليه حوائج عباده، أو يعاونه عليها، أو يستعطفه عليهم ويسترحمه لهم. الثاني عشر: أنه المتكلم الآمر الناهي، قائل الحق، وهادي السبيل، ومرسل الرسل ومنزل الكتب والقائم على كل نفس بما كسبت من الخير والشر، ومجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. الثالث: أنه الصادق في وعده وخبره، فلا أصدق منه قيلًا، ولا أصدق منه حديثًا، وهو لا يخلف الميعاد. الرابع عشر: أنه تعالى صمد بجميع الصمدية، فيستحيل عليه ما يناقض صمديته. الخامس عشر: أنه قدوس سلام، فهو المبرأ من كل عيب وآفة ونقص. السدس عشر: أنه الكامل الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه. السابع عشر: أنه العدل الذي لا يجور ولا يظلم، ولا يخاف عباده منه ظلمًا. فهذا مما اتفقت عليه جميع الكتب والرسل، وهو من المحكم الذي لا يجوز أن تأتي شريعة بخلافه، ولا يخبر نبي بخلافه أصلًا، فترك المثلثة عباد الصليب هذا كله، وتمسكوا بالمتشابهة من المعاني والمجمل من الألفاظ، وأقوال من ضلوا من قبل، وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل. وأصول المثلثة ومقالتهم في رب العالمين تخالف هذا كله أشد المخالفة وتباينه أعظم المباينة (١). والأدلة على هذا الفصل قد سبقت في هذا البحث؛ فلا نطيل بذكرها ثانية، والسؤال الآن هل في المسيح شيء من هذه الصفات في ضوء ما سبق بيانه في هذا البحث؟ والجواب: لا. فقل ما شئت في طائفة أصل عقيدتها أن الله ثالث ثلاثة، وأن مريم صاحبته، وأن المسيح ابنه، وأنه نزل عن كرسي عظمته، والتحم ببطن الصاحبة، وجرى له ما جرى

стр. 554

إلى أن قتل ومات ودفن، فدينها عبادة الصلبان، ودعاء الصور المنقوشة بالأحمر والأصفر في الحيطان. يقولون في دعائهم: يا والدة الإله ارزقينا، واغفري لنا، وارحمينا، فدينهم شرب الخمور، وأكل الخنزير، وترك الختان والتعبد بالنجاسات، واستباحة كل خبيث من الفيل إلى البعوضة، والحلال ما حلله القس، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، وهو الذي يغفر لهم الذنوب، وينجيهم من عذاب السعير (١). الوجه المجمل الثاني: إثبات نبوة عيسى ﵇، ورسالته من خلال القرآن، والأناجيل . وينقسم هذا الوجه إلى مبحثين: - المبحث الأول: نبوته ورسالته ﵇ من خلال القرآن: وتقدمت أدلة هذا المبحث في أول هذا الجلد تحت الوجه الثاني: الأدلة من القرآن على بطلان ألوهية المسيح. المبحث الثاني: نبوته ووسالته ﵇ من خلال الأناجيل: كذلك تدل الأناجيل الموجودة اليوم على نبوة عيسى ورسالته، فقد جاء في الأناجيل نصوص عدة، ونذكر منها إضافة إلى ما سبق ما يلي: ١ - "وَأَمَّا يَسُوعُ فَقَال لهُمْ: لَيْسَ نَبِيٌّ بِلَا كَرَامَةٍ إِلَّا فِي وَطَنِهِ وَفِي بَيْتِهِ" (متى (١٣: ٥٧) ولوقا (٤: ٢٤) و (١٣: ٣٣)، فهذا مما ينسب إليه من أقوال يشير بها إلى نفسه. ولفظ (مرقس ٦/ ٤)، إلا في وطنه وبين أقربائه وفي بيته. ٢ - ومما يوضح ذلك نظرة بعض المدعويين من بني إسرائيل له، وأنه نبي قوله: "وَلمَّا سَمِعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ أَمْثَالهُ، عَرَفُوا أَنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَيْهِمْ. ٤٦ وَإِذْ كَانُوا يَطْلُمُونَ أَنْ يُمْسِكُوهُ، خَافُوا مِنَ الجُمُوعِ، لأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ مِثْلَ نَبِيٍّ." (متى (٢١: ٤٥). ٣ - وقوله "وَلمَّا دَخَلَ أُورُشَلِيمَ ارْتَجَّتِ المدِينَةُ كُلُّهَا قَائِلَةً: "مَنْ هذَا؟ " ١١ فَقَالتِ الجُمُوعُ: "هذَا يَسُوعُ النَّبِيُّ الَّذِي مِنْ نَاصِرَةِ الجلِيلِ" (متى (٢١: ١١) وانظر سوى ما مر يوحنا (٦: ١٤) و (٧: ٤٠) و (٩: ١٧) ولوقا (٧: ١٩) ومرقس (٦: ١٥) ويوحنا (٩: ١٧).

стр. 555

٤ - مر بنا قول عيسى ﵇ " وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع الذي أرسلته". ٥ - وقوله: "فنادى يسوع وهو يعلم في الهيكل قائلا: تعرفونني وتعرفون من أين أنا ومن نفسي لم آت بل الذي أرسلني هو حق الذي أنتم لستم تعرفونه أنا أعرفه لأني منه وهو أرسلني". فهذا من أقواله التي يوضح فيها أنه رسول من رسل الله. إن ما سبق من نصوص تدل على نبوة عيسى ﵇ ورسالته من خلال الأناجيل، على أن هناك نصوصًا أخرى تضيف إلى ما سبق بيان مهمة عيسى ﵇ ووظيفته التي أرسله الله من أجلها؛ ألا وهي الدعوة إلى الله، وإلى عبادته وطاعته، وإبلاغ ما أمره الله أن يبلغه لبني إسرائيل من دين الله الذي أنزل على يديه آنذاك وهو النصرانية الصحيحة الموحدة، التي نسخها الله بالإسلام ولذا يسمى عيسى في الأناجيل معلم (يوحنا (٧: ٢٨ - ٢٩) و (١٦ - ١٧) و (٨: ١٦، ١٨، ٢٦، ٢٩، ٤٢) و (١٧: ٨ و ٢٥)، وهي وظيفة الرسل حيث يعلمون الناس الخير ويبلغونهم دين الله . وها هي النصوص الدالة على ذلك: ١ - قول الإنجيل "وبعدما أسلم يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز (يدعو) ببشارة ملكوت الله ويقول قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل (مرقس (١: ١٤ - ١٥) " فها هو عيسى يدعو بني إسرائيل إلى التوبة والإنابة إلى الله والإيمان بالإنجيل كتاب الله الذي أنزله عليه. ٢ - قوله "فقال لهم إنه ينبغي لي أن أبشر المدن الأخر أيضًا بملكوت الله لأني لهذا قد أرسلت فكان يكرز في مجامع الجليل" (لوقا (٤: ٤٣ - ٤٤). ٣ - قوله "فقال لهم لنذهب إلى القرى المجاورة لأكرز هناك أيضًا لأني لهذا خرجت" (مرقس (١: ٣٨).

стр. 556

٤ - وجاء في الإنجيل قوله: "كان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت" (متى (٤: ٢٣ - ٢٥). ٥ - كما جاء قوله "حينئذ ابتدأ يوبخ المدن التي صنعت فيها أكثر قواته (المعجزات التي أظهر الله على يديه) لأنها لم تتب: ويل لك يا كورزين، ويل لك يا بيت صيدا ... وأنت يا كفرنا حوم" (متى (١١: ٢٠ - ٢٣). ٦ - جاء قوله " ... ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني ما دام نهار، يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل" (يوحنا (٩: ٤)، وانظر يوحنا (٤: ٣١). ٧ - قوله " ... لأني لم أتكلم من نفسي لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية ماذا أقول وبماذا أتكلم وأنا أعلم أن وصيته هي حياة أبدية فما أتكلم أنا به فكما قال لي الآب هكذا أتكلم" (يوحنا (١٢: ٤٩ - ٥٠) وانظر يوحنا (٤: ٣١) و (٨: ٢٦ و ٢٨) ويوحنا (١٧: ٧ - ٨)، يصدق هذا ما جاء في القرآن على لسان عيسى (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به) (المائدة: ١١٧). فعيسى ﵇ كما تدل عليه الأناجيل، نبي رسول، جاء لإبلاع بني إسرائيل رسالة ربه؛ ليتوبوا من معاصيهم وآثامهم، ويتبعوا كتاب الله الذي أنزله الله عليهم آنذاك على يد عيسى وهو الإنجيل. وبذلك نكون قد انتهينا من الرد المجمل، والآن مع الرد التفصيلي على هذه الشبهة: الوجه الأول: خروج ضمائر الجمع عن الظاهر (الجمع) إلى غيره ولا سيما المفرد . وبتكون من مبحثين: الأول: ما يقوله بعض علماء اللغة عن هذا الأسلوب والشواهد اللغوية المستخرجة من القرآن الكريم، والشعر الجاهلي. الثاني: النصوص اللغوية التوراتية والإنجيلية في الموضوع نفسه. أما عن الوجه الأول: ١ - أن هذا أسلوب سائغ لغة، قال ابن قتيبة "ومنه (أي من خروج ضمير الجمع عن

стр. 557

ظاهره إلى ما يخالف الظاهر) أن يخاطب الواحد بلفظ الجمع كقوله سبحانه: ﴿قَال رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]. وأكثر من يخاطب بهذا الملوك لأن مذاهبهم أن يقولوا: نحن فعلنا، يقوله منهم، يعني نفسه فخوطبوا بمثل ألفاظهم" (١) كما قال ابن فارس - رحمة الله -: "ومن سنن العرب مخاطبة الواحد بلفظ الجمع فيقال للرجل العظيم: انظروا في أمري، وكان بعض أصحابنا يقول: إنما يقال هذا لأن الرجل العظيم يقول: نحن فعلنا: فعلى هذه الابتداء خوطبوا في الجواب (٢). فهل هناك من هو أعظم من مالك الملك وأولى منه بمثل هذا الأسلوب؟ ويقول ابن تيمية: إن ضمير الجمع يقع "على من كان له شركاء وأمثال، وعلى الواحد المطاع العظيم، الذي له أعوان يطيعونه وإن لم يكونوا شركاء ولا نظراء، والله تعالى خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك أو مثيل والملائكة وسائر العالمين جنوده تعالى؛ فإذا كان الواحد من الملوك يقول: إنا ونحن ولا يريدون أنهم ثلاثة ملوك فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء ومليكه هو أحق بأن يقول: إنا ونحن مع أنه ليس له شريك، ولا مثيل بل له جنود السماوات والأرض" (٣). ٢ - اللغة العربية مليئة بالشواهد على خروج ضمائر الجمع عن ظاهرها للدلالة على المفرد، ومن ذلك ما في الشعر الجاهلي: ١ - يقول امرؤ القيس - حين رأى قبر امرأة في سفح جبل عسيب الذي مات عنده -. أجارتنا إن الخطوب تنوب ... وإني مقيم ما أقام عسيب أجارتنا إنا غريبان ههنا ... وكل غريب للغريب نسيب فإن تصلينا فالقرابة بيننا ... وإن تصرمينا فالغريب غريب

стр. 558

أجارتنا ما فات ليس يؤوب ... وما هو أت في الزمان قريب (١) ٢ - ويقول عمرو بن كلثوم متغزلًا: قفي قبل التفرق يا ظعينا ... نخبرك اليقين وتخبرينا قفي نسألك هل أحدثت صرما ... لوشك البين أم خنت الأمينا (٢) ٣ - ويقول زهير بن أبي سلمى مخاطبا هرم بن سنان والحارث بن عوف: سألنا فأعطيتم وعدنا فعدتم ... ومن أكثر التسآل يوما سيحرم. (٣) ٣ - من الشواهد اللغوية في القرآن التي استخدمت فيها ضمائر الجمع للدلالة على الواحد مع أن الضمائر فيها تعود إلى غير الله غير الجمع ما يأتي: قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ [الأنبياء: ٧٨]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ [فصلت: ١١]. فالضمير في قوله (لحكمهم) ضمير جمع يدل على المثنى وليس على الثلاثة فأكثر، ولا على الواحد، وكذلك ياء الجماعة في (طائعين) ومثل ذلك قوله (أتينا) هذه بعض أمثلة استخدام ضمائر الجمع للدلالة على المثنى. اما استخدام ضمائر الجمع في القرآن للدلالة على المفرد فشواهدها: قوله تعالى عن الخضر: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾ (الكهف: ٨٠ - ٨١) وقال تعالى: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَال أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ

стр. 559

مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾ (الكهف: ٨٦ - ٨٨)، وقال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَال يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ [النمل: ١٦]. فالضمائر في: (فخشينا) و (فأردنا) و (نعذبه) و (سنقول) و (أمرنا) و (علمنا) و (أوتينا) ضمائر جمع تدل على واحد وليس على اثنين أو ثلاثة أو أكثر. ٤ - من العجيب أن عبد المسيح الكندي نفسه استخدم ضمير الجمع للدلالة على المفرد على نفسه هو في أثناء عرض شبهته نفسها حيث قال: "وشبيه بما ذكرنا" وهذا في رسالته كثير، فهل هو ثالث ثلاثة؟ وهكذا القسيس فندر حيث قال: "وإنما أوردنا ذلك إشعارًا بأننا لا نخطئ". إن هذا دليل على أن هذا الأسلوب شائع مستخدم بكثرة، ولا سيما في الكتب وعند الكتاب، ويجري في سليقة العرب وسنن العربية قديمًا وحديثًا، وليس فيه أدنى غرابة أو شبهة لكن النصارى قوم مُلبسون. الوجه الثاني: نصوص لغوية من خلال التوراة والأناجيل، تدل على المفرد أو المثنى وهي صوره الجمع: أولا: شواهد توراتية وهي إما أن تدل: على المفرد أو على المثنى: أ) شواهد تدل على المفرد منها: (١) جاء في سفر التكوين "وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا" (التكوين ١: ٢٦). (٢) وجاء فيه: "وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحدٍ منا" التكوين (٣: ٢٢). (٣) وجاء فيه "هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم" (التكوين (١١: ٧). فهذه ضمائر جمع تدل على المفرد، وعلى الرغم من أن النصارى قد يحرفونها كما حاولوا ذلك في القرآن، إلا أن مما يوضح دلالتها على المفرد؛ النصوص التوراتية التي تدل على الوحدانية - كما مر سابقًا - كما يؤيد ذلك أن اليهود الذين نزلت التوراة بلغتهم على مختلف عصورهم وتعدد أنبيائهم ما فهموا من ضمائر الجمع هذه إلا دلالتها على المفرد؛ إذ إن ذلك هو معتقد الدين اليهودي كما هو معروف. جاء في نشيد الإنشاد "ارجعي ارجعي ياشولميت ارجعي ارجعي فننظر إليك" (نشيد

стр. 560

الإنشاد: ٦ - ١٣). وسياق هذا النص تشبيب من حبيب بمحبوبته، ودلالة هذا النص على الواحد واضحة جدًّا؛ إذ يقوله محب - بزعمهم - في محبوبته، وسياق هذا السفر كله غزلي. ب) شواهد تدل على المثنى: جاء في العهد القديم قوله "تعال يا حبيبي لنخرج إلى الحقل ولنبث في القرى لنبكرن إلى الكروم لننظر هل أزهر الكرم" (نشيد الإنشاد ٧: ١١). وقوله "اجذبني وراءك فنجري" (نشيد الإنشاد ١: ٤) فهذه ضمائر جمع أريد بها المثنى كما هو واضح من السياق. ثانيًا: شواهد إنجيلية: من الشواهد الإنجيلية لاستخدام ضمائر المتكلمين التي تدل على الفرد: ١ - قول بولس: "كما هو مكتوب أحببت يعقوب وأبغضت عيسى فماذا نقول ألعل عند الله ظلمًا حاشا" رومية (٩: ١٣ - ١٤). ٢ - ويقول أيضًا: "إذًا نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس .. أفنبطل الناموس بالإيمان حاشا بل نثبت الناموس" رومية (٣: ٢٨ - ٣١). ٣ - ويقول أيضًا: "فماذا نقول إن أبانا إبراهيم قد وجد حسب الجسد" رومية (٤: ١). ٤ - ويقول: "فماذا نقول إن الأمم الذين لم يسعوا في أثر البر أدركوا البر الذي بالإيمان المصدر نفسه (٩: ٣٠). ٥ - بل قال بولس: "لذلك أردنا أن نأتي إليكم أنا بولس مرة ومرتين وإنما عاقنا الشيطان" تسالونيكي (٢: ١٨). فقوله: (فماذا نقول) و (نحسب) و (أفنبطل) و (نثبت) و (أردنا) و (نأتي) و (عاقنا) تشتمل على ضمائر جمع مستترة وجوبًا، أو ضمائر ظاهرة أسندت إلى أفعال، وهي تدل على مفرد، هو بولس وحده وليس ثلاثة هو ثالثهم. وهكذا نرى أن من الأساليب المعهودة في اللغة العربية التي نزل بها القرآن وترجمت إليها التوراة والإنجيل، استخدام ضمائر الجمع للدلالة على المثنى أو على الفرد فقط، وقد استخدمت لتعود إلى غير الله، مما يبين فساد دعوى النصارى

стр. 561

والمنصرين، في أن ضمائر الجمع المسندة لله في القرآن تدل على ألوهية عيسى ﵇ بزعم دلالتها على التثليث، وإنما هو أسلوب من أساليب التعظيم أولى به الخالق من كل مخلوق، واستخدامه جرى على لسان العرب كثيرًا حتى النصارى - كما مر - وهو إلى اليوم معهود غير مستغرب سواء في مخاطبات الملوك أو غيرهم. الوجه الثالث: قولهم بأن عيسى روح من الله؛ بجعل من للتبعيض، كما سبق بيانه في عرض شبهتم. والنصوص في هذا على قسمين: القسم الأول: فالجواب على شبهتم فيه من وجوه: أولًا: زعم الكندي أن القرآن "صرح بأن المسيح كلمة الله تجسدت وصارت إنسانًا". فهو يشير إلى معتقد النصارى المعروف، وهو أن عيسى هو الكلمة، والكلمة هي الله فعيسى هو الله - تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرا - وهذا صريح في إنجيل يوحنا كما مر سابقًا، ويسبة هذا الكفر إلى القرآن بهتان عظيم وكذب صريح على القرآن المحفوظ كما أنزل، فليأت النصارى بنص يدل على هذا المعنى الباطل. إنما الذي في القرآن ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩]. فمن الواضح أن عيسى مخلوق ليس هو الكلمة (كن) وإنما بها كان، وسمي بكلمة الله؛ لأنه بها خُلق وليس له أب. ثانيًا: أن قوله كلمة الله؛ المراد بها عيسى نفسه، فلا ريب أن المصدر يعبر به عن المفعول به في لغة العرب، كقولهم: هذا درهم ضرب الأمير، ومنه قوله: هذا خلق الله، ومنه تسمية المأمور به أمرا، والمقدور قدرة، والمرحوم به رحمة، والمخلوق بالكلمة كلمة، لكن هذا اللفظ إنما يستعمل مع ما يقترن به مما يبين المراد كقوله: ﴿إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾ [آل عمران: ٤٥] فبين أن الكلمة هو المسيح، ومعلوم أن المسيح نفسه، ليس هو الكلام. ﴿قَالتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَال كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾ [آل عمران: ٤٧]، فبين لما تعجبت من الولد، أنه سبحانه يخلق ما يشاء إذا قضى أمرًا فإنما يقول

стр. 562

له كن فيكون؛ فدل ذلك على أن هذا الولد مما يخلقه الله بقوله كن فيكون (١). ثالثًا: آية سورة النساء - السابق ذكرها (١٧١) - تكفي وحدها للرد على ادعاءات النصارى واستنتاجاتهم المزعومة من خلال قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ أو ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ أو ما يشاكل ذلك من الآيات. فالآية تدل على أمور منها: (١) نهي النصارى عن الغلو في دينهم وتحذيرهم؛ بأن لا يقولوا على الله إلا الحق ومن أول ذلك: عدم الغلو في المسيح فهو ليس إلا رسول الله وعبد من عبيده. (٢) نسبت الآية عيسى نسبًا بشريًا بينًا إلى أمه مريم ابنة عمران ﵉. (٣) حذر الله النصارى عن أن يقولوا بالتثليث، ومنه إدخال عيسى واحدًا من الثلاثة المزعومين باعتباره أنه إله منهم. (٤) أوضحت الآية على سبيل الحصر أن الله ليس إلا إلهًا واحدًا منزهًا عن أن يكون له ولد، وهذا يرد على ادعائهم أن عيسى ابن الله. (٥) هذه الآية حجة برهانية قاطعة تثبت بلغة الأرقام أن الله واحد أحد وحدانية لا يشوبها أدنى احتمال للشراكة معه؛ وذلك من خلال نفيها للثلاثة والتثليث وإثباتها في الوقت نفسه أن الله واحد أحد صمد لم يلد ولم يولد، وليس واحدًا في ثلاثة أو ثلاثة في واحد، مع تحذير النصارى عن القول بالتثليث وتوعدهم على القول به. (٦) أبانت الآية أن عيسى ﵇ كلمة الله ألقاها إلى مريم، فما المقصود بأنه كلمة الله؟ أو كلمة منه؟ رابعا: وإليك بعض كلام العلماء في هذا المعنى: ١ - قال وإليك بعض أحمد ﵀: "المعنى في قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ

стр. 563

مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١]. فالكلمة التي ألقاها إلى مريم: حين قال له كن، فكان عيسى بكن وليس عيسى هو كن، ولكن بكن كان. فالكن من الله قول، وليس الكن مخلوقًا. وكذب النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى ... وقلنا نحن إن عيسى بالكلمة كان، وليس عيسى هو الكلمة" (١) ٢ - قال أبو عبيد القاسم بن سلام: "وأما المسيح فالمراد أن الله خلقه بكلمة لا أنه هو الكلمة لقوله ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ ولم يقل ألقاه ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩]. ٣ - قال شاذان بن يحيى: "ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى" (٢). ٤ - كما يقول ابن كثير -في قوله تعالى- ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ "أي إنما هو عبد من عباد الله، وخلق من خلقه قال له كن فكن، ورسول من رسله، وكلمته ألقاها إلى مريم، أي خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه ، وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب الأم، والجميع مخلوق لله ؛ ولهذا قيل لعيسى إنه كلمة الله وروح منه؛ لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان والروح التي أرسل بها جبريل". كما يقول ابن كثر: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾.: "أي بولد يكون وجوده بكلمة من الله أي يقول له كن فيكون وهذا تفسير قوله ﴿اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ كما ذكر الجمهور" ويقول ابن جرير: "قال آخرون:

стр. 564

بل هي (أي قوله كلمة منه) اسم لعيسى سماه الله بها كما سمى سائر خلقه بما شاء من الأسماء". ويروي بإسناده عن قتادة أنه قال: "قوله ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ قال: قوله ﴿كُنْ﴾ فسماه الله كلمته؛ لأنه كان عن كلمته". وقال أبو عبيد: "كلمته: كن فكان". وكلمة الله التي قيلت لعيسى في القرآن وسمي بها، هي مضافة إلى الله ، وقد قسم ابن تيمية ﵀ المضاف إلى الله تعالى إلى قسمين: إضافة صفات، وإضافة أعيان: "فالصفات إذا أضيفت إليه تعالى، كالعلم والقدرة والكلام والحياة والرضا والغضب ونحو ذلك؛ دلت الإضافة على أنها إضافة وصف له قائم به، ليست مخلوقة؛ لأن الصفة لا تقوم بنفسها، ولابد لها من موصوف تقوم به، فإذا أضيفت إليه، علم أنها صفة له، لكن قد يعبر باسم الصفة عن المفعول بها، فيسمى المقدور قدرة، والمخلوق بالكلمة كلامًا، والمعلوم علمًا، والمرحوم به رحمة". فعيسى ﵇ ليس هو عين الكلمة، وإنما قيل له كلمة الله؟ لأنه خلق بالكلمة ولم يكن له أب تولد منه وإنما هو ناشئ ومخلوق عن الكلمة: كن. فالأعيان التي خلقها الله قائمة بأنفسها، وصفاتها القائمة بها تمتنع أن تكون صفات لله، فإضافتها إليه تتضمن كونها مخلوقة مملوكة، لكن أضيفت لنوع من الاختصاص المقتضي للإضافة، لا لكونها صفة، والروح الذي هو جبريل من هذا الباب، كما أن الكعبة والناقة من هذا الباب، ومال الله من هذا الباب، وروح بنى آدم من هذا، وذلك كقوله ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾، وقوله ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾، وقوله ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ وقوله ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. (١) خامسًا: أن الإضافة من حيث اللغة "نسبة بين اسمين". ويشترط فيها أن" لا يضاف الاسم إلى مرادفه فلا يقال: حيث أسدٍ". بينما يزعم النصارى أن: عيسى هو الكلمة، وأن الكلمة هي الله؛ مما يعني تبعا لذلك: أن اسم عيسى ولفظ الجلالة (الله)

стр. 565

اسمان ومسميان مترادفان عند النصارى - والعياذ بالله - تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، مما يبطل هذه الإضافة لغة وعقلًا؛ لأنها حينئذ - حسب اعتقاد النصارى - تصبح مكونة من اسمين مترادفين ولا تصح هذه الإضافة، إلا إذا كانت تدل على اسمين وذاتين، يختلف كل منهما عن الأخرى. ثم من جهة أخرى؛ فإن هذا التركيب المكون من المضاف والمضاف إليه، يدل لغة على معنى يختلف عن المقصود بالمضاف إليه وحده فقط، أو بالمضاف فقط، فإذا قلنا: محمد رسول الله ﷺ ؛ فإن المراد بالتركيب الإضافي في هذه الجملة - وهو قولنا (رسول الله) - المكون من المضاف (رسول) ومن المضاف إليه لفظ الجلالة (الله) هو رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ الإنسان المخلوق، أما المضاف إليه وحده؛ فإنه لفظ الجلالة اسم الله وشتان ما بين الرسول المخلوق، والمرسِل الخالق ، فالمضاف إليه يدل على مسمى معين، والتركيب من المضاف والمضاف إليه يدلى على مسمى آخر مختلف كليًّا عن ما يدل عليه المضاف إليه. وهذا يعني من حيث اللغة أن: كلمة الله (المضاف والمضاف إليه) التي قيلت لعيسى والتي هي اسم له ﵇ ليست هي المضاف إليه هنا، وهو لفظ الجلالة (الله) فهذان اسمان يدلان على ذاتين مختلفتين: ذات عيسى المخلوقة التي تليق ببشريته، وذات الخالق التي تليق بجلاله وعظمته، وشتان ما بين ذات الخالق وذات المخلوق، فكل ما في الأمر أن (كلمة الله) قيلت لعيسى ﵇ اسمًا له؛ لأنه مخلوق بالكلمة، كما مر، فادعاء النصارى أن الكلمة تجسدت وصارت عيسى أمر مكذوب على القرآن، لأنه يدلى على أن عيسى بها صار ولم يكن هو الكلمة. فعيسى ﵇ مخلوق وكلمة الله: كن ليست مخلوقة. القسم الثاني وهو: ما يتعلق بكون عيسى ﵇ روح من الله أو روح الله: فالجواب عنه منه وجوه: الأول: ما معنى قوله تعالى ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾؟ ١ - يقول الإمام أحمد: وأما قوله تعالى ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ يقول من أمره كان الروح فيه
следующие страницы →