← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

كان ذلك شبيها بالمناظرات بين أهل العلم وقد كان بكل أدب، ولهذا قال النبي ﷺ في الرواية الصحيحة: "إنها ابنة أبي بكر" إشارة إلى كمال فهمها وحسن منطقها، قال ابن الملك وفي الحديث دلالة على جواز الانتقام بالحق لكن العفو أفضل لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. (١) وفي قوله: "إنها ابنة أبي بكر" إشارة إلى كمال فهمها ومتانة عقلها حيث صبرت إلى أن ثبت أن التعدي من جانب الخصم ثم أجابت بجواب إلزام. (٢) ٤ - وجاء في الرواية الصحيحة التي وقدت مع زينب ﵂ ما يدل على الإنصاف والعدل وسمو الأخلاق من عائشة ﵁؛ حيث قالتْ قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ ، ولم أرَ قط خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرب به إلى الله ، ما عدا سَوْرَة (٣) من حد كانت فيها تسرع منها الفيئة. ٥ - إن الرد الذي وقع من عائشة على زينب في الرواية الصحيحة كان بإذن النبي ﷺ وكان ردًا مؤدبًا، ومع ذلك فهو من باب الانتصار الذي قال الله فيه: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾. ٦ - قوله: "لا يكره أن انتصر" ليس فيه دليل على أن النبي ﷺ أذن لعائشة، ولا أشار بعينه ولا غيرها، بل لا يحل اعتقاد ذلك؛ فإنه ﷺ تحرم عليه خائنة الأعين، وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها فلم ينهها. (٤) وخلاصة القول: إن هذا السياق منكر لا يصح، وما وافق منه الحديث الصحيح فهو في الرد على زينب وتوجيهه ما سبق. والله أعلم. * * *

стр. 5007

٩ - أخلاق عائشة مع زينب بنت جحش ﵄ - هذه الشبهة تتعلق بزواج النبي ﷺ من زينب بنت جحش وما ترتب على ذلك من أخلاق لعائشة معها بعد وقوع المنافسة بينهما على قلب النبي ﷺ حيث زعموا أن زواج زينب أحدث صراعًا بين عائشة وزينب مما يدل على سوء أخلاق السيدة عائشة ﵂. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: ذكر الآية وبيان الصحيح من كلام المفسرين عليها . الوجه الثاني: موقف عائشة ﵂ ليلة زواج النبي ﷺ من زينب. الوجه الثالث: ثناء عائشة ﵂ على زينب. الوجه الرابع: إخبار عائشة ﵂ عن زينب أنها تسارع في الخير. الوجه الخامس: براءتها من الوقوع في عرض السيدة عائشة في قصة الإفك وثناء عائشة عليها. الوجه السادس: إخبار عائشة ﵂ أن زينب كانت تكرم النبي ﷺ في نوبة غيرها وتسقيه عسلًا. الوجه السابع: إخبار عائشة ﵂ عن زينب بأنها كانت تعمل وتتصدق. وإليك التفصيل. الوجه الأول: ذكر الآية وبيان الصحيح من كلام المفسرين عليها. قال الله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (الأحزاب: ٣٧). ١ - عن علي بن الحسين: أن النبي ﷺ كان قد أوحى الله تعالى إليه أن زيدًا يطلق زينب وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها، فلما تشكى زيد للنبي ﷺ خلق زينب وأنها لا تطيعه، وأعلمه أنه يريد طلاقها قال له رسول الله ﷺ على جهة الأدب والوصية: "اتق الله في قولك وأمسك عليك زوجك"، وهو يعلم أنه سيفارقها ويتزوجها هو، وهذا هو الذي أخفى في نفسه ولم يرد أن يأمره بالطلاق لما علم أنه سيتزوجها، وخشي رسول الله ﷺ أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب بعد زيد، وهو مولاه وقد أمره بطلاقها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر، من

стр. 5008

أن خشي الناس في شيء قد أباحه الله له بأن قال: أمسك مع علمه بأنه يطلق (١)، وأعلمه أن الله أحق بالخشية: أي في كل حال، قال علماؤنا -رحمة الله عليهم-: وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين كالزهري، والقاضي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي، وغيرهم. والمراد بقوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ إنما هو إرجاف المنافقين؛ بأنه نهى عن تزويج نساء الأبناء وتزوج بزوجة ابنه، فأما ما روي أن النبي ﷺ هوى زينب امرأة زيد، وربما أطلق بعض المُجَّان لفظ عشق فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي ﷺ عن مثل هذا، أو مستخف بحرمته، قال الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأسند إلى علي بن الحسين قوله: فعلي بن الحسين جاء بهذا من خزانة العلم جوهرًا من الجواهر، ودررًا من الدرر، أنه إنما عتب الله عليه في أنه قد أعلمه أن ستكون هذه من أزواجك، فكيف قال بعد ذلك لزيد: أمسك عليك زوجك؟ وأخذتك خشيةُ الناس أن يقولوا: تزوج امرأة ابنه والله أحق أن تخشاه. اهـ. (٢) ومن خلال هذا يبدو أن السبب في طلاق زيد لزينب ومن ثم زواج النبي ﷺ منها: هو ما كان بين زيد وبين زينب من خلافات، وأنه لم يكن بينهما وئام يؤمل معه أن تبقى الحياة الزوجية بينهما، فطلقها بمحض اختياره ورغبته، وكان رسول الله ﷺ ينهاه عن ذلك، وقد كان الله قد أعلم نبيه ﷺ أن زيذا سيطلق زينب، وأنها ستكون زوجة له، وأنه ﷺ كان يخفي هذا، ويخشى من مقولة الناس أنه تزوج مطلقة مَنْ كان يُدْعَى إليه، فعاتبه ربه على ذلك. (٣)

стр. 5009

٢ - فإن قيل لأي معنى قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وقد أخبره الله أنها زوجه؟ قلنا: أراد أن يختبر منه ما لم يُعلِمْه الله من رغبتِه فيها أو رغبتِه عنها، فعلم نفرة زيد عنها من جوابه له. فإن قيل: كيف يأمره بالتمسك بها وقد علم أن الفراق لا بد منه، وهذا تناقض؟ قلنا: بل هو صحيح للمقاصد الصحيحة لإقامة الحجة ومعرفة العاقبة، ألا ترى أن الله تعالى يأمر العبد بالإيمان وقد علم أنه لا يؤمن؟ فليس في مخالفة متعلق الأمر لمتعلق العلم ما يمنع من الأمر به عقلًا وحكمًا وهذا من نفيس العلم فتيقنوه وتقبلوه. (١) ٣ - وقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ أي: إنما أبحنا لك تزويجها، وفعلنا ذلك لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء، وذلك أن رسول الله ﷺ كان قبل النبوة قد تبنى زيد بن حارثة ﵁ فكان يقول له: زيد بن محمد، فلما قطع الله تعالى هذه النسبة بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ثم زاد ذلك بيانًا وتأكيدًا بوقوع تزويج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش ﵂ لما طلقها زيد بن حارثة ﵁ ولهذا قال تعالى في آية التحريم ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ليحترز من الابن الدعي فإن ذلك كان كثيرًا فيهم وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أي: وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدره الله تعالى وحتمه وهو كائن لا محالة، كانت زينب ﵂ في علم الله ستصير من أزواج النبي ﷺ ، ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ أي: فيما أحل له وأمره به من تزويج زينب ﵂ التي طلقها دعيه زيد بن حارثة ﵁، وقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: هذا حكم الله تعالى في الأنبياء قبله لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حرج، وهذا رد على من توهم من المنافقين نقصًا في تزويجه امرأة زيد مولاه ودعيه الذي

стр. 5010

كان قد تبناه، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ أي: وكان أمره الذي يقدره كائنًا لا محالة وواقعًا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾؛ يمدح ﵎ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾ أي: إلى خلقه ويؤدونها بأماناتها ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ أي: يخافونه ولا يخافون أحدًا سواه فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاع رسالات الله تعالى، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي وكفى بالله ناصرًا ومعينًا ... وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ نهى أن يقال بعد هذا: زيد بن محمد أي: لم يكن أباه وإن كان قد تبناه، فإنه ﷺ لم يعش له ولد ذكر حتى بلغ الحلم. اهـ (١) الوجه الثاني: موقف عائشة ﵂ ليلة زواج النبي ﷺ من زينب . فعن أنس ﵁ قال: فخرج النبي ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: "السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله"، فقالت: وعليك السلام ورحمة الله كيف وجدت أهلك؟ " بارك الله لك (فيهن) "، فَتَقَرَّى حُجَرَ نِسَائِهِ كُلِّهِنَّ يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة .. (٢) قلت: ومحل الشاهد من الحديث واضح وهو قول عائشة ﵂ ليلة عرس زينب لرسول الله ﷺ كيف وجدت؟ أهلك بارك الله لك، وكذلك قال نساء النبي ﷺ ، ومَنْ مِنْ النساء تفعل هذا؟ ! الوجه الثالث: ثناء عائشة على زينب قالت عائشة: في زينب ﵂: وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ ، ولم أرَ امرأة قط خيرًا في الدين من زينب وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل

стр. 5011

للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرب به إلى الله تعالى، ما عدا سورة من حدة كانت فيها تسرع منها الفيئة. (١) الوجه الرابع: إخبار عائشة عن زينب أنها تسارع في الخير . فعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة فأذن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك زينب بنت جحش أمرت ببناء فبني لها. قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا صلى انصرف إلى بنائه فبصر بالأبنية فقال: "ما هذا؟ "، قالوا: بناء عائشة، وحفصة، وزينب، فقال رسول الله ﷺ : "آلبر أردن بهذا؟ ما أنا بمعتكف"، فرجع فلما أفطر، اعتكف عشرًا من شوال (٢). ومحل الشاهد أن عائشة ﵂: تخبر عن زينب أنها تحب العمل الصالح وتنافس عليه. الوجه الخامس: براءة زينب من الوقوع في عرض السيدة عائشة في قصة الإفك وثناء عائشة عليها بذلك . كما قالت عائشة ﵂: وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: "يا زينب، ما علمت ما رأيت؟ " فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري؛ والله ما علمت عليها إلا خيرًا. قالت: وهي التي كانت تساميني فعصمها الله بالورع. (٣) فانظر إلى قول عائشة في زينب: فعصمها الله بالورع وهو شدة المحافظة على الدين. الوجه السادس: إخبار عائشة ﵂ أن زينب كانت تكرم النبي ﷺ في نوبة غيرها وتسقيه عسلًا . عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يشرب عسلًا عند زينب بنت جحش ويمكث عندها، فواطيت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير؛ إني أجد منك ريح مغافير. قال: "لا، ولكني كنت أشرب عسلًا عند زينب بنت جحش فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا". (٤)

стр. 5012

وهذا شرف لزينب ﵂ جاء على لسان عائشة ﵂. الوجه السابع: إخبار عائشة عن زينب بأنها كانت تعمل وتتصدق . عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله ﷺ : "أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا"، قالت: فكن يتطاولن أيتهن أطول يدًا، قالت: فكانت أطولنا يدًا زينب؛ لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق. (١) وعند الحاكم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ لأزواجه: "أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا"، قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله ﷺ نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى تُوفيت زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي ﷺ إنما أراد بطول اليد الصدقة. قال: وكانت زينب امرأة صناعة اليد فكانت تدبغ وتخرز وتصدق في سبيل الله . (٢) الوجه السابع: ولم يصح في أي حديث أن عائشة وقعت في زينب أو أساءت إليها ولا كان هذا من زينب؛ سوى ما كان من أمر الغيرة في الحدود المشروعة كما في الرواية السابقة، وأما الحديث الذي فيه أن زينب سبت عائشة والنبي ﷺ جالس، فقال لعائشة: سبيها، فاشتكت إلى علي ... الخ. فها هو: عن علي بن زيد بن جدعان، عن أم محمد امرأة أبيه، قال ابن عون: وزعموا أنها كانت تدخل على أم المؤمنين، قالت: قالت أم المؤمنين ﵂: دخل علينا رسول الله ﷺ وعندنا زينب بنت جحش ﵂، فجعل يصنع شيئًا بيده، فقلت بيده، حتى فطنته لها، فأمسك، وأقبلت زينب ﵂، تَقْحَمُ (٣) لعائشة ﵂، فنهاها فأبت أن تنتهي، فقال لعائشة ﵂: سُبِّيهَا، فسبتها، فغلبتها، فانطلقت زينب ﵂ إلى علي ﵁ فقالت: إن عائشة وقعت بكم وفعلت، فجاءت فاطمة ﵂ فقال ﷺ لها: "إنها

стр. 5013

حبة أبيك ورب الكعبة"، فانصرفت، فقالت لهم: إني قلت له كذا وكذا فقال لي كذا وكذا. قال: وجاء علي ﵁ إلى النبي ﷺ فكلمه في ذلك. (١) والجواب أن هذا حديث منكر فعلي بن زيد قال فيه ابنُ عدي: كان يغلو في التشيع وقد سبق بيان ذلك في ترجمة أم سلمة ﵂، وقال ابن كثير ﵀: هكذا أورد هذا السياق وعلي بن زيد بن جدعان يأتي في رواياته بالمنكرات غالبًا وهذا فيه نكارة، والصحيح خلاف هذا السياق.

стр. 5014

١٠ - شبهة: أخلاق عائشة مع جويرية بنت الحارث ﵄ . نص الشبهة: وهي تدور حول مسألتين: الأولى: قول عائشة ﵂ فكرهتها. الثانية: نظر النبي ﷺ إليها وهي امرأة أجنبية وامتلاء عينيه من جمالها. واعتمدوا في هذه الشبهة على هذه الرواية: عن عائشة ﵂ قالت: لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس -أو لابن عم له- وكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حُلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها، قالت: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت، فدخلت عليه، فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس -أو لابن عم له- فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابتي. قال: "فهل لك في خير من ذلك؟ ". قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: "أقضي كتابتك وأتزوجك" قالت: نعم يا رسول الله. قال: "قد فعلت". قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس" أصهار رسول الله ﷺ فأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها. (١)

стр. 5015

والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: أن قولها: فكرهتها محمول على الغيرة الطبعية التي في النساء. الوجه الثاني: أنها قالت: ذلك قبل أن تصير جويرية زوجة للنبي ﷺ ، وقبل أن تسلم. الوجه الثالث: ثناء عائشة عليها بعد إسلامها أنها لما أسلمت وصارت زوجة للنبي ﷺ أثنت عليها عائشة بأبلغ الثناء؛ فقالت: فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها. الوجه الرابع: أن عائشة بهذا السياق تريد أن تخبر عن جمال جويرية، وعن موقف رسول الله ﷺ من قومها، وعن اختيارها جوار النبي ﷺ ، ولم ترد بذلك قطعًا شين جويرية؛ لأن هذه الأشياء في ديننا حسنة فلو أرادت ذمها لما ذكرت هذه الأمور. الوجه الخامس: أن هذا الحديث واضح في مناقب وفضائل جويرية ﵂، والتي روته هي عائشة ﵂؛ فإما أن تكون كارهة لها أو لا، فلو كانت كارهة لها وروت فضيلتها لكان هذا دليلًا على أن المراد بالكراهية الغيرة التي لا تحمل على محرم أو على كتمان فضيلة، ولكان دليلًا على فضيلة عائشة ﵂ لأنها تروي فضائل من تغار منها أو تكرهها على حسب ما جاء في الرواية. ولو لم تكن كارهة لها وهو الحق -سوى أمر الغيرة- لما كان في الأمر أي شيء، ولكنها نظرة الشانئ الحاقد ترى الحَسن قبيحًا، والله الستعان. وأما قولهم: نظر النبي إليها فقد سبق الكلام عليه في تعدد زوجات النبي ﷺ .

стр. 5016

١١ - أخلاق عائشة مع صفية بنت حيي بن أخطب ﵄ -. نص الشبهة: لقد زعم القوم سوء أخلاق عائشة مع صفية ﵄ ومعتمدهم في هذا عدة روايات ذكروها، وها هي والرد على ما قالوه من خلالها: الرواية الأولى: عن عائشة قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وهو عروس بصفية بنت حيي جئن نساء الأنصار فأخبرن عنها، قالت: فتنكرت وتنقبت فذهبت فنظر رسول الله ﷺ إلى عيني فعرفني، قالت: فالتفت فأسرعت المشي، فأدركني، فاحتضنني، فقال: "كيف رأيت؟ " قالت: قلت: أرسل يهودية وسط يهوديات. (١) والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: أن هذا الحديث إسناده ضعيف كما هو مبين في الحاشية. الوجه الثاني: أنه لو صح لكان محمولًا على الغيرة، وقد سبق الحديث عنها. الوجه الثالث: في بعض ألفاظ الحديث والراوية لها منقبة لصفية وعائشة. الوجه الرابع: وفي بعضها أنها قالت ذلك قبل أن تعلم بإسلامها.

стр. 5017

الرواية الثانية: عن ثبيتة بنت حنظلة عن أمها أم سنان الأسلمية قالت: لما نزلنا المدينة لم ندخل منازلنا حتى دخلنا مع صفية منزلها، وسمع بها نساء المهاجرين والأنصار فدخلن عليها متنكرات فرأيت أربعًا من أزواج النبي ﷺ متنقبات: زينب بنت جحش، وحفصة، وعائشة، وجويرية، فأسمع زينب تقول لجويرية: يا بنت الحارث، ما أرى هذه الجارية إلا ستغلبنا على عهد رسول الله ﷺ ، فقالت جويرية: كلا إنها من نساء قل ما يحظين عند الأزواج. (١) الرواية الثالثة: عن ابن أبي عون قال: استبت عائشة وصفية فقال رسول الله لصفية: ألا قلت: أبي هارون وعمي موسى؟ وذلك أن عائشة فخرت عليها. (٢) والجواب عن هذه الرواية والتي قبلها هو أنها من طريق الواقدي؛ وهو متروك الرواية فلا يعتمد على روايته أصلًا. الرواية الرابعة: قال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن ثابت، عن أنس قال: بلغ صفية أن حفصة قالت: صفية بنت يهودي، فبكت، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي فقال: "ما يبكيك؟ " قالت: قالت لي حفصة: أني ابنة يهودي. فقال النبي ﷺ : "إنك لابنة نبي وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، فبما تفخر عليك؟ " ثم قال: "اتق الله يا حفصة". (٣)

стр. 5018

والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: معمر وإن كان ثقة إمامًا حجة لكن روايته عن ثابت متكلم فيها، وروايته عن البصريين فيها اضطراب، وثابت بصري، وعليه فهي رواية ضعيفة. الوجه الثاني: أن هذا الحديث فيه فضيلة لصفية ﵂ ولذلك جعله ابن حبان في باب: ذكر تعظيم النبيِّ ﷺ صفيةَ ورعايته حقها من الصحيح. (١) الوجه الثالث: أن حفصة ما سبتها بذلك وما قالت إلا حقًّا، ومع ذلك فقد حملها عليه الغيرة، وهم أقران ويجري بينهم ما يجري بين الأقران لأنهم بشر. الرواية الخامسة: عن صفية بنت حيي قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وقد بلغني عن حفصة وعائشة كلام، فذكرت ذلك له فقال: "ألا قلت: فكيف تكونان خيرًا مني وزوجي محمد وأبي هارون وعمي موسى؟ " وكان الذي بلغها أنهم قالوا: نحن أكرم على رسول الله ﷺ منها، وقالوا: نحن أزواج النبي ﷺ وبنات عمه. (٢)

стр. 5019

والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: أن الحديث ضعيف كما هو مُبين في الحاشية. الوجه الثاني: أنه على فرض صحته فيه ثناء على صفيه وجبرًا لخاطرها، فإن قلت: أليست حفصة ابنة نبي وهو إسماعيل ﵇؛ لأنها قرشية، وعمها نبي وهو إسحاق ﵇ وتحت نبي وهو النبي ﷺ . هذه الصفات مشتركة بين نسائه ﷺ اللاتي من قريش، وصفية أيضًا مشاركة لهن، لأن موسى وهارون من أولاد يعقوب بن إسحاق ﷺ والمقصود دفع المنقصة بأنها أيضًا تجمع صفات الفضل والكرم. (١) الوجه الثالث: أنه خرج مخرج الغيرة، وقد سبق الحديث عنها. الرواية السادسة: عن عائشة أنها قالت: وكان متاعي فيه خف وكان على جمل ناج، وكان متاع صفية فيه ثقل وكان على جمل ثقيل بطيء يتبطأ بالركب، فقال رسول الله: "حولوا متاع

стр. 5020

عائشة على جمل صفية وحولوا متاع صفية على جمل عائشة حتى يمضي الركب"، قالت: عائشة فلما رأيت ذلك قلت: يا لعباد الله، غلبتنا هذه اليهودية على رسول الله، قالت: فقال رسول الله: "يا أم عبد الله، إن متاعك كان فيه خف، وكان متاع صفية فيه ثقل فأبطأ بالركب، فحولنا متاعها على بعيرك وحولنا متاعك على بعيرها"، قالت: فقلت: ألست تزعم أنك رسول الله؟ قالت: فتبسم، قال: "أو فيّ شك أنت يا أم عبد الله؟ " قالت: قلت: ألست تزعم أنك رسول الله؟ أفهلا عدلت؟ وسمعني أبو بكر وكان فيه غرب أي: حدة، فأقبل علي فلطم وجهي، فقال رسول الله: "مهلًا يا أبا بكر"، فقال: يا رسول الله، أما سمعت ما قالت؟ : فقال رسول الله: "إن الغيري لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه". (١) والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: أن الحديث ضعيف، وفي متنه نكارة. الوجه الثاني: أن هذا متن منكر من جهة قول عائشة: ألست تزعم أنك رسول الله؟ ! الوجه الثالث: أنه على فرض صحته محمول على الغيرة الشديدة كما جاء في نص الحديث. الوجه الرابع: الحديث فيه فضيلة لصفية ترويها عائشة ﵂ فما السوء في ذلك؟ ! الرواية السابعة: عن ابن أبي عون قال: قالت عائشة: كنت أستب أنا وصفية فسببت أباها فسبت أبي، وسمعه رسول الله ﷺ فقال: "يا صفية، تسبين أبا بكر، يا صفية، تسبين أبا بكر". (٢) قلت: والجواب عليه أنه من رواية محمد بن عمر الواقدي؛ وهو متروك. الرواية الثامنة: عن عائشة قالت: قلت للنبي ﷺ : حسبك من صفية كذا وكذا -قال غير مسدد تعني: قصيرة- فقال: "لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته"، قالت: وحكيت له إنسانًا قال: ما أحب أني حكيت إنسانًا وأن لي كذا وكذا. (٣)

стр. 5021

وهذا حديث صحيح والرد عليه من وجوه: الوجه الأول: أن عائشة بشر يخطئ ويصيب ولا نعتقد فيها العصمة. الوجه الثاني: أن كلامها في صفية خرج مخرج الغيرة، وهي فطرية في المرأة. الوجه الثالث: أن النبي ﷺ نهاها واستجابت وتابت إلى الله . الوجه الرابع: أنها هي التي روت لنا هذا الحدث، وكان يمكن أن لا نعرف عنه شيئًا؛ ولكنها روته لما فيه من الفوائد فانظرها في الحاشية، وهي وجه خامس. ونحن نذكرها لنعرف كيف نستفيد من البيت النبوي، ولنعرف كيف ننظر إليه بعين الاتباع لا بعين النقد. (١)

стр. 5022

الوجه الخامس: لعل عائشة ﵂ عنها قالت هذا القول وهي لا تعلم أن هذا يدخل في الغيبة فلما علمت كفت. * * *

стр. 5023

١٢ - أخلاق عائشة مع أم حبيبة ﵄ . لقد رأى البعض أن عائشة كانت سيئة الأخلاق مع أم حبيبة؛ لأنه عندما قتل معاويةُ بن أبي سفيان محمدَ بن أبي بكر وأحرقه في جيفة حمار بعثت أم حبيبة إليها بكبش مشوي؛ وقالت لها: هكذا شوي أخوك فقالت عائشة: يا ابنة العاهرة، والله لا أكلت شواء أبدًا. فلم تأكل شواء حتى ماتت، ويتساءل: كيف يقع مثل هذا الشتم ممن وصفت بأم المؤمنين؟ ! . والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: إيراد هذه الرواية التي اعتمدوا عليها، وبيان حالها. الوجه الثاني: تعريف مختصر بأم حبيبة وفضائلها. وإليك التفصيل الوجه الأول: بيان حكم الرواية . عن يزيد بن أبي حبيب قال: بعث معاويةُ عمروَ بن العاص في سنة ثمان وثلاثين إلى مصر ومعه أهل دمشق؛ عليهم يزيدُ بن أسد البجلي، وعلى أهل فلسطين رجل من خثعم، ومعاوية بن حديج على الخارجة، وأبو الأعور السلمي على أهل الأردن؛ فساروا حتى قدموا مصر، فاقتتلوا بالمسناة، وعلى أهل مصر محمد بن أبي بكر؛ فهزم أهل مصر بعد قتل شديد في الفريقين جميعًا. قال عمرو: وشهدت أربعة وعشرين زحفًا فلم أرَ يومًا كيوم المسناة، ولم أرَ الأبطال إلا يومئذ، فلما هزم أهل مصر، تغيب محمد بن أبي بكر، فأخبر معاوية بن حديج بمكانه، فمشى إليه فقتله، وقال: يُقتل كنانة بن بشر ويترك محمد بن أبي بكر؟ وإنما أمرهما واحد، ثم أمر به معاوية بن حديج فجر فمر به على دار عمرو بن العاص، لما يعلم من كراهيته لقتله، ثم أمر به بجادًا التجيبي فأحرقه في جيفة حمار. (١)

стр. 5024

والجواب عن هذا: أنه حديث مرسل وإسناده ضعيف، وعليه فلا تعويل عليه وله طريق موصولة إسنادها ضعيف جدًّا، ومع هذا فلم أجد قول عائشة لأم حبيبة (يا ابنة العاهرة) بإسناد صحيح ولا ضعيف، فهي كلمة مكذوبة مفتراة لم أقف طا على أصل، وبهذا تُبرأ السيدة عائشة ﵂ من هذه الفرية المنسوبة إليها في أمر السيدة أم حبيبة ﵂، وكذلك تبرأ السيدة أم حبيبة كذلك. والله أعلم. الوجه الثاني: ذكر بعض فضائل السيدة أم حبيبة ﵂ -. هي: أم حبيبة أم المؤمنين السيدة المحجبة رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي. وإليك بعض فضائلها: ١ - أسلمت رملة مع زوجها في دار الأرقم بن أبي الأرقم. ٢ - وحينما اشتد الأذى بالمسلمين في مكة هاجرت رملة بصحبة زوجها؛ فارة بدينها، متمسكة بعقيدتها، متحملة الغربة والوحشة، تاركة الترف والنعيم التي كانت فيها، بعيدة عن مركز الدعوة والنبوة، متحملة مشاق السفر والهجرة، فأرض الحبشة بعيدة عن مكة،

стр. 5025

والطريق تتخلله العديد من الطرق الوعرة، والحرارة المرتفعة، وقلة المؤونة. كما أن رملة في ذلك الوقت، كانت في شهور حملها الأولى في حين نرى بأن سفر هذه الأيام سفر راحة ورفاهية، ووسائل النقل المتطورة ساعدت على قِصَر المسافة بين الدول، وبعد أشهر من بقاء رملة في الحبشة، انجبت مولودتها (حبيبة)؛ فكنيت (بأم حبيبة). ٣ - ومن مناقبها أنها ثبتت على الإسلام في دار الغربة وقد مات زوجها. ٤ - وهي من بنات عم الرسول ﷺ ، ليس في أزواجه من هي أقرب نسبًا إليه منها، ولا في نسائه من هي أكثر صداقًا منها، ولا من تزوج بها وهي نائية الدار أبعد منها. ٥ - عُقد له ﷺ عليها بالحبشة، وأصدقها عنه صاحب الحبشة أربع مئة دينار، وجهزها بأشياء. ٦ - وكان لها يوم قدم بها المدينة بضع وثلاثون سنة وقد كان لأم حبيبة حرمة وجلالة، ولاسيما في دولة أخيها، ولمكانه منها قيل له خال المؤمنين. ٧ - ولما جهز الرسول ﷺ المسلمين لفتح مكة، وبالرغم من معرفة أم حبيبة لهذا السر، إلا أنها لم تخبر أباها، وحافظت على سر رسول الله ﷺ وسر المسلمين، ففتح المسلمون مكة، ودخل العديد من المشركين في دين الله، وأسلم أبو سفيان، فتكاملت أفراح أم حبيبة وشكرت الله على هذا الفضل العظيم، وفي هذا الموقف إشارة إلى أنه يجب على المرأة المسلمة حفظ سر زوجها، وعدم البوح به حتى لأقرب الناس إليها، لذلك يجب على الزوجة الصالحة المحافظة على بيت الزوجية وعدم البوح بالأسرار. ٨ - وأما روايتها للحديث فقد روت أم حبيبة ﵂ عدة أحاديث عن الرسول ﷺ بلغ مجموعها خمسة وستين حديثًا، وقد اتفق لها البخاري ومسلم على حديثين. تُوفيت قبل معاوية بسنة. وهكذا جمعت من المناقب أنها صحابية جليلة، ابنة صحابي زعيم، وأخت خليفة، وزوجة خاتم النبيين محمد ﷺ (١).

стр. 5026

١٣ - أخلاق عائشة مع مارية القبطية ﵅ . نص الشبهة: هذه الشبهة خاصة بأخلاق عائشة ﵂ مع مارية القبطبية ﵂، وهي منصبة حول الغيرة كغيرها، واعتمادهم في هذه الشبهة على عدة روايات تذكر ما قالته عائشة وما فعلته تجاه مارية القبطية منذ اصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه، وهذه الروايات منها ما صح وأسيء فهمه، ومنها ما لم يصح وأورد مورد الصحيح، ونحن نورد هذه الروايات وما صح منها وجهناه واستخرجنا منه الفوائد النافعة، وما لم يصح بيناه بعون الله تعالى. الرواية الأولى: عن عائشة قالت: ما غرت على امرأة إلا دون ما غرت على مارية وذاك أنها كانت جميلة من النساء وأعجب بها رسول الله ﷺ وكان أنزلها في أول ما قدم بها في بيت حارثة بن النعمان فكانت جارتنا فكان عامة النهار والليل عندها حتى فرغنا لها فجزعت فحولها إلى العالية وكان يختلف إليها هناك فكان ذلك أشد علينا ثم رزق منها الولد وحرمناه منه. (١) والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: أن في إسنادها ما يدل على أنها موضوعة؛ وتفصيل ذلك كما في الحاشية. الوجه الثاني: أن قولها: يكون عندها عامة النهار والليل يخالف ما تواتر عن النبي ﷺ من القسم بين الزوجات، والعدل بينهن حتى قالت عائشة نفسها: كان النبي ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه .... الحديث. قال ابن عساكر: وكانت له ﷺ سريتان يقسم لهما مع أزواجه: مارية القبطية أم إبراهيم،

стр. 5027

وريحانة بنت شمعون الخنافية إحدى بني النضير. قال ابن أبي مليكة: فسألت عائشة عن قسمة النبي ﷺ لأمي ولده فقالت: كان يقسم لهما مرة ويدعهما مرة؛ فإذا قسم أضعف قسمنا فلإحداهن يوم ولنا يومان، وعلى ذلك قسم للمرأة المملوكة النصف مما قسم للحرة. (١) الوجه الثالث: وإذا كان أعجب بها فلماذا لم يتخذها زوجة، وما الذي منعه من ذلك! وقد صنع مثله بجويرية وصفية ﵃ مع العلم بأنه كان قد اتخذ مارية قبل التحريم حيث ذكر غير واحد من العلماء كابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، وابن جرير، وغيرهم أن هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي ﷺ ورضا عنهن على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة لمَّا خيرهن رسول الله ﷺ ، فلما اخترن رسول الله ﷺ كان جزاؤهن أن الله تعالى قصره عليهن وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن أو يستبدل بهن أزواخا غيرهن ولو أعجبه حسنهن، إلا الإماء والسراري، فلا حرج عليه فيهن، ثم إنه تعالى رفع عنه الحرج في ذلك، ونسخ حكم هذه الآية وأباح له التزوج؛ ولكن لم يقع منه بعد ذلك تزوج لتكون المنة لرسول الله ﷺ عليهن (٢). قلت: فثبت بهذا التقرير بطلان طعنهم في أم المؤمنين ﵂ بسبب هذه الرواية. الرواية الثانية: التي استدلوا بها على سوء أخلاق عائشة مع مارية: عن أبي هريرة ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ بمارية القبطية سريته بيت حفصة بنت عمر، فوجدتها معه، فقالت: يا رسول الله، في بيتي من بين بيوت نسائك؟ قال: "فإنها علي حرام أن أمسها يا حفصة، واكتمي هذا علي" فخرجت حتى أتت عائشة، فقالت: يا بنت أبي بكر، ألا أبشرك؟ فقالت: بماذا؟ قالت: وجدت مارية مع رسول الله ﷺ في بيتي، فقلت: يا رسول الله في بيتي من بين بيوت نسائك؟ وبي تفعل هذا من بين نسائك؟ فكان أول السرور أن حرمها على نفسه، ثم قال لي: "يا حفصة، ألا أبشرك؟ " فقلت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله، فأعلمني أن أباك يلي الأمر من بعده، وأن أبي يليه بعد أبيك، وقد

стр. 5028

استكتمني ذلك فاكتميه، فأنزل الله في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ أي: من مارية: ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ أي: حفصة، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لما كان منك، ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ يعني حفصة، ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ يعني عائشة، ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي بالقرآن ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ عرف حفصة ما أظهرت من أمر مارية، ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ عما أخبرت به من أمر أبي بكر، وعمر، فلم يثربه عليها، ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾، ثم أقبل عليها يعاتبها، فقال: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني أبا بكر وعمر، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾، فوعده من الثيبات آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وأخت نوح، ومن الأبكار مريم بنت عمران، وأخت موسى ﵈. (١) والجواب عن هذه الشبهة: أن الرواية ساقطة باطلة بهذا السياق كما هو مبين في الحاشية، وإذا علم أن الرواية باطلة فما انفردت به عن الروايات الصحيحة لا حجة فيه ولا اعتبار به الرواية الثالثة عن ابن عباس ﵄ يقول: خرجت حفصة من بيتها، وكان يوم عائشة، فدخل رسول الله ﷺ بجاريته وهي مخمر وجهها فقالت حفصة لرسول الله: أما إني قد رأيت ما صنعت. فقال لها رسول الله: "فاكتمي عني وهي حرام". فانطلقت حفصة إلى عائشة فأخبرتها

стр. 5029

وبشرتها بتحريم القبطية، فقالت له عائشة: أما يومي فتعرس فيه بالقبطية، وأما سائر نسائك فتسلم لهن أيامهن! فأنزل الله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾، لحفصة، ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ يعني عائشة وحفصة، ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ يعني حفصة وعائشة، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ الآية. فتركهن رسول الله، ﷺ تسعًا وعشرين ليلة ثم نزل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فأمر فكفر يمينه وحبس نساءه عليه (١). الرواية الرابعة: عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ قال: دخلت حفصة على النبي ﷺ في بيتها وهو يطأ مارية فقال لها رسول الله ﷺ : "لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة أن أباك يلي الأمر من بعد أبي بكر إذا أنا مت" فذهبت حفصة فأخبرت عائشة، فقالت عائشة لرسول الله ﷺ : من أنبأك هذا؟ قال: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ فقالت عائشة: لا أنظر إليك حتى تحرم مارية فحرمها فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ (٢)

стр. 5030

والجواب على هذه الشبهة أن الرواية منكرة كما في الحاشية. وقد سبق بيان ذلك مفصلًا في شبهة مستقلة. الرواية الخامسة: عن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب: من المرأتان؟ قال: عائشة وحفصة وكان بدء الحديث في شأن أم إبراهيم مارية القبطية أصابها النبي ﷺ في بيت حفصة في نوبتها فوجدت حفصة فقالت: يا نبي الله لقد جئت إلي شيئًا ما جئت إلى أحد من أزواجك في يومي وفي دوري وعلى فراشي قال: ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها قالت: بلى فحرمها، وقال: "لها لا تذكري ذلك لأحد" فذكرته لعائشة فأظهره الله عليه فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ الآيات كلها فبلغنا أن رسول الله ﷺ كفر عن يمينه وأصاب جاريته. (١) والجواب عن هذه: أن هذه القصة مدرجة عند ابن إسحاق في حديث ابن عباس عن عمر كما قال الحافظ في الفتح (٢)، وعليه فهي لا تصح ولا متمسك لهم فيها. الرواية السادسة: عن ابن عباس قال: كنت أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن قول الله وإن تظاهرا عليه فكنت أهابه، حتى حججنا معه حجة فقلت: لئن لم أسأله في هذه الحجة لا أسأله فلما قضينا حجنا أدركناه وهو ببطن مرو قد تخلف لبعض حاجته فقال: مرحبًا يا بن عم رسول الله، ما حاجتك، قلت: شيء كنت أريد أن أسألك عنه يا أمير المؤمنين فكنت أهابك فقال: سلني عم شئت، فإنا لم نكن نعلم شيئًا حتى تعلمنا، فقلت: أخبرني عن قول الله ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ من هما؟ فقال: لا تسأل أحدًا أعلم بذلك مني، كنا بمكة لا تكلم

стр. 5031

أحدنا امرأته، إنما هن خادم البيت، فإذا كان له حاجة سفع برجليها فقضى منها حاجته، فلما قدمنا المدينة تعلمن من نساء الأنصار، فجعلن يكلمننا ويراجعننا، وإني أمرت غلمانا لي ببعض الحاجة، فقالت امرأتي: بل اصنع كذا وكذا، فقمت إليها بقضيب فضربتها به، فقالت: يا عجبا لك يا ابن الخطاب، تريد ألا تكلم، فإن رسول الله ﷺ يكلمنه نساؤه، فخرجت فدخلت على حفصة، فقلت: يا بنية انظري، لا تكلمي رسول الله ﷺ في شيء، ولا تسأليه، فإن رسول الله ﷺ ليس عنده دنانير ولا دراهم يعطيكهن، فما كانت لك من حاجة حتى دهن رأسك فسليني، وكان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح جلس في مصلاه، وجلس الناس حوله حتى تطلع الشمس، ثم دخل على نسائه امرأة امرأة، يسلم عليهن، ويدعو لهن، فإذا كان يوم إحداهن جلس عندها، هانها أهديت لحفصة بنت عمر عكة عسل من الطائف أو من مكة، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل عليها يسلم حبسته حتى تلعقه منها أو تسقيه منها، وإن عائشة أنكرت احتباسه عندها، فقالت لجويرية عندها حبشية يقال لها: خضراء: إذا دخل على حفصة فادخلي عليها، فانظري ما يصنع، فأخبرتها الجارية ما يصنع بشأن العسل، فأرسلت عائشة إلى صواحبها فأخبرتهن، وقالت: إذا دخل عليكن فقلن: إنا نجد منك ريح مغافير، ثم إنه دخل على عائشة، فقالت: يا رسول الله، أطعمت شيئا منذ اليوم؟ فإني أجد منك ريح مغافير، وكان رسول الله ﷺ أشد شيء عليه أن يوجد منه ريح شيء، فقال: "هو عسل، والله لا أطعمه أبدًا"، حتى إذا كان يوم حفصة، قالت: يا رسول الله، إن لي حاجة إلى أبي، إن نفقة لي عنده، فائذن لي أن آتيه، فأذن لها، ثم إنه أرسل إلى مارية جاريته، فأدخلها بيت حفصة، فوقع عليها، فأتت حفصة، فوجدت الباب مغلقا، فجلست عند الباب، فخرج رسول الله ﷺ وهو فزع، ووجهه يقطر عرقًا، وحفصة تبكي، فقال: "ما يبكيك؟ " فقالت: إنما أذنت لي من أجل هذا، أدخلت أمَتَكَ بيتي ثم وقدت عليها على فراشي، ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن، أما والله ما يحل لك هذا يا رسول الله، فقال: "والله ما صدقت، أليس هي جاريتي قد أحلها الله لي؟ أشهدك أنها علي حرام، ألتمس بذلك رضاك، انظري ألا تخبري بهذا امرأة منهن، فهي عندك أمانة"، فلما

стр. 5032

خرج رسول الله ﷺ ، قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة، فقالت: ألا أبشرك؟ إن رسول الله ﷺ قد حرم أمته، وقد أراحنا الله منها، فقالت عائشة: أما والله لقد كان يريبني أنه يقيل من أجلها، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ فهي عائشة وحفصة، وزعموا أنهما كانتا لا تكتم إحداهما الأخرى شيئًا، وكان لي أخ من الأنصار إذا حضرت وغاب في بعض ضيعته حدثته بما قال رسول الله ﷺ ، وإذا غبت في بعض ضيعتي حدثني، فأتاني يومًا وقد كنا نتخوف جبلة بن الأيهم الغساني، فقال: ما دريت ما كان؟ فقلت: وما ذاك، لعل جبلة بن الأيهم الغساني يذكر؟ فقال: لا، ولكنه أشد من ذلك، إن رسول الله ﷺ صلى الصبح فلم يجلس كما كان يجلس، ولم يدخل على أزواجه كما كان يصنع، وقد اعتزل في مشربته، وقد تركت الناس يموجون، ولا يدرون ما شأنه؟ فأتيت والناس في المسجد يموجون ولا يدرون، فقلت: يا أيها الناس، كما أنتم، ثم أتيت رسول الله ﷺ وهو في مشربته قد جعلت له عجلة فرقى عليها، فقلت لغلام له أسود وكان يحجبه: استأذن لعمر بن الخطاب، فاستأذن لي فدخلت ورسول الله ﷺ في مشربته فيها حصير وأهب معلقة، وقد أفضى بجنبه إلى الحصير، فأثر الحصير في جنبه، وتحت رأسه وسادة من أدم محشوة ليفًا، فلما رأيته بكيت، فقال: "ما يبكيك؟ " قلت: يا رسول الله، فارس والروم يضطجع أحدهم في الديباج والحرير، فقال: "إنهم عجلت لهم طيباتهم في الدنيا، والآخرة لنا"، ثم قلت: يا رسول الله، ما شأنك؟ فإني قد تركت الناس يموج بعضهم في بعض، فعن خبر أتاك اعتزلتهن؟ فقال: "لا ولكن بيني وبين أزواجي شيء، فأقسمت ألا أدخل عليهن شهرًا"، ثم خرجت على الناس فقلت: يا أيها الناس، ارجعوا، فإن رسول الله ﷺ كان بينه وبين أزواجه شيء فأحب أن يعتزل. ثم دخلت على حفصة، فقلت: يا بنية، أتكلمي رسول الله ﷺ وتغيظين وتغارين عليه؟ فقالت: لا أكلمه بعد بشيء يكرهه، ثم دخلت على أم سلمة وكانت خالتي، فقلت لها كما قلت لحفصة، فقالت: عجبًا لك يا عمر بن الخطاب، كل شيء تكلمت فيه حتى تريد أن تدخل بين رسول الله ﷺ وبين أزواجه، وما يمنعنا أن نغار على رسول الله

стр. 5033

- ﷺ وأزواجكم يغرن عليكم فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ اهـ. (١) والجواب على هذه الشبهة: أن هذه الزيادة المفصلة لقصة مارية ضعيفة كما هو مبين في الحاشية. الرواية السابعة: عن محمد بن جبير بن مطعم قال: خرجت حفصة من بيتها فبعث رسول الله ﷺ إلى جاريته فجاءته في بيت حفصة، فدخلت عليه حفصة وهي معه في بيتها فقالت: يا رسول الله، في بيتي وفي يومي وعلى فراشي! فقال رسول الله: "اسكتي فلك الله لا أقربها أبدا، ولا تذكريه". فذهبت حفصة فأخبرت عائشة فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، فكان ذلك التحريم حلالًا، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، فكفر رسول الله عن يمينه حين آلى، ثم قال: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾، يعني حفصة، ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾، حين أخبرت عائشة، ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾، يعني حفصة لما أخبره الله، قالت حفصة: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾؟ قال: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، الآية. فقال رسول الله: ما أنا بداخل عليكن شهرًا. (٢)

стр. 5034

والجواب عن هذه الشبهة: أن الرواية من طريق محمد بن عمر مع كونه مرسل، ومن خلال ما مر نعلم أن هذه الروايات السالفة لا تخلو من مقال ونظر، وأما الصحيح في القصة فها هو: عن أنس: أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حَرَّمها، فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾؟ إلى آخر الآية. (١) قلت: فهذا هو ما صح وما في الروايات السابقة من زيادات على هذا فهو منكر ولا أصل له صحيح، وأما توجيه هذه الرواية الصحيحة بالنسبة لما صدر من عائشة وحفصة فمن وجوه: الأول: أن هذا من قبيل الغيرة الفطرية وكدْلك بالنسبة لحفصة ﵂ وقد سبق الكلام عن هذه الغيرة الفطرية. الثاني: أن الذي زاد من الغيرة أنه وقع في بيت حفصة وفي بيت عائشة على فرض صحة هذه الزيادة. الثالث: أن مما فعله النبي ﷺ دليل على مكانة حفصة، وعائشة عنده وعلى حسن عشرته لهما ﷺ . ثانيًا: هل هناك تناقض واضح في سبب الآية الأولى من سورة التكريم، بحيث لا يمكن الجمع بين هذه الأسباب؟ حيث ظن البعض أن كثرة الروايات لقصة المغافر يدل على أنها ملفقة لستر أمر آخر. والرد على ذلك من وجوه:

стр. 5035

الوجه الأول: ذكر الاختلاف في سبب النزول مجملًا مع تصديره بالقول الراجح. الوجه الثاني: ذكر كل قول من الأقوال على حدة مع ذكر دليله معه. الوجه الثالث: وجه الجمع بين هذه الروايات. الوجه الرابع: هل هناك علاقة بين هاتين القصتين وبين هجر النبي ﷺ لأزواجه؛ لأن البعض يتساءل: هل كان ابتعاده ﷺ عن نسائه مرتبطًا بسورة التحريم أو الأحزاب أم كان الهجر أكثر من مرة؟ . وإليك التفصيل الوجه الأول: ذكر الخلاف مجملًا في سبب نزول صدر سورة التحريم . اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية على ثلاثة أقوال: الأول: أنها نزلت في تحريم العسل وهذا هو الراجح، وأما التي كان يشرب عندها العسل فهي زينب وهو الراجح، وفي رواية أنها حفصة، وقيل سودة، وقيل أم سلمة. والراجح الأول. الثاني: أنها نزلت في تحريم مارية ونسبه القرطبي إلى أكثر المفسرين، ويمكن الجمع بين هذا السبب والذي قبله. الثالث: أنها نزلت في تحريم الواهبة نفسها للنبي ﷺ وهو قول ضعيف غريب. قال ابن كثير: والصحيح أن ذلك كان في تحريمه العسل، وقال القرطبي: وهو أصحها وبعد هذا الإجمال نذكر هذه الأقوال بأدلتها: أولا: نزلت في تحريم العسل وقد اختلف العلماء في تحديد التي كان يشرب عندها العسل. فقيل زينب بنت جحش ودليل هذا القول حديث عائشة قالت: كان النبي ﷺ يشرب عسلًا عند زينب بنت جحش ويمكث عندها، فتواطأت أنا وحفصة على أيَّتُنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير إني أجد منك ريح مغافير قال: "لا ولكني كنت

стр. 5036

أشرب عسلًا عند زينت بنت جحش، فلن أعود له وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا" ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ هكذا أورد هذا الحديث هاهنا بهذا اللفظ. (١) ورواه في كتاب الأيمان والنذور مطولًا عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلًا فتواطأت أنا وحفصة أن أيَّتُنا دخل عليها النبي ﷺ فلتقل له إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير، فدخل على إحداهما النبي ﷺ فقالت ذلك له فقال: "لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ لعائشة وحفصة ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لقوله: بل شربت عسلًا، وقال إبراهيم بن موسى عن هشام: "ولن أعود له وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدًا" (٢). وقيل كان يشرب عند حفصة: والدليل على ذلك ما روته عائشة ﵂ عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحلوى والعسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس فغرت، فسألت عن ذلك فقيل لي أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل فسقت النبي ﷺ منه شربة فقلت: أما والله لنحتالن له فقلت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي أكلت مغافير، فإنه سيقول لك لا، فقولي له ما هذه الريح التي أجد، فإنه سيقول لك سقتني حفصة شربة عسل، فقولي جرست نحله العرفط، وسأقول لك وقولي له أنت يا صفية ذلك قالت: تقول سودة: فوالله ما هو إلا أن قام على الباب فأردت أن أناديه بما أمرتني فرقا منك، فلما دنا منها قالت له

стр. 5037

سودة: يا رسول الله أكلت مغافير؟ قال: "لا" قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال: "سقتني حفصة شربة عسل" قالت: جرست نحلة العرفط، فلما دار إلي قلت نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت له: يا رسول الله ألا أسقيك منه؟ قال: "لا حاجة لي فيه" قالت: تقول سودة والله لقد حرمناه، قلت لها اسكتي (١). وقد رواه مسلم عن سويد بن سعيد، عن علي بن مسهر به، و (عن أبي كريب، وهارون بن عبد الله، والحسن بن بشر) ثلاثتهم عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن هشام بن عروة به وعنده قالت: وكان رسول الله ﷺ يشتد عليه أن يوجد منه الريح يعني الريح الخبيثة ولهذا قلن له أكلت مغافير؛ لأن ريحها فيه شيء فلما قال: "بل شربت عسلًا". (٢) قال ابن حجر: ووجدت لقصة شرب العسل عند حفصة شاهدًا في تفسير بن مردويه من طريق يزيد بن رومان عن ابن عباس ورواته لا بأس بهم وقد أشرت إلى غالب ألفاظه. (٣) قلت: ففي هذه الرواية أن التي سقت العسل لرسول الله ﷺ هي حفصة ﵂. وقيل كان يشرب العسل عند سودة ﵂ كما رواه الطبراني من حديث ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يشرب عند سودة العسل فدخل على عائشة فقالت: إني أجد منك ريحًا، ثم دخل على حفصة فقالت: إني أجد منك ريحًا. فقال: "أراه من شراب شربته عند سودة والله لا أشربه" فنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾. قال ابن حجر: وأخرج بن مردوية من طريق بن أبي مليكة عن ابن عباس أن شرب العسل كان عند سودة (٤) (٥). وهناك رواية تقول بأن شرب العسل كان عند أم سلمة ﵂.

стр. 5038

قال ابن حجر ﵀: ووقع في تفسير السدي أن شرب العسل كان عند أم سلمة أخرجه الطبري وغيره وهو مرجوح لإرساله وشذوذه. والله أعلم. (١) فالروايات الصحيحة الآن تدور على ثلاثة زينب وحفصة وسودة ﵅ والراجح أنه كان عند زينب ولا يمنع ذلك من وقوع الشرب عند حفصة وسودة في وقت آخر وقد تسبب هذا الاختلاف في تعارض واضطراب عند البعض فما هو وجه الجمع أو الترجيح وسيأتي جواب ذلك بعد ذكر القول الثاني في سبب نزول الآية. القول الثاني: أنه كان في تحريم مارية ودليل هذا القول ما يلي: عن أنس أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى آخر الآية. (٢) وقال ابن كثير: وكذا روي عن قتادة وغيره عن الشعبي نفسه، وكذا قال غير واحد من السلف منهم الضحاك والحسن وقتادة ومقاتل ابن حيان اهـ (٣). الوجه الثاني: وجه الجمع بين هذين القولين . هذان القولان صحيحان في سبب نزول الآية شرب العسل وتحريم مارية. ١ - قال ابن كثير بعد ذكر حديث حفصة السابق: والغرض أنا هذا السياق فيه أنا حفصة هي الساقية للعسل وهو من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن خالته عائشة، وفي طريق ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة: أن زينب بنت جحش هي التي سقته العسل، وأن عائشة وحفصة تواطأتا وتظاهرتا عليه. فالله أعلم، وقد يقال إنهما واقعتان ولا بعد في ذلك إلا أن كونهما سببًا لنزول هذه الآية فيه نظر. والله أعلم ومما يدل على أن عائشة وحفصة ﵄ هما المتظاهرتان في الحديث الذي رواه ابن عباس قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له

стр. 5039

حتى خرج حاجًا فخرجت معه، فلما رجعنا وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، قال: فوقفت حتى فرغ ثم سرت معه فقلت: يا أمير المؤمنين من اللتان ظاهرتا على النبي ﷺ (١)، ولمسلم: من المرأتان اللتان قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ قال عائشة وحفصة (٢)، ثم ساق الحديث بطوله ومنهم من اختصره. قلت: فهذا ابن كثير ﵀ رجح أن سبب النزول في العسل، ولم يمنع في أنه شرب العسل عند زينب وعند حفصة لكن سبب النزول هو أحدهما. ٢ - وأما الحافظ ابن حجر فقال: وطريق الجمع بين هذا الاختلاف، الحمل على التعدد فلا يمتنع تعدد السبب للأمر الواحد. ٣ - فإن جنح إلى الترجيح فرواية عبيد بن عمير أثبت لموافقة ابن عباس لها على أن المتظاهرتين حفصة وعائشة على ما تقدم في الروايات السابقة من جزْمِ عمر بذلك، فلو كانت حفصة صاحبة العسل لم تقرن في التظاهر بعائشة، لكن يمكن تعدد القصة في شرب العسل وتحريمه واختصاص النزول بالقصة التي فيها أن عائشة وحفصة هما المتظاهرتان، ويمكن أن تكون القصة التي وقع فيها شرب العسل عند حفصة كانت سابقة، ويؤيد هذا الحمل أنه لم يقع في طريق هشام بن عروة التي فيها أن شرب العسل كان عند حفصة تعرض للآية ولا لذكر سبب النزول. (٣) فهذا ابن حجر ﵀ يرى أن القصة تعددت في الشرب والتحريم، ولكن النزول كان بعد قصة تظاهر عائشة وحفصة وهذا جلي بحمد الله لمن أراد الحق. ٤ - والراجح أيضًا أن صاحبة العسل زينب لا سودة؛ لأن طريق عبيد بن عمير أثبت من طريق بن أبي مليكة بكثير، ولا جائز أن تتحد بطريق هشام بن عروة، لأن فيها أن سودة كانت ممن وافق عائشة على قولها أجد ريح مغافير، ويرجحه أيضا ما مضى في كتاب الهبة عن عائشة أن نساء النبي ﷺ

стр. 5040

كن حزبين أنا وسودة وحفصة وصفية في حزب وزينب بنت جحش وأم سلمة والباقيات في حزب فهذا يرجح أن زينب هي صاحبة العسل، ولهذا غارت عائشة منها لكونها من غير حزبها والله أعلم. (١) ٥ - وكذلك رجح القرطبي ترجيحًا واضحًا فقال: وإنما الصحيح أنه كان في العسل، وأنه شربه عند زينب وتظاهرت عليه عائشة وحفصة فيه، فجرى ما جرى فحلف ألَّا يشربه، وأسر ذلك ونزلت الآية في الجميع (٢). وهذا موافق لترجيح ابن حجر السابق ولترجيح ابن كثير، لأنهم يتحدثون عن سبب النزول لا عن شرب العسل وعدد مراته، وسبب الشبهة عند صاحبها هو الربط بين هذا وذاك، لكن هذا لا يمنع وقوع كل هذا من تحريم مارية وشرب العسل عند حفصة وسودة، ثم نزول آية التحريم عند تظاهر عائشة وحفصة بعد شرب العسل عند زينب والله أعلم. ٦ - ولنحو هذا مال الطبري ﵀ فإنه جمع بين هذا كله بقوله: والصواب من القول في ذلك أن يقال: كان الذي حرّمه النبيّ ﷺ على نفسه شيئًا كان الله قد أحله له، وجائز أن يكون ذلك كان جاريته، وجائز أن يكون كان شرابًا من الأشربة، وجائز أن يكون كان غير ذلك، غير أنه أيّ ذلك كان، فإنه كان تحريم شيء كان له حلالًا فعاتبه الله على تحريمه على نفسه ما كان له قد أحله، وبين له تحلة يمينه في يمين كان حلف بها مع تحريمه ما حرّم على نفسه. اهـ (٣) ٧ - وممن جمع بين هذا كله الشوكاني ﵀ فقال بعد ذكر السببين: والجمع ممكن بوقوع القصتين: قصة العسل، وقصة مارية، وأن القرآن نزل فيهما جميعًا، وفي كل واحد منهما أنه أسرّ الحديث إلى بعض أزواجه. وأما ما ثبت في الصحيحين وغيرهما

стр. 5041

أن ابن عباس سأل عمر بن الخطاب عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ فأخبره أنهما عائشة وحفصة، ثم ذكر قصة الإيلاء، كما في الحديث الطويل، فليس في هذا نفي لكون السبب هو ما قدّمنا من قصة العسل، وقصة السرية؛ لأنه إنما أخبره بالمتظاهرتين، وذكر فيه أن أزواج النبيّ ﷺ يراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى الليل، وأن ذلك سبب الاعتزال لا سبب نزول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ .. هذا ما تيسر من تلخيص سبب نزول الآية، ودفع الاختلاف في شأنه، فاشدد عليه يديك؛ لتنجو به من الخبط والخلط الذي وقع للمفسرين. (١) وقال ابن حجر: فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معًا. الوجه الثالث: هل هناك صلة بين هذه القصة وبين اعتزال النبي نساءه شهرًا وهل كان الاعتزال مرتبطا بسورة التحريم أو بسورة الأحزاب ؟ وأما عن صلة هذا التظاهر باعتزال النبي ﷺ نساءه شهرًا. ففيه ما رواه الدارقطني عن عمر قال: دخل رسول الله ﷺ بأم ولده مارية في بيت حفصة، فوجدته حفصة معها، فقالت له: تدخلها بيتي ما صنعت بي هذا من بين نسائك إلا من هواني عليك، فقال: "لا تذكري هذا لعائشة فهي علي حرام إن قربتها"، قالت حفصة: وكيف تحرم عليك وهي جاريتك؟ ، فحلف طا لا يقربها، فقال النبي ﷺ : "لا تذكريه لأحد"، فذكرته لعائشة فآلي لا يدخل على نسائه شهرًا فاعتزلهن تسعا وعشرين ليلة، فأنزل الله ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية. (٢)

стр. 5042

وهذا الزيادة في هذه الرواية التي تصل اعتزال النبي ﷺ أزواجه بهذه القصة، وإسنادها ضعيف جدًّا، ولكن يشهد لكون اعتزاله ﷺ لأزواجه كان بعد عدة أمور هذا منها. شبهة حول اعتزال النبي ﷺ لنسائه: حيث تساءل البعض قائلين ما هو السبب الفعلي وراء اعتزال النبي ﷺ لأزواجه؟ هل هو قضية إفشاء السر كما في سور التحريم؟ أم أنه السبب المذكور في سورة الأحزاب؟ ثم عقب السائل على ذلك بقوله وتأتي إجابات المسلمين عن ذلك مشوشة. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: لقد جاء الجواب عن سبب التخيير عن أصحاب النبي ﷺ صريحًا أن التخيير والهجر كان بسبب سؤال النبي ﷺ النفقة والمال والمراجعة والتظاهر عليه ﷺ وهذه هي الروايات بذلك. الرواية الأولى: عن جابر بن عبد الله، قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ ، فوجد الناس جلوسًا ببابه، لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر، فدخل، ثم أقبل عمر، فاستأذن فأذن له، فوجد النبي ﷺ جالسًا حوله نساؤه، واجمًا ساكتًا، قال: فقال: لأقولن شيئًا أضحك النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة، سألتني النفقة، فقمت إليها، فوجأت عنقها، فضحك رسول الله ﷺ ، وقال: "هن حولي كما ترى، يسألنني النفقة"، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده، فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ شيئًا أبدا ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرًا -أو تسعًا وعشرين- ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ حتى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قال: فبدأ بعائشة، فقال: "يا عائشة، إني أريد أن أعرض

стр. 5043

عليك أمرا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك"، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول الله، أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله، والدار الآخرة، وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، قال: "لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني معنتًا، ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا". (١) قلت: فهذا صريح واضح في سبب الهجر والتخيير فأين التشويش في ذلك؟ ! الرواية الثانية: وكذلك صرح عمر بن الخطاب ﵁ ذكره للحديث الذي أخرجه مسلم ﵀ عن ابن عباس قال: لم أزل حريصًا أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ اللتين قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (التحريم: ٤) ... (٢) وزاد البخاري بعد قول عمر: فقلت يا رسول الله استغفر لي. فاعتزل النبي ﷺ من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة وكان قد قال ما أنا بداخل عليهن شهرًا من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله. (٣) قلت: ففي هذه الروايات عن عمر ﵁ أن اعتزاله كان بسبب مراجعته في عدة أمور، ومنها تظاهر عائشة وحفصة عليه، وهذا واضح من السياق في حديث عمر وجابر، ويوضح ذلك ابن حجر توضيحًا أكثر حيث قال: قوله: (ثم استقبل عمر الحديث يسوقه) أي القصة التي كانت سبب نزول الآية المسئول عنها. وقال أيضًا: قوله: (لا تستكثري النبي ﷺ أي لا تطلبي منه الكثير) وفي رواية يزيد بن رومان (لا تكلمي رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ليس عنده دنانير ولا دراهم، فما كان لك من حاجة حتى دهنة فسليني) قوله: (ولا تراجعيه في شيء) أي لا ترادديه في الكلام ولا تردي عليه قوله: (ولا تهجريه) أي ولو هجرك.

стр. 5044

ثم قال أيضًا: قوله فاعتزل النبي ﷺ نساءه من أجل ذلك الحديث الذي أفشته حفصة إلى عائشة كذا في هذه الطريق لم يفسر الحديث المذكور الذي أفشته حفصة، وفيه أيضًا: وكان قال ما أنا بداخل عليهن شهرًا من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله وهذا أيضًا مبهم ولم أره مفسرًا. والمراد بالمعاتبة قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾، وقد اختلف في الذي حرم على نفسه وعوتب على تحريمه كما اختلف في سبب حلفه على أن لا يدخل على نسائه على أقوال: ١ - فالذي في الصحيحين أنه العسل. ٢ - وذكرت في التفسير قولًا آخر أنه في تحريم جاريته مارية. وذكرت هناك كثيرا من طرقه، ووقع في رواية يزيد بن رومان عن عائشة عند ابن مردويه ما يجمع القولين وفيه أن حفصة أهديت لها عكة فيها عسل، وكان رسول الله ﷺ إذا دخل عليها حبسته حتى تلعقه أو تسقيه منها، فقالت: عائشة لجارية عندها حبشية -يقال لها خضراء-: إذا دخل على حفصة فانظري ما يصنع فأخبرتها الجارية بشأن العسل، فأرسلت إلى صواحبها، فقالت: إذا دخل عليكن فقلن إنا نجد منك ريح مغافير، فقال: "هو عسل، والله لا أطعمه أبدًا"، فلما كان يوم حفصة استأذنته أن تأتي أباها فأذن لها فذهبت فأرسل إلى جاريته مارية فأدخلها بيت حفصة، قالت حفصة: فرجعت فوجدت الباب مغلقًا فخرج ووجهه يقطر وحفصة تبكي فعاتبته فقال: "أشهدك أنها علي حرام انظري، لا تخبري بهذا امرأة وهي عندك أمانة" فلما خرج قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة فقالت: ألا أبشرك أن رسول الله ﷺ قد حرم أمته فنزلت. وجاء في سبب غضبه منهن وحلفه أن لا يدخل عليهن شهرًا قصة أخرى فأخرج بن سعد من طريق حارثة بن أبي الرجال قال: دخلت مع القاسم بن محمد على عمرة بنت عبد الرحمن فقال القاسم: يا أم محمد، في أي شيء هجر رسول الله نساءه، فقالت عمرة: أخبرتني عائشة أنه أهدي إلى رسول الله هدية في بيتها فأرسل إلى كل امرأة من نسائه

стр. 5045

بنصيبها، وأرسل إلى زينب بنت جحش فلم ترض، ثم زادوها مرة أخرى فلم ترض فقالت عائشة: لقد أقمأت وجهك أن ترد عليك الهدية، فقال رسول الله: "لأنتن أهون على الله من أن تقمئنني لا أدخل عليكن شهرًا". (١) ومن طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة نحوه. وفيه ذبح ذبحًا فقسمه بين أزواجه فأرسل إلى زينب بنصيبها فردته فقال: زيدوها ثلاثًا كل ذلك ترده فذكر نحوه. (٢) وهذا لا يصح لأنه من رواية الواقدي. ١ - وفيه قول آخر أخرجه مسلم من حديث جابر، قال: جاء أبو بكر، والناس جلوس بباب النبي ﷺ لم يؤذن لأحد منهم، فأذن لأبي بكر فدخل، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبي ﷺ جالسًا وحوله نساؤه فذكر الحديث. وفيه "هن حولي كلما ترى يسألنني النفقة" فقام أبو بكر إلى عائشة وقام عمر إلى حفصة ثم اعتزلهن شهرًا فذكر نزول آية التخيير. وهذا واضح في أنه اعتزلهن بسبب سؤال النفقة. ٥ - ويحتمل أن يكون مجموع هذه الأشياء كان سببًا لاعتزالهن، وهذا هو اللائق بمكارم أخلاقه ﷺ ، وسعة صدره، وكثرة صفحه، وأن ذلك لم يقع منه حتى تكرر موجبه منهن ﷺ . ٦ - والراجح من الأقوال كلها قصة مارية لاختصاص عائشة، وحفصة بها بخلاف العسل؛ فإنه اجتمع فيه جماعة منهن، ويحتمل أن تكون الأسباب جميعها اجتمعت فأشير إلى أهمها ويؤيده شمول الحلف للجميع، ولو كان مثلًا في قصة مارية فقط لاختص بحفصة وعائشة. (٣) قلت: فهذا كله بين من روايات الحديث وكلام الحافظ يبين أن اعتزاله لنسائه يتعلق بسورة التحريم بداية وأن آية التخيير نزلت بعد ذلك وهذا جلي لا تشويش فيه بحمد الله. وأما قصة التخيير التي نزلت آيتها بعد هذه القصة فهذا خبرها: عن عائشة زوج النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمر الله أن يخير أزواجه فبدأ
следующие страницы →