← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

أن ابن عباس سأل عمر بن الخطاب عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ فأخبره أنهما عائشة وحفصة، ثم ذكر قصة الإيلاء، كما في الحديث الطويل، فليس في هذا نفي لكون السبب هو ما قدّمنا من قصة العسل، وقصة السرية؛ لأنه إنما أخبره بالمتظاهرتين، وذكر فيه أن أزواج النبيّ ﷺ يراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى الليل، وأن ذلك سبب الاعتزال لا سبب نزول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ .. هذا ما تيسر من تلخيص سبب نزول الآية، ودفع الاختلاف في شأنه، فاشدد عليه يديك؛ لتنجو به من الخبط والخلط الذي وقع للمفسرين. (١) وقال ابن حجر: فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معًا. الوجه الثالث: هل هناك صلة بين هذه القصة وبين اعتزال النبي نساءه شهرًا وهل كان الاعتزال مرتبطا بسورة التحريم أو بسورة الأحزاب ؟ وأما عن صلة هذا التظاهر باعتزال النبي ﷺ نساءه شهرًا. ففيه ما رواه الدارقطني عن عمر قال: دخل رسول الله ﷺ بأم ولده مارية في بيت حفصة، فوجدته حفصة معها، فقالت له: تدخلها بيتي ما صنعت بي هذا من بين نسائك إلا من هواني عليك، فقال: "لا تذكري هذا لعائشة فهي علي حرام إن قربتها"، قالت حفصة: وكيف تحرم عليك وهي جاريتك؟ ، فحلف طا لا يقربها، فقال النبي ﷺ : "لا تذكريه لأحد"، فذكرته لعائشة فآلي لا يدخل على نسائه شهرًا فاعتزلهن تسعا وعشرين ليلة، فأنزل الله ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية. (٢)

стр. 5042

وهذا الزيادة في هذه الرواية التي تصل اعتزال النبي ﷺ أزواجه بهذه القصة، وإسنادها ضعيف جدًّا، ولكن يشهد لكون اعتزاله ﷺ لأزواجه كان بعد عدة أمور هذا منها. شبهة حول اعتزال النبي ﷺ لنسائه: حيث تساءل البعض قائلين ما هو السبب الفعلي وراء اعتزال النبي ﷺ لأزواجه؟ هل هو قضية إفشاء السر كما في سور التحريم؟ أم أنه السبب المذكور في سورة الأحزاب؟ ثم عقب السائل على ذلك بقوله وتأتي إجابات المسلمين عن ذلك مشوشة. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: لقد جاء الجواب عن سبب التخيير عن أصحاب النبي ﷺ صريحًا أن التخيير والهجر كان بسبب سؤال النبي ﷺ النفقة والمال والمراجعة والتظاهر عليه ﷺ وهذه هي الروايات بذلك. الرواية الأولى: عن جابر بن عبد الله، قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ ، فوجد الناس جلوسًا ببابه، لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر، فدخل، ثم أقبل عمر، فاستأذن فأذن له، فوجد النبي ﷺ جالسًا حوله نساؤه، واجمًا ساكتًا، قال: فقال: لأقولن شيئًا أضحك النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة، سألتني النفقة، فقمت إليها، فوجأت عنقها، فضحك رسول الله ﷺ ، وقال: "هن حولي كما ترى، يسألنني النفقة"، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده، فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ شيئًا أبدا ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرًا -أو تسعًا وعشرين- ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ حتى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قال: فبدأ بعائشة، فقال: "يا عائشة، إني أريد أن أعرض

стр. 5043

عليك أمرا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك"، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول الله، أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله، والدار الآخرة، وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، قال: "لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني معنتًا، ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا". (١) قلت: فهذا صريح واضح في سبب الهجر والتخيير فأين التشويش في ذلك؟ ! الرواية الثانية: وكذلك صرح عمر بن الخطاب ﵁ ذكره للحديث الذي أخرجه مسلم ﵀ عن ابن عباس قال: لم أزل حريصًا أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ اللتين قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (التحريم: ٤) ... (٢) وزاد البخاري بعد قول عمر: فقلت يا رسول الله استغفر لي. فاعتزل النبي ﷺ من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة وكان قد قال ما أنا بداخل عليهن شهرًا من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله. (٣) قلت: ففي هذه الروايات عن عمر ﵁ أن اعتزاله كان بسبب مراجعته في عدة أمور، ومنها تظاهر عائشة وحفصة عليه، وهذا واضح من السياق في حديث عمر وجابر، ويوضح ذلك ابن حجر توضيحًا أكثر حيث قال: قوله: (ثم استقبل عمر الحديث يسوقه) أي القصة التي كانت سبب نزول الآية المسئول عنها. وقال أيضًا: قوله: (لا تستكثري النبي ﷺ أي لا تطلبي منه الكثير) وفي رواية يزيد بن رومان (لا تكلمي رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ليس عنده دنانير ولا دراهم، فما كان لك من حاجة حتى دهنة فسليني) قوله: (ولا تراجعيه في شيء) أي لا ترادديه في الكلام ولا تردي عليه قوله: (ولا تهجريه) أي ولو هجرك.

стр. 5044

ثم قال أيضًا: قوله فاعتزل النبي ﷺ نساءه من أجل ذلك الحديث الذي أفشته حفصة إلى عائشة كذا في هذه الطريق لم يفسر الحديث المذكور الذي أفشته حفصة، وفيه أيضًا: وكان قال ما أنا بداخل عليهن شهرًا من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله وهذا أيضًا مبهم ولم أره مفسرًا. والمراد بالمعاتبة قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾، وقد اختلف في الذي حرم على نفسه وعوتب على تحريمه كما اختلف في سبب حلفه على أن لا يدخل على نسائه على أقوال: ١ - فالذي في الصحيحين أنه العسل. ٢ - وذكرت في التفسير قولًا آخر أنه في تحريم جاريته مارية. وذكرت هناك كثيرا من طرقه، ووقع في رواية يزيد بن رومان عن عائشة عند ابن مردويه ما يجمع القولين وفيه أن حفصة أهديت لها عكة فيها عسل، وكان رسول الله ﷺ إذا دخل عليها حبسته حتى تلعقه أو تسقيه منها، فقالت: عائشة لجارية عندها حبشية -يقال لها خضراء-: إذا دخل على حفصة فانظري ما يصنع فأخبرتها الجارية بشأن العسل، فأرسلت إلى صواحبها، فقالت: إذا دخل عليكن فقلن إنا نجد منك ريح مغافير، فقال: "هو عسل، والله لا أطعمه أبدًا"، فلما كان يوم حفصة استأذنته أن تأتي أباها فأذن لها فذهبت فأرسل إلى جاريته مارية فأدخلها بيت حفصة، قالت حفصة: فرجعت فوجدت الباب مغلقًا فخرج ووجهه يقطر وحفصة تبكي فعاتبته فقال: "أشهدك أنها علي حرام انظري، لا تخبري بهذا امرأة وهي عندك أمانة" فلما خرج قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة فقالت: ألا أبشرك أن رسول الله ﷺ قد حرم أمته فنزلت. وجاء في سبب غضبه منهن وحلفه أن لا يدخل عليهن شهرًا قصة أخرى فأخرج بن سعد من طريق حارثة بن أبي الرجال قال: دخلت مع القاسم بن محمد على عمرة بنت عبد الرحمن فقال القاسم: يا أم محمد، في أي شيء هجر رسول الله نساءه، فقالت عمرة: أخبرتني عائشة أنه أهدي إلى رسول الله هدية في بيتها فأرسل إلى كل امرأة من نسائه

стр. 5045

بنصيبها، وأرسل إلى زينب بنت جحش فلم ترض، ثم زادوها مرة أخرى فلم ترض فقالت عائشة: لقد أقمأت وجهك أن ترد عليك الهدية، فقال رسول الله: "لأنتن أهون على الله من أن تقمئنني لا أدخل عليكن شهرًا". (١) ومن طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة نحوه. وفيه ذبح ذبحًا فقسمه بين أزواجه فأرسل إلى زينب بنصيبها فردته فقال: زيدوها ثلاثًا كل ذلك ترده فذكر نحوه. (٢) وهذا لا يصح لأنه من رواية الواقدي. ١ - وفيه قول آخر أخرجه مسلم من حديث جابر، قال: جاء أبو بكر، والناس جلوس بباب النبي ﷺ لم يؤذن لأحد منهم، فأذن لأبي بكر فدخل، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبي ﷺ جالسًا وحوله نساؤه فذكر الحديث. وفيه "هن حولي كلما ترى يسألنني النفقة" فقام أبو بكر إلى عائشة وقام عمر إلى حفصة ثم اعتزلهن شهرًا فذكر نزول آية التخيير. وهذا واضح في أنه اعتزلهن بسبب سؤال النفقة. ٥ - ويحتمل أن يكون مجموع هذه الأشياء كان سببًا لاعتزالهن، وهذا هو اللائق بمكارم أخلاقه ﷺ ، وسعة صدره، وكثرة صفحه، وأن ذلك لم يقع منه حتى تكرر موجبه منهن ﷺ . ٦ - والراجح من الأقوال كلها قصة مارية لاختصاص عائشة، وحفصة بها بخلاف العسل؛ فإنه اجتمع فيه جماعة منهن، ويحتمل أن تكون الأسباب جميعها اجتمعت فأشير إلى أهمها ويؤيده شمول الحلف للجميع، ولو كان مثلًا في قصة مارية فقط لاختص بحفصة وعائشة. (٣) قلت: فهذا كله بين من روايات الحديث وكلام الحافظ يبين أن اعتزاله لنسائه يتعلق بسورة التحريم بداية وأن آية التخيير نزلت بعد ذلك وهذا جلي لا تشويش فيه بحمد الله. وأما قصة التخيير التي نزلت آيتها بعد هذه القصة فهذا خبرها: عن عائشة زوج النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمر الله أن يخير أزواجه فبدأ

стр. 5046

بي رسول الله ﷺ فقال: "إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك"، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم قال: "إن الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى تمام الآيتين، فقلت له: ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله، ورسوله، والدار الآخرة. (١) وقد سبق في ألفاظ هذا الحديث عن ابن عباس، وجابر ﵁ أن ذلك كان بعد اعتزاله ﷺ لنسائه شهرًا. ولهذا قال ابن حجر: وقد أخرج مسلم أيضًا من طريق سماك بن الوليد، عن ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب، قال: (لما اعتزل النبي ﷺ نساءه دخلت المسجد)، وذكر الحديث بطوله وفي آخره قال: (وأنزل الله آية التخيير) فاتفق الحديثان على أن آية التخيير نزلت عقب فراغ الشهر الذي اعتزلهن فيه، واختلف الحديثان في سبب الاعتزال ويمكن الجمع بأن يكون القضيتان جميعًا سبب الاعتزال؛ فإن قصة المتظاهرتين خاصة بهما، وقصة سؤال النفقة عامة في جميع النسوة، ومناسبة آية التخيير بقصة سؤال النفقة أليق منها بقصة المتظاهرتين (٢). وقد سبق القول في ذلك وبيانه في الفقرة قبل هذه. موقف عائشة ﵂ من إبراهيم الذي ولدته مارية: أولًا: هل صح أن عائشة رمت مارية تصريحًا، أو تعريضًا بسبب الغيرة لما ولدت مارية إبراهيم؟ ! حيث رأى البعض ذلك وأن النبي ﷺ أمر عليًّا ﵁ بضرب عنق ابن عم مارية فوجده مجبوبًا. والجواب عن ذلك عن طريق إيراد الروايات التي وردت في ذلك وبيان حالها. أولًا: عن عائشة ﵂ قالت: أهديت مارية إلى رسول الله ﷺ ومعها ابن عم لها قالت: فوقع عليها وقعة فاستمرت حاملًا قالت: فعزلها عند ابن عمها قالت: فقال أهل الإفك والزور من حاجته إلى الولد ادعى ولد غيره وكانت أمه قليلة اللبن فابتاعت له ضائنة لبون فكان يغذى بلبنها فحسن عليه لحمه، قالت عائشة: فدخل به على النبي ﷺ ذات يوم فقال: "

стр. 5047

كيف ترين" فقلت: من غذي بلحم الضأن يحسن لحمه قال: "ولا الشبه" قالت: فحملني ما يحمل النساء من الغيرة أن قلت: ما أرى شبهًا، قالت: وبلغ رسول الله ﷺ ما يقول الناس فقال لعلي: "خذ هذا السيف فانطلق فاضرب عنق ابن عم مارية حيث وجدته" قالت: فانطلق فإذا هو في حائط على نخلة يخترف رطبًا قالط: فلما نظر إلى علي ومعه السيف استقبلته رعدة قال: فسقطت الخرفة، فإذا هو لم يخلق الله له ما للرجال شيء ممسوح. (١) والجواب عن هذه الرواية: أنها موضوعة كما هو مبين في الحاشية. وأما الرواية الصحيحة في ذلك فها هي: عن أنس ﵁ أن رجلًا كان يتهم بأم ولد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "لعلي اذهب فاضرب عنقه" فأتاه علي، فإذا هو في ركي يتبرد فيها،

стр. 5048

فقال له علي: أخرج فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر فكف علي عنه ثم أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: إنه لمجبوب ماله ذكر. (١) فهذا ما يغني عن هذا الكذب والحمد لله. قال ابن الجوزي: فإن قال قائل: ظاهر هذا الحديث يدل على أن عليًّا ﵁ أراد قتله، وقد روي في حديث آخر صريحًا، وأن رسول الله ﷺ قال له: "يا علي، خذ السيف فإن وجدته عندها فاقتله" فكيف يجوز القتل على التهمة؟ فقد أجاب عنه ابن جرير الطبري، وقال: من الجائز أن يكون قد كان من أهل العهد وأنه لم يسلم، وقد كان تقدم إليه بالنهي عن الدخول إلى مارية، فلم يقبل فأمر قتله لنقض العهد (٢)، ولهذا الحديث رواية أخرى عن عبد الله بن عمرو ولكن جعل مكان علي عمر بن الخطاب ﵁: أخرجها ابن عبد الحكم في فتوح مصر فقال: حدثنا هاني بن المتوكل قال: حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة المهري أحسبه عن عبد الله بن عمرو، قال: دخل رسول الله ﷺ على أم إبراهيم أم ولده القبطية. فوجد عندها نسيبًا لها كان قدم معها من مصر، وكان كثيرًا ما يدخل عليها فوقع في نفسه شيء فرجع فلقيه عمر بن الخطاب ﵁ فعرف ذلك في وجهه فسأله فأخبره، فأخذ عمر السيف ثم دخل على مارية وقريبها عندها، فأهوى إليه بالسيف فلما رأى ذلك كشف عن نفسه وكان مجبوبًا ليس بين رجليه شيء، فلما رآه عمر رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ : إن جبريل أتاني فأخبرني: أن الله قد برأها وقريبها وأن في بطنها غلامًا مني وأنه أشبه الخلق بي، وأمرني أن أسميه إبراهيم وكناني بأبي إبراهيم. (٣)

стр. 5049

ومن خلال هذا ترى أن عائشة ﵂ ما رمت مارية بالزنا لا تصريحًا ولا تعريضًا؛ لأن الرواية في ذلك منكرة. والله أعلم. * * *

стр. 5050

١٤ - أخلاق عائشة مع اللاتي لم يدخل بهن النبي ﷺ -. ١ - موقف عائشة من أسماء بنت النعمان الجونية: قالوا: إن عائشة وحفصة ﵄ حينما قاما بتجهيزها للنبي ﷺ قالا لها: إن النبي ﷺ يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول له: أعوذ بالله منك، فقالت ذلك فطلقها النبي ﷺ ، وكانت هذه خديعة من عائشة لأسماء أدت بعد ذلك إلى موتها كمدًا، فلماذا فعلت عائشة ذلك؟ ولماذا قبله النبي ﷺ ؟ ولماذا لم يتدخل الوحي كما هي عادته في مثل هذه الحوادث؟ ! وسؤالنا: هل هذا صحَّ عن عائشة ﵂؟ والرد على ذلك من وجهين: الأول: ذكر الصحيح في هذه القصة. الثاني: بيان الزيادات المنكرة والشاذة وردها على مَنْ جاء بها، أو احتج بها. وإليك التفصيل الوجه الأول: ذكر الرواية الصحيحة في ذلك عن عائشة ﵂: أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله ﷺ وَدَنَا منها قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: "لقد عذت بعظيم الحقي بأهلك". (١) وعن سهل بن سعد ﵁ قال: ذكر النبي ﷺ امرأة من العرب فأمر أبا أسيد الساعدي أن يرسل إليها، فأرسل إليها فقدمت فنزلت في أجم بني ساعدة، فخرج النبي ﷺ حتى جاءها فدخل عليها فإذا امرأة منكسة رأسها، فلما كلمها النبي ﷺ قالت: أعوذ بالله منك فقال: "قد أعذتك مني"، فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ قالت: لا، قالوا: هذا رسول الله ﷺ جاء ليخطبك، قالت: كنت أنا أشقى من ذلك، فأقبل النبي ﷺ يومئذ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه، ثم قال: "اسقنا يا سهل"، فخرجت لهم بهذا القدح

стр. 5051

فأسقيتهم فيه، فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه، قال: ثم استوهبه عمر بن عبد العزيز بعد ذلك فوهبه له. (١) وعن أبي أسيد ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ حتى انطلقنا إلى حائط يقال: له الشوط، حتى انتهينا إلى حائطين، فجلسنا بينهما، فقال النبي ﷺ : "اجلسوا ها هنا" ودخل، وقد أتي بالجونية، فأنزلت في بيت في نخل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل، ومعها دايتها حاضنة لها، فلما دخل عليها النبي ﷺ قال: "هبي نفسك لي" قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ قال: فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: "قد عذت بمعاذ" ثم خرج علينا فقال: "يا أبا أسيد، اكسها رازقيتين، وألحقها بأهلها". (٢) قال ابن حزم: فهذه كلها أخبار عن قصة واحدة في امرأة واحدة في مقام واحد. (٣) فهذا ما صح وأما الزيادة المنسوبة إلى عائشة وإلى نساء النبي ﷺ فهذا تخريجها. الوجه الثاني: الروايات والزيادات الضعيفة . الرواية الأولى: عن ابن عباس قال: تزوج رسول الله ﷺ أسماء بنت النعمان وكانت من أجمل أهل زمانها وأشبه، قال: فلما جعل رسول الله يتزوج الغرائب، قالت عائشة: قد وضع يده في الغرائب يوشكن أن يصرفن وجهه عنا، وكان خطبها حين وفدت كندة عليه إلى أبيها، فلما رآها نساء النبي ﷺ حسدنها فقلن لها: إن أردت أن تحظي عنده فتعوذي بالله منه إذا دخل عليك، فلما دخل وألقى الستر مد يده إليها فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: "أمن عائذ الله الحقي بأهلك". (٤)

стр. 5052

والجواب عن هذه الرواية أنها موضوعة. الرواية الثانية: عن حمزة بن أبي أسيد الساعدي، عن أبيه وكان بدريًا؛ قال: تزوج رسول الله ﷺ أسماء بنت النعمان الجونية فأرسلني فجئت بها، فقالت حفصة لعائشة: أخضبيها أنت وأنا أمشطها ففعلتا ثم قالت لها إحداهما: إن النبي ﷺ يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول أعوذ بالله منك، فلما دخلت عليه وأغلق الباب وأرخى الستر، مد يده إليها فقالت: أعوذ بالله منك، فقال رسول الله ﷺ بكمه على وجهه فاستتر به وقال: "عذت بمعاذ" ثلاث مرات. قال أبو أسيد: ثم خرج إلي فقال: "يا أبا أسيد ألحقها بأهلها ومتعها برازقيين" (١) يعني: كرباستين (٢)، فكانت تقول: دعوني الشقية. (٣)

стр. 5053

والجواب أن هذه الزيادة المنسوبة إلى نساء النبي ﷺ تفرد بها الواقدي عن شيخه هشام بن محمد بن السائب الكلبي، ولم ترد إلا من طريقه، وهو متروك الرواية متهم بالكذب وشيخه رافضي جلد متروك الرواية كما سبق. قال ابن الصلاح في مشكله هذا الحديث أصله في البخاري من حديث أبي أسيد الساعدي دون ما فيه إن نساءه علمنها ذلك، قال: وهذه الزيادة باطلة. وقال ابن حجر: وفي رواية للواقدي أيضًا منقطعة أنه دخل عليها داخلٌ من النساء وكانت من أجمل النساء، فقالت: إنك من الملوك؛ فإن كنت تريدين أن تحظي عنده فاستعيذي منه. . . . الحديث. وأصل حديث أبي أسيد عند البخاري كما قال ابن الصلاح وعند مسلم من حديث سهل بن سعد نحوه وسماها أميمة بنت النعمان بن شراحيل، وفي ظاهر سياقه مخالفة لسياق أبي أسيد ويمكن الجمع بينهما وهو أولى من دعوى التعدد في الجونية. وللشيخين أيضًا من حديث عائشة أن ابنة الجون لما دخلت على رسول الله ﷺ ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك، وسماها ابن ماجه من هذا الوجه عمرة، ورجح ابن منده أميمة، وقيل: اسمها العالية، وقيل: فاطمة. ووقع نحو هذه القصة في النسائي؛ وقال إنها من كلب والحق أنها غيرها؛ لأن الجونية كندية بلا خلاف، وأما الكلبية فهي سناء بنت سفيان بن عوف بن كعب بن عبيد بن أبي بكر بن كلاب؛ حكاه الحاكم وغيره. (١) الرواية الثالثة: عن عباس بن سهل قال: سمعت أبا أسيد الساعدي يقول: لما طلعت بها على الصرم تصايحوا وقالوا: إنك لغير مباركة ما دهاك؟ فقالت: خدعت فقيل لي: كيت وكيت للذي قيل لها، فقال أهلها: لقد جعلتنا في العرب شهرة، فبادرت أبا أسيد الساعدي فقالت: قد كان ما كان فالذي أصنع ما هو؟ فقال: أقيمي في بيتك واحتجبي إلا من ذي محرم ولا يطمع فيك طامع بعد رسول الله فإنك من أمهات المؤمنين، فأقامت لا يطمع فيها طامع

стр. 5054

ولا ترى إلا لذي محرم حتى توفيت في خلافة عثمان بن عفان عند أهلها بنجد. (١) والجواب أن هذا لا يصح لأنه من رواية الواقدي. الرواية الرابعة: عن زهير بن معاوية الجعفي أنها ماتت كمدًا (٢)، وهذا لا يصح؛ لأنه من رواية الواقدي، عن شيخه هشام بن محمد، ثم هو معضل فزهير ابن معاوية ثقة روى له الجماعة لكنه من السابعة وكان مولده سنة مائة. (٣) الرواية الخامسة: عن ابن عباس قال: خلف على أسماء بنت النعمان المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة فأراد عمر أن يعاقبهما فقالت: والله ما ضرب علي الحجاب ولا سميت أم المؤمنين. فكف عنها. (٤) والجواب أن ابن سعد أخرج ذلك لكن من طريق الواقدي عن هشام بن محمد بن السائب ثم قال بعده: وليس يثبت. وبهذا نعلم أن عائشة ﵂ وسائر نساء النبي ﷺ براء مما نسب إليهم بشأن هذه المرأة لبطلان هذه الزيادات، وما بُني على باطل، فهو كأصله والخلاف، في اسم هذه المرأة طويل، وليس يصح في أي طريق أن عائشة قالت لها مثل هذا القول الذي خدعت به، وهو من كذب الرافضة أعداء عائشة ﵂. * * *

стр. 5055

٢ - موقف عائشة من مليكة بنت كعب الليثي وأنها هي التي خدعتها وجعلتها تستعيذ من رسول الله ﷺ -. عن أبي معشر قال: تزوج النبي ﷺ مليكة بنت كعب وكانت تذكر بجمال بارع، فدخلت عليها عائشة فقالت: لها أما تستحيين أن تنكحي قاتل أبيك؟ فاستعاذت من رسول الله فطلقها، فجاء قومها إلى النبي ﷺ فقالوا يا رسول الله، إنها صغيرة وإنها لا رأي لها وإنها خدعت فارتجعها، فأبى رسول الله ﷺ فاستأذنوه أن يتزوجها قريب لها من بني عذرة فأذن لهم فتزوجها العذري، وكان أبوها قتل يوم فتح مكة قتله خالد بن الوليد بالخندمة. قال محمد بن عمر: مما يضعف هذا الحديث ذكر عائشة أنها قالت لها: ألا تستحيين، وعائشة لم تكن مع رسول الله في ذلك السفر. (١) والجواب أن هذا إسناد فيه محمد بن عمر الواقدي المتروك وقد ضعفه هو أيضًا، وفيه أبو معشر وهو: نجيح بن عبد الرحمن السندي وهو ضعيف من السادسة، وبين أبي معشر والنبي ﷺ مفاوز (٢). وبإظهار كذب هذه الرواية تُبَرَّأ عائشة ﵂ مما نسب إليها ممن مكروا خديعة نسبت إليها في هذه الرواية بحمد الله تعالى، والله أعلم.

стр. 5056

١٥ - شبهة: أخلاق عائشة ﵂ وعثمان بن عفان ﵁ -. نص الشبهة: هذه الشبهة خاصة بأخلاق عائشة ﵂ مع عثمان ﵁، وخلاصتها أن عائشة طعنت على عثمان وشغبت عليه في النصف الأول والثاني من خلافته. أولا: ذكر حديث في مناقب عثمان ترويه عائشة ﵂ وأثيرت عليه شبهتان: عن سعيد بن العاص أن عائشة- زوج النبي ﷺ ، وعثمان حدثا: أن أبا بكر استأذن على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشه لابس مرط (١) عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس، وقال لعائشة: اجمعي عليك ثيابك فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت، فقالت عائشة: يا رسول الله، ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر ﵄ كما فزعت لعثمان ﵁؟ قال رسول الله ﷺ : إن عثمان رجل حييّ، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلي حاجته. (٢) الشبهةـ الأولى: كيف كان حال عائشة، وهي مع النبي ﷺ في مرط واحد، ثم دخل عمر مع أنها كانت تستتر منه بعد موته؟ الشبهة الثانية: هناك روايات كثيرة تدل على أن عثمان كان سليط اللسان مثل قوله لعمار: (يا عاضّ إير أبيه)، وقوله له: (يا ابن المَتْكاءِ. (٣) والمَتْكاءُ: هي البظراء، المفضاة، التي لا تمسك البول. فهل يعقل أن مثل هذا حييّ حتى إن الملائكة ذاتها لتستحي منه؟ ! والجواب عن ذلك من وجوه: الوجه الأول: شرح الحديث وبيان أقوال العلماء فيه:

стр. 5057

١ - ما هو المرط؟ المرط بكسر الميم وسكون الراء كساء من صوف أو خز يُؤْتَزَرُ به، وقيل: الجلباب، وقيل الملحفة. (١) وعلى هذا فالمرط يمكن أن يكون كبيرًا بحيث يكون بعضه على الرجل وبعضه على المرأة، ويدل له هذا الحديث الذي أخرجه مسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يصلي من الليل وأنا إلى جنبه وأنا حائصْ وعليّ مرط وعليه بعضه إلى جنبه. (٢) وعن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة: خرج النبي ﷺ غداة وعليه مرط مرحّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. (٣) وبناء عليه يمكن للرجل أن يكلم غيره وبجانبه من تستتر تحت المرط ولا يُرى لها عين ولا أثر؛ لأنه ثياب كبير -كاللحاف والبطانية-، فلما استأذن عليه عثمان قال لعائشة: اجمعي عليك ثيابك يعني المرط، لأن عثمان لو دخل والنبي ﷺ تحت المرط لاستحيا أن يبلغ في حاجته. فقوله لعائشة: اجمعي عليك ثيابك، يعني المرط انفردي به دوني حتى أكلم عثمان وهذا المعنى يزيل التساؤل الوارد بالكلية؛ لأن عائشة كانت بجانب النبي ﷺ مستترة تحت المرط والنبي ﷺ بادٍ يكلم عثمان، فقوله: (اجمعي عليك ثيابك) أي: ضميها وزيدي في الاستتار بها. (٤) وهذا لا يعني أنها كانت مكشوفة قبل ذلك، وإنما يعني: مبالغة في التستر وزيادة فيه مقابلةً بزيادة حياء عثمان، وإلا فإن عمر ﵁ يستحي أيضًا؛ ولو كان الوضع كما تصور البعض لما دخل ولما تكلم.

стр. 5058

٢ - ويحتمل أن عائشة ﵂ كانت ناحية البيت ومتحجبة الحجاب الشرعي، والنبي ﷺ مضطجع وعليه مرط، عليه لحاف هو في الأصل تتلحف به عائشة، ولكنه وضعه عليه وهو مضطجع، دخل أبو بكر ودخل عمر والنبي ﷺ على هذا الحال وعائشة على حجابها، ثم لما دخل عثمان -وهو شديد الحياء- خشي أن عثمان يشعر أنه قد أحرج النبيّ ﷺ فيمتنع من قول حاجته، فأمر النبيّ ﷺ عائشة أن لا تكتفي بالحجاب، ولكن تجمع عليها ثيابها أكثر؛ حتى يبدو أهل البيت في حال استقبال الناس، وأما هو فجلس له وتهيأ له، حتى لا يمنعه الحياء من سؤال حاجته. ولا يعترض على هذا بقولها في الرواية معي في مرطي؛ لأن المعية لا تستلزم المماسة، ومن قول القائل: القمر يسير معي ولا يعترض عليه؛ لأنه لا يفهم من المعية المماسة، وقول القائد: لجيشه الذي أرسله أنا معكم، وغير ذلك. الوجه الثاني: هل صح أن عثمان سب عمارًا بهذا السب الذي يدل على عدم الحياء ؟ والجواب: أنه لم يصح والرواية في ذلك ما الضعيف جدًّا والموضوع، وها هي: عن أبي مخنف قال: كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حلي وجوهر، فأخذ منه عثمان ما حلَّى به بعض أهله، فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك وكلموه فيه بكلام شديد حتى أغضبوه، فخطب فقال: لنأخذن حاجتنا من هذا الفيء وإن رغمت أنوف أقوام، فقال له علي: إذًا تمُنع من ذلك ويحال بينك وبينه، وقال عمار بن ياسر: أشهد الله أن أنفي أول راغم من ذلك، فقال عثمان: أعلي يا ابن المتكاء تجترئ؟ خذوه، فأُخِذ، ودخل عثمان فدعا به فضربه حتى غُشي عليه. (١) وهذا كذب لأنه من رواية أبي مخنف لوط بن يحيى وهو كذاب شيعي رافضي محترق،

стр. 5059

وأما قوله لعمار: (يا عاضّ إير أبيه)، فقد ذكره البلاذري في نفس الباب ضمن قصة ذكرها من غير إسناد مصدرًا لها. وقد روي أيضًا أنه لما بلغ عثمان موت أبي ذر بالربذة، قال: فقال عمار بن ياسر: نعم، فرحمه الله من كل أنفسنا، فقال عثمان: يا عاضَّ إير أبيه، أتراني ندمت على تسييره؟ وأمر فدفع في قفاه وقال: الحق بمكانه، فلما تهيأ للخروج جاءت بنو مخزوم إلى عليّ فسألوه أن يكلم عثمان فيه فقال له علي: يا عثمان اتق الله، فإنك سيرت رجلًا صالحًا من المسلمين فهلك في تسييرك، ثم أنت الآن تريد أن تنفي نظيره، وجرى بينهما كلام حتى قال عثمان: أنت أحق بالنفي منه، فقال علي: رُم ذلك إن شئت، واجتمع المهاجرون فقالوا: إن كنت كلما كلمك رجل سيرته ونفيته فإن هذا شيء لا يسوغ، فكف عن عمار. (١) والجواب عن هذا أنه كلام باطل لا إسناد له. ومن جهة أخرى لا توجد رواية صحيحة تدل على أن عثمان ﵁ ضرب عمارًا ﵁، ولا تدل على أن الخوارج سوغوا خروجهم على عثمان بأنه ضرب عمارًا، وإذا ثبت بطلان الضرب، فما بني على باطل فهو باطل. ثانيا: شبهتهم على النصف الأول من خلافة عثمان ﵁ -. قالوا: إن عثمان بدأ خلافته بخطأ عظيم لم تغفره له الجماعة المسلمة؛ وهو تعطيل إقامة الحد على عبيد الله بن عمر الذي قتل الهرمزان، وابنة أبي لؤلؤة، وجفينة، ولقد كثر الصخب جدًّا في الجماعة الإسلامية بسبب هذا الأمر، ولم نعلم لعائشة أي اعتراض ولا دعوة للثورة فكيف يوجه هذا مع ثورتها بعد ذلك؟ ! . والجوب على ذلك من وجوه: ١ - إن تعطيل إقامة الحد على عبيد الله بن عمر كسبب من أسباب الشغب والخروج على عثمان لا إسناد له، وأقدم مَنْ ذكر ذلك هو المحب الطبري (ت ٦٩٤ هـ) في الرياض النضرة (٣/ ٨٧ و ١٠٠) ولم يذكر له إسنادًا، ولم يثبت فيه

стр. 5060

أن الخروج كان من أسبابه هذا. وغاية ما أثبتَه أنه أمرٌ قد حدث، ثم تلاه في ذكر ذلك ابن المطهر الحلي (ت ٧٢٦ هـ). (١) ٢ - إن عبيد الله بن عمر كان متأولًا في ذلك؛ لأن الهرمزان كان متهمًا بالمشاركة في قتل أمير المؤمنين عمر ﵁ وكان الذي قتله أبو لؤلؤة الكافر المجوسي مولى المغيرة بن شعبة، وكان بينه وبين الهرمزان مجانسة، وذُكر لعبيد الله بن عمر أنه رؤي عند الهرمزان حين قتل عمر، فكان ممن اتُّهم بالمعاونة على قتل عمر، وقد قال عبد الله بن عباس لما قُتل عمر: وقال له عمر: قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، فقال: إن شئت أن نقتلهم، فقال: كذبت، أما بعد إذ تكلموا بلسانكم وصلّوا إلى قبلتكم، فهذا ابن عباس -وهو أَفْقَهُ مِنْ عبيد الله بن عمر وأَدْيَنُ وأفضلُ بكثير- يستأذن عمر في قتل علوج الفرس مطلقًا الذين كانوا بالمدينة لما اتهموهم بالفساد اعتقد جواز مثل هذا، فكيف لا يعتقد عبيد الله جواز قتل الهرمزان؟ ! فلما استشار عثمان الناس في قتله فأشار عليه طائفة من الصحابة أن لا يقتله؛ فإن أباه قتل بالأمس ويُقتل هو اليوم فيكون في هذا فساد في الإسلام، وكأنهم وقعت لهم شبهة في عصمة الهرمزان، وهل كان من الصائلين الذين كانوا يستحقون الدفع، أو من المشاركين في قتل عمر الذين يستحقون القتل؟ وقد تنازع الفقهاء في المشتركين في القتل إذا باشر بعضهم دون بعض فقيل لا يجب القود إلا على المباشر خاصة؛ وهو قول أبي حنيفة، وقيل: إذا كان السبب قويًا وجب على المباشر والمتسبب، كالمكرِه والمكرَه؛ وكالشهود بالزنا والقصاص إذا رجعوا وقالوا: تعمدنا، وهذا مذهب الجمهور؛ كمالك، والشافعي، وأحمد، ثم إذا أمسك واحدٌ وقتله الآخرُ فمالك يوجب القود على الممسك والقاتل، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، والرواية الأخرى يقتل القاتل ويحبس الممسك حتى يموت، كما روي عن ابن عباس، وقيل: لا قود إلا على القاتل؛ كقول أبي حنيفة والشافعي. وقد تنازعوا أيضًا في الآمر الذي لم يكره إذا أمر من يعتقد أن القتل محرم، هل يجب القود على الآمر؟ على قولين، وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر جاز قتله في أحد القولين

стр. 5061

قصاصًا، وعمر هو القائل في المقتول بصنعاء: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لأقدتهم به. (١) ٣ - ظهر من الكلام السابق أن في قتل ابن عمر وقد قُتل أبوه بالأمس فتنة؛ فكيف تدعوا عائشة ﵂ إلى الفتنة؟ ٤ - إن قاتل الأئمة محاربٌ لله ورسوله ساعٍ في الأرض فسادًا، وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر كان من المفسدين في الأرض المحاربين؛ فيجب قتله لذلك، ولو قدر أن المقتول معصوم الدم يحرم قتله لكن كان القاتل متأولًا يعتقد حِلَّ قتله لشبهة ظاهرة صار ذلك شبهة تدرأ القتل عن القاتل، وإذا كان عبيد الله بن عمر متأولًا يعتقد أن الهرمزان أعان على قتل أبيه، وأنه يجوز له قتله صارت هذه شبهة يجوز أن يجعلها المجتهد مانعة من وجوب القصاص؛ فإن مسائل القصاص فيها مسائل كثيرة اجتهادية. ٥ - وأيضًا فالهرمزان لم يكن له أولياء يطلبون دمه وإنما وليه ولي الأمر، ومثل هذا إذا قتله قاتل كان للإمام قتل قاتله لأنه وليه، وكان له العفو عنه إلى الدية لئلا تضيع حقوق المسلمين، فإذا قدر أن عثمان ﵁ عفا عنه ورأى قدر الدية أن يعطيها لآل عمر لما كان على عمر ﵁ من الدين؛ فإنه كان عليه ثمانون ألفًا وأمر أهله أن يقضوا دينه من أموال عصبته عاقلته بني عدي وقريش؛ فإن عاقلة الرجل هم الذين يحملون كلَّ الدية لو طالب بها عبيد الله أو عصبة عبيد الله إذا كان قتله خطأ أو عفا عنه إلى الدية فهم الذين يؤدون دين عمر فإذا أعان بها في دين عمر كان هذا من محاسن عثمان التي يمدح بها لا يذم، وقد كانت أموال بيت المال في زمن عثمان كثيرة وكان يعطى الناس عطاءً كثيرًا أضعاف هذا، فكيف لا يعطى هذا لآل عمر؟ ! وبكل حال كانت مسألة اجتهادية، وإذا كانت مسألة اجتهادية وقد رأى طائفة كثيرة من الصحابة أن لا يقتل، ورأى آخرون أن يقتل لم ينكر على عثمان ما فعله باجتهاده ولا على عليّ ما قاله باجتهاده. (٢)

стр. 5062

قلت: وعلى هذا، فعائشة كانت ممن يرى عدم قتل عبيد الله بن عمر لهذه الأسباب التي ذكرناها، فلماذا تخرج وتثور أو تدعو للثورة؟ ! ولماذا يلزمها بذلك قوم يزعمون أنهم يدعون إلى حرية الرأي والاعتقاد؟ ! ٦ - إذا كان قتل عمر، وعثمان، وعليّ، ونحوهم من باب المحاربة فالمحاربة يشترك فيها الردء والمباشرة عند الجمهور، فعلى هذا. مَنْ أعان على قتل عمر ولو بكلام وجب قتله، وكان الهرمزان ممن ذكر عنه أنه أعان على قتل عمر بن الخطاب، وإذا كان الأمر كذلك كان قتله واجبًا، ولكن كان قتله إلى الأئمة فافتأت (١) عبيد الله بقتله، وللإمام أن يعفو عمن افتأت عليه. (٢) فإذا كان قتل الهرمزان حقًّا للخليفة وافتات عليه بعض الرعية، وقد عفا فما هو دخل الآخرين؟ ! . وبهذا نعلم أن قتل الهرمزان كان واجبًا على أصح القولين، لكنه كان حقًّا للخليفة ففعله ابن عمر ظانًا أن ذلك إليه فعفا عنه، ولو لم يكن واجبًا وفعله ابن عمر فقد فعله متأولًا، ولم يكن له للمقتول أولياء يطلبون دمه فصار أمره إلى السلطان فعفا عنه وجعل الدية لآل عمر كما مر بيانه، فما ذنب أم المؤمنين في هذا كله؟ ! ومما يدل على صحة هذا ما قدمناه من أنه لا توجد رواية صحيحة تدل على أن الخوارج اعترضوا على عثمان بعدم قتله ولا سوغوا خروجهم بهذا، فأين الصخب والشغب؟ ! ولماذا تدعوا عائشة إلى الثورة؟ ! ثالثا: شبهتهم عن النصف الثاني من خلافة عثمان ﵁ - حيث رأوا أن عائشة كانت كثيرة الثورة على عثمان والتشغيب عليه، وما ذلك إلا حرصًا على مصلحة المسلمين، ولو كان التنبيه على قتل عبيد الله بن عمر للهرمزان لمصلحة

стр. 5063

المسلمين لرأينا لها موقفًا من جريمة عبيد الله بن عمر ﵁، لكن الحقيقة أنها شغبت وثارت على عثمان لأمرين: الأول: الجانب المادي؛ لأنه أنقصها عما كان يعطيها عمر بن الخطاب ﵁. الثاني: الجانب المعنوي؛ لأنها كانت تطمع إلى إعادة الخلافة لبني تيم وبالتحديد لطلحة بن عبيد الله ﵁. سيأتي في الفصل القادم ذكر الموقف الصحيح لعائشة ولسائر الصحابة من مقتل عثمان، وأنه لم يشترك منهم أحد في مقتله، والروايات المخالفة لهذا الأصل العظيم إنما هي من وضع الرافضة والزنادقة كما سبق بيانه، وإذا عرفنا هذا الأصل عرف بطلان هذين الأصلين سواء الجانب المادي أو المعنوي؛ لأنهما مبنيان على الخروج والثورة من عائشة على عثمان، وهذا باطل. فبطل ما بني عليه كما ذكر في موضعه. وبقي هنا بعض الروايات التي لم تذكر هناك نذكرها ونذكر كلام أهل العلم عليها صحةً أو ضعفًا، ومنها: ما قاله اليعقوبي في تاريخه في أيام عثمان ﵁: وكان بين عثمان وعائشة منافرة وذلك أنه نقصها مما كان يعطيها عمر بن الخطاب، وصيرها أسوة غيرها من نساء رسول الله، فإن عثمان صعد يومًا ليخطب إذ دلّت عائشة قميص رسول الله، ونادت: يا معشر المسلمين! هذا جلباب رسول الله ﷺ لم يبلَ، وقد أبلى عثمان سنته! فقال عثمان: رب اصرف عني كيدهن إن كيدهن عظيم. (١) وهذا الكلام لا إسناد له أصلًا فلا عبرة به. ومنها ما قاله اليعقوبي: وصار مروان إلى عائشة؛ فقال: يا أم المؤمنين، لو قمت فأصلحت بين هذا الرجل وبين الناس، قالت قد فرغت من جهازي، وأنا أريد الحج، قال: فيدفع إليك بكل درهم أنفقته درهمين، قالت: لعلك ترى أني في شك من صاحبك؟ أما والله لوددت أنه مقطع في غرارة من غرائري، وإني أطيق حمله، فأطرحه في البحر. (٢)

стр. 5064

٣ - وكان أشدَّ الناس على عثمانَ: طلحةُ، والزبير، وعائشة. ذكر هذا صاحب مختصر تاريخ الدول، ولم أقف له على إسناد. وذكره ابن شبة النميري (١) مسندًا، ولم يذكر فيه عائشة فقال: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا عبد الله بن وهب، عن الليث بن سعد قال: كان أشدَّ الناس على (عثمان) المحمدون: محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة، ومحمد بن عمرو بن حزم، وهذا معضل؛ فبين الليث بن سعد وهذه الواقعة راويان على الأقل. وإبراهيم بن المنذر قال الساجي: بلغني أن أحمد كان يتكلم فيه ويذمه وكان قدم إلى ابن أبي داود قاصدًا من المدينة عنده مناكير. قال الخطيب: أما المناكير فقلما توجد في حديثه إلا أن يكون عن المجهولين، ومع هذا فإن يحيى بن معين وغيره من الحفاظ كانوا يرضونه ويوثقونه. (٢) قلت: ولعل هذا من مناكيره ولا يعارض هذا رواية البخاري له، فالبخاري ينتقي من أحاديث شيوخه، وهذا منهم، وانظر هدي الساري. (٣). (٤)

стр. 5065

شبهات عن الصحابة وفيها: ١ - شبهة: حول قولِ عمر ﵁ لرسول الله ﷺ عند موته ما شأنه أَهَجَرَ! استفهِمُوه. ٢ - شبهة: قتل خالد بن الوليد ﵁ لمالك بن نويرة. ٣ - رد الشبهات عن معاوية بن أبي سفيان ﵄. ٤ - شبهات عن أبي هريرة ﵁. ٥ - شبهات حول موقف الصحابة من مقتل عثمان ﵁. ٦ - شبهة: موقف عائشة والصحابة من موقعة الجمل. ٧ - موقف الصحابة في معركة صفين.

стр. 5066

١ - شبهة: حول قولِ عمرَ ﵁ لرسول الله ﷺ عند موته مَا شَأنهُ أهَجَرَ! استفهِمُوه . نص الشبهة: اتهام النبي ﷺ بالهذيان، واتهام الصحابة ﵁ باعتراضهم على رسول ﷺ ورفض أمره وطعنهم فيه وبالأخص عمر الذي قال: (أهَجَرَ! ). والرد على ذلك من وجوه. الوجه الأول: تخريج القصة. الوجه الثاني: عصمة النبي ﷺ . الوجه الثالث: التحقيق أن الهجر في اللغة هو: اختلاط الكلام بوجهٍ غيرِ مفهوم. الوجه الرابع: فضائل عمر ﵁، وأدبه مع النبي ﷺ . الوجه الخامس: لم يأت في روايةٍ واحدةٍ التصريحُ بأن عمر هو قائل هذه الكلمة. الوجه السادس: على فرض أن عمر قال هذا، فقد قاله على سبيل الشك. الوجه السابع: إن الذين قالوا: ما شأنه أهجر! أو هجر! هم الذين كانوا قريبي العهد بالإسلام. الوجه الثامن: العلة من قول الصحابة ﵁: ما شأنُه! أهَجَرَ! الوجه التاسع: إقرار النبي ﷺ كلامَ الصحابة بعدم الإنكار عليهم. أما عن قولهم: كيف اختلفوا بعد أمره ﷺ أن يأتوه بالكتاب؟ فالرد على ذلك من وجوهٍ. الوجه الأول: لعلهم اعتقدوا أن ذلك صدر منه ﷺ من غير قصدٍ جازمٍ. الوجه الثاني: قصدوا التخفيف على رسول الله ﷺ . الوجه الثالث: وقد قيل: إن عمر ﵁ خشي تطرق المنافقين ومَن في قلبه مرضٌ. الوجه الرابع: ظنوا أنه اختبارٌ من النبي ﷺ . الوجه الخامس: وقيل: إن النبي ﷺ لم يَطلبْ، ولكن طُلِبَ منه أن يكتب فقال: ائتوني. الوجه السادس: لم يأتوه بالكتاب؛ لكي لا تزول فضيلة أهل العلم بالاجتهاد في الاستنباط. الوجه السابع: إقرار النبي ﷺ كلامَهم بعدم الإنكار عليهم. وإليك التفصيل

стр. 5067

الوجه الأول: تخريج القصة . عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الْخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الخَميسِ! ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ الله ﷺ وَجَعُهُ. فَقَالَ: "ائتوني أَكْتُبْ لَكُمْ كتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدِي"، فَتَنَازَعُوا وَمَا ينبغي عِنْدَ نبيٍّ تَنَازُعٌ. وَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ؟ قَالَ: "دعوني فالذي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ، أُوصِيكُمْ بِثَلَاثٍ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كنْتُ أُجِيزُهُمْ. قَالَ: وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ أَوْ قَالهَا فَأُنْسِيتُهَا". (١) وعَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لمَّا اشْتَدَّ بالنبي ﷺ وَجَعُهُ، قَالَ: "ائتوني بِكِتَابٍ؛ اُكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ"، قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النبي ﷺ غَلَبَهُ الْوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ الله حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا، وَكَثُرَ اللَّغَطُ. قَالَ: "قُومُوا عَنِّي، وَلَا ينبغي عندي التَّنَازُعُ". فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزيَّةِ، مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ الله ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ. (٢)

стр. 5068

قال ابن كثير: هذا الحديث مما قد توهم به بعض الأغبياء من أهل البدع وغيرهم، كلٌ مدعٍ أنه كان يريد أن يكتب في ذلك الكتاب ما يرمون إليه من مقالاتهم، وهذا هو التمسك بالمتشابه، وترك المحكم. وأهل السنة يأخذون بالمحكم، ويردون ما تشابه إليه، وهذه طريقة الراسخين في العلم كما وصفهم الله في كتابه. وهذا الموضع مما زلَّ فيه أقدام كثيرٍ من أهل الضلالات، وأما أهل السنة فليس لهم مذهبٌ إلا اتباع الحق يدورون معه كيفما دار. وهذا الذي كان يريد ﵁ أن يكتبه قد جاء في الأحاديث الصحيحة التصريح بكشف المراد منه (١). الوجه الثاني: اعتقاد الصحابة ومن تبعهم عصمةَ النبي ﷺ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧] واعلم أن الأمة مجمعةٌ على

стр. 5069

عصمة النبي ﷺ من الشيطان وكفايته منه لا في جسمه بأنواع الأذى، ولا على خاطره بالوساوس، فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحدٍ إلا وُكِّلَ به قرينُه من الجن، وقرينه من الملائكة. قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: "وإياي، ولكن الله تعالى أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخيرٍ.، ورُوِيَ (فأَسْلَمُ) بضم الميم أي: فأَسْلَمُ أنا منه، وصحح بعضهم هذه الرواية ورَجَّحَها، ورُوِيَ (فأَسْلَمَ) يعني القرين أنه انتقل عن حال كفره إلى الإسلام فصار لا يأمر إلا بخيرٍ كالمَلَكِ، وهو ظاهر الحديث، ورواه بعضهم فاستسلم. قال القاضي أبو الفضل -وفقه الله-: فإذا كان هذا حكمَ شيطانه وقرينه المُسلَّط علي بني آدمَ فكيف بمن بَعُدَ منه وَلَمْ يَلْزَمْ صُحْبَتَهُ وَلَا أُقْدِرَ عَلَى الدُّنُوِّ مِنْهُ! (١) ثم اعلم أنه قد تقررت عصمته ﷺ في أقواله في جميع أحواله وأنه لا يصح منه فيها خُلْفٌ، ولا اضطرابٌ في عمدٍ، ولا سهوٍ، ولا صحةٍ، ولا مرضٍ، ولا جِدٍ، ولا مزحٍ، ولا رضىً ولا غضبٍ. (٢) قال أئمتنا في هذا الحديث: إن النبي ﷺ غير معصومٍ من الأمراض، وما يكون من عوارضها؛ من شدة وجع غشيٍ ونحوه مما يطرأ على جسمه، معصومٌ أن يكون منه من القول أثناء ذلك ما يطعن في معجزته، ويؤدي إلى فسادٍ في شريعته، من هذيانٍ أو اختلالٍ في الكلام. (٣) قال النووي: اعلم أن النبي ﷺ معصومٌ من الكذب، ومن تغيير شيءٍ من الأحكام الشرعية في حال صحته، وحال مرضه، ومعصومٌ من ترك بيان ما أُمِرَ ببيانه، وتبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه، وليس معصومًا من الأمراض، والأسقام العارضة للأجسام ونحوها مما لا نقص فيه لمنزلته، ولا فساد لما تمهد من شريعته وقد سُحِرَ ﷺ حتى صار يُخَيَّل إليه أنه فعل الشيء ولم يكن فعله ولم يصدر منه ﷺ . (٤) فنبينا محمد ﷺ معصومٌ في كل حالةٍ في صحته، ومر عنه لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، ولقوله ﷺ : "إني

стр. 5070

لا أقول في الغضب والرضا إلا حقًّا". (١) الوجه الثالث: التحقيق أن الهجر في اللغة هو: اختلاط الكلام بوجه غير مفهومٍ . وهو على قسمين: القسم الأول: قسمٌ لا نزاع لأحدٍ في عُروضه للأنبياء ﵈ وهو عدم تبيين الكلام لبحة الصوت وغلبة اليبس بالحرارة على اللسان، كما في الحميات الحارة وقد ثبت بإجماع أهل السير أن نبينا ﷺ كانت بحة الصوت عارضةً له في مرض موته ﷺ . والقسم الآخر: جريان الكلام غير المنتظم أو المخالف للمقصود على اللسان بسبب الغشي العارض بسبب الحميات المحرقة، في الأكثر. وهذا القسم وإن كان ناشئًا من العوارض البدنية، ولكن قد اختلف العلماء في جواز عروضه للأنبياء، فجوزه بعضهم قياسًا على النوم، ومنعه آخرون، فلعل القائل بذلك القول أراد القسم الأول يعني: أنا نرى هذا الكلام خلاف عادته ﷺ ، فلعلنا لم نفهم كلامه بسبب وجود الضعف في ناطقته فلا إشكال. (٢) الوجه الرابع: فضائل عمر وأدبه مع النبي ﷺ -. عن أبي أمامة بن سهلٍ أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ : "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلي، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُدِيَّ، وَمنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ، قَالُوا: فَمَا أوّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: (الدِّينَ) ". (٣) وعن حمزة بن عبد الله بن عمر؛ أن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي أَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الخطَّابِ)، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: (الْعِلْمَ) ". (٤) ومما يُظهِرُ أدبَه مع النبي ﷺ : ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ

стр. 5071

قال: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ: لمِنْ هذَا الْقَصْرُ؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ ابنِ الْخطَّابِ فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبرًا"، فَبَكَى عُمَرُ، وَقَالَ: أَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ الله" (١) وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال النبي ﷺ : "رأيتُني دخلتُ الجنةَ فإذا أنا بالرُّمَيصاءِ (٢) امرأة أبي طلحة وسمعت خشفةً فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلالٌ، ورأيتُ قصرًا بفنائه جاريةٌ، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر فأردت أن أدخله، فأنظر إليه، فذكرت غيرتك". فقال عمر: بأبي وأمي يا رسول الله أعليك أغارُ! . (٣) وعن نافع بن عمر عن ابن أبي مُليكة قال: كاد الخَيِّرانِ أن يهلكا، أبو بكر وعمر؛ لما قدم على النبي ﷺ وفدُ بني تميمٍ أشار أحدهما بالأقرع بن حابس الحنظلي أخي بني مجاشعٍ، وأشار الآخر بغيره، فقال أبو بكرٍ لعمرَ: إنما أردتَ خلافي، فقال عمر: ما أردتُ خلافك فارتفَعَتِ أصواتهما عند النبي ﷺ فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى قوله ﴿عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٢ - ٣]. قال ابن أبي مليكة: قال ابن الزبير: فكان عمر بعد -ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر- إذا حَدَّثَ النبيَّ ﷺ بحديث حَدَّثَه كأخي السِّرارِ (٤) لم يسمعه حتى يستفهمَه. (٥) وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أُرِيتُ فِي المنامِ أَنِّي أنزِعُ بِدَلْوٍ بَكْرَةٍ عَلَى قَلِيبِ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ نَزْعًا ضَعِيفًا، والله يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرِيَّهُ، حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ وَضَربُوا بِعَطَنٍ" (٦). وعن محمد بن سعد بن أبي وقاصٍ عن أبيه لله قال: قال رسول الله ﷺ : "إِيهًا يَا ابْنَ

стр. 5072

الخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّك". (١) قال عبد الله: ما زلنا أعزةً منذ أسلم عمر. (٢) عن ابن أبي مليكة أنه سمع ابن عباس يقول: وُضِعَ عُمَرُ عَلَى سَرِيرِهِ فتكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ وَيُصَلُّونَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ وَأَنَا فِيهِمْ، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلا رَجُلٌ آخِذٌ مَنْكِبِي فَإِذَا عَليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ: مَا خلفت أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ ألقَى الله بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ. وَايمُ الله إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ الله مَعَ صَاحِبَيْكَ وَحَسِبْتُ أنِّي كُنْتُ كَثِيرًا أَسْمَعُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "ذَهَبْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَر" (٣). الوجه الخامس: لم يأت في رواية واحدة التصريح بأن عمر هو قائل هذه الكلمة . إن الذي قاله عمر هو أن رسول الله ﷺ قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله. (٤) بل جاءت جميع الروايات بنسبتها إلى بعض الحاضرين في بيت رسول الله ﷺ دون تحديد لأشخاصهم، قال ابن عباس: (فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ أَهَجَرَ اسْتَفْهِمُوهُ) (٥). قال الدهلوي: من أين يثبُتُ أن قائل هذا هو عمر؛ مع أنه وقع في الروايات (قالوا) بصيغة الجمع؟ (٦) الوجه السادس: على فرض أن عمر قال هذا فقد قاله على سبيل الشك ولم يجزم بأنه هجر والشك جائز على عمر فإنه لا معصوم إلا النبي ﷺ -.

стр. 5073

وأما عمر ﵁ فاشتبه عليه هل كان قول النبي ﷺ من شدة المرض أو كان من أقواله المعروفة، والمرض جائز على الأنبياء ولهذا قال: ما له أهجر، فشك في ذلك ولم يجزم بأنه هجر، والشك جائز على عمر؛ فإنه لا معصوم إلا النبي ﷺ لا سيما وقد شك بشبهة فإن النبي ﷺ كان مريضًا فلم يدر أكلامه كان من وهج المرض كما يعرض للمريض أو كان من كلامه المعروف الذي يجب قبوله، وكذلك ظن أنه لم يمت حتى تبين أنه قد مات، والنبي ﷺ قد عزم على أن يكتب الكتاب الذي ذكره لعائشة، فلما رأى أن الشك قد وقع علم أن الكتاب لا يرفع الشك فلم يبق فيه فائدة وعلم أن الله يجمعهم على ما عزم عليه كما قال: "وَيَأْبَى اللهُ وَالمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ". (١) ولا يلتفت إلى قول أحد فإنه -أي عمر- أطوع الخلق له، فعلم أنه لما ترك الكتاب يكن الكتاب واجبًا ولا كان فيه من الدين ما تجب كتابته حينئذ إذ لو وجب لفعله، ولو أن عمر ﵁ اشتبه عليه أمر ثم تبين له أو شك في بعض الأمور فليس هو أعظم ممن يفتي ويقضي بأمور ويكون النبي ﷺ قد حكم بخلافها مجتهدًا في ذلك ولا يكون قد علم حكم النبي ﷺ ، فإن الشك في الحق أخف من الجزم بنقيضه. وكل هذا إذا كان باجتهاد سائغ كان غايته أن يكون من الخطأ الذي رفع الله المؤاخذة به كما قضى عليٌّ في الحامل المتوفى عنها زوجها أنها تعتد أبعد الأجلين مع ما ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه لما قيل له: إن أبا السنابل بن بعكك أفتى بذلك لسبيعةَ الأسلميةَ فقال رسول الله ﷺ : "كذب". (٢) الوجه السابع: إن الذين قالوا ما شأنه أهجر أو هجرهم الذين كانوا قريبي العهد بالإسلام . قال ابن حجر: (ويظهر لي ترجيح ثالث الاحتمالات، التي ذكرها القرطبي، ويكون قائل ذلك بعض من قرب دخوله في الإسلام، وكان يعهد أن من اشتد عليه الوجع، قد يشتغل به عن تحرير ما يريد (٣)).

стр. 5074

وقال البدر العيني: والذي ينبغي أن يقال: إن الذين قالوا: ما شأنه أهجر، أو هجر بالهمزة وبدونها هم الذين كانوا قريبي العهد بالإسلام، ولم يكونوا عالمين بأن هذا القول لا يليق أن يقال في حقه لأنهم ظنوا أنه مثل غيره من حيث الطبيعة البشرية إذا اشتد الوجع على واحد منهم تكلم من غير تحرٍ في كلامه ولهذا قالوا: استفهموه. لأنهم لم يفهموا مراده ومن أجل ذلك وقع بينهم التنازع حتى أنكر عليهم النبي بقوله: "ولا ينبغي عند نبي التنازع"، وفي الرواية الماضية "ولا ينبغي عندي تنازع"، ومن جملة تنازعهم ردهم عليه وهو معنى قوله: فذهبوا يردون عليه (١)، ويروى "يردون عنه" أي عما قاله. فلهذا قال: "دعوني" أي اتركوني، والذي أنا فيه من المراقبة والتأهب للقاء الله ، فإنه أفضل من الذي تدعونني إليه من ترك الكتابة، ولهذا قال ابن عباس: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب (٢). الوجه الثامن: العلة من قول الصحابة ﵁ ما شأنُه؟ أهَجَرَ ؟ ذكر أهل العلم في العلة من قول الصحابة ﵃ ما شأنُه؟ أهَجَرَ؟ أمورًا منها: ١ - قالوا ذلك على سبيل الاستفهام الاستنكاري. قالوا: ما شأنُه؟ أهَجَرَ؟ أي اخْتَلَف كلامُه بسبب المرضِ على سبيل الاستفهام. أي هل تَغَيَّر كلامُه واخْتَلَط لأجل ما به من المرض؟ وهذا أحْسَنُ ما يقال فيه ولا يُجْعل إخبارًا فيكون إمَّا من الفُحْش أو الهَذَيان. . (٣)

стр. 5075

وعلى هذا لا يصح ظاهر رواية من روى في الحديث (هجر) إذ معناه هذى يقال: هجر هجرًا إذا هذى، وأهجر هجرًا إذا أفحش، وأهجر تعدية هجر، وإنما الأصح والأولى (أهجر)؟ على طريق الإنكار على من قال: لا يكتب، هكذا روايتنا فيه في صحيح البخاري من رواية جميع الرواة في حديث الزهري المتقدم، وفي حديث محمد بن سلام عن ابن عيينة وكذا ضبطه الأصيلي بخطه في كتابه وغيره من هذه الطرق، وكذا رويناه عن مسلم في حديث سفيان وعن غيره وقد تحمل عليه رواية من رواه (هجر) على حذف ألف الاستفهام والتقدير: أهجر؟ . (١) ٢ - أو هجر بمعنى دهشة من قائل ذلك وحيرة لعظيم ما شاهد. أو أن يُحمل قولُ القائل: (هجر)، أو (أهجر) دهشةً من قائل ذلك، وحيرةً لعظيم ما شاهد من حال الرسول ﷺ وشدة وجعه والمقام الذي اختلف فيه عليه والأمر الذي هم بالكتاب فيه حتى لم يضبط هذا القائل لفظه، وأجرى الهجر مجرى شدة الوجع لا أنه اعتقد أنه يجوز عليه الهجر كما حملهم الإشفاق على حراسته والله يقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ونحو هذا. (٢) قال الإمام الملا على القاري: اعلم أن قوله (هجر) الراجح فيه إثبات الهمزة الاستفهامية وبفتحات على أنه فعل ماض والمراد به هنا ما يقع من كلام المريض مما لا ينتظم ولا يعتد به لعدم فائدته ووقوع ذلك منه مستحيل؛ لأنه معصوم في صحته ومرضه لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] ولقوله: "إني لا أقول في الغضب والرضا إلا حقًّا"، وإذا عرَفت ذلك فإنما قال من قال منكرًا على من

стр. 5076

يتوقف في امتثال أمره بإحضار أسباب الكتابة فكأنه قال: أتتوقف في ذلك! أتظن أنه بتغيره يقول الهذيان في مرضه! امتثِل أمره وأحضر ما طلبه فإنه لا يقول إلا الحق (١). ٣ - أو هجر بمعنى هجرًا ومنكرًا من القول عند رسول الله أي برفع الصوت. وأما على رواية (أهجرًا) - وهي رواية أبي إسحاق المستملي في الصحيح في حديث ابن جبيرٍ عن ابن عباسٍ من رواية قتيبةَ- فقد يكون هذا راجعًا إلى المختلفين عنده ﷺ ومخاطبة لهم من بعضهم أي: جئتم باختلافكم على رسول الله ﷺ وبين يديه هجرًا ومنكرًا من القول، والهجر بضم الهاء: الفحش في المنطق (٢). الوجه التاسع: إقرار النبي ﷺ كلام الصحابة بعدم الإنكار عليهم . قال البيهقي: وفي ترك رسول الله ﷺ الإنكار عليه فيما قال دليلٌ واضحٌ على استصوابه رأيه. (٣) أما عن قولهم: حيف اختلفوا بعد أمره ﷺ أن يأتوه بالكتاب ؟ والرد على ذلك من وجوه الوجه الأول: لعلهم اعتقدوا أن ذلك صدر منه ﷺ من غير قصدٍ جازمٍ لقرينة في المجلس . قال المازري: إن قيل: كيف جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع قوله ﷺ : "ائتوني أكتب"، وكيف عصوه في أمره، فالجواب: أنه لا خلاف أن الأوامر تقارنها قرائن تنقلها من الندب إلى الوجوب عند من قال: أصلها للندب، ومن الوجوب إلى الندب عند من قال: أصلها للوجوب، وتنقل القرائن أيضًا صيغة افعل إلى الإباحة، وإلى التخيير، وإلى غير ذلك من ضروب المعاني؛ فلعله ظهر منه ﷺ من القرائن ما دل على أنه لم يوجب عليهم، بل جعله إلى اختيارهم فاختلف اختيارهم بحسب اجتهادهم وهو دليل على رجوعهم إلى الاجتهاد في الشرعيات فأدَّى عمر ﵁ اجتهاده إلى الامتناع من هذا ولعله اعتقد أن ذلك صدر منه ﷺ من غير قصد جازم وهو المراد بقولهم: هجر، وبقول عمر:

стр. 5077

غلب عليه الوجع، وما قارنه من القرائن الدالة على ذلك على نحو ما يعهدونه من أصوله ﷺ في تبليغ الشريعة وأنه يجري مجرى غيره من طرق التبليغ المعتادة منه ﷺ فظهر ذلك لعمر دون غيره فخالفوه. (١) قال القرطبي وغيره: ائتوني أمرٌ وكان حق المأمور أن يبادر للامتثال لكن ظهر لعمر ﵁ مع طائفةٍ أنه ليس على الوجوب، وأنه من باب الإرشاد إلى الأصلح، فكرهوا أن يكلفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة مع استحضارهم قولَه تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، ولهذا قال عمر: حسبنا كتاب الله، وظهر لطائفةٍ أخرى أن الأولى أن يكتب لما فيه من امتثال أمره وما يتضمنه من زيادة الإيضاح ودل أمره لهم بالقيام على أن أمره الأول كان على الاختيار (٢). قال القرطبي: وسبب ذلك أن ذلك كله إنما حمل عليه الاجتهاد المسوغ، والقصد الصالح، وكل مجتهد مصيب، أو أحدهما مصيب، والآخر غير مأثوم بل مأجور كما قررناه في الأصول (٣). قال الحافظ ابن حجر: ودل أمره لهم بالقيام على أن أمره الأول كان على الاختيار ولهذا عاش ﷺ بعد ذلك أيامًا ولم يعاود أمرهم بذلك، ولو كان واجبًا لم يتركه لاختلافهم، لأنه لم يترك التبليغ لمخالفة من خالف، وقد كان الصحابة يراجعونه في بعض الأمور ما لم يجزم بالأمر، فإذا عزم امتثلوا (٤). الوجه الثاني: قصدوا التخفيف على رسول الله ﷺ -. قال الإمام البيهقي: إنما قصد عمر بن الخطاب ﵁ بما قال التخفيف على رسول الله ﷺ حين رآه، قد غلب عليه الوجع، ولو كان ما يريد النبي ﷺ أن يكتب لهم شيئًا مفروضًا، لا يستغنون عنه لم يتركه باختلافهم ولغطهم لقول الله : ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾

стр. 5078

[المائدة: ٦٧] كما لم يترك تبليغ غيره بمخالفة من خالفه، ومعاداة من عاداه، وإنما أراد ما حكا سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله، أن يكتب استخلاف أبي بكر ثم ترك كتابته اعتمادًا على ما علم من تقدير الله تعالى، ذلك كما هم به في ابتداء مرضه حين قال: "وارأساه"، ثم بدا له أن لا يكتب وقال: "يَأْبَى الله وَالمُؤْمِنُونَ إِلا أَبَا بَكْر"، ثم نبه أمته على خلافته، باستخلافه إياه في الصلاة حين عجز عن حضورها، وإن كان المراد به رفع الخلاف في الدين، فإن عمر بن الخطاب ﵁ علم أن الله تعالى قد أكمل دينه بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وعلم أنه لا تحدث واقعة إلى يوم القيامة إلا وفي كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ بيانها نصًا أو دلالة. وفي نص رسول الله ﷺ على جميع ذلك في مرض موته مع شدة وعكه مما يشق عليه، فرأى عمر بن الخطاب ﵁ الاقتصار على ما سبق بيانه نصًا أو دلالة تخفيفًا على رسول الله ﷺ . (١) الوجه الثالث: وقد قيل: إن عمر خشي تطرق المنافقين ومن في قلبه مرض لما كتب في ذلك الكتاب في الخلوة . قال الخطابي: ولا يجوز أن يحمل قول عمر على أنه توهم الغلط على رسول الله ﷺ أو ظن به غير ذلك مما لا يليق به بحال لكنه لما رأى مما غلب على رسول الله ﷺ من الوجع وقرب الوفاة مع ما اعتراه من الكرب خاف أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة له فيه، فتجد المنافقون بذلك سبيلًا إلى الكلام في الدين. وقد كان أصحابه ﷺ يراجعونه في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم كما راجعوه يوم الحديبية في الخلاف، وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش، فأما إذا أمر بالشيء أمر عزيمة فلا يراجعه فيه أحد منهم. قال: وأكثر العلماء على أنه يجوز عليه الخطأ فيما لم ينزل عليه، وقد أجمعوا كلهم على أنه لا يقر عليه. قال: ومعلوم أنه ﷺ وإن كان الله تعالى قد رفع درجته فوق الخلق كلهم- فلم ينزهه عن سمات الحدث والعوارض البشرية، وقد سها في الصلاة فلا ينكر أن يظن به حدوث بعض هذه الأمور في مرضه فيتوقف في مثل هذا الحال حتى تتبين حقيقته؛ فلهذه

стр. 5079

المعاني وشبهها راجعه عمر ﵁. (١) الوجه الرابع: لعلهم ظنوا أنه اختبار من النبي ﷺ -. وقيل: إنه كان من النبي ﷺ لهم على طريق المشورة والاختبار وهل يتفقون على ذلك أم يختلفوا فلما اختلفوا تركه (٢). الوجه الخامس: وقيل أن النبي ﷺ لم يطلب، ولكن طلب منه أن يكتب فقال: ائتوني . . . وقالت طائفة أخرى: أن معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان مجيبًا في هذا الكتاب لما طلب منه لا أنه ابتدأ بالأمر به، بل اقتضاه منه بعض أصحابه فأجاب رغبتهم وكره ذلك غيرهم للعلل التي ذكرناها، واستدل في مثل هذه القصة بقول العباس لعليّ: انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ فإن كان الأمر فينا علمناه، وكراهة على هذا وقوله: "والله لا أفعل" -الحديث- واستدل بقوله: "دعوني فإن الذي أنا فيه خيرٌ" أي: الذي أنا فيه خير من إرسال الأمر وترككم وكتاب الله وأن تدعوني مما طلبتم، وذكر أن الذي طلب كتابه أمر الخلافة بعده وتعيين ذلك (٣). الوجه السادس: إقرار النبي ﷺ كلامهم بعدم الإنكار عليهم قال القرطبي: ولهذا عاش ﷺ بعد ذلك أيامًا ولم يعاود أمرهم بذلك، ولو كان واجبًا لم يتركه لاختلافهم؛ لأنه! يترك التبليغ لمخالفة من خالف (٤). قال ابن حجر: قوله: ولا ينبغي عندي التنازع فيه إشعار بأن الأولى كان المبادرة إلى امتثال الأمر وإن كان ما اختاره عمر صوابًا إذ لم يتدارك ذلك النبي ﷺ بعد كما قدمناه. واعلم أن قول عمر ﵁: (حسبنا كتاب الله) ردٌّ على من نازعه لا على أمر النبيّ ﷺ (٥). * * *

стр. 5080

٢ - شبهة: قتل خالد بن الوليد ﵁ لمالك بن نويرة . نص الشبهة: يقولون: إن خالدًا غلبت عليه طبيعته العسكرية، وهو يقود جيوش المسلمين في الجهاد، وأنه لم يستبريء لدينه بالتروي، والتوقف عند ورود الشبهات. وإن أبا بكر أمر برد السبي وودى مالك بن نويرة، وقد كانت زوجة مالك بن نويرة في غاية الجمال، وكان خالد بن الوليد يحبها فقتل زوجها مالكًا ليتزوجها مع أنه أقر بالإسلام، وقال مالك عندما أمر خالد بقتله: (إن هذه التي قتلتني) يريد زوجته، وهذا الذي استوجب غضب عمر على خالد، وكان يريد أن يرجمه باعتباره زانيًا. وفي زواج خالد بزوجة مالك بن نويرة يقول أبو نمير السعدي: ألا أقل لحي أوطئوا بالسنابك ... تطاول هذا الليل من بعد مالك قضى خالد بغيًا عليه بعرسه ... وكان هوى فيها قبل ذلك فأمضى هواه خالد غير عاطف ... عنان الهوى عنها ولا متمالك فأصبح ذا أهل وأصبح مالك ... إلى غير أهل هالكًا في الهوالك فكان ممن شهد لمالك بالإسلام أبو قتادة الحارث بن ربعي أخو بني سلمة، وقد كان عاهد الله أن لا يشهد مع خالد بن الوليد حربًا أبدًا بعدها، وكان يحدث أنهم لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل فأخذ القوم السلاح قال: فقلنا إنا مسلمون. فقالوا: ونحن مسلمون، قلنا: فما بال السلاح معكم؟ قالوا: فما بال السلاح معكم؟ قلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح، قال فوضعوها ثم صلينا وصلوا، وكان خالد يعتذر في قتله أنه كان يقول: قال صاحبكم: كذا وكذا، قال أو ما تعده لك صاحبًا؟ ثم قدمه وضرب عنقه وعنق أصحابه. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: ذكر الروايات. الوجه الثاني: فضائل خالد بن الوليد ﵁. الوجه الثالث: أمور وقع فيها خالد في عهد النبي ﷺ ولم يحكم عليه النبي ﷺ بالفسق أو أنه يستحق الرجم، بل يبين له الصواب، وكان هناك ما رجَّح النبي ﷺ فيه رأي خالد.
следующие страницы →