يتوقف في امتثال أمره بإحضار أسباب الكتابة فكأنه قال: أتتوقف في ذلك! أتظن أنه بتغيره يقول الهذيان في مرضه! امتثِل أمره وأحضر ما طلبه فإنه لا يقول إلا الحق (١).
٣ - أو هجر بمعنى هجرًا ومنكرًا من القول عند رسول الله أي برفع الصوت.
وأما على رواية (أهجرًا) - وهي رواية أبي إسحاق المستملي في الصحيح في حديث ابن جبيرٍ عن ابن عباسٍ من رواية قتيبةَ- فقد يكون هذا راجعًا إلى المختلفين عنده ﷺ ومخاطبة لهم من بعضهم أي: جئتم باختلافكم على رسول الله ﷺ وبين يديه هجرًا ومنكرًا من القول، والهجر بضم الهاء: الفحش في المنطق (٢).
الوجه التاسع: إقرار النبي ﷺ كلام الصحابة بعدم الإنكار عليهم .
قال البيهقي: وفي ترك رسول الله ﷺ الإنكار عليه فيما قال دليلٌ واضحٌ على استصوابه رأيه. (٣)
أما عن قولهم: حيف اختلفوا بعد أمره ﷺ أن يأتوه بالكتاب ؟
والرد على ذلك من وجوه
الوجه الأول: لعلهم اعتقدوا أن ذلك صدر منه ﷺ من غير قصدٍ جازمٍ لقرينة في المجلس .
قال المازري: إن قيل: كيف جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع قوله ﷺ : "ائتوني أكتب"، وكيف عصوه في أمره، فالجواب: أنه لا خلاف أن الأوامر تقارنها قرائن تنقلها من الندب إلى الوجوب عند من قال: أصلها للندب، ومن الوجوب إلى الندب عند من قال: أصلها للوجوب، وتنقل القرائن أيضًا صيغة افعل إلى الإباحة، وإلى التخيير، وإلى غير ذلك من ضروب المعاني؛ فلعله ظهر منه ﷺ من القرائن ما دل على أنه لم يوجب عليهم، بل جعله إلى اختيارهم فاختلف اختيارهم بحسب اجتهادهم وهو دليل على رجوعهم إلى الاجتهاد في الشرعيات فأدَّى عمر ﵁ اجتهاده إلى الامتناع من هذا ولعله اعتقد أن ذلك صدر منه ﷺ من غير قصد جازم وهو المراد بقولهم: هجر، وبقول عمر:
стр. 5077
غلب عليه الوجع، وما قارنه من القرائن الدالة على ذلك على نحو ما يعهدونه من أصوله ﷺ في تبليغ الشريعة وأنه يجري مجرى غيره من طرق التبليغ المعتادة منه ﷺ فظهر ذلك لعمر دون غيره فخالفوه. (١)
قال القرطبي وغيره: ائتوني أمرٌ وكان حق المأمور أن يبادر للامتثال لكن ظهر لعمر ﵁ مع طائفةٍ أنه ليس على الوجوب، وأنه من باب الإرشاد إلى الأصلح، فكرهوا أن يكلفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة مع استحضارهم قولَه تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، ولهذا قال عمر: حسبنا كتاب الله، وظهر لطائفةٍ أخرى أن الأولى أن يكتب لما فيه من امتثال أمره وما يتضمنه من زيادة الإيضاح ودل أمره لهم بالقيام على أن أمره الأول كان على الاختيار (٢).
قال القرطبي: وسبب ذلك أن ذلك كله إنما حمل عليه الاجتهاد المسوغ، والقصد الصالح، وكل مجتهد مصيب، أو أحدهما مصيب، والآخر غير مأثوم بل مأجور كما قررناه في الأصول (٣).
قال الحافظ ابن حجر: ودل أمره لهم بالقيام على أن أمره الأول كان على الاختيار ولهذا عاش ﷺ بعد ذلك أيامًا ولم يعاود أمرهم بذلك، ولو كان واجبًا لم يتركه لاختلافهم، لأنه لم يترك التبليغ لمخالفة من خالف، وقد كان الصحابة يراجعونه في بعض الأمور ما لم يجزم بالأمر، فإذا عزم امتثلوا (٤).
الوجه الثاني: قصدوا التخفيف على رسول الله ﷺ -.
قال الإمام البيهقي: إنما قصد عمر بن الخطاب ﵁ بما قال التخفيف على رسول الله ﷺ حين رآه، قد غلب عليه الوجع، ولو كان ما يريد النبي ﷺ أن يكتب لهم شيئًا مفروضًا، لا يستغنون عنه لم يتركه باختلافهم ولغطهم لقول الله : ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾
стр. 5078
[المائدة: ٦٧] كما لم يترك تبليغ غيره بمخالفة من خالفه، ومعاداة من عاداه، وإنما أراد ما حكا سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله، أن يكتب استخلاف أبي بكر ثم ترك كتابته اعتمادًا على ما علم من تقدير الله تعالى، ذلك كما هم به في ابتداء مرضه حين قال: "وارأساه"، ثم بدا له أن لا يكتب وقال: "يَأْبَى الله وَالمُؤْمِنُونَ إِلا أَبَا بَكْر"، ثم نبه أمته على خلافته، باستخلافه إياه في الصلاة حين عجز عن حضورها، وإن كان المراد به رفع الخلاف في الدين، فإن عمر بن الخطاب ﵁ علم أن الله تعالى قد أكمل دينه بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وعلم أنه لا تحدث واقعة إلى يوم القيامة إلا وفي كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ بيانها نصًا أو دلالة. وفي نص رسول الله ﷺ على جميع ذلك في مرض موته مع شدة وعكه مما يشق عليه، فرأى عمر بن الخطاب ﵁ الاقتصار على ما سبق بيانه نصًا أو دلالة تخفيفًا على رسول الله ﷺ . (١)
الوجه الثالث: وقد قيل: إن عمر خشي تطرق المنافقين ومن في قلبه مرض لما كتب في ذلك الكتاب في الخلوة .
قال الخطابي: ولا يجوز أن يحمل قول عمر على أنه توهم الغلط على رسول الله ﷺ أو ظن به غير ذلك مما لا يليق به بحال لكنه لما رأى مما غلب على رسول الله ﷺ من الوجع وقرب الوفاة مع ما اعتراه من الكرب خاف أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة له فيه، فتجد المنافقون بذلك سبيلًا إلى الكلام في الدين. وقد كان أصحابه ﷺ يراجعونه في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم كما راجعوه يوم الحديبية في الخلاف، وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش، فأما إذا أمر بالشيء أمر عزيمة فلا يراجعه فيه أحد منهم. قال: وأكثر العلماء على أنه يجوز عليه الخطأ فيما لم ينزل عليه، وقد أجمعوا كلهم على أنه لا يقر عليه. قال: ومعلوم أنه ﷺ وإن كان الله تعالى قد رفع درجته فوق الخلق كلهم- فلم ينزهه عن سمات الحدث والعوارض البشرية، وقد سها في الصلاة فلا ينكر أن يظن به حدوث بعض هذه الأمور في مرضه فيتوقف في مثل هذا الحال حتى تتبين حقيقته؛ فلهذه
стр. 5079
المعاني وشبهها راجعه عمر ﵁. (١)
الوجه الرابع: لعلهم ظنوا أنه اختبار من النبي ﷺ -.
وقيل: إنه كان من النبي ﷺ لهم على طريق المشورة والاختبار وهل يتفقون على ذلك أم يختلفوا فلما اختلفوا تركه (٢).
الوجه الخامس: وقيل أن النبي ﷺ لم يطلب، ولكن طلب منه أن يكتب فقال: ائتوني . . .
وقالت طائفة أخرى: أن معنى الحديث: أن النبي ﷺ كان مجيبًا في هذا الكتاب لما طلب منه لا أنه ابتدأ بالأمر به، بل اقتضاه منه بعض أصحابه فأجاب رغبتهم وكره ذلك غيرهم للعلل التي ذكرناها، واستدل في مثل هذه القصة بقول العباس لعليّ: انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ فإن كان الأمر فينا علمناه، وكراهة على هذا وقوله: "والله لا أفعل" -الحديث- واستدل بقوله: "دعوني فإن الذي أنا فيه خيرٌ" أي: الذي أنا فيه خير من إرسال الأمر وترككم وكتاب الله وأن تدعوني مما طلبتم، وذكر أن الذي طلب كتابه أمر الخلافة بعده وتعيين ذلك (٣).
الوجه السادس: إقرار النبي ﷺ كلامهم بعدم الإنكار عليهم
قال القرطبي: ولهذا عاش ﷺ بعد ذلك أيامًا ولم يعاود أمرهم بذلك، ولو كان واجبًا لم يتركه لاختلافهم؛ لأنه! يترك التبليغ لمخالفة من خالف (٤).
قال ابن حجر: قوله: ولا ينبغي عندي التنازع فيه إشعار بأن الأولى كان المبادرة إلى امتثال الأمر وإن كان ما اختاره عمر صوابًا إذ لم يتدارك ذلك النبي ﷺ بعد كما قدمناه.
واعلم أن قول عمر ﵁: (حسبنا كتاب الله) ردٌّ على من نازعه لا على أمر النبيّ ﷺ (٥).
* * *
стр. 5080
٢ - شبهة: قتل خالد بن الوليد ﵁ لمالك بن نويرة .
نص الشبهة: يقولون: إن خالدًا غلبت عليه طبيعته العسكرية، وهو يقود جيوش المسلمين في الجهاد، وأنه لم يستبريء لدينه بالتروي، والتوقف عند ورود الشبهات.
وإن أبا بكر أمر برد السبي وودى مالك بن نويرة، وقد كانت زوجة مالك بن نويرة في غاية الجمال، وكان خالد بن الوليد يحبها فقتل زوجها مالكًا ليتزوجها مع أنه أقر بالإسلام، وقال مالك عندما أمر خالد بقتله: (إن هذه التي قتلتني) يريد زوجته، وهذا الذي استوجب غضب عمر على خالد، وكان يريد أن يرجمه باعتباره زانيًا.
وفي زواج خالد بزوجة مالك بن نويرة يقول أبو نمير السعدي:
ألا أقل لحي أوطئوا بالسنابك ... تطاول هذا الليل من بعد مالك
قضى خالد بغيًا عليه بعرسه ... وكان هوى فيها قبل ذلك
فأمضى هواه خالد غير عاطف ... عنان الهوى عنها ولا متمالك
فأصبح ذا أهل وأصبح مالك ... إلى غير أهل هالكًا في الهوالك
فكان ممن شهد لمالك بالإسلام أبو قتادة الحارث بن ربعي أخو بني سلمة، وقد كان عاهد الله أن لا يشهد مع خالد بن الوليد حربًا أبدًا بعدها، وكان يحدث أنهم لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل فأخذ القوم السلاح قال: فقلنا إنا مسلمون.
فقالوا: ونحن مسلمون، قلنا: فما بال السلاح معكم؟ قالوا: فما بال السلاح معكم؟ قلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح، قال فوضعوها ثم صلينا وصلوا، وكان خالد يعتذر في قتله أنه كان يقول: قال صاحبكم: كذا وكذا، قال أو ما تعده لك صاحبًا؟ ثم قدمه وضرب عنقه وعنق أصحابه.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: ذكر الروايات.
الوجه الثاني: فضائل خالد بن الوليد ﵁.
الوجه الثالث: أمور وقع فيها خالد في عهد النبي ﷺ ولم يحكم عليه النبي ﷺ بالفسق أو أنه يستحق الرجم، بل يبين له الصواب، وكان هناك ما رجَّح النبي ﷺ فيه رأي خالد.
стр. 5081
الوجه الرابع: فهم خالد وتأويلاته للأمور ربما من يشاهده يظن أنه على خطأ.
الوجه الخامس: مشاركة خالد في حرب المرتدين أمَّن دولة الإسلام، فإن فُرض أنه فعل خطأ ما فإنه يذوب في بحر حسناته.
الوجه السادس: مالك بن نويرة مختلف في إسلامه، ولم يتبين لخالد ولغيره وجه إسلامه.
الوجه السابع: عدة مواقف من مالك بن نويرة تبرر موقف خالد من التشكيك في أمر إسلامه.
الوجه الثامن: لو كان خالد يريد بقتل مالك أمرًا من أمور الدنيا من مال وشهوة لفعل به أبو بكر مثل ما فعل برجل يُسمى الفجاءة.
الوجه التاسع: موقف أبي بكر من خالد هو الأحكم، وبيان علة عدم إقامته للحد عليه.
الوجه العاشر: القائد في المعركة قد يتعرض لمواقف مُحيِّرة، فلا نهضم شخصيته طالما أن له انتصارات بطولية كثيرة، وأنه يُحاول أن يتخيَّر الصواب، ويمكن أن نبين خطأه ونقول: كان ينبغي أن يفعل غير ذلك.
الوجه الحادي عشر: زواج قال من زوجة مالك، وبيان أن خالدًا لم يقصد الزنا- كما قال عمر.
الوجه الثاني عشر: تحقيق موقف الصحابة من قتل خالد لمالك بن نويرة.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: ذكر الروايات .
١ - عن سالم عن أبيه قال: قدم أبو قتادة على أبي بكر فأخبره بمقتل مالك وأصحابه، فجزع من ذلك جزعًا شديدًا. فكتب أبو بكر إلى خالد، فقدم عليه، فقال أبو بكر: هل يزيد خالد على أن يكون تأول فأخطأ؟ . ورد أبو بكر خالدًا، وودى مالك بن نويرة ورد السبي والمال. (١)
٢ - عن أبي قتادة قال: عهد أبو بكر إلى خالد وأمرائه الذين وجهوا إلى الردة أن إذا أتوا دارًا أن يقيموا، فإن سمعوا آذانًا أو رأوا صلاة أمسكوا حتى يسألوهم عن الذي نقموا ومنعوا له الصدقة، وإن لم يسمعوا آذانًا ولا رأوا مصليًا شنوا الغارة وقتلوا وحرقوا. قال: فكنت مع خالد حتى فرغ من قتال طليحة وغطفان وهوازن وسليم. ثم سار إلى بلاد بني
стр. 5082
تميم، فقدمنا خالد أمامه فانتهينا إلى أهل بيت منهم حين طفلت الشمس للغروب، فثاروا إلينا فقالوا من أنتم؟ قلنا: نحن عباد الله المسلمون. فقالوا: ونحن عباد الله المسلمون. وقد كان خالد بث سراياه فلم يسمعوا آذانًا وقاتلهم قوم بالبعوضة من ناحية المذار فجاءوا بمالك بن نويرة في أسرى من قومه، فأمر خالد بأخذ أسلحتهم ثم أصبح فأمر بقتلهم. (١)
٣ - وعن قتادة نحوه، وقال: إنا لما غشينا القوم أخذوا السلاح فقلنا: إنا مسلمون، فقالوا: ونحن مسلمون، قلنا: فما بال السلاح معكم؟ قالوا: فما بال السلاح معكم؟ قلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح، فوضعوا السلاح، ثم صلينا وصلوا. . قال أبو اليقظان عن طفيل قال: نزل خالد بالبعوضة وكان أبو الحلال مؤذنهم غائبًا، فلم يؤذن أحد فأغار عليهم فقتل منه ناسًا منهم بشر بن أبي سود الغداني، وأفلت يومئذ مرداس بن أدية وهو ابن عشر سنين. (٢)
٤ - عن الزهري، أن أبا قتادة قال: خرجنا في الردة حتى إذا انتهينا إلى أهل أبيات حتى طلعت الشمس للغروب فأرشفنا إليهم الرماح، فقالوا: من أنتم؟ قلنا: نحن عباد الله، فقالوا: ونحن عباد الله، فأسرهم خالد بن الوليد حتى إذا أصبح أمر أن يضرب أعناقهم، قال أبو قتادة: فقلت: اتق الله يا خالد، فإن هذا لا يحل لك، قال: اجلس فإن هذا ليس منك في شيء، قال: فكان أبو قتادة يحلف لا يغزو مع خالد أبدًا، قال: وكان الأعراب هم الذين شجعوه على قتلهم من أجل الغنائم، وكان ذلك في مالك بن نويرة. (٣)
стр. 5083
٥ - عن ابن عون قال: بلغ عمر بن الخطاب قتله مالك بن نويرة وتزوجه امرأته، فقال لأبي بكر: إنه قد زنى، فارجمه، فقال أبو بكر: ما كنت لأرجمه، تأول فأخطأ قال: فإنه قد قتل مسلمًا، فاقتله. قال: ما كنت لأقتله به، تأول فأخطأ. قال: فاعزله، قال: ما كنت لأشيم سيفًا سله الله عليهم أبدًا. وكان مالك بن نويرة يسمى الجفول. (١)
٦ - عن ابن إسحاق، في قصة عدي بن حاتم ﵁: أمَّره رسول الله ﷺ على صدقات قومه، فتوفي رسول الله ﷺ ، وقد اجتمعت عنده إبل عظيمة من صدقاتهم، فلما ارتد من ارتد من الناس وبلغهم أنهم قد ارتجعوا صدقاتهم، وارتدت بنو أسد وهم جيرانهم، اجتمعت طيئ إلى عدي بن حاتم، وذكر القصة قال: فلما رأوا منه الجد كفوا عنه وسلموا له، فلما اجتمع المسلمون على أبي بكر ﵁ خرج بها، فكانت أول إبل من الصدقة قدمت على أبي بكر ﵁ هي، وإبل الزبرقان بن بدر.
قال ابن إسحاق: وكان من حديث الزبرقان بن بدر السعدي، أن بني سعد اجتمعوا إليه، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم، وأن يصنع بهم ما صنع مالك بن نويرة بقومه، فأبى وتمسك بما في يده، وثبت على إسلامه، وقال: لا تعجلوا يا قوم، فإنه -والله- ليقومن بهذا الأمر قائم بعد رسول الله ﷺ . فذكر قصة قال: فدفعهم عن نفسه حتى أتاه اجتماع الناس على أبي بكر ﵁، فخرج بها، وقد تفرق القوم عنه ليلًا ومعه الرجال يطردونها، فما علموا به حتى أتاهم أنه قد أداها إلى أبي بكر ﵁، فكانت هذه الإبل التي قدم بها الزبرقان وعدي بن حاتم أول إبل وافت أبا بكر ﵁ من إبل الصدقة بعد وفاة رسول الله ﷺ .
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ بعث عدي بن حاتم ﵁ على صدقات طيئ، والزبرقان بن بدر على صدقات بني سعد، وطليحة بن خويلد على صدقات بني أسد، وعيينة بن حصن على صدقات بني فزارة، ومالك بن نويرة على صدقات بني يربوع، والفجاءة على صدقات بني سليم، فلما بلغهم وفاة النبي ﷺ وعندهم أموال كثيرة ردوها
стр. 5084
على أهلها إلا عدي بن حاتم، والزبرقان بن بدر، فإنهما تمسكا بها ودفعا عنها الناس حتى أدياها إلى أبي بكر ﵁". (١)
٧ - عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: لمَّا اسْتَخْلَفَ الله أبَا بَكْرٍ ﵁ وَارْتَدَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ الْعَرَبِ عَنِ الإِسْلَامِ خَرَجَ أبُو بَكْرٍ غَازيًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ نَقْعًا مِنْ نَحْوِ النَّقِيعِ خَافَ عَلَى الْمدِينَةِ فَرَجَعَ وَأَمَّرَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ المُغِيرة سَيْفَ الله وَنَدَبَ مَعَهُ النَّاسَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ في ضَاحِيَةِ مُضَرَ فَيُقَاتِلَ مَنِ ارْتَدَّ مِنْهُمْ عَنِ الإِسْلَامِ ثُمَّ يَسِيرَ إِلَى الْيَمامَةِ فَيُقَاتِلَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ فَسَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَاتَلَ طُلَيْحَةَ الْكَذَّابَ الأَسَدِيَّ فَهَزَمَهُ الله. . . ثم مَضَى خَالِدُ بْنُ الْوَلِيْدِ قِبَلَ الْيَمامَةِ حَتَّى دَنَا مِنْ حِيٍّ مِنْ بَنِى تميمٍ فِيهِمْ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ وَكَانَ قَدْ صَدَّقَ قَوْمَهُ فَلَمّا تُوُفِّىَ رَسُولُ الله ﷺ أَمْسَكَ الصَّدَقَةَ فَبَعَثَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ﵁ سَرِيَّةً فَذَكَرَ الْحَدِيثَ في قَتْلِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ قَالَ وَمَضَى خَالِدٌ قِبَلَ الْيَمامَةِ حَتَّى قَاتَلَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِى حَنِيفَةَ (٢).
٨ - عن القاسم بن محمد، قال: لما أراح أسامة وجنده ظهرهم وجموا وقد جاءت صدقات كثيرة تفضل عنهم قطع أبو بكر البعوث وعقد الألوية فعقد إحدى عشر لواءًا عقد لخالد بن الوليد وأمره بطليحة بن خويلد فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح (٣).
٩ - عن الصعب بن عطية بن بلال عن أبيه: كانت سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان هي وبنو أبيها عقفان في بني تغلب فتنبت بعد موت رسول الله ﷺ بالجزيرة في بني تغلب فاستجاب لها الهذيل وترك التنصر وهؤلاء الرؤساء الذين أقبلوا معها لتغزو بهم أبا بكر فلما انتهت إلى الحزن راسلت مالك بن نويرة ودعته إلى الموادعة فأجابها وفثاها عن غزوها وحملها على أحياء من بني تميم، قالت: نعم، فشأنك بمن رأيت فإني إنما أنا امرأة من
стр. 5085
بني يربوع وإن كان ملك فالملك ملككم فأرسلت إلى بني مالك بن حنظلة تدعوهم إلى الموادعة فخرج عطارد بن حاجب وسروات بني مالك حتى نزلوا في بني العنبر على سبرة بن عمرو هرابًا قد كرهوا ما صنع وكيع وخرج أشباههم من بني يربوع حتى نزلوا على الحصين بن نيار في بني مازن وقد كرهوا ما صنع مالك فلما جاءت رسلها إلى بني مالك تطلب الموادعة، أجابها إلى ذلك وكيع، فاجتمع وكيع، ومالك، وسجاح، وقد وادع بعضهم بعضًا، واجتمعوا على قتال الناس، وقالوا: بمن نبدأ بخضم، أم ببهدى، أم بعوف، والأبناء، أم بالرباب؟ وكفوا عن قيس لما رأوا من ترده وطمعوا فيه، فقالت: أعدوا الركاب واستعدوا للنهاب ثم أغيروا على الرباب فليس دونهم حجاب، قال: وصمدت سجاح للأحفار حتى تنزل بها، وقالت لهم: أن الدهناء حجاز بني تميم ولن تعدو الرباب إذا شدها المصاب أن تلوذ بالدجاني والدهاني فلينزلها بعضكم، فتوجه الجفول -يعني مالك بن نويرة- إلى الدجاني فنزلها (١).
١٠ - عن الصعب بن عطية بن بلال، قال: لما انصرفت سجاح إلى الجزيرة ارعوى مالك بن نويرة وندم وتحير في أمره وعرف وكيع وسماعة قبح ما أتيا فرجعا رجوعًا حسنًا ولم يتجبرا أخرجا الصدقات، فاستقبلا بها خالدًا، فقال خالد: ما حملكما على موادعة هؤلاء القوم؟ فقالا: ثأر كنا نطلبه في بني ضبة، وكانت أيام تشاغل وفرص، وقال وكيع في ذلك:
فلا تحسبنا أني رجعت وأنني منعت وقد تحنى إلى الأصابع
ولكنني حاميت عن جل مالك ولاحظت حتى أكحلتني الأخادع
فلما أتانا خالد بلوائه تخطت إليه بالبطاح الودائع.
ولم يبق في بلاد بني حنظلة شيء يكره إلا ما كان من مالك بن نويرة ومن تأشب إليه بالبطاح فهو على حاله متحير شج (٢).
стр. 5086
١١ - عن القاسم، وعمرو بن شعيب قالا: لما أراد خالد السير خرج من ظفر وقد استبرأ أسدًا وغطفان وطيئا وهوازن، فسار يريد البطاح دون الحزن وعليها مالك بن نويرة وقد تردد عليه أمره، وقد ترددت الأنصار على خالد وتخلفت عنه، وقالوا: ما هذا بعهد الخليفة إلينا؛ إن الخليفة عهد إلينا إن نحن فرغنا من البزاخة واستبرأنا بلاد القوم أن نقيم حتى يكتب إلينا، فقال خالد: إن يك عهد إليكم هذا فقد عهد إليَّ أن أمضي وأنا الأمير وإلي تنتهي الأخبار ولو أنه لم يأتني له كتاب ولا أمر ثم رأيت فرصة فكنت إن أعلمته فأتتني لم أعلمه حتى أنتهزها وكذلك لو ابتلينا بأمر ليس منه عهد إلينا فيه لم ندع أن نرى أفضل ما بحضرتنا ثم نعمل به وهذا مالك بن نويرة بحيالنا، وأنا قاصد إليه ومن معي من المهاجرين والتابعين بإحسان ولست أكرهكم، ومضى خالد وندمت الأنصار وتذامروا وقالوا: إن أصاب القوم خيرًا إنه لخير حرمتموه، وإن أصابتهم مصيبة ليجتنبكم الناس فأجمعوا اللحاق بخالد وجردوا إليه رسولًا، فأقام عليهم حتى لحقوا به ثم سار حتى قدم البطاح فلم يجد به أحدًا. (١)
١٢ - عن سويد بن المثعية الرياحي قال: قدم خالد بن الوليد البطاح فلم يجد عليه أحدًا ووجد مالكًا قد فرقهم في أموالهم ونهاهم عن الاجتماع حين تردد عليه أمره، وقال: يا بني يربوع إنا قد كنا عصينا أمراءنا إذ دعونا إلى هذا الدين وبطأنا الناس عنه فلم تفلح ولم تنجح، وإني قد نظرت في هذا الأمر فوجدت الأمر يتأتى لهم بغير سياسة، وإذا الأمر لا يسوسه الناس، فإياكم ومناوأة قوم صنع لهم فتفرقوا إلى دياركم وادخلوا في هذا الأمر فتفرقوا على ذلك إلى أموالهم، وخرج مالك حتى رجع إلى منزله، ولما قدم خالد البطاح بث السرايا، وأمرهم بداعية الإسلام، وأن يأتوه بكل من لم يجب وإن امتنع أن يقتلوه، وكان مما أوصى به أبو بكر إذا نزلتم منزلًا فأذنوا وأقيموا فإن أذن القوم وأقاموا فكفوا عنهم، وإن لم يفعلوا فلا شيء إلا الغارة ثم تقتلوا كل قتلة الحرق فما سواه، وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم فإن أقروا بالزكاة فاقبلوا منهم، وإن أبوها فلا شيء إلا الغارة
стр. 5087
ولا كلمة فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة بن يربوع من عاصم وعبيد وعرين وجعفر فاختلفت السرية فيهم وفيهم أبو قتادة، فكان فيمن شهد أنهم قد أذنوا وأقاموا وصلوا فلما اختلفوا فيهم أمر بهم فحبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شيء، وجعلت تزداد بردًا فأمر خالد مناديًا فنادى (أدفئوا أسراكم)، وكانت في لغة كنانة إذا قالوا دثروا الرجل فأدفئوه دفأه قتله، وفى لغة غيرهم أدفه فاقتله، فظن القوم وهي في لغتهم القتل أنه أراد القتل فقتلوهم فقتل ضرار بن الأزور مالكًا، وسمع خالد الواعية فخرج وقد فرغوا منهم فقال إذا أراد الله أمرًا أصابه، وقد اختلف القوم فيهم، فقال أبو قتادة: هذا عملك فزبره خالد فغضب ومضى حتى أتى أبا بكر فغضب عليه أبو بكر حتى كلمه عمر فيه فلم يرض إلا أن يرجع إليه فرجع إليه حتى قدم معه المدينة وتزوج خالد أم تميم ابنة المنهال وتركها لينقضي طهرها، وكانت العرب تكره النساء في الحرب وتعايره وقال عمر لأبي بكر: إن في سيف خالد رهقًا، فإن لم يكن هذا حقًّا حق عليه أن تقيده وأكثر عليه في ذلك، وكان أبو بكر لا يقيد من عماله ولا وزعته فقال: هيه يا عمر تأول فأخطأ فارفع لسانك عن خالد وودى مالكًا، وكتب إلى خالد أن يقدم عليه ففعل فأخبره خبره، فعذره وقبل منه وعنفه في التزويج الذي كانت تعيب عليه العرب من ذلك. (١)
١٣ - عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: شهد قوم من السرية أنهم أذنوا وأقاموا وصلوا ففعل مثل ذلك، وشهد آخرون أنه لم يكن من ذلك شيء فقتلوا وقدم أخوه متمم بن نويرة ينشد أبا بكر دمه ويطلب إليه في سبيهم فكتب له برد السبي وألح عليه عمر في خالد أن يعزله، وقال: إن في سيفه رهقًا، فقال: لا يا عمر، لم أكن لأشيم سيفًا سله الله على الكافرين. (٢)
стр. 5088
١٤ - عن سويد، قال: كان مالك بن نويرة من أكثر الناس شعرًا، وإن أهل العسكر أثفوا برؤوسهم القدور فما منهم رأس إلا وصلت النار إلى بشرته ما خلا مالكًا، فإن القدر نضجت وما نضج رأسه من كثرة شعره، وفى الشعر البشر حرها أن يبلغ منه ذلك وأنشده متمم وذكر خمصه، وقد كان عمر رآه مقدمه على النبي ﷺ فقال: أكذاك يا متمم كان، قال: أما مما أعنى فنعم. (١)
١٥ - عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: أن أبا بكر كان من عهده إلى جيوشه: أن إذا غشيتم دارًا من دور الناس فسمعتم فيها أذانًا للصلاة فأمسكوا عن أهلها حتى تسألوهم ما الذي نقموا، وإن لم تسمعوا أذانًا فشنوا الغارة فاقتلوا وحرقوا، وكان ممن شهد لمالك بالإسلام أبو قتادة الحارث بن ربعي أخو بني سلمة، وقد كان عاهد الله أن لا يشهد مع خالد بن الوليد حربًا أبدًا بعدها، وكان يحدث أنهم لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل فأخذ القوم السلاح قال: فقلنا إنا المسلمون، فقالوا: ونحن المسلمون، قلنا: فما بال السلاح معكم، قالوا لنا: فما بال السلاح معكم، قلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح، قال: فوضعوها، ثم صلينا وصلوا، وكان خالد يعتذر في قتله؛ أنه قال وهو يراجعه: ما أخال صاحبكم إلا وقد كان يقول كذا وكذا، قال: أو ما تعده لك صاحبًا، ثم قدمه فضرب عنقه وأعناق أصحابه، فلما بلغ قتلهم عمر بن الخطاب تكلم فيه عند أبي بكر فأكثر، وقال: عدو الله عدا على امرئٍ مسلم فقتله، ثم نزا على امرأته، وأقبل خالد بن الوليد قافلًا حتى دخل المسجد وعليه قباء له عليه صدأ الحديد معتجرًا بعمامة له قد غرز في عمامته أسهمًا، فلما أن دخل المسجد، قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها، ثم قال: أرثاء قتلت امرءًا مسلمًا ثم نزوت على امرأته، والله لأرجمنك بأحجارك، ولا يكلمه خالد بن الوليد، ولا يظن إلا أن رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه حتى دخل على أبي بكر، فلما أن دخل عليه أخبره الخبر واعتذر إليه
стр. 5089
فعذره أبو بكر وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك، قال: فخرج خالد حين رضي عنه أبو بكر وعمر جالس في المسجد، فقال: هلم إلي يا ابن أم شملة، قال: فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه فلم يكلمه ودخل بيته، وكان الذي قتل مالك بن نويرة عبد بن الأزور الأسدي، وقال ابن الكلبي الذي قتل مالك بن نويرة ضرار بن الأزور. (١)
الوجه الثاني: فضائل خالد في الوليد ﵁ -
١ - إسلام خالد: عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنْ فِيهِ، قَالَ: لمَّا انْصَرَفْنَا مِنَ الأَحْزَابِ عَنِ الْخَنْدَقِ خَرَجْتُ عَامِدًا لِرَسُولِ الله ﷺ لأسْلِمَ، فَلَقِيتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَذَلِكَ قُبَيْلَ الْفَتْحِ، وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ، فَقُلْتُ: أَيْنَ يَا أَبَا سُلَيْمَانَ؟ قَالَ: وَالله، لَقَدِ اسْتَقَامَ المَيْسِمُ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَنَبِيٌّ، أَذْهَبُ وَالله أُسْلِمُ، فَحَتَّى مَتَى؟ قَالَ: قُلْتُ: وَالله، مَا جِئْتُ إِلَّا لأُسْلِمَ، قَالَ: فَقَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فتَقَدَّمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَأَسْلَمَ وَبَايَعَ. . . الحديث. (٢)
٢ - دعاء النبي ﷺ : عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بْنِ أَزْهَرَ، قَالَ: جُرِحَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَمَرَّ بِي رَسُوُل الله ﵁ وَأَنَا غُلَامٌ، وَهُوَ يَقُولُ: "مَنْ يَدُلُّ عَلَى رَحْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَليدِ"؟ فَخَرَجْتُ أَسْعَى بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله ﷺ ، وَأَنَا أَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى رَحْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، حَتَّى أَتَاهُ رَسُولُ الله ﷺ ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَحْلٍ، قَدْ أَصَابَتْهُ جِرَاحَة، فَجَلَسَ رَسُولُ الله ﷺ عنْدَهُ، وَدَعَا لَهُ. قَالَ: وَأُرَى فِيهِ: وَنَفَثَ عَلَيْهِ. (٣)
٣ - دفاع النبي ﷺ عن خالد:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بِالصدَقَةِ فَقِيلَ مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المطَّلِبِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ
٧ - صدعه بكلمة الحق: عَنْ خَالِدِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: تَنَاوَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجرَّاحِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ بِشَيْءٍ، فَكَلَّمَهُ فِيهِ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَقِيلَ لَهُ: أَغْضَبْتَ الأَمِيرَ، فَقَالَ خَالِدٌ: إِنِّي لَمْ أُرِدْ أَنْ أُغْضِبَهُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَشَدُّهُمْ عَذَابًا لِلنَّاسِ فِي الدُّنْيَا". (١)
٨ - استسلام خالد للأوامر بالرغم من كره نفسه لها:
عَنْ عَزْرَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، حِينَ ألقَى الشَّامَ بَوَانِيَهُ، بَثْنِيَةً وَعَسَلًا (وَشَكَّ عَفَّانُ مَرَّةً قَالَ: حِينَ ألقَى الشَّامَ كَذَا وَكَذَا) فَأَمَرَنِي أَنْ أَسِيرَ إِلَى الْهِنْدِ، وَالْهِنْدُ فِي أنفُسِنَا يَوْمَئِذٍ الْبَصْرَةُ، قَالَ: وَأَنَا لِذَلِكَ كَارِهٌ، قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ لِي: يَا أبَا سُلَيْمَانَ، اتَّقِ الله، فَإِنَّ الْفِتَنَ قَدْ ظَهَرَتْ، قَالَ: فَقَالَ: وَابْنُ الْخَطَّابِ حَيٌّ، إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَهُ. (٢)
٩ - خالد ﵁ يحب أن يُقاتل من كان منافقًا في عهد النبي ﷺ :
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ نَاتِئُ الجبِينِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: اتَّقِ الله يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "فَمَنْ يُطِعِ الله إِنْ عَصَيْتُهُ! أيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِي"، قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ في قَتْلِهِ يُرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ
стр. 5092
هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يجاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ". (١)
١٠ - سرايا خالد في عهد النبي ﷺ : عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ يَقُولُ: لَقَدْ انْقَطَعَتْ فِي يَدِي، يَوْمَ مُؤْتَةَ، تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، فَمَا بَقِيَ فِي يَدِي إِلَّا صَفِيحَةٌ يَمَانِيَةٌ. (٢)
عن الْبَرَاءَ ﵁؛ قال: بَعَثَنَا رَسُولُ الله ﷺ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ: ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا بَعْدَ ذَلِكَ مَكَانَهُ، فَقَالَ: "مُرْ أَصْحَابَ خَالِدٍ، مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَنْ يُعَقِّبَ مَعَكَ فَلْيُعَقِّبْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُقْبِلْ"، فَكُنْتُ فِيمَنْ عَقَّبَ مَعَهُ، قَالَ: فَغَنِمْتُ أَوَاقٍ ذَوَاتِ عَدَدٍ. (٣)
١١ - طرف من سيرة خالد المشرقة: قال ابن الأثير: وكان خالد بن الوليد أحد أشراف قريش في الجاهلية وكان إليه القبة وأعنة الخيل في الجاهلية. أما القبة فكانوا يضربونها يجمعون فيها ما يجهزون به الجيش، وأما الأعنة فإنه كان يكون المقدم على خيول قريش في الحرب. قاله الزبير بن بكار.
ولما أراد الإسلام قدم على رسول الله ﷺ هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، فلما رآهم رسول الله ﷺ قال لأصحابه: "رمتكم مكة بأفلاذ كبدها"، لقيه بسر بن سفيان الكعبي كعب خزاعة قال: يا رسول الله، هذه قريش قد سمعوا بمسيرك فخرجوا بالعوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله أن لا تدخل عليهم مكة عنوة أبدًا وهذا هو خالد بن الوليد في خيل قريش قد قدموه إلى كراع الغميم، فقال رسول الله ﷺ : يا ويح قريش قد أكلتها الحرب. وذكر الحديث فهذا صحيح يقول فيه: أنه على خيل قريش، ولم يزل من حين أسلم يوليه رسول الله ﷺ أعنة الخيل فيكون في مقدمتها في محاربة العرب وشهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة فأبلى فيها، وبعثه رسول الله ﷺ إلى العزى وكان بيتًا عظيمًا لمضر تبجله فهدمها وقال: الرجز:
стр. 5093
يا عز كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك
ولا يصح لخالد مشهد مع رسول الله ﷺ قبل فتح مكة ولما فتح رسول الله ﷺ مكة بعثه إلى بني جذيمة من بني عامر بن لؤي، وكان على مقدمة رسول الله ﷺ يوم حنين في بني سليم فجرح خالد فعاده رسول الله ﷺ ونفث في جرحه فبرأ وأرسله رسول الله ﷺ إلى أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل فأسره وأحضره عند رسول الله ﷺ فصالحه على الجزية ورده إلى بلده، وأرسله رسول الله ﷺ سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بن مذحج فقدم معه رجال منهم فأسلموا ورجعوا إلى قومهم بنجران، ثم إن أبا بكر أمّره بعد رسول الله ﷺ على قتال المرتدين منهم: مسيلمة الحنفي في اليمامة وله في قتالهم الأثر العظيم، ومنهم: مالك بن نويرة في بني يربوع من تميم، وغيرهم، وله الأثر المشهور في قتال الفرس والروم، وافتتح دمشق وكان في قلنسوته التي يقاتل بها شعر من شعر رسول الله ﷺ يستنصره به وببركته فلا يزال منصورًا، ولما حضرت خالد بن الوليد الوفاة قال: لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في بدني موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية وها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء، وما من عمل أرجى من -لا إله إلا الله- وأنا متترس بها. (١)
الوجه الثالث: أمور جرت لخالد في عهد النبي ﷺ ولم يحكم عليه النبي ﷺ بالفسق أو أنه يستحق الرجم، بل يبين له الصواب، وكان هناك ما رجَّح النبي ﷺ فيه رأي خالد .
١ - عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قتَلَ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ رَجُلًا مِنَ الْعَدُوِّ، فَأَرَادَ سَلَبَهُ، فَمَنَعَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ، وَكَانَ وَالِيًا عَلَيْهِمْ، فَأَتَى رَسُولَ الله ﷺ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لِخَالِدٍ: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ؟ قَالَ: اسْتكْثَرْتُهُ يا رَسُولَ الله، قَالَ: ادْفَعْهُ إِلَيْهِ، فَمَرَّ خَالِدٌ بِعَوْفٍ، فَجَرَّ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ أَنْجَزْتُ لَكَ مَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ "؟ فَسَمِعَهُ رَسُولُ الله ﷺ ، فَاسْتُغْضِبَ، فَقَالَ: "لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ، لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ، هَلْ أنتُمْ تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي؟ ! إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهُمْ، كمَثَلِ رَجُلٍ اسْتُرْعِيَ إبِلًا، أَوْ غَنَمًا فَرَعَاهَا، ثُمَّ تَحَين سَقْيَهَا، فَأَوْرَدَهَا حَوْضًا،
стр. 5094
فَشَرَعَتْ فِيهِ، فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ، وَتركَتْ كَدرَهُ، فَصَفْوُهُ لَكُمْ، وَكَدْرُهُ عَلَيْهِمْ". (١)
قال النووي: هذه القضية جرت في غزوة مؤتة سنة ثمَان كما بينه في الرواية التي بعد هذه، وهذا الحديث قد يستشكل من حيث أن القاتل قد استحق السلب، فكيف منعه إياه؟ ويجاب عنه بوجهين:
أحدهما: لعله أعطاه بعد ذلك للقاتل، وإنما أخره تعزيرًا له، ولعوف بن مالك لكونهما أطلقا ألسنتهما في خالد ﵁ وانتهكا حرمة الوالي ومن ولاه.
الوجه الثاني: لعله استطاب قلب صاحبه فتركه صاحبه باختياره وجعله للمسلمين، وكان المقصود بذلك استطابة قلب خالد ﵁ للمصلحة في إكرام الأمراء. (٢)
٢ - وفي أمر المرأة التي زنت وتابت: بأنهَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا، فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ، فَرَمَى رَأْسَهَا، فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ، فَسَبَّهَا، فَسَمِعَ نَبِيُّ الله ﷺ سَبَّهُ إِيَّاهَا، فَقَالَ: مَهْلًا يَا خَالِدُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً، لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ. (٣)
٣ - عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَمَّارٍ كَلَامٌ، فَأَغْلَظْتُ لَهُ فِي الْقَوْلِ، فَانْطَلَقَ عَمَّارٌ يَشْكُو خَالِدًا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَجَاءَ خَالِدٌ وَعَمَّار يَشْكُوَانِ، فَجَعَلَ يُغْلِظُ لَهُ، وَلَا يَزِيدُهُ إِلَّا غِلْظَةً، وَالنَّبِيُّ ﷺ سَاكِتٌ، فَبَكَى عَمَّارٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَلَا تَرَاهُ؟ قَالَ: فَرَفَعَ النَّبِيّ ﷺ رَأْسهُ، قَالَ: "مَنْ عَادَى عَمَّارًا عَادَاهُ الله، وَمَنْ أَبْغَضَ عمارًا أَبْغَضَهُ الله". قَالَ خَالِدٌ: فَخَرَجْتُ فَما كَانَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رضا عَمَّارٍ، فَلَقِيتُهُ فَرَضِيَ. (٤)
٤ - عَنِ الْمرَقَّعِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ جَدِّهِ رَبَاحِ بْنِ الرَّبِيعِ، أَخِي حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ؛ أنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَمَرَّ رَبَاحٌ،
стр. 5095
وَأَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ، مِمَّا أَصَابَتِ المقَدِّمَةُ، فَوَقَفُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا، وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ خَلْقِهَا، حَتَّى لحِقَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَانْفَرَجُوا عَنْهَا، فَوَقَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ الله ﷺ ، فَقَالَ: مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ، فَقَالَ لأَحَدِهِمْ: "الْحقْ خَالِدًا، فَقُلْ لَهُ: لَا تَقْتُلُونَ ذُرِّيَّةً، وَلَا عَسِيفًا". (١)
٥ - عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ النبي ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بني جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُوُلوا أَسْلَمْنَا. فَجَعَلُوا يَقُوُلونَ صَبَأْنَا، صَبَأْنَا. فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ فَقُلْتُ: وَالله لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أصحابي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النبي ﷺ فَذَكَرْنَاهُ، فَرَفَعَ النبي ﷺ يَدَهُ، فَقَالَ: "اللهمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ، مَرَّتَيْنِ". (٢)
قال ابن كثير: ومع هذا لم يعزل النبي ﷺ خالدًا على الإمرة. (٣)
الوجه الرابع: فهم خالد ﵁ وتأويلاته للأمور ربما من يشاهده يظن أنه على خطأ .
عَنْ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ المغِيرةِ ﵁ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ،
فَأُتِيَ بِضَبٍّ محَنُوذٍ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُوُل الله ﷺ بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أَخْبِرُوا رَسُولَ الله ﷺ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، فَقِيلَ: هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ الله، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ، يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ: "لَا، وَلَكِنَه لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ، قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكلْتُهُ، وَرَسُولُ الله ﷺ يَنْظُرُ". (٤) فربما من رأى خالد يأكل والنبي لا يأكل بأن ذلك سوء إتباع للنبي ﷺ ؛ لأن أَبا أَيُّوبَ حدث له موقفًا يُشبه موقف خالد فَعندما قِيلَ لأبي أيوب: لَمْ يَأْكُلْ النبي ﷺ من الثوم، فَفَزعَ، وَصَعِدَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَحَرَامٌ هُوَ" فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا،
стр. 5096
وَلَكِنِّي أكْرَهُهُ"، قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ، أَوْ مَا كَرِهْتَ. (١)
فالسؤال لماذا لم يفعل خالدًا كما فعل أبو أيوب؟ نقول: إن خالدًا له فهم قد يختلف عن بعض الصحابة، وتأويل قد يُعارض تأويل أحدهم، وهذا ينبني على القاعدة التي أسسها النبي ﷺ في أمر التأويل والاجتهاد، فعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِذَا حَكَمَ الْحاكمُ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ". (٢)
وهذا يؤكد أن وقوع الخلاف بين خالد وغيره من الصحابة لا ينبني عليه تفسيق أحدهما.
الوجه الخامس: مشاركة خالد ﵁ في حرب المرتدين أمَّن دولة الإسلام، فإن فَرض أنه فعل خطأ ما فإنه يذوب في بحر حسناته .
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥].
لقد كانت الأمة في خوف في العهد المكي، ثم أمَّنها الله في العهد المدني، ثم أصابها الخوف بعد وفاة النبي ﷺ ، ثم أمّنها الله بحرب من ارتد عن الدين الأبي، فالشروط الثلاثة التي ذكرها الله في الآية حصلت للصحابة ﵃، الاستخلاف وتمكين الدين، وإبدال الخوف، وهذا حينما ارتد الناس بعد وفاة النبي ﷺ ، فقاتلهم الصحابة فحصل بذلك الأمن والاستقرار، وكان لخالد بن الوليد نصيبًا كبيرًا في ذلك، فما كان يعجز بعض الصحابة عنه في هذه الحروب كان خالد سرعان ما يُنقذ الموقف.
قال ابن كثير: لما رضي الصديق عن خالد بن الوليد وعذره بما اعتذر به، بعثه إلى قتال بني حنيفة باليمامة: وأوعب معه المسلمون، وعلى الأنصار ثابت بن قيس بن شماس، فسار لا يمر بأحد من المرتدين إلا نكل بهم، وقد اجتاز بخيول لأصحاب سجاح فشردهم وأمر بإخراجهم من جزيرة العرب، وأردف الصديق خالدًا بسرية لتكن ردءًا له من ورائه وقد كان
стр. 5097
بعث قبله إلى مسيلمة عكرمة بن أبي جهل، وشرحبيل بن حسنة، فلم يقاوما بني حنيفة، لأنهم في نحو أربعين ألفًا من المقاتلة، فجعل عكرمة قبل مجيء صاحبه شرحبيل، فناجزهم فنكب، فانتظر خالدًا، فلما سمع مسيلمة بقدوم خالد عسكر بمكان يقال له: عقربا في طرف اليمامة والريف وراء ظهورهم، وندب الناس وحثهم، فحشد له أهل اليمامة. (١)
الوجه السادس: مالك بن نويرة مختلف في إسلامه، ولم يتبين لخالد ولغيره وجه إسلامه .
فقد اختلف الصحابة في إسلامه وكفره، فمن شهد بإسلامه: عمر وعبد الله بن عمر وأبو قتادة ﵃، وحجتهم في ذلك؛ أن مالكًا وقومه أذنوا للصلاة، وقالوا: نحن عباد الله، ولأن أبا بكر ودى مالك بن نويرة ورد السبي والمال، وهناك من شهد بكفره كخالد بن الوليد وضرار بن الأزور الأسدي وغيرهما من المهاجرين والأنصار الذين شهدوا المعركة ولم يُنكروا على خالد، وهناك عدة أدلة لخالد ومن معه قد تؤيد رأيهم في كفر مالك وبذلك لا يُصبح صحابيًا. -وسيأتي بيانها- فالصحابي: من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على إسلامه (٢).
ولقد قارن ابن تيمية بين عثمان بن عفان، وبين مالك بن نويرة في أمر عصمة الدم فقال: وإن قالوا -أي الشيعة الروافض- أن عثمان كان مباح الدم قيل لهم: فلا يشك أحد في أن إباحة دم مالك بن نويرة أظهر من إباحة دم عثمان، بل مالك بن نويرة لا يعرف أنه كان معصوم الدم ولم يثبت ذلك عندنا وأما عثمان ﵁، فقد ثبت بالتواتر، ونصوص الكتاب والسنة أنه كان معصوم الدم، وبين عثمان ومالك بن نويرة من الفرق ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى (٣).
الوجه السابع: عدة مواقف من مالك بن نويرة تبرر موقف خالد من التشكيك في أمر إسلامه .
١ - ارتداده عن الإسلام، وعدم تيقن خالد من رجوعه:
قال الآلوسي: وارتدت من القبائل في عهد أبي بكر ﵁: بنو يربوع قوم مالك بن نويرة (٤).
стр. 5098
فأما عدي بن حاتم فتمسك بالإسلام وبقي في يده الصدقات، وكذلك الزبرقان بن بدر، وأما مالك بن نويرة فأرسل ما في يده وقال لقومه: قد هلك هذا الرجل فشأنكم بأموالكم وقد كانت طيء وبنو سعد كلمهما عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر فقالا -وهما كانا أحزم رأيًا وأفضل في الإسلام رغبة من مالك بن نويرة- لقومهما (١). فمسألة رجوعه إلى الإسلام لم تثبت يقينًا عند خالد بالرغم من ظن بعض الصحابة أنه رجع.
فعن أبي عون وغيره: أن خالد بن الوليد ادعى أن مالك بن نويرة ارتد بكلام بلغه عنه، فأنكر مالك ذلك وقال: أنا على الإسلام ما غيرت ولا بدلت، وشهد له بذلك أبو قتادة وعبد الله بن عمر. (٢)
فالرواية تُبين أن خالدًا كان يعتقد كُفر مالك بن نويرة، وعدم أخذ خالد بقول أبي قتادة وابن عمر في قولهم بإسلامه لعدة أمور: منها أن هناك عدد أكثر منهما من الصحابة شهدوا بكفره، وأن هناك قرائن عديدة عند خالد تشهد بكفره، وأن خالدًا علم أن مالكًا يُراوغ ويُنافق بقوله: (أنا على الإسلام) بالرغم من أنه قال على النبي قولًا لا يقوله مسلم -كما سيأتي-، وكذلك شعور خالد قِبَل أبي قتادة وابن عمر أنهما يُرجحان العاطفة على الحزم، وذلك كله قبل مسألة تفكير خالد في زواجه من امرأة مالك.
٢ - متابعته لسجاح: قال ابن كثير: قصة سجاح وبني تميم: حيث كانت بنو تميم قد اختلفت آراؤهم أيام الردة، فمنهم من ارتد ومنع الزكاة، ومنهم من بعث بأموال الصدقات إلى الصديق، ومنهم من توقف لينظر في أمره، فبينما هم كذلك إذ أقبلت سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان التغلبية من الجزيرة، وهي من نصارى العرب، وقد ادعت النبوة ومعها جنود من قومها ومن التف بهم، وقد عزموا على غزو أبي بكر الصديق، فلما مرت ببلاد بني تميم دعتهم إلى أمرها، فاستجاب لها عامتهم، وكان ممن استجاب لها مالك بن نويرة التميمي، وعطارد بن حاجب، وجماعة من سادات أمراء بني تميم، وتخلف آخرون منهم عنها، ثم اصطلحوا على أن لا حرب بينهم، إلا أن مالك بن
стр. 5099
نويرة لما وادعها ثناها عن عودها، وحرضها علي بني يربوع، ثم اتفق الجميع على قتال الناس، وقالوا: بمن نبدأ؟ فقالت لهم فيما تسجعه: أعدوا الركاب، واستعدوا للنهاب، ثم أغيروا على الرباب، فليس دونهم حجاب، ثم إنهم تعاهدوا على نصرها، فقال قائل منهم:
أتتنا أخت تغلب في رجال ... جلائب من سراة بني أبينا
وأرست دعوة فينا سفاها ... وكانت من عمائر آخرينا
فما كنا لنرزيهم زبالا ... وما كانت لتسلم إذ أتينا
ألا سفهت حلومكم وضلت ... عشية تحشدون لها ثبينا. (١)
وكلام ابن كثير تؤيده رواية الطبري: فعن الصعب بن عطية بن بلال عن أبيه: كانت سجاج بنت الحارث بن سويد بن عقفان هي وبنو أبيها عقفان في بني تغلب فتنبأت بعد موت رسول الله ﷺ بالجزيرة في بني تغلب، فاستجاب لها الهذيل وترك التنصر وهؤلاء الرؤساء الذين أقبلوا معها لتغزو بهم أبا بكر فلما انتهت إلى الحزن راسلت مالك بن نويرة ودعته إلى الموادعة فأجابها وثناها عن غزوها وحملها على أحياء من بني تميم قالت، نعم، فشأنك بمن رأيت فإني إنما أنا امرأة من بني يربوع وإن كان ملك فالملك ملككم، فأرسلت إلى بني مالك بن حنظلة تدعوهم إلى الموادعة، فخرج عطارد بن حاجب وسروات بني مالك حتى نزلوا في بني العنبر على سبرة بن عمرو -هرابًا- قد كرهوا ما صنع وكيع وخرج أشباههم من بني يربوع حتى نزلوا على الحصين بن نيار في بني مازن وقد كرهوا ما صنع مالك فلما جاءت رسلها إلى بني مالك تطلب الموادعة أجابها إلى ذلك وكيع فاجتمع وكيع ومالك وسجاح وقد وادع بعضهم بعضًا واجتمعوا على قتال الناس. (٢)
فالحقيقة أنه لقوة إسلام وثبات بعض بطون وأفراد ورؤساء بني تميم، فقد استطاع مالك بن نويرة إقناع سجاح عندما أقبلت في جمعها لتغزو المدينة، بقتال الثابتين من قومها على
стр. 5100
إسلامهم قبل قتالها أبي بكر الصديق، وعندما واجهت مسلمي تميم تلقت على أيديهم هزيمة نكراء مما جعلها تغير اتجاهها عن المدينة إلى اليمامة، حيث تم الاتفاق مع مسيلمة الكذاب على حرب الإسلام، وقد تقاربت الروايات التاريخية لتؤكد هذه الحقيقة. (١) وقد انحاز إلى مالك بن نويرة بنو حنظلة عشيرته الأقربون وأسندوا إليه أمرهم، وثبتت بعض قبائل تميم والتي كان عمال النبي ﷺ عليها، أمثال: الزِّبرقان بن بدر على الرباب، وعوف والأبناء. (٢)
٣ - منعه الزكاة: قال النووي: وَقَدْ كَانَ فِي ضِمْن هَؤُلَاءِ المَانِعِينَ لِلزَّكَاةِ مَنْ كَانَ يَسْمَح بِالزَّكَاةِ وَلَا يَمْنَعهَا إِلَّا أَنَّ رُؤَسَاءَهُمْ صَدُّوهُمْ عَنْ ذَلِكَ الرَّأْي وَقَبَضُوا عَلَى أَيْدِيهمْ فِي ذَلِكَ كَبَنِي يَرْبُوع، فَإِنَّهُمْ قَدْ جَمَعُوا صَدَقَاتهمْ وَأَرَادُوا أَنْ يَبْعَثُوا بِهَا إِلَى أَبِي بَكْر ﵁، فَمَنَعَهُمْ مَالِك بْن نُوَيْرَة مِنْ ذَلِكَ وَفرّقَهَا فِيهِمْ وَفِي أَمْر هَؤُلَاءِ عَرَضَ الخلَاف وَوَقَعَتْ الشُّبْهَة لِعُمَر ﵁ فَرَاجَعَ أَبا بَكْر ﵁، وَنَاظَرَهُ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ النَبِيّ ﷺ : "أُمِرْت أَنْ أقاتِل النَّاس حَتَى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله. فَمَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله فَقَدْ عَصَمَ نَفْسه وَمَاله". وَكَانَ هَذَا مِنْ عُمَر ﵁ تَعَلُّقًا بِظَاهِرِ الْكَلَام قَبْل أَنْ يَنْظُر فِي آخِره ويتَأَمَّل شَرَائِطه. (٣)
وثبت أيضًا أن مالكًا لما سمع بوفاة النبي ﷺ رد صدقات قومه عليهم وقال: قد نجوت من مؤنة هذا الرجل.
فعَنِ الزهري قَالَ: وَمَضَى خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قِبَلَ الْيَمامَةِ حَتَّى دَنَا مِنْ حِيٍّ مِنْ بَنِي تميمٍ فِيهِمْ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ، وَكَانَ قَدْ صَدَّقَ قَوْمَهُ فَلَمّا تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ أَمْسَكَ الصَّدَقَةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ﵁ سَرِيَّةً. (٤)
стр. 5101
فلو فعل مالك مثلما فعل قيس وندم مثل ندمه ما قتله أحد، بالرغم من أن قيس قد منع الزكاة أيضًا، ولكن مالكًا حاول أن يفعل ذلك بعد فوات الأوان وبعدما انصرفت عنه سجاح. فعن الصعب بن عطية بن بلال عن أبيه: أنه قد تحلل الأحياء ونشب الشر وتشاغلوا وشغل بعضهم بعضًا، ثم ندم قيس بعد ذلك فلما أظله العلاء بن الحضرمي أخرج صدقتها فتلقاه بها، ثم خرج معه وقال في ذلك:
ألا أبلغا عني قريشًا رسالة ... إذا ما أتتها بينات الودائع
فتشاغلت في تلك الحال عوف والأبناء بالبطون والرباب بمقاعس وتشاغلت خضم بمالك. (١)
٤ - لم يكتف بمنع الزكاة والردة، بل كان يقاتل المسلمين قبل مجئ خالد، وما خضع لخالد إلا بعد انصراف سجاح عنه:
عن الصعب بن عطية بن بلال، عن سهم ابن منجاب، عن منجاب بن راشد قال: فأما بنو حنظلة فإنهم قدموا رجلًا وأخروا أخرى وكان مالك بن نويرة في البطاح ومعه جموع يساجلنا ونساجله. (٢)
ويقول البلاذري: ثم سار خالد إلى من بالبطاح والبعوضة من بنى تميم فقاتلوه، ففض جمعهم وقتل مالك بن نويرة أخا متمم بن نويرة، وقد قيل إن خالدًا لم يلق بالبطاح والبعوضة أحدًا، ولكنه بث السرايا في بني تميم، وكان منها سرية عليها ضرار بن الأزور الأسدي، فلقي ضرار مالكًا فاقتتلوا وأسره وجماعة معه. (٣)
فقد ندم مالك بن نويرة على ما كان من أمره، وتلوم في شأنه، وهو نازل بمكان يقال له: البطاح، فقصدها خالد بجنوده وتأخرت عنه الأنصار، وقالوا: إنا قد قضينا ما أمرنا به الصديق، فقال لهم خالد: إن هذا أمر لا بد من فعله، وفرصة لا بد من انتهازها، وإنه لم يأتني فيها كتاب، وأنا الأمير وإلي ترد الأخبار، ولست بالذي أجبركم على المسير، وأنا قاصد البطاح، فسار يومين ثم لحقه رسول الأنصار يطلبون منه الانتظار، فلحقوا به، فلما
стр. 5102
وصل البطاح وعليها مالك بن نويرة، فبث خالد السرايا في البطاح يدعون الناس، فاستقبله أمراء بني تميم بالسمع والطاعة، وبذلوا الزكوات، إلا ما كان مالك بن نويرة فإنه متحير في أمره، متنح عن الناس، فجاءته السرايا فأسروه وأسروا معه أصحابه. (١)
وما توقف مالك عن القتال إلا بعدما يئس من الأمر، وأصابته الحيرة، فلما انصرفت سجاح إلى الجزيرة وراجع بنو تميم الإسلام، أقام مالك بن نويرة متحيرًا في أمره واجتمع إليه من تميم بنو حنظلة واجتمعوا بالبطاح فسار إليهم خالد بعد أن تقاعد عنه الأنصار يسألونه انتظار أبي بكر فأبى إلا انتهاز الفرصة من هؤلاء فرجعوا إلى اتباعه ولحقوا به وكان مالك بن نويرة لما تردد في أمره فرق بني حنظلة في أموالهم ونهاهم عن القتال ورجع إلى منزله. (٢)
٥ - قول مالك على النبي ﷺ قولًا لا يليق أن يقال، وهذا هو السبب الأساسي في قتل خالد لمالك:
ولذلك أشار ابن حجر إلى أن هذا هو السبب الأساسي في قتل خالد لمالك فقال: وكان خالد يقول: إنما أمر بقتل مالك لأنه كان إذا ذكر النبي ﷺ ، قال: ما أخال صاحبكم ألا قال كذا وكذا، فقال له: أوما تعده لك صاحبًا. (٣)
قال ابن كثير: ويقال: بل استدعى خالد مالك بن نويرة فأنَّبه على ما صدر منه من متابعة سجاح، وعلى منعه الزكاة، وقال: ألم تعلم أنها قرينة الصلاة؟ فقال مالك: إن صاحبكم كان يزعم ذلك، فقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟ (٤).
قال محمد بن سحنون: أجمع العلماء أن شاتم النبي ﷺ المتنقص له كافر والوعيد جار عليه بعذاب الله وحكمه عند الأمة القتل ومن شك في كفره وعذابه كفر، واحتج إبراهيم بن حسين بن خالد الفقيه في مثل هذا بقتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة لقوله -عن النبي ﷺ صاحبكم، وقال أبو سليمان الخطابي: لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في
стр. 5103
وجوب قتله إذا كان مسلمًا (١).
فقد انضمت عدة قرائن عند خالد لقتل مالك، حتى ولو قلنا بأن هذه اللفظة ليست هي السبب الوحيد في ذلك: قال صاحب مرقاة المفاتيح: وأما قتل خالد ﵁ مالك بن نويرة لا قال له كان صاحبكم يقول كذا، فقال خالد: هو صاحبنا وليس بصاحبك فقتله فهو لم يكن لمجرد هذه اللفظة، بل لأنه بلغه عنه الردة وتأكد ذلك عنده بما أباح له به الإقدام على قتله في تلك الحالة. (٢)
٦ - لم يسمع خالد ومن معه أذانًا من قوم مالك: إن أبا بكر مع علمه بردة هؤلاء إلا أنه يريد أن لا يكون لهم حجة في إثبات ردتهم، فأشار إلى خالد بأن يُنذرهم حتى يسمع الأذان، وليس هذا فحسب، بل أيضًا يؤدوا ما عليهم من زكاة، فلو أنه ثبت أن مالك بن نويرة وقومه أذنوا فلماذا إذًا لم يُعطوا الزكاة، مع أن هناك رواية أخرى تدل على أنهم لم يؤذنوا.
الرواية التي تدل علي أنهم لم يسمعوا الأذان: عن أبي قتادة قال: عهد أبو بكر إلى خالد وأمرائه الذين وجهوا إلى الردة أن إذا أتوا دارًا أن يقيموا، فإن سمعوا آذانًا أو رأوا صلاة أمسكوا حتى يسألوهم عن الذي نقموا ومنعوا له الصدقة، وإن لم يسمعوا آذانًا ولا رأوا مصليًا، شنوا الغارة وقتلوا وحرقوا ...... قال: فكنت مع خالد حتى فرغ من قتال طليحة وغطفان وهوازن وسليم. وقد كان خالد بث سراياه فلم يسمعوا آذانًا وقاتلهم قوم بالبعوضة من ناحية المذار فجاءوا بمالك بن نويرة في أسرى من قومه. (٣)
رواية تدل على انهم لم يسمعوا لعدم وجود مؤذنهم: قال أبو اليقظان عن طفيل قال: نزل خالد بالبعوضة وكان أبو الحلال مؤذنهم غائبًا، فلم يؤذن أحد فأغار عليهم فقتل منه ناسًا منهم بشر بن أبي سود الغداني، وأفلت يومئذ مرداس بن أدية وهو ابن عشر سنين. (٤)
стр. 5104
رواية تدل على انهم سمعوا الأذان: وعن قتادة نحوه وقال: إنا لما غشينا القوم أخذوا السلاح، فقلنا: إنا مسلمون، فقالوا: ونحن مسلمون، قلنا: فما بال السلاح معكم؟ قالوا: فما بال السلاج معكم؟ قلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح، فوضعوا السلاح، ثم صلينا وصلوا. (١)
وأخيرًا، قال الصلابي: اختلفت الآراء في مقتل مالك بن نويرة اختلافًا كثيرًا: أقتل مظلومًا أم مستحقًا، أي أكافرًا قتل أم مسلمًا؟ وقام الدكتور علي العتوم بتحقيق هذه المسألة في كتابه "حركة الردة"، وتعرض الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في كتابه "نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم لهذه القضية"، وقام الشيخ محمد زاهر الكوثري بالدفاع عن خالد في كتابه "مقالات الكوثري" وغير ذلك من الباحثين، واخترت من بين من بحث هذا الموضوع ما ذهب إليه الدكتور علي العتوم؛ لأنه حقق المسألة تحقيقًا علميًا متميزًا، واهتم بأحداث الردة اهتمامًا لم أجده -على حسب اطلاعي- عند أحد من الباحثين المعاصرين وخرج بنتيجة أوافقه عليها: أن الذي أردى مالكًا: كبره، وتردده فقد بقي للجاهلية في نفسه نصيب، وإلّا لما ماطل هذه المماطلة في التبعية للقائم بأمر الإسلام بعد رسول الله ﷺ ، وفي تأدية حق بيت مال المسلمين عليه، المتمثل بالزكاة، وفي تصوري أن الرجل كان يحرص على زعامته، ويناكف -في الوقت نفسه- بعض أقربائه من زعماء بني تميم الذين وضعوا عصا الطاعة للدولة الإسلامية، وأدوا ما عليهم لها من واجبات، ولقد كانت أفعاله وأقواله على السواء تؤيد هذا التصور فارتداده، ووقوفه بجانب سجاح، وتفريقه إبل الصدقة على قومه، بل ومنعهم من أدائها لأبي بكر، وعدم إصاخته لنصائح أقربائه المسلمين في تمرده. كل ذلك يدينه ويجعل منه رجلًا أقرب إلى الكفر منه إلى الإسلام، ولو لم يكن مما يحتج به على مالك إلا منعه للزكاة لكفى ذلك مسوِّغًا لإدانته، وهذا المنع مؤكد عند الأقدمين، فقد جاء في طبقات فحول الشعراء لابن سلام قوله: والمجمع عليه: أن خالدًا حاوره ورادّه، وإن مالكًا سمح بالصلاة والتوى بالزكاة جاء في شرح النووي لصحيح مسلم قوله عن المرتدين: كان في ضمن هؤلاء من يسمح بالزكاة ولا يمنعها
стр. 5105
إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك وقبضوا على أيديهم في ذلك، كبني يربوع، فإنهم قد جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوها إلى أبي بكر، فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرّقها. (١)
الوجه الثامن: لو كان خالد يريد بقتل مالك أمرًا من أمور الدنيا من مال وشهوة لفعل به أبو بكر مثل ما فعل برجل يسمى الفجاءة .
قال ابن كثير: وقد كان الصديق حرق الفجاءة بالبقيع في المدينة، وكان سببه أنه قدم عليه فزعم أنه أسلم، وسأل منه أن يجهز معه جيشًا يقاتل به أهل الردة، فجهز معه جيشًا، فلما سار جعل لا يمر بمسلم ولا مرتد إلا قتله وأخذ ماله، فلما سمع الصديق بعث وراءه جيشًا فرده، فلما أمكنه بعث به إلى البقيع، فجمعت يداه إلى قفاه وألقي في النار فحرقه وهو مقموط. (٢)
الوجه التاسع: موقف أبي بكر من خالد هو الأحكم، وبيان علة عدم إقامته للحد عليه .
١ - فقد حدث من خالد موقفًا يُشبه ذلك في عهد النبي ﷺ : وقد تقدم ذكره، قال ابن كثير: ومع هذا لم يعزله رسول الله ﷺ ، بل استمر به أميرًا وإن كان قد تبرأ منه في صنيعه ذلك وودى ما كان جناه خطأ في دم أومال ففيه دليل لأحد القولين بين العلماء في أن خطأ الإمام يكون في بيت المال لا في ماله، لهذا لم يعزله الصديق حين قتل مالك بن نويرة أيام الردة، وتأول عليه ما تأول (٣)، فقد قام الصديق بالتحقيق في مقتل ابن نويرة وانتهى إلى براءة ساحة خالد من تهمة قتل مالك بن نويرة، وأبو بكر في هذا الشأن أكثر اطلاعًا على حقائق الأمور، وأبعد نظرًا في تصريفها من بقية الصحابة، لأنه الخليفة وإليه تصل الأخبار، كما أنه أرجح إيمانًا من غيره.
٢ - قد اعترض عمر على أبي بكر من قبل في محاربة مانعي الزكاة، فبان رجحان رأي أبي بكر، وكذلك هنا قد اعترض عمر على أبي بكر في عدم قتل خالد فانتهى الأمر إلى سكوت عمر، فلو كان أبو بكر يقول غير الحق ما اجتمع الصحابة على رأيه لأن أمة محمد ﷺ لا تجتمع على ضلالة. وهذا يُشبه ما حدث من أبي بكر في قتال مانعي الزكاة.
стр. 5106
قال النووي: كَانَ أمر اعتراض عُمَر ﵁ في قتل مانعي الزكاة تَعَلُّقًا بِظَاهِرِ الْكَلَام قَبْل أَنْ يَنْظُر فِي آخِره وَيَتَأَمَّل شَرَائِطه فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْر ﵁: إِنَّ الزَّكَاة حَقّ المُال، يُرِيد أَنَّ الْقَضِيَّة قَدْ تَضَمَّنَتْ عِصْمَة دَم وَمَال مُعَلَّقَة بِإِيفَاءِ شَرَائِطهَا. وَالحكْم المعَلَّق بِشَرْطَيْنِ لَا يَحْصُل بِأَحَدِهِمَا وَالْآخَر مَعْدُوم. ثُمَّ قَايَسَهُ بِالصَّلَاةِ وَرَدّ الزَّكَاة إِلَيْهَا وَكَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْله دَلِيل عَلَى أَنَّ قِتَال الممْتَنِع مِنْ الصَّلَاة كَانَ إِجْمَاعًا مِنْ الصَّحَابَة ... فَلَمّا اِسْتَقَرَّ عِنْد عُمَر صِحَّة رَأْي أَبِي بَكْر ﵄ وَبَانَ لَهُ صَوَابه تَابَعَهُ عَلَى قِتَال الْقَوْم. (١) فحُكم عمر على خالد واجهه أدلة قوية من أبي بكر، فقد حكم عمر أولًا بالرجم على خالد فكان عليه أن يتمسك بتلك التُهمة التي وجهها لخالد ولكن عندما ذكَّره أبو بكر بأن الحدود تُدفع بالشبهات ترك عمر تلك التُهمة وانصرف إلى أخرى، ولا ننسى عند وفاة النبي ﷺ ما فعله أبو بكر من تذكير عمر بأمر خفي عليه، فهذا الموقف يُشبه ذاك.
٣ - دعم أبي بكر للقيادة الميدانية: قدم أبو قتادة على أبي بكر ليشكوا إليه خالدًا فيما خالف فيه. فرأى أبو بكر أن فراق أبي قتادة لخالد خطأ لا ينبغي أن يرخص فيه له ولا لغيره؛ لأنه يكون سببًا للفشل والجيش في أرض العدو، فاشتد على أبي قتادة ورده إلى خالد، ولم يرض منه إلا أن يعود فينخرط تحت لوائه، وعمل أبي بكر من أحكم السياسات الحربية.
٤ - وقد قام الصديق بالتحقيق في مقتل ابن نويرة وانتهى إلى براءة ساحة خالد من تهمة قتل مالك بن نويرة، وأبو بكر في هذا الشأن أكثر اطلاعًا على حقائق الأمور، وأبعد نظرًا في تصريفها من بقية الصحابة، لأنه الخليفة وإليه تصل الأخبار، كما أنه أرجح إيمانًا منهم.
إن من كمال الصديق توليته لخالد واستعانته به، لأنه كان شديدًا ليعتدل به أمره، ويخلط الشدة باللين، فإن مجرد اللين يفسده، ومجرد الشدة تفسده، فكان يقوم باستشارة عمر وباستنابة خالد وهذا من كماله الذي صار به خليفة رسول الله ﷺ (ولهذا اشتد في قتال أهل الردة شدة برَّز بها على عمر وغيره فجعل الله فيه الشدة ما لم يكن فيه قبل ذلك، وأما عمر فكان شديدًا في نفسه، فكان من
стр. 5107
كماله -في خلافته- استعانته باللين ليعتدل أمره- فكان يستعين بأبي عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص وأبي عبيدة الثقفي، والنعمان بن مقرن، وسعيد بن عامر، وأمثال هؤلاء من أهل الصلاخ والزهد الذين هم أعظم زهدًا وعبادة من خالد بن الوليد وأمثاله، وقد جعل الله في عمر من الرأفة -بعد الخلافة- ما لم يكن فيه قبل ذلك، تكميلًا له، حتى صار أمير المؤمنين (١). قال ابن تيمية: وهكذا أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ : (ما زال يستعمل خالدًا في حرب أهل الردة، وفي فتوح العراق والشام وبدت منه هفوات كان له فيها تأويل، وقد ذكر له عنه أنه كان له فيها هوى، فلم يعزله من أجلها، بل عاتبه عليها؛ لرجحان المصلحة على المفسدة في بقائه، وأن غيره لم يكن يقوم مقامه، لأن المتولي الكبير إذا كان خلقه يميل إلى اللين، فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة، وإذا كان خلقه يميل إلى الشدة، فينبغي أن يكون خلق نائبه يميل إلى اللين، ليعتدل الأمر، ولهذا كان أبو بكر الصديق ﵁ يؤثر استنابة خالد ﵁، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يؤثر عزل خالد، واستنابة أبي عبيدة بن الجراح ﵁؛ لأن خالدًا كان شديدًا، كعمر بن الخطاب، وأبا عبيدة كان لينًا كأبي بكر، وكان الأصلح لكل منهما أن يولي من ولاه، ليكون أمره معتدلًا، ويكون بذلك من خلفاء رسول الله الذي هو معتدل، حتى قال النبي: "أنا نبي الرحمة، أنا نبي الملحمة". (٢)
٥ - درء الحدود بالشبهات: قال ابن تيمية: فشروط الاستيفاء لم توجد في قتل قاتل مالك بن نويرة لوجود الشبهة في ذلك والحدود تدرأ بالشبهات، فعذر أبي بكر ﵁ في ترك قتل قاتل مالك بن نويرة أقوى من عذر علي ﵁ في ترك قتل قتلة عثمان ﵁. (٣) وذلك كما بينَّاه من اعتقاد خالد كُفرَ مالك بن نويرة.
٦ - إقرار أبي بكر على أن خالدًا حاول أن يجتهد ويتأول في ذلك، لا أنه فعله عن عمد وبدون نظر.
стр. 5108
٧ - لو كان أبو بكر متواطئًا لأخذ قراراته بدون أن يُناقشه أحد: فالبعض ظن أن أبا بكر متواطئ مع خالد لعدم تنفيذ رأي عمر: مع أن رواية حديث عمر لأبي بكر تُبيّن مدى سماحة أبي بكر في أنه هو الخليفة يستطيع أن يأخذ القرارات دون الرجوع لعمر أو غيره من الصحابة، ومع ذلك سمح لعمر أن يعترض عليه وكلما هنالك أن أبا بكر وقف موقف المدافع لا الحاكم، فلو كان متواطئًا لأخذ قراراته بدون أن يُناقشه أحد، ولو علم عمر بأن أبا بكر متواطئ مع خالد ما سكت عن التمسك بالحق مهما كلَّفه ذلك ولراجع أبا بكر مراتٍ عديدة كما راجعه من قبل في أمر جمع القرآن حتى شرح الله قلب أبي بكر لذلك، فلقد شنع الكثير من أهل الأهواء والفتن على أبي بكر الصديق ﵁ في إرساله خالد بن الوليد ﵁ في الحروب، لقتل الناس، واستباحة أموالهم كما يقال زورا وبهتانًا، والصحيح أن أبا بكر ﵁ لم ينفرد بإرسال خالد ﵁ لقيادة الجيوش، بل كان ممن سبقه بذلك النبي ﷺ ، فقد أمر النبي ﷺ خالدًا ﵁ وبعثه في عدة معارك لنشر الإسلام، كبعثه إلى الطائف، وأهل اليمن، والعزى، والبحرين، ودومة الجندل، وغيرها كثير، ومع تلك البعثات العظيمة التي يُرسل إليها خالد ﵁ من قبل النبي ﷺ وغيره من الخلفاء، فإننا نجد من يطعن في ذلك الصحابي الجليل بإظهار زلاته والكذب عليه، وإخفاء حسناته، بقصد تشويه تاريخه ومكانته عند النبي ﷺ .
٨ - موقف أبي بكر موقف وسط عدل: حيث أنه لم يُشدد على خالد ولم يتغاضى عما حدث تمامًا، بل إنه اعترف بأن هناك أمر حدث خطأً ولكنه بدون تعمد للخطأ. (١)
قال ابن تيمية: وإذا قالوا: عمر أشار على أبي بكر بقتل خالد، وعلي أشار على عثمان بقتل عبيد الله بن عمر، قيل: وطلحة والزبير وغيرهما أشاروا على عليّ بقتل قتلة عثمان مع أن الذين أشاروا على أبي بكر بالقود أقام عليهم حجة سلموا لها إما لظهور الحق معه وإما لكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، وعليّ لما لم يوافق الذين أشاروا عليه بالقود جرى بينه وبينهم من الحروب ما قد علم، وقتل قتلة عثمان أهون مما جرى بالجمل وصفين، فإذا كان
стр. 5109
في هذا اجتهاد سائغ ففي ذلك أولى، وإن قالوا: عثمان كان مباح الدم قيل لهم فلا يشك أحد في أن إباحة دم مالك بن نويرة أظهر من إباحة دم عثمان، بل مالك بن نويرة لا يعرف أنه كان معصوم الدم، ولم يثبت ذلك عندنا، وأما عثمان فقد ثبت بالتواتر ونصوص الكتاب والسنة أنه كان معصوم الدم. (١)
٩ - عمر تأثَّر أولًا بمبالغات أبي قتادة ثم استوعب الحقيقة فندم على ما كان من تعجله، ولقد بالغ أبو قتادة في ذلك لظنه أن هذه جريمة، بل عدة جرائم لا ينبغي السكوت عليها، ولكن كم من ظانٍ ليس ظنه في محله حتى ولو كان مؤمنًا.
الوجه العاشر: القائد في المعركة قد يتعرض لمواقف محيِّرة، فلا نهضم شخصيته ما دامت أن له انتصارات بطولية كثيرة
وأنه يحاول أن يتخيَّر الصواب، ويمكن أن نبين خطأه ونقول: كان ينبغي أن يفعل غير ذلك: أمر أسامة بن زيد ﵁: قد وقع مثل هذا الاجتهاد الخاطئ من ابن حب النبي ﷺ أسامة بن زيد بن حارثة ﵁ حيث قتل رجلًا بعد أن قال: (لا إله إلا الله)، فعاتبه النبي ﷺ على ذلك ولم يعاقبه.
الوجه الحادي عشر: زواج خالد من زوجة مالك، وبيان أن خالدًا لم يقصد الزنا كما قال عمر .
١ - قال ابن حجر: واسم امرأة مالك أم تميم بنت المنهال وروى ثابت بن قاسم في الدلائل أن خالدا رأى امرأة مالك وكانت فائقة في الجمال فقال مالك بعد ذلك لامرأته (قتلتني) يعني سأقتل من أجلك، وهذا قاله ظنًا فوافق أنه قتل، ولم يكن قتله من أجل المرأة كما ظن. (٢)
٢ - ذكر الزبير بن بكار أن أبا بكر أمر خالدًا أن يفارق امرأة مالك المذكورة. (٣)
قال الصلابي: أم تميم هي ليلى بنت سنان المنهال، زوج مالك بن نويرة وهذا الزواج حدث حوله جدل كثير واتهم من لهم أغراض خالدًا بعدة تهم لا تصح ولا تثبت أمام البحث العلمي النزيه، وخلاصة القصة فهناك من اتهم خالدًا بأنه تزوج أم تميم فور وقوعها في يده
стр. 5110
لعدم صبره على جمالها ولهواه السابق فيها وبذلك يكون زواجه منها -حاش لله- سفاحًا، فهذا القول مستحدث لا يُعتد به، إذ خلت المصادر القديمة من الإشارة إليه، بل هي على خلافه في نصوصها الصريحة، يذكر الماوردي أن الذي جعل خالدًا يقدم على قتل مالك، هو منعه للصدقة التي استحل بها دمه وبذلك فسد عقد المناكحة بينه وبين أم تميم، وحكم نساء المرتدين إذا لحقن بدار الحرب أن يسبين ولا يقتلن، كما يشير إلى ذلك الإمام السرخسي، فلما صارت أم تميم في السبي اصطفاها خالد لنفسه، فلما حلّت بنى بها.
ويعلق الشيخ أحمد شاكر على هذه المسألة بقوله: إن خالدًا أخذها هي وابنها ملك يمين بوصفها سبية، إذ إن السبية لا عدة عليها، وإنما يحرم حرمة قطعية أن يقربها مالكها إن كانت حاملًا قبل أن تضع حملها، وإن كانت غير حامل، حتى تحيض حيضة واحدة ثم دخل بها وهو عمل مشروع جائز لا مغمز فيه ولا مطعن، إلا أن أعداءه والمخالفين عليه رأوا في هذا العمل فرصتهم، فانتهزوها، وذهبوا يزعمون أن مالك بن نويرة مسلم وأن خالدًا قتله من أجل امرأته، وقد اتهم خالد بأنه في زواجه هذا خالف تقاليد العرب، فقد قال العقاد: قتل خالد مالك بن نويرة وبنى بامرأته في ميدان القتال على غير ما تألفه العرب في جاهلية وإسلام، وعلى غير ما يألفه المسلمون، وتأمر به الشريعة. وهذا القول بعيد عن الصحة، فقد كان يحصل كثيرًا في حياة العرب قبل الإسلام إثر حروبهم وانتصاراتهم على أعدائهم أن يتزوجوا من السبايا وكانوا يفخرون بذلك ولذلك كثر فيهم أولاد السبايا وهذا حاتم الطائي يقول:
وما أنكحونا طائعين بناتهم ... ولكن خطبناها بأسيافنا قسرًا
وكائن ترى فينا من ابن سبية ... إذا لقي الأبطال يطعنهم شزرًا
ويأخذ رايات الطعان بكفّه ... فيوردها بيضًا ويصدرها حمرًا
وأما من الناحية الشرعية، فقد أتى خالد أمرًا مباحًا وسلك إليه سبيلًا مشروعة أتاه من هو أفضل منه؛ فإذا كان قد أخذ عليه زواجه أبان الحرب أو في أعقابها، فإن رسول الله (تزوج بجويرية بنت الحارث المصطلقية إثر غزوة المريسيع، وقد كانت في سبايا بني
стр. 5111
المصطلق فقضى عنها كتابتها وتزوجها، وكان بها طابع يمن وبركة على قومها إذ أعتق لهذا الزواج مائة رجل من أسراهم؛ لأنهم أصبحوا أصهارًا لرسول الله ﷺ ، وكان من آثاره المباركة كذلك إسلام أبيها الحارث بن ضرار، كما أنه ﷺ تزوج بصفية بن حيي بن أخطب اليهودية إثر غزوة خيبر، وبنى بها في خيبر أو ببعض الطريق، وإذا كان رسول الله ﷺ (الأسوة الحسنة، فقد توارى العتاب وانقطع الملام.
الوجه الثاني عشر: تحقيق موقف الصحابة من قتل خالد لمالك بن نويرة .
أولًا: تحقيق موقف أبي قتادة وابن عمر وإصرارهما على إسلام مالك:
١ - اختلاف الطابع النفسي للعابد (أي المشهور بكثرة العبادة) عن الطابع النفسي للقائد (صاحب المعارك الكثيرة): فأبو قتادة وابن عمر كثيرًا ما يأخذان باللين في كثير من حياتهما (وهو الطابع النفسي للعابد)، وشخصية القائد قد تستوجب الأخذ بالشدة (وهو الطابع النفسي للقائد).
٢ - عدم اعتراض جميع من كانوا مع خالد يُبين أنه موقف فردي من أبي قتادة في إسلام مالك وفرضية الأمان له: وخالف أبو قتادة جماعة السرية فأخبروا خالدًا أنه لم يكن لهم أمان، وإنما سيروا قسرًا، فأمر بهم خالد فقتلوا وقبض سبيهم، فركب أبو قتادة فرسه وسار قبل أبي بكر. فلما قدم عليه قال: تعلم أنه كان لمالك بن نويرة عهد وأنه ادعى إسلامًا، وإني نهيت خالدًا فترك قولي وأخذ بشهادات الأعراب الذين يريدون الغنائم. (١)
٣ - بيان خالد لأبي قتادة أن هذا الأمر خاص بالقائد في اتخاذ القرار، وأن أبا قتادة أخذته العاطفة في حكمه، حتى أنه ظن أن الأعراب هم الذين أفهموا خالدًا ذلك لأنهم يُريدون الغنائم مع أن الجنود كان منهم عدد ليس بقليل من المهاجرين والأنصار: فعن الزهري أن أبا قتادة قال: فقلت: اتق الله يا خالد فإن هذا لا يحل لك، قال: اجلس فإن هذا ليس منك في شيء، قال: فكان أبو قتادة يحلف لا يغزو مع خالد أبدًا، قال: وكان الأعراب هم الذين شجعوه على قتلهم من أجل الغنائم وكان ذلك في مالك بن نويرة. (٢)
стр. 5112
ففي قول خالد: (اجلس فإن هذا ليس منك في شيء)، دليل أن هذا الأمر خاص بالقائد في اتخاذ القرار.
وحلف أبو قتادة على أنه لا يغزو مع خالد أبدًا: هذا أمر خاص به، مع أن كثيرًا من الصحابة خرجوا مع خالد بعد ذلك، فهذا يُبين أن هذا اجتهادُ فردي من أبي قتادة مبني على اختلاف وجهة نظره مع خالد، ولا يُشترط اختلاف خالد معه في ذلك الموقف أنه سوف يختلف معه في باقي المواقف في المستقبل، فقد حَرَمَ أبو قتادة نفسه من الخير، لأن المعارك التي غزاها خالد بعد ذلك في العراق والفرس أكثر من غيره، ومع ذلك فإن خالدًا يرد مظالم ابن عمر بعد وفاة النبي ﷺ ، فعن نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدًا لابْنِ عُمَرَ أَبَقَ فَلَحِقَ بِالرُّومِ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَرَدَّهُ عَلَى عَبْدِ الله، وَأَنَّ فَرَسًا لابْنِ عُمَرَ عَارَ فَلَحِقَ بِالرُّومِ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ فَرَدُّوهُ عَلَى عَبْدِ الله (١)، وعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ عَلَى فَرَسٍ يَوْمَ لقي المسْلِمُونَ، وَأَمِيرُ المسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، بَعَثَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَهُ الْعَدُوُّ، فَلَمّا هُزِمَ الْعَدُوُّ رَدَّ خَالِدٌ فَرَسَهُ. (٢)
ثانيًا: ما حدث بين عمر وخالد: فقد تحدثنا سابقًا ببيان رجحان قول أبي بكر على قول عمر في قضية قتل خالد لمالك، وهناك أيضًا مواقف أخرى تبين موقف عمر من خالد كان مرجوحًا لا راجحًا، وهذه آراء يُحترم فيها الرأي والرأي الآخر ولا نُسفه أحدهما: فهناك آراء لعمر تجاه خالد قد يُخالفه فيها الصحابة، فعَنْ نَاشِرَةَ بْنِ سُمَيٍّ الْيَزَني، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ، فِي يَوْمِ الجابِيَةِ، وَهُو يَخْطُبُ النَّاسَ: إِنَّ الله جَعَلَنِي خَازِنًا لِهَذَا المَالِ وَقَاسِمًا لَهُ، ثُمَّ قَالَ: بَلِ الله يَقْسِمُهُ، وَإِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكُمْ مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، إِنِّي أَمَرْتُهُ أَنْ يَحْبِسَ هَذَا المَالَ عَلَى ضَعَفَةِ المهَاجِرِينَ، فَأَعْطَاهُ ذَا الْبَأْسِ وَذَا الشَّرَفِ، وَذَا اللَّسَانَةِ، فَنزعْتُهُ، وَأَمَّرْتُ أَبَا عُبَيْد بنَ الجرَّاحِ، فَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ حَفْصِ بْنِ المغِيرة: وَالله مَا أَعْذَرْتَ يَا عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ، لَقَدْ نَزَعْتَ عَامِلًا اسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ الله ﷺ وَغَمَدْتَ سَيْفًا، سَلَّهُ رَسُولُ الله ﷺ ،
стр. 5113
وَوَضَعْتَ لِوَاءً نَصَبَهُ رَسُولُ الله ﷺ ، وَلَقَدْ قَطَعْتَ الرَّحِمَ، وَحَسَدْتَ ابْنَ الْعَمِّ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّكَ قَرِيبُ الْقَرَابَةِ، حَدِيثُ السِّنِّ، مُغْضَبٌ مِنِ ابْنِ عَمِّكَ (١).
ومع ذلك فعمر يدافع عن خالد ممن هجاه من المرتدين، حتى بعدما أسلم هذا المرتد: عن عبد الرحمن بن قيس السلمي، قال أبو شجرة حين ارتد عن الإسلام:
فرويت رمحي من كتيبة خالد ... وإني لأرجو بعدها أن أعمرا
ثم إن أبا شجرة أسلم ودخل فيما دخل فيه الناس، فلما كان زمن عمر بن الخطاب ﵁ قدم المدينة، فقال: يا أمير المؤمنين، أعطني فإني ذو حاجة، قال: ومن أنت؟ قال: أبو شجرة بن عبد العزى السلمي، قال أبو شجرة: أي عدو الله ألست الذي تقول:
فرويت رمحي من كتيبة خالد ... وإني لأرجو بعدها أن أعمرا
قال: ثم جعل يعلوه بالدرة في رأسه حتى سبقه عدوًا فرجع إلى ناقته فارتحلها ثم أسندها في حرة شوران راجعا إلى أرض بني سليم، فقال:
ضن علينا أبو حفص بنائله ... وكل مختبط يوما له ورق. (٢)
وتوفي خالد بحمص من الشام وقيل: بلى توفي بالمدينة سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب وأوصى إلى عمرو ﵁ ولما بلغ عمر أن نساء بني المغيرة اجتمعن في دار يبكين على خالد قال عمر: ما عليهن أن يبكين أبا سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة ... ولما حضرته الوفاة حبس فرسه وسلاحه في سبيل الله. قال الزبير بن أبي بكر: وقد انقرض ولد خالد بن الوليد فلم يبق منهم أحد وورث أيوب بن سلمة دورهم بالمدينة (٣).
* * *
стр. 5114
٣ - رد الشبهات عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ .
مقدمة، ونص الشبهة:
الحديثُ عن تاريخِ الصحابةِ ﵃ عريضُ الجوانبِ .. طويلُ المدى، واسعُ الآفاقِ، ورَدًّا لكثيرٍ من الشبهاتِ والتهمِ التي أُثِيرَتْ حول الصحابةِ رضوانُ الله عليهم أجمعين، وبالأخصِّ خالِ المسلمين وأميرِ المؤمنين، معاويةَ ﵁ .. الذي يَتَلَذَّذُ بَالطعنِ فيه بعضُ الجهَلَةِ تحت ستارِ النقدِ العلميِّ .. وما درى هؤلاء المساكينُ أنَّ الأمةَ مُجْمِعَة على تعديلِ جميعِ الصحابةِ، من لابَسَ الفتنَ منهم ومن اعتزلَ .. إحسانًا للظنِّ بهم، لأنهم نَقَلَةُ الشريعةِ .. والطعنُ في أحدِهِم مثل معاويةَ ﵁ مَدْخَلٌ لأعداءِ هذا الدينِ للنيلِ من بقيةِ الصحابةِ رضوانُ اللهِ عليهم أجمعين.
وما أعتقدُ أنَّ شخصيةً في تاريخِنا الإسلاميِّ من الصحابةِ قد نالها من التشويهِ والدَّسِّ والافتراءِ والظلمِ، ما نالَ معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ﵄ .. حيث امتلأتْ معظمُ المصادرِ التاريخيةِ بعشراتِ الرواياتِ الضعيفةِ أو المكذوبةِ على هذا الصحابيِّ الكريمِ -كما سنبينُ- فكان لابدَّ من الحديثِ عنه، والكتابةِ عنه، والذبِّ عن عرضِهِ وِفْقَ المنهجِ الصحيحِ ..
ولذا كان جوابُنا، ودفاعُنا عن هذا الصحابيِّ الجليلِ تحتَ هذين المبحثين:
المبحث الأول: التعريفُ به، وذكر شيءٍ من فضائلِهِ.
أولًا: التعريف به.
ثانيًا: ذكر ويتمثلُ في عدةِ نقاطٍ، وهي:
أولًا: صُحبَتُهُ للنبيِّ ﷺ .
ثانيًا: كتابتُه بين يدي رسول الله ﷺ .
ثالثًا: دعاءُ النبيِّ ﷺ له.
رابعًا: كونُه أولَ من ركبَ البحرَ.
خامسًا: أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عن معاويةَ ﵁ فلم يَذْكُرْ فيه إلا فقرَه، وقلةَ مالِه.
سادسًا: حبُّ النبيِّ ﷺ لعزتِه مع أهلِ بيتِه.
سابعًا: قربُ منزلته من رسولِ الله ﷺ .
стр. 5115
ثامنًا: انتفاعُه بما سمعَ من رسول الله ﷺ في سيرته.
تاسعًا: معاويةُ ﵁ خالُ المؤمنين.
عاشرًا: ثناءُ الصحابةِ ﵃ عليه.
حادية عشرة: ثناءُ التابعين، والعلماءِ عليه.
ثانية عشر: ذكرُ شيءٍ عن ولايتهِ وفتوحاتِه.
ثالثة عشر: ذكرُ جهوده ﵁ في الجهادِ، والفتوحاتِ.
المبحث الثاني: رد الشبهاتِ التي أثيرت في حق معاويةَ وهي على هذا النحو:
الشبهة الأولى: حولَ الأحاديثِ الواردةِ في ذمِّ ولعنِ معاويةَ ﵁.
الشبة الثانية: قتلُ محمدِ بنِ أبي بكرٍ الصديقِ، وإحراقُه بالنارِ في جيفةِ حمارٍ، وشماتةُ أختِهِ أمِّ حبيبةَ في عائشةَ بسبب ذلك، وردُّ عائشةَ عليها بقولهِا يا ابنةَ العاهرةِ.
الشبهة الثالثة: قتلُ معاويةَ لحُجْرِ بنِ عديٍّ.
الشبهة الرابعة: شبهةُ لعنِ علي ﵁ على المنابر بأمر من معاوية.
الشبهة الخامسة: ما جرى بينَه، وبينَ الحسنِ بنِ عليٍّ ﵁.
١ - قولُهم إنَّ معاويةَ اشترى الحسنَ بالمال ثم اشترى إحدى زوجاتِه اللاتي لا يحصَينَ بالمال على أن تَسُمَّ زوجَها؛ مُؤَمِّلًا لها بزواجِ يزيدَ ثم لم يفِ لها بالوعدِ خوفًا على ولده.
٢ - حرمانُ الحسنِ من الدفنِ مع جدِّه بالتعاونِ مع عائشةِ ﵂.
الشبهة السادسة: شبهةُ طلبِ معاويةَ بنِ أبي سفيانَ ﵄ للخلافة.
الشبهة السابعة: أخذ ولاية العهد ليزيد وقد اشتهر قبل ذلك بشرب الخمر والسكر، وقد كان في المسلمين من هو أولى منه.
الشبهة الثامنة: إلحاق زيادٍ بأبي سفيان.
وإليك التفصيل