← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

المصطلق فقضى عنها كتابتها وتزوجها، وكان بها طابع يمن وبركة على قومها إذ أعتق لهذا الزواج مائة رجل من أسراهم؛ لأنهم أصبحوا أصهارًا لرسول الله ﷺ ، وكان من آثاره المباركة كذلك إسلام أبيها الحارث بن ضرار، كما أنه ﷺ تزوج بصفية بن حيي بن أخطب اليهودية إثر غزوة خيبر، وبنى بها في خيبر أو ببعض الطريق، وإذا كان رسول الله ﷺ (الأسوة الحسنة، فقد توارى العتاب وانقطع الملام. الوجه الثاني عشر: تحقيق موقف الصحابة من قتل خالد لمالك بن نويرة . أولًا: تحقيق موقف أبي قتادة وابن عمر وإصرارهما على إسلام مالك: ١ - اختلاف الطابع النفسي للعابد (أي المشهور بكثرة العبادة) عن الطابع النفسي للقائد (صاحب المعارك الكثيرة): فأبو قتادة وابن عمر كثيرًا ما يأخذان باللين في كثير من حياتهما (وهو الطابع النفسي للعابد)، وشخصية القائد قد تستوجب الأخذ بالشدة (وهو الطابع النفسي للقائد). ٢ - عدم اعتراض جميع من كانوا مع خالد يُبين أنه موقف فردي من أبي قتادة في إسلام مالك وفرضية الأمان له: وخالف أبو قتادة جماعة السرية فأخبروا خالدًا أنه لم يكن لهم أمان، وإنما سيروا قسرًا، فأمر بهم خالد فقتلوا وقبض سبيهم، فركب أبو قتادة فرسه وسار قبل أبي بكر. فلما قدم عليه قال: تعلم أنه كان لمالك بن نويرة عهد وأنه ادعى إسلامًا، وإني نهيت خالدًا فترك قولي وأخذ بشهادات الأعراب الذين يريدون الغنائم. (١) ٣ - بيان خالد لأبي قتادة أن هذا الأمر خاص بالقائد في اتخاذ القرار، وأن أبا قتادة أخذته العاطفة في حكمه، حتى أنه ظن أن الأعراب هم الذين أفهموا خالدًا ذلك لأنهم يُريدون الغنائم مع أن الجنود كان منهم عدد ليس بقليل من المهاجرين والأنصار: فعن الزهري أن أبا قتادة قال: فقلت: اتق الله يا خالد فإن هذا لا يحل لك، قال: اجلس فإن هذا ليس منك في شيء، قال: فكان أبو قتادة يحلف لا يغزو مع خالد أبدًا، قال: وكان الأعراب هم الذين شجعوه على قتلهم من أجل الغنائم وكان ذلك في مالك بن نويرة. (٢)

стр. 5112

ففي قول خالد: (اجلس فإن هذا ليس منك في شيء)، دليل أن هذا الأمر خاص بالقائد في اتخاذ القرار. وحلف أبو قتادة على أنه لا يغزو مع خالد أبدًا: هذا أمر خاص به، مع أن كثيرًا من الصحابة خرجوا مع خالد بعد ذلك، فهذا يُبين أن هذا اجتهادُ فردي من أبي قتادة مبني على اختلاف وجهة نظره مع خالد، ولا يُشترط اختلاف خالد معه في ذلك الموقف أنه سوف يختلف معه في باقي المواقف في المستقبل، فقد حَرَمَ أبو قتادة نفسه من الخير، لأن المعارك التي غزاها خالد بعد ذلك في العراق والفرس أكثر من غيره، ومع ذلك فإن خالدًا يرد مظالم ابن عمر بعد وفاة النبي ﷺ ، فعن نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدًا لابْنِ عُمَرَ أَبَقَ فَلَحِقَ بِالرُّومِ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَرَدَّهُ عَلَى عَبْدِ الله، وَأَنَّ فَرَسًا لابْنِ عُمَرَ عَارَ فَلَحِقَ بِالرُّومِ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ فَرَدُّوهُ عَلَى عَبْدِ الله (١)، وعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ عَلَى فَرَسٍ يَوْمَ لقي المسْلِمُونَ، وَأَمِيرُ المسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، بَعَثَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَهُ الْعَدُوُّ، فَلَمّا هُزِمَ الْعَدُوُّ رَدَّ خَالِدٌ فَرَسَهُ. (٢) ثانيًا: ما حدث بين عمر وخالد: فقد تحدثنا سابقًا ببيان رجحان قول أبي بكر على قول عمر في قضية قتل خالد لمالك، وهناك أيضًا مواقف أخرى تبين موقف عمر من خالد كان مرجوحًا لا راجحًا، وهذه آراء يُحترم فيها الرأي والرأي الآخر ولا نُسفه أحدهما: فهناك آراء لعمر تجاه خالد قد يُخالفه فيها الصحابة، فعَنْ نَاشِرَةَ بْنِ سُمَيٍّ الْيَزَني، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ، فِي يَوْمِ الجابِيَةِ، وَهُو يَخْطُبُ النَّاسَ: إِنَّ الله جَعَلَنِي خَازِنًا لِهَذَا المَالِ وَقَاسِمًا لَهُ، ثُمَّ قَالَ: بَلِ الله يَقْسِمُهُ، وَإِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكُمْ مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، إِنِّي أَمَرْتُهُ أَنْ يَحْبِسَ هَذَا المَالَ عَلَى ضَعَفَةِ المهَاجِرِينَ، فَأَعْطَاهُ ذَا الْبَأْسِ وَذَا الشَّرَفِ، وَذَا اللَّسَانَةِ، فَنزعْتُهُ، وَأَمَّرْتُ أَبَا عُبَيْد بنَ الجرَّاحِ، فَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ حَفْصِ بْنِ المغِيرة: وَالله مَا أَعْذَرْتَ يَا عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ، لَقَدْ نَزَعْتَ عَامِلًا اسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ الله ﷺ وَغَمَدْتَ سَيْفًا، سَلَّهُ رَسُولُ الله ﷺ ،

стр. 5113

وَوَضَعْتَ لِوَاءً نَصَبَهُ رَسُولُ الله ﷺ ، وَلَقَدْ قَطَعْتَ الرَّحِمَ، وَحَسَدْتَ ابْنَ الْعَمِّ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّكَ قَرِيبُ الْقَرَابَةِ، حَدِيثُ السِّنِّ، مُغْضَبٌ مِنِ ابْنِ عَمِّكَ (١). ومع ذلك فعمر يدافع عن خالد ممن هجاه من المرتدين، حتى بعدما أسلم هذا المرتد: عن عبد الرحمن بن قيس السلمي، قال أبو شجرة حين ارتد عن الإسلام: فرويت رمحي من كتيبة خالد ... وإني لأرجو بعدها أن أعمرا ثم إن أبا شجرة أسلم ودخل فيما دخل فيه الناس، فلما كان زمن عمر بن الخطاب ﵁ قدم المدينة، فقال: يا أمير المؤمنين، أعطني فإني ذو حاجة، قال: ومن أنت؟ قال: أبو شجرة بن عبد العزى السلمي، قال أبو شجرة: أي عدو الله ألست الذي تقول: فرويت رمحي من كتيبة خالد ... وإني لأرجو بعدها أن أعمرا قال: ثم جعل يعلوه بالدرة في رأسه حتى سبقه عدوًا فرجع إلى ناقته فارتحلها ثم أسندها في حرة شوران راجعا إلى أرض بني سليم، فقال: ضن علينا أبو حفص بنائله ... وكل مختبط يوما له ورق. (٢) وتوفي خالد بحمص من الشام وقيل: بلى توفي بالمدينة سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب وأوصى إلى عمرو ﵁ ولما بلغ عمر أن نساء بني المغيرة اجتمعن في دار يبكين على خالد قال عمر: ما عليهن أن يبكين أبا سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة ... ولما حضرته الوفاة حبس فرسه وسلاحه في سبيل الله. قال الزبير بن أبي بكر: وقد انقرض ولد خالد بن الوليد فلم يبق منهم أحد وورث أيوب بن سلمة دورهم بالمدينة (٣). * * *

стр. 5114

٣ - رد الشبهات عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ . مقدمة، ونص الشبهة: الحديثُ عن تاريخِ الصحابةِ ﵃ عريضُ الجوانبِ .. طويلُ المدى، واسعُ الآفاقِ، ورَدًّا لكثيرٍ من الشبهاتِ والتهمِ التي أُثِيرَتْ حول الصحابةِ رضوانُ الله عليهم أجمعين، وبالأخصِّ خالِ المسلمين وأميرِ المؤمنين، معاويةَ ﵁ .. الذي يَتَلَذَّذُ بَالطعنِ فيه بعضُ الجهَلَةِ تحت ستارِ النقدِ العلميِّ .. وما درى هؤلاء المساكينُ أنَّ الأمةَ مُجْمِعَة على تعديلِ جميعِ الصحابةِ، من لابَسَ الفتنَ منهم ومن اعتزلَ .. إحسانًا للظنِّ بهم، لأنهم نَقَلَةُ الشريعةِ .. والطعنُ في أحدِهِم مثل معاويةَ ﵁ مَدْخَلٌ لأعداءِ هذا الدينِ للنيلِ من بقيةِ الصحابةِ رضوانُ اللهِ عليهم أجمعين. وما أعتقدُ أنَّ شخصيةً في تاريخِنا الإسلاميِّ من الصحابةِ قد نالها من التشويهِ والدَّسِّ والافتراءِ والظلمِ، ما نالَ معاويةُ بنُ أبي سفيانَ ﵄ .. حيث امتلأتْ معظمُ المصادرِ التاريخيةِ بعشراتِ الرواياتِ الضعيفةِ أو المكذوبةِ على هذا الصحابيِّ الكريمِ -كما سنبينُ- فكان لابدَّ من الحديثِ عنه، والكتابةِ عنه، والذبِّ عن عرضِهِ وِفْقَ المنهجِ الصحيحِ .. ولذا كان جوابُنا، ودفاعُنا عن هذا الصحابيِّ الجليلِ تحتَ هذين المبحثين: المبحث الأول: التعريفُ به، وذكر شيءٍ من فضائلِهِ. أولًا: التعريف به. ثانيًا: ذكر ويتمثلُ في عدةِ نقاطٍ، وهي: أولًا: صُحبَتُهُ للنبيِّ ﷺ . ثانيًا: كتابتُه بين يدي رسول الله ﷺ . ثالثًا: دعاءُ النبيِّ ﷺ له. رابعًا: كونُه أولَ من ركبَ البحرَ. خامسًا: أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عن معاويةَ ﵁ فلم يَذْكُرْ فيه إلا فقرَه، وقلةَ مالِه. سادسًا: حبُّ النبيِّ ﷺ لعزتِه مع أهلِ بيتِه. سابعًا: قربُ منزلته من رسولِ الله ﷺ .

стр. 5115

ثامنًا: انتفاعُه بما سمعَ من رسول الله ﷺ في سيرته. تاسعًا: معاويةُ ﵁ خالُ المؤمنين. عاشرًا: ثناءُ الصحابةِ ﵃ عليه. حادية عشرة: ثناءُ التابعين، والعلماءِ عليه. ثانية عشر: ذكرُ شيءٍ عن ولايتهِ وفتوحاتِه. ثالثة عشر: ذكرُ جهوده ﵁ في الجهادِ، والفتوحاتِ. المبحث الثاني: رد الشبهاتِ التي أثيرت في حق معاويةَ وهي على هذا النحو: الشبهة الأولى: حولَ الأحاديثِ الواردةِ في ذمِّ ولعنِ معاويةَ ﵁. الشبة الثانية: قتلُ محمدِ بنِ أبي بكرٍ الصديقِ، وإحراقُه بالنارِ في جيفةِ حمارٍ، وشماتةُ أختِهِ أمِّ حبيبةَ في عائشةَ بسبب ذلك، وردُّ عائشةَ عليها بقولهِا يا ابنةَ العاهرةِ. الشبهة الثالثة: قتلُ معاويةَ لحُجْرِ بنِ عديٍّ. الشبهة الرابعة: شبهةُ لعنِ علي ﵁ على المنابر بأمر من معاوية. الشبهة الخامسة: ما جرى بينَه، وبينَ الحسنِ بنِ عليٍّ ﵁. ١ - قولُهم إنَّ معاويةَ اشترى الحسنَ بالمال ثم اشترى إحدى زوجاتِه اللاتي لا يحصَينَ بالمال على أن تَسُمَّ زوجَها؛ مُؤَمِّلًا لها بزواجِ يزيدَ ثم لم يفِ لها بالوعدِ خوفًا على ولده. ٢ - حرمانُ الحسنِ من الدفنِ مع جدِّه بالتعاونِ مع عائشةِ ﵂. الشبهة السادسة: شبهةُ طلبِ معاويةَ بنِ أبي سفيانَ ﵄ للخلافة. الشبهة السابعة: أخذ ولاية العهد ليزيد وقد اشتهر قبل ذلك بشرب الخمر والسكر، وقد كان في المسلمين من هو أولى منه. الشبهة الثامنة: إلحاق زيادٍ بأبي سفيان. وإليك التفصيل

стр. 5116

المبحث الأول: التعريف به، وذكر شيء من فضائله: أولًا: التعريف به: هو معاوية بنُ أبي سفيانَ صخرِ بنِ حربِ بنِ أميةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافِ بنِ قُصيِّ بنِ كِلابٍ، أميرُ المؤمنينَ، ملكُ الإسلامِ، أبو عبدِ الرحمنِ خالُ المؤمنينَ، وكاتبُ وحيِ رسولِ ربِّ العالمينَ، القرشيُّ الأُمَوِيُّ المَكِّيُّ. مولده: وُلدَ معاويةُ ﵁ قبلَ البَعثةِ بخمسِ سنينَ على الأشهرِ، وقيلَ بسبعٍ، وقيلَ بثلاثَ عشرةَ. إسلامه: أسلمَ معاويةُ عامَ الفتحِ، ورُوِيَ عنه أنَّه قال: أسلمتُ يومَ القضيةِ، ولكنْ كتمتُ إسلامي من أبي، ثم علم بذلك فقالَ لي: هذا أخوك يزيدُ، وهو خير منك على دينِ قومِهِ، فقلتُ له: لم آلُ نفسي جُهدًا. قال معاويةُ: ولقد دخل عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ مكةَ في عمرةِ القضاءِ، وإني لمُصدِّق به، ثم لما دخلَ عامَ الفتحِ أظهرتُ إسلامي فجئتُه فرَحَّبَ بي، وكتبتُ بين يديهِ. وتزوجَ في عهدِ عمرَ ﵁، وله من الأولادِ: عبدُ الرحمنِ، وعبدُ اللهِ؛ وأمُّهما فاختةُ بنتُ قَرَظَةَ بنِ عبدِ عمرِو بنِ نَوفَلِ بنِ عبدِ مناف. ويَزيدُ الذي تولى الخلافةَ، وأُمُّه مَيْسُونُ بنتُ بَحدل الكَلبية. وصفه: كان طويلًا، أبيضَ، جميلًا، مَهيبا، أَجْلَح، إذا ضَحِكَ انقلبت شَفَتُه العُليا، وأصابته لَقْوَةٌ آخرَ عُمُرِه. وكان يخضِبُ بالحِنَّاءِ والكَتْمِ، ويُصَفِّرُ لحيتَه حتى تكونَ كالذهبِ. وكان من الكَتَبةِ الحَسَبَةِ الفَصَحَةِ الفُقهاءِ، ويُضرَبُ المَثَلُ بحِلْمِهِ، وعَقْلِهِ. مكث أميرًا على الشامِ في خلافةِ عمرَ، وعثمانَ عشرينَ سنةً، ثم خليفةً للمسلمين مثلَها. تُوُفِّيَ بدمشقَ للنصفِ من رجبٍ سنةَ ستين، وصلَّى عليه الضَّحَّاكُ بنُ قيسٍ الفِهْريُّ، وعاشَ معاويةُ ثمانيةً وسبعينَ عامًا، وقيل غيرُ ذلك ﵁.

стр. 5117

حَدَّثَ عن النبيِّ ﷺ ، وكتبَ له مراتٍ يسيرةً، وحدَّث أيضًا عن أختِه أمِّ المؤمنينَ أمِّ حبيبةَ، وعن أبي بكرٍ، وعمر (١). ثانيا: ذكر فضائله: أولًا: صحبته للنبي ﷺ -، ونذكر في هذا نصوصًا عامةً في القرآنِ والسنةِ في فضائلِ الصحابةِ يندرجُ تحتَها معاويةُ. فمعاويةُ بنُ أبي سفيانَ ﵁ هو أحدُ الصحابةِ الذين أكرمهم اللهُ بصحبةِ نبيِّه محمدٍ ﷺ ، وكلُّ كلامٍ يقَالُ في الصحابةِ فيما يتعلقُ بفضلِهِم عمومًا، وما يجبُ لهم عمومًا، فإنَّ معاويةَ ﵁ يدخلُ في ذلك، ولهم فيه كلام يخصُّه، ويتعلقُ به مما ينبغي أن يوصفَ به. من القرآن ١ - قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]. ٢ - قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٦]. ومعاويةُ ﵁ من الذين شهدوا غزوةَ حُنينٍ المقصودةَ في الآياتِ، وكانَ من المؤمنينَ الذين أنزلَ اللهُ سكينتَه عليهم مع النبيِّ ﷺ (٢). ٣ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠].

стр. 5118

٤ - ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. قال ابن تيمية: فإنَّ هؤلاءِ الطُّلَقَاءَ مُسْلِمَةَ الفتحِ هم ممن أنفقَ من بعدِ الفتحِ وقاتَلَ، وقد وعدَهُمُ اللهُ الحُسْنَى فإنهم أنفقوا بحُنينٍ والطائفِ وقاتلوا فيهما ﵃ اهـ. وقال أيضًا: وأما مَن بعدَ هؤلاءِ السابقينَ الأولينَ وهم الذين أسلموا بعدَ الحديبيةِ فهؤلاء دخلوا في قولِهِ تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، وفي قولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.اهـ (١) ٥ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم: ٨]. فقد ضمن الله الكريم له أن لا يخزيه لأنه ممن آمن برسول الله ﷺ . ٦ - وقال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] وساعةُ العُسرةِ هي غزوةُ تَبُوكَ، وقد شَهِدَها مُعاويةُ ﵁ (٢). ومن السنة: ١ - عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "خيرُ الناسِ قرني، ثم الذين يلونَهم، ثم الذين يلُوَنَهم، ثم يجيءُ قوم تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِم يَمِينه ويَميِنُهُ شَهَادَتَهُ" (٣). وهذه الشهادةُ بالخيريةِ مؤكِّدَةٌ لشهادة ربِّ العزةِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. ٢ - وقوله ﷺ : "النجومُ أَمَنةٌ للسماءِ، فإذا ذهبتِ النُّجُومُ، أَتى السماءَ ما تُوعَدُ، وأَنا أَمَنةٌ لأصحابي. فإذا ذَهَبْتُ أَتى أصحابي ما يُوعدونَ، وأصحابي أَمَنةٌ لأمتي، فإِذا ذهب

стр. 5119

أصحابي أتى أمتي ما يُوعَدُون". (١) ٣ - وقال ﷺ : "لا تَسُبُّوا أصحابي، لا تَسُبُّوا أصحابي: فو الذي نفسي بيدِه! لو أنَّ أَحَدَكمْ أَنْفَقَ مثلَ أُحُدٍ ذهبًا، ما أَدركَ مُدَّ أَحَدِهِم، ولا نَصِيَفهُ". (٢) فهذه نصوصٌ عامةٌ في فضائلِ الصحابةِ ﵃ ويدخلُ فيها معاويةُ ﵁. ثانيا: كتابته بين يدي رسول الله ﷺ وفق ذلك حديثان: الأول: عن ابنِ عباسٍ ﵁ قال: كنتُ ألعبُ مع الصبيانِ فجاءَ رسولُ الله ﷺ فتَوَارَيْتُ خلفَ بابٍ، قال: فجاءَ فَحَطَأَنِي حَطْأَةً (٣)، وقال: اذهبْ وادعُ لي معاويةَ. قال: فجئتُ، فقلتُ: هو يأكلُ. قال: ثم قال لي: اذهبْ فادعُ لي معاويةَ. قال: فجئتُ فقلتُ: هو يأكلُ. فقالَ: لا أَشْبَعَ اللهُ بطنَه (٤). وعندَ أبي داودَ الطيالسيِّ: "أنَّ رسولَ الله ﷺ بعثَ إلى معاويةَ ليكتبَ له .. " (٥). وعندَ أحمدَ: قال: "اذهبْ فادعُ لي معاويةً، وكان كاتبَه ... " (٦) وموضعُ الدِّلالةِ من الحديثِ على فضيلةِ معاويةَ ﵁ في هذا الحديثِ من وجهين: الوجه الأول: دعوة النبي ﷺ -: وبيانُ ذلك فيما ترجمَ به النوويُّ -رحمهُ اللهُ تعالى- حيث قال: بابُ مَن لَعَنه النبيُّ ﷺ أو سَبَّه أو دَعَا عليه، وليس هو أهلًا لذلك، كان له زكاةً وأجرًا ورحمةً. وهذا الحكم استدلالًا بحديث عائشة ﵂ قالت: دخَل علي رسولا الله ﷺ رجلانِ فكلَّمَهما بشيءٍ لا أدري ما هو، فأَغْضَبَاه فلَعَنَهما، وسَبَّهما، فلما خَرَجَا قلتُ: يَا رسولَ اللهِ،

стр. 5120

مَنْ أصابَ من الخير شيئًا ما أصابَه هذانِ، قال: وما ذاك؟ قالت: قلتُ: لعنتَهما وسببتَهما، قال: أَوَ ما علمتِ ما شَارَطْتُ عليه ربي؟ قلتُ: اللهم إنما أنا بشرٌ؛ فأيُّ المسلمين لعنتُه أو سببتُه فاجعلْه له زكاةً وأجرًا (١). وبحديثِ أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "اللهم إنما أنا بشرٌ؛ فأيُّما رجلٍ من المسلمين سببتُه أو لعنتُه أو جلدتُه فاجعلْها له زكاةً ورحمةً وقُرْبَةً تقربُه بها إليك يومَ القيامةِ" (٢). وهذا هو الظاهرُ من صنيعِ الإمامِ مسلمٍ ﵀ حيث أوردَ هذه الأحاديثَ السابقةَ ثم أوردَ بعدَها حديثَ ابنِ عباسٍ ﵁ في قولِ النبيِّ ﷺ في معاويةَ: "لَا أَشْبَعَ اللهُ بطنَه" وكأنَّه يذكرُ هذا الحديثَ في شأنِ معاويةَ ليجعلَه مثالًا على ما شَرَطَه النبيُّ ﷺ على ربِّه. وفي روايةٍ: "إني اشترطتُ على ربي، فقلتُ: إنما أنا بشرٌ؛ أَرضَى كما يَرضَى البشرُ، وأَغضَبُ كما يَغضَبُ البشرُ، فأيُّما أحدٍ دعوتُ عليه من أمتي بدعوةٍ ليس لها بأهلٍ أنْ تجعلَها له طَهورًا وزكاةً وقُرْبَةً". (٣) قال النووي: هذه الأحاديثُ مُبَيِّنَة ما كان عليه ﷺ من الشَّفَقَةِ على أمتِه، والاعتناءِ بمصالحِهم، والاحتياطِ لهم، والرغبةِ في كل ما ينفعُهم، وهذه الروايةُ المذكورةُ آخرًا تبَيِّنُ المرادَ بباقي الرواياتِ المطلَقةِ، وأنَّه إنما يكون دعاؤه عليه رحمةً، وكفارةً، وزكاةً، ونحوَ ذلك، إذا لم يكن أهلًا للدعاءِ عليه، والسبِّ، واللعنِ ونحوِه، وكان مسلمًا، وإلا فقد دعا ﷺ على الكفارِ، والمنافقين ولم يكن ذلك لهم رحمةً، فإنْ قيلَ: كيف يدعو على من ليس هو بأهلٍ للدعاءِ عليه، أو يسبُّه، أو يلعنُه، ونحوُ ذلك؟ فالجوابُ ما أجابَ بِه العلماءُ، ومختَصَرُه وجهانِ: أحدهما: أنَّ المرادَ ليس بأهلٍ لذلك عندَ الله تعالى وفي باطنِ الأمرِ، ولكنَّه في الظاهرِ مستوجِبٌ له فيظهرُ له ﷺ استحقاقُه لذلك بأمَارةٍ شرعيةٍ، ويكونُ في باطنِ الأمرِ ليس أهلًا لذلك، وهو ﷺ مأمورٌ بالحكمِ بالظاهرِ، واللهُ يتولى السرائرَ.

стр. 5121

والثاني: أنَّ ما وقع من سبِّه ودعائِه ونحوِه ليس بمقصودٍ، بل هو مما جَرَتْ به عادةُ العربِ في وصلِ كلامِها بلا نيةٍ كقولِه: "تَرِبَتْ يمينُك" و "عَقرَى حَلقَى" و"لا أشبعَ اللهُ بطنَه" ونحوِ ذلك لا يقصدون بشيءٍ من ذلك حقيقةَ الدعاءِ فخافَ ﷺ أنْ يصادفَ شيءٌ من ذلك إجابةً فسأل ربَّه ، ورَغِبَ إليه في أن يجعلَ ذلك رحمةً وكفارًة، وقربةً، وطَهورًا، وأجرًا، وإنما كان يقعُ هذا منه في النادرِ، والشاذِّ من الأزمانِ، ولم يكن ﷺ فاحشًا، ولا متفحشًا، ولا لعانًا، ولا منتقمًا لنفسه، وقد سبق في هذا الحديثِ أنهم قالوا: ادعُ على دوسٍ فقال: اللهم اهدِ دوسًا، وقال: اللهم اغفرْ لقومي فإنهم لا يعلمون .. واللهُ أعلمُ. وأما دعاؤه على معاويةَ أن لا يَشْبعَ حين تأخرَ، ففيه الجوابان السابقان: أحدهما: أنه جرى على اللسانِ بلا قصدٍ. والثاني: أنه عقوبةٌ له لتأخرِه. وقد فهم مسلمٌ من هذا الحديثِ أنَّ معاويةَ لم يكن مستحقًا للدعاءِ عليه؛ فلهذا أَدخَلَه في هذا البابِ، وجَعَلَه غيرُه من مناقبِ معاويةَ ﵁ لأَنَّه في الحقيقةِ يصيرُ دعاءً له. (١) قال ابن كثير ﵀: وقد انتفعَ معاويةُ ﵁ بهذه الدعوةِ في دنياه وأُخراه؛ أما في دنياه: فإنَّه لما صارَ إلى الشامِ أميرًا كان يأكلُ في اليومِ سبعَ مراتٍ يُجاءُ بقصعةٍ فيها لحمٌ كثيرٌ، وبصلٌ فيأكلُ منها، ويأكلُ في اليومِ سبعَ أَكْلاتٍ بلحمٍ، ومن الحلوى والفاكهةِ شيئًا كثيرًا، ويقولُ: والله ما أشبعُ، وإنما أعيا وهذه نعمةٌ، ومَعِدَةٌ يرغبُ فيها كلُّ الملوكِ، وأما في الآخرةِ فقد أَتبعَ مسلمٌ هذا الحديثَ بالحديثِ الذي رواه البخاريُّ، وغيرُهما من غيرِ وجهٍ عن جماعةٍ من الصحابةِ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "اللهم إنما أنا بشرٌ فأيُّما عبدٍ سببتُه، أو جلدتُه، أو دعوتُ عليه، وليس لذلك أَهلًا فاجعل ذلك كفارةً، وقربةً تقر بُه بها عندك يومَ القيامةِ" فرَكَّبَ مسلمٌ من الحديثِ الأولِ وهذا الحديثِ فضيلةً لمعاويةَ. اهـ (٢) الوجه الثاني: وهو كتابتُه للنبيِّ ﷺ -.

стр. 5122

قال ابنُ تيميةَ: استكتبَه النبيُّ ﷺ لخِبرته، وأمانتِه. (١) الحديث الثاني: عن ابنِ عباسٍ ﵄ قال: قال أبو سفيان للنبيِّ ﷺ : معاويةَ تجعلُه كاتبًا بين يديكَ. قال: نعم (٢). قال ابن كثير: والمقصودُ منه أنَّ معاويةَ كان من جملةِ الكُتَّاب بين يديْ رسولِ الله ﷺ الذين يكتبون الوحيَ (٣). ثالثا: دعاء النبي ﷺ له . كما استنبطه العلماءُ من الحديثِ الأولِ مع قولِه: "إنما أنا بشرٌ أرضى كما يرضى البشرُ، وأغضبُ كما يغضبُ البشرُ، فأيُّما أحدٍ دعوتُ عليه من أمتي بدعوةٍ ليس لها بأهلٍ أن تجعلها له طَهورًا، وزكاةً، وقُربَةً، وقد مر بيانُ هذا الوجهِ من هذا النصِّ، وفي هذا المعنى أحاديثُ منها: منها حديثُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي عُمَيرَةَ، قال: قال النبيُّ ﷺ لمعاويةَ ﵁: "اللهم اجعلْهُ هادِيًا مَهدِيًّا واهدِه واهدِ بِه". (٤)

стр. 5123

ومنها: حديث العرباض ﵁ قال: دعانا النبيُّ ﷺ إلى الغَدَاء المباركِ، وسمعتُه يقول: "اللهم علِّمْه -يعني معاويةَ ﵁ الكتابَ، والحسابَ، وقِهِ العذابَ". (١) رابعًا: كونه أول من ركب البحر مجاهدًا في سبيل الله .

стр. 5124

فعن أمِّ حَرامٍ أنها سمعتْ النبيَّ ﷺ يقولُ: "أولُ جيشٍ من أمتي يغزون البحرَ قد أَوجَبُوا" (١). وموضعُ الفضيلةِ في الحديثِ من وجهين: الأول: دعوةُ النبيِّ ﷺ بقوله: "قد أَوجَبُوا" أي: فعلوا فعلًا وَجَبَتْ لهم به الجنةُ أو أَوجَبُوا لأنفسِهم المغفرةَ والرحمةَ بذلك. (٢) قال ابن عبد البر: أرادَ -واللهُ أعلمُ- أنَّه رأى الغُزاةَ في البحرِ مِن أُمَّته مُلوكًا على الأَسِّرة في الجنّة، ورُؤياهُ وَحْيٌ، وقد قال الله تعالى في صِفةِ أهلِ الجنَّة: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤]، وقال: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦]، والأرائكُ: السُّرُرُ في الحِجال. (٣) فإذا تبيَّن هذا الفضلُ العظيمُ، كان معاويةُ من أَولَى الناسِ به، إذ إنَّه أميرُ تلك الغَزَاةِ بالاتفاقِ، كما تقدَّم قريبًا، وقد قال ابنُ عبدِ البرِّ عن هذا الحديثِ: وفيه فضلٌ لمعاويةَ ﵀؛ إذ جَعَلَ مَن غَزا تحتَ رايَته مِن الأوَّلين. (٤) الثاني: أنَّ معاويةَ ﵁ أولُ من سنَّ هذه السنةَ في أمةِ النبيِّ ﷺ فله أجرُها وأجرُ من عَمِلَ بها إلى يومِ القيامةِ من غيرِ أنْ يَنْقُصَ من أجورِهم شيءٌ. خامسًا: أن النبي ﷺ سئل عن معاوية ﵁ فلم يذكر فيه إلا فقره، وقلة ماله . كما في حديثِ فاطمةَ بنتِ قيسٍ ﵂ أن أبا عمرِو بنِ حفصٍ ﵁ طلَّقَها البتةَ، وهو غائب فأرسلَ إليها وكيلُه بشعيرٍ فسَخِطَتْه، فقال: واللهِ مالكِ علينا من شيءٍ، فجاءتْ رسولَ اللهِ ﷺ فذكرتْ ذلك له، فقال: ليس لكِ عليه نفقة، فأَمَرَها أنْ تَعْتَدَّ في بيتِ أمِّ شَرِيكٍ، ثم قال: تلك امرأةٌ يغشاها أصحابي، اعتَدِّي عند ابنِ أمِّ مكتومٍ؛ فإنَّه رجلٌ أعمى

стр. 5125

تضعين ثيابَك، فإذا حَلَلْتِ فآذنيني قالت: فلما حللتُ ذكرتُ له أنَّ معاويةَ بن أبي سفيانَ، وأبا جهمٍ خطباني، فقال رسولُ الله ﷺ : أما أبو جهمٍ فلا يضعُ عصاه عن عاتِقِه، وأما معاويةُ فصُعلُوكٌ لا مالَ له؛ انكِحِي أسامةَ بنَ زيدٍ، فكرهتُهُ ثم قال: انكِحِي أسامةَ، فنكحْتُهُ. فجعلَ اللهُ فيه خيرًا، واغْتبَطْتُ به (١). فلو كان في دينِ مُعاويةَ أو خُلُقِهِ شيءٌ لذَكَرَه النبيُّ ﷺ من بابِ أَولَى، ولم يكن من حالِه عيبٌ إلا أنَّه خفيفُ ذاتِ اليدِ وقتَها، إذ كان في أوَّل شبابِه ﵁، وحالُه في المال يتبيَّنُ في قصةِ أُمِّه هِندَ -في البخاريِّ ومسلمٍ - وفيها أنها سألتْ النبيَّ ﷺ : إنَّ أبا سُفيان رجلٌ شَحيحٌ، وليس يُعطيني ما يَكفيني ووَلَدي، إلا ما أَخَذْتُ مِنه وهو لا يَعلمُ؟ قال: "خُذي ما يَكفيكِ ووَلَدَكِ بالمعروفِ". سادسًا: حب النبي ﷺ لعزته مع أهل بيته كما في حديث عائشة قالت: جاءت هندٌ إلى النبي ﷺ فقالتْ: يا رسولَ الله، والله ما كان على ظهرِ الأرضِ أهلُ خباءٍ أحبُ إليَّ من أنْ يُذِلَّهم اللهُ من أهلِ خبائِك، وما على ظَهرِ الأرضِ أهلُ خباءٍ أحبُّ إليَّ من أنْ يُعِزَّهم اللهُ من أهلِ خبائِك، فقالَ النبيُّ ﷺ : "وأيضا والذي نفسي بيده" (٢). وموضعُ الشاهدِ في قولِه ﷺ : "وأيضًا، والذي نفسي بيدِه" فمعناه: وستزيدين من ذلك، ويتمكنُ الإيمانُ من قلبِك، ويزيدُ حبُّكِ للهِ ولرسولِه ﷺ ، ويَقْوَى رجوعُك عن بغضِه، وأصلُ هذه اللفظةِ آضَ يئيضُ أيضًا إذا رَجَعَ. (٣) وهذا فيه مدحٌ لأمِّه، وأما موضعُ المُدحَةِ لمعاويةَ ففي قولِ: "وأيضًا والذي نفسي بيده" وهو أنَّه كان يودُّ أنَّ هندًا وأهلَها وكلَّ كافرٍ يُذَلُّوا في حالِ كفرِهم، فلما أسلموا كان يحبُّ أن يُعَزُّوا فأعزهم اللهُ -يعنى أهل خبائها-. (٤)

стр. 5126

ووجهُ الدلالةِ أنَّ معاويةَ ﵁ من أهلِ خباءِ هندَ. سابعًا: قرب منزلته من رسول الله ﷺ -. فعن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قال: خرجَ معاويةُ على حَلْقَةٍ في المسجدِ، فقال: ما أجلَسَكم؟ قالوا: جَلَسْنا نَذكُر اللهَ. قال: الله! ما أَجْلَسَكم إلا ذاك؟ قالوا: واللهِ ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أَمَا إنِّي لم أستَحْلِفْكم تُهمةً لَكم، وما كان أحد بمنْزِلَتي مِن رسولِ الله ﷺ أقلَّ عَنهُ حديثًا مِنِّي كنتُ خِتْنَه، وكنتُ في كُتَّابِه، وكنتُ أرحّل له راحلتَه وإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ على حَلْقَةٍ مِن أصحابِه، فقال: "ما أجلَسَكُم؟ " قالوا: جَلَسْنا نَذكرُ اللهَ، ونَحمَدُه على ما هدانا للإسلامِ، ومَنَّ به علينا. قال: "الله! ما أَجلَسَكم إلا ذاك؟ " قالوا: والله ما أَجلَسَنا إلا ذاك. قال: "أَمَا إني لم أَستَحْلِفْكُم تُهمةً لَكُم، ولكنّهُ أتاني جبريلُ فأخبرني أنَّ اللهَ يُباهي بكم الملائكةَ". (١) والشاهد من الحديث قولُ معاويةَ ﵁: "وما كان أحدٌ بمنْزِلَتي مِن رسولِ اللهِ ﷺ أقلَّ عَنهُ حديثًا مِنّي". ولقد عده الآجري من مناقب معاوية ﵁. ثامنًا: انتفاعه بما سمع من رسول الله ﷺ في سيرته . فعن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم" فقال أبو الدرداء: كلمةٌ سمعها معاويةُ من رسولِ الله ﷺ نَفَعَه اللهُ تعالى بها. (٢) قال ابن كثير: يعنى أنه كان جيدَ السيرةِ حسنً التجاوُزِ جميلَ العفوِ كثيرَ السِّترِ رحمه الله تعالى. (٣) تاسعًا: معاوية خال المؤمنين .

стр. 5127

فهو أخو أمِّ المؤمنين زوجِ النبي ﷺ أمِّ حَبيبة رَمْلةَ بنتِ أبي سفيانَ ﵃، ولذلك قال الإمامُ أحمدُ: أقول: معاويةُ خالُ المؤمنين، وابنُ عمرَ خالُ المؤمنين. (١) عاشرًا: ثناء الصحابة ﵃ عليه . وتالله إنَّه لا يَعْرِفُ قدرَ الرجالِ إلا الرجالُ، وهل هناك في الكونِ رجالٌ -بعد الأنبياء علَيهم الصلاةُ والسلامُ- أفضلُ من أصحابِ النبيِّ ﷺ الذين ترَبَّوا في حجرِه ﷺ . قال سعدُ بنُ أبي وقاصٍ ﵁: ما رأيتُ أحدًا بعد عثمانَ أقضى بحقٍ من صاحبِ هذا البابِ يعني معاويةَ. (٢) وعن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ ﵁ أنَّه قال: ما رأيتُ رجلًا أخلق بالملك من معاويةَ. (٣) عن ابن عمر ﵁ قال: ما رأيتُ أحدًا بعد رسول الله ﷺ كان أسودَ من معاويةَ، قال: قلت: هو كان أسودَ من أبي بكر؟ قال: هو واللهِ أخيرُ منه، وهو واللهِ كان أسودَ من أبي بكرٍ، قال: قلت: فهو كان أسودَ من عمرَ؟ قال: عمرُ واللهِ كان أخيرَ منه وهو واللهِ أسودُ من عمرَ، قال: قلت: هو كان أسودَ من عثمانَ؟ قال: والله إنْ كان عثمانُ لسيدًا، وهو كان أسودَ منه. قال الدُّورِيُّ: قال بعضُ أصحابِنا: قال أحمدُ بنُ حَنبلٍ: معنى أسودَ، أي أسخى. (٤)

стр. 5128

عن عروةَ بنِ الزبير ﵀ أنَّ المِسْوَرَ بنَ مخَرَمَةَ أخبره: أنه قدم على معاويةَ أميرِ المؤمنين فقضى حاجتَه، ثم دعاه، فقال: يا مِسْوَرُ، ما فَعَلَ طعنُك على الأئمةِ؟ قال المِسوَرُ: دعنا من هذا وأحسِنْ فيما قدِمنا له. قال معاويةُ: لا أدعُك حتى تَكَلَّمَ بذاتِ نفسِكَ والذي تعيبُ عليَّ. قال المسورُ: فلم أدعْ شيئًا أعيبُه عليه إلا بَيَّنْتُه. فقال معاويةُ: لا أَبْرَأُ من الذنبِ، فهل تعُدُّ لنا يا مسورُ مما نلي من الإصلاحِ شيئًا؟ فإنَّ الحسنةَ بعشرةِ أمثالها، أم تَعُدُّ الذنوبَ وتتركُ الإحسانَ. قال المسورُ: لا، والله ما نذكرُ إلا ما نرى من هذه الذنوبِ! فقال معاويةُ: فإنَّا نعترفُ بكل ذنبٍ أذنبناه، فهل لكَ يا مسورُ ذنوب في خاصتِك تخشى أن تُهلِكَكَ إنْ لم يغفرْها اللهُ لك؟ قال المسورُ: نعم. قال معاويةُ: فما يجعلُك بأحقَّ برجاءِ المغفرةِ مني، فو الله لما ألي من الإصلاحِ أكثرُ مما تلي، ولكني والله لا أُخَيَّرُ ما بين أمرين من اللهِ وغيرِه إلا اخترتُ اللهُ على ما سواه، وإني لعلى دينٍ يُقْبَلُ فَيه العملُ ويُجزَى فيه بالحسناتِ ويجزى فيه بالذنوبِ إلا أن يعفوَ اللهُ عنها، وإني لأحتسبُ كلَّ حسنةٍ عَمِلْتُها بأضعافِها من الأجرِ، وإني لألي أمورًا عظامًا لا أُحصيها ولا يُحصيها من عمِل لله بها في الدنيا، إقامةُ الصلواتِ للمسلمين، والجهادُ في سبيلِ الله، والحكمُ بما أنزلَ اللهُ، وَالأمورُ التي لستُ أُحصيها -يقصدُ ذنوبَه-وإن عددتَها -أيَ: يا مسورُ- فتكفَّرُ في ذلك؟ أي يُكَفِّرُها ما تقدمَ من الحسناتِ. قال المسورُ: فعَرَفْتُ أنَّ معاويةَ قد خَصَمَنِي حينما ذكرَ ما قالَ. قال عروةُ: فلم أسمعْ المسورَ بعدُ يذكرُ معاويةَ إلا صَلَّى عليه؛ أي: دعا له. (١) عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ قالَ: أَوْتر معاويةُ بعدَ العشاءِ بركعةٍ وعندَه مولًى لابنِ عباسٍ، فأتى ابنَ عباسٍ فقال: دعْه فإنه صَحِبَ رسولَ اللهِ ﷺ . (٢) وفي روايةٍ أخرى قال: أصابَ إنه فقيهٌ. (٣)

стр. 5129

وعن أبي الدرداء ﵁ أنَّه قال لأهلِ الشامِ: ما رأيتُ أحدًا أشبهَ صلاةً بصلاةِ رسول اللهِ ﷺ من إمامِكم هذا (يعني معاويةَ). (١) عن أبي الدرداءِ ﵁ قال: لا مدينةَ بعدَ عثمانَ، ولا رخاءَ بعدَ معاويةَ ﵄. (٢) قال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: تذكرون كِسرَى وقيصرَ ودهاءَهما وعندَكم معاويةُ. (٣) حادية عشرة: ثناء التابعين، والعلماء عليه . قال الأوزاعيُّ: أَدْرَكَتْ خلافةُ معاويةَ عدةً من أصحابِ رسول الله ﷺ منهم: سعدٌ، وأسامةُ، وجابرٌ، وابنُ عمرَ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، ومَسْلَمَةُ بنُ مَخْلَدٍ، وأبو سعيدٍ، ورافعُ بنُ خَدِيجٍ، وأبو أُمامةَ، وأنسُ بنُ مالكٍ، ورجالٌ أكثرُ ممن سَمَّيْتُ بأضعافٍ مُضَاعَفَةٍ، كانوا مصابيحَ الهدى، وأوعيةَ العلمِ، حضروا من الكتابِ تنزيلَه، وأخذوا عن رسول اللهِ ﷺ تأويلَه، ومن التابعين لهم بإحسانٍ إن شاءَ اللهُ، منهم: المِسْوَرُ بنُ مخَرَمَةَ، وعبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ بنِ عبدِ غَوْثٍ، وسعيدُ بنُ المُسَيِّبِ، وعروةُ بنُ الزبيرِ، وعبدُ الله بنُ محيريزٍ في أشباهٍ لهم، لم ينزِعوا يدًا عن مُجَامَعَةٍ في أمةِ محمدٍ ﷺ (٤). وقال قبيصةُ بنُ جابرٍ: ما رأيتُ أحدًا أعظمَ حلمًا، ولا أكثرَ سؤدُدًا، ولا أبعدَ أناةً، ولا ألينَ مخرجًا، ولا أرحبَ باعًا بالمعروفِ من معاويةَ (٥).

стр. 5130

قال محمدُ بنُ يحيى بنِ سعيدٍ: سُئِلَ ابنُ المباركِ عن معاويةَ فقال: ما أقولُ في رجلٍ قال رسول الله ﷺ : "سمع الله لمن حمده" فقال خلفَه: ربنا ولك الحمدُ، فقيل له: أيُّهما أفضلُ هو أو عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ؟ فقال: لتُرابٌ في مِنْخَرَي معاويةَ مع رسول الله ﷺ خيرٌ، وأفضلُ من عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ (١). عن ابنِ المباركِ، قال: معاويةُ عندنا محِنَةٌ؛ فمن رأيناه ينظرُ إليه شَزَرًا اتهمناه على القومِ، يعني الصحابةَ ﵃. وقال محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عمارٍ المَوصِليُّ وغيرُه: سُئِلَ المعافَى بنُ عمرانَ أيهما أفضل: معاويةُ أو عمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ؟ فغَضِبَ، وقال للسائلِ: أتجعلُ رجلًا من الصحابةِ مثلَ رجلٍ من التابعين! معاويةُ صاحبُه ﷺ وصهرُه وكاتبُه وأمينُه على وحيِ اللهِ. قال أبو توبةَ الربيعُ بنُ نافعٍ الحلبيُّ: معاويةُ سِترٌ لأصحابِ محمدٍ ﷺ ، فإذا كشفَ الرجلُ السِّترَ اجتَرَأَ على ما وراءَه. وقال إبراهيمُ بنُ ميسرةَ: ما رأيتُ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ ضربَ إنسانًا قطُّ إلا إنسانًا شَتَمَ معاويةَ فإنَّه ضَرَبَه أسواطًا. (٢) قال أبو إسحاقَ السَّبِيعِيُّ الكوفيُّ: كان معاويةُ، وما رأينا بعدَه مثلَه (٣). قال الفضيلُ: أوثقُ عملي في نفسي حبُّ أبي بكرٍ، وعمرَ، وأبي عبيدةَ بنِ الجراحِ، وحبي أصحابَ محمدٍ ﷺ جميعًا، وكان يترحمُ على معاويةَ، ويقولُ: كان من العلماءِ من أصحابِ محمدٍ ﷺ (٤). قال الزهريُّ: عَمِلَ معاويةُ بسيرةِ عمرَ بنِ الخطابِ سنينَ لا يَخرِمُ منها شيئًا (٥). ثانية عشرة: ذكر شيء عن ولايته، وفتوحاته .

стр. 5131

قال ابن كثير ﵀: فلم يزلْ معاويةُ ﵁ نائبًا على الشامِ في الدولةِ العُمَرِيَّةِ والعثمانيةِ مدةَ خلافةِ عثمانَ، وافتتحَ في سنةِ سبعٍ وعشرين جزيرةَ قبرصَ وسكنَها المسلمون قريبًا من ستينَ سنةً في أيامِه ومن بعدِه، ولم تزلْ الفتوحاتُ والجهادُ قائمًا على ساقِه في أيامِه في بلادِ الرومِ والفرنجِ وغيرِها، فلما كان من أمرِه وأمرِ أميرِ المؤمنين عليٍّ ﵄ ما كان، لم يقعْ في تلك الأيامِ فتحٌ بالكليةِ، لا على يديه ولا على يديْ عليٍّ، وطَمِعَ في معاويةَ ملكُ الرومِ بعد أن كان قد أخشاه وأذلَّه، وقَهَرَ جندَه ودحاهم، فلما رأى ملكُ الرومِ اشتغالَ معاويةَ بحربِ عليٍّ تدانَى إلى بعضِ البلادِ في جنودٍ عظيمةٍ وطَمِعَ فيها، فكتب معاويةُ إليه: واللهِ لئن لم تنتهِ وترجعْ إلى بلادِك يا لعينُ لأصطلحنَّ أنا وابنُ عمي عليك ولأُخرِجَنَّك من جميعِ بلادِك، ولأُضَيِّقَنَّ عليك الأرضَ بما رَحُبَتْ. فعند ذلك خافَ ملكُ الرومِ وانكفَّ، وبعثَ يطلبُ الهُدنَةَ. ثم كان من أمر التحكيمِ ما كان، وكذلك ما بعدَه إلى وقتِ اصطلاحِه مع الحسنِ بنِ عليٍّ كما تقدم، فانعقدتْ الكلمةُ على معاويةَ، وأجمعتْ الرعايا على بيعتِه في سنةِ إحدى وأربعين، فلم يزلْ مستقلًّا بالأمرِ في هذه المدةِ إلى هذه السنةِ التي كانت فيها وفاتُه، والجهادُ في بلادِ العدوِّ قائمٌ، وكلمةُ اللهِ عاليةٌ، والغنائمُ تَرِدُ إليه من أطرافِ الأرضِ، والمسلمون معه في راحةٍ وعدلٍ، وصفحٍ، وعفوٍ (١). ثالثة عشر: ذكر جهود معاوية ﵁ في الجهاد، والفتوحات ؟ ومن ذلك فتح قيسارية على يد معاوية ﵁ سنة ١٩ من الهجرة. (٢) كتب عمرُ ﵁ إلى معاويةَ ﵁ فقال له: أما بعدُ، فقد وَلَّيْتُكَ قيساريةَ، فَسِرْ إليها، واستنصرْ اللهَ عليهم، وأكثرْ من قول لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ العليِّ العظيمِ، اللهُ ربُّنا، وثقتُنا، ورجاؤنا، ومولانا فنِعمَ المولى ونعمَ النصيرُ، فسارَ إليها فحاصرَها وزَاحَفَه أهلُها مراتٍ عديدةً، وكان آحْرُهم وقعةً أن قاتَلوا قتالًا عظيمًا، وصَمَّمَ عليهم معاويةُ ﵁، واجتهدَ في القتال حتى فتحَ اللهُ

стр. 5132

عليه، فما انفصل الحالُ حتى قتلَ منهم نحوًا من ثمانين ألفًا، وكَمَّلَ المائةَ الألفَ من الذين انهزَموا عن المعركةِ، وبَعَثَ بالفتحِ، والأَخْمَاسِ إلى أميرِ المؤمنْين عمرَ ﵁. فتح قبرص سنة ٢٨ من الهجرة. (١) فتحت على يدِ معاويةَ خلالَ خلافةِ عثمانَ ﵄، فقد ركب معاويةُ في جيشٍ كثيفٍ من المسلمين، ومعه عُبادةُ بنُ الصامتِ، وزوجتُه أمُّ حَرَامٍ بنتُ مِلحَانَ، وقد بشَّرَها رسولُ الله ﷺ بتلك الغزوةِ "فقد نام عندَها ﷺ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ الله يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسَرَّةِ أَوْ مِثْلَ المُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ -شَكَّ إِسْحَاقُ- قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهمْ، فَدَعَا لها رَسُولُ الله ﷺ ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحكُ، فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ناسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ الله -كَمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِ- قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلينَ، فَرَكِبَتْ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِيَ سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ (٢). ففتح اللهُ عليهم وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا ثم صالَحَهم معاويةُ على سبعةِ آلافِ دينارٍ كلَّ سنةٍ، وقد ماتت أمُّ حرامٍ ﵂ بقبرصَ شهيدةً؛ فقد وقصتها دابتها. غزو الروم سنة ٣٢ من الهجرة. (٣) غزا معاويةُ ﵁ بلادَ الرومِ حتى بلغَ المضيقَ: مضيقَ القسطنطينيةِ. وهل تعلم عددَ البعوثِ التي خرجت للجهادِ في عهدِ معاوية ﵁ وكم مدينة فتِحَت؟ إليك البيان: سنةَ ٤٢ من الهجرةِ غزا المسلمون اللانَ والرومَ فقَتَلُوا من أمرائِهم وبطارِقَتِهم خلقًا كثيرًا وغَنِمُوا وسَلِمُوا (٤).

стр. 5133

سنة ٤٣ من الهجرة غزا بُسرُ بنُ أَرْطَاةَ بلادَ الرومِ فتوغلَ فيها حتى بلغَ مدينةَ القسطنطينيةِ. (١) سنةَ ٤٤ من الهجرةِ غزا عبدُ الرحمنِ بنُ خالدِ بنِ الوليدِ بلادَ الرومِ ومعه المسلمون وشتوا هنالك، وفيها غزا بُسرُ بنُ أَرْطَاةَ من البحرِ. (٢) وفي سنةِ ٤٥ فُتِحَتْ القيقان. (٣) وفي سنة ٤٧ من الهجرةِ وَجَّهَ زِيَادٌ الحَكَمَ بنَ عمرٍو الغِفارِيَّ إلى خراسانَ أميرًا فغزا جبالَ الغور فقهرهم بالسيفِ عُنْوَةً ففتحها وأصابَ فيها مغانمَ كثيرةً، وسبايا وذلك في قولِ بعضِ أهلِ السيرِ. (٤) سنة ٤٩ هـ غزا يزيدُ بنُ معاويةَ بلادَ الرومِ حتى بلغ قسطنطينيةَ ومعه جماعاتٌ من ساداتِ الصحابةِ منهم ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ، وابنُ الزبيرِ، وأبو أيوبَ الأنصاريُّ، وقد ثبت في صحيحِ البخاريّ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أولُ جيشٍ يغزون مدينةَ قيصرَ مغفورٌ لهم" (٥) فكان هذا الجيشُ أولَ مَن غزاها، وما وصلوا إليها حتى بلغوا الجهدَ، وهذا في قول الطبري ﵀ وفي قول غيرِه أنَّ غزوةَ يزيدَ كانت سنةَ ٥٢ من الهجرةِ وهو الراجحُ. فكان فيها مَشْتَى مالكِ بنِ هُبَيْرَةَ السكوني بأرضِ الرومِ. وفيها كانت غزوةُ فُضَالَةَ بنِ عبيدٍ لجربة وشَتَا بجربةَ وفُتِحَتْ على يديهِ وأصابَ فيها سبيًا كثيرًا. وفيها كانت صائفةُ عبدِ اللهِ بن كرزٍ البَجَليِّ. وفيها كانت غزوةُ يزيدَ بنِ شَجرَةَ الرهاويِّ في البحرِ فشَتَا بأهلِ الشامِ.

стр. 5134

وفيها كانتْ غزوةُ عُقْبَةَ بنِ نافعٍ البحرَ فشَتَا بأهلِ مصرَ. (١) سنة ٥٠ من الهجرةِ افتتحَ عُقْبَةُ بنُ نافعٍ الفهريُّ عن أمرِ معاويةَ بلادَ أفريقيةَ (تونس الآن) واخْتَطَّ القَيْرَوَانَ ... وأسلمَ خلقٌ كثيرٌ من البَرْبَرِ. وعن يحيى بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ حاطبٍ قال: لما افتَتَحَ عُقْبَةُ بنُ نافع إفريقيةَ وقف على القيروانِ فقال: (يا أهلَ الوادي، إنَّا حَالُّونَ -إنْ شاءَ اللهُ- فاظْعَنُوا) ثلاثَ مراتٍ. قال: فما رأينا حَجَرًا ولا شَجَرًا إلا يَخرُجُ من تحتِه دابَّةٌ حتى يهبِطْنَ بطنَ الوادي. ثم قال: انزلوا باسمِ الله. (٢) وفيها غزى مَسْلَمَةُ بنُ مَخْلَدٍ وهو أميرٌ بمصرَ معاويةَ بنَ حديج وَأصاب سبيًا وقَفَلَ سالمًا. (٣) قدم عبد الملك بن مروان فدخل مع معاوية بن حديج إفريقية فبعثه معاوية بن حديج على خيل إلى جلولاء بأرض المغرب فحصر أهلها ونصب عليها المجانيق فكتب إليه معاوية بن حديج أن انصرف فانصرف. وقد كان أوهى الحائط فخر الحائط. فانصرف بالناس راجعين فقتل المقاتلة وسبا الذرية ووجه ابن حديج جيشا فنزلوا على مدينة فسألوه الصلح فصالحهم وانصرف في سنة ٥١ هـ. وفيها قَدِمَ الربيعُ بنُ زيادٍ الحارثيُّ خراسانَ من قِبَلِ زيادٍ فغزا بَلْخًا وكانت أُغْلِقَتْ بعدَ الأحنفِ فصالحَوا الربيعَ ثم غزا الربيعُ قَهَسْتَانَ ففَتَحَهَا عُنْوَةً. (٤) وفي سنة ٥٢ هـ كانت غزوةُ سفيانَ بنَ عوفٍ الأَزْدِيِّ ومَشْتَاه بأرضِ الرومِ وأنَّه تُوُفِّيَ بها واستَخْلَفَ عبدَ الله بنَ مسعدة الفَزَارِيَّ وهذا قولُ الواقديِّ، وقال غيرُه: بل الذي شَتَا بأرضِ الرومِ في هذه السنةِ بالناسِ بُسرُ بنُ أبي أَرطاةَ ومعه سفيانُ بنُ عوفٍ الأَزْديُّ، وغزا الصائفةَ في هذه السنةِ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الثقفيُّ. (٥)

стр. 5135

سنة ٥٣ من الهجرة غزا عبدُ الرحمن بنُ أم الحَكَمِ بلادَ الرومِ وشَتَى هنالك، وفيها افتَتَحَ المسلمون وعليهم جُنَادَةُ بنُ أبي أُمَيةَ جزيرةَ رُودِسَ فأقام بها طائفة من المسلمين كانوا أشد شيءٍ على الكفار، يعترضون لهم في البحر، ويقطعون سبيلَهم، وكان معاويةُ يدر عليهم الأرزاقَ والأُعطِياتِ الجزيلةَ، وكانوا على حذرٍ شديد من الفرنج يبيتون في حصنٍ عظيمٍ عنده فيه حوائجُهم ودوابُّهم وحواصلُهم ولهم نواطيرُ على البحر يُنذِرونهم إن قدِم عدؤ أو كادَهم أحد (١) ... سنة ٥٤ من الهجرةِ كان شَتَى محمدُ بنُ مالكٍ بأرضِ الرومِ وغزا الصائفةَ معنُ بنُ يزيدَ السلميُّ (٢)، وفيها فيما زعم الواقديُّ فَتَحَ جُنَادَةُ بنُ أبي أُمَيَّةَ جزيرةً في البحرِ قريبةً من قسطنطينيةَ يقالُ لها: أروادُ. وذكر محمد بن عمر أنَّ المسلمين أقاموا بها دهرًا فيما يُقال سبع سنين (٣). وفيها غزا عُبَيدُ الله بن زياد خراسان فقطع النهر إلى بخارى، وافتتح زاميرَ ونصف بيكند وهما من بُخارَى (٤). وفي سنة ٥٥ هـ كان مَشتَى سفيانَ بنِ عوفٍ الأَزْدِيِّ بأرض الروم، وقيل: الذي شتى غيرُه (٥). وفيها غزا يزيد بن شجرة الرهاويُّ فقُتِلَ وقال بعضُهم: لم يُقتل في هذا الغزاةِ؛ قُتِلَ بعد ذلك (٦). سنة ٥٦ من الهجرة شتى جُنادةُ بن أبي أمية بأرض الروم، وقيل: عبدُ الرحمن بنُ مسعودٍ، ويقال: فيها غزا في البحر يزيد بن سمرة وفي البر عياضُ بن الحارثِ (٧).

стр. 5136

وفي سنة ٥٧ هـ كان مَشتَى عبد الله بن قيسٍ بأرض الروم (١). وقال خليفةُ: وفيها وجَّه معاويةُ بن أبي سفيان حسانَ بن النعمان الغسانيِّ إلى إفريقيةَ فصالَحَه من يَليه من البربر، ووضع عليها الخراجَ فلم يزلْ عليها حتى ماتَ معاويةُ (٢). سنة ٥٨ هـ فيها غزا مالكُ بن عبد الله الخثعميُّ أرضَ الروم، قال الواقديُّ: وفيها قيل: شَتَى يزيدُ بن شجرة في البحر، وقيل: بل غزا البحرَ وبلادَ الرومِ جُنادةَ بنَ أبى أميةَ، وقيل: إنما شَتَى بأرض الروم عمرو بن يزيد الجهنيُّ، وقيل غيرُ ذلك (٣). وقال خليفةُ: وفي سنة ثمان وخمسين شَتَا عمرو بن مرة البذبذون، وأغار الحصين بن نميرٍ على صائفة الروم (٤). وفي سنة ٥٩ هـ شتى عمرو بن مرة الجهنيُّ في أرض الروم في البر. قاله الواقدي، ولم يكن فيها غزوٌ في البحر، وقال غيره: بل غزا في البحر عامئذٍ جنادة بن أبي أمية (٥). قال خليفة: فيها غزا دينار أبو المهاجر فنزل على قرطاجنة فالتقوا فكثر القتل والجراح في الفريقين، وحجز الليل بينهم وانحاز المسلمون من ليلتهم فنزلوا حبلا في قبلة يونس ثم عاودوهم القتال فصالحَوهم على أنْ يُخلو لهم الجزيرةَ، وانتهى المهاجرُ إلى عيون أبي المهاجر وافتتح ميلة وكان إقامته في هذه الغزاة نحوًا من سنتين (٦). فإذا كان الحال كما ذكرت، والطعن كما قرأت ممن عرفت علم لماذا طعن هؤلاء في هذا الحاكم العادل، والبطل المجاهد، والصحابي الجيل ﵁ إلا لأنه سد الطريق أمام أسلافهم بحلمه، وعدله وأكل فساقهم بقوة جيشه، وحسن طاعتهم له. وننتقل بعد ذلك إلى الشبهات التي وجهت إليه ومن الله نستمد العون.

стр. 5137

المبحث الثاني: رد الشبهات التي أثيرت في حق معاوية ﵁ -. الشبهة الأولى: حول الأحاديث الواردة في ذم ولعن معاوية ﵁ -. حيث وجدوا فيها تعارضًا مع ما ذكرناه سابقًا من فضلٍ له، ومع ما تقرر من عدالة الصحابة ﵃ حيث قالوا: كيف يكون ملعونًا مذمومًا بهذا الشكل، ويُنصَّب ملكًا عليهم؟ إنَّ في هذا دليلًا على تضييع الصحابة لهذا الجزء من الدين، وإذا ضيَّعوا هذا فلا يبعُد أن يكونو كتموا غيره، وفرَّطوا فيه. والجواب إجمالًا: أن هذه الرويات موضوعةٌ لا يصح منها شيء، وبهذا جزم جماعةٌ من الحافظ، منهم: ابن القيم حيث قال: كل حديث في ذم معاوية فهو كذب. (١) وأما تفصيلًا فسرد هذه الروايات يطول، ونحن نذكر منها ما اشتهر عند الطاعنين عليه ﵁ منبهين بذلك على أن هذا باب لم يتكلم فيه النبي ﷺ بشيءِ أصلًا بعد أن ذكرنا أن النبي ﷺ صح عنه عكس ذلك من الثناء على معاوية ﵁. الحديث الأول: "إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه". حيث قالوا: ما دام النبي ﷺ قد قال ذلك القول في معاوية فلماذا صعد على المنبر؟ ولماذا استعمله عمر واستخلف بعد علي ووافق الصحابة على ذلك؟ أليس في هذا دليلٌ على أن الصحابة لم يلتزموا بكلام النبي ﷺ ؟ ثم إن فيه ما يكفي من التجريح لمعاوية ﵁. والجواب عن هذا كله أن الحديث مصنوع موضوعٌ بكل طرقه كما هو مبين في الحاشية (٢)

стр. 5138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5140

الحديث الثاني: عن الحكم بن عمير الثمالي قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه ذات يوم: كيف بك يا أبا بكرٍ إذا وليتَ؟ قال: لا يكون ذلك أبدًا. قال: وكيف بك يا عمر إذا وليتَ؟ قال: حجرًا لقد لقيتُ إذن شرًّا، قال: فكيف بك يا عثمان إذا وليتَ؟ قال: آكل، وأُطعِم، وأقسم، ولا أظلم. قال: فكيف بك يا علي إذا وليت؟ قال: آكل القوت، وأحمي الحمرة، وأقسم الثمرة، وأخفي العورة، قال أما إنكم كلكم سيلي، وسيرى الله أعمالكم. ثم قال: يا معاوية كيف بك إذا وليت حقبا تتخذ السيئة حسنة، والقبيح حسنا يربو فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير أجلك يسير، وظلمك عظيم. (١) الحديث الثالث: عن أبي برزة قال: كنا مع النبي ﷺ فسمع صوت غناء، فقال: انظروا ما هذا؟ فصعِدتُ فنظرت فإذا معاوية، وعمرو بن العاص يتغنيان، فجئتُ فأخبرتُ نبي الله ﷺ فقال: "اللَّهُمَّ أَرْكِسْهُمَا فِي الْفِتْنَةِ رَكْسًا، اللَّهُمَّ دَعِّهِمَا إِلَى النَّارِ دعًّا" (٢).

стр. 5141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5142

الحديث الرابع: يقول: إن الشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة بني أمية! وقد رد ذلك أهل العلم واستغربوه في تفسير الآية لعدم ثبوت الحديث، وتفصيل ذلك في وجهين: الوجه الأول: ذكر الحديث الوارد في ذلك، وبيان بطلانه الوجه الثاني: ذكر التفسير الصحيح للآية من كلام أصحاب النبي ﷺ ومن كلام العلماء. وإليك التفصيل. الوجه الأول: ذكر الأحاديث الواردة في ذلك، وبيان بطلانها ١ - عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، حدثني أبي عن جدي قال: رأى رسول الله ﷺ بني فلان ينزون على منبره نزو القرود فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكًا حتى مات. قال:

стр. 5143

وأنزل الله في ذلك: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ الآية. (١) والجواب أن هذا الحديث موضوع كما هو مبين بالحاشية، ومع ذلك فليس فيه بني أمية، ولا معاوية. ٢ - عن هشام بن محمد الكلبي: أنه كان عند المعتصم في أول أيام المأمون حين قدم المأمون بغداد فذكر قومًا بسوء السيرة فقلت له: أيها الأمير إن الله تعالى أمهلهم فطغوا، وحلم عنهم فبغوا فقال لي: حدثني أبي الرشيد عن جدي المهدي عن أبيه المنصور عن أبيه محمد بن علي عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه أن النبي ﷺ نظر إلى قوم من بني فلان يتبخترون في مشيتهم فعرف الغضب في وجهه ثم قرأ: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ فقيل له: أي الشجرة هي يا رسول الله حتى نجتثها؟ فقال: ليست بشجرة نبات إنما هم بنو فلان إذا ملكوا جاروا، وإذا ائتمنوا خانوا ثم ضرب بيده على ظهر العباس قال فيخرج الله من ظهرك يا عم رجلًا يكون هلاكهم على يديه (٢).

стр. 5144

الوجه الثاني: ذكر التفسير الصحيح للآية من كلام الصحابة، وعلماء الأمة . ١ - عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال: هي رؤيا عين أُريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به إلى بيت المقدس. قال ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ قال: هي شجرة الزقوم. (١) وهذا قول مسروق، والحسن البصري، وأبي مالك، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وإبراهيم، وقتادة، والضحاك، ذكر ذلك كله بأسانيده الطبري ﵀ في تفسير الآية ثم ذكر القول الآخر بأنها الكشوث نبت يتعلق بالأغصان، ولا عرق له في الأرض، ثم قال: وأولى القولين في ذلك بالصواب عندنا قول من قال: عنى بها شجرة الزقوم، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك (٢) وبهذا قال ابن كثير ثم قال: وقد قيل: المراد بالشجرة الملعونة: بنوامية. وهو غريب ضعيف. ومعنى الآية: إنما أخبرناك يا محمد بشجرة الزقوم اختبارا تختبر به الناس، من يصدق منهم ممن يكذب (٣).

стр. 5145

اما القرطبي فساق أثر ابن عباسٍ في تفسير الآية، ثم قال: وبقول ابن عباسٍ قالت عائشة، ومعاوية، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وابن أبي نجيح، وابن زيد. ثم قال: وقال ابن عباس: هذه الشجرة بنو أمية، وإن النبي ﷺ نفى الحكم. وهذا قول ضعيفٌ محدَثٌ، والسورة مكيةٌ، فيبعد هذا التأويل، إلا أن تكون هذه الآية مدنيةً، ولم يثبت ذلك. اهـ (١) وقال الآلوسي: والمعمول عليه عند الجمهور روايةُ الصحيح عن الحَبْرِ، ولا يخفى أن تفسير الآية بما ذكر غير ظاهر الملاءمة للسياق. (٢) وقال الشوكاني: قال جمهور المفسرين: وهي شجرة الزقوم، والمراد بلعنها: لعن آكلها كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٤]. (٣) أما الطاهر بن عاشور -رحمه الله تعالى- فأحسن وأجاد حيث فسر الآية بمثل قول الجمهور ثم قال: ويوجد في بعض التفاسير أن ابن عباسٍ ﵁ قال: في الشجرة الملعونة بنو أمية. وهذا من الأخبار المختلقة عن ابن عباسٍ ﵁، ولا إخالها إلا مما وضعه الوضَّاعون في زمن الدعوة العباسية لإكثار المنفِّرات من بني أمية، وأن وصف الشجرة بأنها الملعونة في القرآن صريحٌ في وجود آياتٍ في القرآن ذُكِرَتْ فيها شجرةٌ ملعونةٌ وهي شجرة الزقوم كما علمتَ. ومثل هذا الاختلاق خروجٌ عن وصايا القرآن في قوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١].اهـ وبهذا التحقيق الذي ذكرنا تعلم أن قول من قال: إن الرؤيا التي أراه الله إياها هي رؤياه في المنام بني أمية على منبره، وإن المراد بالشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية لا يُعوَّل عليه. إذ لا

стр. 5146

أساس له من الصحة. والحديث الوارد بذلك ضعيفٌ لا تقوم به حجةٌ. وإنما وصف الشجرة باللعن لأنها في أصل النار، وأصل النار بعيدٌ من رحمة الله. واللعن: الإبعاد عن رحمة الله، أو لخبث صفاتها التي وُصِفَت بها في القرآن، أو للعن الذين يطعمونها. والعلم عند الله تعالى (١). وقال ابن حجر ﵀: قوله: (والشجرة الملعونة في القرآن، قال: شجرة الزقوم). هذا هو الصحيح، وذكره ابن أبي حاتم عن بضعةَ عشرَ نفسًا من التابعين، ثم روى من حديث عبد الله بن عمرٍو أن الشجرة الملعونة الحكم بن أبي العاص وولده وإسناده ضعيفٌ، وأما الزقوم فقال أبو حنيفة الدينوري في (كتاب النبات): الزقوم شجرةٌ غبراءُ تنبت في السهل، صغيرة الورق مدورته، لا شوك لها، زفرة مُرةٌ ولها نَورٌ أبيضُ ضعيفٌ تجرسه النحل ورءوسها قباحٌ جدًّا. وقال السهيلي: الزقوم فعولٌ من الزقم وهو اللقم الشديد، وفي لغةٍ تميميةٍ: كل طعامٍ يُتَقَيَّاُ منه يقال له زقومٌ، وقيل: هو كل طعامٍ ثقيلٍ. (٢) الحديث الخامس: أن النبي ﷺ رأى أبا سفيان مقبلًا على حمارٍ، ومعاوية يقود به، ويزيد ابنه -ابن أبي سفيان- يسوق به فقال: "لعن الله القائد والراكب والسائق". والجواب أن هذا حديث موضوعٌ، ولا أصل له. (٣)

стр. 5147

طريق آخر للحديث: عن علي بن الأقمر قال: وفدنا على معاوية، وقضينا حوائجنا ثم قلنا: لو مررنا برجلٍ قد شهد رسول الله ﷺ ، وعاينه. فأتينا عبد الله بن عمر فقلنا: يا صاحب رسول الله ﷺ ، حدثنا ما شهدت، ورأيت. قال: إن هذا أرسل إليَّ -يعني معاوية- فقال: لئن بلغني أنك تحدث لأضربن عنقك. فجثوت على ركبتي بين يديه ثم قلت: وددت أن حدَّ سيف في جندك على عنقي. فقال: والله ما كنت لأقاتلك، ولا أقتلك، وايم الله ما يمنعني أن أحدثكم ما سمعت رسول الله ﷺ قال فيه. رأيت رسول الله ﷺ أرسل إليه يدعوه -وكان يكتب بين يديه- فجاء الرسول ﷺ فقال: هو يأكل. فقال: لا أشبع الله بطنه، فهل ترونه يشبع؟ قال: وخرج من فجٍّ فنظر رسول الله ﷺ إلى أبي سفيان، وهو راكبٌ، ومعاوية، وأخوه، أحدهما قائدٌ، والآخرُ سائقٌ، فلما نظر إليهم رسول الله ﷺ قال: "اللهم العن القائد والسائق والراكب" قلنا: أنت سمعت رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، وإلا فصمتا أذناي، كما عميتا عيناي. (١) والجواب عليه من وجوه:

стр. 5148

الوجه الأول: هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ولا يوجد في شيءٍ من دواوين الحديث التي يُرجَع إليها في معرفة الحديث، ولا له إسنادٌ معروفٌ، وهذا المُحْتَجُّ به لم يذكر له إسنادًا، وعليه فإن الاحتجاج بهذا الحديث لا يجوز. الوجه الثاني: أنَ من الجهل أن يُروَى مثل هذا عن عبدِ الله بن عمرَ، وعبدُ الله بن عمرَ كان من أبعد الناس عن ثلب الصحابة ﵃، وأروى الناس لمناقبهم، وقولُه في مدح معاويةَ معروف ثابت عنه حيث يقول: ما رأيت بعد رسول الله ﷺ أسودَ من معاوية، قيل له: ولا أبو بكرٍ وعمرَ! فقال: كان أبو بكرٍ وعمرُ خيرًا من معاويةَ، وما رأيتُ بعد رسول الله ﷺ أسود منه. قال أحمد بن حنبل: السيد الحليم -يعني معاوية-، وكان معاوية كريمًا حليمًا. (١) الوجه الثالث: ثم إن خُطَبَ النبي ﷺ لم تكن واحدةً، بل كان يخطب في الجُمَع، والأعياد، والحج، وغير ذلك، ومعاوية، وأبوه يشهدان الخطب كما يشهدها المسلمون كلُّهم، أَفَتَراهما في كل خطبةٍ كانا يقومان، ويُمَكَّنَان من ذلك؟ هذا قدح في النبي ﷺ وفي سائر المسلمين إذ يُمَكِّنون اثنين دائمًا يقومان، ولا يحضران الخطبة، ولا الجمعة، وإن كانا يشهدان كل خطبة فما بالهما يمتنعان من سماع خطبةٍ واحدة قبل أن يتكلم بها. الوجه الرابع: من المعلوم من سيرة معاوية ﵁ أنه كان من أحلم الناس، وأصبرهم على من يؤذيه، وأعظم الناس تأليفًا لمن يعاديه فكيف ينفر عن رسول الله ﷺ مع أنه- أي رسول الله ﷺ أعظمُ الخلق مرتبةً في الدين، والدنيا، وهو محتاج إليه في كل أموره، فكيف لا يصبر على سماع كلامه وهو بعد الملك كان يسمع كلام من يسبه في وجهه! ! فلماذا لا يسمع كلام النبي ﷺ ؟ وكيف يتخذ النبي ﷺ كاتبًا من هذه حالُه؟ الوجه الخامس: أنَّ قولَه: إنه أخذ بيد ابنه يزيد، فيزيدُ وُلدَ في خلافة عثمان ﵁ باتفاق أهل العلم، ولم يكن لمعاوية ﵁ ولدٌ على عهد رسول الله ﷺ . قال الحافظ أبو الفضل بن

стр. 5149

ناصر: خطب معاوية ﵁ في زمن رسول الله ﷺ فلم يُزَوَّجْ لأنه كان فقيرًا، وإنما تزوج في زمن عمر ﵁، ووُلدَ له يرْيدُ في زمن عثمان بن عفان ﵁ سنة سبعٍ وعشرين من الهجرة. (١) الحديث الخامس: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن تابوت معاوية في النار فوق تابوت فرعون، وذلك بأن فرعون قال: (أنا ربكم الأعلى). (٢) الحديث السادس: عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ فسمعتُه يقول: "يطلُعُ عليكم من هذا الفجِّ رجلٌ يموتُ حين يموتُ، وهو على غير سنتي، فشق علي ذلك، وتركت أبي يلبس ثيابه، ويجيء، فطلع معاوية. (٣) وهذا، والذي قبله مع أنه من طريق نصر بن مزاحم فهو مخالف لما صح عن عبد الله بن عمر بيَّنَّاه في فضائله. الشبهة الثانية: قتل محمد بن أبي بكر الصديق، وإحراقه بالنار في جيفة حمار وشماتةُ أخته أم حبيبة في عائشة بسبب ذلك ورد عائشة عليها بقولها يا ابنة العاهرة . وذلك باطل وبيانه من وجوه: الوجه الأول: إيراد روايات القصة، وبيان ما فيها من ضعف . الرواية الأولى: عن يزيد بن أبي حبيب قال: بعث معاويةُ عمرو بن العاص، في سنة ثمان وثلاثين إلى مصر، ومعه أهل دمشق، عليهم يزيد بن أسد البجلي، وعلى أهل فلسطين رجل من خثعم، ومعاوية بن حديج على الخارجة، وأبو الأعور السلمي على أهل الأردن، فساروا حتى قدموا مصر، فاقتتلوا بالمسناة، وعلى أهل مصر محمد بن أبي بكر، فهُزِمَ أهلُ مصرَ بعد قتل شديد في الفريقين جميعًا. قال عمرو: وشهدتُ أربعةً وعشرين زحفًا، فلم أر يومًا كيوم المسناة، ولم أر الأبطال إلا يومئذٍ. فلما هُزِمَ أهل مصر، تغيب محمد بن أبي بكر.

стр. 5150

فأخبر معاوية بن حديج بمكانه، فمشى إليه فقتله، وقال: يُقتل كنانة بن بشر، ويترك محمد بن أبي بكر؟ وإنما أمرهما واحد. ثم أمر به معاوية بن حديج فجُرَّ فمُرَّ به على دار عمرو بن العاص، لما يعلم من كراهيته لقتله، ثم أمر به بجادًا التجيبي فأحرقه في جيفة حمار. (١) والجواب عن هذه الرواية: أن إسنادها ضعيفٌ مرسلٌ، وبيان ذلك في الحاشية. الرواية الثانية: عن عبد الكريم بن الحارث قال: ولما أجمع علي، ومعاوية على الحكمين أغفل عليٌّ أن يشترط على معاوية أن لا يقاتل أهل مصر، فلما انصرف عليٌّ إلى العراق، بعث معاوية عمرو بن العاص في جيوش أهل الشام، ومصر، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقال عمرو: وشهدت ثمانية عشر زحفًا براكاء، فلم أر يومًا مثل المسناة. ثم انهزم أهل مصر، فدخل عمرو بأهل الشام الفسطاط، وتغيب محمد بن أبي بكر في غافق، فآواه رجل منهم، فأقبل معاوية بن حديج في رهط ممن يعنيه على من كان مشى في عثمان، فطلب ابن أبي بكر، فوجدت أخت الرجل الغافقي الذي كان آواه كانت ضعيفة العقل؛ فقالت: أي تلتمسون ابن أبي بكر؟ أدلكم عليه، ولا تقتلون أخي؟ فدلتهم عليه، فقال: احفظوني في أبي بكر، فقال معاوية بن حديج: قتلتَ من قومي ثمانين رجلًا في عثمان وأتركك، وأنت صاحبه؟ فقتله ثم جعله في جيفة حمار ميت، فأحرقه بالنار) (٢).
следующие страницы →