أساس له من الصحة. والحديث الوارد بذلك ضعيفٌ لا تقوم به حجةٌ. وإنما وصف الشجرة باللعن لأنها في أصل النار، وأصل النار بعيدٌ من رحمة الله. واللعن: الإبعاد عن رحمة الله، أو لخبث صفاتها التي وُصِفَت بها في القرآن، أو للعن الذين يطعمونها. والعلم عند الله تعالى (١).
وقال ابن حجر ﵀: قوله: (والشجرة الملعونة في القرآن، قال: شجرة الزقوم).
هذا هو الصحيح، وذكره ابن أبي حاتم عن بضعةَ عشرَ نفسًا من التابعين، ثم روى من حديث عبد الله بن عمرٍو أن الشجرة الملعونة الحكم بن أبي العاص وولده وإسناده ضعيفٌ، وأما الزقوم فقال أبو حنيفة الدينوري في (كتاب النبات): الزقوم شجرةٌ غبراءُ تنبت في السهل، صغيرة الورق مدورته، لا شوك لها، زفرة مُرةٌ ولها نَورٌ أبيضُ ضعيفٌ تجرسه النحل ورءوسها قباحٌ جدًّا. وقال السهيلي: الزقوم فعولٌ من الزقم وهو اللقم الشديد، وفي لغةٍ تميميةٍ: كل طعامٍ يُتَقَيَّاُ منه يقال له زقومٌ، وقيل: هو كل طعامٍ ثقيلٍ. (٢)
الحديث الخامس: أن النبي ﷺ رأى أبا سفيان مقبلًا على حمارٍ، ومعاوية يقود به، ويزيد ابنه -ابن أبي سفيان- يسوق به فقال: "لعن الله القائد والراكب والسائق".
والجواب أن هذا حديث موضوعٌ، ولا أصل له. (٣)
стр. 5147
طريق آخر للحديث: عن علي بن الأقمر قال: وفدنا على معاوية، وقضينا حوائجنا ثم قلنا: لو مررنا برجلٍ قد شهد رسول الله ﷺ ، وعاينه. فأتينا عبد الله بن عمر فقلنا: يا صاحب رسول الله ﷺ ، حدثنا ما شهدت، ورأيت. قال: إن هذا أرسل إليَّ -يعني معاوية- فقال: لئن بلغني أنك تحدث لأضربن عنقك. فجثوت على ركبتي بين يديه ثم قلت: وددت أن حدَّ سيف في جندك على عنقي.
فقال: والله ما كنت لأقاتلك، ولا أقتلك، وايم الله ما يمنعني أن أحدثكم ما سمعت رسول الله ﷺ قال فيه. رأيت رسول الله ﷺ أرسل إليه يدعوه -وكان يكتب بين يديه- فجاء الرسول ﷺ فقال: هو يأكل. فقال: لا أشبع الله بطنه، فهل ترونه يشبع؟ قال: وخرج من فجٍّ فنظر رسول الله ﷺ إلى أبي سفيان، وهو راكبٌ، ومعاوية، وأخوه، أحدهما قائدٌ، والآخرُ سائقٌ، فلما نظر إليهم رسول الله ﷺ قال: "اللهم العن القائد والسائق والراكب" قلنا: أنت سمعت رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، وإلا فصمتا أذناي، كما عميتا عيناي. (١)
والجواب عليه من وجوه:
стр. 5148
الوجه الأول: هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ولا يوجد في شيءٍ من دواوين الحديث التي يُرجَع إليها في معرفة الحديث، ولا له إسنادٌ معروفٌ، وهذا المُحْتَجُّ به لم يذكر له إسنادًا، وعليه فإن الاحتجاج بهذا الحديث لا يجوز.
الوجه الثاني: أنَ من الجهل أن يُروَى مثل هذا عن عبدِ الله بن عمرَ، وعبدُ الله بن عمرَ كان من أبعد الناس عن ثلب الصحابة ﵃، وأروى الناس لمناقبهم، وقولُه في مدح معاويةَ معروف ثابت عنه حيث يقول: ما رأيت بعد رسول الله ﷺ أسودَ من معاوية، قيل له: ولا أبو بكرٍ وعمرَ! فقال: كان أبو بكرٍ وعمرُ خيرًا من معاويةَ، وما رأيتُ بعد رسول الله ﷺ أسود منه.
قال أحمد بن حنبل: السيد الحليم -يعني معاوية-، وكان معاوية كريمًا حليمًا. (١)
الوجه الثالث: ثم إن خُطَبَ النبي ﷺ لم تكن واحدةً، بل كان يخطب في الجُمَع، والأعياد، والحج، وغير ذلك، ومعاوية، وأبوه يشهدان الخطب كما يشهدها المسلمون كلُّهم، أَفَتَراهما في كل خطبةٍ كانا يقومان، ويُمَكَّنَان من ذلك؟ هذا قدح في النبي ﷺ وفي سائر المسلمين إذ يُمَكِّنون اثنين دائمًا يقومان، ولا يحضران الخطبة، ولا الجمعة، وإن كانا يشهدان كل خطبة فما بالهما يمتنعان من سماع خطبةٍ واحدة قبل أن يتكلم بها.
الوجه الرابع: من المعلوم من سيرة معاوية ﵁ أنه كان من أحلم الناس، وأصبرهم على من يؤذيه، وأعظم الناس تأليفًا لمن يعاديه فكيف ينفر عن رسول الله ﷺ مع أنه- أي رسول الله ﷺ أعظمُ الخلق مرتبةً في الدين، والدنيا، وهو محتاج إليه في كل أموره، فكيف لا يصبر على سماع كلامه وهو بعد الملك كان يسمع كلام من يسبه في وجهه! ! فلماذا لا يسمع كلام النبي ﷺ ؟ وكيف يتخذ النبي ﷺ كاتبًا من هذه حالُه؟
الوجه الخامس: أنَّ قولَه: إنه أخذ بيد ابنه يزيد، فيزيدُ وُلدَ في خلافة عثمان ﵁ باتفاق أهل العلم، ولم يكن لمعاوية ﵁ ولدٌ على عهد رسول الله ﷺ . قال الحافظ أبو الفضل بن
стр. 5149
ناصر: خطب معاوية ﵁ في زمن رسول الله ﷺ فلم يُزَوَّجْ لأنه كان فقيرًا، وإنما تزوج في زمن عمر ﵁، ووُلدَ له يرْيدُ في زمن عثمان بن عفان ﵁ سنة سبعٍ وعشرين من الهجرة. (١)
الحديث الخامس: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن تابوت معاوية في النار فوق تابوت فرعون، وذلك بأن فرعون قال: (أنا ربكم الأعلى). (٢)
الحديث السادس: عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ فسمعتُه يقول: "يطلُعُ عليكم من هذا الفجِّ رجلٌ يموتُ حين يموتُ، وهو على غير سنتي، فشق علي ذلك، وتركت أبي يلبس ثيابه، ويجيء، فطلع معاوية. (٣) وهذا، والذي قبله مع أنه من طريق نصر بن مزاحم فهو مخالف لما صح عن عبد الله بن عمر بيَّنَّاه في فضائله.
الشبهة الثانية: قتل محمد بن أبي بكر الصديق، وإحراقه بالنار في جيفة حمار وشماتةُ أخته أم حبيبة في عائشة بسبب ذلك ورد عائشة عليها بقولها يا ابنة العاهرة .
وذلك باطل وبيانه من وجوه:
الوجه الأول: إيراد روايات القصة، وبيان ما فيها من ضعف .
الرواية الأولى: عن يزيد بن أبي حبيب قال: بعث معاويةُ عمرو بن العاص، في سنة ثمان وثلاثين إلى مصر، ومعه أهل دمشق، عليهم يزيد بن أسد البجلي، وعلى أهل فلسطين رجل من خثعم، ومعاوية بن حديج على الخارجة، وأبو الأعور السلمي على أهل الأردن، فساروا حتى قدموا مصر، فاقتتلوا بالمسناة، وعلى أهل مصر محمد بن أبي بكر، فهُزِمَ أهلُ مصرَ بعد قتل شديد في الفريقين جميعًا. قال عمرو: وشهدتُ أربعةً وعشرين زحفًا، فلم أر يومًا كيوم المسناة، ولم أر الأبطال إلا يومئذٍ. فلما هُزِمَ أهل مصر، تغيب محمد بن أبي بكر.
стр. 5150
فأخبر معاوية بن حديج بمكانه، فمشى إليه فقتله، وقال: يُقتل كنانة بن بشر، ويترك محمد بن أبي بكر؟ وإنما أمرهما واحد. ثم أمر به معاوية بن حديج فجُرَّ فمُرَّ به على دار عمرو بن العاص، لما يعلم من كراهيته لقتله، ثم أمر به بجادًا التجيبي فأحرقه في جيفة حمار. (١)
والجواب عن هذه الرواية: أن إسنادها ضعيفٌ مرسلٌ، وبيان ذلك في الحاشية.
الرواية الثانية: عن عبد الكريم بن الحارث قال: ولما أجمع علي، ومعاوية على الحكمين أغفل عليٌّ أن يشترط على معاوية أن لا يقاتل أهل مصر، فلما انصرف عليٌّ إلى العراق، بعث معاوية عمرو بن العاص في جيوش أهل الشام، ومصر، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقال عمرو: وشهدت ثمانية عشر زحفًا براكاء، فلم أر يومًا مثل المسناة. ثم انهزم أهل مصر، فدخل عمرو بأهل الشام الفسطاط، وتغيب محمد بن أبي بكر في غافق، فآواه رجل منهم، فأقبل معاوية بن حديج في رهط ممن يعنيه على من كان مشى في عثمان، فطلب ابن أبي بكر، فوجدت أخت الرجل الغافقي الذي كان آواه كانت ضعيفة العقل؛ فقالت: أي تلتمسون ابن أبي بكر؟ أدلكم عليه، ولا تقتلون أخي؟ فدلتهم عليه، فقال: احفظوني في أبي بكر، فقال معاوية بن حديج: قتلتَ من قومي ثمانين رجلًا في عثمان وأتركك، وأنت صاحبه؟ فقتله ثم جعله في جيفة حمار ميت، فأحرقه بالنار) (٢).
стр. 5151
الرواية الثالثة: عن عبد الملك بن نوفل، عن أبيه قال: ما أكلت عائشة شواء بعد محمد حتى لحقت بالله (١).
الرواية الرابعة: عن شيخ من أهل المدينة قال في سياق القصة: ووثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص، وكان في جنده فقال: أتقتل أخي صبرًا، ابعث إلى معاوية بن حديج فانهه، فبعث إليه عمرو بن العاص يأمره أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر، فقال معاوية: أكذاك قتلتم كنانة بن بشر، وأخلي أنا عن محمد بن أبي بكر؟ هيهات أكفارُكم خيرٌ من أولئكم أم لكم براءةٌ في الزبر؟ فقال لهم محمد: اسقوني من الماء، قال له معاوية بن حديج: لا سقاه الله إن سقاك قطرةً أبدًا، إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائمًا مُحرِمًا فتلقاه الله بالرحيق المختوم. والله لأقتلنك يابن أبي بكر فيسقيك الله الحميم والغساق، قال له محمد:
يا ابن اليهوديةِ النساجةِ ليس ذلك إليك، وإلى من ذكرتَ، إنما ذلك إلى الله يسقي أولياءه، ويظميء أعداءه، أنت وضرباؤك ومن تولاه، أما والله لو كان سيفي في يدي ما بلغتم مني هذا، قال له معاوية: أتدري ما أصنع بك؟ أدخلك في جوف حمار، ثم أحرقه عليك بالنار، فقال له محمد: إن فعلتم بي ذلك فطالما فُعِلَ ذلك بأولياء الله، وإني لأرجو هذه النار التي تحرقني بها أن يجعلها الله علي بردًا وسلامًا كما جعلها على خليله إبراهيم، وأن يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمروذ وأوليائه، إن الله يحرقك، ومن ذكرته قبل، وإمامك -يعني معاوية- وهذا- وأشار إلى عمرو بن العاص -بنار تلظى عليكم كلما خبت زادها الله سعيرًا، قال له معاوية: إني إنما أقتلك بعثمان، قال له محمد: وما
стр. 5152
أنت، وعثمان؟ إن عثمان عمل بالجور، ونبذ حكم القرآن، وقد قال الله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون؛ فنقمنا ذلك عليه فقتلناه، وحسَّنْتَ أنت له ذلك ونظراؤك، فقد برأنا الله إن شاء الله من ذنبه، وأنت شريكه في إثمه، وعظم ذنبه، وجاعلك على مثاله، قال: فغضب معاوية فقدمه، فقتله، ثم ألقاه في جيفي حمار، ثم أحرقه بالنار. فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعًا شديدًا وقنتت عليه في دبر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو، ثم قبضت عيال محمد إليها، فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر في عيالها. (١)
والجواب عن هذه الرواية من وجهين
الأول: أنها باطلة من جهة الإسناد.
الثاني: أنه قد صح عن عائشة في شأن معاوية في حديج خلاف هذا.
وهو حديث عبد الرحمن بن شماسة قال: أتيت عائشة أسألها عن شيءٍ فقالت ممن أنت؟ فقلت: رجل من أهل مصر، فقالت: كيف كان صاحبكم -ابن حديج- لكم في غزاتكم هذه؟ فقال: ما نقمنا منه شيئًا؛ إن كان ليموت للرجل منا البعير فيعطيه البعير، والعبد فيعطيه العبد، ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة. فقالت: أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر أخي أن أخبرك ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به". (٢)
الوجه الثاني: أن معاوية أمر بقتاله، ولم يأمر بقتله، ولكنه أحبه، وكذلك فعل أنصاره لاشتراكه في الخروج على عثمان .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وكتب عمرو بن العاص إلى محمد بن أبي بكر:
أما بعد: فتنح فإني لا أحب أن يصيبك مني ظَفَرٌ فإن الناس قد اجتمعوا بهذه البلاد على خلافك، ورفض أمرك، وندموا على اتباعك فهم مسلموك، لو قد التقت حلقتا البطان
стр. 5153
فاخرج منها فإني لك لمن الناصحين، والسلام. وبعث إليه عمروٌ أيضًا بكتاب معاوية إليه أما بعد: فإن غب البغي، والظلم عظيم الوبال، وإن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا والتبعة الموبقة في الآخرة، وإنا لا نعلم أحدًا كان أشد خلافًا على عثمان منك حين تطعن بمشاقصك بين حشاشته وأوداجه، ثم إنك تظن أني عنك نائم، أو ناس ذلك لك حتى تأتي فتأمر على بلاد أنت بها جاري، وجل أهلها أنصاري، وقد بعثت إليك قومًا حناقا عليك يستسقون دمك، ويتقربون إلى الله بجهادك، وقد أعطوا الله عهدًا ليمثلن بك ولو لم يكن منهم إليك ما عدا قتلك ما حذرتك، ولا أنذرتك، ولأحببت أن يقتلوك بظلمك، وقطيعتك، وعدوك على عثمان يوم تطعن بمشاقصك بين حشائشه وأوداجه، ولكن أكره أن أمثل بقرشي، ولن يسلمك الله من القصاص أبدًا أينما كنت، والسلام (١).
ولنفس هذا السبب قتله معاوية بن حديج لما ظفربه: فإنه لما هُزِمَ، وفر عنه أصحابه رجع يمشي، فرأى خربة فأوى إليها، ودخل عمرو بن العاص فسطاط مصر، وذهب معاوية بن حديج في طلب محمد بن أبي بكر، فمر بعلوجٍ في الطريق، فقال لهم: هل مر بكم أحد تستنكرونه؟ قالوا: لا، فقال رجل منهم: إني رأيتُ رجلًا جالسًا في هذه الخربة، فقال: هو هو وربِّ الكعبة، فدخلوا عليه فاستخرجوه منها -وقد كاد يموت عطشًا- فانطلق أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص وكان قد قدم معه إلى مصر فقال: أيُقتَلُ أخي صبرًا؟ فبعث عمرو بن العاص إلى معاوية بن حديج أن يأتيه بمحمد بن أبي بكر، ولا يقتله، فقال معاوية: كلا والله، أيقتلون كنانةَ بنَ بشرٍ، وأترك محمد بن أبي بكر، وقد
стр. 5154
كان ممن قتل عثمان، وقد سألهم عثمان الماء، وقد سألهم محمد بن أبي بكر أن يسقوه شربة من الماء، فقال معاوية: لا سقاني الله إن سقيتك قطرةً من الماء أبدًا؛ إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائمًا محرمًا، فتلقاه الله بالرحيق المختوم. (١)
ففي هذه الرواية فائدتان هامتان:
الأولى: أن معاوية وعده بالقصاص لأنه يرى أنه من قتلة عثمان، وأن معاوية بن حديج قتله وأجهز عليه لنفس السبب.
الثانية: أن عمْرًا بعث لمعاوية بن حديج أن لا يقتل محمد بن أبي بكر، وأن يبعث به إليه، ولكنه قتله. وبهذا يبرأ معاوية بن أبي سفيان من تهمة قتله لمحمد بن أبي بكر.
الوجه الثالث: أن الذي قتله، وأحرقه بالنار في هذه الروايات معاوية بن حديج وليس معاوية بن أبي سفيان، وهذا خطأ لا يقره الدين الإسلامي -لو صح- ولكنه لا يصح؛ لعدم ثبوت الإسناد كما سبق، ولورود ما هو أقوى مما يخالفه، وهو:
الوجه الرابع: عن عمرو بن دينار قال: أتي عمرو بن العاص بمحمد بن أبي بكر أسيرًا فقال: هل معك عهد؟ هل معك عقد من أحد؟ قال: لا فأمر به فقتل. (٢)
الوجه الخامس: أن هذا القتل وقع أثناء الحرب التي كانت بين فريقين من المسلمين وهذا أمر قدره الله تعالى وقد كان كل من الفريقين مجتهدًا متأولًا وقد سبق بيان ذلك والله أعلم.
стр. 5155
وخلاصة الجواب عن هذه الشبهة أن معاوية بن أبي سفيان لم يقتل محمد بن أبي بكر، ولم يُمَثِّل به، وإنما قتله من قتله لأنه كان متهمًا عنده بدم عثمان، وقد قامت كل هذه الحروب لأجل القصاص من قتلة عثمان فلذلك قتلوه، وما نُسِبَ إلى عائشة كذب بيِّن.
الشبهة الثالثة: قتل معاوية لحُجْر بن عدي .
وذكروا فيه أن معاوية أمر بسب علي ﵁ على المنابر، واعترض على ذلك حُجْرُ بن عدي، ولم يسب عليًّا، وأن حجر بن عدي أنكر على زياد بن أبيه إطالة الخطبة فبعث به إلى معاوية فقتله لهذين الأمرين.
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: بطلان أمر معاوية بسب علي على المنابر الذي جعلوه سببًا لاعتراض حجر بن عدي
وذلك عن طريق إيراد هذه الرواية بطولها؛ ليبدوَ ما في متنها من التعارض والنكارة، ثم الحكم عليها من جهة الإسناد.
عن أبي مخنفٍ قال: حدثنا خالد بن قطن، عن المجالد بن سعيد الهمداني، والصقعب بن زهير، وفضيل بن خديج، والحسن بن عقبة المرادي، وقد قال كلٌّ: قد حدثني بعضَ هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث حجر بن عدي الكندي وأصحابه.
بداية القصة: إن معاوية بن أبي سفيان لما ولَّى المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادى سنة إحدى وأربعين دعاه فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فإني قد أردت إيصاءك بأشياء كثيرةٍ فأنا تاركها اعتمادًا على بصرك بما يرضيني، ويسعد سلطاني ويصلح به رعيتي، ولست تاركًا إيصاءك بخصلة: لا تتحم عن شتم علي وذمه، والترحم على عثمان، والاستغفار له، والعيب على أصحاب علي، والإقصاء لهم، وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان- رضوان الله عليه- والإدناء لهم، والاستماع منهم، فقال المغيرة: قد جربت وجربت وعملت قبلك لغيرك فلم يذمم بي دفع، ولا رفع، ولا وضع فستبلوا فتحمد أو تذم، قال: بل نحمد إن شاء الله.
стр. 5156
استنكاره ذم علي بن أبي طالب ﵁ -: أن المغيرة بن شعبة لما ولي الكوفة كان يقوم على المنبر فيذم علي بن أبي طالب وشيعته، وينال منهم، ويلعن قتلة عثمان، ويستغفر لعثمان ويزكيه، فيقوم حجر بن عدي فيقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]، وإني أشهد أن من تذمون أحق بالفضل ممن تطرون، ومن تزكون أحق بالذم ممن تعيبون. (١)
والمغيرة بن شعبة يحذره، فيقول له المغيرة: يا حجر، ويحك! اكفف من هذا، واتق غضبة السلطان وسطوته، فإنها كثيرًا ما تقتل مثلك، ثم يكف عنه.
فلم يزل كذلك حتى كان المغيرة يومًا في آخر أيامه يخطب على المنبر، فنال من علي بن أبي طالب ولعنه، ولعن شيعته (٢)، فوثب حجر فنعر نعرة أسمعت كل من كان في المسجد وخارجه، فقال له: إنك لا تدري أيها الإنسان بمن تولع، أو هرمت! مر لنا بأعطياتنا وأرزاقنا؛ فإنك قد حبستها عنا، ولم يكن ذلك لك ولا لمن كان قبلك، وقد أصبحت مولَعًا بذم أمير المؤمنين وتقريظ المجرمين، استجابةً لصرخة الثائر. فقام معه أكثر من ثلاثين رجلًا يقولون: صدق والله حجر! مر لنا بأعطياتنا؛ فإنا لا ننتفع بقولك هذا، ولا يجدي علينا، وأكثروا في ذلك.
стр. 5157
وأخذ قوم المغيرة يلومونه في احتماله إياه فنزل المغيرة ودخل القصر، فاستأذن عليه قومه، ودخلوا ولاموه في احتماله حجرًا، فقال لهم: إني قد قتلته. قالوا: وكيف ذلك؟ قال: إنه سيأتي أميرٌ بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيهًا بما ترونه، فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شر قتلة. إنه قد اقترب أجلي، وضعف عملي، وما أحب أن أبتدىء أهل هذا المصر بقتل خيارهم وسفك دمائهم، فيسعدوا بذلك وأشقى، ويعز معاوية في الدنيا ويذل المغيرة في الآخرة، سيذكرونني لو قد جربوا العمال.
قال عثمان بن عقبة: فسمعت شيخًا من الحي يقول: قد والله جربناهم فوجدناه خيرهم، أحمدهم للبريء، وأغفرهم للمسيء وأقبلهم للعذر، ثم هلك المغيرة سنة خمسين، فجمعت الكوفة والبصرة لزياد، فدخلها، ووجه إلى حجر فجاءه، وكان له قبل ذلك صديقًا، فقال له: قد بلغني ما كنت تفعله بالمغيرة فيحتمله منك، وإني والله لا أحتملك على مثل ذلك أبدًا، أرأيت ما كنت تعرفني به من حب علي ووده، فإن الله قد سلخه من صدري فصيره بغضًا وعداوةً، وما كنت تعرفني به من بغض معاوية وعداوته فإن الله قد سلخه من صدري وحوله حبًا ومودةً (١)، وإني أخوك الذي تعهد، إذا أتيتني وأنا جالس للناس فاجلس معي على مجلسي، وإذا أتيت ولم أجلس للناس فاجلس حتى أخرج إليك، ولك عندي في كل يوم حاجتان: حاجة غدوة، وحاجة عشية، إنك إن تستقم تسلم لك دنياك ودينك، وإن تأخذ يمينًا وشمالًا تهلك نفسك وتشط عندي دمك، إني لا أحب التنكيل قبل التقدمة، ولا آخذ بغير حجة، اللهم اشهد. فقال حجر: لن يرى الأمير مني
стр. 5158
إلا ما يحب، وقد نصح، وأنا قابل نصيحته (١).
ثم خرج من عنده، فكان يتقيه ويهابه، وكان زياد يدنيه ويكرمه ويفضله، والشيعة تختلف إلى حجر وتسمع منه زياد ينذره قبل خروجه إلى البصرة، وكان زياد يشتو بالبصرة، ويصيف بالكوفة، ويستخلف على البصرة سمرة بن جندب، وعلى الكوفة عمرو بن حريث، فقال له عمارة بن عقبة: إن الشيعة تختلف إلى حجر، وتسمع منه، ولا أراه عند خروجك إلا ثائرًا، فدعاه زياد فحذره ووعظه (٢)، وخرج إلى البصرة، واستعمل عمرو بن حريث، فجعلت الشيعة تختلف إلى حجر، ويجيء حتى يجلس في المسجد فتجتمع إليه الشيعة، حتى يأخذوا ثلث المسجد أو نصفه، وتطيف بهم النظارة، ثم يمتلىء المسجد، ثم كثروا، وكثر لغطهم، وارتفعت أصواتهم بذم معاوية وشتمه ونقص زياد (٣). وبلغ ذلك عمرو بن حريث، فصعِد المنبر، واجتمع إليه أشراف أهل المصر فحثهم على الطاعة، والجماعة، وحذرهم الخلاف، فوثب إليه عنق من أصحاب حجر يكبرون، ويشتمون، حتى دنوا منه، فحصبوه وشتموه حتى نزل، ودخل القصر، وأغلق عليه بابه وكتب إلى زيادٍ بالخبر، فلما أتاه أنشد يتمثل بقول كعب بن مالك:
فلما غدوا بالعرض قال سراتنا ... علام إذا لم نمنع العرض نزرع
ما أنا بشيء إن لم أمنع الكوفة من حجر، وأدعه نكالًا لمن بعده، ويل أمك حجر! لقد سقط بك العشاء على سرحان.
ثم أقبل حتى أتى الكوفة، فدخل القصر، ثم خرج وعليه قباء سندس، ومطرف خز أخضر، وحجر جالس في المسجد، وحوله أصحابه ما كانوا.
стр. 5159
(فصعد المنبر فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فإن غِبَّ البغي والغي وخيمٌ، إن هؤلاء جموا فأشروا، وأمنوني فاجترؤوا علي، وأيم الله لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم، وقال: ما أنا بشيءٍ إن لم أمنع باحة الكوفة من حجر، وأدعه نكالًا لمن بعده، ويل أمك يا حجر! سقط العشاء بك على سرحان، ثم قال:
أبلغ نصيحة أن راعي إبلها ... سقط العشاء به على سرحان (١)
دعوة ذهاب لحجر، ورفض أصحابه أن يذهب ثم القبض عليه، وما جرى في ذلك من سفك للدماء
ثم قال لشداد بن الهيثم الهلالي أمير الشرط: اذهب فائتني بحجر، فذهب إليه فدعاه، فقال أصحابه: لا يأتيه، ولا كرامة. قال: فرجعت إليه فأخبرته، فأمر صاحب الشرطة أن يبعث معي رجالًا قال: فبعث نفرًا، قال: فأتيناه، فقلنا: أجب الأمير، قال: فسبُّونا، وشتمونا، فرجعنا إليه، فأخبرناه الخبر، قال: فوثب زيادٌ بأشراف أهل الكوفة، فقال: يا
стр. 5160
أهل الكوفة، أتشجون بيد، وتأسون بأخرى، أبدانكم معي، وأهواؤكم مع حجرٍ هذا الهجهاجة الأحمق المذبوب! أنتم معي، وإخوانكم، وأبناؤكم، وعشائركم مع حجر! هذا والله من دحسكم وغشكم، والله لتظهرَن لي براءتُكم أو لاتينكم بقومٍ أقيم بهم أودكم، وصعركم، فوثبوا إلى زياد فقالوا: معاذ الله سبحانه أن يكون لنا فيما ها هنا رأيٌ إلا طاعتك وطاعة أمير المؤمنين، وكل ما ظننا أن فيه رضاك، وما يستبين به طاعتنا وخلافنا لحجر فمرنا به، قال: فليقم كل امرئ منكم إلى هذه الجماعة التي حول حجر، فليدع الرجل أخاه، وابنه، وذا قرابته، ومن يطيعه من عشيرته حتى تقيموا عنه كل من استطعتم، ففعلوا وجعلوا يقيمون عنه أصحابه حتى تفرق أكثرهم وبقي أقلهم.
فلما رأى زيادٌ خفة أصحابه قال لصاحب شرطته: اذهب فائتني بحُجر، فإن تبعك وإلا فمر من معك أن ينتزعوا عُمُدَ السوق، ثم يشدوا عليه حتى يأتوا به، ويضربوا مَنْ حَالَ دونه، فلما أتاه شدادٌ قال له: أجب الأمير، فقال أصحاب حجر: لا والله ولا نعمة عين، لا يجيبه. فقال لأصحابه: شدوا على عمد السوق. فاشتدوا إليها، فأقبلوا بها قد انتزعوها، فقال عمير بن زيد الكلبي أبو العمرطة: إنه ليس معك رجل معه سيف غيري، فما يغني سيفي! قال: فما ترى؟ قال: قم من هذا المكان، فالحق بأهلك يمنعك قومك.
فقام زياد ينظر على المنبر إليهم فغشوا حجرًا بالعمد، فضرب رجل من الحمراء يقال له: بكر بن عبيد رأس عمرو بن الحمق بعمود فوقع.
وأتاه أبو سفيان بن العويمر والعجلان بن ربيعة -وهما رجلان من الأزد- فحملاه، فأتيا به دار رجل من الأزد يقال له: عبيد الله بن موعد، فلم يزل بها متواريًا حتى خرج منها.
وأمر زياد بعض القبائل أن يأتوه به، قال: فقال زياد -وهو على المنبر- لتقم همدان، وتميم، وهوازن، وأبناء بغيض، ومذحج، وأسد، وغطفان، فليأتوا جبانة كندة، وليمضوا من ثم إلى حجر، فليأتوني به. ثم كره أن تسير مضر مع اليمن، فيقع شغب واختلاف، أو تنشب الحمية فيما بينهم. فقال: لتقم تميم، وهوازن، وأبناء بغيض، وأسد، وغطفان، ولتمض مذحج
стр. 5161
وهمدان إلى جبانة كندة، ثم ليمضوا إلى حجر فليأتوني به، وليسر أهل اليمن حتى ينزلوا جبانة الصيداويين، وليمضوا إلى صاحبهم فليأتوني به، فخرجت الأزد وخثعم والأنصار وقضاعة وخزاعة، فنزلوا جبانة الصيداويين، ولم تخرج حضرموت مع اليمن لمكانهم من كندة.
قال أبو مخْنف: فحدثني سعيد بن يحيى بن مخنف، عن محمد بن مخنف، قال: فإني لمَعَ أهل اليمن وهم يتشاورون في أمر حُجر، فقال لهم عبد الرحمن بن مخنف: أنا مشير عليكم برأي، فإن قبلتموه رجوت أن تَسلَموا من اللائمة والإثم: أن تلبثوا قليلًا حتى تكفيكم عجلة في شباب مذحج وهمدان ما تكرهون أن يكون من مساءة قومكم في صاحبكم.
فأجمع رأيهم على ذلك، فلا والله ما كان إلا كلًّا، ولا حتى أتينا فقيل لنا: إن شباب مذحج وهمدان قد دخلوا، فأخذوا كل ما وجدوا في بني بجيلة.
قال: فمر أهل اليمن على نواحي دور كندة معتذرين، فبلغ ذلك زيادًا، فأثنى على مذحج وهمدان، وذم أهل اليمن. فلما انتهى حجر إلى داره ورأى قلة من معه قال لأصحابه: انصرفوا، فوالله ما لكم طاقة بمن اجتمع عليكم من قومكم، وما أحب أن أعرضكم للهلاك. فذهبوا لينصرفوا، فلحقتهم أوائل خيل مذحج وهمدان، فعطف عليهم عمير بن يزيد، وقيس بن يزيد، وعبيدة بن عمرو، وجماعة، فتقاتلوا معهم، فقاتلوا عنه ساعة فجرحوا، وأسر قيس بن يزيد، وأفلت سائر القوم، فقال لهم حجر: لا أبا لكم! تفرقوا لا تقتلوا؛ فإني آخذ في بعض هذه الطرق. ثم أخذ نحو طريق بني حرب من كندة، حتى أتى دار رجل منهم يقال له: سليمان بن يزيد، فدخل داره، وجاء القوم في طلبه، ثم انتهوا إلى تلك الدار، فأخذ سليمان بن يزيد سيفه، ثم ذهب ليخرج إليهم، فبكت بناته، فقال له حجر: ما تريد؟ لا أبا لك! فقال له: أريد والله أن ينصرفوا عنك؛ فإن فعلوا وإلا ضاربتهم بسيفي هذا ما ثبت قائمه في يدي دونك. فقال له حجر: بئس والله إذن ما دخلت به علي بناتك! أما في دارك هذه حائط أقتحمه أو خوخة أخرج منها، عسى الله أن يسلمني منهم ويسلمك؛ فإن القوم إن لم يقدروا عليَّ في دارك لم يضرك أمرهم. قال: بلى، هذه خوخة تخرجك إلى دور بني العنبر من كندة، فخرج معه فتية من
стр. 5162
الحي يقصون له الطريق، ويسلكون به الأزقة، حتى أفضى إلى النخع، فقال عند ذلك: انصرفوا، رحمكم الله. فانصرفوا عنه، وأقبل إلى دار عبد الله بن الحارث أخي الأشتر، فدخلها، فإنه لكذلك قد ألقى له عبد الله الفرش، وبسط له البسط، وتلقاه ببسط الوجه وحسن البشر إذ أتي فقيل له: إن الشرط تسأل عنك في النخع وذلك أن أمة سوداء يقال لها: أدماء لقيتهم، فقالت لهم: من تطلبون؟ قالوا: نطلب حجرًا، فقالت: هو ذا قد رأيته في النخع، فانصرفوا نحو النخع؛ فخرج متنكرًا، وركب معه عبد الله ليلًا حتى أتى دار ربيعة بن ناجذ الأزدي، فنزل بها، فمكث يومًا وليلة. فلما أعجزهم أن يقدروا عليه دعا زياد محمد بن الأشعث، فقال: أما والله لتأتيني بحجر أولا أدع لك نخلة إلا قطعتها، ولا دارًا إلا هدمتها، ثم لا تسلم مني بذلك حتى أقطعك إربًا إربًا. فقال له: أمهلني أطلبه. قال: قد أمهلتك ثلاثًا، فإن جئت به وإلا فاعدد نفسك من الهلكى. وأخرج محمد نحو السجن وهو منتقع اللون يتل تلًا عنيفًا، فقال حجر بن يزيد الكندي من بني مرة لزياد: ضمنيه وخل سبيله ليطلب صاحبه، فإنه مخلى سربه أحرى أن يقدر عليه منه إذا كان محبوسًا. قال: أتضمنه لي؟ قال: نعم. قال: أما والله لئن حاص عنك لأوردنك شعوب، وإن كنت الآن عليَّ كريمًا. قال: إنه لا يفعل. فخلى سبيله.
ثم إن حجر بن يزيد كلمه في قيس بن يزيد، وقد أتي به أسيرًا، فقال: ما عليه من بأس، قد عرفنا رأيه في عثمان ﵁، وبلاءه مع أمير المؤمنين بصفين، ثم أرسل إليه فأتي به، فقال: قد علمت أنك لم تقاتل مع حجر أنك ترى رأيه، ولكن قاتلت معه حمية، وقد غفرنا لك لما نعلمه من حسن رأيك، ولكن لا أدعك حتى تأتيني بأخيك عمير. قال: آتيك به إن شاء الله. قال: هات من يضمنه معك. قال: هذا حجر بن يزيد. قال حجر: نعم، على أن تؤمنه على ماله ودمه. قال: ذلك لك.
فانطلقا فأتيا به، فأمر به فأوقر حديدًا، ثم أخذته الرجال ترفعه، حتى إذا بلغ سررها ألقوه، فوقع على الأرض، ثم رفعوه فألقوه، ففعل به ذلك مرارًا، فقام إليه حجر بن يزيد، فقال: أو لم تؤمنه؟ قال: بلى، لست أهريق له دمًا، ولا آخذ له مالًا. فقال: هذا يشفي به
стр. 5163
على الموت، وقام كل من كان عنده من أهل اليمن، فكلموه فيه، فقال: أتضمنونه لي بنفسه متى أحدث حدثًا أتيتموني به؟ قالوا: نعم. فخلى سبيله.
ومكث حجر في منزل ربيعة بن ناجذ يومًا وليلة، ثم بعث إلى ابن الأشعث غلامًا يدعى رشيدًا من سبي أصبهان، فقال له: إنه قد بلغني ما استقبلك به هذا الجبار العنيد، فلا يهولنك شيء من أمره؛ فإني خارج إليك، فاجمع نفرًا من قومك، وادخل عليه، واسأله أن يؤمنني حتى يبعثني إلى معاوية، فيرى فيَّ رأيه. فخرج محمد إلى حجر بن يزيد، وجرير بن عبد الله، وعبد الله أخي الأشتر، فدخلوا إلى زياد فطلبوا إليه فيما سأله حجر، فأجاب، فبعثوا إليه رسولًا يعلمونه بذلك. فأقبل حتى دخل على زياد، فقال له: مرحبًا يا أبا عبد الرحمن، حرب في أيام الحرب، وحرب وقد سالم الناس! (على نفسها تجني براقش)، فقال له: ما خالعت طاعة، ولا فارقت جماعة، وإني لعلى بيعتي. فقال: هيهات يا حجر، أتشج بيد وتأسو بأخرى، وتريد إذا أمكننا الله منك أن ترضى! هيهات والله! فقال: ألم تؤمنني حتى آتي معاوية، فيرى فيَّ رأيه. قال: بلى، انطلقوا به إلى السجن. فلما مضي به قال: أما والله لولا أمانه ما برح حتى يلقط عصبه. فأخرج وعليه برنس في غداة باردة، فحبس عشر ليال، وزياد ما له عمل غير الطلب لرؤوس أصحاب حجر.
فخرج عمرو بن الحمق، ورفاعة بن شداد حتى نزلا المدائن، ثم ارتحلا حتى أتيا الموصل، فأتيا جبلًا فكمنا فيه، وبلغ عامل ذلك الرستاق -وهو رجل من همدان يقال له: عبيد الله بن أبي بلتعة- خبرهما، فسار إليهما في الخيل، ومعه أهل البلد، فلما انتهى إليهما خرجا، فأما عمرو فكان بطنه قد استسقى، فلم يكن عنده امتناع.
وأما رفاعة فكان شابًا قويًا فوثب على فرس له جواد، وقال لعمرو: أقاتل عنك. قال: وما ينفعني أن تقتل؟ انج بنفسك، فحمل عليهم، فأفرجوا له حتى أخرج فرسه، وخرجت الخيل في طلبه، وكان راميًا فلم يلحقه فارس إلا رماه، فجرحه أو عقره، فانصرفوا عنه؛ فأخذ عمرو بن الحمق، فسألوه: من أنت؟ فقال: من إن تركتموه كان أسلم
стр. 5164
لكم، وإن قتلتموه كان أضر عليكم، فسألوه فأبى أن يخبرهم، فبعثوا به إلى عبد الرحمن بن عثمان، وهو ابن أم الحكم الثقفي، فلما رأى عمرًا عرفه.
فكتب إلى معاوية بخبره. فكتب إليه معاوية: إنه زعم أنه طعن عثمان تسع طعنات، وإنه لا يتعدى عليه، فاطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان، فأخرج فطعن تسع طعنات، فمات في الأولى منهن أو في الثانية، وبعث برأسه إلى معاوية.
وجدَّ زياد في طلب أصحاب حجر وهم يهربون منه، ويأخذ من قدر عليه منهم، فجاء قيس بن عباد الشيباني إلى زياد، فقال له: إن امرءًا هنا يقال له: صيفي بن فسيل، من رؤوس أصحاب حجر، وهو أشد الناس عليك، فبعث إليه فأتي به، فقال له زياد: يا عدو الله، ما تقول في أبي تراب؟ فقال: ما أعرف أبا تراب، قال: ما أعرفك به! أما تعرف علي بن أبي طالب! قال: بلى، قال: فذاك أبو تراب، قال: كلا، فذاك أبو الحسن والحسين. فقال له صاحب الشرطة: أيقول لك الأمير هو أبو تراب وتقول أنت: لا! قال: أفإن كذب الأمير أردتَ أن أكذب وأشهدَ له بالباطل كما شهد! قال له زياد: وهذا أيضًا مع ذنبك، عليَّ بالعصي فأتي بها، فقال: ما قولك في علي! قال: أحسن قول أنا قائله في عبدٍ من عبيد الله، أقوله في أمير المؤمنين. قال: اضربوا عاتقه بالعصي حتى يلصق بالأرض، فضرب حتى لصق بالأرض. ثم قال: أقلعوا عنه، ما قولك فيه؟ قال: والله لو شرحتني بالمدي والمواسي ما زلت عما سمعت. قال: لتلعننه أو لأضربن عنقك. قال: إذًا والله تضربها قبل ذلك، فأسعد وتشقى إن شاء الله، قال: أوقروه حديدًا واطرحوه في السجن.
شهادة الشهود على حجر: وجمع زياد من أصحاب حجر بن عدي اثني عشر رجلًا في السجن، وبعث إلى رؤوس الأرباع فأشخصهم، فحضروا، وقال: اشهدوا على حجر بما رأيتموه، وهم عمرو بن حريث، وخالد بن عرفطة، وقيس بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة، وأبو بردة بن أبي موسى، فشهدوا أن حجرًا جمع إليه الجموع، وأظهر شتم الخليفة، ودعا إلى حرب أمير المؤمنين وزعم أن هذا الأمر لا يصلح إلا في آل أبي طالب، ووثب
стр. 5165
بالمصر، وأخرج عامل أمير المؤمنين، وأظهر عذر أبي تراب والترحم عليه، والبراءة من عدوه، وأهل حربه، وأن هؤلاء الذين معه رؤوس أصحابه، وعلى مثل رأيه.
فنظر زياد في الشهادة فقال: ما أظن هذه شهادة قاطعة، وأحب أن يكون الشهود أكثر من أربعة.
فكتب أبو بردة بن أبي موسى: (بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبي موسى لله رب العالمين، شهد أن حجر بن عدي خلع الطاعة، وفارق الجماعة، ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة، وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة، وخلع أمير المؤمنين معاوية، وكفر بالله كفرة صلعاء).
فقال زياد: على مثل هذه الشهادة فاشهدوا، والله لأجهدن في قطع عنق الخائن الأحمق، فشهد رؤوس الأرباع الثلاثة الاخرون على مثل ذلك، ثم دعا الناس، فقال: اشهدوا على مثل ما شهد عليه رؤوس الأرباع. فقام عثمان بن شرحبيل التيمي أول الناس، فقال: اكتبوا اسمي. فقال زياد: ابدءوا بقريش، ثم اكتبوا اسم من نعرفه، ويعرفه أمير المؤمنين بالصحة والاستقامة. فشهد إسحاق، وموسى، وإسماعيل بنو طلحة بن عبيد الله، والمنذر بن الزبير، وعمارة بن عقبة، وعبد الرحمن بن هبار، وعمر بن سعد بن أبي وقاص، وشهد عنان، ووائل بن حجر الحضرمي، وضرار بن هبيرة، وشداد بن المنذر أخو الحضين بن المنذر، وكان يدعى ابن بزيعة. فكتب شداد بن بزيعة، فقال: أما لهذا أب ينسب إليه، ألغوا هذا من الشهود. فقيل له: إنه أخو الحضين بن المنذر، فقال: انسبوه إلى أبيه، فنسب، فبلغ ذلك شدادًا، فقال: والهفاه على ابن الزانية؟ أو ليست أمه أعرف من أبيه؛ فوالله ما ينسب إلا إلى أمه سمية. وشهد حجار بن أبجر العجلي، وعمرو بن الحجاج، ولبيد بن عطارد، ومحمد بن عمير بن عطارد، وأسماء بن خارجة، وشمر بن ذي الجوشن، وزحر بن قيس الجعفي، وشبث بن ربعي، وسماك بن مخرمة الأسدي صاحب مسجد سماك، ودعا المختار بن أبي عبيد، وعروة بن المغيرة بن شعبة إلى الشهادة فراغا، وشهد سبعون رجلًا ودفع ذلك إلى وائل بن حجر وكثير بن شهاب يذهبان إلى معاوية بكتاب
стр. 5166
زياد ومعهما جماعة من أصحاب حجر ودفع ذلك إلى وائل بن حجر، وكثير بن شهاب، وبعثهما عليهما وأمرهما أن يخرجوهم.
وكتب في الشهود شريح بن الحارث، وشريح بن هانىء. فأما شريح بن الحارث فقال: سألني عنه فقلت: أما إنه كان صوامًا قوامًا. وأما شريح بن هانىء فقال: بلغني أن شهادتي كتبت فأكذبته، ولمته.
وجاء وائل بن حجر وكثير بن شهاب فأخرجا القوم عشية، وسار معهم أصحاب الشرط حتى أخرجوهم، فلما انتهوا إلى جبانة عرزم نظر قبيصة بن ضبيعة العبسي إلى داره في جبانة عرزم، فإذا بناته مشرفات، فقال لوائل وكثير: أدنياني أوص أهلي، فأدنياه. فلما دنا منهن بكين، فسكت عنهن ساعة، ثم قال: اسكتن، فسكتن، فقال: اتقين الله واصبرن، فإني أرجو من ربي في وجهي هذا خيرًا: إحدى الحسنيين؛ إما الشهادة فنعم سعادة، وإما الانصراف إليكن في عافية؛ فإن الذي كان يرزقكن ويكفيني مؤنتكن هو الله ﵎ وهو حي لا يموت، وأرجو ألا يضيعكن، وأن يحفظني فيكن. ثم انصرف، فجعل قومه يدعون له بالعافية.
وجاء شريح بن هانىء بكتاب، فقال: بلغوا هذا عني أمير المؤمنين، فتحمله وائل بن حجر، ومضوا بهم حتى انتهوا إلى مرج عذراء، فحبسوا به وهم على أميال من دمشق، وهم: حجر بن عدي الكندي، والأرقم بن عبد الله الكندي، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل الشيباني، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، وكريم بن عفيف الخثعمي، وعاصم بن عوف البجلي، وورقاء بن سمي البجلي، وكدام بن حيان، وعبد الرحمن بن حسان العنزيان، ومحرز بن شهاب المنقري، وعبد الله بن جؤية التميمي، وأتبعهم زياد برجلين، وهما عتبة بن الأخنس السعدي، وسعيد بن نمران الهمداني الناعطي، فكانوا أربعة عشر. فبعث معاوية إلى وائل بن حجر، وكثير، فأدخلهما، وفض كتابهما، وقرأه على أهل الشام: (بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين، من زياد بن أبي سفيان: أما بعد، فإن الله قد أحسن عند أمير المؤمنين البلاء فأداله من عدوه، وكفاه مؤونة من بغى عليه، إن طواغيت الترابية السابة رأسهم حجر بن عدي،
стр. 5167
خلعوا أمير المؤمنين، وفارقوا جماعة المسلمين، ونصبوا لنا حربًا فأطفأها الله عليهم، وأمكننا منهم، وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم وذوي النهى والدين، فشهدوا عليهم بما رأوا وعلموا، وقد بعثت إلى أمير المؤمنين، وكتبت شهادة صلحاء أهل المصر وخيارهم في أسفل كتابي هذا".
فلما قرأ الكتاب قال: ما ترون في هؤلاء؟ فقال يزيد بن أسد البجلي: أرى أن تفرقهم في قرى الشام، فتكفيكهم طواغيتها، ودفع وائل كتاب شريح إليه، فقرأه وهو:
(بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله معاوية أمير المؤمنين، من شريح بن هانئ، أما بعد؛ فقد بلغني أن زيادًا كتب إليك بشهادتي على حجر، وإن شهادتي على حجر أنه ممن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويأمر بالمعروف، وينهى عن النكر، حرام المال والدم، فإن شئت فاقتله، وإن شئت فدعه).
وكتب معاوية إلى زياد بحيرته في أمر حجر وأصحابه، وزياد يرد عليه بطلب عقابهم فقرأ كتابه على وائل، وقال: ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم. فحبس القوم بعد هذا، وكتب إلى زياد: (أما بعد؛ فقد فهمت ما اقتصصت من أمر حجر وأصحابه والشهادة عليهم، فأحيانًا أرى أن أقتلهم أفضل، وأحيانًا أرى أن العفو أفضل من قتلهم).
فكتب زيادٌ إليه مع يزيد بن حجية التيمي: قد عجبت لاشتباه الأمر عليك فيهم مع شهادة أهل مصرهم عليهم، وهم أعلم بهم؛ فإن كانت لك حاجةٌ في هذا المصر فلا تردن حجرًا وأصحابه إليه.
فمر يزيد بحجر، وأصحابه فأخبرهم بما كتبه زياد، فقال له حجر: أبلغ أمير المؤمنين أنا على بيعته لا نقيلها، ولا نستقيلها، وإنما شهد علينا الأعداء والأظناء.
فقدم يزيد بن حجية على معاوية بالكتاب، وأخبره بقول حجر.
فقال معاوية: زياد أصدق عندنا من حجر . وكتب جرير بن عبد الله في أمر الرجلين اللذين من بجيلة، فوهبهما له وليزيد بن أسد، وطلب وائل بن حجر في الأرقم الكندي، فتركه
стр. 5168
وطلب أبو الأعور في عتبة بن الأخنس فوهبه له، وطلب حمزة من مالك الهمداني في سعيد بن نمران فوهبه له، وطلب حبيب بن مسلمة في عبد الله بن جؤية التميمي فخلى سبيله.
فقام مالك بن هبيرة، فسأله في حجر فلم يشفعه؛ فغضب، وجلس في بيته. وبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعي والحصين بن عبد الله الكلابي، وآخر معهما يقال له: أبو صريف البدري، فأتوهم عند المساء، فقال الخثعمي حين رأى الأعور: يُقتَل نصفنا وينجو نصفنا. فقال سعيد بن نمران: اللهم اجعلني ممن ينجو، وأنت عني راضٍ. فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي: اللهم اجعلني ممن يكرم بهو أنهم وأنت عني راض، فطالما عرضت نفسي للقتل، فأبى الله إلا ما أراد.
فجاء رسول معاوية إليهم فإنه لمعهم إذ جاء رسول بتخلية ستة منهم وبقي ثمانية. فقال لهم رسول معاوية: إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له، فإن فعلتم هذا تركناكم، وإن أبيتم قتلناكم، وأمير المؤمنين يزعم أن دماءكم قد حلت بشهادة أهل مصركم عليكم، غير أنه قد عفا عن ذلك فابرءوا من هذا الرجل يخل سبيلكم. قالوا: لسنا فاعلين؛ فأمر بقيودهم فحلت، وأتي بأكفانهم فقاموا الليل كله يصلون. فلما أصبحوا قال أصحاب معاوية: يا هؤلاء، قد رأيناكم البارحة أطلتم الصلاة، وأحسنتم الدعاء، فأخبرونا ما قولكم في عثمان، قالوا: هو أول من جار في الحكم، وعمل بغير الحق. فقالوا: أمير المؤمنين كان أعرف بكم. ثم قاموا إليهم وقالوا: تبرءون من هذا الرجل؟ قالوا: بل نتولاه، فأخذ كل رجل منهم رجلًا يقتله، فوقع قبيصة في يدي أبي صريف البدري، فقال له قبيصة: إن الشر بين قومي وقومك أمينٌ، أي آمِنٌ فليقتلني غيرُك، فقال: برَّتك رحم. فأخذ الحضرمي فقتله، وقتل القضاعي صاحبه، ثم قال لهم حجر: دعوني أصلي ركعتين، فإني والله ما توضأت قط إلا صليت، فقالوا له: صل، فصلى ثم انصرف، فقال: والله ما صليتُ صلاةً قط أقصر منها، ولولا أن يروا أن ما بي جزعٌ من الموت لأحببتُ أن أستكثر منها، ثم قال: اللهم إنا نستعديك على أمتنا، فإن أهل الكوفة قد شهدوا علينا، وإن أهل
стр. 5169
الشام يقتلوننا (١)، أما والله لئن قتلتمونا فإني أول فارسٍ من المسلمين سلك في واديها، وأول رجلٍ من المسلمين نبحته كلابها، فمشى إليه هدبةُ بنُ الفياض الأعورُ بالسيف، فأرعدت خصائله، فقال: كلا، زعمت أنك لا تجزع من الموت، فإنا ندعك، فابرأ من صاحبك. فقال: ما لي لا أجزع، وأنا أرى قبرًا محفورًا، وكفنًا منشورًا، وسيفًا مشهورًا، وإني والله إن جزعت لا أقول ما يسخط الرب، فقتله.
وأقبلوا يقتلونهم واحدًا واحدًا حتى قتلوا ستة نفرٍ، فقال عبد الرحمن بن حسان وكريم بن عفيف: ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين، فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته. فبعثوا إلى معاوية فأخبروه، فبعث: ائتوني بهما، فالتفتا إلى حجر، فقال له العنزي: لا تبعد يا حجر، ولا يبعد مثواك؛ فنعم أخو الإسلام كنت، وقال الخثعمي نحو ذلك. ثم مضى بهما، فالتفت العنزي، فقال متمثلًا:
كفى بشفاة القبر بعدًا لهالك ... وبالموت قطاعًا لحبل القرائن
فلما دخل عليه الخثعمي قال له: الله مالله يا معاوية! إنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة، ومسئول عما أردت بقتلنا، وفيما سفكت دماءنا. فقال: ما تقول في علي؟ قال: أقول فيه قولك، أتبرأ من دين عليٍّ الذي كان يدين الله به! وقام شمر بن عبد الله الخثعمي فاستوهبه، فقال: هو لك، غير أني حابسه شهرًا، فحبسه، ثم أطلقه على ألا يدخل الكوفة ما دام له سلطان. فنزل الموصل، فكان ينتظر موت معاوية ليعود إلى الكوفة، فمات قبل معاوية بشهر.
وأقبل على عبد الرحمن بن حسان، فقال له: يا أخا ربيعة، ما تقول في علي؟ قال: أشهد أنه من الذاكرين الله كثيرًا والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والعافين عن الناس. قال: فما تقول في عثمان؟ قال: هو أول من فتح أبواب الظلم، وأرتج أبواب الحق، قال: قتلتَ نفسك، قال: بل إياك قتلتُ، لا ربيعةَ بالوادي؛ يعني أنه ليس ثَمَّ أحد من قومه
стр. 5170
فيتكلم فيه، فبعث به معاوية إلى زياد، وكتب إليه: إن هذا شر من بعثتُ به، فعاقبه بالعقوبة التي هو أهلها واقتله شر قتلة، فلما قدم به على زياد بعث به إلى قس الناطف، فدفنه حيًا.
ذكر عدد من قتل: قال أبو مخنف عن رجاله: فكان من قتل منهم سبعة نفر: حجر بن عدي، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل الشيباني، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، ومحرز بن شهاب المنقري، وكدام بن حيان العنزي، وعاصم بن عوف البجلي، وورقاء بن سمي البجلي، وأرقم بن عبد الله الكندي، وعتبة بن الأخنس السعدي من هوازن، وسعيد بن نمران الهمذاني.
وبعث معاوية إلى مالك بن هبيرة لما غضب بسبب حجر مائة ألف درهم، فرضي.
قال أبو مخنف: فحدثني ابن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، قال: أدركت الناس يقولون: أول ذلك دخل الكوفة قتل حجر، ودعوة زياد، وقتل الحسين، قال: وجعل معاوية يقول عند موته: أي يوم لي من ابن الأدبر طويل! قال أبو مخنف: وحدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق من بني عامر بن لؤي أن عائشة بعثت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى معاوية في حجر وأصحابه، فقدم عليه وقد قتلهم، فقال له: أين غاب عنك حلم أبي سفيان؟ فقال: حين غاب عني مثلك من حلماء قومي، وحملني ابن سمية فاحتملت.
قال: وكانت عائشة ﵂ تقول: لولا أنا لم نغير شيئًا قط إلا آلت بنا الأمور إلى أشد مما كنا فيه لغيرنا قتل حجر، أما والله إن كان لمسلمًا ما علمته حاجًّا معتمرًا. (١)
стр. 5171
والجواب عن هذه الرواية الطويلة من وجوه:
الأول: أن إسنادها هالك؛ مدارها على أبي مخنف: متروك ورأس في التشيع، ولو كان صدوقًا لرُدَّ حديثه من أجل بدعته، فكيف وهو متروك.
الثاني: وعلى فرض الصحة، فبالنظر إلى متن القصة نلاحظ أمورًا.
منها: أن المغيرة بن شعبة لم يصرح بسب علي.
ومنها: أن الشعبي شهد له بحسن السيرة.
ومنها: أن المغيرة لما لعن قتلة عثمان وأثنى عليه قال حجر: إن من تثني أولى بالذم من تمدحه وهذا يعني أحد أمرين:
стр. 5172
الأول: أن يكون حُجرًا يعتقد أن عليًّا هو الذي قتل عثمان، وهذا باطل.
الثاني: أن يكون حُجر يعتقد أن عثمان أولى باللعن، والذم من الخوارج الذين قتلوه وهذا أيضًا باطل.
ومنها: اعتراض حجر على المغيرة في المسجد مما يخالف أصول النصيحة في الإسلام.
ومنها: تصريح حجر وأصحابه بلعن معاوية.
ومنها: أن زيادًا لما جاء، وصعد المنبر لم يصرح بسب علي ﵁ وإنما أثنى على عثمان ﵁ ومنها: أن سلوك حجر في النهاية أدى إلى سفك الدماء، وإزهاق الأرواح ولو سكت عليه الخليفة لأدى إلى الخروج، وإحداث الفتنة التي تُضعِفُ الدولة.
ومنها: وأهم ما في هذا السياق أن معاوية لم يقتله إلا بشهادة الشهود الذين هم من أهل بلده.
ومنها: أن قول عائشة في حجر كان بحسب علمها فيه، ولم تكن من الكوفة، ولم تعلم ما قام به من الفتن والانقلابات.
ومنها: التعارض في كثير من فقرات القصة في سلوك حجر وأصحابه؛ مما يدل على اضطراب الرواية وعدم اتفاق رواتها على موقف واحد لحجر.
وهكذا وبالنظر في هذه القصة ترى في متنها من التعارض والتناقض ما ينطق بكذبها وتلفيقها، وأقل ما يقال في التعليق على سياق هذه القصة لو صح: لو كان حجر كذلك فعلًا لكان يجب أن يقتل، ولكان قتله منقبة للأمير الذي قتله، ولكننا لا نقول بهذا في حجر ﵁؛ لأن هذا السياق لا يصح.
الوجه الثالث: أن ما يمكن قبوله من هذه الروايات لا يوجد فيه شيء من هذا التفصيل المزري بصحابة النبي ﷺ -: ولكن الذي صح من هذا كله هو أن زيادًا كتب إلى معاوية في حجر وأصحابه فلما قدموا عليه قتلهم. (١)
١ - عن ابن سيرين قال: أمر معاوية بقتل حجر بن عدي الكندي، فقال حجر: لا تحلوا عني قيدًا -أو قال: حديدًا- وكفنوني بدمي، وثيابي. (٢)
стр. 5173
٢ - وعن مصعب بن عبد الله الزبيري قال: حجر بن عدي الكندي يكنى أبا عبد الرحمن كان قد وفد إلى النبي ﷺ وشهد القادسية، وشهد الجمل وصفين مع علي ﵁، قتله معاوية بن أبي سفيان بمرج عذراء وكان له ابنان عبد الله وعبد الرحمن قتلهما مصعب بن الزبير صبرًا وقُتِل حجر سنة ثلاث وخمسين. (١)
٣ - وعن أبي إسحاق قال: رأيت حجر بن عدي حين أخذه معاوية وهو يقول: هذه بيعتي لا أقيلها ولا أستقيلها سماع الله والناس. (٢)
٤ - وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٣): وأما حجر بن عدي فقتله معاوية صبرًا بعث به إليه زياد بن أبي سفيان.
فإن قيل لماذا ققله معاولة وهو صحابي جليل، وهل أذنب لما امتنع من سب علي على المنابر؟
فالجواب من وجوه:
الوجه الأول: ما سبق بيانه من أن معاوية لم يقتل حجرًا لأنه امتنع عن سب عليّ، فهذا لا يصح ولا يعول عليه بحال، وأولى ما ذكر في سبب مقتل حجر بن عدي هو أن زيادًا أمير الكوفة من قبل معاوية قد خطب خطبة أطال فيها فنادى حجر بن عدي الصلاة فمضى زياد في الخطبة فما كان من حجر إلا أن حصبه هو وأصحابه فكتب زياد إلى معاوية ما كان من حجر وعدّ ذلك من الفساد في الأرض وقد كان حجر يفعل مثل ذلك مع من تولّى الكوفة قبل زياد، فأمر أن يسرح إليه فلما جيء به إليه أمر بقتله، وسبب تشدد معاوية في قتل حجر هو محاولة حجر البغي على الجماعة وشق عصا المسلمين واعتبره من السعي
стр. 5174
بالفساد في الأرض، وخصوصًا في الكوفة التي خرج منها جزء من أصحاب الفتنة على عثمان، فإن كان عثمان سمح بشيء من التسامح في مثل هذا القبيل الذي انتهى بمقتله، وجرّ على الأمة عظائم الفتن حتى كلّفها ذلك من الدماء أنهارًا.
فإن معاوية أراد قطع دابر الفتنة من منبتها بقتل حجر وجميع الحكومات لا تعاقب على هذا الفعل الذي قام به حجر بأقل من القتل، وأما سعة صدر معاوية وحلمه فهو فيما إذا كان الخطأ في شخصه أما إذا كان حق الجماعة فلا ولاسيما في الكوفة التي أخرجت العدد الأكبر من أهل الفتنة الذين بغوا على عثمان بسبب مثل هذا التسامح فكبدا الأمة من دمائها وسمعتها ما كانت في غنى عنه لو أن هيبة الدولة حفظت بتأديب عدد قليل من أهل الرعونة والطيش في الوقت الناسب، وكما أن عائشة كانت تود لو أن معاوية شمل حجرا بسعة صدره إلا أن معاوية مع حلمه كان في مواقف الحكم يتبصر في عاقبة عثمان وما جر إلى تمادي الذين اجترءوا عليه. (١)
الوجه الثاني: أن معاوية إمام مجتهد، والأصل أن قتل الإمام بحق
قال ابن العربي: فإن قيل فقد قتل حجر بن عدي وهو من الصحابة مشهور بالخير صبرًا أسيرًا بقول زياد وبعثت إليه عائشة في أمره فوجدته قد فات بقتله، قلنا: قد علمنا قتل حجر كلنا واختلفنا، فقائل يقول: قتله ظلمًا، وقائل يقول: قتله حقًّا.
فإن قيل: الأصل قتله ظلمًا إلا ما إذا ثبت عليه ما يوجب قتله، قلنا: الأصل أن قتل الإمام بالحق فمن ادعى أنه بالظلم فعليه الدليل، ولو كان ظلمًا محضًا لما بقي بيت إلا لعن فيه معاوية وهذه مدينة السلام دار خلافة بني العباس وبينهم وبين بني أمية ما لا يخفى على الناس، مكتوب على أبواب مساجدها خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم معاوية خال المؤمنين ﵃.
стр. 5175
ولكن حجرًا فيما يقال رأى من زياد أمورًا منكرة (١) فحصبه وخلعه وأراد أن يقيم الخلق للفتنة فجعله معاوية ممن سعى في الأرض فسادًا، وقد كلمته عائشة في أمره حين حج فقال لها: (دعيني وحجرا حتى نلتقي عند الله) وأنتم معشر المسلمين أولى أن تدعوهما حتى يقفا بين يدي الله مع صاحبهما العدل الأمين المصطفى المكين وأنتم ودخولكم حيث لا تشعرونَ فما لكم لا تسمعون! (٢)
وعليه فقتل معاوية لحجر وأصحابه كان اجتهادًا رأى فيه معاوية ﵁ ارتكاب أخف الضررين بقتله حتى لا يكون داعي فتنة.
الوجه الثالث: إمامة معاوية باعتراف حجر نفسه ولم يصح لعنه له ولا خلعه .
وهناك شيء هام جدًّا، وهو أن حجرًا نفسه لم يخلع معاوية ولم يخرج عليه، وإنما كان اعتراضه على زياد، ولما قدم على معاويةَ سَلَّمَ عليه بالإمارة.
قال ابن عبد البر: ولما ولَّى معاويةُ زيادًا العراق وما وراءها وأظهر من الغلظة وسوء السيرة ما أظهر خلعه حجر ولم يخلع معاوية، وتابعه جماعة من أصحاب عليٍّ وشيعته وحصبه يومًا في تأخير الصلاة هو وأصحابه فكتب فيه زياد إلى معاوية، فأمره أن يبعث به إليه فبعث إليه مع وائل بن حجر الحضرمي في اثني عشر رجلًا كلهم في الحديد فقتل معاوية منهم ستة واستحيا ستة، وكان حجر ممن قُتِلَ فبلغ ما صنع بهم زياد إلى عائشة أم المؤمنين فبعثت إلى معاوية عبد الرحمن فوجده قد قتل هو وخمسة من أصحابه فقال لمعاوية: أين عزب عنك حلم أبي سفيان في حجرٍ وأصحابه؟ ألا حبستهم في السجون وعرضتهم للطاعون؟ قال: حين غاب عني مثلك من قومي. فعاتبه في ذلك، فقال: فما أصنع؛ كتب إليَّ فيهم زيادٌ يشدد أمرهم، ويذكر أنهم سيفتقون عليَّ فتقًا لا يرقع؟ ثم قدم
стр. 5176
معاوية المدينة فدخل على عائشة، فكان أول ما بدأته به قتل حجر في كلام طويل جرى بينهما ثم قال: فدعيني وحجرًا حتى نلتقي عند ربنا. (١)
الوجه الرابع: أن معاوية ﵁ لم يقتلهم على الفور من غير تبين وشهود واستخارة .
أما قضاء معاوية ﵁ في حجر ﵁ وأصحابه فإنه لم يقتلهم على الفور، ولم يطلب منهم البراءة من علي ﵁ كما تزعم بعض الروايات، بل استخار الله فيهم، واستشار أهل مشورته، ثم كان حكمه فيهم أن قتل بعضهم، واستحيي بعضهم، والعمدة في ذلك ما يرويه صالح بن أحمد بن حنبل بإسناد حسن، قال: حدثني أبي قال: حدثنا أبو المغيرة، قال: حدثنا ابن عياش، قال: حدثني شرحبيل بن مسلم، قال: لما بُعِث بحجر بن عدي بن الأدبر وأصحابه من العراق إلى معاوية بن أبي سفيان، استشار الناس في قتلهم، فمنهم المشير، ومنهم الساكت، فدخل معاوية منزله، فلما صلى الظهر قام في الناس خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه، ثم جلس على منبره، فقام المنادي فنادى: أين عمرو بن الأسود العنسي؟ فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألا إنا بحصنٍ من الله حصينٍ لم نؤمر بتركه، وقولك يا أمير المؤمنين في أهل العراق ألا وأنت الراعي ونحن الرعية، ألا وأنت أعلمنا بدائهم، وأقدرنا على دوائهم، وإنما علينا أن نقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: ٢٨٥).
فقال معاوية: أما عمرو بن الأسود فقد تبرأ إلينا من دمائهم، ورمى بها ما بين عيني معاوية. ثم قام المنادي فنادى: أين أبو مسلم الخولاني؟ فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد؛ فلا والله ما أبغضناك منذ أحببناك، ولا عصيناك منذ أطعناك، ولا فارقناك منذ جامعناك، ولا نكثنا بيعتنا منذ بايعناك، سيوفنا على عواتقنا، إن أمرتنا أطعناك، وإن دعوتنا أجبناك، وإن سبقناك نظرناك. ثم جلس.
ثم قام المنادي فقال: أين عبد الله بن مِخْمَر الشرعبي؟ فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: وقولك يا أمير المؤمنين في هذه العصابة من أهل العراق؛ إن تعاقبهم فقد أصبت، وإن تعفو فقد أحسنت. فقام المنادي فنادى: أين عبد الله بن أسد القسري؟ فقام فحمد الله
стр. 5177
وأثنى عليه ثم قال: يا أمير المؤمنين، رعيتك وولايتك وأهل طاعتك، إن تعاقبهم فقد جنوا لأنفسهم العقوبة، وإن تعفو فإن العفو أقرب للتقوى، يا أمير المؤمنين، لا تطع فينا من كان غشومًا ظلومًا، بالليل نؤومًا، عن عمل الآخرة سؤومًا، يا أمير المؤمنين، إن الدنيا قد انخشعت أوتارها، ومالت بها عمادها وأحبها أصحابها، واقترب منها ميعادها. ثم جلس فقلت -القائل هو: إسماعيل بن عياش- لشرحبيل: فكيف صنع؟ قال: قتل بعضًا واستحيى بعضًا، وكان فيمن قتل حجر بن عدي بن الأدبر (١).
الوجه الخامس: أن معاوية خاف من تفريق جماعة المسلمين .
وقد علق ابن العربي على مقتل حجر بن عدي ﵁ فقال: وأراد أن يقيم الخلق للفتنة، فجعله معاوية ممن سعى في الأرض فسادًا، وقد اعتمد معاوية ﵁ في قضائه على قوله ﷺ : "من أتاكم وأمركم جميعٌ على رجلٍ واحدٍ يريد أن يَشُقَّ عصاكم، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه"، وقوله ﷺ : "إنه ستكون هَنَاتٌ، وهَنَاتٌ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة، وهي جميعٌ، فاضربوه بالسيف كائنًا من كان" ومما يجدر التذكير به في هذا المقام أن معاوية ﵁ لم يكن ليقضي بقتل حجر بن عدي ﵁ لو أن حجرًا اقتصر في معارضته على الأقوال فقط ولم ينتقل إلى الأفعال.
الوجه السادس: وقفة هامة حول مواقف أهل العراق، ومعرفة الحسن لذلك، وبهذه المعرفة نجاه الله منهم .
عن يزيد بن الأصم، قال: خرجتُ مع الحسن -يعني ابن علي ﵄ وجاريةٌ تحتُّ شيئًا من الحِنَّاءِ عن أظفاره، فجاءتْهُ إِضْبارَةٌ من كُتُبٍ، فقال: يا جاريةُ هاتي المِخْضَب، فصبَّ عليه ماءً، وألقى الكُتُب في الماء، فلم يفتح منها شيئًا، ولم ينظر إليه، فقلتُ يا أبا محمد! ممن هذه الكُتُب؟ قال: من أهل العراق، من قوم لا يرجعون إلى حقٍّ، ولا يقصرون عن باطل، أما إني لستُ أخشاهم على نفسي، ولكني أخشاهم على ذلك. وأشار إلى الحسين. (٢)
стр. 5178
ومن هذا الخبر يتبيَّن أن الشيعة كانوا يَسْعَونَ للفتنة، ويُزَيِّنونَ الخروج للحسن ﵁، وأنه كان يعلم منهم ذلك، ويَحْذَرُهم، ويخافُ منهم على أخيه الحُسين، وقد حصل ما كان يَخشاه، فقد أخرجوا الحُسينَ، ثم خَذَلوه وأَسْلَموه، فكانوا السبب المباشر لاستشهادِه ﵁.
كذلك كان الأمر مع حُجْرٍ؛ فقد كانت الشيعة قد يَئسَتْ من إخراج الحَسَن ﵁، وكان وُجودُه كفيلًا برَدْع هؤلاء المُتربصين للخروج، فلما مات اجتمعوا على حُجْر، وصاروا يحرِّضونَه، وقالوا له: أنت شيخُنا، وأحقُّ الناس بإنكار هذا الأمر.
ومما يؤكِّدُ دور أولئك الشيعة في التحريض، وأنهم ما أرادوا بذلك إلا الخروج على الجماعة وقتالهَم: ما رواه عبد الله بن أحمد، ومن طريقه ابن عساكر (١٢/ ٢٢٠) وابن العديم (٥/ ٢١٢٤) بسند مُقارِب لا بأس به عن إسماعيل بن عياش أنه سأل شرحبيل بن مُسلم عن أصحاب حُجر: ما كان شأنُهم؟ قال: وَجَدُوا كتابًا لهم إلى أبي بلال: إن محمَّدًا وأصحابَه قاتَلوا على التنزيل، فقاتِلوهم أنتم على التأويل. قلت: وأبو بلال هو مرداس بن أدية، من كبار رؤوس الخوارج.
الوجه السابع: اجتهاد معاوية ﵁ لا يخلو من حالين؛ إما الإصابة وإما الخطأ .
مع أن معاوية في النهاية لا يعدم أن يكون قد أصاب في اجتهاده، فيكون له أجران، أو اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، ويكون خطؤه ﵁ مغمورًا في بحر حسناته. (١)
ولو سلمنا أن معاوية ﵁ أخطأ في قتل حجر ﵁؛ فإن هذا لا مطعن فيه عليه، كيف وقد سبق هذا الخطأ في القتل من اثنين من خيار الصحابة، هما: خالد بن الوليد، وأسامة بن زيد.
* أما قصة خالد بن الوليد ﵁ مع بني جذيمة، وقولهم صبأنا بدلًا من أسلمنا كما في حديث عبد الله بن عمر .. وقول النبي ﷺ بعد ذلك: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالدا" (٢).
قال الحافظ ابن حجر: وقال الخطابي: الحكمة من تَبرُّئه ﷺ من فعل خالدٍ مع كونه لم يعاقبه على ذلك لكونه مجتهدًا، أن يعرف أنه لم يأذن له في ذلك خشية أن يعتقد أحد أنه كان بإذنه،
стр. 5179
ولينزجر غير خالد بعد ذلك عن مثل فعله .. ثم قال: والذي يظهر أن التبرأ من الفعل لا يستلزم إثم فاعله ولا إلزامه الغرامة، فإن إثم المخطئ مرفوع وإن كان فعله ليس بمحمود (١).
* وقصة أسامة بن زيد ﵁ مع الرجل الذي نطق بالشهادتين، وقتل أسامه له بعد نطقها، وقول النبي ﷺ : "يا أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ .. " الحديث (٢).
وكل ما جرى من أسامة وخالد ناتج عن اجتهاد لا عن هوى وعصبية وظلم (٣).
وبهذا نعلم أن قتل معاوية ﵁ لحجر كان اجتهادًا، وقد كان إمامًا وحق له أن يجتهد، وإذا كان المرؤ مجتهدًا فهو مأجور على اجتهاده على كل حال والله أعلم.
الشبهة الرابعة: شبهة لعن علي ﵁ على المنابر بأمر من معاوية ﵁ -
وفحوى هذه الفرية أن معاوية أمر الخطباء على المنابر بلعن علي واستمر الأمر على ذلك في عهد بني أمية.
والجواب على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: أن هذه دعوى تحتاج إلى دليل، وهي مفتقرة إلى صحة النقل؛ وهذا الأثر في قصة لعن علي على منابر بني أمية موضوع. (٤)
ثم إن هذا الأثر وهو الوحيد الذي ورد فيه التصريح المباشر بقصة اللعن وهو المشهور، وهو الذي يتمسك به عامة أهل البدع، والجهل يشير إلى أن عليًّا للأعنه كان يلعن معاوية، وعمرو بن العاص، وغيرهم! ! فلماذا لم يتحدثوا عن هذه؟ ! ! وقد سبق سوق
стр. 5180
هذه الرواية بقريب من تمامها، والحكم عليها في فصل مقتل حجر بن عدي الكندي ﵁ وأما ما سوى هذه الرواية، فهي شبهات واهية، ليس فيها أي دليل على الدعوى.
الوجه الثاني: أن صحبة معاوية وفضله وسيرته مع الرعية ومع أهل البيت بصفة خاصة واعترافه بفضل علي يدل على استحالة ذلك، وقد سبق في الفصل الأول بيان فضله وثناء العلماء عليه فكيف يقولون فيه بهذا الثناء وهو يلعن أمير المؤمنين وابن عم رسول الله ﷺ ؟ ! إن هذا لو حدث لكان رضا منهم بذلك، وما أثر عنهم يدل على العكس فثبت أن ثناءهم عليه دليل على بطلان ما نسب إليه من لعن علي ﵁، ثم كيف يسمح معاوية ﵁ بذلك؟ ! وهو الذي لم يصح عنه أبدًا أنه سبّ عليًّا أو لعنه مرة واحدة، فضلًا عن التشهير به على المنابر! ! .. وقد علق ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية (٧/ ٢٨٤) على قصة لعن علي ﵁ على المنابر بعد القنوت، بقوله: ولا يصح هذا. والصحابة ﵃ كانوا أكثر حرصًا من غيرهم على التقيّد بأوامر الشارع الذي نهى عن سباب المسلم ولعنه، وقد قال ﷺ : "من لعن مؤمنًا فهو كقتله" (١).
* دفع إشكال عن روايتين ربما تمسك بهما أصجاب هذه الدعاوى .
الأولى: عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدًا فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ذكرت ثلاثًا قالهن له رسول الله ﷺ ، فلن أسبه لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول له لما خلفه في بعض مغازيه فقال له علي: يا رسول الله، خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله ﷺ : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي. وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها فقال: ادعوا لي عليًّا، فأتي به أرمد فبصق في عينه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا
стр. 5181
وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [آل عمران: ٦١] دعا رسول الله ﷺ عليًّا، وفاطمة، وحسنًا، وحسينًا، فقال: اللهم هؤلاء أهلي. (١)
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: هذا الحديث لا يفيد أن معاوية أمر سعدًا بسب علي، ولكنه كما هو ظاهر فإن معاوية أراد أن يستفسر عن المانع من سب علي، فأجابه سعد عن السبب، ولم نعلم أن معاوية عندما سمع رد سعد غضب منه، ولا عاقبه ..
الوجه الثاني: أن سكوت معاوية هنا، تصويب لرأي سعد، ولو كان معاوية ظالمًا يجبر الناس على سب علي كما يدَّعون، لما سكت عن سعد، ولأجبره على سبه وهو والٍ مطاع لا يقوى أحد على معارضته، ولكن لم يحدث من ذلك شيء، فعُلم أنه لم يأمر بسبه، ولا رضي بذلك ..
يقول النووي ﵀ في ذلك: قول معاوية هذا، ليس فيه تصريح بأنه أمر سعدًا بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب، كأنه يقول: هل امتنعت تورعًا، أوخوفًا، أو غير ذلك؟ فإن كان تورعًا، وإجلالًا له عن السب، فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر، ولعل سعدًا قد كان في طائفة يسبون، فلم يسب معهم، وعجز عن الإنكار، أو أنكر عليهم، فسأله هذا السؤال، قالوا: ويحتمل تأويلٌ آخر أن معناه: ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده، وتظهر للناس حسن رأينا، واجتهادنا، وأنه أخطأ (٢).
الوجه الثالث: أن معاوية ﵁ إنما قال ذلك على سبيل المداعبة لسعد، وأراد من ذلك استظهار بعض فضائل علي ﵁، فإن معاوية ﵁ كان رجلًا فطنًا ذكيًا يحب مطارحة الرجال واستخراج ما عندهم، فأراد أن يعرف ما عند سعد في علي- ﵄، فألقى سؤاله بهذا الأسلوب المثير ..
стр. 5182
وهذا مثل قوله ﵁ لابن عباسٍ: أنت على ملة علي؟ فقال له ابن عباس: ولا على ملة عثمان، أنا على ملة رسول الله ﷺ (١). وظاهر قول معاوية هنا لابن عباس جاء على سبيل المداعبة، فكذلك قوله لسعد هو من هذا الباب، وأما ما ادعي من الأمر بالسب، فحاشا معاوية ﵁ أن يصدر منه مثل ذلك، والمانع من هذا عدة أمور: -
الأول: أن معاوية نفسه ما كان يسب عليًّا ﵁، فكيف يأمر غيره بسبه؟ بل كان معظمًا له معترفًا له بالفضل والسبق إلى الإسلام، كما دلت على ذلك أقواله الثابت عنه.
قال ابن كثير: وقد ورد من غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: هل تنازع عليًّا أم أنت مثله؟ فقال: والله إني لأعلم أنه خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني (٢).
ونقل ابن كثير أيضًا عن جرير بن عبد الحميد عن المغيرة ﵁ قال: لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك، إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم (٣).
الثاني: أنه لا يعرف بنقل صحيح أن معاوية ﵁ تعرض لعلي ﵁ بسب، أو شتم أثناء حربه له في حياته، فهل من المعقول أن يسبه بعد انتهاء حربه معه ووفاته، فهذا من أبعد ما يكون عند أهل العقول، وأبعد منه أن يحمل الناس على سبه وشتمه.
الثالث: أن معاوية ﵁ كان رجلًا ذكيًا، مشهورًا بالعقل والدهاء، فلو أراد حمل الناس على سب علي -وحاشاه من ذلك- أفكان يطلب ذلك من مثل سعد بن أبي وقاص، وهو من هو في الفضل، والورع، مع عدم دخوله في الفتنة أصلًا! ! فهذا لا يفعله أقل الناس عقلًا، وتدبيرًا، فكيف بمعاوية!
стр. 5183
الرابع: أن معاوية ﵁ انفرد بالخلافة بعد تنازل الحسن بن علي- ﵄ له واجتمعت عليه الكلمة والقلوب، ودانت له الأمصار بالملك، فأي نفع له في سب علي؟ ! بل الحكمة وحسن السياسة تقتضي عدم ذلك، لما فيه من تهدئة النفوس وتسكين الأمور، ومثل هذا لا يخفى على معاوية ﵁ الذي شهدت له الأمة بحسن السياسة، والتدبير.
الخامس: أنه كان بين معاوية ﵁ بعد استقلاله بالخلافة وأبناء علي من الألفة والتقارب ما هو مشهور في كتب السير والتاريخ .. ومن ذلك أن الحسن، والحسين وفدا على معاوية فأجازهما بمائتي ألف، وقال لهما: ما أجاز بهما أحد قبلي، فقال له الحسن: ولم تعط أحدًا أفضل منا. (١)
ودخل مرة الحسن على معاوية فقال له: مرحبًا، وأهلًا بابن رسول الله ﷺ ، وأمر له بثلاثمائة ألف. (٢) وهذا مما يقطع بكذب ما ادعي في حق معاوية ﵁ من حمله الناس على سب علي ﵁، إذ كيف يحصل هذا مع ما بينه وبين أولاده من هذه الألفة والمودة.
الرواية الثانية: عن سهل بن سعد ﵁ قال: استُعمل على المدينة رجل من آل مروان قال: فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم عليًّا ﵁، فأبى سهل، فقال له: أما إذا أبيت فقل: لعن الله أبا تراب، فقال سهل: ما كان لعليٌّ اسمٌ أحب إليه من أبي التراب، وإن كان ليفرح إذا دعي بها، فقال له: أخبرنا عن قصته، لم سمي أبا التراب؟ قال: جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة فلم يجد عليًّا في البيت، فقال: أين ابن عمك؟ فقالت: كان بيني، وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يَقِلْ عندي، فقال رسول الله ﷺ لإنسان: انظر أين هو؟ فجاء فقال: يا رسول الله ﷺ ، هو في المسجد راقد، فجاءه رسول الله ﷺ وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب، فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه، ويقول: قم أبا التراب قم أبا التراب (٣).
стр. 5184
والجواب: هذا الادعاء لا أساس له من الصحة، بل إن استشهاد هؤلاء وأمثالهم بهذا الحديث لا حجة فيه، فأين التصريح باسم معاوية فيه؟ ثم إن الرجل من آل مروان، ومن المعروف لدى الجاهل قبل العالم أن معاوية ﵁ سفيانيٌّ وليس مروانيٌّ.
وهل يعقل أن يسع حلم معاوية ﵁ الذي بلغ مضرب الأمثال، سفهاء الناس وعامتهم، وهو أمير المؤمنين؟ ثم يأمر بعد ذلك بلعن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب على المنابر، ويأمر ولاته بذلك في سائر الأمصار والبلدان! والحكم في هذا لكل صاحب عقلٍ وفهمٍ ودينٍ ..
الشبهة الخامسة: ما جرى بينه، وبين الحسن بن علي ﵃ -.
١ - قولهم: إن معاوية اشترى الحسن بالمال، ثم اشترى إحدى زوجاته اللاتي لا يحصين بالمال على أن تسُمَّ زوجها مؤملا لها بزواج يزيد ثم لم يف لها بالوعد خوفا على ولده.
٢ - حرمان الحسن من الدفن مع جده بالتعاون مع عائشة.
أولًا: هل اشترى معاوية الحسن بالمال حتى تنازل له عن الخلافة ؟
والجواب: لا.
وبيان ذلك: من وجوه.
الوجه الأول: أن النبي ﷺ أخبر بهذا الصلح قبل أن يموت.
الوجه الثاني: أن الحسن بن علي كان معه العدد والعدة، ولم يكن بحاجة إلى مال، ولكنه قَبِلَ الصلح حقنًا لدماء المسلمين.
الوجه الثالث: أن معاوية بادر إلى ذلك هو الآخر حقنًا لدماء المسلمين.
والأصل في هذه الأوجه الثلاثة ما رواه أبو موسى ﵁ قال: سمعت الحسن يقول: استَقْبَلَ والله الحسنُ بن علي معاويةَ بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية -وكان والله خير الرجلين- أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم (أو بضعفتهم)؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس، عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه، وقولا له، واطلبا إليه.
стр. 5185
فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له فطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، قال: فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا؟ قال: نحن لك به، فما سألهما شيئًا إلا قال: نحن لك به، فصالحه. فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر، والحسن بن عليٍّ إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول- ﷺ : "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". (١)
الوجه الرابع: أن صلح الحسن مع معاوية لم يكن مقابل مال، وإنما كان بنزوله عن الأمر عام إحدى وأربعين في شهر جمادى الأولى، وسمي عام الجماعة؛ لاجتماع الناس على معاوية وهو أول الملوك. للحديث "ستكون خلافة نبوةٍ ورجة، ثم يكون ملكٌ ورحمةٌ، ثم يكون ملكٌ وجبريةٌ، ثم يكون ملكٌ عضوضٌ". (٢)
الوجه الخامس: أن الحسن ﵁ ورد عنه صريحًا ما يرُدُّ هذا، وهو ما رواه عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: قلت للحسن: إن الناس يقولون إنك تريد الخلافة، فقال: قد كانت جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت، ويسالمون من سالمت، فتركتها ابتغاء وجه الله، وحقن دماء أمة محمد ﷺ . (٣)
وأما بعض الروايات التي توهم أنه اشتراه بالمال فهي من وضع الكذابين ، وإليك بعضها:
الرواية الأولى: قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين: وكان أول شيء أحدث الحسن أنه زاد المقاتلة مائة مائة، وقد كان علي فعل ذلك يوم الجمل، والحسن فعله على حال الاستخلاف، فتبعه الخلفاء من بعد ذلك.