وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [آل عمران: ٦١] دعا رسول الله ﷺ عليًّا، وفاطمة، وحسنًا، وحسينًا، فقال: اللهم هؤلاء أهلي. (١)
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: هذا الحديث لا يفيد أن معاوية أمر سعدًا بسب علي، ولكنه كما هو ظاهر فإن معاوية أراد أن يستفسر عن المانع من سب علي، فأجابه سعد عن السبب، ولم نعلم أن معاوية عندما سمع رد سعد غضب منه، ولا عاقبه ..
الوجه الثاني: أن سكوت معاوية هنا، تصويب لرأي سعد، ولو كان معاوية ظالمًا يجبر الناس على سب علي كما يدَّعون، لما سكت عن سعد، ولأجبره على سبه وهو والٍ مطاع لا يقوى أحد على معارضته، ولكن لم يحدث من ذلك شيء، فعُلم أنه لم يأمر بسبه، ولا رضي بذلك ..
يقول النووي ﵀ في ذلك: قول معاوية هذا، ليس فيه تصريح بأنه أمر سعدًا بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب، كأنه يقول: هل امتنعت تورعًا، أوخوفًا، أو غير ذلك؟ فإن كان تورعًا، وإجلالًا له عن السب، فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر، ولعل سعدًا قد كان في طائفة يسبون، فلم يسب معهم، وعجز عن الإنكار، أو أنكر عليهم، فسأله هذا السؤال، قالوا: ويحتمل تأويلٌ آخر أن معناه: ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده، وتظهر للناس حسن رأينا، واجتهادنا، وأنه أخطأ (٢).
الوجه الثالث: أن معاوية ﵁ إنما قال ذلك على سبيل المداعبة لسعد، وأراد من ذلك استظهار بعض فضائل علي ﵁، فإن معاوية ﵁ كان رجلًا فطنًا ذكيًا يحب مطارحة الرجال واستخراج ما عندهم، فأراد أن يعرف ما عند سعد في علي- ﵄، فألقى سؤاله بهذا الأسلوب المثير ..
стр. 5182
وهذا مثل قوله ﵁ لابن عباسٍ: أنت على ملة علي؟ فقال له ابن عباس: ولا على ملة عثمان، أنا على ملة رسول الله ﷺ (١). وظاهر قول معاوية هنا لابن عباس جاء على سبيل المداعبة، فكذلك قوله لسعد هو من هذا الباب، وأما ما ادعي من الأمر بالسب، فحاشا معاوية ﵁ أن يصدر منه مثل ذلك، والمانع من هذا عدة أمور: -
الأول: أن معاوية نفسه ما كان يسب عليًّا ﵁، فكيف يأمر غيره بسبه؟ بل كان معظمًا له معترفًا له بالفضل والسبق إلى الإسلام، كما دلت على ذلك أقواله الثابت عنه.
قال ابن كثير: وقد ورد من غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: هل تنازع عليًّا أم أنت مثله؟ فقال: والله إني لأعلم أنه خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني (٢).
ونقل ابن كثير أيضًا عن جرير بن عبد الحميد عن المغيرة ﵁ قال: لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك، إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم (٣).
الثاني: أنه لا يعرف بنقل صحيح أن معاوية ﵁ تعرض لعلي ﵁ بسب، أو شتم أثناء حربه له في حياته، فهل من المعقول أن يسبه بعد انتهاء حربه معه ووفاته، فهذا من أبعد ما يكون عند أهل العقول، وأبعد منه أن يحمل الناس على سبه وشتمه.
الثالث: أن معاوية ﵁ كان رجلًا ذكيًا، مشهورًا بالعقل والدهاء، فلو أراد حمل الناس على سب علي -وحاشاه من ذلك- أفكان يطلب ذلك من مثل سعد بن أبي وقاص، وهو من هو في الفضل، والورع، مع عدم دخوله في الفتنة أصلًا! ! فهذا لا يفعله أقل الناس عقلًا، وتدبيرًا، فكيف بمعاوية!
стр. 5183
الرابع: أن معاوية ﵁ انفرد بالخلافة بعد تنازل الحسن بن علي- ﵄ له واجتمعت عليه الكلمة والقلوب، ودانت له الأمصار بالملك، فأي نفع له في سب علي؟ ! بل الحكمة وحسن السياسة تقتضي عدم ذلك، لما فيه من تهدئة النفوس وتسكين الأمور، ومثل هذا لا يخفى على معاوية ﵁ الذي شهدت له الأمة بحسن السياسة، والتدبير.
الخامس: أنه كان بين معاوية ﵁ بعد استقلاله بالخلافة وأبناء علي من الألفة والتقارب ما هو مشهور في كتب السير والتاريخ .. ومن ذلك أن الحسن، والحسين وفدا على معاوية فأجازهما بمائتي ألف، وقال لهما: ما أجاز بهما أحد قبلي، فقال له الحسن: ولم تعط أحدًا أفضل منا. (١)
ودخل مرة الحسن على معاوية فقال له: مرحبًا، وأهلًا بابن رسول الله ﷺ ، وأمر له بثلاثمائة ألف. (٢) وهذا مما يقطع بكذب ما ادعي في حق معاوية ﵁ من حمله الناس على سب علي ﵁، إذ كيف يحصل هذا مع ما بينه وبين أولاده من هذه الألفة والمودة.
الرواية الثانية: عن سهل بن سعد ﵁ قال: استُعمل على المدينة رجل من آل مروان قال: فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم عليًّا ﵁، فأبى سهل، فقال له: أما إذا أبيت فقل: لعن الله أبا تراب، فقال سهل: ما كان لعليٌّ اسمٌ أحب إليه من أبي التراب، وإن كان ليفرح إذا دعي بها، فقال له: أخبرنا عن قصته، لم سمي أبا التراب؟ قال: جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة فلم يجد عليًّا في البيت، فقال: أين ابن عمك؟ فقالت: كان بيني، وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يَقِلْ عندي، فقال رسول الله ﷺ لإنسان: انظر أين هو؟ فجاء فقال: يا رسول الله ﷺ ، هو في المسجد راقد، فجاءه رسول الله ﷺ وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب، فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه، ويقول: قم أبا التراب قم أبا التراب (٣).
стр. 5184
والجواب: هذا الادعاء لا أساس له من الصحة، بل إن استشهاد هؤلاء وأمثالهم بهذا الحديث لا حجة فيه، فأين التصريح باسم معاوية فيه؟ ثم إن الرجل من آل مروان، ومن المعروف لدى الجاهل قبل العالم أن معاوية ﵁ سفيانيٌّ وليس مروانيٌّ.
وهل يعقل أن يسع حلم معاوية ﵁ الذي بلغ مضرب الأمثال، سفهاء الناس وعامتهم، وهو أمير المؤمنين؟ ثم يأمر بعد ذلك بلعن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب على المنابر، ويأمر ولاته بذلك في سائر الأمصار والبلدان! والحكم في هذا لكل صاحب عقلٍ وفهمٍ ودينٍ ..
الشبهة الخامسة: ما جرى بينه، وبين الحسن بن علي ﵃ -.
١ - قولهم: إن معاوية اشترى الحسن بالمال، ثم اشترى إحدى زوجاته اللاتي لا يحصين بالمال على أن تسُمَّ زوجها مؤملا لها بزواج يزيد ثم لم يف لها بالوعد خوفا على ولده.
٢ - حرمان الحسن من الدفن مع جده بالتعاون مع عائشة.
أولًا: هل اشترى معاوية الحسن بالمال حتى تنازل له عن الخلافة ؟
والجواب: لا.
وبيان ذلك: من وجوه.
الوجه الأول: أن النبي ﷺ أخبر بهذا الصلح قبل أن يموت.
الوجه الثاني: أن الحسن بن علي كان معه العدد والعدة، ولم يكن بحاجة إلى مال، ولكنه قَبِلَ الصلح حقنًا لدماء المسلمين.
الوجه الثالث: أن معاوية بادر إلى ذلك هو الآخر حقنًا لدماء المسلمين.
والأصل في هذه الأوجه الثلاثة ما رواه أبو موسى ﵁ قال: سمعت الحسن يقول: استَقْبَلَ والله الحسنُ بن علي معاويةَ بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية -وكان والله خير الرجلين- أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم (أو بضعفتهم)؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس، عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه، وقولا له، واطلبا إليه.
стр. 5185
فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له فطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، قال: فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا؟ قال: نحن لك به، فما سألهما شيئًا إلا قال: نحن لك به، فصالحه. فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر، والحسن بن عليٍّ إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول- ﷺ : "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". (١)
الوجه الرابع: أن صلح الحسن مع معاوية لم يكن مقابل مال، وإنما كان بنزوله عن الأمر عام إحدى وأربعين في شهر جمادى الأولى، وسمي عام الجماعة؛ لاجتماع الناس على معاوية وهو أول الملوك. للحديث "ستكون خلافة نبوةٍ ورجة، ثم يكون ملكٌ ورحمةٌ، ثم يكون ملكٌ وجبريةٌ، ثم يكون ملكٌ عضوضٌ". (٢)
الوجه الخامس: أن الحسن ﵁ ورد عنه صريحًا ما يرُدُّ هذا، وهو ما رواه عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: قلت للحسن: إن الناس يقولون إنك تريد الخلافة، فقال: قد كانت جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت، ويسالمون من سالمت، فتركتها ابتغاء وجه الله، وحقن دماء أمة محمد ﷺ . (٣)
وأما بعض الروايات التي توهم أنه اشتراه بالمال فهي من وضع الكذابين ، وإليك بعضها:
الرواية الأولى: قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين: وكان أول شيء أحدث الحسن أنه زاد المقاتلة مائة مائة، وقد كان علي فعل ذلك يوم الجمل، والحسن فعله على حال الاستخلاف، فتبعه الخلفاء من بعد ذلك.
стр. 5186
وكتب الحسن إلى معاوية مع جندب بن عبد الله الأزدي: (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ رحمة للعالمين، ومنّةً على المؤمنين، وكافةً إلى الناس أجمعين ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ فبلغ رسالات الله، وقام على أمر الله حتى توفاه الله غير مقصر ولا وإن، حتى أظهر الله به الحق، ومحق به الشرك، ونصر به المؤمنين، وأعز به العرب، وشرف به قريشًا خاصة، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] فلما توفي ﷺ تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، ولا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد ﷺ في الناس وحقه، فرأت العرب أن القول كما قالت قريش، وأن الحجة لهم في ذلك على من نازعهم أمر محمد ﷺ فأنعمت لهم العرب، وسلمت ذلك، ثم حاججنا نحن قريشًا بمثل ما حاجت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف والاحتجاج فلما صرنا أهل بيت محمد ﷺ ، وأولياءه إلى محاجتهم، وطلب النصف منهم باعدونا، واستولوا بالاجتماع على ظلمنا، ومراغمتنا، والعنت منهم لنا، فالموعد الله، وهو الولي النصير.
وقد تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا، وسلطان نبينا ﷺ ، وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام، فأمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب بذلك مغمزًا يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا به من فساده، فاليوم فليعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله، لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله ﷺ ، ولكن الله خيبك وسترد فتعلم لمن عقبى الدار، تالله لتلقين عن قليل ربك، ثم ليجزينك بما قدمت يداك، وما الله بظلام للعبيد.
إن عليا ﵁ لما مضى لسبيله يوم قبض، ويوم منَّ الله عليه بالإسلام، ويوم يبعث حيًا - ولَّاني المسلمون الأمر بعده، فأسأل الله أن لا يزيدنا في الدنيا الزائلة شيئًا ينقصنا به في الآخرة
стр. 5187
مما عنده من كرامته، وإنما حملني على الكتاب إليك: الإعذار فيما بيني وبين الله في أمرك، ولك في ذلك إن فعلت الحظ الجسيم، وللمسلمين فيه صلاح، فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فإنك تعلم أني أحق لهذا منك عند الله وعند كل أواب حفيظ، ومن له قلب منيب، واتق الله ودع البغي، وأحقن دماء المسلمين، ما دخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله، ومن هو أحق به منك، ليطفئ الله النائرة بذلك، وتجمع الكلمة، وتصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيك نهدت إليك بالمسلمين، فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
فكتب إليه معاوية: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت به رسول الله ﷺ من الفضل وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كله، قديمه وحديثه، وصغيره وكبيره، فقد والله بلَّغ فأدَّى، ونصح وهدى، حتى أنقذ الله به من التهلكة، وأنار به من العمى، وهدى به من الضلالة، فجزاه الله أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته، وصلوات الله عليه يوم ولد ويوم قبض ويوم يبعث حيًّا، وذكرت وفاة النبي ﷺ ، وتنازع المسلمين من بعده، فرأيتك صرحت بتهمة أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وأبي عبيدة الأمين، وحواري الرسول ﷺ ، وصلحاء المهاجرين، والأنصار، فكرهت ذلك لك، فإنك امرؤٌ عندنا، وعند الناس غير ظنين، ولا المسيء ولا اللئيم، وأنا أحب لك القول السديد، والذكر الجميل.
إن هذه الأمة لما اختلفت بعد نبيها لم تجهل فضلكم، ولا سابقتكم، ولا قرابتكم من النبي ﷺ ، ولا مكانتكم في الإسلام وأهله، فرأت الأمة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانها من نبيها، ورأى صلحاء الناس من قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس وعامتهم أن يولوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلامًا وأعلمها بالله وأحبها له، وأقواها على أمر الله، واختاروا أبا بكر، وكان ذلك رأي ذوي الحجى والدين والفضيلة والناظرين للأمة، فأوقع ذلك في صدوركم لهم التهمة، ولم يكونوا بمتهمين، ولا فيما أتوا بمخطئين،
стр. 5188
ولو رأى المسلمون فيكم من يغني غناءه أو يقوم مقامه، أو يذب عن حريم المسلمين ذبه، ما عدلوا بذلك الأمر إلى غيره رغبة عنه، ولكنهم عملوا في ذلك بما رأوه صلاحًا للإسلام وأهله، فالله يجزيهم عن الإسلام، وأهله خيرًا.
وقد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح، والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال التي كنتم عليها أنتم، وأبو بكر بعد النبي ﷺ ، ولو علمت أنك أضبط مني للرعية، وأحوط على هذه الأمة، وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الأموال، وأكيد للعدو، لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، ورأيتك لذلك أهلًا، ولكني قد علمت أني أطول منك ولاية، وأقدم منك لهذه الأمة تجربة، وأكثر منك سياسة، وأكبر منك سنًّا، فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في طاعتي، ولك الأمر من بعدي، ولك ما في بيت مال العراق من مال بالغًا ما بلغ تحمله إلى حيث أحببت، ولك خراج أي كور العراق شئت، معونة لك على نفقتك، يجبيها لك أمينك، ويحملها إليك في كل سنة، ولك ألا أتولى عليك بالإساءة ولا تقضى دونك الأمور، ولا تعصى في أمر أردت به طاعة الله ، أعاننا الله وإياك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاء والسلام.
قال جندب: فلما أتيت الحسن بن علي بكتاب معاوية قلت له: إن الرجل سائر إليك، فابدأ أنت بالمسير حتى تقاتله في أرضه وبلاده وعمله، فإما أن تقدر أنه يتناولك فلا والله حتى يرى يومًا أعظم من يوم صفين، فقال: أفعل، ثم قعد عن مشورتي، وتناسى قولي.
قال: وكتب معاوية إلى الحسن بن علي: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإن الله يفعل في عباده ما يشاء، ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ فاحذر أن تكون منيتك على يد رعاع من الناس، وايئس من أن تجد فينا غميزة، وإن أنت أعرضت عما أنت فيه وبايعتني، وفيت لك بما وعدت، وأجزت لك ما شرطت، وأكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:
وإن أحد أسدى إليك أمانة ... فأوف بها تدعى إذا مت وافيا
ولا تحسد المولى إذا كان ذا غنى ... ولا تجفه إن كان في المال فانيا
ثم الخلافة لك من بعدي، فأنت أولى الناس بها، والسلام.
стр. 5189
فأجابه الحسن بن علي: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، وصل إليَّ كتابك تذكر فيه ما ذكرت، فتركت جوابك خشية البغي عليك، وبالله أعوذ من ذلك، فاتبع الحق تعلم أني من أهله، وعلي إثم أن أقول فأكذب، والسلام.
فلما وصل كتاب الحسن إلى معاوية قرأه، ثم كتب إلى عماله على النواحي نسخة واحدة: بسم الله الرحمن الرحيم، من معاوية أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان ومن قبله من المسلمين، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فالحمد لله الذي كفاكم مؤنة عدوكم وقتلة خليفتكم، إن الله بلطفه، وحسن صنعه أتاح لعلي بن أبي طالب رجلًا من عباده فاغتاله فقتله، فترك أصحابه متفرقين مختلفين، وقد جاءتنا كتب أشرافهم، وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم، وعشائرهم، فأقبلوا إليَّ حين يأتيكم كتابي هذا بجندكم، وجهدكم وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر، وبلغتم الأمل، وأهلك الله أهل البغي والعدوان، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قال: فاجتمعت العساكر إلى معاوية بن أبي سفيان، وسار قاصدًا إلى العراق وبلغ الحسن خبر مسيره، وأنه بلغ جسر منبج، فتحرك لذلك وبعث حجر بن عدي يأمر العمال والناس بالتهيؤ للمسير، ونادى المنادي: الصلاة جامعة، فأقبل الناس يثوبون، ويجتمعون، فقال الحسن: إذا رضيت جماعة الناس فأعلمني، وجاء سعيد بن قيس الهمداني، فقال: اخرج، فخرج الحسن ﵇ فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن الله كتب الجهاد على خلقه، وسماه كرهًا.
ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]، فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون، إلا بالصبر على ما تكرهون، إنه بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على السير إليه، فتحرك لذلك، فاخرجوا -رحمكم الله- إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظروا، ونرى وتروا، قال: وإنه في كلامه ليتخوف خذلان الناس إياه. قال: فسكتوا فما تكلم منهم أحد، ولا أجاب بحرف، فلما رأى ذلك عدي بن حاتم
стр. 5190
قال: أنا ابن حاتم، سبحان الله، ما أقبح هذا المقام؟ ألا تجيبون إمامكم، وابن بنت نبيكم، أين خطباء مضر؟ أين المسلمون؟ أين الخواضون من أهل المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة، فإذا جد الجد فرواغون كالثعالب، أما تخافون مقت الله، ولا عيبها، وعارها. ثم استقبل الحسن بوجهه فقال: أصاب الله بك المراشد، وجنبك المكاره، ووفقك لما يحمد ورده وصدره فقد سمعنا مقالتك، وانتهينا إلى أمرك، وسمعنا منك، وأطعناك فيما قلت وما رأيت، وهذا وجهي إلى معسكري، فمن أحب أن يوافيني فليواف.
ثم مضى لوجهه، فخرج من السجد، ودابته بالباب، فركبها، ومضى إلى النخيلة، وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه، وكان عدي أول الناس عسكرًا.
ثم قام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، ومعقل بن قيس الرياحي، وزياد بن صعصعة التيمي، فأنَّبوا الناس، ولاموهم وحرضوهم، وكلموا الحسن بمثل كلام عدي بن حاتم في الإجابة والقبول.
فقال لهم الحسن: صدقتم -رحمكم الله- ما زلت أعرفكم بصدق النية والوفاء بالقول والمودة الصحيحة، فجزاكم الله خيرًا، ثم نزل، وخرج الناس، فعسكروا، ونشطوا للخروج، وخرج الحسن إلى معسكره، واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأمره باستحثاث الناس وإشخاصهم إليه، فجعل يستحثهم ويخرجهم، حتى التأم العسكر.
ثم إن الحسن بن علي سار في عسكر عظيم وعدة حسنة حتى أتى دير عبد الرحمن فأقام به ثلاثًا حتى اجتمع الناس، ثم دعا عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب فقال له: يابن عم، إني باعث معك اثني عشر ألفا من فرسان العرب، وقراء المصر، الرجل منهم يزن الكتيبة، فسر بهم، وألن لهم جانبك، وابسط وجهك، وافرش لهم جناحك، وأدنهم من مجلسك؛ فإنهم بقية ثقة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات، ثم تصير إلى مسكن، ثم امض حتى تستقبل معاوية، فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك فإني في إثرك وشيكًا، وليكن خبرك عندي كل يوم، وشاور هذين؛ يعني قيس بن سعد، وسعيد بن قيس، فإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك، فإن فعل فقاتل، فإن أُصِبت فقيس بن سعدٍ
стр. 5191
على الناس، وإن أصيب قيسٌ فسعيد بن قيس على الناس، ثم أمره بفي أراد، وسار عبيد الله حتى انتهى إلى شينور حتى خرج إلى شاهي، ثم لزم الفرات والفالوجة حتى أتى مسكن. وأخذ الحسن على حمام عمر، حتى أتى دير كعب، ثم بكر، فنزل ساباط دون القنطرة، فلما أصبح نادى في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، وصعد المنبر، فخطبهم، فحمد الله، فقال: الحمد لله كلما حمده حامد، وأشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد، وأشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ أرسله بالحق، وائتمنه على الوحي. أما بعد، فوالله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه، وأنا أنصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة، ولا مريدًا له سوءًا ولا غائلةً، ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيرًا من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمري، ولا تردوا عليَّ رأيي، غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا. قال: فنظر الناس بعضهم إلى بعض، قالوا: ما ترونه يريد بما قال؟ قالوا: نظنه والله يريد أن يصالح معاوية، ويسلم الأمر إليه، فقالوا: كفر والله الرجل، ثم شدوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته، ثم شد عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي فنزع مطرفه عن عاتقه، فبقي جالسًا متقلدًا لسيف بغير رداء، ثم دعا بفرسه فركبه، وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته، ومنعوه ممن أراده، ولاموه، وضعفوه لما تكلم به، فقال: ادعوا لي ربيعة، وهمدان، فدعوا له، فأطافوا به، ودفعوا الناس عنه، ومعهم شوب من غيرهم، فقام إليه رجل من بني أسد من بني نصر بن قعين يقال له الجراح بن سنان، فلما مر في مظلم ساباط قام إليه، فأخذ بلجام بغلته، وبيده معول، فقال: الله أكبر يا حسن، أشركت كما أشرك أبوك من قبل، ثم طعنه، فوقعت الطعنة في فخذه، فشقته فسقط الحسن إلى الأرض بعد أن ضرب الذي طعنه بسيف كان بيده واعتنقه، وخرا جميعًا إلى الأرض، فوثب عبد الله بن الخطل فنزع العول من يد جراح بن سنان فخضخضه به، وأكب طبيان بن عمارة عليه، فقطع أنفه ثم أخذوا الآجر فشدخوا وجهه ورأسه، حتى قتلوه.
стр. 5192
وحمل الحسن على سرير إلى المدائن، وبها سعد بن مسعود الثقفي واليًا عليها من قبله، وكان علي ولاه فأقره الحسن بن علي، فأقام عنده يعالج نفسه.
قال: ثم إن معاوية وافى حتى نزل قرية يقال لها الحبوبية بمسكن، فأقبل عبد الله بن العباس حتى نزل بإزائه، فلما كان من غدٍ وجه معاوية بخيله إليه فخرج إليهم عبيد الله ابن العباس فيمن معه، فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم، فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد الله بن العباس أن الحسن قد راسلني في الصلح، وهو مسلم الأمر إليَّ، فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعًا، وإلا دخلت وأنت تابع، ولك إن جئتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم، يعجل لك في هذا الوقت النصف، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فانسل عبيد الله ليلًا، فدخل عسكر معاوية، فوفى له بما وعده، فأصبح الناس ينتظرون أن يخرج فيصلي بهم، فلم يخرج حتى أصبحوا، فطلبوه، فلم يجدوه، فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة، ثم خطبهم فقال: أيها الناس، لا يهولنكم ولا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الوله الورع -أي الجبان-؛ إن هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خيرٍ قط، إن أباه عم رسول الله ﷺ خرج يقاتله ببدر، فأسره أبو اليسر كعب بن عمر الأنصاري، فأتى به رسول الله ﷺ ، فأخذ فداءه فقسمه بين المسلمين، وإن أخاه ولاه علي أمير المؤمنين على البصرة فسرق مال الله ومال المسلمين، فاشترى به الجواري، وزعم أن ذلك له حلال، وإن هذا ولاه علي اليمن، فهرب من بسر بن أرطأة، وترك ولده حتى قتلوه، وصنع الآن هذا الذي صنع.
قال: فتنادى الناس: الحمد لله الذي أخرجه من بيننا، فانهض بنا إلى عدونا، فنهض بهم.
وخرج إليهم بسر بن أرطأة في عشرين ألفا، فصاحوا بهم: هذا أميركم قد بايع، وهذا الحسن قد صالح؛ فعلام تقتلون أنفسكم؟ فقال لهم قيس بن سعد بن عبادة: اختاروا إحدى اثنتين: إما القتال مع غير إمام، أو تبايعون بيعة ضلال، فقالوا: بل نقاتل بلا إمام، فخرجوا، فضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى مصافهم. وكتب معاوية إلى قيس يدعوه، ويمنيه، فكتب إليه قيس: لا والله، لا تلقاني أبدًا إلا وبيني وبينك الرمح. فكتب إليه معاوية: أما بعد، فإنما
стр. 5193
أنت يهودي ابن يهودي تشقي نفسك، وتقتلها فيما ليس لك، فإن ظهر أحب الفريقين إليك نبذك وعزلك، وإن ظهر أبغضهما إليك نكل بك، وقتلك، وقد كان أبوك أوتر غير قوسه، ورمى غير غرضه، فأكثر الحز، وأخطأ المفصل فخذله قومه، وأدركه يومه، فمات بحوران طريدًا غريبًا، والسلام. فكتب إليه قيس بن سعد ﵀: أما بعد: فإنما أنت وثن ابن وثن من هذه الأوثان، دخلت في الإسلام كرهًا، وأقمت عليه فرقًا، وخرجت منه طوعًا، ولم يجعل الله لك فيه نصيبًا، لم يقدم إسلامك، ولم يحدث نفاقك، ولم تزل حربًا لله ورسوله، وحزبًا من أحزاب المشركين، فأنت عدو الله ورسوله، والمؤمنين من عباده. وذكرت أبي، ولعمري ما أوتر إلا قوسه، ولا رمى إلاغرضه، فشغب عليه من لا تشق غباره، ولا تبلغ كعبه، وكان امرأً مرغوبا عنه، مزهودًا فيه. وزعمت أني يهودي ابن يهودي، ولقد علمت وعلم الناس أني وأبي من أنصار الدين الذي خرجت منه، وأعداء الدين الذي دخلت فيه، وصرت إليه، والسلام. فلما قرأ معاوية غاظه، وأراد إجابته، فقال له عمرو: مهلًا، إن كاتبته أجابك بأشد من هذا، وإن تركته دخل فيما دخل فيه الناس، فأمسك عنه.
قال: وبعث معاوية عبد الله بن عامر، وعبد الرحمن بن سمرة إلى الحسن للصلح، فدعواه إليه، وزهداه في الأمر، وأعطياه ما شرط له معاوية، وألا يتبع أحد بما مضى، ولا ينال أحد من شيعة علي بمكروه، ولا يذكر عليًّا إلا بخير، وأشياء اشترطها الحسن. فأجابه الحسن إلى ذلك، وانصرف قيس فيمن معه إلى الكوفة، وانصرف الحسن إليها أيضًا، وأقبل معاوية قاصدًا الكوفة، واجتمع إلى الحسن وجوه الشيعة، وأكابر أمير المؤمنين يلومونه ويبكون إليه جزعًا مما فعله (١).
الرواية الثانية: عن الشعبي، عن سفيان بن الليل، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، وأكثر اللفظ لأبي عبيد، قال: أتيت الحسن بن علي حين بايع معاوية، فوجدته بفناء داره، وعنده رهط، فقلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين، فقال: عليك السلام يا سفيان،
стр. 5194
انزل فنزلت، فعلقت راحلتي، ثم أتيته، فجلست إليه، فقال: كيف قلت يا سفيان بن الليل؟ فقلت: السلام عليك يا مذل رقاب المؤمنين. فقال: ما جر هذا منك إلينا؟ فقلت: أنت والله -بأبي أنت وأمي- أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة، وسلمت الأمر إلى اللعين بن اللعين بن آكلة الأكباد، ومعك مائة ألف كلهم يموت دونك. وقد جمع الله لك أمر الناس. فقال: يا سفيان، إنا أهل بيت إذا علمنا الحق تمسكنا به، وإني سمعت عليًّا يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تذهب الليالي والأيام حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل واسع السرم، ضخم البلعوم، يأكل، ولا يشبع، لا ينظر الله إليه، ولا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر، ولا في الأرض ناصر، وإنه لمعاوية، وإني عرفت أن الله بالغ أمره. ثم أذن المؤذن، فقمنا على حالب يحلب ناقة، فتناول الإناء، فشرب قائمًا ثم سقاني، فخرجنا نمشي إلى المسجد، فقال لي: ما جاءنا بك يا سفيان؟ قلت: حبكم، والذي بعث محمدًا للهدى، ودين الحق. قال: فأبشر يا سفيان، فإني سمعت عليًّا يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يَرِدُ عليَّ الحوض أهل بيتي، ومن أحبهم من أمتي كهاتين، يعني السبابتين. ولو شئت لقلت هاتين يعني السبابة والوسطى، إحداهما تفضل على الأخرى، أبشر يا سفيان؛ فإن الدنيا تسع البر والفاجر حتى يبعث الله إمام الحق من آل محمد ﷺ . هذا لفظ أبي عبيد. وفي حديث محمد بن الحسين، وعلي بن العباس بعض هذا الكلام موقوفًا عن الحسن غير مرفوع إلى النبي ﷺ إلا في ذكر معاوية فقط. (١)
стр. 5195
قال: وسار معاوية حتى نزل النخيلة، وجمع الناس بها، فخطبهم قبل أن يدخل الكوفة خطبةً طويلةً لم ينقلها أحدٌ من الرواة تامةً، وجاءت مقطعة في الحديث، وسنذكر ما انتهى إلينا من ذلك.
الرواية الثالثة: عن عطاء بن السائب، عن الشعبي قال: خطب معاوية حين بويع له فقال: ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها، ثم إنه انتبه فندم، فقال: إلا هذه الأمة فإنها وإنها. (١) وعن مجالد، عن الشعبي بهذا. (٢)
стр. 5196
الرواية الربعة: عن أبي إسحاق، قال: سمعت معاوية بالنخيلة يقول: ألا إن كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به. قال أبو إسحاق: وكان والله غدَّارًا. (١)
الرواية الثالثة: عن سعيد بن سويد قال: صلَّى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة في الصحن، ثم خطبنا فقال: إني والله ما قاتلتكم لتُصَلُّوا، ولا لتَصُوموا، ولا لتحجوا، ولا لتزكوا، إنكم لتفعلون ذلك. وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون. قال شريك في حديثه: هذا هو التهتك. (٢)
وعن حبيب بن أبي ثابت، قال: لما بويع معاوية خطب فذكر عليًّا، فنال منه، ونال من الحسن، فقام الحسين ليرد عليه فأخذ الحسن بيده فأجلسه، ثم قام فقال: أيها الذاكر عليًّا، أنا الحسن، وأبي عليّ، وأنت معاوية، وأبوك صخر، وأمي فاطمة، وأمك هند، وجدي رسول الله ﷺ ، وجدك حرب، وجدتي خديجة، وجدتك قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرًا، وألأمنا حسبًا، وشرنا قدمًا، وأقدمنا كفرًا ونفاقًا.
стр. 5197
فقال طوائف من أهل المسجد: آمين. قال فضل: فقال يحيى بن معين: ونحن نقول: آمين. قال أبو عبيد: ونحن أيضا نقول: آمين. قال أبو الفرج: وأنا أقول: آمين. (١)
قال: ودخل معاوية الكوفة بعد فرغه من خطبته بالنخيلة، وبين يديه خالد بن عرفطة، ومعه رجل يقال له حبيب بن عمار يحمل رايته حتى دخل الكوفة، فصار إلى المسجد، فدخل من باب الفيل، فاجتمع الناس إليه.
فعن عطاء بن السائب، عن أبيه، قال: بينما علي ﵁ على المنبر، إذ دخل رجل فقال: يا أمير المؤمنين، مات خالد بن عرفطة، فقال: لا، والله ما مات. إذ دخل رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين، مات خالد بن عرفطة، فقال: لا، والله ما مات، إذ دخل رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين، مات خالد بن عرفطة، فقال: لا، والله ما مات ولا يموت حتى يدخل من باب هذا المسجد، "يعني باب الفيل" براية ضلالة يحملها له حبيب بن عمار، قال فوثب رجل فقال: يا أمير المؤمنين أنا حبيب بن عمار وأنا لك شيعة. قال: فإنه كما أقول. فقدم خالد بن عرفطة على مقدمة معاوية يحمل رايته حبيب بن عمار.
قال مالك: حدثنا الأعمش بهذا الحديث، فقال: حدثني صاحب هذا الدار -وأشار بيده إلى دار السائب أبي عطاء- أنه سمع عليًّا يقول هذه المقالة. (٢) قالوا: ولما تم الصلح
стр. 5198
بين الحسن ومعاوية، أرسل إلى قيس بن سعد بن عبادة يدعوه إلى البيعة فأتى به، وكان رجلًا طويلًا يركب الفرس المسرف، ورجلاه تخطان في الأرض، وما في وجهه طاقة شعر، وكان يسمى خصي الأنصار، فلما أرادوا أن يدخلوه إليه قال: إني قد حلفت أن لا ألقاه إلا وبيني وبينه الرمح أو السيف، فأمر معاوية برمح أو سيف فوضع بينه وبينه ليبر يمينه.
الرواية السادسة: فعن عبيدة، وقد ذكر بعض ذلك في رواية أبي مخنف التي قدمنا إسنادها، قال: لما صالح الحسن معاوية، اعتزل قيس بن سعد في أربعة آلاف وأبى أن يبايع، فلما بايع الحسن أدخل قيس بن سعد ليبايع. قال أبو مخنف في حديثه: فأقبل على الحسن فقال: أنا في حل من بيعتك، قال: نعم، قال: فألقى لقيس كرسي، وجلس معاوية على سريره، فقال له معاوية: أتبايع يا قيس؟ قال: نعم، فوضع يده على فخذه ولم يمدها إلى معاوية، فجثا معاوية على سريره وأكب على قيس حتى مسح يده على يده، فما رفع قيس إليه يده. (١)
الرواية السابعة: عن أبي عبيد عن مجالد، عن الشعبي.، وعن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه: أن أهل العراق لما بايعوا الحسن، قالوا له: سر إلى هؤلاء الذين عصوا الله ورسوله وارتكبوا العظائم، فسار إلى أهل الشام، وأقبل معاوية حتى نزل جسر منبج، فبينا الحسن بالمدائن، إذ نادى مناد في عسكره: ألا إن قيس بن سعد قد قتل، فشد الناس على حجرة الحسن، فنهبوها حتى انتهبت بسطه، وأخذوا رداءه، وطعنه رجل من بني أسد في ظهره بخنجر مسموم في أليته، فتحول، ونزل قصر كسرى الأبيض وقال: عليكم لعنة الله من أهل قرية، قد علمت أن لا خير فيكم، قتلتم أبي بالأمس، واليوم تفعلون بي هذا. ثم كاتب معاوية في الصلح على أن يسلم له ثلاث خصال: يسلم له بيت المال فيقضي منه دينه
стр. 5199
ومواعيده ويتحمل منه هو وآله، ولا يُسَبُ علي وهو يسمع، وأن يحمل إليه خراج فسا ودرابجرد كل سنة إلى المدينة، فأجابه معاوية، وأعطاه ما سأل (١).
ثانيا: هل صحيح أن معاوية ﵁ دبر مؤامرة لقتل الحسن هو أو ابنه يزيد ؟ !
كل الروايات التي تقول: إن زوجته سمته بإشارة من معاوية أو يزيد فكذب بيّن وها هي:
الرواية الأولى: عن ابن جعدة، قال: كانت جعدة بنت الأشعث بن قيس تحت الحسن بن علي فدس إليها يزيد أن سُمِّي حسنًا حتى أتزوجك، ففعلت، فلما مات الحسن بعثت جعدة إلى يزيد تسأله الوفاء بما وعدها، فقال: إنا والله لم نرضك للحسن أفنرضاك لأنفسنا (٢).
الرواية الثانية: عن مغيرة، قال: أرسل معاوية إلى ابنة الأشعث إني مزوجك بيزيد ابني، على أن تسمي الحسن بن علي، وبعث إليها بمائة ألف درهم، فقبلت، وسمت الحسن، فسوغها المال، ولم يزوجها منه، فخلف عليها رجل من آل طلحة فأولدها، فكان إذا وقع بينهم وبين بطون قريش كلام عيروهم، وقالوا: يا بني مسمة الأزواج. (٣)
стр. 5200
الرواية الثالثة: عن أبي بكر بن حفص، قال: تُوفي الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص في أيام، بعد ما مضى من إمارة معاوية عشر سنين، وكانوا يرون أنه سقاهما سمًا (١).
الرواية الرابعة: عن مولى للحسن بن علي وعن عمير بن إسحاق -واللفظ له- قال: كنت مع الحسن والحسين في الدار فدخل الحسن المخرج ثم خرج فقال: لقد سقيت السم مرارًا ما سقيته مثل هذه المرة، ولقد لفظت قطعة من كبدي فجعلت أقلبها بعود معي، فقال له الحسين: من سقاكه؟ فقال: وما تريد منه؟ أتريد أن تقتله، إن يكن هو هو فالله أشد نقمة منك، وإن لم يكن هو فما أحب أن يؤخذ بي بريء (٢). قلت: قاتل الله هؤلاء الكذابين
стр. 5201
أرادوا أن يظهروا مدح الحسن فجرى على ألسنتهم ما في قلوبهم من ذمه وبغضه فذموه بتطلع زوجته إلى يزيد أو إلى ماله وهل تتطلع إلى يزيد من كانت عند الحسن وهل تتطلع إلى مال يزيد من كانت عند أكرم أهل عصره، وأوسعهم عطاء ﵁ وأرضاه فهذا من العجائب. والله المستعان.
وقد رد العلماء من أهل السنة على هذا الكلام ومن ذلك ما يلي:
١ - قال ابن خلدون: وما ينقل من أن معاوية دس إليه السم مع زوجه جعدة بنت الأشعث فهو من أحاديث الشيعة وحاشا لمعاوية من ذلك (١).
٢ - وقال ابن كثير ﵀: روى بعضهم أن يزيد بن معاوية بعث إلى جعدة بنت الأشعث أن سُمِّي الحسن وأنا أتزوجك بعده ففعلت، فلما مات الحسن بعثت إليه فقال: إنا والله لم نرضك للحسن، أفنرضاك لأنفسنا؟ وعندي أن هذا ليس بصحيح، وعدم صحته عن أبيه معاوية بطريق الأولى والأحرى. (٢)
стр. 5202
٣ - وقال الذهبي: قلت هذا شيء لا يصح فمن الذي أطلع عليه. (١)
٤ - وقال ابن العربي: قال ابن العربي: فإن قيل: دس على الحسن من تسمَّه، قلنا هذا محال من وجهين:
أحدهما: أنه ما كان ليتقي من الحسن بأسًا وقد سلَّم الأمر.
الثاني: أنه أمر مغيب لا يعلمه إلا الله، فكيف تحملونه بغير بيِّنة على أحد من خلقه في زمن متباعد ولم نثق فيه بنقل ناقل، بين أيدي قوم ذوي أهواء، وفي حال فتنة وعصبية، ينسب كل واحد إلى صاحبه ما لا ينبغي، فلا يقبل منها إلا الصافي، ولا يسمع فيها إلا من العدل الصميم. اهـ (٢)
ولعل الناقد لمتن هذه الرواية يتجلى له عدة أمور: -
١ - هل معاوية ﵁ أو ولده يزيد بهذه السذاجة ليأمرا امرأة الحسن بهذا الأمر الخطير، الذي فيه وضع حد لحياة الحسن بن علي غيلة، وما هو موقف معاوية أو ولده أمام المسلمين لو أن جعدة كشفت أمرهما؟ !
٢ - هل جعدة بنت الأشعث بن قيس بحاجة إلى شرف أو مال حتى تسارع لتنفيذ هذه الرغبة من يزيد، وبالتالي تكون زوجة له، أليست جعدة ابنة أمير قبيلة كندة كافة وهو الأشعث بن قيس، ثم أليس زوجها وهو الحسن بن علي أفضل الناس شرفا ورفعة بلا منازعة، إن أمه فاطمة وجده الرسول ﷺ وكفى به فخرا، وأبوه علي بن أبي طالب أحد العشرة المبشرين بالجنة ورابع الخلفاء الراشدين، إذًا ما هو الشيء الذي تسعى إليه جعدة وستحصل عليه حتى تنفذ هذا العمل الخطير؟ !
٣ - لقد وردت الروايات التي تفيد أن الحسن قال: لقد سقيت السم مرتين، وفي رواية ثلاث مرات، وفي رواية سقيت السم مرارا، هل بإمكان الحسن أن يفلت من السم مرارا إذا
стр. 5203
كان مدبر العملية هو معاوية أو يزيد؟ ! نعم إن عناية الله وقدرته فوق كل شيء، ولكن كان باستطاعة معاوية أن يركز السم في المرة الأولى ولا داعي لهذا التسامح مع الحسن المرة تلو المرة.
٤ - وإذا كان معاوية ﵁ يريد أن يصفي الساحة من المعارضين حتى يتمكن من مبايعة يزيد بدون معارضة، فإنه سيضطر إلى تصفية الكثير من أبناء الصحابة، ولن تقتصر التصفية على الحسن فقط.
٥ - وإن بقاء الحسن من صالح معاوية في بيعة يزيد، فإن الحسن كان كارهًا للنزاع وفرقة المسلمين، فربما ضمن معاوية رضاه، وبالتالي يكون له الأثر الأكبر في موافقة بقية أبناء الصحابة. (١)
وعلى كل حال لو ثبت موت الحسن ﵁ بالسم، فهذه شهادة له وكرامة في حقه كما قال بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (٤/ ٤٢) لكن الذي لا يثبت هو أن كون فاعل ذلك معاوية ﵁ أو ابنه يزيد أو أن يكون معلومًا بالتحديد والتعيين. (٢)
فصل في زوجات الحسن اللاتي لم يعلم عددهن وبيان أن هذه أسطورة يعتمد عليها في اتهام معاوية ﵁ بقتل الحسن عن طريق الاستعانة بإحدى زوجاته اللاتي لم يعلم عددهن، ولأنه كان صاحب ضرائر .
وأكتفي في إثبات بطلان ذلك بإيراد كل رواية ثم بيان بطلانها.
١ - الرواية الأولى: قال علي بن محمد المدائني: وكان الحسن أحصن تسعين امرأة. (٣)
٢ - الرواية الثانية: قال عبد الله بن حسن: كان حسن بن علي قل ما يفارقه أربعه حرائر، وكان صاحب ضرائر، وكانت عنده ابنة منظور بن سيار الفزاري، وعنده امرأة من
стр. 5204
بني أسد من آل حزيم فطلقهما، وبعثت إلى كل واحدة منهما بعشرة آلاف درهم، وزقاق من عسل متعة وقال لرسوله يسار بن سعيد بن يسار، وهو مولاه: احفظ ما يقولان لك، فقالت الفزارية: بارك الله فيه، وجزاه خيرًا، وقالت الأسدية: متاع قليل من حبيب مفارق فرجع فأخبره فراجع الأسدية، وترك الفزارية (١).
٣ - الرواية الثالثة: عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال علي: يا أهل الكوفة لا تزوجوا الحسن بن علي فإنه رجل مطلاق. فقال رجل من همدان: والله لنزوجنه فما رضي أمسك، وما كره طلق (٢).
٤ - الرواية الرابعة: عن سويد بن غَفَلة قال: كانت الخثعمية تحت الحسن بن علي فلما أن قتل علي وبويع الحسن بن علي دخل عليها الحسن بن علي فقالت له: ليهنئك الخلافة، فقال الحسن: أظهرت الشماتة بقتل علي أنت طالق ثلاثا، فتلفعت في ثوبها وقالت: والله ما أردت هذا فمكث حتى انقضت عدتها وتحولت، فبعث إليها الحسن بن علي ببقية من صداقها وبمتعة عشرين ألف درهم فلما جاءها الرسول ورأت المال قالت: متاع قليل من حبيب مفارق، فأخبر الرسول الحسن بن علي فبكى، وقال: لولا أني سمعت أبي يحدث عن رسول الله ﷺ جدي أنه قال: من طلق امرأته ثلاثًا لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره لراجعتها. (٣)
стр. 5205
٥ - الرواية الخامسة: عن ابن سيرين: أن الحسن بن علي طلق امرأة له وبعث إليها بعشرة ألف متعة لها فقالت: متاع قليل من حبيب مفارق فبلغه قولها فراجعها. (١)
وهذا صحيح يدل على بطلان ما سبق لأمرين:
الأول: أنه أثبت أنه راجعها.
الثاني: أنه لو كان كما يقولون مطلاقًا لما راجعها، ولا تعلق بها.
٦ - الرواية السادسة: عن الحسن بن سعد عن أبيه قال: متع الحسن بن علي امرأتين بعشرين ألف درهم وزقاق من عسل فقالت إحداهما، وأراها الحنفية: متاع قليل من حبيب مفارق. (٢)
وهذا أيضًا ضعيف، وربما يقوى بالذي قبله، وعلى فرض ذلك فهو لم يعارضه، ولم يوافق ما ادعوه من كونه مطلاقًا مزواجا في شيء وغاية ما فيه أنه ذكر أن الحسن متع امرأتين بكذا.
стр. 5206
٧ - الرواية السابعة: عن محمد، قال: خطب الحسن بن علي إلى منظور بن سيار بن زبان الفزاري ابنته فقال: والله أني لأنكحك وإني لأعلم أنك على طلق ملق غير أنك أكرم العرب بيتًا وأكرمه نسبًا. (١)
٨ - الرواية الثامنة: عن محمد بن عمر، قال حدثني علي بن عمر، عن أبيه، عن علي بن حسين، قال: كان حسن بن علي مطلاقًا للنساء، وكان لا يفارق امرأة إلا وهي تحبه. (٢)
ومن خلال ما مر نعلم أن الروايات التاريخية التي تشير إلى الأعداد الخيالية في زواج الحسن بن علي ﵁ لا تثبت من حيث الإسناد، وبالتالي لا تصلح للاعتماد عليها نظرًا للشبه، والطعون التي حامت حولها.
ويؤيد افتعال تلكم الكثرة أمور منها:
١ - إنها لو صحت لكان للحسن بن عل ﵁ من الأولاد جمع غفير يتناسب معها والحال الذي ذكر لها اثنان وعشرون ولدًا ما بين ذكر وأنثى، وهذا العدد يعتبر طبيعي بالنسبة لذلك العصر ويتناقض كليًا مع تلك الكثرة ولا يلتقي معها بصلة.
٢ - ومما يدل على وضع ذلك، ما روي أن أمير المؤمنين ﵁ كان يصعد المنبر ويقول: لا تزوجوا الحسن فإنه مطلاق. فنهي أمير المؤمنين الناس عن تزويج ولده على المنبر لا يخلو من أمرين:
الأول: إما أن يكون قد نهى ولده عن ذلك فلم يستجب له حتى اضطر إلى الجهر به، وإلى نهي الناس عن تزويجه.
والثاني: وإما أن يكون ذلك النهي ابتداء من دون أن يعرف ولده الحسن بغض والده، وكراهية أبيه لذلك، وكلا الأمرين بعيدان كل البعد.
стр. 5207
أما الأول: فهو بعيد لأن الحسن ﵁ كان بارًا بأبيه، ولا يخالفه، ولا يعصي أمره.
وأما الثاني: فبعيد أيضًا لأن الأولى بأمير المؤمنين أن يعرّف ولده ببغضه وكراهته لذلك ولا يعلن ذلك على المنبر أمام الجماهير الحاشدة، مما يسبب اضطراب في العلاقات الأسرية بين الوالد وولده، ويضاف إلى ذلك أن الأمر إما أن يكون سائغًا شرعًا، أو ليس بسائغ فإن كان سائغًا فما معنى نهي أمير المؤمنين علي ﵁، وإن لم يكن سائغًا، فكيف يرتكبه الحسن؟ إنا لا نشك في افتعال هذا الحديث ووضعه من خصوم الحسن بن علي ﵁ ليشوهوا بذلك سيرته العاطرة والتي توجت بمساعيه في وحدة الأمة، وهذه عادة الرواة الكذبة في تشويه سيرة المصلحين، وتاريخ الأمة.
٣ - ومما يؤيد افتعال تلك الكثرة لأزواجه ما روي أن الحسن بن علي ﵁ لما وافاه الأجل المحتوم خرجت جمهرة من النسوة حافيات حاسرات خلف جنازته، وهن يقلن نحن أزواج الإمام الحسن. إن افتعال ذلك صريح واضح، فإنا لا نتصور ما يبرر خروج تلك الكوكبة من النسوة حافيات حاسرات، وهن يهتفن أمام الجماهير بأنهن زوجات الحسن، فإن كان الموجب لخروجهن إظهار الأسى والحزن، فما الموجب لهذا التعريف والسير في الموكب المزدحم بالرجال مع أنهن قد أمرن بالتستر وعدم الخروج من بيوتهن إن هذا الأثر، وأمثاله لا يصح، ولا يثبت من حيث الإسناد.
ومن الأخبار التي تدل على ذلك ما رواه محمد بن سيرين، أن الحسن ﵁ تزوج بامرأة فبعث لها صداقًا مائة جارية مع كل جارية ألف درهم. ويستبعد أن يعطي الحسن بن علي ﵁ هذه الأموال الضخمة مهرًا لإحدى زوجاته، فإن ذلك لون من ألوان الإسراف، والتبذير وهو منهي عنه في الإسلام وبالأخص لو قلنا بأنه أحصن هذه الأعداد التي سبقت وسبق بيان وضعها، فهذا الحديث.، وأمثاله من الموضوعات: تؤيد وضع كثرة الأزواج، وتزيد في الافتعال وضوحًا وجلاءً وعلى أي حال، فليس هناك دليل يثبت كثرة أزواج الحسن بن علي ﵁ سوى تلكم الروايات، ونظرًا لما ورد عليها من الطعون فلا تصلح دليلًا للإثبات.
стр. 5208
ولمعرفة كيف يستفيد الأعداء من الروايات الضعيفة والباطلة ننقل ما قاله المستشرق لامنس عن زواج الحسن بن علي ﵁، وألصق به التهم وطعن برجاله وحماته وقد كتب عن أزواج الحسن بن علي ﵁ ما نصه: ولما تجاوز- يعني الحسن- الشباب، وقد أنفق خير سني شبابه في الزواج، والطلاق فأحصى له حوالي المائة زوجة، وألصقت به هذه الأخلاق السائبة لقب المطلاق، وأوقعت عليًّا في خصومات عنيفة وأثبت الحسن كذلك أنه مبذر كثير السرف، وقد خصص لكل من زوجاته مسكنًا ذا خدم وحشم، وهكذا نرى كيف يبعثر المال أيام خلافة علي التي اشتد عليها الفقر.
لقد اعتمد المستشرق الإنجليزي لامنس في قوله: إن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ كان كثير الزواج والطلاق على روايات موضوعة، وآثار واهية، وزاد عليها -لامنس- فذكر من البهتان، والأكاذيب بما لم يقل به أحد غيره فقد قال:
١ - إنه ألقى أباه في خصومات عنيفة بسبب كثرة زواجه وطلاقه ولم يشر أحد ممن ترجم لأمير المؤمنين علي أو الحسن ﵄ إلى تلك الخصومات العنيفة التي زعمها المستشرق لامنس.
٢ - وذكر أن أمير المؤمنين الحسن بن علي ﵁ خصص لكل من زوجاته مسكنًا ذا خدم، وحشم مع أن جميع المؤرخين الذين اطلعت عليهم لم ينقلوا ذلك، وهذا من الكذب السافر والافتراء المحض. (١)
وأما قصة دفنه وما جرى فيها مما نسب إلى معاوية ﵁ من منع دفنه بالقوة عند قبر رسول الله ﷺ .
وإليك هذه الروايات بأسانيدها محكوما عليها صحة وضعفا مع التوجيه.
الرواية الأولى: عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قال الحسن: حين حضرته الوفاة: ادفنوني عند قبر رسول ﷺ إلا أن تخافوا أن يكون في ذلك شر، فإن خفتم الشر فادفنوني عند أمي.
стр. 5209
وتوفي فلما أرادوا دفنه أبى ذلك مروان وقال: لا يدفن عثمان في حش كوكب ويدفن الحسن ههنا. فاجتمع بنو هاشم وبنو أمية فأعان هؤلاء قوم وهؤلاء قوم، وجاؤوا بالسلاح فقال أبو هريرة لمروان: يا مروان، أتمنع الحسن أن يدفن في هذا الموضع وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول له ولأخيه حسين: (هما سيدا شباب أهل الجنة)؟ فقال مروان: دعنا عنك، لقد ضاع حديث رسول الله إن كان لا يحفظه غيرك، وغير أبي سعيد الخدري إنما أسلمت أيام خيبر، قال: صدقت، أسلمت أيام خيبر، إنما لزمت رسول الله ﷺ فلم أكن أفارقه، وكنت أسأله وعنيت بذلك حتى علمت وعرفت من أحب ومن أبغض ومن قرب ومن أبعد، ومن أقر ومن نفى، ومن دعا له ومن لعنه، فلما رأت عائشة السلاح والرجال، وخافت أن يعظم الشر بينهم، وتسفك الدماء قالت: البيت بيتي، ولا آذن أن يدفن فيه أحد.
وقال محمد بن علي لأخيه: يا أخي إنه لو أوصى أن يدفن لدفناه أو نموت قبل ذلك، ولكنه قد استثنى فقال: إلا أن تخافوا الشر، فأي شر أشد مما ترى؟ فدفن بالبقيع إلى جنب أمه. (١)
الرواية الثانية: ويقال إن الحسن أوصى أن يدفن مع النبي ﷺ فأظهر الحسين ذلك قبل موت الحسن، فأنكره مروان بن الحكم وكتب بقول الحسين إلى معاوية، فكتب إليه معاوية: إذا مات الحسن فامنع من ذلك أشد المنع كما منعنا من دفن عثمان مع النبي ﷺ .
فأتى الحسين الحسن فأخبره بذلك فقال: يا أخي اجتنبت القتال في حياتي، أفتريد أن يكون ذلك عند سريري؟ فضمن له ألا يفعل. (٢)
стр. 5210
الرواية الثالثة: عن أبي صالح قال: قدم معاوية مكة فلقيه ابن عباس فقال له معاوية: عجبًا للحسن شرب عسلة طائفية فما روته، فمات منها، فقال ابن عباس: لئن هلك الحسن فلن ينسأ في أجلك. قال: وأنت اليوم سيد قومك. قال: أما ما بقي أبو عبد الله فلا. (١)
الرواية الرابعة: عن محمد بن إسماعيل، عن فائد مولى عباد، وحدثنا حرمي، عن زبير، فقال: عبادك وهو الصواب، وقال أحمد بن سعيد هو عبادك ولكن هكذا قال يحيى بن عبيد الله بن علي، أخبره وغيره أخبره. إن الحسن بن علي أرسل إلى عائشة أن تأذن له أن يدفن مع النبي ﷺ فقالت: نعم ما كان بقى إلا موضع قبر واحد، فلما سمعتْ بذلك بنو أمية اشتملوا بالسلاح هم وبنو هاشم للقتال، وقالت بنو أمية: والله لا يدفن مع النبي ﷺ أبدًا، فبلغ ذلك الحسن فأرسل إلى أهله أما إذا كان هذا فلا حاجة لي فيه، ادفنوني إلى جانب أمي فاطمة، فدفن إلى جنب أمه فاطمة ﵂. قال يحيى بن الحسن: وسمعت علي بن طاهر بن زيد يقول: لما أرادوا دفنه ركبت عائشة بغلا واستنفرت بني أمية مروان بن الحكم، ومن كان هناك منهم ومن حشمهم، وهو القائل: فيوما على بغل ويوما على جمل (٢).
الرواية الخامسة: وأوردوا هذه الرواية في قصة ركوب البغلة بشكل آخر ثم قالوا بعدها: وربما كان هناك بغلتان وها هي:
عن عبد الله بن كثير بن جعفر قال: اقتتل غلمان عبد الله بن العباس، وغلمان عائشة، فأخبرت عائشة بذلك فخرجت في هودج على بغلة لها، فلقيها ابن أبي عتيق: فقال أي أمي، جعلني الله فداك أين تريدين؟ ! قالت: بلغني أن غلماني، وغلمان ابن عباس اقتتلوا،
стр. 5211
فركبت لأصلح بينهم، فقال ابن عتيق: ما يملك أن لم ترجعي، فقالت: يا بني ما حملك، وقال ابن النقور: ما الذي حملك على هذا؟ قال: ما انقضى عنا يوم الجمل حتى تريدين أن تأتينا بيوم البغلة. (١)
والجواب عن هذا من وجوه: ١ - أن هذه القصة لا أصل لها
٢ - قال الجاحظ: وهذا الحديث من توليد الروافض، فأما عائشة فكان أمرها أنفذ من أن تحتاج أن تركب وأي شيء يتفاقم حتى تحتاج عائشة فيه إلى الركوب ثم لا يعرف خبره. (٢)
٣ - قال الحصري: وهذه حكاية أوردها الشرقي لغله ودغله على وجه النادرة؛ لتحفظ، ويضحك منها، ويتعلق بها من ضعف عمله، وقل عزمه؛ فيكون ذلك أنجع وأنفع لما أراد من التعرض لعرض أم المؤمنين. (٣)
وخلاصة القول أنه لايصح مما نسب إلى معاوية ﵁ في أمر دفن الحسن شيء والحمد لله فهذه روايات قد توارد عليها الكذابون مع اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم.
الشبهة السادسة: شبهة طلب معاوية بن أبي سفيان ﵄ للخلافة .
وقد شاع بين الناس قديمًا وحديثًا أن الخلاف بين علي، ومعاوية ﵄ كان سببه طمع معاوية في الخلافة، وإن خروج معاوية على عليّ وامتناعه عن بيعته كان بسبب عزله عن ولاية الشام.
لكن الصحيح أن الخلاف بين علي ومعاوية ﵄ كان حول مدى وجوب بيعة معاوية وأصحابه لعلي قبل إيقاع القصاص على قتلة عثمان أو بعده، وليس هذا من أمر الخلافة في
стр. 5212
شيء. فقد كان رأي معاوية ﵁، ومن حوله من أهل الشام أن يقتص علي ﵁ من قتلة عثمان ثم يدخلوا بعد ذلك في البيعة.
يقول إمام الحرمين الجويني في لمع الأدلة: إن معاوية وإن قاتل عليًّا فإنه لا ينكر إمامته ولا يدعيها لنفسه، وإنما كان يطلب قتلة عثمان ظنًا منه أنه مصيب، وكان مخطئًا. (١)
أما شيخ الإسلم فيقول: بأن معاوية لم يدّع الخلافة ولم يبايع له بها حتى قتل علي، فلم يقاتل على أنه خليفة، ولا أنه يستحقها، وكان يقر بذلك لمن يسأله. (٢)
ويقول ابن حجر الهيتمي: ومن اعتقاد أهل السنة، والجماعة أن ما جرى بين معاوية وعلي ﵄، لم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة للإجماع على أحقيتها لعلي .. فلم تهج الفتنة بسببها، وإنما هاجت بسبب أن معاوية ومن معه طلبوا من علي تسليم قتلة عثمان إليهم لكون معاوية ابن عمه، فامتنع علي. (٣)
وهكذا تتضافر الروايات وتشير إلى أن معاوية ﵁ خرج للمطالبة بدم عثمان، وانه صرح بدخوله في طاعة علي ﵁ إذا أقيم الحد على قتلة عثمان أما وجه الخطأ في موقفه من مقتل عثمان ﵁ فيظهر في رفضه أن يبايع لعلي ﵁ قبل مبادرته إلى القصاص من قتلة عثمان، بل ويلتمس منه أن يمكنه منهم، مع العلم أن الطالب للدم لا يصح أن يحكم، بل يدخل في الطاعة ويرفع دعواه إلى الحاكم ويطلب الحق عنده.
ويمكن أن نقول إن معاوية ﵁ كان مجتهدًا متأولًا يغلب على ظنه أن الحق معه، فقد قام خطيبًا في أهل الشام بعد أن جمعهم، وذكّرهم أنه ولي عثمان -ابن عمه- وقد قتل مظلومًا، وقرأ عليهم الآية الكريمة ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ (الإسراء: ٣٣).
стр. 5213
ثم قال: أنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان، فقام أهل الشام جميعهم، وأجابوأ إلى الطلب بدم عثمان، وبايعوه على ذلك وأعطوه العهود والمواثيق على أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم حتى يدركوا ثأرهم أو يفني الله أرواحهم. (١)
الشبهة السابعة: أخذ ولاية العهد ليزيد وقد اشتهر قبل ذلك بشرب الخمر، والسكر وقد كان في المسلمين من هو أولى منه .
قال عبد القادر عودة: وأقام معاوية أمر الأمة الإسلامية على المحجات، والظلم، وإهدار الحقوق، وقضى على الشورى وعطل قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: ٣٨) وحوّل الحكم العادل النظيف إلى حكم قذر قائم على الأهواء والشهوات، ووجه الناس إلى النفاق والذلة والصغار، ولا شك فيه أن كل من جاؤوا بعده إلى عصرنا هذا قد عمل بسنته وتثبتوا ببدعته حاشا عمر بن عبد العزيز، فعلى معاوية وقد استن هذه السنة السيئة إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة (٢)
والجواب أن استخلاف يزيد لا لوم فيه على معاوية ﵁ وبيان ذلك من وجوه:
الوجه الأول: إن تولية يزيد أمر قدري وهو من دلائل نبوة النبي ﷺ .
الوجه الثاني: نشأة يزيد بن معاوية.
الوجه الثالث: أنه لم يفعل ذلك إلا بعد موت كبار الصحابة والحسن بن علي ﵃.
الوجه الرابع: أنه فعل ذلك بعدما ظهرت كفاءة يزيد في غزو القسطنينية.
الوجه الخامس: أن من اعترض من الصحابة على معاوية في ذلك لم يذكر طعنًا في يزيد بمثل ما طعن فيه هؤلاء من شرب الخمر، وترك الصلاة.
الوجه السادس: رد ابن عمر على من خلع يزيد، وشهادة محمد بن علي ليزيد بحسن السيرة.
الوجه السابع: ذكر الأسباب التي دفعت معاوية إلى هذا.
стр. 5214
الوجه الثامن: أن معاوية إمام مجتهد وكان يرى صحة إمامة المفضول مع وجود الفاضل، وغاية ما في الأمر أن يكون أخطأ، أو أصاب.
الوجه التاسع: شهادة محمد بن علي ليزيد بحسن السيرة.، وما ورد عن ابن عمر في بيعته.
الوجه العاشر: بطلان الروايات التي تقول: بأنه سكيرًا خميرًا.
الوجه الحادي عشر: بطلان الروايات التي تقول بأن معاوية كان صاحب هوى في يزيد.
الوجه الثاني عشر: أن دولة معاوية ﵁ لم تقم على الظلم، وتعطيل الشرع كما ادعى البعض.
الوجه الثالث عشر: أن معاوية ﵁ كغيره من الصحابة ليس معصومًا من الخطأ وهذه الأمور التي وقعت من يزيد كشرب الخمر وغيره -على فرض صحتها- لم يكن أبوه يعلم بها.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: أن تولية يزيد أمر قدري وهو من دلائل نبوة النبي ﷺ -
وبيان ذلك أنه ما من شيء يقع إلا بقدر كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ (القمر: ٤٩) وتولية يزيد بهذا الشكل، وما ترتب عليه من خلاف، وما ترتب على هذا الخلاف من حوادث عظيمة لا شك أنه من المصائب التي أصابت الأمة، وكما هو معلوم أن التعويل على القدر يكون في المصائب لا في المعائب وفي ذلك أدلة منها:
١ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا، وكذا، ولكن قل قدر الله، وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان". (١).
وفي لفظ: "فإن غلبك أمر فقل قدر الله، وما شاء صنع، وإياك، واللو فإن اللو يفتح من الشيطان" (٢).
стр. 5215
فنحن لا نشغل أنفسنا بلوم معاوية على أمر قدره الله ، وقد وقع فيه معاوية باجتهاد لا بهوى.
٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: : قال رسول الله ﷺ : "احتج آدم، وموسى فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك برسالاته وبكلامه ثم تلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق". فقال رسول الله ﷺ : "فحج آدم موسى مرتين". (١)
وآدم ﵇ إنما حج موسى لأن موسى لامه لما أصابه من المصيبة، لم يلمه لحق الله تعالى في الذنب فإن آدم تاب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له بل قال له: بماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة قال: تلومني على أمر قدره الله على قبل أن أخلق بأربعين سنة فحج آدم موسى، وكذا يؤمر كل من أصابه مصيبة من جهة أبيه، وغيره أن يسلم لقدر الله كما قال تعالى ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى، ويسلم. (٢)
والإنسان ليس مأمورًا أن ينظر إلى القدر عند ما يؤمر به من الأفعال، ولكن عندما يجرى عليه من المصائب التي لا حيلة له في دفعها، فما أصابك بفعل الآدميين أو بغير فعلهم أصبر عليه وارض وسلم قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (التغابن: ١١). (٣)
وكذلك نحن نسلم في هذا الأمر لقدر الله كما سلم جمهور الصحابة، وأما معاوية ﵁ فلو سلم أن ما فعل خطأ محض لكانت مصيبة كما قدمنا، وعذره فيها كعذر آدم ﵇.
стр. 5216
وإذا كان آدم قد تاب.، وتاب الله عليه الله واجتباه: فإن معاوية ﵁ لو صح عنده ما ينسب إلى يزيد ما فعل ولو فرض أنه عاش ورأى ما حدث في أيامه واستطاع عزله لعزله وهذا ما نظنه بمعاوية ﵁.
وواضح أيضا من هذا الحديث أن آدم احتج بالقدر على المصيبة لا على المخالفة لأن موسى أعرف بالله وأسمائه وصفاته من أن يلوم على ذنب قد تاب منه فاعله فاجتباه ربه بعده وهداه واصطفاه وآدم أعرف بربه من أن يحتج بقضائه وقدره على معصيته بل إن ملام موسى لآدم لم يكن لحق الله، وإنما كان لما لحقه وغيره من الآدميين من المصيبة بسبب ذلك الفعل فذكر له آدم أن هذا كان أمرًا مقدرًا لا بد من كونه، والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب أي أتلومني على مصيبة قدرت علي وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا والمصائب التي تصيب العباد يؤمرون فيها بالصبر، فإنَّ هذا هو الذي ينفعهم، وأما لومهم لمن كان سببًا فيها فلا فائدة لهم في ذلك وكذلك ما فاتهم من الأمور التي تنفعهم يؤمرون في ذلك بالنظر إلى القدر، وأما التأسف والحزن فلا فائدة فيه فما جرى به القدر من فوت منفعة لهم أو حصول مضرة لهم فلينظروا في ذلك إلى القدر وأما ما كان بسبب أعمالهم فليجتهدوا في التوبة من المعاصي والإصلاح في المستقبل فإن هذا الأمر ينفعهم وهو مقدور لهم بمعونة الله لهم (١) ونفس هذا الكلام نحن نقول به في معاوية ﵁.
وأيضا فإن الاحتجاج بالقدر بعد رفع اللوم جائز.
قال ابن القيم ﵀: الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع، ويضر في موضع، ويضر في موضع فينفع إذا احتج به بعد وقوعه، والتوبة منه، وترك معاودته كما فعل آدم فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد، ومعرفة أسماء الرب وصفاته، وذكرها ما ينتفع به الذاكر، والسامع لأنه لا يدفع بالقدر أمرًا ولا نهيًا، ولا يبطل به شريعة بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة يوضحه أن آدم قال لموسى أتلومني على أن عملت عملًا كان مكتوبا علي قبل أن أخلق فإذا أذنب الرجل ذنبا ثم تاب منه توبة وزال أمره حتى
стр. 5217
كأن لم يكن فأنَّبه مؤنِّب عليه ولامه، حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول هذا أمر كان قد قدر على قبل أن أخلق فإنه لم يدفع بالقدر حقا، ولا ذكره حجة له على باطل ولا محذور في الاحتجاج به، وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل بأن يرتكب فعلا محرمًا أو يترك واجبًا فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره فيبطل بالاحتجاج به حقًّا ويرتكب باطلًا كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، ... ثم قال: ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعا فالاحتجاج بالقدر باطل. (١)
ونحن نقول إن اللوم مرفوع عن معاوية من وجهين:
الأول: أنه مجتهد لم يعلم أنه أخطأ ولو علم لرجع.
الثاني: أنه مات فما فائدة اللوم بعدما مات؟ فلم يكن أمامنا إلا التسليم بالقدر.
٣ - ومما يؤكد أن الأمر قدري ولابد من حدوثه إخبار النبي ﷺ به على وجه العموم كما في حديث سفينة ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : "خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك من يشاء أو ملكه من يشاء". (٢)
وعن النعمان بن بشير قال ﷺ : "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا
стр. 5218
شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت" (١).
الوجه الثاني: نشأة يزيد بن معاوية .
١ - نشأته نشأة سليمة في البادية ثم تحت رعاية أبيه: حيث عمل معاوية ﵁ جهده من البداية في سبيل إعداد ولده يزيد، وتنشئته التنشئة الصحيحة، ليشب عليها عندما يكبر، فسمح لمطلقته ميسون بنت بحدل الكلبية، وكانت من الأعراب، وكانت من نسب حسيب، ومنها رزق بابنه يزيد (٢) من أن تتولى تربيته في فترة طفولته، وأحب معاوية ﵁ أن يشب يزيد على حياة الشدة، والفصاحة، فألحقه بأهل أمه ليتربى على فنون الفروسية، ويتحلى بشمائل النخوة والشهامة والكرم والمروءة، إذ كان البدو أشد تعلقًا بهذه التقاليد كما أجبر معاوية ولده يزيد على الإقامة في البادية، وذلك لكي يكتسب قدرًا من الفصاحة في اللغة، كما هو حال العرب في ذلك الوقت.
وعندما رجع يزيد من البادية، نشأ وتربى تحت إشراف والده، ونحن نعلم أن معاوية ﵁ كان من رواة الحديث (٣)، فروى يزيد بعد ذلك عن والده هذه الأحاديث، وبعض أخبار أهل العلم. مثل حديث: من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين، وحديث آخر في الوضوء، وروى عنه ابنه خالد، وعبد الملك بن مروان، وقد عدّه أبو زرعة الدمشقي في الطبقة التي تلي الصحابة، وهي الطبقة العليا. (٤)
стр. 5219
٢ - وقد اختار معاوية دَغْفَل بن حنظلة السدوسي الشيباني (ت ٦٥ هـ) مؤدبًا لولده يزيد، وكان دغفل علَّامة بأنساب العرب، وخاصة نسب قريش، وكذلك عارفًا بآداب اللغة العربية.
فعن عبد الله بن بريدة أن معاوية ﵁ أرسل إلى دغفل فسأله عن العربية وعن أنساب الناس وسأله عن النجوم فإذا عالم فقال: يا دغفل، من أين حفظت هذا؟ فقال: حفظت هذا بلسان سؤول وقلب عقول، وإن آفة العلم النسيان قال: فاذهب بيزيد فعلِّمه العربية، وأنساب قريش والنجوم (١).
الوجه الثالث: أنه لم يفعل ذلك إلا بعد موت كبار الصحابة كالعشرة المبشرين بالجنة، والحسن بن علي ﵃ -.
وهذا يبدو من خلال معرفة تاريخ ترشيح يزيد بن معاوية لولاية العهد.
ولقد اختلفت المصادر حول تاريخ ترشيح يزيد بن معاوية لولاية العهد على النحو التالي:
١ - ذكر خليفة بن خياط (٢)، والذهبي (٣)، أنه كان في سنة ٥١ هـ.
٢ - ذكر ابن عبد ربه (٤)، أن ذلك كان في سنة ٥٥ هـ.
٣ - ذكر الطبري (٥)، وابن الجوزي (٦)، وابن الأثير (٧)، وابن كثير (٨)، أن ذلك كان في سنة ٥٦ هـ هذا وبعد دراسة التواريخ السابقة يتضح عدم صحة ترشيح يزيد بن معاوية سنة ٥١ هـ للأسباب التالية:
стр. 5220
أ- أن وفاة الحسن بن علي ﵃ كانت في السنة نفسها أي في سنة ٥١ هـ واتخاذ قرار ترشيح يحتاج لوقت من طرف معاوية لكي يدرسه ويستشير فيه، كما أنه ليس من الحكمة إعلان قرار الترشيح بعد وفاة الحسن ﵁ مباشرة.
قال ابن كثير: وقد كان معاوية لما صالح الحسن عهد للحسن بالأمر من بعده فلما مات الحسن قوى أمر يزيد عند معاوية ورأى أنه لذلك أهلًا، وذاك من شدة محبة الوالد لولده، ولما كان يتوسم فيه من النجابة الدنيوية، وسيما أولاد الملوك، ومعرفتهم بالحروب، وترتيب الملك، والقيام بأبهته، وكان ظن أن لا يقوم أحد من أبناء الصحابة في هذا المعنى، ولهذا قال ابن عمر فيما خاطبه به: إني خفت أن أذر الرعية من بعدى كالغنم المطيرة ليس لها راع، فقال له ابن عمر: إذا بايعه الناس كلهم بايعته ولو كان عبدًا مجدع الأطراف. (١)
ب- قتل حُجْر بن عدي ﵁ في السنة نفسها، أي في سنة ٥١ هـ، لذا فإنه أيضًا ليس من الحكمة إعلان ترشيح يزيد بن معاوية في هذه السنة، لأن الأنفُس لم تكن مهيأة لمثل هذه القرارات الجريئة، التي يعتبر توقيت إعلانها على الناس من أهم عوامل نجاحها.
جـ- إن ترشيح يزيد بن معاوية لولاية العهد كان أثناء ولاية مروان بن الحكم على الحجاز، وهي بلا شك الفترة الثانية من ولاية مروان بن الحكم، والتي امتدت من سنة ٥٤ هـ -٥٧ هـ وذلك أن الفترة الأولى من ولاية مروان بن الحكم كانت من سنة ٤٢ - ٤٩ هـ. (٢)
بعد ذلك يتبقى تاريخان لإعلان ترشيح يزيد بن معاوية لولاية العهد وهما ٥٥ هـ وسنة ٥٦ هـ وهذان التاريخان يكمل أحدهما الآخر كما سيتضح لاحقًا.
ولكن يرد في هذا المقام سؤال حول السبب الذي جعل معاوية ﵁ يؤخر ترشيح ابنه يزيد وليًا للعهد على سنة ٥٥ هـ أو سنة ٥٦ هـ مع أن الحسن بن علي ﵁ توفي سنة ٥١ هـ وجواب هذا