← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

وإذا كان آدم قد تاب.، وتاب الله عليه الله واجتباه: فإن معاوية ﵁ لو صح عنده ما ينسب إلى يزيد ما فعل ولو فرض أنه عاش ورأى ما حدث في أيامه واستطاع عزله لعزله وهذا ما نظنه بمعاوية ﵁. وواضح أيضا من هذا الحديث أن آدم احتج بالقدر على المصيبة لا على المخالفة لأن موسى أعرف بالله وأسمائه وصفاته من أن يلوم على ذنب قد تاب منه فاعله فاجتباه ربه بعده وهداه واصطفاه وآدم أعرف بربه من أن يحتج بقضائه وقدره على معصيته بل إن ملام موسى لآدم لم يكن لحق الله، وإنما كان لما لحقه وغيره من الآدميين من المصيبة بسبب ذلك الفعل فذكر له آدم أن هذا كان أمرًا مقدرًا لا بد من كونه، والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب أي أتلومني على مصيبة قدرت علي وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا والمصائب التي تصيب العباد يؤمرون فيها بالصبر، فإنَّ هذا هو الذي ينفعهم، وأما لومهم لمن كان سببًا فيها فلا فائدة لهم في ذلك وكذلك ما فاتهم من الأمور التي تنفعهم يؤمرون في ذلك بالنظر إلى القدر، وأما التأسف والحزن فلا فائدة فيه فما جرى به القدر من فوت منفعة لهم أو حصول مضرة لهم فلينظروا في ذلك إلى القدر وأما ما كان بسبب أعمالهم فليجتهدوا في التوبة من المعاصي والإصلاح في المستقبل فإن هذا الأمر ينفعهم وهو مقدور لهم بمعونة الله لهم (١) ونفس هذا الكلام نحن نقول به في معاوية ﵁. وأيضا فإن الاحتجاج بالقدر بعد رفع اللوم جائز. قال ابن القيم ﵀: الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع، ويضر في موضع، ويضر في موضع فينفع إذا احتج به بعد وقوعه، والتوبة منه، وترك معاودته كما فعل آدم فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد، ومعرفة أسماء الرب وصفاته، وذكرها ما ينتفع به الذاكر، والسامع لأنه لا يدفع بالقدر أمرًا ولا نهيًا، ولا يبطل به شريعة بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة يوضحه أن آدم قال لموسى أتلومني على أن عملت عملًا كان مكتوبا علي قبل أن أخلق فإذا أذنب الرجل ذنبا ثم تاب منه توبة وزال أمره حتى

стр. 5217

كأن لم يكن فأنَّبه مؤنِّب عليه ولامه، حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول هذا أمر كان قد قدر على قبل أن أخلق فإنه لم يدفع بالقدر حقا، ولا ذكره حجة له على باطل ولا محذور في الاحتجاج به، وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل بأن يرتكب فعلا محرمًا أو يترك واجبًا فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره فيبطل بالاحتجاج به حقًّا ويرتكب باطلًا كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، ... ثم قال: ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعا فالاحتجاج بالقدر باطل. (١) ونحن نقول إن اللوم مرفوع عن معاوية من وجهين: الأول: أنه مجتهد لم يعلم أنه أخطأ ولو علم لرجع. الثاني: أنه مات فما فائدة اللوم بعدما مات؟ فلم يكن أمامنا إلا التسليم بالقدر. ٣ - ومما يؤكد أن الأمر قدري ولابد من حدوثه إخبار النبي ﷺ به على وجه العموم كما في حديث سفينة ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : "خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك من يشاء أو ملكه من يشاء". (٢) وعن النعمان بن بشير قال ﷺ : "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا

стр. 5218

شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت" (١). الوجه الثاني: نشأة يزيد بن معاوية . ١ - نشأته نشأة سليمة في البادية ثم تحت رعاية أبيه: حيث عمل معاوية ﵁ جهده من البداية في سبيل إعداد ولده يزيد، وتنشئته التنشئة الصحيحة، ليشب عليها عندما يكبر، فسمح لمطلقته ميسون بنت بحدل الكلبية، وكانت من الأعراب، وكانت من نسب حسيب، ومنها رزق بابنه يزيد (٢) من أن تتولى تربيته في فترة طفولته، وأحب معاوية ﵁ أن يشب يزيد على حياة الشدة، والفصاحة، فألحقه بأهل أمه ليتربى على فنون الفروسية، ويتحلى بشمائل النخوة والشهامة والكرم والمروءة، إذ كان البدو أشد تعلقًا بهذه التقاليد كما أجبر معاوية ولده يزيد على الإقامة في البادية، وذلك لكي يكتسب قدرًا من الفصاحة في اللغة، كما هو حال العرب في ذلك الوقت. وعندما رجع يزيد من البادية، نشأ وتربى تحت إشراف والده، ونحن نعلم أن معاوية ﵁ كان من رواة الحديث (٣)، فروى يزيد بعد ذلك عن والده هذه الأحاديث، وبعض أخبار أهل العلم. مثل حديث: من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين، وحديث آخر في الوضوء، وروى عنه ابنه خالد، وعبد الملك بن مروان، وقد عدّه أبو زرعة الدمشقي في الطبقة التي تلي الصحابة، وهي الطبقة العليا. (٤)

стр. 5219

٢ - وقد اختار معاوية دَغْفَل بن حنظلة السدوسي الشيباني (ت ٦٥ هـ) مؤدبًا لولده يزيد، وكان دغفل علَّامة بأنساب العرب، وخاصة نسب قريش، وكذلك عارفًا بآداب اللغة العربية. فعن عبد الله بن بريدة أن معاوية ﵁ أرسل إلى دغفل فسأله عن العربية وعن أنساب الناس وسأله عن النجوم فإذا عالم فقال: يا دغفل، من أين حفظت هذا؟ فقال: حفظت هذا بلسان سؤول وقلب عقول، وإن آفة العلم النسيان قال: فاذهب بيزيد فعلِّمه العربية، وأنساب قريش والنجوم (١). الوجه الثالث: أنه لم يفعل ذلك إلا بعد موت كبار الصحابة كالعشرة المبشرين بالجنة، والحسن بن علي ﵃ -. وهذا يبدو من خلال معرفة تاريخ ترشيح يزيد بن معاوية لولاية العهد. ولقد اختلفت المصادر حول تاريخ ترشيح يزيد بن معاوية لولاية العهد على النحو التالي: ١ - ذكر خليفة بن خياط (٢)، والذهبي (٣)، أنه كان في سنة ٥١ هـ. ٢ - ذكر ابن عبد ربه (٤)، أن ذلك كان في سنة ٥٥ هـ. ٣ - ذكر الطبري (٥)، وابن الجوزي (٦)، وابن الأثير (٧)، وابن كثير (٨)، أن ذلك كان في سنة ٥٦ هـ هذا وبعد دراسة التواريخ السابقة يتضح عدم صحة ترشيح يزيد بن معاوية سنة ٥١ هـ للأسباب التالية:

стр. 5220

أ- أن وفاة الحسن بن علي ﵃ كانت في السنة نفسها أي في سنة ٥١ هـ واتخاذ قرار ترشيح يحتاج لوقت من طرف معاوية لكي يدرسه ويستشير فيه، كما أنه ليس من الحكمة إعلان قرار الترشيح بعد وفاة الحسن ﵁ مباشرة. قال ابن كثير: وقد كان معاوية لما صالح الحسن عهد للحسن بالأمر من بعده فلما مات الحسن قوى أمر يزيد عند معاوية ورأى أنه لذلك أهلًا، وذاك من شدة محبة الوالد لولده، ولما كان يتوسم فيه من النجابة الدنيوية، وسيما أولاد الملوك، ومعرفتهم بالحروب، وترتيب الملك، والقيام بأبهته، وكان ظن أن لا يقوم أحد من أبناء الصحابة في هذا المعنى، ولهذا قال ابن عمر فيما خاطبه به: إني خفت أن أذر الرعية من بعدى كالغنم المطيرة ليس لها راع، فقال له ابن عمر: إذا بايعه الناس كلهم بايعته ولو كان عبدًا مجدع الأطراف. (١) ب- قتل حُجْر بن عدي ﵁ في السنة نفسها، أي في سنة ٥١ هـ، لذا فإنه أيضًا ليس من الحكمة إعلان ترشيح يزيد بن معاوية في هذه السنة، لأن الأنفُس لم تكن مهيأة لمثل هذه القرارات الجريئة، التي يعتبر توقيت إعلانها على الناس من أهم عوامل نجاحها. جـ- إن ترشيح يزيد بن معاوية لولاية العهد كان أثناء ولاية مروان بن الحكم على الحجاز، وهي بلا شك الفترة الثانية من ولاية مروان بن الحكم، والتي امتدت من سنة ٥٤ هـ -٥٧ هـ وذلك أن الفترة الأولى من ولاية مروان بن الحكم كانت من سنة ٤٢ - ٤٩ هـ. (٢) بعد ذلك يتبقى تاريخان لإعلان ترشيح يزيد بن معاوية لولاية العهد وهما ٥٥ هـ وسنة ٥٦ هـ وهذان التاريخان يكمل أحدهما الآخر كما سيتضح لاحقًا. ولكن يرد في هذا المقام سؤال حول السبب الذي جعل معاوية ﵁ يؤخر ترشيح ابنه يزيد وليًا للعهد على سنة ٥٥ هـ أو سنة ٥٦ هـ مع أن الحسن بن علي ﵁ توفي سنة ٥١ هـ وجواب هذا

стр. 5221

السؤال يكمن في معرفة أهم حدث وقع في سنة ٥٥ هـ حيث توفي في هذه السنة سعد بن أبي وقاص ﵁، آخر الستة الذين رضيهم، ورشحهم عمر بن الخطاب ﵁ للخلافة من بعده. (١) الوجه الرابع: أنه فعل ذلك بعدما ظهرت كفاءة يزيد في غزو القسطنينية . عن أم حرام: أنها سمعت النبي ﷺ يقول: أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا. قالت أم حرام قلت: يا رسول الله أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم. ثم قال النبي ﷺ : أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم، فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا. (٢) قال ابن حجر: قال المهلب: في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر، ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر. وتعقبه ابن التين، وابن المنير بما حاصله: أنه لا يلزم من دخوله في ذلك العموم أن لا يخرج بدليل خاص إذ لا يختلف أهل العلم أن قوله ﷺ مغفور لهم مشروط بأن يكونوا من أهل المغفرة حتى لو ارتد واحد ممن غزاها بعد ذلك لم يدخل في ذلك العموم اتفاقًا، فدل على أن المراد مغفور لمن وجد شرط المغفرة فيه منهم، وأما قول ابن التين يحتمل أن يكون لم يحضر مع الجيش فمردود إلا أن يريد لم يباشر القتال فيمكن، فإنه كان أمير ذلك الجيش بالاتفاق، وجوز بعضهم أن المراد بمدينة قيصر المدينة التي كان بها يوم قال النبي ﷺ تلك المقالة، وهي حمص، وكانت دار مملكته إذ ذاك، وهذا يندفع بأن في الحديث أن الذين يغزون البحر قبل ذلك، وأن أم حرام فيهم، وحمص كانت قد فتحت قبل الغزوة التي كانت فيها أم حرام، والله أعلم، وكانت غزوة يزيد المذكورة في سنة اثنتين وخمسين من الهجرة وفي تلك الغزاة مات أبو أيوب الأنصاري فأوصى أن يدفن عند باب القسطنطينية وأن يعفى قبره ففعل به ذلك وقوله قد أوجبوا أي

стр. 5222

فعلوا فعلًا وجبت لهم به الجنة (١) وقال البدر العيني: والأصح أن يزيد بن معاوية غزا القسنطينية في سنة اثنتين وخمسين (٢).

стр. 5223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5228

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5231

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5233

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5234

وقال ابن كثير: سنة تسع وأربعين فيها غزا يزيد بن معاوية بلاد الروم حتى بلغ قسطنطينية ومعه جماعات من سادات الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس، وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري. وقد ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: "أول جيش يغزون مدينة قيصر مغفور لهم". فكان هذا الجيش أول من غزاها، وما وصلوا إليها حتى بلغوا الجهد. (١) وهو الجيش الثاني الذي رآه رسول الله ﷺ في منامه عند أم حرام فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: "أنت من الأولين" يعني جيش معاوية حين غزا قبرص، ففتحها في سنة سبع وعشرين أيام عثمان بن عفان، وكانت معهم أم حرام فماتت هنالك بقبرص، ثم كان أمير الجيش الثاني ابنه يزيد في معاوية، ولم تدرك أم حرام جيش يزيد هذا. وهذا من أعظم دلائل النبوة. وقد أورد ابن عساكر ههنا الحديث الذي رواه محاضر، عن الأعمش، عن إبراهيم بن عبيدة، عن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم". (٢) وقد صح عن أحمد ما يدل على ذلك أيضا: قال أبو طالب: سألت أبا عبد الله من قال لعن الله يزيد بن معاوية قال: لا أتكلم في هذا قلت: ما تقول فإن الذي تكلم به رجل لا بأس به وأنا صائر إلى قولك فقال أبو عبد الله قال النبي ﷺ : "لعن المؤمن كقتله"، وقال ﷺ ": خير الناس قرني ثم الذين

стр. 5235

يلونهم"، وقد صار يزيد فيهم وقال: "من لعنته أو سببته فاجعلها له رحمة" فأرى الإمساك أحب لي (١) فسماه أحمد مؤمنًا، وأدخله في الحديث المذكور لأنه مؤمن. ومن بلائه في هذه الغزوة دفنه لأبي أيوب الأنصاري في أرض الروم فعن عمارة بن غزية قال: خرج أبو أيوب إلى الصائفة فمرض فأتاه يزيد بن معاوية يعوده وهو على الجيش فقال له: هل من حاجة أو توصيني بشيء، فقال: ما ازددت عنك، وعن أبيك إلا غنى إلا أنك إن شئت أن تجعل قبري فيما يلي العدو من غير أن تشق على المسلمين، فلما قبض كان يزيد كأنه كان على وجل حتى فرغ من غسله فناداه أهل القسطنطينية أنا قد علمنا أنكم إنما صنعتم هذا لقس كان فيكم أراد أن يجاهدنا حيا، وميتا فلو قد فعلتم نبشناه ثم أحرقناه ثم ذريناه في الريح فقال يزيد: والذي نفسي بيده لئن فعلتم لا أمر بكنيسة فيما بيني وبين الشام إلا حرقتها، قالوا: فالمتاركة قال: ما شئتم (٢). الوجه الخامس: أن من اعترض من الصحابة على معاوية في ذلك لم يصح عنه طعن في يزيد بأنه كان يشرب الخمر، ويترك الصلاة وينكح الأمهات، وغير ذلك مما ذكروه .

стр. 5236

قال ابن العربي ﵀: فإن قيل كان منها -من شروط الإمامة- العدالة، والعلم، ولم يكن يزيد عدلا، ولا عالما. قلنا: وبأي شيء نعلم عدم علمه، أو عدم عدالته، ولو كان مسلوبهما لذكر ذلك الثلاثة الفضلاء الذين أشاروا عليه بأن لا يفعل، وإنما رموا إلى الأمر بعيب التحكم وأرادوا أن تكون شورى اهـ (١) وهذا أمثل ما في اعتراضهم من الروايات مع ضعف في أكثرها ونكارة في بعض متونها. الرواية الأولى: عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز استعمله معاوية فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾، فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري. (٢) وفي رواية الإسماعيلي، فقال عبد الرحمن: ما هي إلا هرقلية، وله من طريق شعبة، عن محمد بن زياد، فقال مروان: سُنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن: سُنة هرقل، وقيصر. ولابن المنذر من هذا الوجه أجئتم بها هرقلية تبايعون لأبنائكم (٣). الرواية الثانية: عن ذكوان مولى عائشة قال: لما أجمع معاوية أن يبايع لابنه يزيد حج فقدم مكة في نحو من ألف رجل فلما دنا من المدينة خرج ابن عمر، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر. فلما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر ابنه يزيد قال: من أحق بهذا الأمر منه؟ ثم ارتحل فقدم مكة فقضى طوافه ودخل منزله. فبعث إلى ابن عمر فتشهد، وقال: أما بعد، يا بن عمر فإنك قد كنت تحدثني أنك لا تحب أن تبيت ليلة سوداء ليس عليك أمير، وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين، وأن تسعى في فساد ذات بينهم فلما سكت تكلم ابن عمر فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فإنه قد

стр. 5237

كانت قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير من أبنائهم فلم يروا في أبنائهم ما رأيت أنت في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حين عملوا الخيار. وإنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين فإذا اجتمعوا على أمر فإنما أنا رجل منهم قال: يرحمك الله. فخرج ابن عمر، وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر فتشهد، وأخذ في الكلام فقطع عليه كلامه فقال: إنك والله لوددت أنا وكلناك في أمر ابنك إلى الله وإنا والله لا نفعل والله لتردن هذا الأمر شورى في المسلمين، أو لنردنها عليك جذعة ثم وثب، فقال معاوية: اللهم اكفنيه بما شئت ثم قال: على رسلك أيها الرجل لا تشرفن بأهل الشام فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك حتى أخبر العشية أنك قد بايعت ثم كن بعد على ما بدا من أمرك. ثم أرسل إلى ابن الزبير فقال: يا بن الزبير إنما أنت ثعلب رواغ كلما خرج من جحر دخل آخر وإنك عمدت إلى هذين الرجلين فنفخت في مناخرهما، وحملتهما على غير رأيهما فتكلم ابن الزبير فقال: إن كنت قد مللت الإمارة فاعتزلها وهلم ابنك فلنبايعه أرأيت إذا بايعنا ابنك معك لأيكما نسمع لأيكما نطيع؟ لا نجمع البيعة لكما والله أبدًا ثم قام. فراح معاوية فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنا وجدنا أحاديث الناس ذوات عوار زعموا أن ابن عمر، وابن الزبير، وابن أبي بكر الصديق لم يبايعوا يزيدًا. قد سمعوا وأطاعوا، وبايعوا له. فقال أهل الشام: لا والله لا نرضى حتى يبايعوا على رؤوس الناس وإلا ضربنا أعناقهم فقال: مه سبحان الله ما أسرع الناس إلى قريش بالسوء. لا أسمع هذه المقالة من أحد بعد اليوم ثم نزل. فقال الناس: بايع ابن عمر، وابن الزبير، وابن أبي بكر ويقولون: لا والله ما بايعنا ويقول الناس: بلى لقد بايعتم وارتحل معاوية فلحق بالشام. (١)

стр. 5238

وعن سعيد بن جبير أن عبد الله بن الزبير قال لمعاوية في الكلام الذي جرى بينهما في بيعة يزيد بن معاوية: وأنت يا معاوية حدثتني أن رسول الله ﷺ إذا كان في الأرض خليفتان فاقتلوا أحدهما. (١) الرواية الثالثة: عن نافع قال: خطب معاوية فذكر ابن عمر فقال: والله ليبايعن أو لأقتلنه فخرج عبد الله بن عبد الله بن عمر إلى أبيه فأخبره وسار إلى مكة ثلاثًا فلما أخبره بكى ابن عمر. فبلغ الخبر عبد الله بن صفوان فدخل على ابن عمر فقال: أخطب هذا بكذا؟ قال: نعم فقال: ما تريد؟ أتريد قتاله؟ فقال: يا ابن صفوان الصبر خير من ذلك. فقال ابن صفوان: والله لئن أراد ذلك لأقاتلنه. فقدم معاوية مكة فنزل ذا طوى فخرج إليه عبد الله بن صفوان فقال: أنت الذي تزعم أنك تقتل ابن عمر إن لم يبايع لابنك؟ فقال: أنا أقتل ابن عمر؟ ! إني والله لا أقتله. (٢) الرواية الرابعة: عن جويرية بن أسماء قال: سمعت أشياخ أهل المدينة يحدثون أن معاوية لما كان قريبًا من مكة فلما راح من مر قال لصاحب حرسه: لا تدع أحدًا يسير معي إلا من حملته أنا. فخرج يسير وحده حتى إذا كان وسط الأراك لقيه الحسين بن علي فوقف وقال: مرحبًا وأهلًا يا بن بنت رسول الله ﷺ سيد شباب المسلمين. دابة لأبي عبد الله يركبها فأتي ببرذون فتحول عليه، ثم طلع عبد الله بن أبي بكر فقال: مرحبًا وأهلًا بشيخ قريش، وسيدها وابن صدِّيق هذه الأمة. دابة لأبي محمد فأتي ببرذون فركبه ثم طلع ابن عمر فقال: مرحبًا وأهلًا بصاحب رسول الله ﷺ وابن الفاروق، وسيد المسلمين، ودعا له بدابة فركبها ثم طلع ابن الزبير فقال: مرحبا وأهلًا بابن حواري رسول الله ﷺ ، وابن الصديق، وابن عمة رسول الله ﷺ ثم دعا له بدابة فركبها. ثم أقبل يسير بينهم لا يسايره

стр. 5239

غيرهم حتى دخل مكة ثم كانوا أول داخل، وآخر خارج ليس في الأرض صباح إلا لهم في حباء، وكرامة لا يعرض لهم بذكر شيء مما هو فيه. حتى قضى نسكه، وترحلت أثقاله، وقرب مسيره إلى الكعبة، وأنيخت رواحله فأقبل بعض القوم على بعض فقالوا: أيها القوم لا تخدعون إنه والله ما صنع بكم لحبكم، ولا كرامتكم وما صنعه إلا لما يريد فأعدوا له جوابا. وأقبلوا على الحسين فقالوا: أنت يا أبا عبد الله؟ قال: وفيكم شيخ قريش وسيدها هو أحق بالكلام فقالوا: أنت يا أبا محمد؟ لعبد الرحمن بن أبي بكر فقال: لست هناك وفيكم صاحب رسول الله ﷺ ، وابن سيد المسلمين -يعني ابن عمر- فقالوا لابن عمر: أنت؟ قال: لست بصاحبكم ولكن ولوا الكلام ابن الزبير يكفيكم. قالوا: أنت يا بن الزبير؟ قال: نعم إن أعطيتموني عهودكم ومواثيقكم ألا تخالفوني كفيتكم الرجل. فقالوا: فلك ذلك. فخرج الإذن فأذن لهم فدخلوا. فتكلم معاوية فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: قد علمتم سيرتي فيكم وصلتي لأرحامكم وصفحي عنكم وحملي لما يكون منكم، ويزيد بن أمير المؤمنين أخوكم وابن عمكم وأحسن الناس فيكم رأيًا. وإنما أردت أن تقدموه باسم الخلافة، وتكونون أنتم الذين تنزعون وتؤمرون وتجبون وتقسمون لا يدخل عليكم في شيء من ذلك. فسكت القوم فقال: ألا تجيبوني؟ فسكتوا. فأقبل على ابن الزبير فقال: هات يا بن الزبير فإنك لعمري صاحب خطبة القوم. قال: نعم يا أمير المؤمنين. نخيرك بين ثلاث خصال أيها ما أخذت فهو لك رغبة. قال: لله أبوك أعرضهن. قال: إن شئت صنعت ما صنع رسول الله ﷺ ، وإن شئت صنعت ما صنع أبو بكر فهو خير هذه الأمة بعد رسول الله ﷺ . وإن شئت صنعت ما صنع عمر فهو خير هذه الأمة بعد أبي بكر قال: لله أبوك وما صنعوا؟ قال: قبض رسول الله ﷺ فلم يعهد، ولم يستخلف أحدًا. فارتضى المسلمون أبا بكر. فإن شئت أن تدع هذا الأمر حتى يقضي الله فيها قضاءه فيختار المسلمون لأنفسهم فقال: إنه ليس فيكم اليوم مثل أبي بكر. إن أبا بكر كان رجلا تقطع دونه الأعناق وإني لست آمن عليكم الاختلاف. قال: صدقت والله ما نحب أن تدعنا على

стр. 5240

هذه الأمة. قال: فاصنع ما صنع أبو بكر. قال: لله أبوك وما صنع أبو بكر؟ قال: عمد إلى رجل من قاصية قريش ليس من بني أبيه ولا من رهط الأدنين فاستخلفه فإن شئت أن تنضر أي رجل من قريش شئت ليس من بني عبد شمس فترضى به. قال: لله أبوك الثالثة ما هي؟ قال: تصنع ما صنع عمر. قال: وما صنع عمر؟ قال: جعل هذا الأمر شورى في ستة نفر من قريش ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه ولا من رهطه. قال: فهل عندك غير هذا؟ قال: لا. قال: فأنتم؟ قالوا: ونحن أيضا. قال: أما لا فإني أحببت أن أتقدم إليكم إنه قد أعذر من أنذر وإنه قد كان يقوم منكم القائم إلي فيكذبني على رؤوس الناس فأحتمل له ذلك وأصفح عنه. وإني قائم بمقالة إن صدقت فلي صدقي وإن كذبت فعلي كذبي. وإني أقسم لكم بالله لئن رد علي منكم إنسان كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمته حتى يسبق إلي رأسه فلا يرعين رجل تلا على نفسه. ثم دعا صاحب حرسه فقال: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين من حرسك فإن ذهب رجل يردُّ عليَّ كلمة في مقامي هذا بصدق أو كذب فليضرباه بسيفهما. ثم خرج وخرجوا معه حتى إذا رقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين لا نستبد بأمر دونهم، ولا نقضي أمرًا إلا عن مشورتهم، وإنهم قد رضوا، وبايعوا ليزيد ابن أمير المؤمنين من بعده. فبايعوا بسم الله. فضربوا على يديه ثم جلس على راحلته فانصرف فلقيهم الناس فقالوا: زعمتم وزعمتم فلا أرضيتم وحبيتم فعلتم. قالوا: إنا والله ما فعلنا. قالوا: فما منعكم أن تردوا على الرجل إذ كذب؟ ثم بايع أهل المدينة، والناس ثم خرج إلى الشام. (١) الرواية الخامسة: عن محمد بن المنكدر قال: قال ابن عمر حتى بويع يزيد بن معاوية: إن كان خيرًا رضينا وإن كان بلاء صبرنا (٢)

стр. 5241

الرواية السادسة: عن يعلى، عن عمه قال: كنت مع عبد الله بن عمرو حتى بعثه يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن الزبير قال: فسمعت عبد الله بن عمرو يقول لابن الزبير: تعلم أني أجد في الكتاب أنك ستعنى وتعني وتدعى الخليفة ولست بخليفة وإني أجد الخليفة يزيد بن معاوية (١). وقد ورد في هذه الأوصاف رواية عن ابن الزهير وها هي: عن بقية بن عبد الرحمن عن أبيه قال: لما بلغ يزيد بن معاوية أن أهل مكة أرادوا ابن الزبير على البيعة فأبى أرسل النعمان بن بشير الأنصاري وهمام بن قبيصة النميري إلى ابن الزبير يدعوانه إلى البيعة ليزيد على أن يجعل له ولاية الحجاز أوما شاء وما أحب لأهل بيته من الولاية. فقدما على ابن الزبير فعرضا عليه ما أمرهما به يزيد فقال ابن الزبير: أتأمراني ببيعة رجل يشرب الخمر ويدع الصلاة ويتبع الصيد؟ فقال همام بن قبيصة: أنت أولى بما قلت منه. فلطمه رجل من قريش فرجعا إلى يزيد فغضب وحلف لا يقبل بيعته إلا وفي يده جامعة (٢). وقد صح خلاف ذلك وهو: الوجه السادس: رد ابن عمر على من خلع يزيدًا، وشهادة محمد بن علي ليزيد بحسن السيرة، وفي ذلك روايات: الرواية الأولى: عن نافع قال: لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه، وأهله ثم تشهد ثم قال: أما بعد فإنا بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان) وإن من أعظم الغدر إلا أن يكون الإشراك بالله، أن يبايع رجل رجلا على بيع الله ورسوله ثم ينكث بيعته. فلا يخلعن أحد

стр. 5242

منكم يزيدًا ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر، فيكون صيلمًا بيني، وبينه" (١). ولفظ البخاري عن نافع قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده فقال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: (ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة). وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرًا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدًا منكم خلعه، ولا تابع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه (٢). قال ابن العربي: فانظروا معشر المسلمين إلى ما روى البخاري في الصحيح وإلى ما سبق ذكرنا له من رواية بعضهم أن عبد الله بن عمر لم يبايع، وأن معاوية كذب، وقال قد بايع، وتقدم إلى حرسه يأمره بضرب عنقه إن كذبه، وهو قد قال في رواية البخاري قد بايعناه على بيع الله ورسوله، وما بينهما من التعارض، وخذوا لأنفسكم بالأرجح في طلب السلامة والخلاص بين الصحابة والتابعين، فلا تكونوا ولم تشاهدوهم -وقد عصمكم الله من فتنتهم- ممن دخل بلسانه في دمائهم فيلغ فيها ولوغ الكلب بقية الدم على الأرض بعد رفع الفريسة بلحمها ولم يلحق الكلب منها إلا بقية دم سقط على الأرض (٣).

стр. 5243

الرواية الثانية: عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال: إني لم آتك لأجلس أتيتك لأحدثك حديثًا سمعت رسول الله ﷺ يقوله سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" (١). االرواية الثالثة: عن حميد بن عبد الرحمن قال: دخلنا على رجل من أصحاب رسول الله ﷺ حين استخلف يزيد بن معاوية فقال: أتقولون أن يزيد ليس بخير أمة محمد لا أفقه فيها فقهًا ولا أعظمها فيها شرفًا؟ قلنا: نعم قال: وأنا أقول ذلك.، ولكن والله لأن تجتمع أمة محمد أحب إلي من أن تفترق أرأيتم بابا لو دخل فيه أمة محمد وسعهم أكان يعجز عن رجل واحد لو دخل فيه؟ قلنا: لا قال: أرأيتم لو ان أمة محمد قال كل رجل منهم: لا أهريق دم أخي ولا آخذ ماله أكان هذا يسعهم؟ قلنا: نعم. قال: فذلك ما أقول لكم، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يأتيك من الحياء إلا خير". (٢) قال أبو بكر بن العربي: فهذه الأخبار الصحاح كلها تعطيك أن ابن عمر كان مسلِّمًا في إمرة يزيد، وأنه بايع، وعقد له، والتزم ما التزم الناس، ودخل فيما دخل فيه المسلمون، وحرم على نفسه ومن يليه بعد ذلك أن يخرج على هذا أو ينقضه. وظهر لك أن قول من قال إن معاوية كذب في قوله: بايع ابن عمر، ولم يبايع وأن ابن عمر وأصحابه سئلوا فقالوا: لم نبايع فقد كذب، وقد صدق البخاري في روايته قول معاوية على المنبر أن ابن عمر قد بايع بإقرار ابن عمر بذلك، وتسليمه له، وتماديه عليه. فأي الفريقين أحق بالصدق إن كنتم تعلمون الفريق الذي فيه البخاري أم الذي فيه غيره، فخذوا لأنفسكم بالأحزم، والأصح، أو اسكتوا عن الكل، والله يتولى توفيقكم، وحفظكم والصاحب الذي كنى عنه حميد بن عبد

стр. 5244

الرحمن هو ابن عمر، والله أعلم وإن كان غيره فقد أجمع رجلان عظيمان على هذه المقالة وهي تعضد ما أصَّلَّناه لكم من أن ولاية المفضول نافذة وإن كان هنالك من هو أفضل منه إذا عقدت له، ولما في حلها أو طلب الأفضل من استباحة ما لا يباح وتشتيت الكلمة، وتفريق أمر الأمة (١). الرواية الرابعة: لما رجع أهل المدينة من عند يزيد مشى عبد الله بن مطيع، وأصحابه إلى محمد بن الحنفية، فأرادوه على خلع يزيد فأبى عليهم، فقال ابن مطيع: إن يزيدًا يشرب الخمر ويترك الصلاة، ويتعدى حكم الكتاب. فقال لهم: ما رأيت منه ما تذكرون، وقد حضرته وأقمت عنده فرأيته مواظبًا على الصلاة متحريًا للخير يسأل عن الفقه ملازمًا للسنة، قالوا: فإن ذلك كان منه تصنعًا لك. فقال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إلي الخشوع؟ أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك إنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا. قالوا: إنه عندنا لحق، وإن لم يكن رأيناه. فقال لهم: أبى الله ذلك على أهل الشهادة، فقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (الزخرف: ٨٦) ولست من أمركم في شيء. قالوا: فلعلك تكره أن يتولى الأمر غيرك فنحن نوليك أمرنا. قال: ما أستحل القتال على ما تريدونني عليه تابعًا، ولا متبوعًا. قالوا: فقد قاتلت مع أبيك، قال: جيئوني بمثل أبي أقاتل على مثل ما قاتل عليه، قالوا: فمر ابنيك أبا القاسم، والقاسم بالقتال معنا، قال: لو أمرتهما قاتلت. قالوا: فقم معنا مقاما تحض الناس فيه على القتال، قال: سبحان الله! ! آمر الناس بما لا أفعله ولا أرضاه إذا ما نصحت لله في عباده. قالوا: إذا نكرهك. قال: إذا آمر الناس بتقوى الله، ولا يرضون المخلوق بسخط الخالق، وخرج إلى مكة. (٢)

стр. 5245

الرواية الخامسة: قال أبو جعفر الباقر: لم يخرج أحد من آل أبي طالب ولا من بني عبد المطلب أيام الحرة، ولما قدم مسلم بن عقبة المدينة أكرمه وأدنى مجلسه، وأعطاه كتاب أمان. (١) وقال ابن العربي: فإن قيل كان يزيد خمارًا قلنا: لا يحل إلا بشاهدين فمن شهد بذلك عليه بل شهد العدول بعدالته فروى يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد. قال الليث: توفي أمير المؤمنين يزيد في تاريخ كذا فسماه الليث أمير المؤمنين بعد ذهاب ملكهم، وانقراض دولتهم، ولولا كونه عنده كذلك ما قال إلا توفي يزيد (٢). وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله من قال: لعن الله يزيد بن معاوية، قال: لا أتكلم في هذا، قلت: ما تقول فإن الذي تكلم به رجل لا بأس به وأنا صائر إلى قولك فقال: أبو عبد الله: قال النبي ﷺ : (لعن المؤمن كقتله) وقال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم)، وقد صار يزيد فيهم وقال: (من لعنته أو سببته فاجعلها له رحمة) فأرى الإمساك أحب لي (٣). وبهذا تعلم أن الصحابة الذين اعترضوا على استخلاف يزيد لم يصح اتهام أحد منهم له بشيء من ذلك وأمثل شيء فيه إسناده منقطع جاء فيه أن أول من أظهر ذلك: عبد الله بن أحمد أبي عمرو بن حفص بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة القرشي المخزومي لأبيه أبي عمرو صحبة كان مع أبيه بالشام حين خرج في جيش عمر لافتتاحها فأصيب جماعة من أهل بيته في طاعون عمواس ونجا هو ثم قدم على معاوية ثم على يزيد بن معاوية ثم رجع إلى المدينة فخلعه، وخرج مع أهل الحرة، وهو أول من خلع يزيد بن معاوية يوم الحرة، وقتل يوم الحرة، وكان خبر ذلك، وفد على يزيد فأكرمه، وأحسن

стр. 5246

جائزته فلما قدم المدينة قام إلى جنب المنبر وكان مرضيًا صالحًا فقال: ألم أجب ألم أكرم والله لرأيت يزيد بن معاوية يترك الصلاة سكرًا فأجمع الناس على خلعانه بالمدينة فخلعوه اهـ (١). الوجه السابع: ذكر الأسباب التي دفعت معاوية إلى هذا . السبب الأول: هو مراعاة المصلحة في اجتماع واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحَلِّ والعقد عليه حينئذ من بني أمية إذ بنو أمية يومئذ، لا يرضون سواهم، وهم عصابة قريش، وأهل الملة أجمع، وأهل الغلب منهم، فآثره بذلك دون غيره من يظن أنه أولى بها، وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصًا على الاتفاق، واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع، ولا يظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك، وحضور من بقي من الصحابة لذلك وسكوتهم عنه، دليل على انتفاء الريب فيه، فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق فإنهم كلهم أجل من ذلك، وعدالتهم مانعة منه، وفرار عبد الله بن عمر من ذلك إنما هو محمول على تورعه من الدخول في شيء من الأمور مباحًا كان أو محظورًا، كما هو معروف عنه. ولم يبق في المخالفة لهذا العهد الذي اتفق عليه الجمهور إلا ابن الزبير، -والحسين-، وندور المخالف معروف ... وأما أن يكون القصد بالعهد حفظ التراث على الأبناء فليس من المقاصد الدينية إذ هو أمر من الله يخص به من يشاء من عباده، ينبغي أن تحسن فيه النية ما أمكن خوفًا من العبث بالمناصب الدينية. والملك لله يؤتيه من يشاء (٢).

стр. 5247

السبب الثاني: تميز يزيد في هذا المجال وقد كان أبوه يعلم منه ذلك فلا يضره عدم علم غيره. قال ابن كثير: فلما مات الحسن قوى أمر يزيد عند معاوية ورأى أنه لذلك أهلًا وذاك من شدة محبة الوالد لولده ولما كان يتوسم فيه من النجابة الدنيوية، وسيما أولاد الملوك ومعرفتهم بالحروب وترتيب الملك والقيام بأبهته وكان ظن أن لا يقوم أحد من أبناء الصحابة في هذا المعنى ولهذا قال لعبد الله ابن عمر فيما خاطبه به: إني خفت أن أذر الرعية من بعدى كالغنم المطيرة ليس لها راع فقال له ابن عمر إذا بايعه الناس كلهم بايعته ولو كان عبدًا مجدع الأطراف، وروينا عن معاوية أنه قال يوما في خطبته: اللهم إن كنت تعلم أنى وليته لأنه فيما أراه أهل لذلك فأتمم له ما وليته وإن كنت وليته لأني أحبه فلا تتمم له ما وليته (١). وهنالك كلمة لابد أن تقال بالنسبة لأهلية يزيد: وفي عبارة عن وجهة نظر أبداها الأستاذ محب الدين الخطيب حيث قال: إن كان مقياس الأهلية لذلك أن يبلغ مبلغ أبي بكر وعمر في مجموع سجاياهما، فهذا ما لم يبلغه في تاريخ الإسلام، ولا عمر بن عبد العزيز، وإن طمعنا بالمستحيل وقدرنا إمكان ظهور أبي بكر آخر وعمر آخر، فلن تتاح له بيئة كالبيئة التي أتاحها الله لأبي بكر وعمر، وإن كان مقياس الأهلية، الاستقامة في السيرة، والقيام بحرمة الشريعة، والعمل بأحكامها، والعدل في الناس، والنظر في مصالحهم، والجهاد في عدوهم، وتوسيع الآفاق لدعوتهم، والرفق بأفرادهم، وجماعاتهم، فإن يزيد يوم تمُحّص أخباره، ويقف الناس على حقيقة حاله كما كان في حياته، يتبين من ذلك أنه لم يكن دون كثيرين ممن تغنى التاريخ بمحامدهم، وأجزل الثناء عليهم. (٢) الوجه الثامن: أن معاوية إمام مجتهد وكان يرى صحة إمامة المفضول مع وجود الفاضل وغاية ما في الأمر أن يكون أخطأ، أو أصاب . فغاية أمره أنه كغيره من الصحابة يخطئ ويصيب، ومن اجتهاده في ذلك أنه كان يرى أنه لم يبق في الساحة إلا أولاد الصحابة، وابنه أحق منهم لما يراه فيه من ميزات سبق ذكرها

стр. 5248

في الدوافع التي دفعته إلى استخلاف يزيد كما عن محمد بن سيرين قال: لما أراد معاوية أن يستخلف يزيد بعث إلى عامل المدينة: أن أفد إليَّ من شاء، قال: فوفد إليه عمرو بن حزم الأنصاري، فاستأذن فجاء حاجب معاوية يستأذن فقال: يا أمير المؤمنين جاء يطلب معروفك فقال معاوية: إن كنت صادقًا فليكتب ما شاء فأعطه ما سألك، ولا أراه. قال: فخرج إليه الحاجب فقال: ما حاجتك؟ اكتب ما شئت. فقال: سبحان الله! أجيء إلى باب أمير المؤمنين فأحجب عنه؟ أحب أن ألقاه فأكلمه. فقال معاوية للحاجب: عده يوم كذا وكذا إذا صلى الغداة فليجيء قال: فلما صلى معاوية الغداة أمر بسرير فجعل في إيوان له ثم أخرج الناس عنه فلم يكن عنده أحد إلا كرسي وضع لعمرو فجاء عمرو فاستأذن فأذن له فسلم عليه ثم جلس على الكرسي فقال له معاوية: حاجتك؟ قال: فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: لعمري لقد أصبح يزيد بن معاوية واسط الحسب في قريش غنيًا عن المال غنيًا إلا عن كل خير وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله لم يسترع عبدًا رعية إلا وهو سائله عنها يوم القيامة كيف صنع فيها، وإني أذكراك الله يا معاوية في أمة محمد ﷺ بمن تستخلف عليها قال: فأخذ معاوية ربوة، ونفس في غداة قر حتى عرق، وجعل يمسح العرق عن وجهه ثلاثا ثم أفاق فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنك امرؤ ناصح قلت برأيك بالغ ما بلغ، وإنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم، وابني أحق من أبنائهم حاجتك قال: ما لي حاجة. قال: ثم قال له أخوه: إنما جئنا من المدينة تضرب أكبادها من أجل كلمات؟ ! قال ما جئت إلا لكلمات قال: فأمر لهم بجوائزهم قال: وخرج لعمرو مثله. (١) وأيضا فمعاوية أعرف بيزيد ممن اتهموه وقد عدله معاوية، وشهادته عند أهل السنة مقبولة، وانحراف يزيد بعد ذلك على فرض ثبوته لا يضر معاوية في شيء لأنه إن كان في

стр. 5249

حياة أبيه فهو لا يعلمه وهذا بعيد كل البعد عن سيرة المربين والمصلحين في أولادهم وإن كان بعد مماته فأي شيء يضره؟ . قال ابن خلدون ﵀: ما حدث في يزيد من الفسق أيام خلافته -لو صح-. فإياك أن تظن بمعاوية ﵁ أنه علم ذلك من يزيد، فإنه أعدل من ذلك وأفضل، بل كان يعذله أيام حياته في سماع الغناء وينهاه عنه، وهو أقل من ذلك، وكانت مذاهبهم فيه مختلفة. ولا حدث في يزيد ما حدث من الفسق اختلف الصحابة حينئذ في شأنه. فمنهم من رأى الخروج عليه ونقض بيعته من أجل ذلك، كما فعل الحسين وعبد الله بن الزبير ﵄ ومن اتبعهما في ذلك، ومنهم من أباه لما فيه من إثارة الفتنة وكثرة القتل مع العجز عن الوفاء به لأن شوكة يزيد يومئذ هي عصابة بني أمية وجمهور أهل الحل والعقد من قريش، وتستتبع عصبية مضر أجمع، وهي أعظم من كل شوكة، ولا تطاق مقاومتهم، فأقصروا عن يزيد بسبب ذلك، وأقاموا على الدعاء بهدايته والراحة منه، وهذا كان شأن جمهور المسلمين. والكل مجتهدون ولا ينكر على أحد من الفريقين، فمقاصدهم في البر وتحري الحق معروفة وفقنا الله للاقتداء بهم. (١) الوجه التاسع: بطلان الروايات التي تقول: بأنه سكير يشرب الخمر . قال ابن كثير: وقد روي أن يزيد كان قد اشتهر بالمعازف وشرب الخمر والغنا والصيد، واتخاذ الغلمان، والقيان، والكلاب، والنطاح بين الكباش، والدباب، والقرود، وما من يوم إلا يصبح فيه مخمورًا، وكان يشد القرد على فرس مسرجة بحبال ويسوق به، ويلبس القرد قلانس الذهب، وكذلك الغلمان، وكان يسابق بين الخيل، وكان إذا مات القرد حزن عليه. وقيل: إن سبب موته أنه حمل قردة وجعل ينقزها فعضته. وذكروا عنه غير ذلك والله أعلم بصحة ذلك. وقال عبد الرحمن بن أبي مدعور: حدثني بعض أهل العلم قال: آخر ما

стр. 5250

تكلم به يزيد بن معاوية: اللهم لا تؤاخذني بما لم أحبه، ولم أرده، واحكم بيني وبين عبيد الله بن زياد. وكان نقش خاتمه آمنت بالله العظيم (١). وأما الروايات التي تثبت ذلك فلا يصح منها شيء الرواية الأولى: عن هشام بن الكلبي، عن أبيه وأبي مخنف وغيرهما قالوا: كان يزيد بن معاوية أول من أظهر شرب الشراب والاستهتار بالغناء والصيد واتخاذ القيان، والغلمان، والتفكه بما يضحك منه المترفون من القرود، والمعاقرة بالكلاب، والديكة ثم جرى على يده قتل الحسين، وقتل أهل الحرة، ورمي البيت، وإحراقه، وكان مع هذا صحيح العقدة فيما يرى، ماضي العزيمة لا يهم بشيءٍ إلا ركبه، قالوا: ووقع بين غلمان يزيد وغلمان عمرو بن سعيد الأشدق شر فأغضبه ذلك، وأمر بإحضار أولئك الغلمان، فلما أتي بهم قال: خلوا سبيلهم فإن القدرة تذهب الحفيظة (٢). الرواية الثانية: المدائني، والهيثم قالوا: كان ليزيد بن معاوية قرد يجعله بين يديه ويكنيه أبا قيس ويقول: هذا شيخ من بني إسرائيل أصاب خطيئة فمسخ، وكان يسقيه النبيذ، ويضحك مما يصنع، وكان يحمله على أتان وحشية، ويرسلها مع الخيل فيسبقها، فحمله عليها يومًا، وجعل يقول: تمسك أبا قيسٍ بفضل عنانها ... فليس عليها إن هلكت ضمان فقد سبقت خيل الجماعة كلها ... وخيل أمير المؤمنين أتان (٣) الرواية الثالثة: وذكر لي شيخ من أهل الشام أن سبب، وفاة يزيد أنه حمل قرده على الأتان، وهو سكران، ثم ركض خلفها، فاندقت عنقه أو انقطع في جوفه شيء. (٤)

стр. 5251

الرواية الرابعة: عن عبد الله بن عياش الهمداني قال: خرج يزيد يتصيد بحوارين وهو سكران، فركب وبين يديه أتان وحشية قد حمل عليها قردًا وجعل يركض الأتان ويقول: أبا خلفٍ إحتل لنفسك حيلةً ... فليس عليها إن هلكت ضمان فسقط فاندقت عنقه. (١) الوجه العاشر: بطلان الروايات التي تقول بأن معاوية كان صاحب هوى في يزيد . عن ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: لما صار معاوية بالأبواء في حجته اطلع في بئر فأصابته اللقوة، فقال: إن المؤمن ليعرض خير، إما ابتلي فأجر، إما عوفي فشكر، وإما عوقب بذنب فمحص، ولئن ابتليت لقد ابتلي الصالحون، ولئن مرض عضو مني فما أحصي صحيحي، ولما عوفيت أكثر، وإني اليوم ابن بضع وسبعين سنة، وما لي على ربي أكثر مما أعطاني، فرحم الله عبدًا دعا لي بالعافية، فقال له مروان: جزعت يا أمير المؤمنين، قال: يا مروان إني قد رققت وذكرت ما كنت عنه عزوفًا، وقد ابتليت في أحسني، وخفت أن يكون عقوبة من ربي، لولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي. (٢)

стр. 5252

الوجه الحادي عشر: أن دولة معاوية ﵁ لم تقم على الظلم، وإهدار الحقوق، وتعطيل الشرع بل قامت على العدل والحق والجهاد في سبيل الله تعالى . قال ابن تيمية: لم يكن من ملوك المسلمين ملك خيرٌ من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيرًا منهم في زمن معاوية، إذا نسبت أيامه إلى أيام من بعده، وإذا نسبت إلى أيام أبي بكر وعمر ظهر التفاضل. وقد روى أبو بكر بن الأثرم -ورواه ابن بطه من طريقه عن قتادة قال: لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم: هذا المهدي. وروى ابن بطه بإسناده الثابت من وجهين عن الأعمش، عن مجاهد قال: لو أدركتم معاوية لقلتم هذا المهدي، وروى الأثرم عن أبي هريرة المكتب قال: كنا عند الأعمش فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال الأعمش: فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا في حلمه؟ قال: لا والله، بل في عدله. وفضائل معاوية في حسن السيرة والعدل والإحسان كثيرة، وفي الصحيح أن رجلا قال لابن عباس هل لك في أمير المؤمنين معاوية إنه أوتر بركعة قال أصاب إنه فقيه. وروى البغوي في معجمه بإسناده، ورواه ابن بطة من وجه آخر كلاهما عن سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر عن قيس بن الحارث عن الصنابحي عن أبي الدرداء قال ما رأيت أحدا أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﷺ من إمامكم هذا يعني معاوية. فهذه شهادة الصحابة بفقهه ودينه والشاهد بالفقه ابن عباس وبحسن الصلاة أبو الدرداء وهما هما والآثار الموافقة لهذا كثيرة (١). وقال ابن خلدون في اعتبار معاوية من الخلفاء الراشدين قال: "إن دولة معاوية وأخباره كان ينبغي أن تلحق بدول الخلفاء الراشدين، وأخيارهم فهو تاليهم في الفضل، والعدالة، والصحبة.

стр. 5253

الشبهة الثامنة: إلحاق زياد بأبي سفيان (١). حيث اتهموا معاوية ﵁ بأنه ألحق زيادًا بأبي سفيان وقد قال رسول الله ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر". الجواب من وجوه: الوجه الأول: أصل القضية: فإن قضية نسب زياد تعد من متعلقات أنكحة الجاهلية، (٢). وقد أقر الإسلام ما نتج عن تلك الأنكحة من أنساب، وفي ذلك يقول ابن الأثير: فلما جاء الإسلام. . أقر كل ولد ينسب إلى أب من أي نكاح من أنكحتهم على نسبه، ولم يفرق بين شيء منها (٣). وأما الذراري الذين جاء الإسلام، وهم غير منسوبين إلى آبائهم -كأولاد الزنا- فقد قال فيهم رسول الله ﷺ في الحديث الذي أخرجه أبو داود بإسناده قال: قام رجل فقال: يا رسول الله إن فلانًا ابني، عاهرت -أي زنيت- بأمه في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : لا دعوة في الإسلام، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش، وللعاهر الحجر (٤). الوجه الثاني: أننا لا نسلم بأن استلحاق زياد من فعل معاوية ﵁، وإنما هو من فعل زياد نفسه اما عن اتهام معاوية ﵁ باستلحاق نسب زياد فإني لم أقف على رواية صحيحة صريحة العبارة تؤكد ذلك، هذا فضلًا عن أن صحبة معاوية ﵁، وعدالته، ودينه، وفقهه تمنعه من

стр. 5254

أن يرد قضاء رسول الله ﷺ ، لا سيما، وأن معاوية أحد رواة حديث (الولد للفراش وللعاهر الحجر). (١) وسياق القصة في روايته يبين قضاء معاوية بخلاف هذا عملًا فعن محمد بن إسحاق قال: ادعى نصر بن الحجاج بن علاط السلمي عبد الله بن رباح مولى خالد بن الوليد فقام عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فقال: مولاي ولد على فراش مولاي وقال نصر: أخي أوصاني بمنزله قال: فطالت خصومتهم فدخلوا معه على معاوية -وفهر تحت رأسه- فادعيا: فقال معاوية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الولد للفراش، وللعاهر الحجر فقال نصر: فأين قضاؤك هذا يا معاوية في زياد؟ فقال معاوية: قضاء رسول الله ﷺ خير من قضاء معاوية فكان عبد الله بن رباح لا يجيب نصرا إلى ما يدعي (٢)، فواضح في هذه الرواية أن معاوية ﵁ قضى بما قضى به رسول الله ﷺ وأما قوله في الرد على المدعي: قضاء رسول الله خير من قضاء معاوية فعلى سبيل التنزل في الحوار يعني حتى لو أنا فعلت هذا فقضاء رسول الله ﷺ خير من قضاء معاوية ﵁ وهذا السياق لا يدل على إقرار معاوية على الدعوى بل على خلاف ذلك وبعد أن ترجحت براءة معاوية ﵁ من هذا البهتان فإن التهمة تتجه إلى زياد بن أبيه بأنه هو الذي ألحق نسبه بنسب أبي سفيان، وهذا ما يترجح من خلال الرواية التي أخرجها مسلم في صحيحه من طريق أبي عثمان قال: لما ادعى زياد، لقيت أبا بكرة فقلت: ما هذا الذي صنعتم؟ إني سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "من ادعى أبًا في الإسلام غير أبيه، يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام"، فقال أبو بكرة: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ . (٣)

стр. 5255

قال النووي: قوله: ادُّعِي ضبطناه بضم الدال وكسر العين مبني لما لم يسم فاعله، أي ادعاه معاوية، ووجد بخط الحافظ أبي عامر العبدري (١) (ادَّعَى) بفتح الدال، والعين، على أن زيادًا هو الفاعل. (٢) والثاني هو الراجح لأمور: منها: أن العقوبة في الحديث مرتبة على هذه الدعوى، فإذا كانت من غيره، فلماذا يعاقب على فعل غيره؟ ومنها: أن الحديث في البخاري، وغيره من غير ذكر لقصة الاستلحاق من رواية أبي ذر (٣)، وواثلة بن الأسقع (٤) وأبي سعيد، وأبي بكرة (٥) بالبناء للمعلوم مما يدل على أن السائل لأبي بكرة كان يعلم أن هذا من فعل زياد لا من فعل من استلحقه وعلى هذا فهم العلماء وشرحوا الحديث. قال ابن الأثير: [مَن ادّعى إلى غير أبيه أو انْتَمى إلى غير مَواليه] أي انتَسب (٦). وقال البيضاوي: الطاهر أنه أراد به ولاء العتق لعطفه على قوله من ادعى إلى غير أبيه والجمع بينهما بالوعيد فإن العتق من حيث أنه لحمة كلحمة النسب فإذا نسب إلى غير من هو له كان كالدعي الذي تبرأ عمن هو منه وألحق نفسه بغيره فيستحق به الدعاء عليه بالطرد والإبعاد عن الرحمة (٧).
следующие страницы →