← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

الرواية الرابعة: عن عبد الله بن عياش الهمداني قال: خرج يزيد يتصيد بحوارين وهو سكران، فركب وبين يديه أتان وحشية قد حمل عليها قردًا وجعل يركض الأتان ويقول: أبا خلفٍ إحتل لنفسك حيلةً ... فليس عليها إن هلكت ضمان فسقط فاندقت عنقه. (١) الوجه العاشر: بطلان الروايات التي تقول بأن معاوية كان صاحب هوى في يزيد . عن ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: لما صار معاوية بالأبواء في حجته اطلع في بئر فأصابته اللقوة، فقال: إن المؤمن ليعرض خير، إما ابتلي فأجر، إما عوفي فشكر، وإما عوقب بذنب فمحص، ولئن ابتليت لقد ابتلي الصالحون، ولئن مرض عضو مني فما أحصي صحيحي، ولما عوفيت أكثر، وإني اليوم ابن بضع وسبعين سنة، وما لي على ربي أكثر مما أعطاني، فرحم الله عبدًا دعا لي بالعافية، فقال له مروان: جزعت يا أمير المؤمنين، قال: يا مروان إني قد رققت وذكرت ما كنت عنه عزوفًا، وقد ابتليت في أحسني، وخفت أن يكون عقوبة من ربي، لولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي. (٢)

стр. 5252

الوجه الحادي عشر: أن دولة معاوية ﵁ لم تقم على الظلم، وإهدار الحقوق، وتعطيل الشرع بل قامت على العدل والحق والجهاد في سبيل الله تعالى . قال ابن تيمية: لم يكن من ملوك المسلمين ملك خيرٌ من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيرًا منهم في زمن معاوية، إذا نسبت أيامه إلى أيام من بعده، وإذا نسبت إلى أيام أبي بكر وعمر ظهر التفاضل. وقد روى أبو بكر بن الأثرم -ورواه ابن بطه من طريقه عن قتادة قال: لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم: هذا المهدي. وروى ابن بطه بإسناده الثابت من وجهين عن الأعمش، عن مجاهد قال: لو أدركتم معاوية لقلتم هذا المهدي، وروى الأثرم عن أبي هريرة المكتب قال: كنا عند الأعمش فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال الأعمش: فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا في حلمه؟ قال: لا والله، بل في عدله. وفضائل معاوية في حسن السيرة والعدل والإحسان كثيرة، وفي الصحيح أن رجلا قال لابن عباس هل لك في أمير المؤمنين معاوية إنه أوتر بركعة قال أصاب إنه فقيه. وروى البغوي في معجمه بإسناده، ورواه ابن بطة من وجه آخر كلاهما عن سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر عن قيس بن الحارث عن الصنابحي عن أبي الدرداء قال ما رأيت أحدا أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﷺ من إمامكم هذا يعني معاوية. فهذه شهادة الصحابة بفقهه ودينه والشاهد بالفقه ابن عباس وبحسن الصلاة أبو الدرداء وهما هما والآثار الموافقة لهذا كثيرة (١). وقال ابن خلدون في اعتبار معاوية من الخلفاء الراشدين قال: "إن دولة معاوية وأخباره كان ينبغي أن تلحق بدول الخلفاء الراشدين، وأخيارهم فهو تاليهم في الفضل، والعدالة، والصحبة.

стр. 5253

الشبهة الثامنة: إلحاق زياد بأبي سفيان (١). حيث اتهموا معاوية ﵁ بأنه ألحق زيادًا بأبي سفيان وقد قال رسول الله ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر". الجواب من وجوه: الوجه الأول: أصل القضية: فإن قضية نسب زياد تعد من متعلقات أنكحة الجاهلية، (٢). وقد أقر الإسلام ما نتج عن تلك الأنكحة من أنساب، وفي ذلك يقول ابن الأثير: فلما جاء الإسلام. . أقر كل ولد ينسب إلى أب من أي نكاح من أنكحتهم على نسبه، ولم يفرق بين شيء منها (٣). وأما الذراري الذين جاء الإسلام، وهم غير منسوبين إلى آبائهم -كأولاد الزنا- فقد قال فيهم رسول الله ﷺ في الحديث الذي أخرجه أبو داود بإسناده قال: قام رجل فقال: يا رسول الله إن فلانًا ابني، عاهرت -أي زنيت- بأمه في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : لا دعوة في الإسلام، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش، وللعاهر الحجر (٤). الوجه الثاني: أننا لا نسلم بأن استلحاق زياد من فعل معاوية ﵁، وإنما هو من فعل زياد نفسه اما عن اتهام معاوية ﵁ باستلحاق نسب زياد فإني لم أقف على رواية صحيحة صريحة العبارة تؤكد ذلك، هذا فضلًا عن أن صحبة معاوية ﵁، وعدالته، ودينه، وفقهه تمنعه من

стр. 5254

أن يرد قضاء رسول الله ﷺ ، لا سيما، وأن معاوية أحد رواة حديث (الولد للفراش وللعاهر الحجر). (١) وسياق القصة في روايته يبين قضاء معاوية بخلاف هذا عملًا فعن محمد بن إسحاق قال: ادعى نصر بن الحجاج بن علاط السلمي عبد الله بن رباح مولى خالد بن الوليد فقام عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فقال: مولاي ولد على فراش مولاي وقال نصر: أخي أوصاني بمنزله قال: فطالت خصومتهم فدخلوا معه على معاوية -وفهر تحت رأسه- فادعيا: فقال معاوية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الولد للفراش، وللعاهر الحجر فقال نصر: فأين قضاؤك هذا يا معاوية في زياد؟ فقال معاوية: قضاء رسول الله ﷺ خير من قضاء معاوية فكان عبد الله بن رباح لا يجيب نصرا إلى ما يدعي (٢)، فواضح في هذه الرواية أن معاوية ﵁ قضى بما قضى به رسول الله ﷺ وأما قوله في الرد على المدعي: قضاء رسول الله خير من قضاء معاوية فعلى سبيل التنزل في الحوار يعني حتى لو أنا فعلت هذا فقضاء رسول الله ﷺ خير من قضاء معاوية ﵁ وهذا السياق لا يدل على إقرار معاوية على الدعوى بل على خلاف ذلك وبعد أن ترجحت براءة معاوية ﵁ من هذا البهتان فإن التهمة تتجه إلى زياد بن أبيه بأنه هو الذي ألحق نسبه بنسب أبي سفيان، وهذا ما يترجح من خلال الرواية التي أخرجها مسلم في صحيحه من طريق أبي عثمان قال: لما ادعى زياد، لقيت أبا بكرة فقلت: ما هذا الذي صنعتم؟ إني سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "من ادعى أبًا في الإسلام غير أبيه، يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام"، فقال أبو بكرة: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ . (٣)

стр. 5255

قال النووي: قوله: ادُّعِي ضبطناه بضم الدال وكسر العين مبني لما لم يسم فاعله، أي ادعاه معاوية، ووجد بخط الحافظ أبي عامر العبدري (١) (ادَّعَى) بفتح الدال، والعين، على أن زيادًا هو الفاعل. (٢) والثاني هو الراجح لأمور: منها: أن العقوبة في الحديث مرتبة على هذه الدعوى، فإذا كانت من غيره، فلماذا يعاقب على فعل غيره؟ ومنها: أن الحديث في البخاري، وغيره من غير ذكر لقصة الاستلحاق من رواية أبي ذر (٣)، وواثلة بن الأسقع (٤) وأبي سعيد، وأبي بكرة (٥) بالبناء للمعلوم مما يدل على أن السائل لأبي بكرة كان يعلم أن هذا من فعل زياد لا من فعل من استلحقه وعلى هذا فهم العلماء وشرحوا الحديث. قال ابن الأثير: [مَن ادّعى إلى غير أبيه أو انْتَمى إلى غير مَواليه] أي انتَسب (٦). وقال البيضاوي: الطاهر أنه أراد به ولاء العتق لعطفه على قوله من ادعى إلى غير أبيه والجمع بينهما بالوعيد فإن العتق من حيث أنه لحمة كلحمة النسب فإذا نسب إلى غير من هو له كان كالدعي الذي تبرأ عمن هو منه وألحق نفسه بغيره فيستحق به الدعاء عليه بالطرد والإبعاد عن الرحمة (٧).

стр. 5256

وقال ابن حجر: في الحديث تحريم الانتفاء من النسب المعروف والادعاء إلى غيره وقيد في الحديث بالعلم ولا بد منه في الحالتين إثباتًا ونفيًا لأن الإثم إنما يترتب على العالم بالشيء المتعمد له (١). وقال: قوله "من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام" وفي رواية عاصم الشار إليها عند مسلم "من ادعى أبا في الإسلام غير أبيه". (٢) وترجم عليه النووي بقوله: باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم. (٣) ولفظ حديث أبي هريرة، قال: لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر. (٤) قال النووي: ومعنى ادعى لغير أبيه أي انتسب إليه واتخذه أبا وقوله ﷺ وهو يعلم تقييد لا بد منه فان الإثم إنما يكون في حق العالم بالشيء. (٥) ويزيد هذا الأمر تأكيدًا ما أورده الحافظ أبو نعيم في ترجمة زياد بن أبيه حيث قال: (زياد ابن سمية: ادَّعَى أبا سفيان فنسب إليه) (٦)، فهدا كله يبين أن الرواية بالبناء للمعلوم وأن الذي حمل بعض العلماء على ضبطها بالبناء للمجهول في رواية الاستلحاق هو ما اشتهر عند المؤرخين من أن الذي استلحق هو معاوية ﵁. ومنها: أنه لو علم أبو بكرة وغيره أن معاوية هو الذي ابتدأ ذلك لبادروا بالإنكار عليه، ولما تركوه. وبذلك يكون زياد هو المدعي، ولذلك هجره أخوه أبو بكرة ﵁. والله أعلم. (٧)

стр. 5257

ومما يشهد لذلك الترجيح هذه الرواية عن أبي إسحاق، أن زيادا لما قدم الكوفة، قال: قد جئتكم في أمر ما طلبته إلا إليكم، قالوا: ادعنا إلى ما شئت، قال: تلحقون نسبي بمعاوية؟ قالوا: أما بشهادة الزور فلا، فأتى البصرة، فشهد له رجل. (١) اهـ الوجه الثالث: أن معاوية أقر عليه ابن زياد لأمور مقبولة عنده اجتهادًا منه ﵁ ولقد ساق ابن العربي هذه الشبهة ورد عليه بما حاصله هذا العنوان . فقال ﵀: فإن قيل أحدث معاوية في الإسلام الحكم بالباطل، والقضاء بما لا يحل من استلحاق زياد قلنا قد بينا في غير موضع أن استلحاق زياد إنما كان لأشياء صحيحة، وعمل مستقيم نبينه بعد ذكر أمثل ما ادعى فيه المدعون من الانحراف عن الاستقامة. قالوا: كان زياد ينتسب إلى عبيد الثقفي من سمية جارية الحارث بن كلدة، واشترى زياد عبيد أباه بألف درهم فأعتقه قال أبو عثمان النهدي فكنا نغبطه، واستعمله عمر على بعض صدقات البصرة، وقيل بل كتب لأبي موسى فلما لم يقطع الشهادة مع الشهود على المغيرة جلدهم وعزله، وقال له: ما عزلتك لخزية، ولكني كرهت أن أحمل على الناس فضل عقلك، ورووا أن عمروا أرسله إلى اليمن في إصلاح فساد، فرجع وخطب خطبة لم يسمع مثلها فقال عمرو بن العاص: أما والله لو كان هذا الغلام قرشيًا لساق الناس بعصاه، فقال أبو سفيان: والله إني لأعرف الذي وضعه في رحم أمه فقال له علي: ومن؟ قال: أنا. قال: مهلا يا أبا سفيان فقال أبو سفيان في ذلك أبياتا من الشعر، فذلك الذي حمل معاوية واستعمله علي على فارس، وحمى، وجبي، وفتح، وأصلح. وكاتبه معاوية يروم إفساده فوجه زياد بكتابه إلى علي. فكتب إليه علي: إني وليتك ما وليتك، وأنت أهل لذلك عندي، ولن يدرك ما تريد بما أنت فيه إلا بالصبر واليقين، وإنما كانت من أبي سفيان فلتة زمن عمر لا تستحق بها نسبًا، ولا ميراثًا، فلما قرأ زياد الكتاب

стр. 5258

قال: شهد لي أبو حسن ورب الكعبة فذلك الذي جرأ زيادًا، ومعاوية بما صنعا ثم ادعاه معاوية سنة أربع وأربعين، وزَّج معاوية ابنته من ابنه محمد، وبلغ الخبر أبا بكرة أخاه لأمه فآلى يمينا ألا يكلمه أبدا، وقال: هذا زنى بأمه، وانتفى من أبيه، والله ما رأت سمية أبا سفيان قط، وكيف يفعل بأم حبيبة أيراها فيهتك حرمة رسول الله ﷺ وإن حجبته فضحته فقال زياد: جزى الله أبا بكرة خيرًا؛ فإنه لم يدع النصيحة في حالٍ، وتكلم فيه الشعراء، ورووا عن سعيد بن المسيب أنه قال: أول قضاء كان في الإسلام بالباطل استلحاق زياد. قال القاضي أبو بكر ﵁: قد بينا في غير موضع هذا الخبر، وتكلمنا عليه بما يغني عن إعادته ولكن لا بد في هذه الحالة من بيان المقصود منه. فنقول: كل ما ذكرتم لا ننفيه، ولا نثبته لأنه لا يحتاج إليه، والذي ندريه حقا، ونقطع عليه علما: ١ - أن زيادًا من الصحابة بالمولد، والرؤية لا بالتفقه والمعرفة. ٢ - وأما أبوه فما علمنا له أبا قبل دعوى معاوية على التحقيق، وإنما هي أقوال غائرة من المؤرخين. ٣ - وأما شراؤه له فمراعاة للحضانة فإنه حضنه عند أمه إذ دخل عليه فيه شبهة بالحضانة إليه إن كان ذلك، وأما قولهم إن أبا عثمان النهدي غبطه بذل فهو بعيد على أبي عثمان فإنه ليس في أن يبتاع أحد حاضنه أو أباه فيعتقه من المزية بحيث يغبطه عليه أبو عثمان وأمثاله، لأن هذه مرتبة يدركها الغني، والفقير، والشريف، والوضيع، ولو بذل من المال ما يعظم قدره فيدري به قدر مروءته في إهانة الكثير العظيم في صلة الولي الحميم وإنما ساقوا هذه الحكاية ليجعلوا له أبًا، ويكون بمنزلة من انتفى من أبيه. ٣ - وأما استعمال عمر له: فصحيح، وناهيك بذلك تزكية، وشرفًا، ودينًا. ٤ - وأما قولهم: إن عمر عزله لأنه لم يشهد بباطل، فباطل بل روى أنه لما شهد أصحابه الثلاثة وعمر يقول للمغيرة ذهب ربعك ذهب نصفك ذهب ثلاثة أرباعك فما جاء زياد قال له: إني أراك صبيح الوجه وإني لأرجو أن لا يفضح الله على يديك رجلًا من أصحاب محمد ﷺ .

стр. 5259

٥ - وأما خطبته التي ذكروا أنه عجب منها عمرو فما كان عنده فضل علم، ولا فصاحة يفوق بها عمرا فمن فوقه أو دونه، وقد ادخل له الشيخ المفتري خطبا ليست في الحد المذكور. ٦ - وأما قولهم إن أبا سفيان اعترف به وقال شعرا فيه فلا يرتاب ذو تحصيل في أن أبا سفيان لو اعترف به في حياة عمر لم يخف شيء لأن الحال لم يكن تخلو من أحد قسمين إما أن يرى عمر إلاطته به كما روى عنه في غيره فيمضي ذلك أو يرد ذلك فلا يلزم أبا سفيان شيء باقتراف ما كان في الجاهلية فذكرهم هذه الحكاية المخترعة الباردة المتهافتة الخارجة عن حد الدين والتحصيل لا معنى لها. ٧ - وأما تولية على له فتزكية. ٨ - وأما بعث معاوية إليه فيكون معه: فصحيح في الجملة، وأما تفصيل ما كتب معاوية أو كتب زياد به إلى علي أو أجاب به عليّ زيادا: فهذا كله مصنوع. ٩ - وأما قول علي إنما كانت من أبي سفيان فلته زمن عمر لا تستحق بها نسبًا فلو صح لكان ذلك شهادة كما روى عن زياد ولم يكن ذلك بمبطل لما فعل معاوية لأنها مسألة اجتهاد بين العلماء فرأى عليّ شيئًا ورأى معاوية، وغيره غيره. ١٠ - وأما نكتة الكلام، وهو القول في استلحاق معاوية زيادًا، وأخذ الناس عليه في ذلك: فأي أخذ عليه فيه إن كان سمع ذلك من أبيه؟ وأي عار على أبي سفيان في أن يليط بنفسه ولد زنا كان في الجاهلية، فمعلوم أن سمية لم تكن لأبي سفيان كما لم تكن وليدة زمعة لعتبة، ولكن كان لعتبة منازع تعيَّن القضاء له، ولم يكن لمعاوية منازع في زياد. اللهم إن ها هنا نكتة اختلف العلماء فيها وهي: أن الأخ إذا استلحق أخا يقول: هو ابن أبي، ولم يكن له منازع بل كان وحده فقال مالك: يرث، ولا يثبت النسب. وقال الشافعي في آخرين: يثبت النسب ويأخذ المال. هذا إذا كان المقر به غير معروف النسب واحتج الشافعي بقول النبي ﷺ : "هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش، وللعاهر الحجر" فقضى بكونه للفراش وبإثبات النسب.

стр. 5260

قلنا: ليس كذلك، وذلك أن قوله: أن النبي ﷺ قضى بكونه للفراش صحيح. وأما قوله: بثبوت النسب: فباطل لأن عبدًا ادعى سببين أحدهما: الأخوة، والثاني: ولادة الفراش فلو قال النبي ﷺ هو أخوك. الولد للفراش لكان إثباتًا للحكم وذكرًا للعلة. بَيْدَ أن النبي ﷺ عدل عن الأخوة، ولم يتعرض لها وأعرض عن النسب، ولم يصرح به، وإنما هو في الصحيح في لفظ هو أخوك وفي آخر هو لك، معناه: فأنت أعلم به، وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف. فالحارث بن كلدة لم يدَّع زيادًا ولا كان إليه منسوبًا، وإنما كان ابن أمته، ولد على فراشه أي في داره فكل من ادعاه فهو له إلا أن يعارضه من هو أولى به منه، فلم يكن على معاوية في ذلك مغمز بل فعل فيه الحق على مذهب مالك. فإن قيل فلم أنكر عليه الصحابة؟ قلنا: لأنها مسألة اجتهاد فمن رأى أن النسب لا يلحق بالوارث الواحد أنكر ذلك، وعظمه. فإن قيل: ولم لعنوه وكانوا يحتجون بقول النبي ﷺ : ملعون من انتسب لغير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه؟ قلنا: إنما لعنه من لعنه لوجهين: أحدهما: لأنه أثبت نسبه من هذا الطريق، ومن لم ير لعنه لهذا لعنه لغيره، وكان زياد أهلًا أن يلعن عندهم لما أحدث بعد استلحاق معاوية. فإن قيل: جعل النبي ﷺ للزنا حرمة، ورتب عليه حكمًا حين قال: (احتجبي منه يا سودة) وهذا يدل على أن الزنا يتعلق به من حرمة الوطء ما يتعلق بالنكاح الصحيح هكذا قال الكوفيون، ومالك في رواية ابن القاسم يساعدهم على المسألة، ولا يساعدهم على دليلها من هذا الوجه، وقد بيناها في كتاب النكاح. وقال الشافعي: العذر في أمر النبي ﷺ لسودة بالاحتجاب مع ثبوت نسبه من زمعة وصحة إخوته لها بدعوى عبد أن ذلك تعظيم لحرمة أزواج ﷺ لأنهن لم يكنَّ كأحد من النساء في شرفهن، وفضلهن.

стр. 5261

قلنا: لو كان أخاها بنسب ثابت صحيح كما قلتم ويكون قول النبي ﷺ الولد للفراش تحقيقًا للنسب لما منع النبي ﷺ سودة منه كما لم يمنع عائشة من الرجل الذي قالت: هو أخي من الرضاعة وإنما قال: (انظرن من إخوانكن). وأما ما روى عن سعيد بن المسيب فأخبر عن مذهبه في أن هذا الاستلحاق ليس بصحيح وكذلك رأى غيره من الصحابة، والتابعين، وقد صارت المسألة إلى الخلاف بين الأئمة وفقهاء الأمصار فخرجت من حد الانتقاد إلى حد الاعتقاد، وقد صرح مالك في كتاب الإسلام، وهو: الموطأ بنسبه فقال في دولة بني العباس زياد بن أبي سفيان، ولم يقل كما يقول المخاذل زياد بن أبيه هذا على أنه لا يرى النسب يثبت بقول واحد، ولكن في ذلك فقه بديع لم يتفطن له أحد وهو أنها لما كانت مسألة خلاف ونفذ الحكم فيها بأحد الوجهين لم يكن لها رجوع، فإن حكم القاضي في مسائل الخلاف بأحد القولين يمضيها، ويرفع الخلاف فيها، والله أعلم. ١١ - وأما روايتهم: أن عمر قال: كرهت أن أحمل فضل عقلك على الناس: فهذه زيادة ليس لها أصل من ناقص عقل، وأي عقل كان لزياد يزيد به على الناس في أيام عمر، وغلام كل واحد من الصحابة كان أعقل من زياد، وأعلم منه، ولهذا كل من كمل عقله أكثر من الآخر فهو أولى أن يختلط مع الناس. ١٢ - ويقولون إنه كان داهية وهي كلمة واهية. والدهاء هو المعرفة بالمعاني، والاستدلال على العواقب بالمبادئ، وكل احد من الصحابة، والتابعين فوق زياد. . . وخذ من ولاة بني أمية خاصة -أعقل من زياد وأفصح منه فلا تلتفتوا إلى ما روى من الأباطيل. ١٣ - وأما كلام أبي بكرة أخيه لأمه فيه فغير ضائر له لأن ذلك رأي أبي بكرة واجتهاد. ١٤ - وأما قولهم فيها عن أبي بكرة أنه زنّى أمه فلو كان ذلك صحيحًا لم يضر أمه، ما جرى في الجاهلية في الدين فإن الله عفا عن أمر الجاهلية بالإسلام وأسقط الإثم عنه فلا يذكره إلا جاهل به.

стр. 5262

والناس إذا لم يجدوا عيبًا لأحد، وغلبهم الحسد عليه وعداوتهم له أحدثوا له عيوبًا فاقبلوا الوصية ولا تلتفتوا إلا إلى ما صح من الأخبار، واجتنبوا كما ذكرَتْ لكم أهل التواريخ فإنهم ذكروا عن السلف أخبارًا صحيحة يسيرة ليتوسلوا بذلك إلى رواية الأباطيل فيقذفوا في قلوب الناس ما لا يرضاه الله تعالى وليحتقروا السلف، ويهونوا الدين، وهو أعز من ذلك، وهم أكرم منا فرضي الله عن جميعهم، ومن نظر إلى أفعال الصحابة تبين منها بطلان هذه الهتوك التي يختلقها أهل التواريخ فيدسونها في قلوب الضعفاء وهذا زياد لما أحس المنية استخلف سمرة بن جندب من كبار الصحابة فقبل خلافته، وكيف يظن به على منزلته أنه يقبل ولاية ظالم لغير رشده، وهو على ما هو عليه من لصحبة، وذلك من غير إكراه، ولا تقية إن هذا لهو الدليل المبين فمع من تحبون أن تكونوا مع سمرة بن جندب أو مع المسعودي والمبرد والجاحظ، ونظرائهم. (١) الوجه الرابع: وعلى فرض وقوع ذلك من معاوية وأنه خطأ محض فهو اجتهاد أخطأ فيه معاوية فله أجر على اجتهاده ولا ندعي العصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ . نسأل الله أن يرضى عنا كما رضي عنهم.

стр. 5263

٤ - شبهات عن أبي هريرة ﵁ -. نص الشبهة: لقد افترى أعداء الإسلام على الصحابي الجليل أبي هريرة ﵁ لما نال من منزلة عالية، وبما رواه لنا عن النبي ﷺ من أحاديث كانت سببًا في حفظ السنة، وعمل بها الأئمة في مجالات الشريعة، فراحوا يشككون في عدالته، وفي حفظه، وأمانته في نقل الأحاديث عن النبي ﷺ ، وهم بذلك لا يريدون أبا هريرة فحسب، بل يريدون بذلك الطعن في رسول الله ﷺ ، ومن ثَمَّ الطعن في الدين، فروَّجوا الشبهات عن أبي هريرة ﵁؛ لأنه أكثر الصحابة روايةً للحديث. فقالوا: كيف يحفظ هذه الأحاديث عن النبي ﷺ مع أن مدة لقائه بالنبي ﷺ مدة قصيرة، بخلاف باقي الصحابة، مع أنه لم يكن معروفًا باسمه ولا نشأته، وقالوا: أنه كان يختلق الأحاديث ليكذب بها على النبي ﷺ ، ولما أكثر الحديث عن النبي ﷺ اعترض عليه الصحابة ﵃، وأن عمر نهاه عن إكثار الرواية وحبسه لما أصر على الحديث، وأن عائشة ﵂ أنكرت عليه كذلك، وغيرهما من الصحابة ﵃، وإذا كان أبو هريرة ﵁ قد اعترف بأنه لم يكتب الحديث، وأن عبد الله بن عمرو ﵁ كان أكثر منه، فلماذا كثرت روايته عن عبد الله بن عمرو، وأين باقي مرويات الصحابة من ذلك، إلى غير ذلك من الشبهات التي أثاروها عن أبي هريرة ﵁. والرد على ذلك من الوجوه: الوجه الأول: حول سيرة أبي هريرة ﵁. الوجه الثاني: بعض فضائل أبي هريرة ﵁. الوجه الثالث: حكم أهل العلم على من تكلم في الصحابة ﵁، وفي أبي هريرة ﵁ خاصةً. الوجه الرابع: الرد على الشبهات التي أُثيرت حول الصحابي أبي هريرة ﵁ المفترى عليه. وإليك التفصيل الوجه الأول: سيرة أبي هريرة ﵁ -. اسمه: اعلم -أولًا- أنه قد اختلف في اسمه في الجاهلية والإسلام، واسم أبيه على أقوال متعددة، والأشهر أن اسمه عبد الرحمن بن صخر (١).

стр. 5264

قال ابن حجر: بعد أن ذكر عدة أقوال في اسمه واسم أبيه: وهذا الذي وقفنا عليه من الاختلاف في ذلك، ونقطع بأن عبد شمس، وعبد نهم، غير بعد أن أسلم واختلف في أيها أرجح فذهب كثيرون إلى الأول، وذهب جمع من النسابين إلى عمرو بن عمرو بن عامر. (١) ويرجح الأستاذ عبد المنعم صالح العلي (٢) أن اسمه في الجاهلية: عبد شمس. حيث يقول: والراجح عند العلماء أن اسمه في الجاهلية: عبد شمس، فالبخاري يترجم له بهذا الاسم. (٣) وهو الأصح عند الترمذي، (٤) والحاكم، (٥) وبه يسميه تلميذه المقدم أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. (٦) وقال ابن عبد البر: ومثل هذا الاختلاف والاضطراب لا يصح معه شيء يعتمد عليه إلا أن عبد الله، أو عبد الرحمن هو الذي سكن إليه القلب في اسمه في الإسلام والله أعلم، وكنيته أولى به على ما كناه رسول الله ﷺ . وقال أبو أحمد الحاكم: أصح شيء عندنا في اسم أبي هريرة: عبد الرحمن بن صخر. (٧) وجعل ابن حجر احتمال الصحة للاسمين أي: عبد الله وعبد الرحمن بن صخر. (٨) وقال النووي: والأصح عند المحققين الأكثرين ما صححه البخاري وغيره من المتقنين، أنه عبد الرحمن بن صخر. (٩) كنيته: عَنْ عَبْدِ الله بْنِ رَافِعٍ قَالَ: قُلْتُ: لأَبِي هُرَيْرَةَ لِمَ كُنِّيتَ آبَا هُرَيْرَةَ قَالَ أَمَا تَفْرَقُ مِنِّي

стр. 5265

قُلْتُ بَلَى وَالله إني لأَهَابُكَ، قالَ: كُنْتُ أَرْعَى غَنَمَ أهلي فَكَانَتْ لي هُرَيْرَةٌ صَغِيرَةٌ، فَكُنْتُ أَضَعُهَا بِاللَّيْلِ في شَجَرَةٍ؛ فَإِذَا كَانَ النَّهَارُ ذَهَبْتُ بِهَا معي فَلَعِبْتُ بِهَا فكنوني أَبا هُرَيْرَة. (١) وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال له: "أبا هر" وثبت أنه قال له: "يا أبا هريرة". نسبه: قال خليفة بن خياط: ومن دوس بن عدثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث أبو هريرة اسمه عمير بن عامر بن عبد ذي الشري بن طريف بن عتاب بن أبي أصعب بن منبه بن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس. (٢) وكذلك قاله: ابن حزم (٣)، وابن عبد البر (٤)، السمعاني (٥)، والذهبي. (٦) فهو دوسي من بني دوس بن عدثان وهم بطون من الأزد بن الغوث، والأزد قبيلة يمانية قحطانية مشهورة ونسبه معروف محفوظ إلى جده الأعلى الأزد كما تقدم. وبهذا الذي ذكرناه يظهر زيف من يدعي أن أبا هريرة مجهول النسب، بل نزيد هنا ونقول: إن ابن إسحاق صاحب كتاب السيرة المعروف يقول عنه: إنه كان ذا شرف ومكانة، وكان وسيطًا في دوس، حيث يحب أن يكون منهم. صفته ﵁: قال عبد الرحمن بن لبيبة: أتيت أبا هريرة وهو آدم بعيد ما بين المنكبين، ذو ضفيرتين أفرق الثنيتين، وقال محمد بن سيرين: كان أبو هريرة لينًا أبيض، وكان يخضب، وكان يلبس ثوبين ممشقين، وقال ابن سيرين: كان أبو هريرة أبيض لينًا لحيته حمراء. (٧) إسلامه: أسلم أبو هريرة عام خيبر، وشهدها مع رسول الله ﷺ ثم لزمه وواظب عليه

стр. 5266

رغبة في العلم. (١) والراجح: أنه أسلم قبل هذا التاريخ بزمن طويل، ولكن هجرته إلى رسول الله ﷺ إنما كانت في تلك السنة، وإنما رجحنا ذلك لدليلين: الأول: ما ذكره ابن حجر في الإصابة من ترجمة الطفيل بن عمرو الدوسي: أنه أسلم قبل الهجرة، ولما عاد بعد إسلامه إلى قومه -رهط أبي هريرة- دعاهم إلى الإسلام فلم يجبه إلا أبوه، وأبو هريرة. وهذا صريح في أن إسلام أبي هريرة قد تم قبل قدومه إلى الرسول ﷺ في غزوة خيبر بسنوات. الثاني: مما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من أمر المشادة التي جرت بين أبي هريرة ﵁ وبين أبان بن سعيد بن العاص حين قسمة الغنائم بعد فتح خيبر، فقد طلب أبان من الرسول ﷺ أن يقسم له الغنائم، فقال أبو هريرة: لا تقسم له يا رسول الله؛ فإنه قاتل ابن قوقل -وهو النعمان بن مالك بن ثعلبة- ولقبه قوقل بن أصرم وذلك في معركة أحد إذ كان أبان لا يزال مشركًا فقتل ابن قوقل. (٢) ومن هذه القصة ندرك أن أبا هريرة حين قدم خيبر مهاجرًا إلى رسول الله ﷺ لم يكن حديث عهد بالإسلام، بل كان متتبعًا لمعاركه وأحداثه بحيث يعلم أن أبان بن سعيد بن العاص هو الذي قتل (ابن قوقل) يوم أحد، وإلى هذا ذهب الحافظ ابن حجر. (٣) حفظه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله: إني أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ. قَالَ: "ابْسُطْ رِدَاءَكَ" فَبَسَطْتُهُ، قالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "ضُمَّهُ" فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ. (٤)

стр. 5267

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قلت يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَقَدْ ظننْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يسألني عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ". (١) وعن أبي هريرة ﵁: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ. (٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لأَبِي هُرَيْرَةَ: يَا أبَا هُرَيْرَةَ أَنْتَ كُنْتَ ألزَمَنَا لِرَسُولِ الله ﷺ وَأَحْفَظَنَا لِحَدِيثهِ. (٣) وقال الشافعي: أبو هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره. (٤) وقال أبو نعيم: كان أحفظ الصحابة لأخبار رسول الله ﷺ . (٥) وقال الإمام الذهبي: الإمام الفقيه المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله ﷺ ، أبو هريرة الدوسي اليماني، سيد الحفاظ الأثبات، وقال: أبو هريرة إليه المنتهى في حفظ ما سمعه من الرسول ﷺ وأدائه بحروفه، وقد كان أبو هريرة وثيق الحفظ، ما علمنا أنه أخطأ في حديث، فهو رأس في القرآن، وفي السنة، وفي الفقه. (٦) وقال أبو الزعيزعة كاتب مروان: أرسل مروان إلى أبي هريرة فجعل يحدثه، وكان أجلسني خلف السرير أكتب ما يحدث به،

стр. 5268

حتى إذا كان في رأس الحول أرسل إليه فسأله وأمرني أن انظر، فما غير حرفًا عن حرف. (١) عبادته وتقواه: عرف أبو هريرة ﵁ بالعبادة والتقوى، وكل ما يقربه إلى الله تعالى، كيف لا يكون كذلك، وقد صحب الأسوة الحسنة في العبادة، ورآه كيف كان يجهد نفسه فيها، حتى تورمت قدماه ﷺ ، فكان يكثر من الصلاة والصيام وقراءة القرآن، وقيام الليل. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عنه قَالَ: "أوصاني خليلي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ، صَوْمِ ثَلَاثةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ". (٢) عن عكرمة قال: قال أبو هريرة ﵁: إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم اثني عشر ألف مرة، وذلك على قدر ديني أو قدر دينه. (٣) عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ فَرُّوخَ الْجُرَيْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ يَقُولُ: تَضَيَّفْتُ أبَا هُرَيْرَةَ سَبْعًا، فكَانَ هُوَ وَامْرَأتِّهُ وَخَادِمُهُ يَعْتَقِبُونَ اللَّيْلَ أَثْلَاثًا، يُصَلِّى هَذَا ثُمَّ يُوقِظُ هَذَا، ويُصَلِّي هَذَا ثُمَّ يَرْقُدُ وَيُوقِظُ هَذَا، قَالَ: قُلْتُ. يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، كَيْفَ تَصُومُ؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَصُومُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ ثَلَاثًا، فَإِنْ حَدَثَ لي حَادِثٌ كَانَ آخِرُ شهري. (٤) وقال ابن كثير: وقد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم. (٥) تواضعه وكرمه وطيب أخلاقه: عُرف أبو هريرة ﵁ بتواضعه الجم في كل مراحل حياته، فلم ينس ماضيه بعد أن منّ الله تعالى عليه بنعمة العلم والجاه والفضل، كمن

стр. 5269

يحاولون نسيان ماضيهم إذا طابت أيامهم ووسع الله عليهم، وإنما كان يستحضر ماضيه، وما عانى فيه من فاقة وحرمان، ليشكر الله تعالى على نعمة الدين وغيرها من النعم التي أسبغها عليه، ويستزيد بذلك من نعمه تعالى. عَنْ حُمَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خُثَيْمٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَرْضِهِ بِالْعَقِيقِ فَأَتَاهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْمدِينَةِ عَلَى دَوَابَّ فَنزلُوا عِنْدَهُ -قَالَ حُمَيْدٌ- فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أذْهَبْ إِلَى أمي فَقُلْ إِنَّ ابْنَكِ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ وَيقُولُ أَطْعِمِينَا شَيْئًا، قالَ: فَوَضَعَتْ ثَلَاثَةَ أَقْرَاصٍ في صَحْفَةٍ وَشَيْئًا مِنْ زيتٍ وَمِلْحٍ، ثُمَّ وَضعَتْهَا عَلَى رأسي وَحَمَلْتُهَا إِلَيْهِمْ، فَلَمّا وَضَعْتُهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ كَبَّرَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَقَالَ: الحْمْدُ للهَ الذي أَشْبَعَنَا مِنَ الْخُبْزِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ طَعَامُنَا إِلَّا الأَسْوَدَيْنِ الْماءَ وَالتَّمْرَ. . . (١) قال الذهبي: وكان من أوعية العلم مع الجلالة والعبادة والتواضع. (٢) ولعله أراد بقوله: إمامًا، إمامة العلم والفتوى. وكان مع تواضعه كريمًا، وكيف لا يكون كذلك وقد صحب من كان أجود من الريح المرسلة ﷺ . بره بأمه وحب الناس له: كان أبو هريرة ﵁ بارًا بأمه، وكان من بره بها: اصطحابه لها في الهجرة إلى رسول الله ﷺ ، وكانت مشركة، رجاء أن تؤمن بالله ورسوله ﷺ ، وقد حقق الله تعالى رجاءه؛ حيث أجاب النبي ﷺ طلبه بالدعاء لأمه فآمنت، وفرح بذلك فرحًا شديدًا أبكاه. عَنْ أَبِي كَثِيرٍ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حدثني أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قلت يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اهد أم أبي هريرة" فخرجت مستبشرًا بدعوة نبي الله ﷺ ، فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة

стр. 5270

الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قال فرجعت إلى رسول الله ﷺ ، فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرًا، قال: قلت: يا رسول الله ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا، قال: فقال رسول الله: "اللهم حبب عبيدك هذا يعني أبا هريرة -وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهم المؤمنين" فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني. (١) قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لِلْعَبْدِ الْممْلُوكِ الصَّالِحِ أَجْرَانِ"، والذي نفسي بِيَدِهِ لَوْلَا الجهَادُ في سَبِيلِ الله، وَالحجُّ وَبِرُّ أمي، لأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ. (٢) توسطه في الفتوى: يعني أنه ليس من المكثرين في الفتوى فالوسطية هنا مقابل القلة والكثرة وليس التشدد والتنطع-: قال ابن القيم: وَلمَّا كَانَ التَّبْلِيغُ عَنْ الله سُبْحَانَهُ يَعْتَمِدُ الْعِلْمَ بِمَا يُبَلَّغُ، وَالصِّدْقَ فِيهِ، لَمْ تَصْلُحْ مَرْتبَةُ التَّبْلِيغِ بِالرِّوَايَةِ وَالْفُتْيَا إلَّا لمَنْ اتَّصَفَ بِالْعِلْمِ وَالصِّدْقِ؛ فَيَكُونُ عَالمًا بِمَا يُبَلِّغُ صَادِقًا فِيهِ، وَيَكُونُ مَعَ ذَلِكَ حَسَنَ الطَّرِيقَةِ، مَرَضِيَّ السِّيرَةِ، عَدْلًا فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، مُتَشَابِهَ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ فِي مَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ وَأَحْوَالِهِ؛ وإِذَا كَانَ مَنْصِبُ التَّوْقِيعِ عَنْ المُلُوكِ بِالْمحِلِّ الَّذِي لَا يُنْكَرُ فَضْلُهُ، وَلَا يُجْهَلُ قَدْر، وَهُوَ مِنْ أَعْلَى المرَاتِبِ السَّنِيَّاتِ، فَكَيْف بِمَنْصِبِ التَّوْقِيعِ عَنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ؟ فَحَقِيقٌ بِمَنْ أُقِيمَ فِي هَذَا المنْصِبِ أَنْ يَعُدَّ لَهُ عُدَّتَهُ، وَأَنْ يَتَأَهَّبَ لَهُ أُهْبَتَهُ، وَأَنْ يَعْلَمَ قَدْرَ المُقَامِ الَّذِي أُقِيمَ فِيهِ، وَلَا يَكُونُ فِي صَدْرِهِ حَرَجٌ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ وَالصَّدْعِ بِهِ؛ فَإِنَّ الله نَاصِرُهُ وَهَادِيهِ. وَأَوَّلُ مَنْ قَامَ بِهَذَا المنْصِبِ الشَّرِيفِ سَيِّدُ المُرْسَلِينَ، وَإِمَامُ المُتَّقِينَ، وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ، وَأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِهِ، وَسَفِيرُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ ﷺ ؛ فَكَانَ يُفْتِي عَنْ الله بِوَحْيِهِ المُبِينِ. ثُمَّ قَامَ بِالْفَتْوَى بَعْدَهُ بَرْكُ الْإِسْلَامِ وَعِصَابَةُ الْإِيمَانِ، وَعَسْكَرُ الْقُرْآنِ، وَجُنْدُ الرَّحْمَنِ،

стр. 5271

أُولَئِكَ أَصْحَابُهُ ﵃، أليَنُ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقُهَا عِلْمًا، وَأَقَلُّهَا تَكَلُّفًا، وَأَحْسَنُهَا بَيَانًا، وَأَصْدَقُهَا إيمَانًا، وَأَعَمُّهَا نَصِيحَةً، وَأَقْرَبُهَا إلَى الله وَسِيلَةً، وَكَانُوا بَيْنَ مُكْثِرٍ مِنْهَا وَمُقِلٍّ وَمُتَوَسِّطٍ ﵃ أجمعين. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَالمتوَسِّطُونَ مِنْهُمْ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُمْ مِنْ الْفُتْيَا: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَعَبْدُ الله بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، . . . وغيرهم ﵃. (١) زواجه: أخرج البخاري بلفظ المتابعة غير الموصولة عن شيخه أصبغ بن الفرج المصري بسنده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله إني رَجُلٌ شَابٌّ وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نفسي الْعَنَتَ وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ النبي ﷺ : "يَا أبَا هُرَيْرَةَ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ" (٢). ونستدل من هذه أنه كان في حياة الرسول ﷺ لابثًا بجواره، لا تشغله النساء. لكنه تزوج بسرة بنت غزوان المازنية، بعد ذلك لما كان مروان يستخلفه في إمرة المدينة (٣)، وهي صحابية أخت عتبة بن غزوان المازني، الصحابي المشهور أمير البصرة، وعتبة هذا قديم الإسلام، وهاجر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، وكان من الرماة المذكورين من أصحاب رسول الله، ﷺ ، وكان رجلًا طوالًا جميلًا، وشهد بدرًا، وهو الذي مصَّر البصرة واختطها، ومات في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، إن زواج أبي هريرة من أخت هذا الصحابي الجليل الأمير توثيق قوي لأبي هريرة، ولو كان كما يدَّعي المدعون كاذبًا وضاعًا لما رضي آل بسرة بتزويجه، ولما رضيت به، وهي الصحابية الجليلة أخت الصحابي الجليل، بل إنها كانت ميسورة غنية في العهد النبوي متزوجة من ميسور،

стр. 5272

واستأجرت أبا هريرة آنذاك خادمًا وحاديًا، فرضاها بعد ذلك به زوجًا دليل على عظم مكانته في نفوس المسلمين، وارتفاع شأنه. (١) أولاده: ذكر له أربعة أولاد وبنتًا، أشهرهم وأكبرهم ابنه (المحرر)، ترجم له البخاري وابن أبي حاتم، وترجم له ابن حجر، وابن سعد وقال فيه: توفي بالمدينة في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقد روى عن أبيه، وكان قليل الحديث. والمحرر هذا: له روايات عديدة في دواوين الحديث، فللزهري عن محرر بن أبي هريرة عن أبيه عن عمر بن الخطاب حديث في مسند أحمد، وفي المستدرك، وسنن الدارقطني عن أبيه، وفي سنن الدارمي، وعند النسائي، ومسند الحميدي، ومعا في الآثار، ويروي الشعبي أيضًا عن المحرر. وللمحرر ابن يقال له: أبو نعيم، يروي عن أبيه. ولأبي هريرة ابن آخر يقال له مُحرِّز، ذكره البخاري، وأبو الفرج، وهو من الرواة عن أبيه أيضًا. والثالث: عبد الرحمن بن أبي هريرة، يروي عنه سليمان بن سنان المزني، وترجم له البخاري، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وله رواية عند الدارقطني. الرابع: اسمه بلال، ذكره ابن أبي حاتم وغيره، وله ابن يقال له: محرر بن بلال. أما أختهم فلم أجد اسمها، لكن ذكر ابن سعد أن سعيد بن المسيب تزوجها، وفي الإصابة ذكر صهر آخر لأبي هريرة، وهو الصحابي الجليل الجارود بن المعلى، كان زوج أخت أبي هريرة، وفي هذه المصاهرة توثيق ضمني يضاف إلى ما قدمنا. ويبدو أن ذرية أبي هريرة استمرت معروفة في المجتمع الإسلامي، وقد ذكر صاحب النفح الطيب منهم: يوسف بن يحيى بن يوسف المتوفى سنة ٢٨٨ هـ، وهو من علماء الأندلس الذين هاجروا إلى المشرق. (٢) أبو هريرة يودع الدنيا (وفاته): ها نحن الآن أخيرًا أمام شيخ كبير ناهز الثمانين مسرع إلى لقاء الله تعالى بعد أن أدى الأمانة التي في عنقه، ونشر حديث رسول الله ﷺ وعلَّمه الناس.

стр. 5273

حياة حافلة ذات مشاهد تستوقف الناظر المتتبع. هجرة من أرض بعيدة، وعيشة كفاف، وملازمة قوية لرسول الله ﷺ ، وقتال الشرك مع رسول الله ﷺ ، ومحاربة الردة، ومشاركة في الفتوح، وتفان في الدفاع عن الخلافة، واعتزال الفتنة، وإذاعة لحديث رسول الله ﷺ ، ولم يبق إلا الإسراع للقاء رب العالمين. ثم يوصى فيقول: لَا تَضْرِبُوا عَلَيَّ فُسْطَاطًا، وَلَا تتبعوني بِمِجْمَرٍ، وَأَسْرِعُوا بِي؛ فإني سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إذَا وُضِعَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ عَلَى سَرِيرِهِ قَالَ: قدموني قدموني، وإِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ السُّوءُ عَلَى سَرِيرِهِ قَالَ: يَا ويْلَهُ أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي". (١) ودخل عليه مروان قبل لحظات موته فيقول: شفاك الله يا أبا هريرة، لكن أبا هريرة يحلق في أجواء أخرى، فلا يجيب مروان، ويلتفت لمناجاة ربه مناجاة الواثق الملئ اليدين بأفعال الخير المنتظر لرحمة ربه فيقول: اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي. يقول المقبري: فما بلغ مروان أصحاب القطا حتى مات أبو هريرة. (٢) لكن ذكره الطيب سيبقى في قلوب المؤمنين إلى يوم القيامة. واختلف في سنة وفاته: فقد ذكر خليفة بن خياط أن وفاته كانت سنة ٥٧ هـ، وكذا نقل البخاري وفاته عن هشام بن عروة، وتردد ابن حبان، فذكر أن وفاته كانت سنة ٥٧

стр. 5274

أو ٥٨ هـ، لكنه جزم خلال ترجمة سعيد بن العاص بأن وفاة أبي هريرة كانت سنة ٥٨ هـ. وخلافًا لخليفة، ومن قبله هشام بن عروة، ذكر ضمرة بن ربيعة أن أبا هريرة مات سنة ٥٨ هـ، ووافقه الهيثم بن عدي، وأبو معشر يوسف بن يزيد شيخ شيوخ البخاري. أما ابن إسحاق فيقول أنه مات سنة ٥٩ هـ، ووافقه الواقدي، وأبو عبيد، وبقولهم قال إمام العراق محمد بن عبد الله بن نمير. وكان له يوم توفي ٧٨ سنة فيما يقول الواقدي والهيثم بن عدي. وكان موته ﵁ بالعقيق- الوادي المجاور للمدينة- وحُمل إلى المدينة، فصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكان أميرًا على المدينة لعمه معاوية، ومروان يومئذ معزول، وحمل ولد عثمان بن عفان ﵁ سريره حتى بلغوا البقيع حفظًا بما كان رأيه في عثمان، ونصره إياه يوم حصار الدار. وكان أبو سعيد الخدري ﵁ ومروان يمشيان أمام الجنازة، وكان ابن عمر أيضًا في جنازة أبي هريرة ﵁، وهو يمشي أمامها ويكثر الترحم عليه ويقول: كان ممن يحفظ حديث رسول الله ﷺ على المسلمين. (١) الوجه الثاني: بعض فضائل أبي هريرة ﵁ -. أبو هريرة ﵁ واحد من صحابة النبي ﷺ ولذا فكل ما ثبت في فضل الصحابة، فهو ثابت لأبي هريرة ﵁، ولكن هذه بعض الفضائل الخاصة لأبي هريرة. شهود النبي ﷺ له بالخيرية: عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "ممن أنت؟ " قال قلت: من دوس. قال: "ما كنت أرى أن في دوس أحدًا فيه خير". (٢) دعوة النبي ﷺ له بالبركة: عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النبي ﷺ بِتَمَرَاتٍ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، ادْعُ الله فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ، فضَمَّهُنَّ ثُمَّ دَعَا لي فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ فَقَالَ لي: "خُذْهُنَّ وَاجْعَلْهُنَّ في مِزْوَدِكَ هَذَا أَوْ في هَذَا المزْوَدِ، كلَّمَا أَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا فَأَدْخِلْ فِيهِ يَدَكَ

стр. 5275

فَخُذْهُ، وَلَا تَنْثُرْهُ نَثْرًا، فَقَدْ حَمَلْتُ مِنْ ذَلِكَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا مِنْ وَسْقٍ في سَبِيلِ الله" فكُنَّا نَأْكُلُ مِنْهُ وَنُطْعِمُ، وَكَانَ لَا يُفَارِقُ حَقْوِي حَتَّى كَانَ يَوْمُ قَتْلِ عُثْمَانَ فَإِنَّهُ انْقَطَعَ. (١) دعوة النبي ﷺ له بحبه للمؤمنين؛ وحب المؤمنين له: عَنْ أَبِي كَثِيرٍ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حدثني أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قلت يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اهد أم أبي هريرة" فخرجت مستبشرًا بدعوة نبي الله ﷺ ، فلما جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف، فسمعت أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، قال: فاغتسلت ولبست درعها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال فرجعت إلى رسول الله ﷺ ، فأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله، أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة، " فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرًا، قال: قلت: يا رسول الله ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا، قال: فقال رسول الله: "اللهم حبب عبيدك هذا يعني أبا هريرة- وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهم المؤمنين" فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني. (٢) قال ابن كثير: وهذا الحديث من دلائل النبوة؛ فإن أبا هريرة محبب إلى جميع الناس، وقد شهر الله ذكره بما قدره أن يكون من روايته من إيراد هذا الخبر عنه على رؤوس الناس في الجوامع المتعددة في سائر الأقاليم في الإنصات يوم الجمعة بين يدي الخطبة، والإمام على المنبر، وهذا من تقدير الله العزيز العليم، ومحبة الناس له ﵁. (٣)

стр. 5276

شهادة النبي ﷺ له بالحرص على العلم: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يسألني عَنْ هَذَا الحدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لمِا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بشفاعتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ". (١) فقد تتابع الخير والفضل له فهو ينال أجر الصحبة المطلقة، ويكسب العدالة التي لحفت بهم جميعًا، وأثبتتها آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة الصحيحة، ومن يرفضها فإنما يرفض القرآن والحديث الصحيح وإجماع الصدر الأول من المسلمين، فهو ينال شرف دعوة النبي ﷺ لقبيلته دوس: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: قَدِمَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أنَّ دَوْسًا قَدْ عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ الله عَلَيْهَا، فظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: "اللهمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ". (٢) وينال ليمانيته شرف أهلها عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النبي ﷺ قَالَ: "أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، وَأَلْيَنُ قُلُوبًا، الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحكْمَةُ يَمانِيَةٌ". (٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁، قال: ذكر النبي ﷺ : "اللهم بارك لنا في شأمنا، اللهم بارك لنا في يمننا" قالوا: يا رسول الله، وفي نجدنا؟ قال: "اللهم بارك لنا في شأمنا، اللهم بارك لنا في يمننا" قالوا: يا رسول الله، وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة: "هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان". (٤) وينال أجر الهجرة، حيث أنه هاجر من بلده قبل الفتح فهكذا ينال الخير بعد الخير بملازمته وصحبته رسول الله ﷺ وما أعظم هذا الشرف الذي به يدخل ضمن آيات كثيرة أكرم الله تعالى صحابة نبيه. هذه بعض فضائل أبي هريرة ﵁.

стр. 5277

الوجه الثالث: حكم أهل العلم على من تكلم في الصحابة، وفي أبي هريرة خاصة . ذلكم أبو هريرة ﵁ الذي عرفناه قبل إسلامه وبعد إسلامه، عرفناه في هجرته وصحبته للرسول الكريم ﷺ ، فكان الصاحب الأمين والطالب المجد، يدور مع الرسول الكريم ﷺ في حلّه وترحاله، ويشاركه أفراحه وأحزانه، وعرفنا التزامه للسنة الطهرة، وتقواه وورعه، في شبابه وهرمه، وعرفنا مكانته العلمية، وكثرة حديثه، وقوة حافظته، ورأينا منزلته بين أصحابه، وثناء العلماء عليه. ذلكم أبو هريرة ﵁ الذي صوّره لنا التاريخ من خلال البحث الدقيق، إلا أن بعض الحاقدين لم يسرهم أن يروا أبا هريرة ﵃ في هذه المكانة السامية، فدفعتهم أهواؤهم إلى أن يصوّروه صورة تخالف الحقيقة التي عرفناها، فرأوا في صحبته للرسول الكريم ﷺ ، غايات خاصة لأبي هريرة، ليشبع بطنه ويروي نهمه، وصوروا أمانته خيانة، وحفظه تدجيلًا، وحديثه الطيب الكثير كذبًا على رسول الله ﷺ وبهتانًا، ورأوا في فقره مطعنًا وعارًا، وفي تواضعه ذلًا، وفي مرحه هذرًا، وصوروا أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر لونًا من المؤامرات لخداع العامة، ورأوا في اعتزاله الفتن تحزبًا، وفي قوله الحق انحيازًا، فهو صنيعة الأمويين الذين طووه تحت جناحهم؛ فكان أداتهم الداعية لمآربهم السياسية، فكان لذلك من الكاذبين الواضعين للأحاديث على رسول الله ﷺ افتراءً وزورا! ! . (١) قال الإمام الطحاوي: ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. (٢) قال أبو زرعة: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة،

стр. 5278

والجرح بهم أولى وهم زنادقة. (١) وقال السرخسى: إن أبا هريرة لله ممن لا يشك أحد في عدالته، وطول صحبته مع رسول الله ﷺ . (٢) وقال أيضًا: إن الله تعالى أثنى عليهم في غير موضع من كتابه، كما قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] ورسول الله ﷺ وصفهم بأنهم خير الناس فقال: "خير الناس قرني الذين أنا فيهم" والشريعة إنما بلغتنا بنقلهم فمن طعن فيهم فهو ملحد منابذ للإسلام دواؤه السيف إن لم يتب. (٣) قال ابن خزيمة: وإنما يتكلم في أبي هريرة ﵁ لدفع أخباره من قد أعمى الله قلوبهم فلا يفهمون معاني الأخبار؛ إما معطل جهمي: يسمع أخباره التي يرونها خلاف مذهبهم الذي هو كفر، فيشتمون أبا هريرة ﵁، ويرمونه بما الله تعالى قد نزهه عنه، تمويها على الرعاء والسفل، أن أخباره لا تثبت بها الحجة. وإما خارجي: يرى السيف على أمة محمد ﷺ ، ولا يرى طاعة خليفة ولا إمام، إذا سمع أخبار أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ؛ خلاف مذهبهم الذي هو ضلال، لم يجد حيلة في دفع أخباره بحجة وبرهان، كان مفزعه الوقيعة في أبي هريرة ﵁. أو قدري: اعتزل الإسلام وأهله، الذين يتبعون الأقدار الماضية، التي قدرها الله تعالى، وقضاها قبل كسب العباد لها، إذا نظر إلى أخبار أبي هريرة ﵁، التي قد رواها في إثبات القدر، لم يجد بحجة -يريد صحة مقالته التي هي كفر، وشرك- كانت حجته عند نفسه أن أخبار أبي هريرة لا يجوز الاحتجاج بها. أو جاهل: يتعاطى الفقه ويطلبه من غير مظانه، إذا سمع أخبار أبي هريرة ﵁ فيما يخالف مذهب من قد اجتبى مذهبه وأخباره تقليدًا بلا حجة ولا برهان- كلم في أبي هريرة ﵁،

стр. 5279

ودفع أخباره التي تخالف مذهبه، ويحتج بأخباره على مخالفته إذا كانت أخباره موافقة لمذهبه. (١) قال الشيخ أحمد شاكر: وقد لهج أعداء السنة، في عصرنا، وشغفوا بالطعن في أبي هريرة ﵁، وتشكيك الناس في صدقه وفى روايته، وما إلى ذلك أرادوا، وإنما أرادوا أن يصلوا زعموا- إلى تشكيك الناس في الإسلام، تبعًا لسادتهم المبشرين، وإن تظاهروا بالقصد إلى الاقتصار على الأخذ بالقرآن، أو الأخذ بما صح من الحديث في رأيهم، وما صح من الحديث في رأيهم إلا ما وافق أهواءهم، وما يتبعون من شعائر أوروبا وشرائعها، ولن يتورع أحدهم عن تأويل القرآن، إلى ما يخرج الكلام عن معنى اللفظ في اللغة التي نزل بها، ليوافق تأويلهم هواهم! . وما كانوا بأول من حارب الإسلام من هذا الباب، ولهم في ذلك سلف من أهل الأهواء قديمًا، والإسلام يسير في طريقه قدمًا، وهم يصيحون ما شاءوا، لا يكاد الإسلام يسمعهم، بل هو إما يتخطاهم لا يشعر بهم، وإما يدمرهم تدميرًا. ومن عجب أن تجد ما يقول هؤلاء المعاصرون، يكاد يرجع في أصوله ومعناه إلى ما قال أولئك الأقدمون! بفرق واحد فقط: أن أولئك الأقدمين، زائغين كانوا أم ملحدين، كانوا علماء مطلعين أكثرهم ممن أضله الله على علم! ! أما هؤلاء المعاصرون، فليس إلا الجهل والجرأة، وامتضاغ ألفاظ لا يحسنوها، يقلدون في الكفر، ثم يتعالون على كل من حاول وضعهم على الطريق القويم! ! . (٢) الوجه الرابع: الرد على الشبهات التي أثيرت حول أبي هريرة ﵁ - الشبهة الأولى: الاختلاف في اسمه قالوا: اختلف العلماء في اسمه اختلافًا كثيرًا مما يدل على جهالته. والجواب عليه من هذه الوجوه: الوجه الأول: الهدف من الاسم هو المعرفة، وقد عرف بكنيته . متى كان الاختلاف في اسم الناس يشينهم أو يسقط عدالتهم، ويكفي أن يعرف بكنيته، كما عرفنا أبا بكر، وأبا عبيدة، وأبا دجانة الأنصاري، وأبا الدرداء ﵁؛ الذين

стр. 5280

اشتهروا بكناهم، وغابت أسماؤهم عن كثير من الناس. (١) الوجه الثاني: قيمة الرجل في عمله وليست في اسمه . إن الاختلاف في اسم الرجل لا يحط من شأنه، وقيمة الرجل بعمله لا باسمه واسم أبيه، وما جعل الله دخول الجنة وبلوغ مراتب السعادة عنده بالأسماء والكنى والألقاب، ومن زعم مثل هذا فهو جاهل بدين الله . وإن كثيرًا من الصحابة قد اختلف في أسمائهم اختلافًا كبيرًا، ولم ينقص ذلك من أقدارهم وخدمتهم للإسلام وتقدير المسلمين لهم ولأعمالهم. (٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : إِنَّ الله لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ. (٣) وعنه أيضًا ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه (٤). ولم نسمع في يوم من الأيام أن الحسب والنسب يقدم صاحبه في المفاضلة العلمية أو يؤخره. (٥) الوجه الثالث: الاختلاف في الاسم طبيعي وبدهي، لا في أبي هريرة ﵁ وحده، بل في كل إنسان عرف بكنيته منذ نعومة أظفاره . إن سبب هذا الاختلاف في اسم أبي هريرة يعود إلى أنه منذ أسلم لم يعرف إلا باسم أبي هريرة، ولم يكن من قريش وقبائلها حتى يعرفه الصحابة باسمه الأصلي، وإنا لنشاهد أكثر المسلمين اليوم لا يعرفون الاسم الحقيقي لأبي بكر الصديق ﵁؛ لأنهم منذ نشئوا لم يعرفوه إلا بكنيته، فأي ضرر في هذا؟ لقد كان من قبيلة دوس، من مكان ناء عن مكة والمدينة، ومنذ أسلم ولزم النبي ﷺ لم يناد إلا بأبي هريرة. (٦)

стр. 5281

الوجه الرابع: كثرة الاختلاف في اسمه واسم أبيه ليس على حقيقته . إن الاختلاف في اسمه واسم أبيه إلى ثلاثين أو أربعين قولًا؛ ليس على حقيقته، بل هو ناشئ من وهم الرواة وتقديم لفظ على لفظ، والخلاف الحقيقي لا يتجاوز على الحقيقة ثلاثة أقوال. (١) قال ابن حجر: مع أن بعضها وقع فيه تصحيف أو تحريف مثل بر، وبرير، ويزيد؛ والظاهر أنه تغيير من بعض الرواة، وكذا سكن وسكين، والظاهر أنه يرجع إلى واحد وكذا سعد وسعيد، ثم قال: وبعضها انقلب اسمه مع اسم أبيه؛ كما تقدم في قول من قال: عبد عمرو بن عبد غنم، وقيل: عبد غنم بن عبد عمرو، فعند التأمل لا تبلغ الأقوال عشرة خالصة ومزجها من جهة صحة النقل إلى ثلاثة عمير وعبد الله وعبد الرحمن. (٢) الشبهة الثانية: قالوا: لم نعرف شيئًا عن نشأته ولا عن تاريخه قبل إسلامه: والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه: الوجه الأول: هذه دعوى لا أصل لها . فقد تقدم أنه من قبيلة دوس، وهي قبيلة معروفة؛ ذات شرف ومكانة في القبائل العربية. قال خليفة بن خياط: ومن دوس بن عدثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث، أبو هريرة. (٣) الوجه الثاني: العبرة بما بعد الإسلام . إن جمهور الصحابة إلا عددًا منهم لا يتجاوز العشرات لم يعرف شيء عنهم في جاهليتهم قبل الإسلام؛ فلقد كان العرب كلهم مغمورين في جاهليتهم، محصورين في جزيرتهم، لا يهتمون بشؤون العالم، ولا يهتم العالم بشؤونهم؛ إلا ما يتصل بالتجارة التي كانت تمر قوافلها ببلادهم، فلما جاء الإسلام وشرفهم الله بحمل رسالته، أصبح لكل واحد منهم تاريخ يكتب، وشؤون يتحدث عنها، ورواة يتتبعون أخبارهم، وتلاميذ ينقلون عنهم العلم والهداية، ولماذا كانت جهالة تاريخه في الجاهلية تضر بمكانته، وتحط

стр. 5282

من شأنه في الإسلام؟ . وأين يوجد في كتاب الله أن الذي لا يعرف تاريخه قبل الإسلام يجب الحط من شأنه، والانتقاص من مكانته، والشك فيما يروى من أحاديث رسول الله ﷺ ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم. (١) الوجه الثالث: أبو هريرة يحدثنا عن نفسه . يَقُولُ: نَشَأْتُ يَتِيمًا، وَهَاجَرْتُ مِسْكِينًا، وَكُنْتُ أَجِيرًا لابْنَةِ غَزْوَانَ بِطَعَامِ بطني وَعُقْبَةِ رجلي أَحْطِبْ لَهُمْ إِذَا نَزَلُوا، وَأَحْدُو لَهُمْ إِذَا رَكِبُوا، فَالحمْدُ للهَ الذي جَعَلَ الدِّينَ قِوَامًا، وَجَعَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ إِمَامًا. (٢) وفي الإصابة أن بسرة هذه أخت عتبةَ بن غزوان السلمي، وبلاد دوس بعيدة جدًّا عن بلاد بني سليم فيظهر أن أبا هريرة في هجرته إلى النبي ﷺ مر ببلاد بني سليم أو قريبًا منها، فوجد رفقة راحلين نحو المدينة وفيهم بسرة، فصحبهم على أن يخدمهم في الطريق ويطعموه ويعقبوه. ولا يدفع هذا ما ثبت من قوله: لمَّا قَدِمْتُ عَلَى النبي ﷺ قُلْتُ في الطَّرِيقِ: يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا ... عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ وَأَبَقَ غُلَامٌ لي في الطَّرِيقِ، فَلَمّا قَدِمْتُ عَلَى النبي ﷺ فَبَايَعْتُهُ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الْغُلَامُ، فَقَالَ لي النبي ﷺ : "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غُلامُكَ". فَقُلْتُ هُوَ لِوَجْهِ الله تَعَالَى، فَأَعْتَقْتُهُ. (٣) فقد يكون الغلام أَبِق منه قبل صحبته للرفقة، وبهذا تبين أن في القصة منقبتين له:

стр. 5283

الأولى: أن إخدامه لنفسه إنما كان ليبلغ إلى النبي ﷺ ودار الإسلام. والثانية: أنه مع قلة ذات يده أعتق غلامه، شكرًا لله تعالى على إبلاغه مقصده، وفي القصة عبرة بالغة، فإنه لما أذل نفسه بخدمة تلك المرأة استعانة على الهجرة في سبيل الله عوضه الله تعالى بأن زوجه إياها تخدمه فوق ما خدمها، ثم كان على طريقته في التواضع والتحدث بالنعمة والاعتبار مع الميل إلى المزاح يذكر هذه القصة ويشير إلى تكليف امرأته بخدمته على نحو ما كانت تكلفه، وقد يكون وقع منه ذلك مرة أو مرتين على سبيل المزاح ومداعبة الأهل وتحقيق العبرة. (١) الشبهة الثالثة: طعنهم في إكثار أبي هريرة من الرواية . يرى البعض أن كثرة رواياته مع قصر مدة صحبته لرسول الله ﷺ أمر يدعو إلى الشك في صحتها. والرد على ذلك من هذه الوجوه: الوجه الأول: ملازمته لرسول الله ﷺ -. لقد لازم أبو هريرة ﵁ رسول الله ﷺ أربع سنوات في حله وترحاله، ولم يفارقه قط، بل كان يلازمه على جوعه حتى كاد أن يموت من الجوع كل هذا صبرًا على التعلم من رسول الله ﷺ ، ففي الحديث أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إنّ كُمْ تَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحدِيثَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، وَتَقُولُونَ مَا بَالُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِنَّ إخوتي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ صَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ ألزَمُ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى مِلْءِ بطني، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَكَانَ يَشْغَلُ إِخْوَتي مِنَ الأَنْصَارِ عَمَلُ أَمْوَالهِمْ، وَكُنْتُ امرأ مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ أعي حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ في حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ: "إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِىَ مقالتي هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إِلَّا وَعَى مَا أقولُ" فَبَسَطْتُ نَمِرَةً عَليّ، حَتَّى إِذَا قَضَى رَسُولُ الله ﷺ مَقَالتهُ جَمَعْتُهَا إِلَى

стр. 5284

صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رَسُولِ الله ﷺ تِلْكَ مِنْ شيء. (١) كما كان يعبر عنه بالحرص على ملازمة الرسول ﷺ وخدمته، حيث كان لا يدع فرصة لخدمته ﷺ إلا اغتنمها، فمن ذلك أنه كان يحمل إداوة وضوئه ﷺ إذا أراد الوضوء، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ مَعَ النبي ﷺ إِدَاوَةً لِوَضُؤئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَتْبَعُهُ بِهَا فَقَالَ: "مَنْ هَذَا". فَقَالَ: أَنَا أبو هُرَيْرَةَ. فَقَالَ: "أبغنى أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا، وَلَا تأتني بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ". فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ أَحْمِلُهَا فِي طَرَفِ ثَوْبِي، حَتَّى وَضَعْتُ إِلَى جَنْبِهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مَشَيْتُ، فَقُلْتُ مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثَةِ قَالَ: "هُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ، وَإِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ وَنِعْمَ الجنُّ، فَسَألونِي الزَّادَ، فَدَعَوْتُ الله لهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ إِلَّا وَجَدُوا عَلَيْهَا طَعَامًا" (٢). فمنذ قدم ﵁ مهاجرًا إليه ﷺ سنة سبع من الهجرة، يدور معه في بيوت نسائه يخدمه، ويصلى خلفه، ويحج، ويغزو معه، فهذه الملازمة للنبي ﷺ جعلته يحضر ما لا يحضرون، ويشهد ما لا يشهدون. فهل ينكر على مثل هذا لجمعه للسنة، وحفظه لها. أعلم أنه لا ينكر إلا من سلب عقله أو اتبع هواه. الوجه الثاني: دعاء النبي ﷺ له بعدم النسيان . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إني أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثيرًا أنسَاهُ. قَالَ: "ابْسُطْ رِدَاءَكَ" فَبَسَطْتُهُ قَالَ فَغَرَفَ بِيَدَيه ثُمَّ قَالَ: "ضُمُّهُ" فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ. (٣) وعنه أيضًا أنه قال: إِنَّكُمْ تَقُوُلونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحدِيثَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ . وَتَقُوُلونَ مَا بَالُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِنَّ إِخْوَتي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ صَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ ألزَمُ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابوا وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَكَانَ يَشْغَلُ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ عَمَلُ أَمْوَالهِمْ، وَكُنْتُ امرأ مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ أَعِي

стр. 5285

حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ في حَدِيثٍ يحدِّثُهُ: "إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِىَ مقالتي هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إِلَّا وَعَى مَا أَقُولُ". فَبَسَطْتُ نَمِرَةً عَلَيَّ، حَتَّى إِذَا قَضَى رَسُولُ الله ﷺ مَقَالتَهُ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رَسُولِ الله ﷺ تِلْكَ مِنْ شيء. (١) وفي هذا فضيلة ظاهرة لأبي هريرة ﵁، ومعجزة واضحة من علامات النبوة؛ لأن النسيان من لوازم الإنسان، وقد اعترف أبو هريرة ﵁ بأنه كان يكثر منه ثم تخلف عنه ببركة النبي ﷺ . (٢) وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: كنت أنا وأبو هريرة وآخر عند النبي ﷺ فقال: ادعوا. فدعوت أنا وصاحبي، وأمَّن النبي ﷺ ، ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك مثل ما سألك صاحباي، وأسألك علما لا يُنسى فأمَّن النبي ﷺ فقلنا: ونحن كذلك يا رسول الله. فقال: سبقكما الغلام الدوسي. (٣) الوجه الثالث: حرصه على العلم، ودعوة الناس إليه، وكثرة سؤاله للنبي ﷺ وشهادة الرسول ﷺ له بذلك . لما كانت الأسئلة كما قيل: مفاتيح العلم؛ فإن أبا هريرة ﵁ كان من المكثرين لها الجريئين عليها، إذ كان يسأل النبي ﷺ عما يرى أنه محتاج للسؤال، طلبًا للعلم، واستزادة للمعرفة من نبعها الصافي، ومصدرها الأول رسول الله ﷺ . فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قلت يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لَقَدْ ظنَنْتُ يَا أبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ. (٤)

стр. 5286

عن أبي هريرة ﵁ أنه مر بسوق المدينة، فوقف عليها، فقال: يا أهل السوق أعجزكم قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: "ذاك ميراث رسول الله ﷺ يقسم وأنتم هاهنا لا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه قالوا: وأين هو؟ قال: في المسجد، فخرجوا سراعًا إلى المسجد، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟ قالوا: يا أبا هريرة فقد أتينا المسجد، فدخلنا، فلم نر فيه شيئا يقسم. فقال لهم أبو هريرة: أما رأيتم في المسجد أحدا؟ قالوا: بلى، رأينا قوما يصلون، وقوما يقرءون القرآن، وقوما يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة: ويحكم، فذاك ميراث محمد ﷺ . (١) الوجه الرابع: خوفه من كتمان العلم . فلقد أكثر أبو هريرة من الحديث خوفا من كنمان العلم، فقال ﵁: وَالله لَوْلَا آيَتَانِ في كِتَابِ الله مَا حَدَّثْتكُمْ شَيْئًا أَبَدًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ إِلَى قَوْلهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾. (٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ كتَمَهُ أَلْجمَهُ الله بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". (٣) الوجه الخامس: حرصه على أن تتحقق فيه دعوة النبي ﷺ - عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "نَضَّرَ الله امرأ سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَى يُبَلِّغَهُ، فرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ". (٤) الوجه السادس: سماع كثير من الصحابة والتابعين له، وعدم إنكارهم عليه ﵃ جميعًا: فقد روى عنه جمع من الصحابة ﵃. قال الحاكم: وأنا ذاكر بمشيئة الله في هذا رواية أكابر الصحابة ﵃ عن أبي هريرة ﵁، فقد روى عنه: زيد بن ثابت، وأبو أيوب الأنصاري، وعبد الله بن عباس، وعبد الله ابن عمر،

стр. 5287

وعبد الله بن الزبير، وأبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وعائشة، والمسور بن مخرمة، وعقبة بن الحارث، وأبو موسى الأشعري، وأنس بن مالك، والسائب بن يزيد، وأبو رافع مولى رسول الله ﷺ ، وأبو أمامة بن سهل، وأبو الطفيل، وأبو نضرة الغفاري، وأبو رهم الغفاري، وشداد بن الهاد، وأبو حدرد عبد الله بن حدرد الأسلمي، وأبو رزين العفيلي واثلة ابن الأسقع، وقبيصة بن ذؤيب، وعمرو بن الحمق، والحجاج الأسلمي، وعبد الله بن عكيم، والأغر الجهني، والشريد بن سويد ﵁، فقد بلغ عدد من روى عن أبي هريرة ﵁ من الصحابة ثمانية وعشرين رجلًا. (١) وقد روى عنه من التابعين: قال ابن حجر: ومن كبار التابعين مروان بن الحكم، وعبد الله بن ثعلبة، وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وسلمان الأغر، والأغر أبو مسلم، . . . ثم قال بعد أن ذكر كثيرا منهم وآخرون كثيرون، قال البخاري ﵀ روى عنه -يعني: أبو هريرة- نحو الثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث في عمره. (٢) قال المزي: روى عن النبي ﷺ الكثير الطيب، وعن أبي بن كعب، وأسامة بن زيد بن حارثة، وبصرة بن أبي بصرة الغفاري، وعمر بن الخطاب، والفضل بن العباس، وكعب الأحبار، وأبي بكر الصديق، وابنته عائشة زوج النبي ﷺ ، ثم ساق جملة من روى عنه في الكتب الستة فكان عددهم كثير. (٣) الوجه السابع: قوة حفظه ﵁ -. إن أبا هريرة تميز بقوة ذاكرته، وحفظه، وحسن ضبطه، خاصةً بعد أن دعا له الرسول ﷺ بالحفظ وعدم النسيان -كما سبق- فكان حافظًا متقنًا ضابطًا لما يرويه، ولذا قال: وَكُنْتُ امرأ مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ أعي حِينَ يَنْسَوْنَ، وفي لفظ قال: وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا. (٤)

стр. 5288

الوجه الثامن: شهادة الصحابة ﵃ ومن بعدهم من أهل العلم بقوة حفظه، وإتقائه وكثرة سماعه وحرصه على الحديث . فكما رووا عنه فقد رجعوا إليه في السؤال والفتوى، ومنهم من قدمه في ذلك ووافقه فيما قال، فعَنْ مُعَاوِيةَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ الأنصاري أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: فَجَاءَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ، فقَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ طَلَّقَ امْرَأَتَّهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فمَاذَا ترَيَانِ؟ فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّ هَذَا الأَمْرَ مَا لَنَا فِيهِ قَوْلٌ؛ فَاذْهَبْ إِلَى عَبْدِ الله ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، فإني تَرَكْتُهُمَا عِنْدَ عَائِشَةَ فَسَلْهُمَا ثُمَّ ائْتِنَا فَأَخْبِرْنَا، فَذَهَبَ فَسَأَلهُمَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لأَبِي هُرَيْرَةَ: أفْتِهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَدْ جَاءَتْكَ مُعْضِلَةٌ، فَقَالَ أبو هُرَيْرَةَ الْوَاحِدَةُ تُبِينها، وَالثَّلَاثَةُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى ذَلِكَ الأَمْرُ عِنْدَنَا وَالثَّيِّبُ إِذَا مَلَكَهَا الرَّجُلُ فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا إِنَّهَا تَجْرِى مَجْرَى الْبِكْرِ الْوَاحِدَةُ تُبِينها، وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ. (١) وقال الذهبي: وناهيك أن مثل ابن عباس يتأدب معه، ويقول: أفت يا أبا هريرة. (٢) عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يحدِّثُ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ أَنَّهُ مَرَّ بِهِ قَوْمٌ مُحْرِمُونَ بِالرَّبَذَةِ فَاسْتَفْتَوْهُ فِي لَحْمِ صَيْدٍ وَجَدُوا نَاسًا أَحِلَّةً يَأْكُلُونَهُ، فَأَفْتَاهُمْ بِأَكْلِهِ، قَالَ: ثُمَّ قَدِمْتُ المدِينَةَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَسَأْلتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: بِمَ أَفْتَيْتَهُمْ؟ قَالَ فَقُلْتُ: أَفْتيتُهُمْ بِأَكْلِهِ، قَالَ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ أَفْتيتَهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ لأَوْجَعْتُكَ. (٣) ومن ذلك شهادة ابن عمر ﵁ لأبي هريرة بالحفظ والتثبت. عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لأَبِي هُرَيْرَةَ: يَا أبَا هُرَيْرَةَ أَنْتَ كُنْتَ ألزَمَنَا لِرَسُولِ الله ﷺ وَأَحْفَظَنَا لِحَدِيثِهِ. (٤)

стр. 5289

وقال ابن عبد البر: وكان أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار لانشغال المهاجرين بالتجارة، والأنصار بحوائطهم، وقد شهد له رسول الله ﷺ بأنه حريص على العلم والحديث. (١) وقد سبق النقل عن الحاكم. (٢) وابن خزيمة (٣). الوجه التاسع: كثرة روايته كثرة نسبية إن كثرة رواياته كثرة نسبية وليست كثرة مطلقة، إذ إنه أكثر من روي عنه من الصحابة ﵃، لا أكثر من يحفظ الحديث عن رسول الله ﷺ ، ومما يؤكد هذا، اعترافه ﵁ بأن ما كان عند عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ من حديث أكثر مما كان عنده، لأن عبد الله كما قال: كان يكتب، وهو لا يكتب، وهذا ما أفصح عنه الإمام أبو بكر ابن خزيمة بقوله: كان من أكثر أصحابه عنه رواية فيما انتشر من رواياته وروايات غيره من أصحاب رسول الله ﷺ مع مخارج صحاح. وإن عدم كثرة الرواية عمن عداه ممن طالت صحبتهم لرسول الله ﷺ أمر نسبي، ويرجع بعض أسبابها إلى وفاة بعضهم المبكرة، إذ إن منهم من توفي، في حياة النبي ﷺ ، ومنهم من توفي بعد وفاته بقليل، كما أن منهم من كان مقلًا للرواية لا يحدث إلا إذا سئل، وكان من هؤلاء الخلفاء الراشدون، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وأبو سعيد الخدري، وغيرهم ﵃. (٤) ثم من العجيب أن يثير هذا في القرن العشرين! ! فهل يعجب من قوة ذاكرة الإنسان ولاسيما العرب؟ فقد كان العرب يحفظون أضعاف أضعاف ما حفظه أبو هريرة؟ ! ! ، لقد حفظوا القرآن الكريم والحديث والأشعار، فماذا يقولون في هؤلاء؟ . ماذا يقولون في حفظ أبي بكر أنساب العرب؟ وعائشة ﵂ شعرهم؟ ، وماذا يقولون

стр. 5290

في حماد الراوية الذي كان أعلم الناس بأيام العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها ولغاتها؟ وماذا يقولون فيه إذا علم أنه روى على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة سوى المقطعات، من شعر الجاهلية دون الإسلام؟ . (١) الوجه العاشر: قصر صحبته قصر نسبي . إن قصر صحبته لرسول الله ﷺ قصر نسبي: أي بالنسبة لمن طالت صحبتهم للرسول ﷺ ، كالعشرة المبشرين بالجنة، وغيرهم من السابقين الأولين من الصحابة ﵃، وإلا فإنها في الواقع ليست قصيرة كما يتوهم، إذ زادت على أربع سنين وهي مدة كافية لجمعه ما جمع، وروايته ما روى من أحاديث، علمًا أنه قد لازم فيها النبي ﷺ ملازمة تامة، حضرًا وسفرًا، يدور معه حيث دار، تفرغ فيها للعلم والتحصيل، لا يشغله عنهما شاغل من تجارة، أو زراعة، أو أعباء عائلية أو غير ذلك، وهي ملازمة لم تتيسر لكثير ممن كانت صحبتهم لرسول الله ﷺ أطول من صحبته له، لانشغالهم بأمور الحياة الضرورية؟ ، وجاء جاء رجل إلى طلحة بن عبيد الله ﵁، فقال: يا أبا محمد، والله ما ندري هذا اليماني أعلم برسول الله ﷺ أم أنتم؟ تقوّل على رسول الله ﷺ ما لم يقل، يعني أبا هريرة، فقال طلحة: والله ما يشك أنه سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا قومًا أغنياء، لنا بيوت وأهلون، كنا نأتي نبي الله ﷺ طرفي النهار، ثم نرجع، وكان أبو هريرة ﵁ مسكينًا لا مال له، ولا أهل، ولا ولد، إنما كانت يده مع يد النبي ﷺ ، وكان يدور معه حيث دار، ولا نشك أنه قد علم ما لم نعلم، وسمع ما لم نسمع، ولم يتهمه أحد منا، أنه تقوّل على رسول الله ﷺ ما لم يقل. (٢) كما كانوا مشغولين أيضًا بأمور الدعوة، والقيام بالمهمات التي كان يكلفهم بها
следующие страницы →