← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

عن أبي هريرة ﵁ أنه مر بسوق المدينة، فوقف عليها، فقال: يا أهل السوق أعجزكم قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: "ذاك ميراث رسول الله ﷺ يقسم وأنتم هاهنا لا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه قالوا: وأين هو؟ قال: في المسجد، فخرجوا سراعًا إلى المسجد، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم: ما لكم؟ قالوا: يا أبا هريرة فقد أتينا المسجد، فدخلنا، فلم نر فيه شيئا يقسم. فقال لهم أبو هريرة: أما رأيتم في المسجد أحدا؟ قالوا: بلى، رأينا قوما يصلون، وقوما يقرءون القرآن، وقوما يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة: ويحكم، فذاك ميراث محمد ﷺ . (١) الوجه الرابع: خوفه من كتمان العلم . فلقد أكثر أبو هريرة من الحديث خوفا من كنمان العلم، فقال ﵁: وَالله لَوْلَا آيَتَانِ في كِتَابِ الله مَا حَدَّثْتكُمْ شَيْئًا أَبَدًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ إِلَى قَوْلهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾. (٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ كتَمَهُ أَلْجمَهُ الله بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". (٣) الوجه الخامس: حرصه على أن تتحقق فيه دعوة النبي ﷺ - عن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "نَضَّرَ الله امرأ سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَى يُبَلِّغَهُ، فرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ". (٤) الوجه السادس: سماع كثير من الصحابة والتابعين له، وعدم إنكارهم عليه ﵃ جميعًا: فقد روى عنه جمع من الصحابة ﵃. قال الحاكم: وأنا ذاكر بمشيئة الله في هذا رواية أكابر الصحابة ﵃ عن أبي هريرة ﵁، فقد روى عنه: زيد بن ثابت، وأبو أيوب الأنصاري، وعبد الله بن عباس، وعبد الله ابن عمر،

стр. 5287

وعبد الله بن الزبير، وأبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وعائشة، والمسور بن مخرمة، وعقبة بن الحارث، وأبو موسى الأشعري، وأنس بن مالك، والسائب بن يزيد، وأبو رافع مولى رسول الله ﷺ ، وأبو أمامة بن سهل، وأبو الطفيل، وأبو نضرة الغفاري، وأبو رهم الغفاري، وشداد بن الهاد، وأبو حدرد عبد الله بن حدرد الأسلمي، وأبو رزين العفيلي واثلة ابن الأسقع، وقبيصة بن ذؤيب، وعمرو بن الحمق، والحجاج الأسلمي، وعبد الله بن عكيم، والأغر الجهني، والشريد بن سويد ﵁، فقد بلغ عدد من روى عن أبي هريرة ﵁ من الصحابة ثمانية وعشرين رجلًا. (١) وقد روى عنه من التابعين: قال ابن حجر: ومن كبار التابعين مروان بن الحكم، وعبد الله بن ثعلبة، وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وسلمان الأغر، والأغر أبو مسلم، . . . ثم قال بعد أن ذكر كثيرا منهم وآخرون كثيرون، قال البخاري ﵀ روى عنه -يعني: أبو هريرة- نحو الثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث في عمره. (٢) قال المزي: روى عن النبي ﷺ الكثير الطيب، وعن أبي بن كعب، وأسامة بن زيد بن حارثة، وبصرة بن أبي بصرة الغفاري، وعمر بن الخطاب، والفضل بن العباس، وكعب الأحبار، وأبي بكر الصديق، وابنته عائشة زوج النبي ﷺ ، ثم ساق جملة من روى عنه في الكتب الستة فكان عددهم كثير. (٣) الوجه السابع: قوة حفظه ﵁ -. إن أبا هريرة تميز بقوة ذاكرته، وحفظه، وحسن ضبطه، خاصةً بعد أن دعا له الرسول ﷺ بالحفظ وعدم النسيان -كما سبق- فكان حافظًا متقنًا ضابطًا لما يرويه، ولذا قال: وَكُنْتُ امرأ مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ أعي حِينَ يَنْسَوْنَ، وفي لفظ قال: وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا. (٤)

стр. 5288

الوجه الثامن: شهادة الصحابة ﵃ ومن بعدهم من أهل العلم بقوة حفظه، وإتقائه وكثرة سماعه وحرصه على الحديث . فكما رووا عنه فقد رجعوا إليه في السؤال والفتوى، ومنهم من قدمه في ذلك ووافقه فيما قال، فعَنْ مُعَاوِيةَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ الأنصاري أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: فَجَاءَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ، فقَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ طَلَّقَ امْرَأَتَّهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فمَاذَا ترَيَانِ؟ فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّ هَذَا الأَمْرَ مَا لَنَا فِيهِ قَوْلٌ؛ فَاذْهَبْ إِلَى عَبْدِ الله ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، فإني تَرَكْتُهُمَا عِنْدَ عَائِشَةَ فَسَلْهُمَا ثُمَّ ائْتِنَا فَأَخْبِرْنَا، فَذَهَبَ فَسَأَلهُمَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لأَبِي هُرَيْرَةَ: أفْتِهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَدْ جَاءَتْكَ مُعْضِلَةٌ، فَقَالَ أبو هُرَيْرَةَ الْوَاحِدَةُ تُبِينها، وَالثَّلَاثَةُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى ذَلِكَ الأَمْرُ عِنْدَنَا وَالثَّيِّبُ إِذَا مَلَكَهَا الرَّجُلُ فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا إِنَّهَا تَجْرِى مَجْرَى الْبِكْرِ الْوَاحِدَةُ تُبِينها، وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ. (١) وقال الذهبي: وناهيك أن مثل ابن عباس يتأدب معه، ويقول: أفت يا أبا هريرة. (٢) عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يحدِّثُ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ أَنَّهُ مَرَّ بِهِ قَوْمٌ مُحْرِمُونَ بِالرَّبَذَةِ فَاسْتَفْتَوْهُ فِي لَحْمِ صَيْدٍ وَجَدُوا نَاسًا أَحِلَّةً يَأْكُلُونَهُ، فَأَفْتَاهُمْ بِأَكْلِهِ، قَالَ: ثُمَّ قَدِمْتُ المدِينَةَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَسَأْلتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: بِمَ أَفْتَيْتَهُمْ؟ قَالَ فَقُلْتُ: أَفْتيتُهُمْ بِأَكْلِهِ، قَالَ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ أَفْتيتَهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ لأَوْجَعْتُكَ. (٣) ومن ذلك شهادة ابن عمر ﵁ لأبي هريرة بالحفظ والتثبت. عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لأَبِي هُرَيْرَةَ: يَا أبَا هُرَيْرَةَ أَنْتَ كُنْتَ ألزَمَنَا لِرَسُولِ الله ﷺ وَأَحْفَظَنَا لِحَدِيثِهِ. (٤)

стр. 5289

وقال ابن عبد البر: وكان أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار لانشغال المهاجرين بالتجارة، والأنصار بحوائطهم، وقد شهد له رسول الله ﷺ بأنه حريص على العلم والحديث. (١) وقد سبق النقل عن الحاكم. (٢) وابن خزيمة (٣). الوجه التاسع: كثرة روايته كثرة نسبية إن كثرة رواياته كثرة نسبية وليست كثرة مطلقة، إذ إنه أكثر من روي عنه من الصحابة ﵃، لا أكثر من يحفظ الحديث عن رسول الله ﷺ ، ومما يؤكد هذا، اعترافه ﵁ بأن ما كان عند عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ من حديث أكثر مما كان عنده، لأن عبد الله كما قال: كان يكتب، وهو لا يكتب، وهذا ما أفصح عنه الإمام أبو بكر ابن خزيمة بقوله: كان من أكثر أصحابه عنه رواية فيما انتشر من رواياته وروايات غيره من أصحاب رسول الله ﷺ مع مخارج صحاح. وإن عدم كثرة الرواية عمن عداه ممن طالت صحبتهم لرسول الله ﷺ أمر نسبي، ويرجع بعض أسبابها إلى وفاة بعضهم المبكرة، إذ إن منهم من توفي، في حياة النبي ﷺ ، ومنهم من توفي بعد وفاته بقليل، كما أن منهم من كان مقلًا للرواية لا يحدث إلا إذا سئل، وكان من هؤلاء الخلفاء الراشدون، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وأبو سعيد الخدري، وغيرهم ﵃. (٤) ثم من العجيب أن يثير هذا في القرن العشرين! ! فهل يعجب من قوة ذاكرة الإنسان ولاسيما العرب؟ فقد كان العرب يحفظون أضعاف أضعاف ما حفظه أبو هريرة؟ ! ! ، لقد حفظوا القرآن الكريم والحديث والأشعار، فماذا يقولون في هؤلاء؟ . ماذا يقولون في حفظ أبي بكر أنساب العرب؟ وعائشة ﵂ شعرهم؟ ، وماذا يقولون

стр. 5290

في حماد الراوية الذي كان أعلم الناس بأيام العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها ولغاتها؟ وماذا يقولون فيه إذا علم أنه روى على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة سوى المقطعات، من شعر الجاهلية دون الإسلام؟ . (١) الوجه العاشر: قصر صحبته قصر نسبي . إن قصر صحبته لرسول الله ﷺ قصر نسبي: أي بالنسبة لمن طالت صحبتهم للرسول ﷺ ، كالعشرة المبشرين بالجنة، وغيرهم من السابقين الأولين من الصحابة ﵃، وإلا فإنها في الواقع ليست قصيرة كما يتوهم، إذ زادت على أربع سنين وهي مدة كافية لجمعه ما جمع، وروايته ما روى من أحاديث، علمًا أنه قد لازم فيها النبي ﷺ ملازمة تامة، حضرًا وسفرًا، يدور معه حيث دار، تفرغ فيها للعلم والتحصيل، لا يشغله عنهما شاغل من تجارة، أو زراعة، أو أعباء عائلية أو غير ذلك، وهي ملازمة لم تتيسر لكثير ممن كانت صحبتهم لرسول الله ﷺ أطول من صحبته له، لانشغالهم بأمور الحياة الضرورية؟ ، وجاء جاء رجل إلى طلحة بن عبيد الله ﵁، فقال: يا أبا محمد، والله ما ندري هذا اليماني أعلم برسول الله ﷺ أم أنتم؟ تقوّل على رسول الله ﷺ ما لم يقل، يعني أبا هريرة، فقال طلحة: والله ما يشك أنه سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا قومًا أغنياء، لنا بيوت وأهلون، كنا نأتي نبي الله ﷺ طرفي النهار، ثم نرجع، وكان أبو هريرة ﵁ مسكينًا لا مال له، ولا أهل، ولا ولد، إنما كانت يده مع يد النبي ﷺ ، وكان يدور معه حيث دار، ولا نشك أنه قد علم ما لم نعلم، وسمع ما لم نسمع، ولم يتهمه أحد منا، أنه تقوّل على رسول الله ﷺ ما لم يقل. (٢) كما كانوا مشغولين أيضًا بأمور الدعوة، والقيام بالمهمات التي كان يكلفهم بها

стр. 5291

النبي ﷺ ، كالخروج في السرايا والغزوات، وتبليغ العلم، ونقل الكتب إلى الملوك والأمراء المجاورين للجزيرة العربية، وما تتطلبه مثل هذه المهمات من سفر وغياب عن مجالسة رسول الله ﷺ ، وقد يدوم غيابهم أيامًا أو أشهرًا، كما أن منهم من لم يكن يساكن النبي ﷺ بالمدينة، حتى يتسنى له لقاؤه متى شاء، أو في الوقت الذي تسمح له ظروفه اللقاء به. لهذه الأسباب وغيرها لم تتيسر الملازمة التامة لكثير ممن طالت صحبتهم لرسول الله ﷺ ، كما تيسرت لأبي هريرة ﵁، ويشهد لذلك ما جاء عن ابن عمر ﵄ أنه قال: يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ ، وأحفظنا لحديثه. (١) الوجه الحادي عشر: تأخر وفاته وحاجة الناس إلى علمه، وكثرة الرواة عنه . كان أبو هريرة لله من القلائل من أصحاب رسول الله ﷺ الذين امتد بهم العمر إلى ما بعد سنة خمسين من الهجرة، واحتاج الناس إلى علمهم والرجوع إليهم فيما أشكل عليهم من أمور، ولما كان من أكثر الصحابة حفظًا لحديث رسول الله ﷺ ، وجمعًا له، واستعدادًا لبذله، كان حريًا أن يقبل عليه طلاب العلم وعشاق المعرفة، وحماة الدين من صحابة وتابعين ﵃، حيث روى عنه نحو ثمانية وعشرين من كبار الصحابة وصغارهم، كزيد بن ثابت، وأبي أيوب الأنصاري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعائشة، وغيرهم ﵃، كما روى عنه وتتلمذ عليه مئات من التابعين ﵃. قال البخاري: روى عنه ثمانمائة نفس، أو أكثر. (٢) وقال الحاكم: بلغ عدد من روى عن أبي هريرة من الصحابة ثمانية وعشرين رجلًا، فأما التابعون فليس فيهم أجل ولا أشهر ولا أشرف وأعلم من أصحاب أبي هريرة، وذكرهم في هذا الموضع يطول لكثرتهم (٣) ولم يتوفر فيما أعلم لغيره من رواة الصحابة ﵃، مثل هذا العدد من الرواة والناقلين

стр. 5292

لعلمهم عن رسول الله ﷺ ، ومما لا شك فيه أن مثل هذا العدد الوفير قد ساعد كثيرًا على نقل مروياته وإبقائها حية ومتداولة بين أكبر عدد من الرواة والنقلة، حتى دونت مع غيرها من الروايات الحديثة الأخرى في كتب الحديث وأسفاره، بخلاف غيره من الصحابة الذين قلت الرواية عنهم، لتقدم وفياتهم عنه نسبيًا، أو لتحرج بعضهم عن الرواية، أو لغير ذلك مما أسلفنا من أسباب (١). الوجه الثاني عشر: عدم انشغاله بالدنيا فقد كان فقيرًا من أهل الصُّفَّة إن أبا هريرة كان رجلًا لا أَرَب له في الدنيا، وكان راضيًا بالشيء اليسير، ولم يكن له من الأهل والولد -آنذاك- ولا التجارة والزراعة ما يشغله، فكان همه ملازمة النبي ﷺ على ما يقيم به صلبه، فقد كان من أهل الصفة الذين يسكنون المسجد، ومع فقره فقد مدح الله فقراء المسلمين (أهل الصفة) ومنهم أبو هريرة، ولذا قال أبو هريرة: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، وَتَقُولُونَ: مَا بَالُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يحدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وإِنَّ إخوتي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ صَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ ألزَمُ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى مِلْءِ بطني، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَكَانَ يَشْغَلُ إِخْوَتِى مِنَ الأَنْصَارِ عَمَلُ أَمْوَالهِمْ، وَكُنْتُ امرأ مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ، أعي حِينَ يَنْسَوْنَ. (٢) الشبهة الرابعة: ادعاؤهم أن أبا هريرة كتم علمًا عن النبي ﷺ - ويستندون على ذلك بما قاله أبو هريرة: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ: فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ (٣). والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: بيان المراد بهذا الوعاء الذي كتمه أبو هريرة: قال الذهبي: وقد صح أن أبا هريرة كتم حديثا كثيرًا مما لا يحتاجه المسلم في دينه، وكان

стр. 5293

يقول: لو بثثته فيكم لقطع هذا البلعوم، وليس هذا من باب كتمان العلم في شيء؛ فإن العلم الواجب يجب بثه ونشره، ويجب على الأمة حفظه، والعلم الذي في فضائل الأعمال مما يصح إسناده يتعين نقله، ويتأكد نشره، وينبغي للأمة نقله، والعلم المباح لا يجب بثه ولا ينبغي أن يدخل فيه إلا خواص العلماء. (١) قال ابن حجر: وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه، على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء، وأحوالهم، وزمنهم، وقد كان أبو هريرة يكنى عن بعضه ولا يصرح به، خوفًا على نفسه منهم. كقوله: (أعوذ بالله من رأس الستين، وإمارة الصبيان) يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية، لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة. قال ابن المنير: جعل الباطنية هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم حيث اعتقدوا أن للشريعة ظاهرًا وباطنًا، وذلك الباطن إنما حاصله الانحلال من الدين، قال: وإنما أراد أبو هريرة بقوله قطع: أي قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم، وتضليله لسعيهم. (٢) قال ابن كثير: وهذا الوعاء الذي كان لا يتظاهر به هو الفتن والملاحم وما وقع بين الناس من الحروب والقتال، وما سيقع التي لو أخبر بها قبل كونها لبادر كثير من الناس إلى تكذيبه، وردوا ما أخبر به من الحق، كما قال: لو أخبرتكم أنكم تقتلون إمامكم وتقتتلون فيما بينكم بالسيوف لما صدقتموني. . . . ثم قال: وإنما كان الذي فيه شيء من الفتن والملاحم كما أخبر بها هو وغيره من الصحابة. (٣) الوجه الثاني: جواز كتمان بعض العلم لمن لا يحسن فهمه، أو يترتب عليه فتنة . قَالَ القَاضي عيَاض: فِيهِ دَلِيل عَلَى أنَّهُ كَتَمَ مَما خَشِيَ الضَّرَر فِيهِ والفِتْنَة مِمَّا لَا يَحْتَمِلهُ عَقْل كُلّ وَاحِد، وَذَلِكَ فِيمَا لَيْسَ تَحْته عَمَل وَلَا فِيهِ حَدٌّ مِنْ حُدُود الشَّرِيعَة. قَالَ: وَمثْل هَذَا عَنْ الصَّحَابَة ﵃ كَثِير فِي تَرْكِ الْحَدِيث بِمَا لَيْسَ تَحْته عَمَل، وَلَا تَدْعُو إِلَيْهِ ضَرُورَة، أَوْ لَا تَحْمِلهُ

стр. 5294

عُقُول الْعَامَّة، أَوْ خُشِيَتْ مَضَرَّتُهُ عَلَى قَائِله أَوْ سَامِعه لَا سِيَّمَا مَا يَتَعَلَّق بِأَخْبَارِ المُنَافِقِينَ وَالْإِمَارَة وَتَعْيِين قَوْم وُصِفُوا بِأَوْصَافٍ غَيْر مُسْتَحْسَنَة وَذَمّ آخَرِينَ وَلَعْنِهِمْ. وَالله أَعْلَم. (١) قال الذهبي: هذا دال على جواز كتمان بعض الأحاديث التي تحرك فتنة في الأصول، أو الفروع أو المدح والذم، أما حديث يتعلق بحل أو حرام، فلا يحل كتمانه بوجه، فإنه من البينات والهدى. وفي صحيح البخاري: قول الإمام علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله. (٢) وكذا لو بث أبو هريرة ذلك الوعاء، لأوذي، بل لقتل، ولكن العالم قد يؤديه اجتهاده إلى أن ينشر الحديث الفلاني إحياء للسنة، فله ما نوى وله أجر وإن غلط في اجتهاده. (٣) قال ابن حجر: وفيه -قول علي ﵁ دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة. ومثله قول ابن مسعود ﵁: ما أنت محدثًا قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة (٤)، وممن كره التحديث ببعض دون بعض؛ أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم عنه في الجرابين وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين، لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء، بتأويله الواهي، وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب. (٥) الوجه الثالث: هذا الادعاء مخالف لمذهب أبي هريرة ﵁ - فلقد أكثر أبو هريرة من الحديث خوفا من كتمان العلم، فقال ﵁: وَالله لَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ الله

стр. 5295

مَا حَدَّثْتكمْ شَيْئًا أَبَدًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾. (١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجمَهُ الله بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". (٢) الشبهة الخامسة: إنكار عمر ﵁ على إكثار أبي هريرة من الحديث عن رسول الله ﷺ -. حيث إنهم قالوا: بأن عمر كان يري الإقلال من الرواية عن رسول الله ﷺ ، ولما رأى أن أبا هريرة يكثر الحديث أنكر ذلك عليه وقال: أبو هريرة أكذب المحدثين، وقال: لتتركن الحديث عن رسول الله ﷺ أو لألحقنك بأرض دوس، ولما أصر أبو هريرة على الرواية، حبسه مع من كان يكثر الرواية عن رسول الله ﷺ ، ولذلك قال أبو هريرة لم مات عمر: ما كنا نستطيع أن نقول: قال رسول الله ﷺ حتى قبض عمر وكان يقول: إني لأحدث أحاديث، لو تكلمت بها في زمن عمر، لشج رأسي. أولًا: حول مسألة إقلال عمر ﵁ من الرواية . والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: هذا مذهب لعمر ﵁ وبعض الصحابة، وبيان الحكمة التي كان يريدها من ذلك . قال محمد عجاج: لقد عرف الصحابة منزلة السنة فتمسكوا بها، وتتبعوا آثار الرسول ﷺ ، وأبوا أن يخالفوها متى ثبتت عندهم، كما أبوا أن ينحرفوا عن شيء فارقهم عليه، واحتاطوا في رواية الحديث عنه ﷺ خشية الوقوع في الخطأ، وخوفًا أن يتسرب إلى السنة المطهرة الكذب أو التحريف، وهو المصدر التشريعي الأول بعد القرآن الكريم، ولهذا اتبعوا كل سبيل يحفظ على الحديث نوره، فآثروا الاعتدال في الرواية عن الرسول ﷺ ، بل إن بعضهم فضّل الإقلال منها. قال ابن قتيبة: وكان عمر شديد الإنكار على من أكثر الرواية أو أتى بخبر في الحكم

стр. 5296

لا شاهد له عليه وكان يأمرهم أن يقلوا الرواية يريد بذلك أن لا يتسع الناس فيها ويدخلها الشوب ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي، وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول الله ﷺ كأبي بكر والزبير وأبي عبيدة والعباس بن عبد المطلب يقلون الرواية عنه بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئًا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. والتزم الصحابة -في الخلافة الراشدة- منهاج عمر ﵁، وأتقنوا أداء الحديث، وضبطوا حروفه ومعناه، وكانوا يخشون كثيرًا أن يقعوا في الخطأ، لذلك نرى بعضهم- مع كثرة تحملهم عن الرسول ﷺ لا يكثر من الرواية في ذلك العهد، حتى إن منهم من كان لا يحدّث حديثًا في السنة، ونرى من تأخذه الرعدة، ويقشعر جلده ويتغير لونه ورعًا واحترامًا لحديث الرسول ﷺ ، ومن هذا ما رواه عمرو بن ميمون قال: مَا أخطأني ابْن مَسْعُودٍ عَشِيَّةَ خَمِيسٍ إِلَّا أَتَيْتُهُ فِيهِ، قَالَ: فَمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ لشيء قَطُّ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَلَمّا كَانَ ذَاتَ عَشِيَّةٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ، قَالَ فَنكسَ. قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فَهُوَ قَائِم مُحَلَّلَةً أَزْرَارُ قَمِيصِهِ قَدِ اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ، قَالَ أَوْ دُونَ ذَلِكَ أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ أَوْ شَبِيهًا بِذَلِكَ. (١) وعن أنس ﵁ أنه قال: إِنَّهُ ليمنعني أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النبي ﷺ قَالَ: "مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". (٢) وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب محمد ﷺ ما منهم أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه، ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه

стр. 5297

كفاه إياه وفي رواية يسأل أحدهم المسألة فيردها هذا إلا هذا حتى ترجع إلى الأول. (١) هكذا تشدد الصحابة في الحديث، وأمسك بعضهم عنه كراهية التحريف، أو الزيادة والنقصان في الرواية عن الرسول ﷺ ؛ لأن كثرة الرواية كانت في نظر كثير منهم مظنة الوقوع في الخطأ، والكذب على رسول الله ﷺ ، وقد نهى النبي ﷺ عن الكذب عليه، وعن رواية ما يرى أنه كذب، من ذلك قوله ﷺ : "مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِب فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِين". (٢) وكان الصحابة ﵃ يخشون أن يقعوا في الكذب عامةً، فكيف يكذبون على النبي ﷺ ، قال عِليٌّ ﵁: إِذَا حَدَّثْتكُمْ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ حَدِيثًا فَلأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ. (٣) وقد تشدد عمر بن الخطاب ﵁ في تطبيق هذا المنهاج، فحمل الناس على التثبت مما يسمعون، والتروي في ما يؤدون، فكان له الفضل الكبير في صيانة الحديث من الشوائب والدّخل. وقد كان تشدد عمر هذا والصحابة معه للمحافظة على القرآن الكريم، بجانب المحافظة على السنة، فقد خشي أن يشتغل الناس بالرواية عن القرآن الكريم -وهو دستور الإسلام- فأراد أن يحفظ المسلمون القرآن جيدًا، ثم يعتنوا بالحديث الشريف الذي لم يكن دُوِّن كله في عهد النبي ﷺ كالقرآن، فنهج لهم التثبت العلمي والإقلال من الرواية خشية الوقوع في الخطأ، وقد عُرف إتقان بعض الصحابة وحفظهم الجيد، فسمح لهم بالتحديث. ويتجلى منهاج عمر بن الخطاب ﵁ في وصيته التي أوصى بها وفده إلى الكوفة، فعن قرظة بن كعب أنه قال: بَعَثنا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الْكُوفَةِ وَشَيَّعَنَا فَمَشَى مَعَنَا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ صِرَار، فَقَالَ أَتَدْرُونَ لِمَ مَشَيْتُ مَعَكُمْ، قَالَ: قُلْنَا: لِحَقِّ صُحْبَةِ رَسُولِ الله ﷺ وَلِحَقِّ الأَنْصَارِ، قَالَ: لَكِنِّي مَشَيْتُ مَعَكُمْ لِحَدِيثٍ أَرَدْتُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ بِهِ فَأَرَدْتُ أَنْ تَحْفَظُوهُ لممشاي مَعَكُمْ،

стр. 5298

إِنَّكُمْ تَقْدُمُونَ عَلَى قَوْمٍ لِلْقُرْآنِ فِي صُدُورِهِمْ هَزِيزٌ كَهَزِيزِ المرْجَلِ، فَإِذَا رَأَوْكُمْ مَدُّوا إِلَيْكُمْ أَعْنَاقَهُمْ، وَقَالُوا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ، فَأَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ وَأَنَا شَرِيكُكُمْ. (١) تلكم طريقة الصحابة ومنهجهم في المحافظة على حديث النبي ﷺ خشية الوقوع في الخطأ، أو تسرب الدس في الحديث الشريف من الجهلاء وأصحاب الأهواء، أو أن تُحمل بعض الأحاديث على غير وجه الحق والصواب، فيكون الحكم بخلاف ما أُخذ به، فعلوا ذلك كله احتياطًا للدين ورعاية لمصلحة المسلمين، لا زهدًا في الحديث النبوي ولا تعطيلًا له، فلا يجوز لإنسان أن يفهم من منهاج الصحابة -ومن تشدد عمر خاصةً- هجر الصحابة للسنة أو زهدهم فيها. . . وطريقة أبي بكر وعمر في الحكم مشهورة: كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى؛ فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله ﷺ ؛ فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به؛ فإن أعياه ذلك سأل الناس هل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى فيه بقضاء، فربما قام إليه القوم فيقولون قضى فيه بكذا وكذا؛ فإن لم يجد سنة سنها النبي ﷺ جمع رؤساء الناس فاستشارهم، وكان عمر ﵁ يفعل ذلك. هكذا كان منهج الصحابة جميعًا في كل ما يرد عليهم، وليس لأحد بعد هذا أن يتخذ بعض ما ورد عن بعض الصحابة ذريعة لهواه، ونستعرض موقف بعض علماء الحديث من ذلك: قال ابن عبد البر: (٢) احتج بعض من لا علم له ولا معرفة من أهل البدع وغيرهم الطاعنين في السنن بحديث عمر هذا: أقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ ، وجعلوا ذلك ذريعة إلى الزهد في سنن رسول الله ﷺ التي لا توصل إلى مراد كتاب الله إلا بها والطعن على أهلها، ولا حجة في هذا الحديث ولا دليل على شيء مما ذهبوا إليه من وجوه،

стр. 5299

قد ذكرها أهل العلم منها: أن وجه قول عمر هذا إنما كان لقوم لم يكونوا أحصوا القرآن فخشي عليهم الاشتغال بغيره عنه إذ هو الأصل لكل علم، هذا معنى قول أبي عبيد في ذلك. وطعن غيرهم في حديث قرظة هذا وردوه؛ لأن الآثار الثابتة عن عمر ﵁ خلافه، منها ما روى مالك ومعمر وغيرهما عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس، عن عمر بن الخطاب ﵁ في حديث السقيفة أنه خطب يوم جمعة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإني أريد أن أقول مقالة قد قدر لي أن أقولها، من وعاها وعقلها وحفظها فليحدث بها حيث تنتهي به راحلته، ومن خشي أن لا يعيها؛ فإني لا أحل له أن يكذب عليَّ. وهذا يدل على أن نهيه عن الإكثار وأمره بإقلال الرواية عن رسول الله ﷺ إنما كان خوف الكذب على رسول الله ﷺ وخوفًا أن يكون مع الإكثار أن يحدثوا بما لم يتقنوا حفظه ولم يعوه؛ لأن ضبط من قلت روايته أكثر من ضبط المستكثر وهو أبعد من السهو والغلط الذي لا يؤمن مع الإكثار؛ فلهذا أمرهم عمر بالإقلال من الرواية ولو كره الرواية وذمها لنهى عن الإقلال منها والإكثار، ألا تراه يقول: فمن حفظها ووعاها فليحدث بها، فكيف يأمرهم بالحديث عن رسول الله ﷺ وينهاهم عنه؟ هذا لا يستقيم بل كيف ينهاهم عن الحديث عن رسول الله ﷺ ويأمرهم بالإقلال منه وهو يندبهم إلى الحديث عن نفسه؟ بقوله: "من حفظ مقالتي ووعاها فليحدث بها حيث تنتهي به راحلته" ثم قال: "ومن خشي أن لا يعيها فلا يكذب علي" وهذا يوضح لك ما ذكرنا، والآثار الصحاح عنه من رواية أهل المدينة بخلاف حديث قرظة هذا، وإنما يدور على بيان عن الشعبي وليس مثله حجة في هذا الباب؛ لأنه يعارض السنن والكتاب، قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقال في النبي- ﷺ : ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:

стр. 5300

١٨٥)، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣]، ومثل هذا في القرآن كثير ولا سبيل إلى اتباعه والتأسي به، والوقوف عند أمره إلا بالخبر عنه، فكيف يتوهم أن عمر ﵁ يأمر بخلاف ما أمر الله به وقد قال رسول الله ﷺ : "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها"، الحديث، وفيه الحض الأكيد على التبليغ عنه ﷺ وقال: "خذوا عني" في غير ما حديث، و "بلغوا عني" والكلام في هذا أوضح من النهار لأولي النهى، والاعتبار ولا يخلو الحديث عن رسول الله ﷺ من أن يكون خيرًا أو شرًّا؛ فإن كان خيرًا ولا شك فيه أنه خير فالإكثار من الخير أفضل، وإن كان شرًّا فلا يجوز أن يتوهم أن عمر ﵁ يوصيهم بالإقلال من الشر، وهذا يدلك أنه إنما أمرهم بذلك خوف مواقعة الكذب على رسول الله ﷺ وخوف الاشتغال عن تدبر السنن والقرآن؛ لأن المكثر لا تكاد تراه إلا غير متدبر ولا متفقه. وعمر ﵁ هو الناشد للناس في غير موقف بل في مواقف شتى من عنده علم عن رسول الله ﷺ في كذا نحو ما ذكره مالك وغيره عنه في توريث المرأة من دية زوجها، وفي الجنين يسقط ميتًا عند ضرب بطن أمه وغير ذلك مما لو ذكرناه طال به كتابنا وخرجنا عن حد ما له قصدنا، وكيف يتوهم على عمر ما توهمه الذين ذكرنا قولهم؟ وهو القائل: إياكم والرأي؛ فإن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وهو القائل: سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله . وقد يحتمل عندي أن تكون الآثار كلها عن عمر صحيحة متفقة، ويخرج معناها على أن من شك في شيء تركه، ومن حفظ شيئًا وأتقنه جاز له أن يحدث به، وأن الإكثار يحمل الإنسان على التقحم أن يحدث بكل ما سمع من جيد ورديء، وقد قال رسول الله ﷺ "كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع"، ولو كان مذهب عمر ﵁ ما ذكرنا لكانت الحجة في قول رسول الله ﷺ -دون قوله فهو القائل: "تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن سمع منكم". (١)

стр. 5301

٢ - وقال الخطيب البغدادي: إن قال قائل: ما وجه إنكار عمر على الصحابة ﵃ روايتهم رسول الله ﷺ وتشديده عليهم في ذلك؟ قيل له: إنما فعل ذلك عمر احتياطًا للدين، وحسن نظر للمسلمين؛ لأنه خاف أن ينكلوا عن الأعمال ويتكلوا على ظاهر الأخبار، وليس حكم جميع الأحاديث على ظاهرها، ولا كل من سمعها عرف فقهها، فقد يرد الحديث مجملًا، ويستنبط معناه وتفسيره من غيره، فخشي عمر أن يحمل حديث على غير وجهه، أو يؤخذ بظاهر لفظه، والحكم بخلاف ما أخذ به ونحو من هذا المعنى الحديث الآخر. عن معاذ ﵁ قال: كنت ردف رسول الله ﷺ على حمار له، يقال له عفير، فقال: "يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ " فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن حق الله على العباد: أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشرك به"، قلت: أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا، فيتكلوا" هذا لفظ حديث خلف. وحديث أبي بكر نحوه، غير أن فيه: قال فقال عمر: أفلا أبشر الناس؟ قال: "لا تبشرهم، فيتكلوا". (١) مما سبق يتبين لنا أن الصحابة كانوا جميعًا يتثبتون في الحديث، ويتأنون في قبول الأخبار وأدائها، وكانوا لا يحدّثون بشيء إلا وهم واثقون من صحة ما يروون، وقد حرصوا على المحافظة على الحديث بكل وسيلة تفضي إلى ذلك، فاتبعوا منهجًا سليمًا يمنع الشوائب من أن تدخل السنة النبوية فتفسدها، وقد حمل لواء هذه المحافظة والحرص على السنن جميع الصحابة، وتميز منهم عمر بن الخطاب ﵁، وقد ظهر لنا مما رُوي عنه اهتمامه بالسنة النبوية، وإجلاله للحديث الشريف، وإن الأخبار التي رُويت عنه في هذا الشأن ليدعم بعضها بعضًا في سبيل نشر العلم، والحرص على سلامة السنة، ومن ثَمَّ ليس لأحد أن يرى تناقضًا بين وصية عمر لأهل العلم والآثار الأخرى المروية عنه، فهو إذا طلب الإقلال من الرواية فإنما يطلبه من باب الاحتياط لحفظ السنن والترهيب في الرواية، وأما من كان يتقن ما يحدِّث به ويعرف فقهه وحكمه فلا يتناوله أمر عمر ﵁، فكل ما ورد عن أمير المؤمنين؛ فإنما يدل على

стр. 5302

المحافظة على السنة ونشرها وتبليغها صحيحة، ولا يتيسر نشرها صحيحة ما لن يتثبت حاملوها من مروياتهم، والإقلال من الرواية مظنة الوقوع في الخطأ، ولهذا أمر به ﵁، وهذا ما رآه ابن عبد البر والخطيب البغدادي، وغيرهما من أئمة الحديث، وإليه أذهب وبه أقول، فالصحابة لم يزهدوا في السنة، بل كان لهم الفضل الأول في المحافظة عليها. (١) الوجه الثاني: أن عمر لم ينه عن كل أنواع التحديث؛ وإنما في الأحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها، أما في أحاديث الأحكام فلا . قال ابن كثير: وهذا محمول من عمر على أنه خشي من الأحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها، وأنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث، ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك. (٢) الوجه الثالث: مذهب الإقلال من الرواية ليس مذهب عمر وحده . قال الذهبي: هكذا هو كان عمر ﵁ يقول: أقلوا الحديث عن رسول الله ﷺ ، "وزجر غير واحد من الصحابة عن بث الحديث: وهذا مذهب لعمر ولغيره. (٣) قال علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون: أتحبون أن يكذب الله ورسوله! (٤) قال ابن مسعود ﵁: ما أنت محدثًا قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. (٥) ثانيًا: بالنسبة إلى ادعائهم أن عمر ﵁ أنكر على أبي هريرة ﵁ -. وقال: أبو هريرة أكذب المحدثين، وقال: لتتركن الحديث عن رسول الله ﷺ أو لألحقنك بأرض دوس. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: قدمنا أن هذا -الإقلال من الحديث- مذهب لعمر ﵁ وليس مع أبي هريرة فقط .

стр. 5303

فقد حذر قرظة بن كعب من الإكثار من الرواية، عن قرظة بن كعب أنه قال: بَعَثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الْكُوفَةِ وَشَيَّعَنَا فَمَشَى مَعَنَا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ صِرَارٌ، فَقَالَ أَتَدْرُونَ لِمَ مَشَيْتُ مَعَكُمْ، قَالَ: قُلْنَا: لَحِقِّ صُحْبَةِ رَسُولِ الله ﷺ وَلحِّقِّ الأَنْصَارِ، قَالَ: لَكِنِّي مَشَيْتُ مَعَكُمْ لِحَدِيثٍ أَرَدْتُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ بِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ تَحْفَظُوهُ لممشاي مَعَكُمْ إِنَّكُمْ تَقْدُمُونَ عَلَى قَوْمٍ لِلْقُرْآنِ فِي صُدُورِهِمْ هَزِيزٌ كَهَزِيزِ المرْجَلِ، فَإِذَا رَأَوْكُمْ مَدُّوا إِلَيْكُمْ أَعْنَاقَهُمْ، وَقَالُوا: أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ، فَأَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ وَأَنَا شَرِيكُكُمْ. (١) الوجه الثاني: هذه القصة باطلة درايةً . إن ظاهر القصة بهذا اللفظ يدل علي أنها من وضع الروافض الذين يريدون وسم عمر ﵁ بكراهته حديث رسول الله ﷺ ، ثم شهادة الأثر نفسه على تناقضه، فتهديد عمر ﵁ لأبي هريرة بنفيه إلى أرض دوس بلاده، ألا لأنها لا تستحق نصح عمر وحمايته لها من أحاديث أبي هريرة إن كانت غير صحيحة، وغير الصحيح تحمى منه أرض دوس، كما يحمى عنه غيرها؟ ولو كانت أحاديث أبي هريرة غير صحيحة عند عمر ﵁؛ لنكل به بقطع لسانه، لا بنفيه إلى أرض قومه أو غيرها. (٢) الوجه الثالث: قول عمر عن أبي هريرة أكذب المحدثين، ادعاء كاذب . قال الدارمي: في الذب عن أبي هريرة ﵁: أدعيتم كذبًا على عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (أكذب المحدثين أبو هريرة)، وهذا مكذوب على عمر فإن تك صادقا في دعواك فاكشف عن رأس من رواه، فإنك لا تكشف عن ثقة فكيف يستحل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يرمي رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ بالكذب من غير صحة ولا ثبت، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا أصحابي" (٣). فأي سب لصاحب رسول الله ﷺ أعظم من تكذيبه في الرواية عن رسول الله ﷺ ؟ وإنه لمن أصدق أصحاب رسول الله ﷺ وأحفظهم عنه، وأرواهم لنواسخ أحاديثه،

стр. 5304

والأحدث فالأحدث من أمره، لأنه أسلم قبل وفاة النبي ﷺ بنحو من ثلاث سنين، بعدما أحكم الله لرسوله ﷺ أكثر أمر الحدود والفرائض والأحكام، وكيف يتهمه عمر بالكذب على رسول الله ﷺ وهو يستعمله على الأعمال النفيسة، ويوليه الولايات؟ ! . ولو كان عند عمر كما ادعى المعارض، لم يكن بالذي يأتمنه على أمور المسلمين ويوليه أعمالهم مرة بعد مرة، حتى دعاه آخر ذلك إلى العمل فأبى عليه. ثم عرفه أصحاب النبي ﷺ بكثرة الروايات عن النبي ﷺ وثبتوه في ذلك، منهم طلحة بن عبيد الله، وابن عمر وغيرهما. وروى عنه غير واحد من الصحابة آثارًا عن رسول الله ﷺ منهم عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، وأنس بن مالك ﵃. ولو كان عندهم من عداد الكذابين -كما ادعيت عليه- لم يكونوا يستحلون الرواية عنه، ثم قد روى عنه من أعلام التابعين من أهل المدينة، ومكة، والبصرة، والكوفة، والشام، واليمن، عدد كثير لا يحصون منهم: سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وعلقمة بن قيس، وقيس بن أبي حازم، والشعبي، وإبراهيم، وأبو إدريس الخولاني من أهل الشام، ومن لا يحصون، وقد رووا الكثير عن أبي هريرة واحتجوا به، واستعملوا روايته. ولو عرفوا منه ما ادعى المعارض ما حدثوا المسلمين عن أكذب المحدثين. فاتق الله أيها المعارض واستغفره مما ادعيت على صاحب رسول الله ﷺ ؛ المعروف بخلاف ما رميته، ولو كان لك سلطان صارم، يغضب لأصحاب رسول الله ﷺ لأوجع بطنك وظهرك، وأثر في شعرك وبشرك؛ حتى لا تعود تسب أصحاب رسول الله ﷺ ولا ترميهم بالكذب من غير ثبت. ثم قال: أفلا يراقب امرؤ ربه، فيكف لسانه، ولا يكذب رجلًا أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ فيرميه بالكذب من غير ثبت ولا صحة، وكيف يصح عند هذا المعارض كذبه، وقد ثبته مثل طلحة بن عبيد الله، وعبد الله بن عمر؟ لو عض هذا الرجل على حجر أو على

стр. 5305

جمرة حتى يحرق لسانه، كان خيرًا له مما تأول على صاحب رسول الله ﷺ . (١) الوجه الرابع [*]: قوله: "لتتركن" أي: الأحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها . عن السائب بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: (لتتركن الحديث عن رسول الله ﷺ أو لألحقنك بأرض دوس). (٢) قل ابن كثير: وهذا محمول من عمر على أنه خشي من الأحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها، وأنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ، فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك (٣). وقد بينا مذهب عمر في ذلك. وأن هذا ليس خاصًا بأبي هريرة. ثالثا: بالنسبة لقولهم إنه لما أصر أبو هريرة على الرواية، حبسه مع من كان يكثر الرواية عن رسول الله ﷺ -. والرد على ذلك من وجوه. الوجه الأول: في نسبة هذا الفعل إلى عمر ﵃ شك . عن سعد بن إبراهيم عن أبيه قال: بعث عمر بن الخطاب إلى عبد الله بن مسعود، وإلى أبي الدرداء، وإلى أبي مسعود الأنصاري، فقال: ما هذا الحديث الذي تكثرون عن رسول الله ﷺ فحبسهم بالمدينة حتى استشهد (٤). قال محمد عجاج: هؤلاء ثلاثة من جلة صحابة رسول الله ﷺ ، وأتقاهم وأورعهم، هل

стр. 5306

يعقل مَنْ مثل عمر بن الخطاب أن يحبسهم؟ وهل يكفي لحبسهم أنهم أكثروا من الرواية؟ . إن المرء ليقف متسائلًا أمام هذا الخبر ويعتريه الشك فيه، وأن يتبادر إلى نفسه أن يتساءل عن الحد الذي يمكن أن يعرف به الإقلال والإكثار، وقد ناقش الإمام ابن حزم هذا وردَّه، وقال: هذا مرسل ومشكوك فيه من شعبة فلا يصح، ولا يجوز الاحتجاج به، ثم هو في نفسه ظاهر الكذب والتوليد؛ لأنه لا يخلو عمر من أن يكون اتهم الصحابة، وفي هذا ما فيه، أو يكون نهى عن نفس الحديث وعن تبليغ سنن رسول الله ﷺ إلى المسلمين، وألزمهم كتمانها وجحدها وأن لا يذكروها لأحد، فهذا خروج عن الإسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، ولئن كان سائر الصحابة متهمين في الكذب على النبي ﷺ فما عمر إلا واحد منهم، وهذا قول لا يقوله مسلم أصلًا، ولئن كان حِسِبَهم وغيرهم متهمين لقد ظلمهم، فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات الملعونة أي الطريقتين الخبيثتين شاء، ولا بد له من أحدهما. ثم قال: إن عمر قد حدث بحديث كثير عن النبي ﷺ ، وقد روى عنه خمسمائة حديث ونيف، على قرب موته من موت النبي ﷺ ، فهو كثير الرواية، وليس في الصحابة أكثر رواية عن النبي ﷺ من عمر بن الخطاب، ألا بضعة عشر منهم فقط. ولو سلمنا جدلًا بصحة الرواية فهناك خلاف في المحبوسين، فالذهبي يذكر ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري، بينما ذكر ابن حزم ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا ذر، فهل تكرر الحبس من عمر؟ ولو تكرر لاشتهر، ثم إن حادثة كهذه سيطير خبرها في الآفاق من غير أن تحتمل الشك في المحبوسين؛ لأنهم من أعيان الصحابة، ولو سلمنا أن العبرة في الحادثة نفسها من حيث حبسه بعض الصحابة، دون نظر إلى أعيانهم وأشخاصهم؛ لأنهم أكثروا الرواية، قلنا: قد كان غير هؤلاء أكثر منهم حديثًا، ولم يردنا خبر عن حبسهم، فلا يعقل أن يحبس أمير المؤمنين بعضًا دون بعض في قضية واحدة هم فيها سواء، وهي كثرة الحديث، معاذ الله أن يفعل هذا عمر ﵁.

стр. 5307

فهل يتصور إنسان أن يحبس عمر، ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا ذر، أو ابن مسعود الأنصاري، وقد عرف حفظهم وورعهم؟ بل إن عمر ﵁ امتن على أهل العراق كما أسلفنا عندما أرسل إليهم عبد الله بن مسعود ﵁، فكتب إلى أهل الكوفة: إني والله الذي لا إله إلا هو آثرتكم به على نفسي، فخذوا منه. وذكر عمر ابن مسعود فقال: كنيف ملئ علما آثرت به أهل القادسية. كيف يأمر الناس بالأخذ منه، ويشهد له بالعلم، ثم يحبسه؟ . وما ورد على حبس ابن مسعود يرد على الصحابة الباقين، ففيهم أبو الدرداء إمام الشام وقاضيها ومعلمها القرآن. وبهذا البيان لا يرقى إلى الصحة خبر حبس عمر ﵁ الصحابة ﵃؛ لأنهم أكثروا من الرواية عن النبي ﷺ ، بل إنه يُروى عن ابن مسعود ﵁ أنه نهى عن الإكثار من الرواية، فهل يُتصور أنه ينهى عن شيء ويفعله؟ وقد ورد عنه قوله: ليس العلم بكثرة الحديث، ولكن العلم بالخشية (١). قال د/ محمد أبو شهبة: وطعن ابن حزم في الرواية بالانقطاع؛ لأن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف راويه عن عمر، لم يسمع منه، وقد وافقه على هذا البيهقي، وأثبت سماعه من عمر يعقوب بن شيبة، والطبري، وغيرهما. والذي يظهر أنه لم يسمع منه- وقد ذكر الحافظ ابن حجر: أنه مات سنة ٩٥ أو ٩٦ هـ، وعمره ٧٥ سنة، فتكون ولادته سنة عشرين للهجرة، وعلى هذا يكون له حين توفي الفاروق ثلاث سنوات، وهي سنٌ دون التحمل، وعلى هذا فلا تكون الرواية حجة للانقطاع، ولعل البلاء جاء من هذا الراوي المحذوف (٢). الوجه الثاني: بيان معنى الحبس في هذا الأثر . وفي رواية سعد بن إبراهيم، عن أبيه التي ذكرها الخطيب ما يدل أنه استبقاهم بالمدينة حتى عرف لفظهم سواء، وهذه هي رواية الخطيب: قال: بعث عمر بن الخطاب إلى عبد الله بن مسعود، وإلى أبي الدرداء، وإلى أبي مسعود الأنصاري، فقال: ما هذا الحديث الذي

стр. 5308

تكثرون عن رسول الله ﷺ فحبسهم بالمدينة حتى استشهد. لفظهم سواء، فيكون هذا من باب تثبت عمر ﵁ في الحديث، وهذه الرواية تثبت أنه لم يزج بهم في السجن، واستبقاهم في المدينة، ريثما يتثبت من لفظهم؛ فإن صح هذا فلا ضير عليهم. ومما يؤكد لنا أنه لم يحبس أحدًا -وهو ما استنبطناه من مناقشة الروايات السابقة- ما رواه الرامهرمزي، عن شيخه ابن البري من طريق سعد بن إبراهيم، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب ﵁، حبس بعض أصحاب النبي ﷺ فيهم ابن مسعود، وأبو الدرداء، فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله ﷺ . قال أبو الله بن البري: يعني منعهم الحديث، ولم يكن لعمر حبس (١). فقد فسر ابن البري الخبر تفسيرًا جيدًا، وإن كان مقتضبًا، فهو يريد أنه منعهم من كثرة الحديث، خوفًا من ألا يتدبر السامعون كلام الرسول ﷺ إذا كثُر عليهم (٢). بالنسبة لقوله: ما كنا نستطيع أن نقول: قال رسول الله ﷺ حتى قبض عمر . والرد على ذلك من هذه الوجوه: الوجه الأول: هذه الآثار لا تصح عن أبي هريرة . أولًا: قوله: (ما كنا نستطيع أن نقول: قال رسول الله ﷺ حتى قبض عمر) (٣). ثانيًا: قال أبو هريرة ﵁: لما ولي عمر قال أقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ إلا فيما يعمل به. قال: ثم يقول أبو هريرة: أفإن كنت محدثكم بهذه الأحاديث وعمر حي؛ أما والله إذا لألفيت المخفقة ستباشر ظهري (٤). ثالثًا: أن أبا هريرة كان يقول: إني لأحدث أحاديث لو تكلمت بها في زمان عمر أو

стр. 5309

عند عمر لشج رأسي (١). فقد تبين من هذا التحقيق أن أبا هريرة ما قال هذا الكلام ولا يصح عنه، ومما يدل على بطلانه أيضًا في الوجهين الآخرين. الوجه الثاني: أن أبا هريرة حدث عمر بالحديث عن النبي ﷺ -. عن ثابت بْنُ قَيْسٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَخَذَتِ النَّاسَ رِيحٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَاجٌّ، فَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ لمِنْ حَوْلَهُ: مَنْ يُحدِّثُنَا عَنِ الرِّيحِ، فَلَمْ يُرْجِعُوا إِلَيْهِ شَيْئًا، فبلغني الذي سَأَل عَنْهُ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَاسْتَحْثَثْتُ راحلتي حَتَّى أَدْرَكْتُهُ، فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ: أُخْبِرْتُ أَنَّكَ سَأَلتَ عَنِ الرِّيحِ، وإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ الله، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ، فإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلا تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا الله خَيْرَهَا، واسْتَعِيذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا" (٢). عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أُتِىَ عُمَرُ بِامْرَأَةٍ تَشِمُ، فَقَامَ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِالله مَنْ سَمِعَ مِنَ النَّبِي ﷺ في الْوَشْمِ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَنَا سَمِعْتُ، قَالَ مَا سَمِعْتَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِي ﷺ يَقُولُ: "لا تَشِمْنَ وَلا تَسْتَوْشِمْنَ" (٣). الوجه الثالث: أن عمر ﵁ طلب الحديث عن رسول الله ﷺ - فقد طلب سيدنا عمر الحديث عن رسول الله ﷺ في بعض المسائل وقد عمل بها، وهذه بعض الأمثلة. ١ - عن حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ الله ﷺ في الْفِتْنَةِ؟ قُلْتُ: أَنَا كَمَا قَالَهُ، قَالَ: أنَّكَ عَلَيْهِ -أَوْ عَلَيْهَا- لجريء، قُلْتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ في أَهْلِهِ، ومَالِهِ، ووَلَدِهِ، وجَارهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ، وَالصَّوْمُ، والصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ، قَالَ: لَيْسَ

стр. 5310

هَذَا أُرِيدُ، وَلَكِنِ الْفِتْنَةُ التي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا، قَالَ: أيُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ، قَالَ: إِذًا لا يُغْلَقَ أَبدًا، قُلْنَا: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ الْغَدِ اللَّيْلَةَ، إني حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ، فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَل حُذَيْفَةَ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: الْبَابُ عُمَرُ. (١) ٢ - عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ خَرَجَ إِلَى الشام، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشام. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ لي المُهَاجِرِينَ الأَوَّلينَ، فَدَعَاهُمْ؛ فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بالشام فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ خَرَجْتَ لأَمْرٍ، وَلا نرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ وَلا نرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُوا لي الأَنْصَارَ. فَدَعَوْتهمْ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ المُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلافِهِمْ، فَقَالَ: ارْتَفِعُوا عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ، فَدَعَوْتُهُمْ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ رَجُلانِ، فَقَالُوا: نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ، وَلا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ، فَنَادَى عُمَرُ في النَّاسِ، إني مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجرَّاحِ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ الله؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ الله إِلَى قَدَرِ الله، أَرَأَيْتَ إن كَانَ لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ، إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ، وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ، أَليْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ الله، وَإِنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ الله؟ قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - وَكَانَ مُتَغَيِّبًا في بَعْضِ حَاجَتِهِ- فَقَالَ: إِنَّ عندي في هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ". قَالَ: فَحَمِدَ الله عُمَرُ، ثُمَّ انْصَرَفَ (٢). هذه بعض الأدلة التي طلب فيها عمر ﵁ الحديث عن رسول الله ﷺ وعمل بها وفي

стр. 5311

هذا رد على من يقول أنهم كانوا لا يستطيعون أن يحدثوا عن النبي ﷺ ، ولو صح لدل على أن المنع كان على وجه مخصوص أو لسبب عارض. الشبهة السادسة: عزل عمر ﵁ له عن ولاية البحرين . من الشبه التي أثارها بعض أهل الأهواء أيضًا، قولهم: إن عمر بن الخطاب ﵁ عزل أبا هريرة ﵁ عن ولاية البحرين، وضربه بالدرة؛ وقال له: يا عدو الله، وذلك لما رآه قد كثرت عنده الأموال، وهذا أمر يثير الشك في أمانته. أولًا: بالنسبة لعزل عمر ﵁ لأبي هريرة . والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: ذكر الأثر في ذلك، وبيانه . عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: لي عمر يا عدو الله وعدو كتابه أسرقت مال الله؟ قال فقلت: ما أنا بعدو الله ولا عدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما، ولا سرقت مال الله، قال: فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف؟ قال قلت: يا أمير المؤمنين خيلي تناسلت وسهامي تلاحقت وعطائي تلاحق، قال فأمر بها أمير المؤمنين فقبضت، قال فكان أبو هريرة يقول: اللهم اغفر لأمير المؤمنين (١). هذا الأثر وإن كان حسنا؛ فليس فيه ما يدل على الشك في أبي هريرة، وبيانه في الوجوه التالية: الوجه الثاني: لم يكن عمر ﵁ شاكًا في أمانة أبي هريرة، وإنما أراد بمساءلته ليقطع التساؤل . لم يكن عمر ﵁ شاكًا في أمانة أبي هريرة ﵁ حني عزله عن ولاية البحرين، وإنما أراد بمساءلته له وعزله أن يقطع التساؤل حول ما نمى عنده من مال بعد ولايته للبحرين، وإن كان ذلك المال محدودًا، ولكن كما يقول المثل: "إذا لبس الفقير جديدًا قيل: من أعطاك هذا"؟ وعلى افتراض أنه كان شاكًا في أمانته، فإن هذا الشك قد زال بعد سؤاله له عن

стр. 5312

مصدر هذا المال، وجواب أبي هريرة المقنع على سؤاله، قلت: يا أمير المؤمنين خيلي تناسلت وسهامي تلاحقت وعطائي تلاحق. فنظروا فوجدوه كما قال. الوجه الثالث: دعوة عمر لأبي هريرة إلا الولاية مرة ثانية يدل على أنه لم يشك في أمانته . ومما يؤكد اقتناع عمر ﵁ بجوابه، وزوال شكه في أمانته، دعوته له لولاية البحرين مرة أخرى، فقد جاء في نفس الرواية: أنه لما كان بعد ذلك، دعا عمر ليوليه، فأبى، فقال: تكره العمل، وقد طلب العمل من كان خيرًا منك يوسف ﵇، فقال: يوسف نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة بن أميمة، وأخشى ثلاثًا واثنتين، قال: فهلا قلت: خمسًا؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، واقضي بغير حلم، وأن يضرب ظهري، وينتزع مالي، ويشتم عرضي. وهذه الرواية تفيد أن عزله لم يكن لخيانة، أو قلة أمانة، أو تقصير في واجب، وإلا فبماذا تفسر دعوة عمر ﵁ له ليوله ثانيةً على البحرين بعد أن كان قد عزله عنها؟ (١). الوجه الرابع: هذه سياسة عمر يعزل ولاته لا عن شبهة؛ بل من باب الاجتهاد وحسن رعاية الأمور . كان من سياسة عمر ﵁ متابعة الولاة والعمال ومساءلتهم، لأدنى ما يرفع عنهم أو يقال ضدهم، مهما علت مراتبهم، في الإسلام؛ فقد عزل سعد بن أبي وقاص عن الكوفة وولى عليها عمار بن ياسر (٢)، وليس شاكًا في أمانته، ولذا قال في وصيته: فَإِنْ أَصَابَتِ الإِمْرَةُ سَعْدًا فَهْوَ ذَاكَ، وَإِلَّا فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ أَيُّكُمْ مَا أُمِّرَ، فإني لَمْ أَعْزِلْهُ عَنْ عَجْزٍ وَلا خِيَانَةٍ (٣). وقد عزل عتبة بن غزوان وولى العلاء بن الحضرمي، وقال له: واعلم أنك تقدم على رجل من المهاجرين الأولين الذين سبقت لهم من الله الحسنى لم أعرفه إلا يكون عفيفًا صليبًا شديد البأس، ولكني ظننت أنك أغنى عن المسلمين في تلك الناحية منه فاعرف له حقه (٤).

стр. 5313

وعزل خالد بن الوليد في معركة وولى أبا عبيدة (١). وعزل المغيرة بن شعبة عن البصرة وولى أبا موسى الأشعري (٢). وعليه فمساءلة عمر لبعض ولاته، وعزلهم أحيانًا، كانت سياسة له كما أسلفنا، وليست بالضرورة إدانة لمن يعزلهم، لعله أراد أن يسن بها سنة لمن بعده من الخلفاء والأمراء (٣). ثانيًا: بالنسبة لضربه بالدرة فجوابه من وجوه . الوجه الأول: هذه حكاية مفتراة على عمر ﵁ -. قال د/ مصطفى السباعي: وأما زعمه أن عمر ضربه بالدرة، فنحن نتحداه أن يثبت هذا الخبر من كتاب علمي محترم إلا أن يكون من تلك الكتب الأدبية التي تروي التالف والساقط من الأخبار، أو تلك الكتب الشيعية التي عرفت ببغض أبي هريرة والافتراء عليه، وليس لهذه الكتب قيمة علمية عند من يشم رائحة العلم. وقال: إنا نتحداه ونتحدى كل من يتجرأ على أبي هريرة أن يثبت لنا نصًا تاريخيًا موثوقًا بصحة هذا الخبر حتمًا ستنقطع أعناق هؤلاء الحاقدين دون العثور على نص من هذا القبيل ويأبى الله لهم ذلك، أما إن كانت النصوص من كتاب كعيون الأخبار، وبدائع الزهور، والعقد الفريد، ورواة كابن أبي الحديد والإسكافي، ومتهمين كالنظام وأمثاله ... فهيهات أن يكون ميدان هذه الكتب وهؤلاء الرواة وهؤلاء الطاعنين هو ميدان العلم والعلماء! ! (٤). ومثل هذه الحكايات الطائشة توجد بكثرة عند الرافضة والناصبية وغيرهم، بما فيه انتقاص لأبي بكر وعمر وعلي وعائشة وغيرهم ﵃، وإنما يتشبت بها من لا يعقل، وقد ذكر ابن أبي الحديد أشياء عن الإسكافي من الطعن في أبي هريرة وغيره من الصحابة، وذكر من ذلك شيئًا من مزاح أبي هريرة، فقال ابن أبي الحديد: قلت لأنه غير متهم عليه، وفي هذا إشارة إلى أن الإسكافي متهم، ونحن كما لا نتهم ابن قتيبة قد لا نتهم الإسكافي باختلاق

стр. 5314

الكذب، ولكن نتهمه بتلقف الأكاذيب من أفَّاكي أصحابه الرافضة والمعتزلة، وأهل العلم لا يقبلون الأخبار المنقطعة ولو ذكرها كبار أئمة السنة، فما بالك بما يحكيه ابن أبي الحديد عن الإسكافي عمن تقدمه بزمان (١). الوجه الثاني: هذا لا يعقل عن عمر ﵁ - فَضَرْبُ عمر لأبي هريرة غير معقول لأن عمر ﵁ يعرف مكانته ومنزلته، وأما أن يكون أهانه وقال له: استعملتك على البحرين بلا نعلين، فالواقع يكذب هذا؛ لأن جميع المسلمين تحسنت أحوالهم أيام عمر، وكثر عطاؤهم عندما فتحت البلاد المجاورة فأغدقت عليهم الغنائم والأموال الكثيرة، وإلى جانب هذا لم يرد في الروايات الصحيحة المعتمدة شيء من ذلك (٢). الشبهة السابعة: يقولون: إن أبا هريرة ﵁ أكثر روايته عن كعب الأحبار . والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: كعب الأحبار ليس من الصحابة، فلماذا يأخذ عنه أبو هريرة حديث رسول الله ﷺ - هناك خلط عند بعض السامعين بين ما يرويه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وما يرويه من القصص عن كعب الأحبار، ويثبت ذلك ما قاله بسر بن سعيد: اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله ﷺ ، ويحدثنا عن كعب الأحبار، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله ﷺ عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله ﷺ (٣). الوجه الثاني: لا يتصور أن أبا هريرة يكذب على رسول الله ﷺ - المشهور عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يعزو كل ما يحدث به عن غير النبي ﷺ إلى قائله، فبالأحرى أن يبين حديث كعب وما يقوله كعب، ولا يمكن إنسان أن يتصور أبا هريرة ﵁

стр. 5315

الذي روى حديث" مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ" عن الرسول ﷺ ، ثم يكذب على لسان رسول الله ﷺ ، وينسب ما يقوله كعب إلى النبي ﷺ ، وخاصةً أن كعب الأحبار لم يلق النبي ﷺ ، وما كان لكعب ولا لغير كعب أن يشتري ضمير أبي هريرة ﵁ الذي عرفناه في أمانته وصدقه وإخلاصه (١). الوجه الثالث: هذه دعوى -يروي عن كعب عن النبي ﷺ - باطلة، فإنه إذا روى عنه فإنما يروي أخبار الأمم الماضية . هذه دعوى فاجرة لم يستطع -المدعي- أن يجد لها دليلًا سوى التخيل وتحريف نصوص العلماء. وهذا كذب مضحك؛ لأن كعبًا لم يدرك رسول الله ﷺ ، فلا يعقل أن يروي صحابة الرسول أحاديثه عمن لم يدركه، وإنما يذكر ذلك في بيان أخذهم عن كعب -وغيره من علماء أهل الكتاب الذين أسلموا- أخبار الأمم الماضية وتواريخها، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلا تُكَذِّبُوهُمْ" (٢). فتروى أخبارهم على جهة العظة والاعتبار، لا على أنها حاكمة على ما جاء في القرآن أو مهيمنة عليه، بل أخبار القرآن هي الحاكمة والمهيمنة (٣). فليس في تحديث أبي هريرة عن كعب أي حرج أومانع، وقد سمح رسول الله ﷺ بذلك وقال: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (٤)، ولكن ليس لأحد أن يزعم أنه كما ينسب ما يحدث به عن كعب إلى الرسول ﷺ ، وبأن وجه الحق فيما رويناه من أن بعض من كان يسمع ذلك كان يخطئ في نسبة ما سمع من أبي هريرة إلى الرسول ﷺ ، فما جريمة أبي هريرة في ذلك؟ (٥). الشبهة الثامنة: يقولون: إن أبا هريرة اعترف بأن مرويات ابن عمرو أكثر، فأين هي ؟

стр. 5316

ويستشهدون بقول أبي هريرة: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ" (١). والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: بيان معنى قول أبي هريرة . فإن الحديث يدل على أن عبد الله بن عمرو كان أكثر أخذًا للحديث من أبي هريرة لأنه كان يكتب، وأبو هريرة لا يكتب (٢)؛ لأنا نقول: إن عبد الله كان أكثر تحملًا، وأبو هريرة كان أكثر رواية، فإن قلت: كيف يكون الأكثر تحملا وهو داخل تحت عموم المهاجرين؟ قلت: هو أكثر من جهة ضبطه بالكتابة وتقييده بها، وأبو هريرة أكثر من جهة مطلق السماع (٣). الوجه الثاني: أن هذا ليس عامًا فقد يكون في أول إسلام أبي هريرة . قد تكون مقولة أبي هريرة ﵁ قبل الدعوة النبوية لما طلب منه أن يبسط رداءه فبسطه ثم ضمه بعد أن دعا له النبي ﷺ لم ينس شيئًا قط وصار بذلك أحفظ الصحابة. قال ابن حجر: ويحتمل أن يقال تحمل أكثرية عبد الله بن عمرو على ما فاز به عبد الله من الكتابة قبل الدعاء لأبي هريرة؛ لأنه قال في حديثه فما نسيت شيئًا بعد، فجاز أن يدخل عليه النسيان فيما سمعه قبل الدعاء بخلاف عبد الله؛ فإن الذي سمعه مضبوط بالكتابة، والذي انتشر عن أبي هريرة مع ذلك أضعاف ما انتشر عن عبد الله بن عمرو لتصدي أبي هريرة لذلك ومقامه بالمدينة النبوية بخلاف عبد الله بن عمرو في الأمرين (٤). الوجه الثالث: قد يكون الاستثناء منقطع، وعند ذلك فلا إشكال . قال ابن حجر: فَإِنْ قُلْنَا الاسْتِثْنَاء مُنْقَطِع فَلَا إِشْكَال، إِذْ التَّقْدِير: لَكِنَّ الَّذِي كَانَ مِنْ عَبْد الله وَهُوَ الْكِتَابَة لَمْ يَكُنْ مِنِّي، سَوَاء لَزِمَ مِنْهُ كَوْنه أَكْثَر حَدِيثًا لمَا تَقْتَضِيه الْعَادَة أَمْ لَا. (٥) الوجه الرابع: قد يكون هذا على حسب ظنه .

стр. 5317

والمعنى: أنه ظن بسبب كتاب عبد الله بن عمرو، قد صار أكثر رواية منه. ولعل هذا على حسب ظنه ﵁، وأنه كان يتوقع أن عبد الله بن عمرو أكثر منه؛ لأن المكتوب الذي يرى ليس كالمحفوظ فالمحفوظ موجود في الأذهان لا وجود له في الأعيان فلا يمكن بيان حجمه ما دام موجود في الأذهان. الوجه الخامس: أسباب كثرة رواية أبي هريرة عن عبد الله بن عمرو وإذا استبعدنا هذه الوجوه، فكل ما في الأمر أن عبد الله بن عمرو ﵁ حمل من الحديث عن الرسول ﷺ أكثر من أبي هريرة ﵁، إلا أنه لم يتيسر له نشره لأسباب: قال ابن حجر: أحَدهَا: أن عبد الله كان مشتغلا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم فقلت الرواية عنه. ثانِيهَا: أنه كان أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصديا فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات، ويظهر هذا من كثرة من حمل عن أبي هريرة، فقد ذكر البخاري أنه روى عنه ثماثمائة نفس من التابعين، ولم يقع هذا لغيره. ثالثِهَا: ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي ﷺ له بأن لا ينسى ما يحدثه به. رَابعهَا: أن عبد الله كان قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب فكان ينظر فيها ويحدث منها فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين (١). تلك أسباب هامة في قلة رواية عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ بالنسبة لما تحمله عن الرسول ﷺ تنفي ما زعموه هؤلاء الجهلة. فإن قلة مرويات عبد الله بن عمرو لم تعد تثير أي شك، أو تدخل أية شبهة على مرويات أبي هريرة ﵁ الكثيرة، بالرغم من تصريحه عن كثرة حديث ابن عمرو، بعد أن عرفنا تلك الأسباب التي كان لها أثر بعيد في قلة مروياته. الشبهة التاسعة: يقولون: أين باقي الصحابة من مرويات أبي هريرة ؟

стр. 5318

إن كثرة روايته وقع لأسباب تقدم بعضها ومن ذلك: الأول: صحيح أن الصديق والفاروق، وذا النورين، وأبا الحسن ﵃ سبقوا أبا هريرة في صحبتهم وإسلامهم، ولم يُرو عنهم مثل ما رُوي عن أبي هريرة، إلا أن هؤلاء اهتموا بأمور الدولة وسياسة الحكم، وأنفذوا العلماء والقراء والقضاة إلى البلدان فأدوا الأمانة التي حملوها، كما أدى هؤلاء الأمانة في توجيه شئون الأمة، فكما لا نلوم خالد بن الوليد ﵁ على قلة حديثه عن الرسول ﷺ ؛ لانشغاله بالفتوحات. لا نلوم أبا هريرة ﵁ على كثرة حديثه لانشغاله بالعلم، وهل لأحد أن يلوم عثمان ﵁ أو عبد الله بن عباس ﵁؛ لأنهما لم يحملا لواء الفتوحات، فكلٌ ميسرٌ لما خُلق له. الثاني: انصراف أبي هريرة ﵁ إلى العلم والتعليم، واعتزاله السياسة، واحتياج الناس إليه لامتداد عمره يجعل الموازنة بينه وبين غيره من الصحابة السابقين أو الخلفاء الراشدين غير صحيحة، بل ذات خطأ كبير. وما رددنا به بالنسبة لمقارنته بالخلفاء الراشدين يُرد بالنسبة لمقارنته بالسيدة عائشة ﵂ ونضيف أن السيدة عائشة كانت تفتي للناس في دارها، وأما أبو هريرة ﵁ فقد اتخذ حلقةً له في المسجد النبوي، بصفته رجلًا كثير الغدو والرواح، وأضيف إلى هذا أن السيدة جُل همها موجهًا نحو نساء المؤمنين، وكان يتعذر دخول كل إنسان عليها. وأما الحسنان فهما من صغار الصحابة، وقد اشتغلا في الأمور السياسية، فبديهي أن تكون مروياتهما قليلة، ومثل هذا يقال في سيدة نساء العالمين أمهما التي تُوفيت بعد وفاة الرسول ﷺ بستة شهور. فالأمر ليس مهولًا يحتاج إلى تفكير أرباب العقول، ثم إن نظرة مجردة عن الهوى تدرك أن ما رُوي عن أبي هريرة من الأحاديث لا يثير العجب والدهشة، ولا يحتاج إلى هذا الشغب الذي اصطنعه أهل الأهواء وأعداء السنن، وأن ما رواه عن رسول الله ﷺ سواء سمعه منه أو من الصحابة لا يشك فيه لقصر صحبته، بل إن صحبته تحتمل أكثر من هذا، لأنها كانت أعظم

стр. 5319

سنوات دولة الإسلام دعوةً ونشاطًا وتعليمًا وتوجيهًا في عهد رسول الله ﷺ (١). الشبهة العاشرة: إنكار عائشة على أبي هريرة في التحديث عن رسول الله ﷺ - عن عُرْوَةَ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ أَلا يُعْجِبُكَ أَبُو فُلانٍ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِ حجرتي يحدِّثُ عَنْ رَسُول الله ﷺ ، يُسْمِعُنِي ذَلِكَ، وَكُنْتُ أُسَبِّحُ فَقَامَ قَبْلَ أَنْ أَقْضِىَ سبحتي، وَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَرَدَدْتُ عَلَيْهِ، إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الحدِيثَ كَسَرْدِكُمْ (٢). والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: أن عائشة لم تنكر الرواية، وإنما أنكرت سرد الحديث . قال أبو حاتم: قول عائشة: (ولو أدركته لرددت عليه) أرادت به سرد الحديث لا الحديث نفسه، والدليل على هذا، تعقيبها أن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم (٣). قال ابن حجر (ولو أدركته لرددت عليه) أي: لبينت له أن الترتيل في التحديث أولى من السرد (٤). الوجه الثاني: بيان عذر أبي هريرة في سرده للحديث . قال ابن حجر: واعتذر عن أبي هريرة بأنه كان واسع الرواية، كثير المحفوظ، فكان لا يتمكن من المهل عند إرادة التحديث، كما قال بعض البلغاء أريد أن أقتصر فتتزاحم القوافي علي فيّ (٥). الشبهة الحادية عشرة: يدعون أن أبا هريرة كان يدلس . ادعوا عليه أنه كان يدلس في الحديث عن الرسول ﷺ ، ويحتجون بقول شعبة: كان أبو هريرة يدلس، وكأن شعبة يشير بهذا إلى حديثه: (من أصبح جنبا فلا صيام له) فإنه لما حوقق عليه، قال: أخبرنيه مخبر، ولم أسمعه من رسول الله ﷺ ، أخبرنيه الفضل بن العباس، فاستشهد ميتًا. والرد على ذلك من وجوه الوجه الأول: الأثر عن شعبة لا يصح، وهذا بيانه .

стр. 5320

عن يزيد بن هارون قال سمعت شعبة يقول: (أبو هريرة كان يدلس) (١). قال الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني: وهي حكاية شاذة، لا أدري كيف سندها إلى يزيد، ويقع في ظني إن كان السند صحيحًا أنه وقع فيها تحريف، فقد يكون الأصل (أبو حرة) فتحرفت على بعضهم فقرأها (أبو هريرة) وأبو حرة معروف بالتدليس كما تراه في طبقات المدلسين (٢). الوجه الثاني: حديث أبي هريرة في صيام الجنب صحيح . عن عَبْد الملِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُصُّ يَقُولُ في قَصَصِهِ: مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فَلا يَصُمْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحْارِثِ - لأَبِيهِ - فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄ فَسَأَلهُما عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ ذَلِكَ - قَالَ: فَكِلْتَاهُمَا قَالَتْ: كَانَ النبي ﷺ يُصْبِحُ جُنْبًا مِنْ غيرِ حُلُمٍ ثُمَّ يَصُومُ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى مَرْوَانَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ مَرْوَانُ عَزَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا مَا ذَهَبْتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَرَدَدْتَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ - قَالَ: فَجِئْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبُو بَكْرٍ حَاضِرُ ذَلِكَ كُلِّهِ - قَالَ: فَذَكَرَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَهُمَا قَالَتَاهُ لَكَ قَالَ نَعَمْ، قَالَ هُمَا أَعْلَمُ. ثُمَّ رَدَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا كَانَ يَقُولُ في ذَلِكَ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنَ الْفَضْلِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنَ النبي ﷺ قَالَ: فَرَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَمَّا كَانَ يَقُولُ في ذَلِكَ. قُلْتُ لِعَبْدِ المُلِكِ: أقَالَتَا في رَمَضَانَ قَالَ: كَذَلِكَ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ ثُمَّ يَصُومُ (٣). فقالوا: أن عائشة أنكرت عليه هذا الحديث، ولما علم أبو هريرة بقول عائشة، قال إنها

стр. 5321

أعلم مني، وأنا لم أسمعه من النبي ﷺ وإنما سمعته من الفضل بن العباس فلما دلس استشهد ميتًا. والجواب عليه من هذه الوجوه أيضًا: الوجه الأول: أبو هريرة لم ينفرد بإسناده إلى الرسول ﷺ ما لم يسمعه منه . بل شاركه فيه صغار الصحابة ومن تأخر إسلامه فعائشة، وأنس، والبراء، وابن عباس، وابن عمر ﵃؛ هؤلاء وأمثالهم أسندوا إلى رسول الله ﷺ ما سمعوه من صحابته عنه، وذلك لما ثبت عندهم من عدالة الصحابي وصدقه، فلم يكونوا يجدون حرجًا ما في صنيعهم هذا. فقد روى ابن عباس عن النبي ﷺ : "الرِّبَا في النَّسِيئَةِ" (١)، فلما روجع في ذلك رد الخبر إلى أسامة بن زيد. ولذا قال البراء بن عازب: ليس كلنا سمع حديث رسول الله ﷺ كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن الناس كانوا لا يكذبون يومئذ فيحدث الشاهد الغائب (٢). وكان مع هذا يقول: قال رسول الله ﷺ كذا، وإنما سمعه من الثقة عنده فحكاه، وكذلك كان ابن عباس يفعل وغيره من الصحابة، وليس في هذا كذب بحمد الله ولا على قائله - إن لم يفهمه السامع - جناح إن شاء الله (٣). الوجه الثاني: هذا مرسل صحابي وهو حجة . وهذا ما يسمى عند العلماء بمرسل الصحابي، وقد أجمعوا على الاحتجاج به، وأن حكمه حكم المرفوع، ما عدا الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني إنه قال: يحتمل أن يكون الصحابي راويًا ذلك الحديث عن تابعي، وهو قول مردود، ويكفي إجماع أهل الحديث والأصول على خلافه. قال النووي: -بعد أن ذكر الخلاف في حجية المرسل- هذا كله في غير مرسل الصحابي، أما مرسل الصحابي كإخباره عن شيء فعله النبي ﷺ أو نحوه- مما يعلم أنه لم يحضره لصغر سنه أو لتأخر إسلامه أو غير ذلك - فالمذهب الصحيح المشهور الذي قطع

стр. 5322

به جمهور أصحابنا، وجماهير أهل العلم أنه حجة، وأطبق المحدثون المشترطون للصحيح القائلون بأن المرسل ليس بحجة، على الاحتجاج به وإدخاله في الصحيح، وفي صحيحي البخاري ومسلم من هذا ما لا يحصى، وقال أبو إسحاق الإسفراييني: لا يحتج به، بل حكمه حكم مرسل غيره؛ إلا أن يتبين أنه لا يرسل إلا ما سمعه من النبي ﷺ أو صحابي، قال: لأنهم قد يروون عن غير صحابي. وقال أيضًا: والصواب الأول، وأنه يحتج به مطلقًا؛ لأن روايتهم عن غير الصحابي نادرة، وإذا رووها بينوها، فإذا أطلقوا ذلك فالظاهر أنه عن الصحابة، والصحابة كلهم عدول (١). الوجه الثالث: عائشة ﵂ لم تنكر على أبي هريرة . إن كتب الصحيح لم تذكر إنكار عائشة عليه، ولكنها ذكرت المسألة، على أن أبا هريرة استفتى في صوم من أصبح جنبًا، فأفتى بأنه لا صوم له، فاستفتيت عائشة وأم سلمة في المسألة نفسها فكلتاهما أفتت بصحة صومه، وقالت: كان رسول الله ﷺ يصبح جنبًا -من غير احتلام- ثم يصوم، لما قيل لأبي هريرة رجع عن فتواه، وقال: هما أعلم مني، فالواقعة واقعة فتوى، فأفتى فيها كلٌّ بما علمه، وصح عنده عن رسول الله ﷺ وليس فيها إنكار عائشة ولا ردها عليه (٢). الوجه الرابع: هذا الخبر لا يدل على تكذيب أبي هريرة . لو سلمنا ثبوت الإنكار عنها فليس معناه تكذيب أبي هريرة فيما روى، بل معناه أنها لا تعرف هذا الحكم وإنما تعرف خلافه، فيكون من الاستدراكات التي استدركتها عائشة أم المؤمنين على كبار الصحابة كعمر، وابنه عبد الله، وأبي بكر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وأبي سعيد الخدري وغيرهم (٣)، وما زال الصحابة يستدرك بعضهم على بعض لا يرون ذلك تكذيبًا؛ بل تصحيحًا للعلم وأداءً للأمانة على ما يعرفها

стр. 5323

الصحابي، وقد قال ﷺ : "من كتم علمًا ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار" (١). الشبهة الثانية عشر: عدم الأخذ بحديث أبي هريرة إلا في حديث الجنة والنار فقط . ويحتجون بقول إبراهيم النخعي: لم يكونوا يأخذون من حديث أبي هريرة إلا ما كان في صفة جنة أو نار (٢). والرد على ذلك من وجوه الوجه الأول: هذا الكلام مردود وغير مرضي . قال ابن عساكر: وقول إبراهيم النخعي هذا غير مقبول منه ولا مرضي عند من حكى له عنه فقد قدمنا ذكر من أثني عليه ووثقه (٣). قال العجلي: وهذا القول قادح في قائله، فإن الصحابة ﵃ يقدح كلامهم فيمن بعدهم، ولا يقدح كلام من بعدهم فيهم، والكلام فيهم ثلمة في الإسلام (٤). قال الذهبي: هذا لا شيء، بل احتج المسلمون قديمًا وحديثًا بحديثه لحفظه وجلالته وإتقانه وفقهه (٥). الشبهة الثالثة عشر: قول أبي هريرة إذا خالف القياس عند الحنفية . يقولون: إن أبا هريرة إذا قال بقول وخالف فيه القياس عند الأحناف، قدموا القياس على قول أبي هريرة، وقالوا: أبو هريرة ليس بفقيه، ويستندون إلى حديث المصراة. قال: أبو إسحاق الفيروزآبادي: سمعت القاضي أبا الطيب يقول: كنا في مجلس النظر بجامع المنصور، فجاء شاب خراساني، فسأل عن مسألة المصراة؛ فطالب بالدليل، حتى استدل بحديث أبي هريرة الوارد فيها، فقال وكان حنفيًا: أبو هريرة غير مقبول الحديث،

стр. 5324

والصحابة كلهم عدول ما عدا رجالًا - وعد منهم أبا هريرة وأنس بن مالك. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: حديث المصراة صحيح لا مغمز فيه . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النبي ﷺ : "لا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ؛ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ" (١). الوجه الثاني: الحنفية لا يجمعون على هذا القول في القياس . فإن جاء حديث من واحد من الصحابة ولم ينقل عن غيره خلاف ذلك، فعن أبي حنيفة ﵀ ثلاث روايات: في رواية قال: أقلد منهم من كان من القضاة المفتيين لقوله ﷺ : "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ﵄"، وقد اجتمع في حقهما القضاء والفتوى، فمن كان منهما كعثمان وعليّ والعبادلة الثلاثة وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، ومن كان بمثابتهم أقلدهم، ولا أستجر خلافهم. وفي رواية قال: أقلد جميع الصحابة إلا ثلاثة منهم أنس بن مالك، وأبو هريرة، وسمرة بن جندب ﵃. أما أنس فقد بلغني أنه اختلط عقله في آخر عمره، وكان يستفتي من علقمة، وإنما لا أقلد علقمة فكيف أقلد من يستفتي علقمة، وأما أبو هريرة فإنه لم يكن من أئمة الفتوى، بل كان من الرواة فيما كان يروى لا يتأمل في المعنى، وكان لا يعرف الناسخ والمنسوخ، ولأجل ذلك حجر عليه عمر ﵁، عن الفتوى آخر عمره. أما فيما روي عن النبي ﷺ أنه كان يأخذ بروايتهم، لأن كل واحد موثوق به فيما يروي. وفي رواية قال: أقلد جميع الصحابيين ولا أستجيز خلافهم، وهو الظاهر من المذهب، فقد قال في كتاب الحيض: أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام، بلغنا ذلك عن أنس بن مالك ﵁، وقال في كتاب الأيمان: إذا نذر بذبح ولده يصح نذره عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، بلغنا نحو ذلك، عن ابن عباس ﵁، وقال: في شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن، أنه

стр. 5325

لا يجوز، بلغنا ذلك عن عائشة ﵂، ونظائره في الكتب كثيرة، وهذا لأنهم ما كانوا يفتون جزافًا، وإنما كانوا يفتون سماعًا أو اجتهادًا، فإن كان سماعًا يلزمنا اتباعهم، وهذا ظاهر، وإن كان اجتهادًا فكذلك، لأنهم صحبوا رسول الله ﷺ ، وعاينوا وشهدوا التنزيل، وشهد لهم رسول الله ﷺ بالخيرية، بقوله: "خير القرون قرني الذي أنا فيهم". فيوفقون في الصواب بسبب صحبة رسول الله ﷺ ولكونهم خير القرون ما لا يوفق غيرهم؛ ولأنهم عرفوا طريق رسول الله في بيان الأحكام، وشاهدوا الأحوال التي نزلت فيها النصوص، والمحال التي تعتبر باعتبارها الأحكام، فيكون رأيهم أقوى، واجتهادهم أصوب (١). الوجه الثاني: هذا الموقف من تقديم القياس على الخبر ليس خاصًا بأبي هريرة عند القائلين به، بل هم يعممونه في كل راوٍ غير فقيه . (٢) الوجه الثالث: القول بعدم فقه أبي هريرة غير صحيح . والحنفية محجوجون في هذا، فقد نقل عن كبار الصحابة أنهم تركوا القياس بخبر الواحد، والتفرقة بين الراوي الفقيه وغيره أمر مستحدث، والذي عليه جماهير العلماء سلفًا وخلفًا أن خبر الواحد إذا ثبت مقدم على القياس، وأيضًا فكون أبي هريرة غير فقيه غير مسلَّم لهم، فمعظم الصحابة ولا سيما المعروفون بالرواية كانوا فقهاء علماء، وقد عده ابن حزم في فقهاء الصحابة، ونقل عنه الحافظ ابن حجر أنه من الطبقة الثانية من أهل الفتيا مع أبي بكر وعثمان وأبي موسى ومعاذ وسعد بن أبي وقاص وغيرهم، وحديث أبي هريرة في المصراة صحيح غاية الصحة، وليس أدل على هذا من أن ابن مسعود - وهو ممن قال الحنفية أنه فقيه - كان يفتي بوفق حديث أبي هريرة، ولهذا أورد البخاري بعد حديث أبي هريرة في المصراة حديث ابن مسعود وهو موقوف عليه، قال: مَنِ اشْتَرَى شَاةً محُمَّلَةً، فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا، وهذا من فقه البخاري وبعد نظره ... وإليك ما قاله صاحب عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان قال: في أثناء الرد على من زعم أن أبا حنيفة خالف بعض الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ ،
следующие страницы →