أعلم مني، وأنا لم أسمعه من النبي ﷺ وإنما سمعته من الفضل بن العباس فلما دلس استشهد ميتًا.
والجواب عليه من هذه الوجوه أيضًا:
الوجه الأول: أبو هريرة لم ينفرد بإسناده إلى الرسول ﷺ ما لم يسمعه منه .
بل شاركه فيه صغار الصحابة ومن تأخر إسلامه فعائشة، وأنس، والبراء، وابن عباس، وابن عمر ﵃؛ هؤلاء وأمثالهم أسندوا إلى رسول الله ﷺ ما سمعوه من صحابته عنه، وذلك لما ثبت عندهم من عدالة الصحابي وصدقه، فلم يكونوا يجدون حرجًا ما في صنيعهم هذا. فقد روى ابن عباس عن النبي ﷺ : "الرِّبَا في النَّسِيئَةِ" (١)، فلما روجع في ذلك رد الخبر إلى أسامة بن زيد. ولذا قال البراء بن عازب: ليس كلنا سمع حديث رسول الله ﷺ كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن الناس كانوا لا يكذبون يومئذ فيحدث الشاهد الغائب (٢).
وكان مع هذا يقول: قال رسول الله ﷺ كذا، وإنما سمعه من الثقة عنده فحكاه، وكذلك كان ابن عباس يفعل وغيره من الصحابة، وليس في هذا كذب بحمد الله ولا على قائله - إن لم يفهمه السامع - جناح إن شاء الله (٣).
الوجه الثاني: هذا مرسل صحابي وهو حجة .
وهذا ما يسمى عند العلماء بمرسل الصحابي، وقد أجمعوا على الاحتجاج به، وأن حكمه حكم المرفوع، ما عدا الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني إنه قال: يحتمل أن يكون الصحابي راويًا ذلك الحديث عن تابعي، وهو قول مردود، ويكفي إجماع أهل الحديث والأصول على خلافه.
قال النووي: -بعد أن ذكر الخلاف في حجية المرسل- هذا كله في غير مرسل الصحابي، أما مرسل الصحابي كإخباره عن شيء فعله النبي ﷺ أو نحوه- مما يعلم أنه لم يحضره لصغر سنه أو لتأخر إسلامه أو غير ذلك - فالمذهب الصحيح المشهور الذي قطع
стр. 5322
به جمهور أصحابنا، وجماهير أهل العلم أنه حجة، وأطبق المحدثون المشترطون للصحيح القائلون بأن المرسل ليس بحجة، على الاحتجاج به وإدخاله في الصحيح، وفي صحيحي البخاري ومسلم من هذا ما لا يحصى، وقال أبو إسحاق الإسفراييني: لا يحتج به، بل حكمه حكم مرسل غيره؛ إلا أن يتبين أنه لا يرسل إلا ما سمعه من النبي ﷺ أو صحابي، قال: لأنهم قد يروون عن غير صحابي.
وقال أيضًا: والصواب الأول، وأنه يحتج به مطلقًا؛ لأن روايتهم عن غير الصحابي نادرة، وإذا رووها بينوها، فإذا أطلقوا ذلك فالظاهر أنه عن الصحابة، والصحابة كلهم عدول (١).
الوجه الثالث: عائشة ﵂ لم تنكر على أبي هريرة .
إن كتب الصحيح لم تذكر إنكار عائشة عليه، ولكنها ذكرت المسألة، على أن أبا هريرة استفتى في صوم من أصبح جنبًا، فأفتى بأنه لا صوم له، فاستفتيت عائشة وأم سلمة في المسألة نفسها فكلتاهما أفتت بصحة صومه، وقالت: كان رسول الله ﷺ يصبح جنبًا -من غير احتلام- ثم يصوم، لما قيل لأبي هريرة رجع عن فتواه، وقال: هما أعلم مني، فالواقعة واقعة فتوى، فأفتى فيها كلٌّ بما علمه، وصح عنده عن رسول الله ﷺ وليس فيها إنكار عائشة ولا ردها عليه (٢).
الوجه الرابع: هذا الخبر لا يدل على تكذيب أبي هريرة .
لو سلمنا ثبوت الإنكار عنها فليس معناه تكذيب أبي هريرة فيما روى، بل معناه أنها لا تعرف هذا الحكم وإنما تعرف خلافه، فيكون من الاستدراكات التي استدركتها عائشة أم المؤمنين على كبار الصحابة كعمر، وابنه عبد الله، وأبي بكر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وأبي سعيد الخدري وغيرهم (٣)، وما زال الصحابة يستدرك بعضهم على بعض لا يرون ذلك تكذيبًا؛ بل تصحيحًا للعلم وأداءً للأمانة على ما يعرفها
стр. 5323
الصحابي، وقد قال ﷺ : "من كتم علمًا ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار" (١).
الشبهة الثانية عشر: عدم الأخذ بحديث أبي هريرة إلا في حديث الجنة والنار فقط .
ويحتجون بقول إبراهيم النخعي: لم يكونوا يأخذون من حديث أبي هريرة إلا ما كان في صفة جنة أو نار (٢).
والرد على ذلك من وجوه
الوجه الأول: هذا الكلام مردود وغير مرضي .
قال ابن عساكر: وقول إبراهيم النخعي هذا غير مقبول منه ولا مرضي عند من حكى له عنه فقد قدمنا ذكر من أثني عليه ووثقه (٣).
قال العجلي: وهذا القول قادح في قائله، فإن الصحابة ﵃ يقدح كلامهم فيمن بعدهم، ولا يقدح كلام من بعدهم فيهم، والكلام فيهم ثلمة في الإسلام (٤).
قال الذهبي: هذا لا شيء، بل احتج المسلمون قديمًا وحديثًا بحديثه لحفظه وجلالته وإتقانه وفقهه (٥).
الشبهة الثالثة عشر: قول أبي هريرة إذا خالف القياس عند الحنفية .
يقولون: إن أبا هريرة إذا قال بقول وخالف فيه القياس عند الأحناف، قدموا القياس على قول أبي هريرة، وقالوا: أبو هريرة ليس بفقيه، ويستندون إلى حديث المصراة.
قال: أبو إسحاق الفيروزآبادي: سمعت القاضي أبا الطيب يقول: كنا في مجلس النظر بجامع المنصور، فجاء شاب خراساني، فسأل عن مسألة المصراة؛ فطالب بالدليل، حتى استدل بحديث أبي هريرة الوارد فيها، فقال وكان حنفيًا: أبو هريرة غير مقبول الحديث،
стр. 5324
والصحابة كلهم عدول ما عدا رجالًا - وعد منهم أبا هريرة وأنس بن مالك.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: حديث المصراة صحيح لا مغمز فيه .
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النبي ﷺ : "لا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ؛ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ" (١).
الوجه الثاني: الحنفية لا يجمعون على هذا القول في القياس .
فإن جاء حديث من واحد من الصحابة ولم ينقل عن غيره خلاف ذلك، فعن أبي حنيفة ﵀ ثلاث روايات:
في رواية قال: أقلد منهم من كان من القضاة المفتيين لقوله ﷺ : "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ﵄"، وقد اجتمع في حقهما القضاء والفتوى، فمن كان منهما كعثمان وعليّ والعبادلة الثلاثة وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، ومن كان بمثابتهم أقلدهم، ولا أستجر خلافهم.
وفي رواية قال: أقلد جميع الصحابة إلا ثلاثة منهم أنس بن مالك، وأبو هريرة، وسمرة بن جندب ﵃. أما أنس فقد بلغني أنه اختلط عقله في آخر عمره، وكان يستفتي من علقمة، وإنما لا أقلد علقمة فكيف أقلد من يستفتي علقمة، وأما أبو هريرة فإنه لم يكن من أئمة الفتوى، بل كان من الرواة فيما كان يروى لا يتأمل في المعنى، وكان لا يعرف الناسخ والمنسوخ، ولأجل ذلك حجر عليه عمر ﵁، عن الفتوى آخر عمره.
أما فيما روي عن النبي ﷺ أنه كان يأخذ بروايتهم، لأن كل واحد موثوق به فيما يروي.
وفي رواية قال: أقلد جميع الصحابيين ولا أستجيز خلافهم، وهو الظاهر من المذهب، فقد قال في كتاب الحيض: أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام، بلغنا ذلك عن أنس بن مالك ﵁، وقال في كتاب الأيمان: إذا نذر بذبح ولده يصح نذره عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، بلغنا نحو ذلك، عن ابن عباس ﵁، وقال: في شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن، أنه
стр. 5325
لا يجوز، بلغنا ذلك عن عائشة ﵂، ونظائره في الكتب كثيرة، وهذا لأنهم ما كانوا يفتون جزافًا، وإنما كانوا يفتون سماعًا أو اجتهادًا، فإن كان سماعًا يلزمنا اتباعهم، وهذا ظاهر، وإن كان اجتهادًا فكذلك، لأنهم صحبوا رسول الله ﷺ ، وعاينوا وشهدوا التنزيل، وشهد لهم رسول الله ﷺ بالخيرية، بقوله: "خير القرون قرني الذي أنا فيهم". فيوفقون في الصواب بسبب صحبة رسول الله ﷺ ولكونهم خير القرون ما لا يوفق غيرهم؛ ولأنهم عرفوا طريق رسول الله في بيان الأحكام، وشاهدوا الأحوال التي نزلت فيها النصوص، والمحال التي تعتبر باعتبارها الأحكام، فيكون رأيهم أقوى، واجتهادهم أصوب (١).
الوجه الثاني: هذا الموقف من تقديم القياس على الخبر ليس خاصًا بأبي هريرة عند القائلين به، بل هم يعممونه في كل راوٍ غير فقيه . (٢)
الوجه الثالث: القول بعدم فقه أبي هريرة غير صحيح .
والحنفية محجوجون في هذا، فقد نقل عن كبار الصحابة أنهم تركوا القياس بخبر الواحد، والتفرقة بين الراوي الفقيه وغيره أمر مستحدث، والذي عليه جماهير العلماء سلفًا وخلفًا أن خبر الواحد إذا ثبت مقدم على القياس، وأيضًا فكون أبي هريرة غير فقيه غير مسلَّم لهم، فمعظم الصحابة ولا سيما المعروفون بالرواية كانوا فقهاء علماء، وقد عده ابن حزم في فقهاء الصحابة، ونقل عنه الحافظ ابن حجر أنه من الطبقة الثانية من أهل الفتيا مع أبي بكر وعثمان وأبي موسى ومعاذ وسعد بن أبي وقاص وغيرهم، وحديث أبي هريرة في المصراة صحيح غاية الصحة، وليس أدل على هذا من أن ابن مسعود - وهو ممن قال الحنفية أنه فقيه - كان يفتي بوفق حديث أبي هريرة، ولهذا أورد البخاري بعد حديث أبي هريرة في المصراة حديث ابن مسعود وهو موقوف عليه، قال: مَنِ اشْتَرَى شَاةً محُمَّلَةً، فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا، وهذا من فقه البخاري وبعد نظره ... وإليك ما قاله صاحب عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان قال: في أثناء الرد على من زعم أن أبا حنيفة خالف بعض الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ ،
стр. 5326
وسرد وجوه الاعتذار عن ذلك. الرابع: كون راوي الحديث غير فقيه، وهذا مذهب عيسى بن أبان، وتابعه كثير من المتأخرين، وردُّوا بذلك حديث أبي هريرة في المصراة، وقال أبو الحسن الكرخي ومن تابعه: ليس فقه الراوي شرطًا لتقديم الخبر على القياس، بل يُقبل خبر كل عدل ضابط إذا لم يكن مخالفًا للكتاب أو السنة المشهورة ويُقدم على القياس، قال صدر الإسلام أبو اليسر وإليه مال أكثر العلماء وبسط الكلام على ذلك هو وصاحب التحقيق بما يرجع من كتابيهما.
قال صاحب التحقيق: وقد عمل أصحابنا بحديث أبي هريرة إذا أكل وشرب ناسيًا، وإن كان مخالفًا للقياس، حتى قال أبو حنيفة: لولا الرواية لقلت بالقياس، وقد ثبت عن أبي حنيفة أنه قال: ما جاء عن الرسول ﷺ فعلى العين والرأس، ولم ينقل عن أحد من السلف اشتراط فقه الراوي، فثبت أنه قول محدث.
وقال الإمام عبد العزيز في التحقيق: كان أبو هريرة فقيهًا ولم يعدم شيئًا من أسباب الاجتهاد، وقد كان يفتي زمان الصحابة، وما كان يفتي في ذلك الزمان إلا فقيه، وقال الشيخ محيي الدين القرشي صاحب (طبقات الحنفية) في آخر طبقاته: أبو هريرة ﵁ من فقهاء الصحابة، وذكره ابن حزم في الفقهاء من الصحابة، وقد جمع شيخنا شيخ الإسلام تقي الدين السبكي جزءًا في فتاوى أبي هريرة سمعته منه، وأجابوا عن حديث المصراة بأشياء أخر ذكر بعضها القرشي في آخر طبقاته.
ومهما يكن من شيء فليس في رد بعض الحنفية بعض مرويات أبي هريرة كحديث المصراة ما يطعن في روايته ولا يخل بعدالته، وأعتقد أن القارئ ليس في شك من هذا بعد البيان الشافي، وليس أدل على أنهم لا يتهمونه ولا يطعنون في عدالته من أخذهم بكثير من مروياته، كما تشهد بذلك كتبهم وهو أمر معروف مسلَّم، قال الحافظ في الفتح: وقد ترك أبو حنيفة القياس الجلي لرواية أبي هريرة وأمثاله، كما في الوضوء بنبيذ التمر والقهقهة في الصلاة وغير ذلك (١).
الوجه الرابع: أبو حنيفة عمل بحديث أبي هريرة وقد خالف القياس عنده
стр. 5327
قال الذهبى: وعمل أبو حنيفة والشافعي وغيرهما بحديثه: "من أكل ناسيًا، فليتم صومه" (١)، مع أن القياس عند أبي حنيفة: أنه يفطر، فترك القياس لخبر أبي هريرة.
وقال: بل قد ترك أبو حنيفة القياس لما هو دون حديث أبي هريرة في مسألة القهقهة (٢).
قال الحافظ: وقد ترك أبو حنيفة القياس الجلي لرواية أبي هريرة وأمثاله كما في الوضوء بنبيذ التمر، ومن القهقهة في الصلاة وغير ذلك وأظن أن لهذه النكتة أورد البخاري حديث ابن مسعود، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُحفَّلَةً، فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا. وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُلَقَّى الْبُيُوع (٣). عقب حديث أبي هريرة إشارة منه إلى أن ابن مسعود قد أفتى بوفق حديث أبي هريرة فلولا أن خبر أبي هريرة في ذلك ثابت لما خالف ابن مسعود القياس الجلي في ذلك (٤).
الشبهة الرابعة عشر يقولون: إن أبا هريرة كان يضع الحديث على رسول الله ﷺ -.
وكان يقول: إن رسول الله ﷺ قال: إذا حدثتم عني بحديث يوافق الحق فخذوا به، حدثت به أو لم أحدث. والرد على ذلك من وجوه
الوجه الأول: الحديث لا يصح فلا يحتج به وإليك رواياته:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حدث عني حديثًا هو لله رضي؛ فأنا قلته وإن لم أكن قلته" (٥).
стр. 5328
٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا حدثتم عني بحديثٍ يوافقُ الحق فخذوا به حدثتُ به أو لم أحدث" (١).
الوجه الثاني: أنه مخالف لما عليه أبو هريرة من التشديد في رواية الحديث .
ومما يدل على ضعف ونكارة ما قالوه، أن أبا هريرة كان يشدد في الحديث عن النبي ﷺ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النبي ﷺ قَالَ: "تَسَمَّوْا باسمي وَلا تَكتَنُوا بكنيتي، وَمَنْ رآني فِي المنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ في صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (٢).
الشبهة الخامسة عشر: حول مناصرة أبي هريرة للأمويين
يقولون: إن أبا هريرة كان يناصر الأمويين وكان يتحدث بفضائلهم، وأن معاوية بن أبي سفيان حمله على أن يتكلم بكلام قبيح في علي ﵁ تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وقال: لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة؛ فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه، ثم ضرب صلعته مرارًا! ! وقال: يا أهل العراق،
стр. 5329
أتزعمون أني أكذب على الله ورسوله وأحرق نفسي بالنار؟ والله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لكل نبي حرمًا، وإن المدينة حرمي، فمن أحدث فيها حدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" قال: وأشهد بالله أن عليًّا أحدث فيها! ! فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه، وولاه إمارة المدينة.
وعن عمر بن عبد الغفار: أن أبا هريرة لما قدم الكوفة مع معاوية كان يجلس بالعشيات بباب كندة، ويجلس الناس إليه فجاءه شاب من الكوفة - لعله الأصبغ بن نباته - فجلس إليه فقال: يا أبا هريرة أنشدك بالله أسمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي بن أبي طالب: "اللهم وال من والاه وعاد من عاداه؟ " قال: اللهم نعم. قال: فأشهد بالله لقد واليت عدوه، وعاديت وليه، ثم قام عنه وانصرف.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أبو هريرة لم يتشيع للأمويين، بل كان يرد عليهم .
إن أهل العلم جميعًا يعلمون أن أبا هريرة ﷺ كان محبًا لأهل البيت، ولم يناصبهم العداء قط، ومشهور عنه أنه تمسك بسنة رسول الله ﷺ ، فكان يحب من أحبه رسول الله ﷺ ، وأبو هريرة هو الذي كشف عن بطن الحسن بن علي ﵁ وقال: أرني أقبل منك حيث رأيت رسول الله ﷺ يقبّل، وقبّل سرته، ومن العجيب أن يدعي إنسان نهل عن العلم بعضه أن أبا هريرة يكره عليًّا وأهله، وبعد أن يسمع ما دار بين مروان بن الحكم وأبي هريرة، حين أراد المسلمون دفن الحسن مع النبي ﷺ فكان مما قاله: والله ما أنت بوال، وإن الوالي لغيرك فدعه، ولكنك تدخل فيما لا يعنيك، إنما تريد بهذا إرضاء من هو غائب عنك. يعني معاوية .. ! ! . ونرى أبا هريرة ينكر على مروان بن الحكم في مواضع عدة، فهل هذا الإنكار أيضًا من باب المؤامرات التي يدبرها مروان وأبو هريرة لمخادعة العامة - كما يزعمون؟ ! . لقد أنكر عليه عندما رأى في داره تصاوير فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله : "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كلخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً" (١).
стр. 5330
فهل هذا موقف المتشيع لبني أمية، النازل على رغباتهم في الحديث، الداعي لهم! ! أم أن هذا موقف ملتزم الحق؟ (١).
الوجه الثاني: أبو هريرة يروي فضائل آل البيت .
كان أبو هريرة محبًا لآل البيت، مجلًا لهم، عارفًا بفضلهم، مقدرًا لقربهم من رسول الله ﷺ ، واعيًا لوصاياه ﷺ بهم، راويًا لكثير مما روي في فضلهم ومناقبهم، وحب النبي ﷺ لهم، وإليك بعض ما روي عنه من مناقبهم ﵃:
أولًا- ما روي عنه في مناقب علي ﵁ -:
١ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: "لأعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبّ الله وَرَسُولَهُ يَفْتَحُ الله عَلَى يَدَيْهِ". قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَا أَحْبَبْتُ الإِمَارَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ -قَالَ- فَتَسَاوَرْتُ لَهَا رَجَاءَ أَنْ أُدْعَى لها -قَالَ- فَدَعَا رَسُولُ الله ﷺ عَليَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا وَقَالَ: "امْشِ وَلا تَلْتَفِتْ حَتَّى يَفْتَحَ الله عَلَيْكَ". قَالَ فَسَارَ عِليٌّ شَيْئًا ثُمَّ وَقَفَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ فَصَرَخَ يَا رَسُولَ الله عَلَى مَاذَا أقاتِلُ النَّاسَ قَالَ: "قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله" (٢).
٢ - عَنِ المُحَرَّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جِئْتُ مَعَ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ الله ﷺ إلَى أَهْلِ مَكَّةَ بِبَرَاءَةَ قَالَ: مَا كُنْتُمْ تُنَادُونَ؟ . قَالَ: كُنَّا نُنَادِي إِنَّهُ لا يَدْخُلُ الجنّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ وَلا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، ومَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ الله ﷺ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ أَوْ أَمَدُهُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا مَضَتِ الأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَإِنَّ الله بريء مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُوُلهُ، وَلا يحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ. فَكُنْتُ أُنادِي حَتَّى صَحِلَ صَوْتي (٣).
ثانيًا- ما روي عنه في مناقب جعفر بن أبي طالب ﵁ -.
стр. 5331
قال أبو هريرة: وَكَانَ أَخْيَرَ النَّاسِ لِلْمِسْكِينِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، كَانَ يَنْقَلِبُ بِنَا فَيُطْعِمُنَا مَا كَانَ في بَيْتِهِ، حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُخْرِجُ إِلَيْنَا الْعُكَّةَ التي لَيْسَ فِيهَا شيء، فَنَشُقُّهَا فَنَلْعَقُ مَا فِيهَا (١).
ثالثا - ما روي عنه في مناقب الحسن والحسين ﵄ -.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسول الله ﷺ في سُوقٍ مِنْ أَسوَاقِ المَدِينَةِ فَانْصَرَفَ فَانْصَرَفْتُ، فقَالَ: "أَيْنَ لُكَعُ -ثَلاثًا- ادْعُ الحسَنَ بْنَ عَليٍّ". فَقَامَ الحسَنُ بْنُ عَليٍّ يَمْشِي وَفِي عُنُقِهِ السِّخَابُ، فَقَالَ النبي ﷺ هَكَذَا، فَقَالَ الحْسَنُ بِيَدهِ هَكَذَا فَالْتَزَمَهُ فَقَالَ: "اللهمَّ إني أُحِبُّهُ، فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ". قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ الحسَنِ بْنِ عِليٍّ بَعْدَ مَا قَالَ رَسولُ الله ﷺ (٢).
ونكتفي بما ذكرناه مما رواه أبو هريرة من مناقبهم، عن باقي ما رواه أبو هريرة من مناقب آل البيت ﵃، لدلالة ما أوردناه من مناقبهم على علاقة أبي هريرة الحميمة بهم، وحبه لهم، وحرصه على إبراز مناقبهم، وإظهار فضلهم رضوان الله عليهم، وهذا يدل على جهل كثير من المتقولين عليه بتلك العلاقة، وذلك الحب الصادق لهم. هذا ولم يثبت عن أحد من آل البيت الكرام ما يفيد الطعن بأبي هريرة، أو النيل منه، وإنما ثبت أن بعضهم قد روى عنه، وأن كثيرًا من ثقات أصحابهم والرواة عنهم، قد رووا عنه أيضًا بعلمهم ودون معارضة من أحد منهم، مما يدل على رضائهم عنه، وقبولهم لرواياته (٣).
الوجه الثالث: هذه الأخبار مردودة على صاحبها .
قال محمد عجاج الخطيب: هذه أخبار مختلفة استشهدوا بها ليدعموا زعمهم أن أبا هريرة كان عميلًا للأمويين، وضاعًا للحديث، إلا أن هذه الأخبار مردودة سندًا ومتنًا.
أولًا: أما من حيث السند: فإن ابن أبي الحديد صاحب شرح نهج البلاغة، نقل هذه الأخبار عن شيخه محمد بن عبد الله أبو جعفر الإسكافي وهو من أئمة المعتزلة المتشيعيين.
стр. 5332
والعداء مستحكم بين المعتزلة وأهل الحديث من أواخر القرن الأول الهجري وأصبح متوارثًا، وأترك التعريف بأبي جعفر وتزكيته لتلميذه ابن أبي الحديد فيقول: ذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي رحمه الله تعالى وكان من المتحققين بموالاة عليّ والبالغين في تفضيله وإن كان يقول بالتفضيل عامًا شائعًا في البغداديين من أصحابنا كافة إلا أن أبا جعفر أشدهم في ذلك قولًا، أخلصهم فيه اعتقادًا.
هذه شهادة تلميذ لأستاذه لا يرقى إليه الشك، ولا يعتريها الظن والتأويل، والأستاذ من أهل الأهواء، الداعي إلى هواه، بل من المتعصبين في ذلك، بشهادة أقرب الناس إليه وأعرفهم به، فإذا سبق لأمثاله أن كذّبوا الصحابة في الحديث بل في نقل القرآن فليس بعيدًا أن يكذبوا على أبي هريرة، ويفتروا عليه وعلى بعض الصحابة والتابعين. فروايته مردودة لسببين:
الأول: ضعف الإسكافي لعاملين: الأول لأنه معتزلي يناصب العداء لأهل الحديث.
والثاني، أنه شيعي محترق. فقد اجتمع هذان العاملان فيه، ويكفي أحدهما لرد روايته. وبعد هذا لا يعقل أن تقبل الجرح والتعديل أو الرواية من رجل مطعون في عدالته، مشكوك في روايته يعادي أهل السنة، فمن البداهة رفض روايته.
الثاني: لم تذكر هذه الروايات في مصدر موثوق بسند صحيح.
علمًا بأن الإسكافي لم يذكر لها سندًا فلن أقول أنها موضوعة، بل يكفي أنها ضعيفة لا يحتج بها.
ثالثًا: وأما من حيث المتن. فلم يثبت أن معاوية حمل أحدًا على الطعن في علي ﵁، ولم يثبت عن أحد من الصحابة أنه تطوع في ذلك، أو أخذ أجرًا مقابل وضع الحديث، والصحابة جميعًا أسمى من أن ينحطوا إلى هذا الحضيض، ومعاذ الله أن يفعل هذا إنسان صاحب رسول الله ﷺ وسمع زجره عن الكذب، وإن جميع ما جاءنا من هذه الأخبار الباطلة، إنما كان عن طريق أهل الأهواء المتعصبين لأهوائهم، فتجرأوا على الحق، ولم يقيموا للصحبة حرمتها، فتكلموا في خيار الصحابة واتهموا بعضهم بالضلال والفسق، وقذفوا بعضهم بالكفر، وافتروا على أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم، وقد كشف أهل الحديث عن هؤلاء الكذبة، لذلك ناصبت أكثر
стр. 5333
الفرق العداء لأصحاب الحديث، فاخترعوا الأباطيل وأرادوا أن تفقد الأمة الثقة بهم، ولكن الله أبى إلاّ أن يكشف أمر هذه الفرق، ويميط اللثام عن وجوه المتسترين وراءها، فكان أصحاب الحديث هم جنود الله بينوا حقيقة هؤلاء، وأظهروا نواياهم وميولهم، فما من حديث، أو خبر يطعن في صحابي، أو يشكك في عقيدة، أو يخالف مبادئ الدين الحنيف إلا بين جهابذة هذا الفن يد صانعه، وكشفوا عن علته (١).
الوجه الرابع: الأحاديث صحيحة بغير هذه الزيادات .
أما عن الخبر الأول: وهو قدوم أبي هريرة ﵁ العراق، وقال: (أشهد بالله أن عليًّا أحدث فيها) فإنه من رواية الإسكافي، وقد عرفناه منزلة وأخباره، فلا نعلمه ولا نكاد نصدقه، وكيف يصح هذا العقول وعلي ﵁ كان بالعراق، ومعاوية ﵁ كان بالشام، وأبو هريرة كان بالحجاز، إذ الثابت أنه بعد أن تولى إمارة البحرين في عهد عمر ﵁ لم يفارق الحجاز.
قال ابن عبد البر: إنه لما عاد من البحرين في عهد عمر ﵁ ورغب إليه عمر أن يعود واليًا عليها مرة أخرى فأبى، لم يزل بالمدينة حتى مات. ولو سلّمنا -جدلًا- بصحة هذه الرواية؛ فإن أبا هريرة يدفع عن نفسه ما أشاعه بعض خصوم الأمويين، ثم إن الحديث الذي روى عن أبي هريرة ينفي نفيًا قاطعًا صحة هذه الرواية ويبين زيفها. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النبي ﷺ قَالَ: "المدِينَةُ حَرَمٌ فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنهُ الله وَالملائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَدْلٌ وَلا صَرْفٌ" (٢) ليس فيها تلك الزيادة التي اختلقتها أيدي الواضعين في ذم الإمام عليّ، لينال أبو هريرة أجره من معاوية ﵁ جميعًا (٣).
وأما عن الخبر الثاني: وهو قول الشاب له: فأشهد بالله لقد واليت عدوه، وعاديت وليه، ثم قام عنه وانصرف. والجواب عليه: أولًا: حديث: (من كنت مولاه، فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه) فهو حديث صحيح.
стр. 5334
قال الألباني: ورد من حديث زيد بن أرقم، وسعد بن أبي وقاص، وبريدة بن الحصيب، وعلي بن أبي طالب، وأبي أيوب الأنصاري، والبراء بن عازب، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وأبي سعيد، وأبي هريرة ﵁، وقد ذكر الشيخ ﵀ هذه الأحاديث بطرقها. ثم قال: وللحديث طرق أخرى كثيرة جمع طائفة كبيرة منها الهيثمي في (المجمع) وقد ذكرت وخرجت ما تيسر لي منها مما يقطع الواقف عليها بعد تحقيق الكلام على أسانيدها، بصحة الحديث يقينًا، وإلا فهي كثيرة جدًّا، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، قال الحافظ ابن حجر: منها صحاح ومنها حسان. وجملة القول أن حديث الترجمة حديث صحيح بشطريه، بل الأول منه متواتر عنه ﷺ كما يظهر لمن تتبع أسانيده وطرقه، وما ذكرت منها كفاية (١).
ثانيًا: قول الشاب لأبي هريرة: (فأشهد بالله لقد واليت عدوه، وعاديت وليه، ثم قام عنه وانصرف)، ضعيف؛ بل هو منكر. فعن أبي يزيد الأودي عن أبيه قال: دخل أبو هريرة المسجد فاجتمعنا إليه فقام إليه شاب فقال: أنشدك بالله أسمعت رسول الله ﷺ يقول من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه؟ فقال: نعم. فقال الشاب: أنا منك برئ. أشهد أنك قد عاديت من والاه، وواليت من عاداه. قال فحصبه الناس بالحصا. (٢)، ومما يدل على نكارته؛ ما تقدم في طرقه (من كنت مولاه، فعلي مولاه، اللهم
стр. 5335
وال من والاه، وعاد من عاداه) برواية الثقات له ولم تأت هذه الزيادة في طريق منه.
الشبهة السادسة عشر: حول حفظ أبي هريرة
فيقولون: إن أبا هريرة كان ينسى الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، مع أنه قال: يَا رَسُولَ الله: إني أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ. قَالَ: "ابْسُطْ رِدَاءَكَ" فَبَسَطْتُهُ. قَالَ فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "ضُمُّهُ" فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ (١). وقد اعترض عليه الصحابة في ذلك.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: وهو إجمالًا، قد يكون هذا النسيان منه ﵁ قبل الدعوة النبوية لما طلب منه أن يبسط رداءه فبسطه ثم ضمه بعد أن دعا له النبي ﷺ لم ينس شيئًا قط وصار بذلك أحفظ الصحابة (٢).
الوجه الثاني: تفصيل القول حول هذه الأحاديث.
الحديث الأول: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النبي ﷺ : "لا عَدْوَى، وَلا صَفَرَ، وَلا هَامَةَ". فَقَالَ أعرابي: يَا رَسُولَ الله، فَمَا بَالُ الإِبِلِ تَكُونُ في الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيُخَالِطُهَا الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيُجْرِبُهَا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ" (٣).
وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ بَعْدُ يَقُولُ: قَالَ النبي ﷺ : "لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ"، وَأَنْكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثَ الأَوَّلِ. قُلْنَا: أَلَمْ تحدِّثْ أَنهُ لا عَدْوَى؟ فَرَطَنَ بِالحبَشِيَّةِ. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَمَا رَأَيْتُهُ نَسِىَ حَدِيثًا غَيْرَهُ (٤).
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن قول أبي سلمة: (فَمَا رأيْته نسِىَ حَدِيثا غيْرَة) بحسب ظنه.
قال ابن حجر: فأما دعوى نسيان أبي هريرة للحديث فهو بحسب ما ظن أبو سلمة،
стр. 5336
وقد بينت ذلك رواية يونس التي أشرت إليها (١).
ورواية يونس التي أشار إليها هي: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يحدِّثُنَا أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "لا عَدْوَى". فَلا أَدْرِى أَنَسِىَ أبُو هُرَيْرَةَ أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الآخَرَ (٢).
الوجه الثاني: أبو هريرة كان يعلم بالحديثين، لكنه كان يسكت عن أحدهما للمصلحة.
قال ابن حجر: ويحتمل أيضًا أنهما لما كانا خبرين متغايرين عن حكمين مختلفين لا ملازمة بينهما جاز عنده أن يحدث بأحدهما ويسكت عن الآخر حسبما تدعو إليه الحاجة. قاله القرطبي في المفهم. قال: ويحتمل أن يكون خاف اعتقاد جاهل يظنهما متناقضين فسكت عن أحدهما، وكان إذا أمن ذلك حدث بهما جميعًا (٣).
الوجه الثالث: أبو هريرة لم ينفرد بالحديث.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ ..... " (٤).
عَنْ أَنس ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ .... " (٥)
عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَلا غُولَ" (٦).
الحديث الثاني: عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ، قِيلَ لِعَائِشَةَ: إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَرْحَمُ الله أَبَا هُرَيْرَةَ، حَفِظَ أَوَّلَ الحدِيثِ، وَلَمْ يَحْفَظْ آخِرَهُ، إنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا يَهْجُونَ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: "لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا، خَيْرٌ له مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا، مِنْ مُهَاجَاةِ رَسُولِ الله ﷺ ".
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: حديث أبي هريرة صحيح لا مطعن في فيه
стр. 5337
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا يَرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا" (١).
الوجه الثاني: أبو هريرة لم ينفرد بالحديث؛ بل وافقه جماعة من الصحابة، بدون الزيادة
ورد هذا الحديث عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ منهم: عبد الله ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأبي سعيد الخدري، وعمر وغيرهم.
١ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵁ عَنِ النبي ﷺ قالَ: "لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خيرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا" (٢).
٢ - عَنْ سَعْدٍ عَنِ النبي ﷺ قالَ: "لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا يَرِيهِ خَيرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا" (٣).
٣ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بِالْعَرْجِ إِذْ عَرَضَ شَاعِرٌ يُنْشِدُ، فقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "خُذُوا الشَّيْطَانَ أَوْ أَمْسِكُوا الشَّيْطَانَ، لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلئَ شِعْرًا" (٤).
٤ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، عَنْ رَسُول الله ﷺ قَالَ: "لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا" (٥).
قال الألباني: وفي الباب عن جماعة آخرين من الصحابة، خرج أحاديثهم الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد، فمن شاء الاطلاع عليها فليرجع إليه (٦).
قلت: وكل هذه الأحاديث عن هؤلاء الصحابة موافقة لحديث أبي هريرة ﵁، وذلك
стр. 5338
مما يدل على صدقه وحفظه (١).
الوجه الثالث: زيادة لفظة (هجيت به) أو (مِنْ مهَاجَاةِ رَسُولِ الله ﷺ ) باطلة؛ لا تصح رواية.
"لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا، خير له من أن يمتلئ شعرا هجيت به".
قال الألباني: باطل بزيادة "هجيت به" (٢).
стр. 5339
الوجه الرابع: زيادة لفظة (هجيت به) أو (مِنْ مُهَاجَاةِ رَسُولِ الله ﷺ لا تصح من حيث المعنى.
قال أبو عُبيد: قَالَ بَعْضهمْ: المُرَاد بِهَذَا الشِّعْر شِعْر هُجِيَ بِهِ النَّبِيّ ﷺ . قَالَ أَبُو عُبَيْد وَالْعُلَمَاء كَافَّة: هَذَا تَفْسِير فَاسِد؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ المَذْمُوم مِنْ الهجَاء أَنْ يَمْتَلِئ مِنْهُ دُون قَلِيله، وَقَدْ أَجْمَع المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْكَلِمَة الْوَاحِدَة مِنْ هِجَاء النَّبِيّ ﷺ مُوجِبَة لِلْكُفْرِ. قَالُوا: بَلْ الصَّوَاب أَنَّ المُرَاد أَنْ يَكُون الشِّعْر غَالِبًا عَلَيْهِ، مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَشْغَلهُ عَنْ الْقُرْآن وَغَيْره مِنْ الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَذِكْر الله تَعَالَى، وَهَذَا مَذْمُوم مِنْ أَيّ شِعْر كَانَ؛ فأَمَّا إِذَا كَانَ الْقُرْآن وَالحدِيث وَغَيْرهمَا مِنْ الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة هُوَ الْغَالِب عَلَيْهِ فَلَا يَضُرّ حِفْظ الْيَسِير مِنْ الشِّعْر مَعَ هَذَا؛ لِأَنَّ جَوْفه لَيْسَ مُمتلِئًا شِعْرًا. (١)
الحديث الثالث: عن الفضل بن حسن بن عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه قال: تحدثت عند أبي هريرة بحديث فأنكره، فقلت: إني قد سمعته منك، قال: إن كنت سمعته مني، فهو مكتوب عندي، فأخذ بيدي إلى بيته فأرانا كتبًا كثيرة من حديث رسول الله ﷺ ، فوجد ذلك الحديث فقال: قد أخبرتك أني إن كنت قد حدثتك به فهو مكتوب عندي (٢).
قال الذهبي: هذا منكر لم يصح (٣).
قال ابن جرير: سند هذا ضعيف، وعلى تقدير ثبوته فهو نادر (٤).
ووجه النكارة: هو مخالفه لما صح عن أبي هريرة ﵁: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ
стр. 5340
أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ (١).
قال ابن عبد البر: وحديثه ذاك أصح في النقل من هذا؛ لأنه أثبت إسنادا عند أهل الحديث (٢).
الشبهة السابعة عشر: اهتمامه بشبع بطنه .
اتهامهم لأبي هريرة بأنه ما صحب النبي ﷺ إلا لشبع بطنه، معولون في شبهتهم هذه من قوله: وَكُنْتُ ألزَمُ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى مِلْءِ بطني، وأنه كان يقول: ويل لي من بطني، إن أشبعته كهظني، وإن أجعته أضعفني.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: المعنى الصحيح لقوله: (كنت أصحب رسول الله ﷺ ، على ملء بطني)
قال ابن حجر: قوله: (على ملء بطني) أي: مقتنعًا بالقوت، أي: فلم تكن له غيبة عنه (٣).
وقال أيضًا: قوله (على ملء بطني) بكسر الميم وبهمزة آخره أي: بسبب شبعي أي أن السبب الأصلي الذي اقتضى له كثرة الحديث عن رسول الله ﷺ ملازمته له ليجد ما يأكله؛ لأنه لم يكن له شيء يتجر فيه، ولا أرض يزرعها ولا يعمل فيها، فكان لا ينقطع عنه خشية أن يفوته القوت فيحصل في هذه الملازمة من سماع الأقوال ورواية الأفعال ما لا يحصل لغيره ممن لم يلازمه ملازمته (٤).
فأبو هريرة لم يتكلم عن إسلامه ولا هجرته ولا صحبته المشتركة بينه وبين غيره من الصحابة، وإنما تكلم عن مزيته وهي لزومه للنبي ﷺ دونهم، ولم يعلل هذه المزية بزيادة محبته أو زيادة رغبته في الخير أو العلم أو نحو ذلك مما يجعل له فضيلة على إخوانه، وإنما عللها على أسلوبه في التواضع بقول: (على ملء بطني) فإنه جعل المزية لهم عليه بأنهم أقوياء يسعون في معاشهم وهو مسكين، هذا والله أدب بالغ تخضع له الأعناق. (٥) وذلك لأن مراد أبي هريرة من
стр. 5341
ذكره لشبع بطنه فيما روي عنه من روايات هو: بيان تفرغه التام لملازمة رسول الله ﷺ ، وحفظه لما سمعه منه، وأنه لم يشغله عن ذلك شاغل، حتى لقمة العيش التي قد تشغل غيره، حيث وجدها عند رسول الله ﷺ ، وأنه ما قال ذلك عبثًا أو سذاجة، كما زعم البعض، وإنما أراد به الرد علي من قالوا: إن أبا هريرة قد أكثر عن رسول الله ﷺ ، وهذا ما يفهم من قوله: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ ، والله الموعد، إني كنت امرأ مسكينًا، أصحب رسول الله ﷺ على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم ... الحديث.
الوجه الثاني: لو كان همه إشباع بطنه لكان بإمكانه البحث عنه عند أمير من أمراء اليمن، أو رئيس قبيلة من قبائلها، يعمل عنده بزراعة، أو رعي مواش، أو غير ذلك، ولوفر على نفسه عناء السفر، وترك الأهل والعشيرة والبلد، وبالهجرة من اليمن إلى الحجاز، إلى رجل لم يكن ملكًا، أو ذا سلطان أومال يومها، ولم يكن قد تخلص من أعدائه الثلاثة المتربصين به الدوائر: المشركين في مكة وغيرها، والمنافقين في المدينة وحولها، واليهود المجاورين لها، وكانت احتمالات النصر والهزيمة كلها واردة في المقاييس البشرية والمادية، ولم تغب هذه الاحتمالات عن ذهن أبي هريرة الشاب الفطن واليماني الحكيم، وهو يحث رحاله نحو المدينة، نحو النور الذي شع فيها: ملبيًا دعوة الحق، دعوة رسول الله ﷺ ، دعوة الإيمان بالله الواحد الأحد، وقد شهد بعد وصوله المدينة بيومين أو ثلاثة: غزوة خيبر مع رسول الله ﷺ . وشهد معه المشاهد بعدها، ولازمه حتى وفاته، وحفظ منه لم يحفظه كثيرون سواه، ممن تشرفوا بصحبته ﷺ ، نعم يحث رحاله متوجهًا إلى طيبة وهو ينشد:
يا ليلة من طولها وعنائها ... على أنها من دارة الكفر نجت (١).
الوجه الثالث: لو كان همه إشباع بطنه، لترك ملازمة النبي ﷺ ، وبحث عمن يشبعها له من موسري الصحابة ﵃ أو غيرهم من أهل المدينة، بعمل أو غيره إذا لم يتيسر
стр. 5342
له إشباعها في أكثر أيام ملازمته للنبي ﷺ ، إذا كان لا يحصل في بعض الأيام على أكثر من تمرة أو تمرتين، أو شربة لبن، أوما قارب ذلك، فعن مجَاهِد أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ: ، كان يقول: الله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ﷺ ، فتبسم حين رآني، وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: "يا أبا هر" قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "الحق" ومضى فتبعته، فدخل، فاستأذن، فأذن لي، فدخل، فوجد لبنا في قدح، فقال: "من أين هذا اللبن؟ "قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: "أبا هر" قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي" قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، وأصاب منها، وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة، كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاء أمرني، فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بد، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا، فاستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: "يا أبا هر" قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "خذ فأعطهم" قال: فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، حتى انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إلي فتبسم، فقال: "أبا هر" قلت: لبيك يا رسول الله، قال: "بقيت أنا وأنت" قلت: صدقت يا رسول الله، قال: "اقعد فاشرب" فقعدت فشربت، فقال: "اشرب" فشربت، فما زال يقول: "اشرب" حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق، ما أجد له
стр. 5343
مسلكًا، قال: "فأرني" فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى وشرب الفضلة (١).
وهذه الرواية مع ما دلت عليه من أمور عظيمة، كزيادة اللبن ببركة النبي ﷺ ، وعنايته بفقراء المسلمين، وتقديمه لهم بالشرب على نفسه، وفرحه بشبعهم، وضربه المثل الأروع في ذلك، فإنها دلت أيضًا على مدى ما كانوا يعانون من جوع وحاجة، ومنهم:
أبو هريرة المتهم بالاهتمام بشبع بطنه، بل ما كان النبي ﷺ يشبع ثلاث ليال تباعًا، فقد صح عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض، وعنها قالت: كان يأتي علينا الشهر ما نوقد نارًا، إنما هو التمر والماء.
وإذا كان هذا هو حال النبي ﷺ وآل بيته الكرام، فكيف حال أبي هريرة؟ وهل مثله وهو في هذه الحال يتهم بالاهتمام بإشباع بطنه؟ وماذا يفيده الاهتمام بذلك مع عدم وجود أو قلة ما يقدمه لها لتشبع؟ (٢).
الوجه الرابع: لو كان مهتمًا بشبع بطنه أو بغيره من أعراض الدنيا، لأخذ كغيره شيئًا من الغنائم التي عرضها النبي ﷺ على أصحابه.
فأين كان هم أبي هريرة متجهًا إلى إشباع بطنه أم إلى العلم والتحصيل؟ قاتل الله الهوى إذا استبد بصاحبه أعمى بصره وبصيرته عن رؤية الحق.
وقوله: إن ذكره لما عاناه من جوع وفاقة، كان حريًا بأن يقدر له، لا أن يفسر تفسيرًا ماديًا نفعيًا تافهًا، لما يدل عليه من واقعية وعدم إنكار لماضيه، أعانه على التواضع وعلى استشعار نعم الله تعالى عليه، وشكره عليها بعد أن وسع الله تعالى عليه، ورفع ذكره، وأعلى قدره بالإسلام والعلم والفضل.
وبهذا يتضح لنا بطلان هذه الشبهة، وأن أبا هريرة ما صحب النبي ﷺ لشبع بطنه، كما زعم الزاعمون، وإنما صحبه: إيمانًا به، وحبًا له، ورغبة في جمع ما جمع منه من علم وهدى
стр. 5344
ونور. (١)
الوجه الخامس: قولهم إن أبا هريرة كان يقول: (ويل لي من بطني ... ) لا يصح .
فرقد السبحي قال: كان أبو هريرة يطوف بالبيت وهو يقول: ويل لي من بطني إن أشبعته كضتي وإن أجعته أنصبني (٢).
الوجه السادس: على فرض صحته فلا عيب فيه .
قال د/ مصطفى السباعي: وعلى فرض صحة الأثر عن أبي هريرة فأي شيء فيه؟ ألم يقل ما هو حق في كل بطن؟ إن البطن إذا شبع بطر الإنسان، وإذا جاع ضعف وخوى. أليس كذلك بطن أي إنسان (٣).
الوجه [السابع] [*]: وماذا عن الكتاب المقدس ؟
أولًا: العهد القديم: إبطال نسبة الأسفار الخمسة إلى موسى ﵇ -: يزعم اليهود والنصارى أن موسى ﵇ كتب الأسفار الخمسة، يقول القس سويجارت في مناظرته التلفزيونية للعلامة ديدات: ونحن نعتقد أن موسى كتب ما يسمى بالأسفار الخمسة، تلك الكتب الخمسة الأولى باستثناء الترانيم القليلة، وسفر التثنية، وربما يكون قد كتب هذا أيضًا، لأننا نعلم أن للرب من القدرة، بحيث يوحي إلى موسى بالضبط الكيفية التي يموت بها، ويوحي إليه بدقة الهيئة التي تكون عليها جنازته، وهذا ليس بمعضل على الرب.
ومما يؤكد أن التوراة التي كتبها موسى ليست الأسفار الخمسة: مخالفة يشوع وصي موسى لما جاء فيها، ولو كان يعرفها أو يعتقد صدقها لما خالفها، فإما أن يقال بأن سفر يشوع مزور، أو لا تصح نسبة الأسفار الخمسة إلى موسى. كما أن التوراة ذكرت أحداثًا حصلت بعد وفاة موسى في سيناء، مما دل على أنها كتبت بعده، ومنها:
١ - تقول التوراة: وَأَكَلَ بَنُو إِسَرَائِيلَ المنَّ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى جَاءُوا إِلَى أَرْضٍ عَامِرَةٍ.
стр. 5345
أَكَلُوا المُنَّ حَتَّى جَاءُوا إِلَى طَرَفِ أَرْضِ كَنْعَانَ. (خروج ١٦/ ٣٥)، فكاتب السفر أدرك انقطاع المنّ عن بني إسرائيل، وعرف أن مدة أكلهم للمنّ كانت أربعين سنة، وهو أمر لم يدركه موسى ﵇، فقد انقطع المنّ زمن يشوع وبعد وفاة موسى بزمن ليس بقليل، ففي سفر يشوع: فَحَلَّ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الجلْجَالِ ... فِي عَرَبَاتِ أَرِيحَا. وَأَكَلُوا مِنْ غَلَّةِ الأَرْضِ .. وَانْقَطَعَ المَنُّ فِي الْغَدِ عِنْدَ أَكْلِهِمْ مِنْ غَلَّةِ الأَرْضِ (يشوع ٥/ ١٠ - ١٢). فكيف يتحدث موسى عن أمر حدث بعد وفاته، وذلك حين دخلوا الأرض المقدسة مع النبي يشوع، ومن المهم التنبيه إلى أن الخبر عن الماضي، وليس إخبارًا بالغيب والمستقبل، لذا لا يمكننا أن نعتبره نبوءة من موسى ﵇. (١) لكن الطامة الكبرى أن يذكر خبر وفاة موسى ﵇ وندب نبي إسرائيل له، وذلك في أسفار تنسب إلى موسى، فقد جاء في سفر التثنية: فَمَاتَ هُنَاكَ مُوسَى عَبْدُ الرَّبِّ فِي أَرْضِ مُوآبَ حَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ. وَدَفَنَهُ فِي الجوَاءِ فِي أَرْضِ مُوآبَ، مُقَابِلَ بَيْتِ فَغُورَ. وَلَمْ يَعْرِفْ إِنْسَان قَبْرَهُ إِلَى هذَا الْيَوْمِ. وَكَانَ مُوسَى ابْنَ مِئَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً حِينَ مَاتَ، وَلَمْ تَكِلَّ عَيْنُهُ وَلا ذَهَبَتْ نَضَارَتُهُ. فَبَكَى بَنُو إِسْرَائِيلَ مُوسَى فِي عَرَبَاتِ مُوآبَ ثَلاثِينَ يَوْمًا. فَكَمُلَتْ أَيامُ بُكَاءِ مَنَاحَةِ مُوسَى.
وتذكر الأسفار الخمسة أسماء كثيرة لمسميات لم يعرفها بنو إسرائيل إلا بعد موسى، ولم تسم بهذه الأسماء إلا بعد قرون من وفاة موسى، فكيف ذكرتها توراة موسى إذًا؟ .
ويعترف أيضًا في القرن التاسع عشر القس نورتن بعدم صحة نسبة الأسفار إلى موسى فيقول: التوراة جعلية يقينًا، ليست من تصنيف موسى. (٢)
وفي دائرة معارف القرن التاسع عشر: العلم العصري، ولاسيما النقد الألماني قد أثبت بعد أبحاث مستفيضة في الآثار القديمة، والتاريخ وعلم اللغات أن التوراة لم يكتبها موسى ﵇، وإنما هي من عمل أحبار لم يذكروا أسماءهم عليها، وألفوها على التعاقب
стр. 5346
معتمدين في تأليفها على روايات سماعية سمعوها قبل أسر بابل، ويقول نولدكة في كتابه (اللغات السامية): جمعت التوراة بعد موسى بتسعمائة سنة، واستغرق تأليفها وجمعها زمنًا متطاولًا تعرضت حياله للزيادة والنقص، وإنه من العسير أن نجد كلمة متكاملة في التوراة مما جاء به موسى. (١)
ثانيًا: العهد الجديد:
من هو الكاتب الحقيقي لإنجيل متى؟ في الإجابة عن السؤال نقول: نتائج الدراسات الغربية التي أكدت أن هذا الإنجيل قد كتبه غير متى التلميذ، ونسبه إليه منذ القرن الثاني، ولربما يكون هذا الكاتب تلميذًا في مدرسة متى. ويحاول كولمان وشراح الترجمة المسكونية تحديد بعض الملامح لهذا الكاتب، فالكاتب -كما يظهر في إنجيله- مسيحي يهودي يربط بين التوراة وحياة المسيح، وهو كما يصفه كولمان: يقطع الحبال التي تربطه باليهودية مع حرصه على الاستمرار في خط العهد القديم، فهو كاتب يهودي يحترم الناموس، ويعتبر بذلك من البعيدين عن مدرسة بولس الذي لا يحترم الناموس، بينما يقول هذا الكاتب: فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هذ الْوَصَايَا الصُغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. (متى ٥/ ١٩). (٢) ومما يؤكد براءة متى من كتابة هذا الإنجيل أن كثيرًا من الشراح والمحققين يرون -كما سبق بيانه- أن الإنجيل كتب بعد سنة ٧٠ م، وهي السنة التي مات فيها متى.
ولو تساءلنا أين الإنجيل الذي كتبه متى كما جاء في شهادة بابياس في القرن الثاني الميلادي؟
وفي الإجابة عن السؤال نقول: ذكر بابياس أن متى كتب وجمع أقوال المسيح، وما نراه في الإنجيل اليوم هو قصة كاملة عن المسيح، وليس جمعًا لأقواله، كما أن عدم صحة نسبة هذا الإنجيل إليه لا تمنع من وجود إنجيل آخر قد كتبه، ولعل من المهم أن نذكر بأن في الأناجيل التي رفضتها الكنيسة إنجيلًا يسمى إنجيل متى، فلعل بابياس عناه بقوله.
стр. 5347
وهكذا رأى المحققون أن ثمة أمورًا تمنع القول بأن هذا الإنجيل هو كلمة الله ووحيه وهديه، فهو -وكما يقول الشيخ أبو زهرة- إنجيل مجهول الكاتب، ومختلف في تاريخ كتابته، ولغة الكتابة، ومكانها، وتحديد من كتب له هذا الإنجيل، ثم شخصية المترجم وحاله من صلاح أو غيره وعلم بالدين، واللغتين التي ترجم عنها، والتي ترجم إليها، كل هذا يؤدي إلى فقد حلقات في البحث العلمي. (١)
متى كتت إنجيل متى؟ ونجد أيضًا الخلاف في هذا الأمر واسعًا بين علماء الكتاب المقدس، ولم يستطع واحد منهم تحديد الوقت الذي كتب فيه هذا الإنجيل بالضبط، فالخلاف يمتد من سنة ٣٩ وحتى سنة ٦٥ م، ولا نعرف في أي السنوات من هذه إلى تلك كتب إنجيل متى. (٢)
متى كتب إنجيل مرقس؟ نجد أن المؤرخين المسيحيين قد اختلفوا أيضا في زمان تأليفه، وقد قال في ذلك هورن: ألف الإنجيل الثاني سنة ٥٦ وما بعدها إلى سنة ٦٥، والأغلب أنه ألف سنة ٦٠ أو سنة ٦٣. (٣) ويرى الناقد اليهودي سبينوزا أن هذا الإنجيل كتب مرتين إحداهما قبل عام ١٨٠ م والثانية بعده.
متى كتب إنجيل لوقا؟ وأما كتابة هذا الإنجيل فتختلف المصادر في تحديد زمنها بين ٥٣ - ٨٠ م، وقال هورن: ألف الإنجيل الثالث سنة ٥٣ أو سنة ٦٣ أو سنة ٦٤، وقد اعتمد الكاتب في مصادره على مرقس، فنقل عنه ثلاثمائة وخمسين من فقراته التي بلغت ستمائة وإحدى وستين فقرة، كما نقل عن متى أو عن مصدر آخر مشترك بينه وبين متى. (٤)
متى كتب إنجيل يوحنا؟ ويرى المحققون أن كتابته جرت بين ٦٨ - ٩٨ م، وقيل
стр. 5348
بعد ذلك؟ إذن فليس هناك تاريخ محرر لتدوين هذا الإنجيل. (١)
ثالثًا: رسائل بولس . وتنسب هذه الرسائل إلى القديس بولس، وتمتلئ بعبارات تدل
على أنه كاتبها، وهذه الرسائل أربع عشرة رسالة. وتصطبغ الرسائل أيضًا بالصبغة
الشخصية لبولس، فهي ليست لاهوتية الطابع، بل رسائل شخصية لها ديباجة وخاتمة.
وليس ثمة إجماع على صحة نسبة هذه الرسائل إلى بولس، بل إن بعض المحققين يميل إلى أن أربع رسائل منسوبة إليه كتبت بيد بعض تلاميذه بعد وفاته بعشرين سنة كما ذكرت دائرة المعارف البريطانية. ويشكك أرجن في شرحه لإنجيل يوحنا بجميع رسائل بولس المرسلة إلى الكنائس فيقول: إن بولس ما كتب شيئًا إلى جميع الكنائس، والذي كتبه هو سطران أو أربعة سطور. أما الرسالة إلى العبرانيين خصوصًا فكان النزاع حولها أشد، فحين تنسبها الكنيسة الشرقية إلى بولس؛ فإن لوثر يقول بأنها من وضع أبلوس، بينما يقول تارتوليان المؤرخ في القرن الميلادي الثاني: إنها من وضع برنابا، ويقول راجوس (من علماء البروتستانت): إن فريقًا من علماء البروتستانت يعتقدون كذب الرسالة العبرانية. ... (٢) أما مدخل الرهبانية اليسوعية فيقول: لا شك أن الأدلة التي تنقض صحة نسبة الرسالة إلى بولس هي كثيرة .. فللمرء أن يعتقد أن الرسالة من إنشاء واحد من أصحاب بولس، أما الاهتداء إلى اسم الكاتب على نحو أفضل فلا سبيل إلى طلبه .. فلابد آخر الأمر من التسليم بأننا نجهل اسم الكاتب. فتبين من خلال هذه الأدلة أن الكتاب المقدس (العهد القديم، والعهد الجديد) لا يثبت له صحة سند، ولا تاريخ كتابة ولا يُعرف كاتبه (٣).
* * *
стр. 5349
٥ - شبهات حول موقف الصحابة من مقتل عثمان ﵁ -.
نص الشبهة: لقد ألقى بعض الجهلاء شبهة على الإسلام صور فيها الصحابة ﵁ بصورة قوم يتحاربون من أجل السلطة، ولذلك قتلوا عثمان ﵁، ثم خرجوا على الخليفة من بعده يطلبون بدم عثمان مع أنه قتل بأيديهم، وعلى رأس المتهمين في هذا الحادث عائشة، وعلي، وطلحة، والزبير بن العوام، ومن كان معهم، وإذا كان الحال كذلك فهل يسوق لنا هذا المجتمع على أنه جماعة من القديسين؟
والرد على هذا الإفك يدور في فصلين:
الأول: فتنة مقتل عثمان وموقف الصحابة منها وبالأخص ما نُص على تسميته كعائشة ﵂، وهل شارك في قتل عثمان أحد من الصحابة؟
الثاني: الحروب بين علي ﵁ ومخالفيه، وما غرضهم من هذه الحروب؟ ومن المحرك لهذه الفتنة؟ مع بيان الحقيقة في موقف عائشة ﵂ ومن معها، وعلي ﵁ ومن معه، وهل كانت القضية فعلًا هي المحاربة من أجل الوصول إلى الحكم؟
وأخيرًا: نص فتنة مقتل المسيح -كما يزعمون- في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
أولًا: مقتل عثمان: حيث زعم صاحب الشبهة أن الصحابة قتلوا عثمان وعلى رأسهم عائشة، وعلي، وطلحة، وكان لكل منهم غرض في ذلك، ومجتمع أفراده كهؤلاء لا ينبغي أن يدلس علينا في تسويقه، وهذا زعم باطل.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أسباب الفتنة في مقتل عثمان ﵁.
الوجه الثاني: المآخذ التي أخذوها على عثمان ﵁ في، فسوغوا لأنفسهم الخروج عليه بها.
الوجه الثالث: أن الأحاديث الصحيحة التي تبين مواقف الصحابة في هذه الفتنة ترده وتكذبه، وينبغي أن يكون التعويل على ما صح من النقل لاسيما في هذه الأمور الكبيرة.
وهذا في ثلاثة عناصر:
أولًا: الأحاديث الصحيحة في موقف عائشة ﵂.
стр. 5350
ثانيًا: الأحاديث الصحيحة في موقف علي ﵁.
ثالثًا: الأحاديث الصحيحة في موقف سائر الصحابة ﵃.
الوجه الرابع: أن الروايات التي تُدين الصحابة في هذه القضية تدور بين الكذب، وأفراد عائلته، وأبناء عمومته، فلا يجوز قبولها لا في هذا الأمر ولا في غيره، وهذا كسابقه في تفصيل عناصره.
الوجه الخامس: أن ما صح عن هؤلاء أثناء خلافة عثمان ﵁ يدل على خلاف هذا.
الوجه السادس: أن قتل عثمان أمرٌ قدره الله، وأخبر به النبي ﷺ ، وهذا من الأدلة على صدق نبوته.
وبيان ذلك مفصلًا كما يلي:
الوجه الأول: أسباب الفتنة في قتل عثمان ﵁ -:
اولًا: أثر السبئية في أحداث الفتنة (عبد الله بن سبأ): في كتب التاريخ الإسلامي -المصادر القديمة- روايات مختلفة من نشاط سري لأفراد وجماعات من الموالي أظهروا الإسلام وأخفوا معتقداتهم القديمة بغية تحطيم الدولة الإسلامية من داخلها، وإثارة الفتنة والفرقة بين المسلمين وذلك ببث العقائد الفاسدة، ونشر الإشاعات بدوافع نفسية أو عرفية، بعدما عجزت تلك الفئات عن مجابهة المسلمين في العلن، وكان اليهود في مقدمة هؤلاء نظرًا لحقدهم المكين على المسلمين والإسلام، وقد لعب عبد الله بن سبأ الدور الفعال في إشعال هذه الفتنة، والذي تنتمي إليه هذه الفرقة السبئية في تحريك الفتنة، وفي تهييجها، وهو يهودي من صنعاء أظهر إسلامه في زمن عثمان بن عفان وأشتهر أكثر من غيره لأنه أسلم متأخرًا وظهر له نشاط ملحوظ في الشام والعراق ومصر خاصة، كما ظهر مع الخوارج والناقمين برسم خطط ويدلي بآراء هدامة، وخلاصة ما جاء به أن أتى بمقدمات صادقة وبني عليها مبادئ فاسدة راحت لدى السذج والغلاة وأصحاب الأهواء من الناس وقد سلك في ذلك مسالك ملتوية لبس فيها على من حوله حتى اجتمعوا عليه فطرق باب القرآن يتأوله على زعمه الفاسد، حتى ادعى رجعة الرسول ﷺ ، كما ادعى طريقة القياس الفاسد في ادعاء إثبات الوصية بعلي ﵁، ولما استقر الأمر في قلوب أتباعه انتقل إلى هدفه المرسوم وهو خروج الناس على عثمان ﵁ بحجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي بظاهره
стр. 5351
الرحمة وباطنه العذاب، وقام بزعمه على أن يعطي الحق لعلي ﵁، ويأخذه من عثمان، وقد ركز عبد الله بن سبأ في حملته هذه على الأعراب الذين وجد منهم مادة ملائمة لتنفيذ خطته، أخذ يروج أسبابًا للخروج على عثمان (١).
وقد استقر عبد الله بن سبأ في مصر وأخذ ينظم حملته ضد عثمان ﵁ وحث الناس على التوجه إلى المدينة لإثارة الفتنة بدعوى أن عثمان أخذ الخلافة بغير حق، وقد اعتبر الإمام الذهبي عبد الله بن سبأ هو المهيج للفتنة بمصر وباذر بذور الشقاق والنقمة على الولاة ثم على الإمام عثمان ﵁.
ويروي ابن كثير أن من أسباب تألب الأحزاب على عثمان ظهور ابن سبأ وذهابه إلى مصر، وإذاعته بين الناس كلامًا اخترعه من عند نفسه، وعند المقريزي أن ابن سبأ هو (المثير للفتنة المنتهية بقتل عثمان ﵁) وبهذا يظهر أن ابن سبأ هو السبب الرئيسي في فتنة مقتل عثمان ﵁. (٢)
ثانيًا: أثر الأعراب في إحداث الفتنة: فقد انضم إفى عبد الله سبأ (السبئية) عنصر الأعراب الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم، وهم من قبائل مختلفة وهم أصناف:
١ - صنف حَسُن إسلامه، وكان مُؤلفًا لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾ [التوبة: ٩٩].
٢ - وصنف آخر دخلوا في الإسلام خوفًا ونفاقًا وطمعًا في الغنائم، ويندرج هؤلاء تحت قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)﴾.
٣ - أما الصنف الثالث فقد تعبد عبادة شديدة، وترك الدنيا كل الترك وتمسك
стр. 5352
بالإسلام تمسكًا تلازمه الشدة والتعصب للرأي، والغلو في الدين وتأويل النصوص تأويلًا يناسب مزاجهم، لا يفهمون من الأمور إلا ظواهرها، وهؤلاء هم الفرار سلف الخوارج، ولقد استخدم عبد الله كلًّا من الصنفين الأخيرين فخرجوا معه بدون علم، وبهذه المظاهر التي تظاهر بها عبد الله بن سبأ (١).
ثالثًا: طبيعة التحول الاجتماعي في عهد عثمان ﵁.
لقد شهدت خلافة عثمان ﵁ تطورات خطيرة في حياة الدولة الإسلامية فقد حكم عثمان الدولة الإسلامية بعد أن تحولت من دولة محددة النطاق تقوم في المدينة المنورة، وتحكم شبة جزيرة العرب، إلى دولة عالمية يمتد سلطانها ليشمل إلى ذلك مماليك الطرق والشام ومصر وإفريقية وأرمينية وبلاد فارس، وبعضًا من جزر البحر الأبيض المتوسط، وقد ظهر نتيجة هذا التحول في طبيعة الدولة وأجناس الخاضعين لها والمنتمين إلى دينها جيل جديد من المسلمين يعتبر في مجموعة أقل من الجيل الأول الذي حمل على كتفيه عبء بناء الدولة وإقامتها، فقد تميز الجيل الأول من المسلمين بقوة الإيمان والفهم السليم لجوهر العقيدة الإسلامية والاستعداد التام لإخضاع النفس لنظام الإسلام المتمثل في القرآن والسنة، وكانت هذه المميزات أقل ظهورًا في الجيل الجديد الذي وجد نتيجة للفتوحات الواسعة وظهرت فيه المطامع الفردية وبعثت فيه العصبية، والأقوام وهم يحملون رواسب كثيرة من رواسب الجاهلية التي كانوا عليها، ولم ينالوا من التربية الإسلامية على العقيدة الصحيحة السليمة مثل ما نال الرعيل الأول من الصحابة، فلهذا كان التحول له أثر في الفتنة حيث إنهم يميلون مع العواطف والشائعات بدون تثبيت في الأحكام (٢).
رابعًا: مجيء عثمان ﵁ بعد عمر ﵁، واختلاف الطبع بينهما؛
فقد كانت معاملة عثمان للرعية بخلاف معاملة عمر ﵁، فقد كان عمر- ﵁ قوي الشكيمة، شديد المحاسبة لنفسه ولمن تحت يده، وقد كان عثمان ألين طبعًا وأرق في
стр. 5353
المعاملة، ولم يكن يأخذ نفسه أو يأخذ الناس بما يأخذهم به عمر، لكن الناس وإن رغبوا في الشوط الأول من خلافته لأنه لان معهم، وكان عمر شديدًا عليهم، حتى أصبحت محبته مضرب المثل: (أحبك الرحمن حب قريش عثمان). فقد أنكروا عليه بعد ذلك (١).
الوجه الثاني: المآخذ التي أخذوها على عثمان ﵁، فسوغوا لأنفسهم الخروج عليه بها (٢).
أولًا: عدم شهوده غزوه بدر:
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: أنه تخلف عنها بأمر الني ﷺ لتمريض رقية زوجته: فقد وافق خروج الناس لبدر أن كانت رقية ابنة النبي ﷺ وهي زوجة عثمان مريضة قعيدة الفراش، وفى أمس الحاجة إلى من يمرضها ويرعى شأنها، وخير من يصلح لذلك هو زوجها لأن الزوجة لا تكتمل حريتها عند غير زوجها لذلك أمر النبي ﷺ زوجها عثمان بن عفان ﵁ بالبقاء في المدينة بجانب زوجته ليقوم بتمريضها، وضرب له بسهمه، فعن ابن عمر ﵁ قال: (إنما تغيب عثمان عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة فقال له النبي ﷺ " إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه" (٣).
وبذلك يتبين أن عثمان ﵁ لم يشهد غزوة بدر، ولكنه كمن شهدها لضرب النبي ﷺ له بسهم من الغنيمة والأجر فيها.
قال أبو نعيم: "وإن طُعن عليه بتغيبه عن بدر، وعن بيعة الرضوان، قيل له: الغيبة التي يستحق بها العيب: هو أن يقصد مخالفة الرسول ﷺ ، لأن الفضل الذي حازه أهل بدر في شهود بدر؛ طاعة الرسول ﷺ ومتابعته، ولولا طاعة الرسول ومتابعته لكان كل من شهد بدرًا من الكفار كان لهم الفضل والشرف، وإنما الطاعة التي بلغت بهم الفضيلة، وهو كان ﵁ خرج فيمن خرج فردَّه الرسول ﷺ للقيام على ابنته، فكان في أجلِّ فرض، لطاعته
стр. 5354
لرسول الله ﷺ وتخليفه، وقد ضرب له بسهمه وأجره، فشاركهم في الغنيمة والفضل والأجر، ولطاعته الله ورسوله وانقياده لهما" (١).
الوجه الثاني: النفير لغزوة بدر لم يكن عامًا: فإن النبي ﷺ إنما خرج يريد عيرا ولم يكن يريد غزوا ولذلك لم يعنف أحدا لم يشهدها وقد تخلف عن غزوة بدر كثير من الصحابة، فعدم حضور بدر ليس بعيب في آحاد الصحابة، فكيف يكون عيبا فيمن قعد لأمر رسول الله ﷺ .
ثانيًا: توليه يوم أحد عن المعركة
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: أن كثيرا من الصحابة تفرقوا عن النبي ﷺ بسبب مخالفة الرماة لأمر النبي ﷺ ولم يبق معه إلا النفر القليل فلماذا الغضب على عثمان وحده ؟
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ في سَبْعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمّا رَهِقُوهُ قَالَ: "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الجنّة أَو هُو رَفِيقِي فِي الجنَّةِ". فتقَدَّمَ رَجُل مِنَ الأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضًا فَقَالَ: "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الجنّة أَو هُو رفيقي في الجنَّةِ". فَتَقَدَّمَ رَجُل مِنَ الأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ لِصَاحِبَيْهِ: "مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا" (٢).
الوجه الثاني: أن الله عفا عن جميع المتولين يوم أحد: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾ [آل عمران: ١٥٥]. عن عثمان بن موهب قال: جاء رجل من أهل مصر وحج البيت فرأى قومًا جلوسًا فقال من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا عبد الله بن عمر، قال: يا ابن عمر، إني سائلك عن شيء فحدثني هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال نعم. فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم. قال تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم
стр. 5355
يشهدها؟ قال نعم. قال الله أكبر. قال ابن عمر: تعال أبين لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة فقال له رسول الله ﷺ : "إن لك أجر رجل ممن شهد بدر وسهمه"، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث رسول الله ﷺ عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: "هذه يد عثمان". فضرب بها على يده فقال "هذه لعثمان". فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك (١).
ثالثا: تخلفه عن بيعة الرضوان .
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: أن البيعة إنما عقدت من أجله .
وذلك أنه لما أرسل عثمان ﵁ إلى أهل مكة يفاوضهم ويبين لهم هدف المسلمين من قدومهم، وأنه يريد العمرة وليس القتال فلما استبطأ النبي ﷺ عثمان ﵁، وجاء الخبر أن عثمان قُتل بايع الصحابة.
ولذا قال ابن عمر للسائل: وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث رسول الله ﷺ عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى (هذه يد عثمان). فضرب بها على يده فقال (هذه لعثمان). فقال له ابن عمر اذهب بها الآن معك (٢).
قال أبو نعيم: "وأما بيعة الرضوان فلأجل عثمان ﵁ وقعت هذه المبايعة، وذلك أن النبي ﷺ بعثه رسولًا إلى أهل مكة لِما اختص به من السؤدد والدين، ووفور العشيرة، وأُخبِر الرسول ﷺ بقتله، فبايع رسول الله ﷺ والمسلمون له على الموت ليوافوا أهل مكة (٣).
رابعًا: حَمَى الحمى ؛ والمراد بالحمى منع الرعي في أرض مخصوصة من المباحات
стр. 5356
فيجعلها الإمام مخصوصة برعي بهائم الصدقة مثلًا (١).
والجواب عليه من هذه الوجوه
الوجه الأول: أن عثمان ﵁ ليس أول من حمى الحمى:
فإن عمر ﵁ قد حمى قبله، عن ابن عمر (أن عمر حمى الربذة لنعم الصدقة) (٢)؛ عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري قال: سمع عثمان أن وفد أهل مصر قد أقبلوا فاستقبلهم فقالوا: ادع بالمصحف فدعا به فقالوا: افتح السابعة. وكانوا يسمون سورة يونس السابعة فقرأ حتى أتى هذه الآية: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (يونس: ٥٩).
فقالوا له: قف؛ أرأيت ما حميت من الحمى؟ الله أذن لك أم على الله تفتري؟ فقال: امضه نزلت في كذا وكذا فأما الحمى فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد من إبل الصدقة امضه (٣).
الوجه الثاني: عثمان ما حماه لنفسه وإنما لإبل الصدقة:
ويظهر ذلك من قوله (فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد من إبل الصدقة).
قال ابن العربي: وأما أمر الحِمَى، فكان قديمًا، فيقال أن عثمان زاد فيه لما زادت الرعية، واجتاز أصله للحاجة إليه جازت الزيادة؟ لزيادة الحاجة (٤).
الوجه الثالث: إن عثمان ﵁ زاد في الحمى لأن الخير زاد وزادت إبل الصدقة في عهده ﵁ -.
خامسًا: جمعه القرآن الكريم .
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: عثمان ليس أول من جمع القرآن وإنما جمعه أبو بكر بمشورة عمر .
فعن زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمامَةِ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: إِنَّ عُمَرَ أتاني، فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وإني أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالمُوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِير مِنَ الْقُرْآنِ وإني أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ.
стр. 5357
قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ الله ﷺ ؟ قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَالله خَيرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يراجعني حَتَّى شَرَحَ الله صدري لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ في ذَلِكَ الذي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زَيْد قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌ عَاقِل لَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوحي لِرَسُولِ الله ﷺ ، فَتَتَبَّع الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ فَوالله لَو كلفوني نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أمرني مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ الله ﷺ ؟ قَالَ: هُو وَالله خَير، فَلَمْ يَزَلْ أَبو بَكْرٍ يراجعني، حَتَّى شَرَحَ الله صدري للذي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵃، فتتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ .... ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ- ﵁ (١).
الوجه الثاني: أن عثمان ما جمع القرآن برأيه وإنما الذي أشار عليه هو حذيفة:
ففي الحديث أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها أليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القريشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم فافعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق (٢).
الوجه الثالث: الصحابة لم ينكروا عليه، وإنما أقروه على هذا .
قال علي ﵁: "يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان ولا تقولوا له إلا خيرًا [أو قولوا له خيرًا] في المصاحف وإحراق المصاحف، فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا
стр. 5358
جميعا، فقال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرا، قلنا: ف في ترى؟ قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة، ولا يكون اختلافي، قلنا: فنِعم ما رأيت، قال: فقيل: أي الناس أفصح، وأي الناس أقرأ؟ قالوا: أفصح الناس سعيد بن العاص، وأقرأهم زيد بن ثابت، فقال: ليكتب أحدهما ويمل الآخر ففعلا وجمع الناس على مصحف" قال: قال علي: والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل) (١).
وعن مصعب بن سعد قال: "أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، وقال: لم ينكر ذلك منهم أحد" (٢).
قال ابن عبد البر: فلما اختلف الناس في القراءة زمن عثمان واتفق رأيه ورأي الصحابة على أن يرد القرآن إلى حرف واحد وقع اختياره على حرف زيد فأمره أن يملي المصحف على قوم من قريش جمعهم إليه فكتبوه على ما هو عليه اليوم بأيدي الناس والأخبار بذلك متواترة المعنى وإن اختلفت ألفاظها (٣).
سادسًا: إتمام الصلاة في منى .
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: بيان عذر سيدنا عثمان ﵁ في إتمامه للصلاة .
فقد ذكر عثمان ﵁ عدة اعتذارات لإتمامه الصلاة في منى، ومن هذه الاعتذارات:
الأول: أنه اعتذر بأنه سمع بأن الأعراب الذين حجوا معه العام الماضي قصروا الصلاة في أوطانهم، واحتجوا بصلاته في منى، فأتم ليعلمهم أن الصلاة أربع وذلك خوفًا من أن يستنوا به، وخطب الناس وأعلمهم بأن السنة هي قصر الصلاة، وهي سنة رسول الله ﷺ ،
стр. 5359
وسنة صاحبيه، ولكنه حدث من الناس فخاف أن يستنوا. (١)
الثاني: أنه كان يري القصر مختصًا بمن كان شاخصًا سائرًا، وأما من أقام في مكان في أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم (٢)، والحجة ما رواه أحمد من حديث عباد بن عبد الله بن الزبير قال: لمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ حَاجًّا قَدِمْنَا مَعَهُ مَكَّةَ قَالَ فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى دَارِ النَّدْوَةِ قَالَ وَكَانَ عُثْمَانُ حِينَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ صَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْعِشَاءَ الْآخِرَةَ أَرْبَعًا أَرْبَعًا فَإِذَا خَرَجَ إِلَى مِنًى وَعَرَفَاتٍ قَصَرَ الصَّلَاةَ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الحجِّ وَأَقَامَ بِمِنًى أَتَمَّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ فَلَمّا صَلَّى بِنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ نَهَضَ إِلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ الحْكَمِ وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ فَقَالَا لَهُ مَا عَابَ أَحَدٌ ابْنَ عَمِّكَ بِأَقْبَحِ مَا عِبْتَهُ بِهِ فَقَالَ لهما وَمَا ذَاكَ قَالَ فَقَالَا لَهُ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِمَكَّةَ قَالَ فَقَالَ لهما وَيْحَكُمَا وَهَلْ كَانَ غَيْرُ مَا صَنَعْتُ قَدْ صَلَّيْتُهُمَا مَعَ رَسُول الله ﷺ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵁ قَالَا: فَإِنَّ ابْنَ عَمِّكَ قَدْ كَانَ أَتمّهَا وَإِنَّ خِلَافَكَ إِيَّاهُ لَهُ عَيْبٌ قَالَ فَخَرَجَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْعَصْرِ فَصَلَّاهَا بِنَا أَرْبَعًا (٣).
الثالث: أنه قد تأهل بمنى، والمسافر إذا أقام في موضع وتزوج منه أو كان له به زوجة أتم (٤).
الرابع: أنه كان يرى هو وعائشة أن النبي ﷺ إنما قصر لأنه أخذ بالأيسر من ذلك لأمته، فأخذا لأنفسهما بالشدة (٥). هذه هي بعض الاعتذارات التي أخذ بها أهل العلم وهناك اعتذارات أخرى (٦).
стр. 5360
الوجه الثاني: عثمان ﵁ لم يكن وحده الذي أتم .
فقد أتمت السيدة عائشة ﵂، وأتم معاوية أيضًا، أما عن إتمام عائشة ﵂ فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت:
(الصَّلَاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الحضَرِ).
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ، مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ، قَالَ: تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ (١).
وأما عن إتمام معاوية فقد تقدم من حديث عباد بن عبد الله بن الزبير (٢).
الوجه الثالث: الصحابة أجازوا ماصنع، ولم يختلفوا عليه في الصلاة .
فعن نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ أَرْبَعًا فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعًا وَإِدا صَلَّاهَا وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ (٣). وعبد الله بن مسعود ﵁ أتم خلف عثمان، ورأى أن الخلاف عليه شر.
وعن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ قال: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ -بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَصلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلتَانِ (٤).
قال النووي: وَمَعَ هَذَا فَابْن مَسْعُود ﵁ مُوَافِق عَلَى جَوَاز الْإِتْمَام، وَلِهَذَا كَانَ يُصَلِّي وَرَاء عُثْمَان ﵁ مُتِمًّا، وَلَو كَانَ الْقَصْر عِنْده وَاجِبًا لمَا اِسْتَجَازَ تَرْكه وَرَاء أَحَد (٥).
سابعًا: ضربه لعمار بن ياسر ﵁ -
جوابه من جوه:
الوجه الأول: هذه القصة غير صحيحة فلا يحتج بها: فقد جاءت قصة ضرب عثمان