← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

والمنصرين، في أن ضمائر الجمع المسندة لله في القرآن تدل على ألوهية عيسى ﵇ بزعم دلالتها على التثليث، وإنما هو أسلوب من أساليب التعظيم أولى به الخالق من كل مخلوق، واستخدامه جرى على لسان العرب كثيرًا حتى النصارى - كما مر - وهو إلى اليوم معهود غير مستغرب سواء في مخاطبات الملوك أو غيرهم. الوجه الثالث: قولهم بأن عيسى روح من الله؛ بجعل من للتبعيض، كما سبق بيانه في عرض شبهتم. والنصوص في هذا على قسمين: القسم الأول: فالجواب على شبهتم فيه من وجوه: أولًا: زعم الكندي أن القرآن "صرح بأن المسيح كلمة الله تجسدت وصارت إنسانًا". فهو يشير إلى معتقد النصارى المعروف، وهو أن عيسى هو الكلمة، والكلمة هي الله فعيسى هو الله - تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرا - وهذا صريح في إنجيل يوحنا كما مر سابقًا، ويسبة هذا الكفر إلى القرآن بهتان عظيم وكذب صريح على القرآن المحفوظ كما أنزل، فليأت النصارى بنص يدل على هذا المعنى الباطل. إنما الذي في القرآن ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩]. فمن الواضح أن عيسى مخلوق ليس هو الكلمة (كن) وإنما بها كان، وسمي بكلمة الله؛ لأنه بها خُلق وليس له أب. ثانيًا: أن قوله كلمة الله؛ المراد بها عيسى نفسه، فلا ريب أن المصدر يعبر به عن المفعول به في لغة العرب، كقولهم: هذا درهم ضرب الأمير، ومنه قوله: هذا خلق الله، ومنه تسمية المأمور به أمرا، والمقدور قدرة، والمرحوم به رحمة، والمخلوق بالكلمة كلمة، لكن هذا اللفظ إنما يستعمل مع ما يقترن به مما يبين المراد كقوله: ﴿إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾ [آل عمران: ٤٥] فبين أن الكلمة هو المسيح، ومعلوم أن المسيح نفسه، ليس هو الكلام. ﴿قَالتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَال كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾ [آل عمران: ٤٧]، فبين لما تعجبت من الولد، أنه سبحانه يخلق ما يشاء إذا قضى أمرًا فإنما يقول

стр. 562

له كن فيكون؛ فدل ذلك على أن هذا الولد مما يخلقه الله بقوله كن فيكون (١). ثالثًا: آية سورة النساء - السابق ذكرها (١٧١) - تكفي وحدها للرد على ادعاءات النصارى واستنتاجاتهم المزعومة من خلال قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ أو ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ أو ما يشاكل ذلك من الآيات. فالآية تدل على أمور منها: (١) نهي النصارى عن الغلو في دينهم وتحذيرهم؛ بأن لا يقولوا على الله إلا الحق ومن أول ذلك: عدم الغلو في المسيح فهو ليس إلا رسول الله وعبد من عبيده. (٢) نسبت الآية عيسى نسبًا بشريًا بينًا إلى أمه مريم ابنة عمران ﵉. (٣) حذر الله النصارى عن أن يقولوا بالتثليث، ومنه إدخال عيسى واحدًا من الثلاثة المزعومين باعتباره أنه إله منهم. (٤) أوضحت الآية على سبيل الحصر أن الله ليس إلا إلهًا واحدًا منزهًا عن أن يكون له ولد، وهذا يرد على ادعائهم أن عيسى ابن الله. (٥) هذه الآية حجة برهانية قاطعة تثبت بلغة الأرقام أن الله واحد أحد وحدانية لا يشوبها أدنى احتمال للشراكة معه؛ وذلك من خلال نفيها للثلاثة والتثليث وإثباتها في الوقت نفسه أن الله واحد أحد صمد لم يلد ولم يولد، وليس واحدًا في ثلاثة أو ثلاثة في واحد، مع تحذير النصارى عن القول بالتثليث وتوعدهم على القول به. (٦) أبانت الآية أن عيسى ﵇ كلمة الله ألقاها إلى مريم، فما المقصود بأنه كلمة الله؟ أو كلمة منه؟ رابعا: وإليك بعض كلام العلماء في هذا المعنى: ١ - قال وإليك بعض أحمد ﵀: "المعنى في قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ

стр. 563

مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١]. فالكلمة التي ألقاها إلى مريم: حين قال له كن، فكان عيسى بكن وليس عيسى هو كن، ولكن بكن كان. فالكن من الله قول، وليس الكن مخلوقًا. وكذب النصارى والجهمية على الله في أمر عيسى ... وقلنا نحن إن عيسى بالكلمة كان، وليس عيسى هو الكلمة" (١) ٢ - قال أبو عبيد القاسم بن سلام: "وأما المسيح فالمراد أن الله خلقه بكلمة لا أنه هو الكلمة لقوله ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ ولم يقل ألقاه ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩]. ٣ - قال شاذان بن يحيى: "ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى" (٢). ٤ - كما يقول ابن كثير -في قوله تعالى- ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ "أي إنما هو عبد من عباد الله، وخلق من خلقه قال له كن فكن، ورسول من رسله، وكلمته ألقاها إلى مريم، أي خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه ، وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب الأم، والجميع مخلوق لله ؛ ولهذا قيل لعيسى إنه كلمة الله وروح منه؛ لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان والروح التي أرسل بها جبريل". كما يقول ابن كثر: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾.: "أي بولد يكون وجوده بكلمة من الله أي يقول له كن فيكون وهذا تفسير قوله ﴿اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ كما ذكر الجمهور" ويقول ابن جرير: "قال آخرون:

стр. 564

بل هي (أي قوله كلمة منه) اسم لعيسى سماه الله بها كما سمى سائر خلقه بما شاء من الأسماء". ويروي بإسناده عن قتادة أنه قال: "قوله ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ قال: قوله ﴿كُنْ﴾ فسماه الله كلمته؛ لأنه كان عن كلمته". وقال أبو عبيد: "كلمته: كن فكان". وكلمة الله التي قيلت لعيسى في القرآن وسمي بها، هي مضافة إلى الله ، وقد قسم ابن تيمية ﵀ المضاف إلى الله تعالى إلى قسمين: إضافة صفات، وإضافة أعيان: "فالصفات إذا أضيفت إليه تعالى، كالعلم والقدرة والكلام والحياة والرضا والغضب ونحو ذلك؛ دلت الإضافة على أنها إضافة وصف له قائم به، ليست مخلوقة؛ لأن الصفة لا تقوم بنفسها، ولابد لها من موصوف تقوم به، فإذا أضيفت إليه، علم أنها صفة له، لكن قد يعبر باسم الصفة عن المفعول بها، فيسمى المقدور قدرة، والمخلوق بالكلمة كلامًا، والمعلوم علمًا، والمرحوم به رحمة". فعيسى ﵇ ليس هو عين الكلمة، وإنما قيل له كلمة الله؟ لأنه خلق بالكلمة ولم يكن له أب تولد منه وإنما هو ناشئ ومخلوق عن الكلمة: كن. فالأعيان التي خلقها الله قائمة بأنفسها، وصفاتها القائمة بها تمتنع أن تكون صفات لله، فإضافتها إليه تتضمن كونها مخلوقة مملوكة، لكن أضيفت لنوع من الاختصاص المقتضي للإضافة، لا لكونها صفة، والروح الذي هو جبريل من هذا الباب، كما أن الكعبة والناقة من هذا الباب، ومال الله من هذا الباب، وروح بنى آدم من هذا، وذلك كقوله ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾، وقوله ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾، وقوله ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ وقوله ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. (١) خامسًا: أن الإضافة من حيث اللغة "نسبة بين اسمين". ويشترط فيها أن" لا يضاف الاسم إلى مرادفه فلا يقال: حيث أسدٍ". بينما يزعم النصارى أن: عيسى هو الكلمة، وأن الكلمة هي الله؛ مما يعني تبعا لذلك: أن اسم عيسى ولفظ الجلالة (الله)

стр. 565

اسمان ومسميان مترادفان عند النصارى - والعياذ بالله - تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، مما يبطل هذه الإضافة لغة وعقلًا؛ لأنها حينئذ - حسب اعتقاد النصارى - تصبح مكونة من اسمين مترادفين ولا تصح هذه الإضافة، إلا إذا كانت تدل على اسمين وذاتين، يختلف كل منهما عن الأخرى. ثم من جهة أخرى؛ فإن هذا التركيب المكون من المضاف والمضاف إليه، يدل لغة على معنى يختلف عن المقصود بالمضاف إليه وحده فقط، أو بالمضاف فقط، فإذا قلنا: محمد رسول الله ﷺ ؛ فإن المراد بالتركيب الإضافي في هذه الجملة - وهو قولنا (رسول الله) - المكون من المضاف (رسول) ومن المضاف إليه لفظ الجلالة (الله) هو رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ الإنسان المخلوق، أما المضاف إليه وحده؛ فإنه لفظ الجلالة اسم الله وشتان ما بين الرسول المخلوق، والمرسِل الخالق ، فالمضاف إليه يدل على مسمى معين، والتركيب من المضاف والمضاف إليه يدلى على مسمى آخر مختلف كليًّا عن ما يدل عليه المضاف إليه. وهذا يعني من حيث اللغة أن: كلمة الله (المضاف والمضاف إليه) التي قيلت لعيسى والتي هي اسم له ﵇ ليست هي المضاف إليه هنا، وهو لفظ الجلالة (الله) فهذان اسمان يدلان على ذاتين مختلفتين: ذات عيسى المخلوقة التي تليق ببشريته، وذات الخالق التي تليق بجلاله وعظمته، وشتان ما بين ذات الخالق وذات المخلوق، فكل ما في الأمر أن (كلمة الله) قيلت لعيسى ﵇ اسمًا له؛ لأنه مخلوق بالكلمة، كما مر، فادعاء النصارى أن الكلمة تجسدت وصارت عيسى أمر مكذوب على القرآن، لأنه يدلى على أن عيسى بها صار ولم يكن هو الكلمة. فعيسى ﵇ مخلوق وكلمة الله: كن ليست مخلوقة. القسم الثاني وهو: ما يتعلق بكون عيسى ﵇ روح من الله أو روح الله: فالجواب عنه منه وجوه: الأول: ما معنى قوله تعالى ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾؟ ١ - يقول الإمام أحمد: وأما قوله تعالى ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ يقول من أمره كان الروح فيه

стр. 566

كقوله: ﴿لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ يقول من أمره، وتفسير روح الله إنما معناه أنها روح بكلمة الله خلقها كما يقال: عبد الله وسماء الله وأرض الله (١). ٢ - ويقول ابن جرير: وأما قوله ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾؛ فإن أهل العلم اختلفوا في تأويله فقال بعضهم: معنى قوله "وروح منه" ونفخة منه لأنه حدث عن نفخة جبريل ﵇ في درع مريم بأمر الله إياه بذلك، فنسب إلى أنه روح من الله لأنه بأمره كان. (٢) ٣ - ويقول ابن كثير: في تفسير قوله ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي عيسى (إنما هو عبد من عباد الله وخلق من خلقه قال له كن فكان ورسول من رسله وكلمته ألقاها إلى مريم أي خلقه بالكلمة التي أُرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه ، وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق لله ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه؛ لأنه لم يكن له أب يولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان والروح التي أرسل بها جبريل). ٤ - قال الرازى: أما قوله ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ ففيه وجوه: الأول: أنه جرت عادة الناس أنهم إذا وصفوا شيئًا بغاية الطهارة والنظافة قالوا: إنه روح، فلما كان عيسى لم يتكون من نطفة الأب وإنما تكون من نفخة جبريل ﵇ لا جرم وصف بأنه روح، والمراد من قوله (مِنْه) التشريف والتفضيل كما يقال: هذه نعمة من الله، والمراد كون تلك النعمة كاملة شريفة. الثاني: أنه كان سببًا لحياة الخلق في أديانهم، ومن كان كذلك وصف بأنه روح. قال تعالى في صفة القرآن ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ (الشورى: ٥٢).

стр. 567

الثالث: روح منه أي رحمة منه، قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] أي برحمة منه، وقال ﷺ : "إنما أنا رحمة مهداة" فلما كان عيسى رحمة من الله على الخلق من حيث أنه كان يرشدهم إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم، لا جرم سمي روحًا منه. الرابع: أن الروح هو النفخ في كلام العرب؛ فإن الروح والريح متقاربان، فالروح عبارة عن نفخة جبريل وقوله: (مِنْهُ) يعني أن ذلك النفخ من جبريل كان بأمر الله وإذنه فهو منه، وهذا كقوله ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١]. الخامس: قوله (رُوحُ) أدخل التنكير في لفظ (رُوحُ) وذلك يفيد التعظيم، فكان المعنى: وروح من الأرواح الشريفة القدسية العالية، وقوله (مِنْهُ) إضافة لذلك الروح إلى نفسه لأجل التشريف والتعظيم. (١) الثاني: أن (مِنْ) في قوله (وروح منه) لابتداء الغاية، وليست للتبعيض يقول ابن كثير: ((وليست (من) للتبعيض كما تقول النصارى، بل هي لابتداء الغاية كما في الآية الأخرى ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]. وقد قال مجاهد في قوله (وَرُوحٌ مِنْهُ) أي رسول منه، وقال غيره: ومحبة منه والأظهر الأول وهو أنه مخلوق من روح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله) ((٢). ويقول الشنقيطي: ولكن من هنا لابتداء الغاية، يعني: أن مبدأ ذلك الروح الذي ولد به عيسى حيًّا من الله تعالى، لأنه هو الذي أحياه به، ويدل لما ذكرنا ما روي عن أبي بن كعب أنه قال خلق الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق، ثم ردها إلى صلب آدم وأمسك عنده روح عيسى ﵇ فلما أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم فكان منه عيسى ﵇" (٣). الثالث: ولو فرض أن (مِنْ) هنا للتبعيض لفسد المعنى نصرانيًّا كما سبق بيانه في قوله

стр. 568

تعالى ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ فلو قلنا على سبيل الفرض: وروح بعض منه باعتبار أن الروح هو عيسى عينه لكان المعنى فاسدًا من وجوه: ١ - منها: أن عيسى يصبح جزءًا وبعضًا من الإله. والبعض ليس مساويًا للكل عقلًا، والنصارى يعتقدون أن المسيح (الابن) بزعمهم إله مساوٍ للأب في الجوهر وليس جزءًا منه بل يعتقدون أن الكلمة كما مر آنفًا - وهي عيسى - هي الله فعيسى ليس بعضًا من الله، سواء كان هو الروح أو هو الكلمة بحسب اعتقادهم. وهذا مبطل لكون (مِنْ) للتبعيض، فضلًا عما مر سابقًا من استخدام (مِنْ) لابتداء الغاية في كتبهم على نحو يمنع من خلال السياق أن تكون للتبعيض وهو ما يماثل ما ههنا. وأما قوله تعالى ﴿رُوحَنَا﴾ في مثل قوله ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾: فيقول ابن كثير: "يعني جبريل ﵇". وكذلك روح القدس في مثل قوله تعالى ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] .. يذكر ابن كثير أنه جبريل. ويقول ابن تيمية: إن المضاف في الثانى (أي القسم الثاني) من أقسام المضاف إلى الله مملوك لله، مخلوق له، بائن عنه، لكنه مفضل مشرف لما خصه الله به من الصفات التي اقتضت إضافته إلى الله ﵎، كما خص ناقة صالح من بين النوق وكما خص بيته بمكة من بين البيوت، وكما خص عباده الصالحين من بين الخلق. ومن هذا الباب قوله تعالى ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ فإنه وصف هذا الروح بأنه تمثل لها بشرًا سويًّا وأنها استعاذت بالله منه إن كان تقيًّا، وأنه قال: إنما أنا رسول ربك ... وهذا كله يدل على أنها عين قائمة بنفسها" (١). كما يقول ﵀ عن الموضوع نفسه "فأخبر هذا الروح الذي تمثل لها بشرًا سويًّا أنه رسول ربها؛ فدل الكلام على أن هذا الروح عين قائمة بنفسها، ليست صفة لغيرها، وأنه رسول من الله ليس صفة من صفات الله؛ ولهذا قال جماهير العلماء: إنه جبريل ﵇ فإن الله

стр. 569

سماه الروح الأمين، وسماه روح القدس، وسماه جبريل" (١) وهذا يوضح أنه ليس لهم أدنى شبهة في هذا؛ إذ المقصود بالروح القدس (وروحنا): جبريل ﵇ وليس المسيح، بل إن البعض جعل معنى الروح في قوله تعالى ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أيضًا جبريل ﵇، يقول ابن جرير" وقال آخرون معنى الروح ههنا: جبريل ﵇ قالوا: ومعنى الكلام: وكلمته ألقاها إلى مريم وألقاها أيضًا إليها روح من الله قالوا: فالروح معطوف به على ما في قوله "ألقاها" من ذكر الله بمعنى أن إلقاء الكلمة إلى مريم كان من الله ثم من جبريل ﵇". رابعًا: الروح أو الروح القدس أو روح الله عند النصارى، هو الأقنوم الثالث في ثالوثهم الوثني (٢)، وهذا مبطل لادعاء النصارى على القرآن فيما يتعلق بقوله وروح منه، أو روحنا من أساسه؛ لأن القرآن قال عن عيسى ﵇: إنه روح من الله أو سماه بذلك بينما المسيح عند النصارى هو الابن أو "الأقنوم الثاني" بزعمهم، وليس هو روح الله؛ لأن روح الله، أو الروح، أو الروح القدس عندهم ليس عيسى ﵇ وإنما هو الأقنوم الثالث، ولكل أقنوم بحسب اعتقاداتهم وظائف وأعمال ومهمات لا يقوم بها الأقنوم الآخر فجعلهما أقنومًا واحدًا لا شك أنه مبطل للتثليث النصراني جملة وتفصيلًا. وقد جاء في الأناجيل ما يوضح أن عيسى ﵇ كان يخرج الشياطين بروح الله، مما يعني أن عيسى شيء، والمقصود بروح الله شيء آخر، إذ ينسب إلى عيسى قوله "ولكن إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله" متى (١٢: ٢٨)، وفي نص آخر يقول: "وأما التجديف على الروح فلن يغفر للناس ومن قال كلمة على ابن الإنسان (أي عيسى ﵇ بزعم النصارى) يغفر له وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي" متى (١٢: ١٣ - ٣٢)، وفي نص آخر "لأن الذي حُبل به فيها هو من الروح القدس" متى (١: ٢٠)، وفي غيره "فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء وإذا

стр. 570

السماوات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلًا مثل حمامة وآتيا عليه" متى (٣: ١٦). فروح الله أو الروح أو الروح القدس الواردة في النصوص السابقة لاشك أن المقصود بها غير عيسى، والمقصود بذلك عند النصارى: الأقنوم الثالث (الروح القدس). والذي هو غير عيسى؛ مما يبطل كل شبههم التي يحاولون من خلالها تأليه عيسى استنادًا إلى كتاب الله القرآن العظيم منطلقين من إنزال بعض معتقداتهم الفاسدة على قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أو "روحنا" ومخفين بعضًا. ثالثا: معجزات عيسى ﵇ التي ذكرت في القرآن والتي استدلوا بها على أن في القرآن ما يدل على ألوهية المسيح . وبداية قد سبق الجواب عن شبه الاستدلال بالمعجزات على الألوهية عمومًا وحسبنا هنا أن نشير إلى ما يدفع الاستدلال بالقرآن على هذا. أولًا: إحياء الموتى: ذكر القرآن الكريم معجزات عدة لإحياء الموتى إنعامًا من الله على بعض رسله وإجابة لدعواتهم وتأييدًا لهم وتحديًا لأعدائهم من ذلك: ١ - أَخْذ إبراهيم ﵇ للطيور الأربعة بأمر الله له بعد دعائه الله أن يريه كيف يحيى الموتى، وتمزيقه لهن وتفريقه لأجزائهن على كل جبل منهن جزءا، ثم دعوته لهن أن يأتينه، فأتينه سعيًا، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَال فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ [البقرة: ٢٦٠]. فهل حدوث هذه العجزة على يد إبراهيم ﵇ الذي هو أب لعيسى - من خلال القرآن ومن خلال الأناجيل - مسوغ لاتخاذ إبراهيم إلهًا؟ ٢ - إلقاء موسى لعصاه الجماد التي لا روح فيها، ثم تحولها إلى ثعبان عظيم عند فرعون والملأ من قومه. قال تعالى: ﴿وَقَال مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَال إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧)﴾

стр. 571

(الأعراف: ١٠٤ - ١٠٧). وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾ (الأعراف: ١١٧). فهذه معجزة عظيمة أنعم الله بها على موسى ﵇ إذ أحيا الله هذه القطعة الصغيرة من الخشب الجماد التي لا حياة فيها وجعلها حية عظيمة تسعى وتبتلع بفيها ما وضعه السحرة من عصي وحبال .. إلخ. ٣ - إحياء الميت الذى قُتل في بني إسرائيل في عهد موسى ﵇ بإذن الله بعد أمر الله لهم أن يضربوا الميت ببعض البقرة التي ذكرها الله في القرآن: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾ (البقرة: ٧٢ - ٧٣). فهؤلاء الذين ضربوا الميت ببعض لحم البقرة فقام حيًّا بإذن الله ليسوا من الرسل - على ما يظهر - وعلى الرغم من هذا حدثت على أيديهم هذه المعجزة بإذن الله فهل كان هذا مدعاة لتأليه أحد منهم؟ أو تأليه موسى ﵇؟ إن النصارى زعموا أن علة تأليه عيسى ﵇ هي إحياؤه للموتى، ولو فرض أنها علة لتأليه أحد ما من البشر؛ لكان العقل موجبًا أن يؤله كل من اشترك في هذه العلة فقام بمثل هذه المعجزات، أو الأمور الخارقة للعادة. وقد شارك عيسى غيره في معجزة الإحياء كما مر آنفًا، مما يبطل ادعاء النصارى في تأليه عيسى ﵇ لإحيائه الموتى على نحو عام. ويبطل نسبة هذا التأليه إلى القرآن على نحو خاص؛ لأن القرآن أوضع أن كل ذلك بإذن الله وأن هناك من أنعم الله عليه بمثل معجزات عيسى ﵇ في إحياء الموتى، ولم يجعل ذلك منهم آلهة. ثانيًا: الإخبار بالغيب: أخبرنا الله في القرآن العظيم عن بعض من أنعم عليهم: باطلاعهم - من لدنه - على بعض الغيوب من ذلك: (أ) ما أنزل على سيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله ﷺ من الغيوب سواء في القرآن الكريم أو السنة الصحيحة، وهو شيء كثير لا يتسع المقام لذكره، مثل الإخبار عن الأقوام السابقين له صلوات الله وسلامه عليه، وعن رسلهم وما جرى لهم مع أقوامهم، ومثل الإخبار عن قصة سليمان والهدهد

стр. 572

وملكة سبأ إلى غير ذلك من أمور غيبية ماضية بل وأمور غيبية مستقبلية (١). ولما كانت الدعوى (دعوى الألوهية وما يرتبط بها) مدعاة من النصارى والمنصرين على القرآن، ولأن بعض أهل الكتاب كما يقول ابن تيمية يقول "لا نصدق إلا بما في القرآن" (٢). أي من معجزات الرسول ﷺ فإنه يحسن ذكر بعض ما أنزله الله على عبده ورسوله ﷺ في القرآن من الأخبار الغيبية، ولا سيما بعض ما يرتبط بعيسى ﵇ وأمه مما انفرد به القرآن الكريم ومن ذلك: إخباره عن أحوال الرسل الماضين، وإخباره عن أمور مستقبلة جاءت كما أخبر ﷺ . ولا شك أن هذا من باب الجدل فقط، وعلى زعم محاولة إلزام المسلم من خلال مسلماته، فيما يعتقدون أنه حجة لهم مثل: معجزات عيسى ﵇ أو غيرها وإليك ما يلي: (١) أن مريم حملت بعيسى ﵇: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالتْ يَاليْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ (مريم: ٢٢ - ٢٥). (٢) أن عيسى ﵇ تكلم في المهد و ﴿قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (مريم: ٣٠ - ٣٣). (٣) أن عيسى ﵇ خلق من الطين كهيئة الطير؛ فنفخ فيه فصار طيرًا بإذن الله. (٤) أن عيسى ﵇ كان ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم. كل هذه الأخبار الغيبية لا يعلمها حتى النصارى أنفسهم وفق أناجيلهم الحالية، كما مر؛ فإنما أنزلها الله على يد عبده ورسوله ﷺ في القرآن.

стр. 573

(ب) ما جاء في القرآن من إخبار نبي من أنبياء بني إسرائيل لهم عن آية ملك طالوت عليهم. قال تعالى: ﴿وَقَال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالوتَ مَلِكًا قَالوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَال إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾ [البقرة: ٢٤٧] فهذا نبي من بني إسرائيل يخبرهم عن أمور غيبية مستقبلية، لم تحدث بعد آنذاك فما جعل ذلك منه إلهًا. (ج) ما أعطاه الله للخضر من العلم الغيبي الذي لم يُعطَه رسول من أولي العزم من الرسل وهو موسى صلوات الله وسلامه عليهم؛ فإن الخضر خرق سفينة المساكين الذين يعملون في البحر حفاظًا عليها؛ لأن الله أعلمه أن وراءهم ملكًا يأخذ كل سفينة غصبًا، وقتل الغلام خشية أن يرهق أبويه طغيانًا وكفرًا، وأقام الجدار الذي كان يريد أن ينقض؛ إذ كان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنزلهما، فأراد الله أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة منه، كل ذلك من الإنباء بالغيب الذي منحه الله تعالى للخضر مما لم أطلع على أن عيسى ﵇ أعطي مثله لا في القرآن ولا في الأناجيل. هذا فيما يتعلق بمعجزات مشابهة لمعجزات عيسى من خلال القرآن. وأما عن المعجزات المشابهة من خلال التوراة والأناجيل فقد سبق بيانها بحمد الله تعالى، ولكن نشير هنا فقط إلى أن معجزات المسيح ﵇ التي وردت في الأناجيل إنما هي - بنص الأناجيل - بإذن الله تعالى يدل على ذلك من الأناجيل ما يلي: (١) قوله: "فَرَفَعُوا الحجَرَ حَيْثُ كَانَ الميْتُ مَوْضُوعًا، وَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ إِلَى فَوْقُ، وَقَال: "أَيُّهَا الآبُ، أَشْكُرُكَ لأَنَّكَ سَمِعْتَ ليِ، ٤٢ وَأَنَا عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كُلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي. وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا الجمْعِ الْوَاقِفِ قُلْتُ، لِيُؤْمِنُوا أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي". ٤٣ وَلمَّا قَال هذَا صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: "لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا! " فَخَرَجَ الميْتُ." (يوحنا (١١: ٤١ - ٤٣) فانظر كيف رفع عيسى بصره إلى السماء ودعا الله ومجده، وأوضح النص أن هذه المعجزة إنما هي من أجل أن يُصدقوا به رسولًا من عند الله، وقد استجاب الله دعاءه فخرج الميت حيًّا بإذن الله.

стр. 574

(٢) قوله "فأجاب يسوع وقال لهم: الحق الحق أقول لكم لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئًا إلا ما ينظر الآب" (يوحنا (٥: ١٩)، وينسب إلى عيسى - علية السلم - أنه قال: "والآن علموا أن كل ما أعطيتني هو من عندك" (يوحنا (١٧: ٧)، فكل ما أوتيه المسيح - علية السلم - من إحياء للموتى، ومن إنباء بالغيب إلى غير ذلك من معجزات إنما هو بنص أقوال المسيح - علية السلم - من عند الله وبإذن الله ، وهذا مثبت أنه ليس له من الأمر شيء، ومبطل لدعوى ألوهية المسيح من خلال الأناجيل كما بطلت هذه الدعوى قبل من خلال القرآن. (٣) جاء في نص آخر: "فقالت مرثا ليسوع: يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخي لكن الآن أعلم أن كل ما تطلبه من الله يعطيك إياه" (يوحنا (١١: ٢١ - ٢٢). فهذه المرأة تعلم أن الأمر ليس بيده، وإنما إذا دعا الله أعطاه الله سؤله، فإحياء الموتى الذي حدث على يد المسيح، إنما هو بإذن الله . (٤) وفي نص آخر: "أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصري رجل، قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم تعلمون" (أعمال الرسل (٢: ٢٢)، وانظر: أعمال الرسل (١٥: ٣٨)، فالأمر بدهي عند المؤمنين بعيسى آنذاك من بني إسرائيل: أن المعجزات التي جاء بها إنما أوجدها وصنعها الله، وليس عيسى - علية السلم - وإنما حصلت على يد عيسى فهي من (قبل الله) أو من عند الله وبإذن الله، وأوجدها الله وما عيسى إلا (رجل) أو عبد من عبيد الله، ورسول من رسله، ثبت صدقه بما أنزله الله على يديه من المعجزات (القوات والعجائب). ولذا على الرغم من إحياء عيسى للموتى بإذن الله، لم يجعل ذلك منه عند الجموع التي قام بالمعجزات في وسطها إلا أنه نبي فقط فلم يتجاوزوا به طور البشرية. جاء في الأناجيل" فقال (أي عيسى) أيها الشاب لك أقول قم؛ فجلس الميت وابتدأ يتكلم فدفعه إلى أمه؛ فأخذ الجمع خوف ومجدوا الله قائلين قد قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه" (لوقا (٧: ١٤ - ١٦).

стр. 575

وفي النص الذي قبل هذا قالوا عن عيسى إنه (رجل تبرهن لكم من قبل الله)، ولم يقولوا: إله، أو ابن إله. وهذا مما يوضح حقيقة عيسى، وأنه عند بني إسرائيل الذين أرسل إليهم وآمنوا به، إنما هو رسول نبي وعبد من عباد الله؟ لأن المعجزات التي جاء بها، إنما كانت بإذن الله ، ومن عنده وليست من عند المسيح ابتداءً. وقد جاء في الأناجيل أن عيسى قال للحواريين "اشفوا مرضى طهروا برصًا أقيموا موتى أخرجوا شياطين مجانا" (متى (١٠: ٨). وهذا دليل على أن إحياء الموتى، ليس علة ولا مبررًا لتأليه أحد من البشر؛ مما يسقط دعوى النصارى في ألوهية عيسى؛ استنادًا إلى إحيائه للموتى، فعلى فرض صحة هذا النص وافتراض تحققه من قبل الحواريين، يوضح بجلاء أن إحياءهم للموتى لم ولن يجعل منهم آلهة، وليس هذا مسوغًا لتأليه أحد من البشر؛ فإن زعم النصارى أن ذلك بسلطة أو بإذن من الله ؛ فإن هذا الكلام هو عين الرد عليهم في حالة إحياء عيسى للموتى؛ إذ أحيا عيسى الموتى بإذن الله، كما أوضحت ذلك آيات القرآن ونصوص الأناجيل الآنفة الذكر. * * *

стр. 576

٢ - شبهة: ثناء القرآن والسنة على التوراة والإنجيل نص الشبهة: جاء في القرآن والسنة النبوية ما يشير إلى تصديق القرآن للتوراة والإنجيل، والحديث عنهما والثناء عليهما وعلى موسى وعيسى ﵉، والحديث عن بني إسرائيل، مثل قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾، وغير ذلك من الآيات. ويحتجون بأن النبي ﷺ أمسك التوراة في يده وقال: آمنت بك وبمن أنزلك. فأخذوا من ذلك أن الكتاب الذي بأيديهم هو الذي أثنى عليه القرآن والسنة، وأنه لم يصبه زيف ولا تحريف، وإذا كان هذا الكتاب أثنى عليه القرآن والسنة، فلماذا هذا الاضطهاد؟ والجواب عن هذه الشبهة في مبحثين: المبحث الأول: الرد الإجمالي على هذه الشبهة من هذه الوجوه: الوجه الأول: الإيمان بجميع الرسل والكتب المنزلة عليهم هي عقيدة المسلمين. الوجه الثاني: الثناء والمدح كان للكتاب الذي نزل على موسى وعيسى. الوجه الثالث: مدح التوراة والإنجيل لا يعني مدح اليهود والنصارى. الوجه الرابع: القرآن ناسخ للكتب السابقة، وشريعة النبي ﷺ ناسخة لجميع الشرائع؛ فوجب العمل بما في القرآن وبشريعة النبي ﷺ . الوجه الخامس: هذا الثناء لا ينافي وجوب اتباع محمد ﷺ . الوجه السادس: القرآن بيَّن أنهم خالفوا أحكام التوراة. الوجه السابع: ذم أهل الكتاب لا يقدح في أنبيائهم. المبحث الثاني: الرد التفصيلي على بعض الشبهات التي أثارها أهل الكتاب في إثبات صدق كتابهم من خلال ثناء القرآن على التوراة والإنجيل، وهي: الشبهة الأولى: قالوا: إننا نجد في (القرآن الكريم) آيات تشهد بصدق التوراة والإنجيل - كما هما اليوم - وتؤكد أن الكتابين لم يحرفا. الشبهة الثانية: قالوا: بأن القرآن أثنى على أهل الكتاب.

стр. 577

الشبهة الثالثة: قالوا: إن القرآن رفع قدرنا وأعلى منزلتنا، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥]. الشبهة الرابعة: يقولون: بأن النبي ﷺ أثنى على كتابنا، وفي هذا دليل على أنها لم تحرف. الشبهة الخامسة: يقولون: بأن القرآن يعظمنا بتقديم البيع والكنائس، على المساجد. الشبهة السادسة: يقولون: بأننا وجدنا في القرآن تعظيم المسيح وأمه. الشهبة السابعة: يقولون: إن القرآن لما جاء مصدقًا لما بين يديه من الكتب فثبت بهذا ما معنا، ونفى عن كتبنا التي في أيدينا التهم والتبديل والتغيير لما فيها بتصديقه إياها. الشبهة الثامنة: يقولون: بأن القرآن شهد لهم أنهم أنصار الله. الشبهة التاسعة: الرد على تأويلهم لقول الله تعالى ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. المبحث الثالث: وماذا عن البشارات التي توجد في الكتاب المقدس بنبوة رسول الإسلام محمد ﷺ . وإليك التفصيل المبحث الأول: الرد الإجمالي على هذه الشبهة الوجه الأول: الإيمان بجميع الرسل والكتب المنزلة عليهم هي عقيدة المسلمين . قال ابن تيمية: وقد أوجب الله على عباده أن يؤمنوا بجميع كتبه ورسله، وحكم بكفر من آمن ببعض وكفر ببعض فقال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾ (البقرة: ١٣٦، ١٣٧). وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (البقرة: ٢٨٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا

стр. 578

وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ (النساء: ١٥٠ - ١٥٢)، فذم المفرق بينهم بأن يؤمن ببعض دون بعض وبين أنه فضل بعضهم على بعض فقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (البقرة: ٢٥٣)، فبين أنه فضل بعضهم على بعض، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ (الإسراء: ٥٥). وقد اتفق المسلمون على ما هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام وهو أنه يجب الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين وبجميع ما أنزله الله من الكتب، فمن كفر بنبي واحد تعلم نبوته مثل إبراهيم، ولوط، وموسى، وداود، وسليمان، ويونس، وعيسى، فهو كافر عند جميع المسلمين حكمه حكم الكفار، وإن كان مرتدًا استتيب فإن تاب وإلا قتل، ومن سب نبيًّا واحدًا من الأنبياء قتل أيضًا باتفاق المسلمين، وما علم المسلمون أن نبيًّا من الأنبياء أخبر به فعليهم التصديق به كما يصدقون بما أخبر به محمد ﷺ وهم يعلمون أن أخبار الأنبياء لا تتناقض ولا تختلف، وما لم يعلموا أن النبي ﷺ أخبر به فهو كما لم يعلموا أن محمدًا أخبر به صلى الله عليهم أجمعين ولكن لا يكذبون إلا بما علموا أنه كذب، كما لا يجوز أن يصدقوا إلا بما علموا أنه صدق، وما لم يعلموا أنه كذب ولا صدق لم يصدقوا به ولم يكذبوا به كما أمرهم نبيهم محمد ﷺ وبهذا أمرهم. وكان دينه الذي ارتضاه الله لنفسه هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل، ولا يقبل من أحد دينًا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو دين الأنبياء وأتباعهم كما أخبر الله تعالى بذلك عن نوح ومن بعده إلى الحواريين، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَال لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾

стр. 579

(يونس: ٧١، ٧٢)، وقال تعالى عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَال لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ (البقرة: ١٣٠ - ١٣٢)، وقال تعالى عن يوسف الصديق: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف: ١٠١)، وقال تعالى عن موسى أنه قال: ﴿وَقَال مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]. وأخبر تعالى عن السحرة أنهم قالوا لفرعون: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦]، وقال تعالى عن بلقيس ملكة اليمن: ﴿قَالتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]، وقال تعالى عن أنبياء بني إسرائيل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ (المائدة: ٤٤)، وقال تعالى عن المسيح: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَال مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ (آل عمران: ٥٢: ٥٣). وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ (المائدة: ١١١). فهذا دين الأولين والآخرين من الأنبياء وأتباعهم، هو دين الإسلام وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وعبادته تعالى في كل زمان ومكان بطاعة رسله ﵈، فلا يكون عابدا له من عبده بخلاف ما جاءت به رسله كالذين قال فمهم: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (الشورى: ٢١).

стр. 580

فلا يكون مؤمنًا به إلا من عبده بطاعة رسله، ولا يكون مؤمنا به ولا عابدا له إلا من آمن بجميع رسله، وأطاع من أرسل إليه فيطاع كل رسول إلى أن يأتي الذي بعده فتكون الطاعة للرسول الثاني، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ﴾ (النساء: ٦٤). ومن فرق بين رسله فآمن ببعض وكفر ببعض كان كافرا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ (النساء: ١٥٠ - ١٥٢). (١) الوجه الثاني: الثناء والمدح كان للكتاب الذي نزل على موسى وعيسى . أولًا: توراة موسى ﵇ أم التوراة المحرفة ؟ يُقصد بتوراة موسى ذلك الكتاب الذي أوحاه الله إلى عبده موسى، والذي قرأه على بني إسرائيل في حياته، وحكم به وأخوه هارون فيهم، ثم تركه بينهم وانتقل إلى رحمة الله، يقول الله في القرآن عن توراة موسى الأصلية هذه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (المائدة: ٤٤). أ- ولقد كان في توراة موسى: لا إله إلا الله، الإحسان إلى الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين، مخاطبة الناس - غير الإسرائيليين - بالحسنى وعدم الاستكبار.

стр. 581

فهذا ما يقوله القرآن: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾ (البقرة: ٨٣). ١ - لكن التوراة المحرفة (١) - باعتراف علمائها - والتي يتداولها الناس منذ قرون عديدة، وتجمع بين دفتيها هذا وذاك، ونسميها (توراة اليهود)، نجدها تقر عبادة الشيطان، "وقال الرب لموسى كلم هارون أخاك ... يأخذ تيسين من المعز لذبيحة خطية ... ويأخذ التيسين ويوقفهما أمام الرب ... ويلقي هارون على التيسين قرعتين قرعة للرب وقرعة لعزازيل ... ويقرب هارون التيس الذي خرجت عليه القرعة للرب ويعمله ذبيحة خطية ... وأما التيس الذي خرجت عليه القرعة لعزازيل فيوقف حيا أمام الرب ليكفر عنه ليرسله إلى عزازيل إلى البرية" (سفر اللاويين ١٦/ ٢: ١٠). ويقول علماء الترجمة الفرنسية المسكونية تعليقًا على هذه الفقرة (يبدو أن عزازيل - بحسب الترجمة السريانية - هو اسم شيطان كان العبرانيون والكنعانيون القدامى يعتقدون أنه يسكن البرية، والبرية أرض عقيمة لا يمارس فيها الله عمله المخصب). سبحان الله، هل البرية أو الصحراء بعيدة عن سلطان الله؟ ، وحتى ولو لم يكن عزازيل شيطانًا؛ بل كان ملكًا أو كبير الملائكة، فإن اختصاصه بتقديم قربان إنما يعني عبادته ... يعني الشرك بالله. ٢ - كذلك تقر توراة اليهود، الناس من غير بني إسرائيل على عبادتهم الأجرام السماوية باعتبار ذلك قدرًا إلهيًا قسمه الرب لتلك الشعوب، بينما يتفرد الإسرائيليون بعبادة الله فلا يشاركهم فيه أحد: "لئلا ترفع عينيك إلى السماء وتنظر الشمس والقمر والنجوم كل جند السماء التي قسمها الرب إلهك لجميع الشعوب التي تحت كل السماء فتغتر وتسجد لها وتعبدها" (تثنية ٤: ١٩).

стр. 582

٣ - كذلك تقر توراة اليهود استعباد غير الإسرائيليين ليكونوا عبيدًا لبني إسرائيل أبد الدهر: "وإذا افتقر أخوك عندك وبيع لك فلا تستعبده استعباد عبد. كأجير نزيل يكون عندك إلى سنة اليوبيل يخدم عندك. ثم يخرج من عندك هو وبنوه معه ويعود إلى عشيرته .. . وأما عبيدك وإماؤك الذين يكونون لك فمن الشعوب الذين حولكم منهم تقتنون عبيدا وإماء. وأيضًا من أبناء المستوطنين النازلين عندكم منهم تقتنون، ومن عشائرهم الذين عندكم الذين يلدونهم في أرضكم فيكونون ملكا لكم. وتستملكونهم لأبنائكم من بعدكم ميراث ملك تستعبدونهم إلى الدهر" (لاويين ٢٥/ ٣٩: ٤٦). ٤ - كذلك تفرض توراة اليهود على بني إسرائيل أن يقرضوا غيرهم بربا، بينما تحرم ذلك عندما يكون المقترض من الإسرائيليين: "لا تقرض أخاك بربا ربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء ما مما يقرض بربا. للأجنبي تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا لكي يباركك الرب إلهك في كل ما تمتد إليه يدك" (تثنية ٢٣/ ١٩: ٢٠). ب - ولقد كان في توراة موسى نبوءات صريحة عن خاتم النبيين الذي يبعثه الله رسولًا إلى العالمين من غير بني إسرائيل؛ بل ومن أبناء إسماعيل بن إبراهيم على وجه التحديد: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ (البقرة: ١٤٦)، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾ (الأنعام: ٢٠)، ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ (البقرة: ٨٩: ٩٠). قال ابن عباس: أن يَهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه. فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه.

стр. 583

ولا يزال في توراة اليهود بقايا من بشارات خاتم النبيين مثل قول الرب لموسى: "أقيم لهم نبيًّا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به. ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه (انتقم منه" (تثنية ١٨: ١٨/ ١٩). القرآن يقرر إذن أن توراة موسى، أي التوراة الأصلية هي هدى ونور، وهذا حق لا مرية فيه، وأما توراة اليهود فهي توراة محرفة، فلا شك في ذلك على الإطلاق. فكيف يثني القرآن على توراة حرفها أهلوها؟ . (١) ثانيًا: إنجيل عيسى ﵇ أم الإنجيل المحرف ؟ يقصد بإنجيل المسيح ذلك الكتاب الذي أوحاه الله إلى عبده المسيح عيسى ابن مريم ﵇ والذي ألقاه مواعظ وحكمًا على حوارييه، ومن سار خلفه من بني إسرائيل، وأكد فيه على التزامه بتوراة موسى أولًا وأخيرًا، يقول الله في القرآن عن إنجيل المسيح الحق: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة ٤٦: ٤٧). أ - ولقد كان مما في إنجيل المسيح: المسيح عبد الله ورسوله إلى بني إسرائيل، التخفيف على الإسرائيليين من شدة الشريعة، والتخفيف على المرضى والضعفاء، صنع المعجزات بإذن الله، والتنبؤ بالغيب القريب الذي يمكن التحقق من صدقه ليكون دليلًا على صدق تنبؤ المسيح بالغيب البعيد، فالقرآن قال في شأن المسيح وإنجيله: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾ (مريم ٢٧: ٣١).

стр. 584

قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (آل عمران ٤٩: ٥١). لكن الأناجيل ... لا، بل مجموعة الأناجيل التي يتداولها الناس الآن قد حُرفت نصوصها مما دفع علماء المسيحية إلى تقرير الحقيقة الخطيرة الآتية: "القارئ في عصرنا وهو حريص على الدّقة، لا ينفكّ يبحث عن الأحداث التي تم إثباتها والتحقّق منها، يقع في حيرة أمام تلك المؤلفات التي تبدو له مفكّكة يخلو تصميمها من التنسيق، ويستحيل التغلب على تناقضاتها، ولا يُمكنها أن تردّ على الأسئلة التي تُطرح عليها ... لقد جمع الإنجيليون ودونوا وفقًا لنظراتهم الخاصة ما أتاهم من التقاليد الشفوية". ١ - فهذه الأناجيل التي نسميها (أناجيل النصارى) أو (أناجيل المسيحيين) جعلت المسيح ابنًا لله، فها هو كاتب إنجيل مرقس يبدأ بقوله: "بدأ إنجيل يسوع المسيح ابن الله" (مرقس ١: ١). ويقول كاتب إنجيل يوحنا: "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد" (يوحنا ٣: ١٦)، "وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب في هذا الكتاب. وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله" (يوحنا ٢٠/ ٣٠: ٣١). وذلك على الرغم مما هو باق في سفر أعمال الرسل إلى اليوم من شهادة تلاميذ المسيح أنه عبد الله تمامًا كما كان داود عبدًا لله: "رفعوا أصواتهم إلى الله بقلب واحد فقالوا: يا سيد أنت صنعت السماء والأرض والبحر وكل شيء فيها، أنت قلت على لسان أبينا داود عبدك بوحي الروح القدس، تحالف حقًّا في هذه الدينة هيرودس وبنطيوس بيلاطس والوثنيون وشعوب إسرائيل على عبدك القدوس الذي مسحته" (أعمال الرسل ٤/ ٢٧: ٢٥).

стр. 585

ولقد اختارت ترجمة البرتستانت العربية كلمة (فتى) بدلًا من (عبد) كنوع من التشويش على فكر القارئ العادي، وإن كان ذلك لا يغير من حقيقة الأمر شيئًا، فالمسيح في عقيدة تلاميذه المقربين هو عبد الله ورسوله. ٢ - بل إن إنجيل يوحنا كان هو الوحيد بين الأناجيل الذي تحدث عن حلول الإله في المسيح فقال: "لكن الآب الحال فيَّ هو يعمل الأعمال" (يوحنا ١٤: ١٠). إن عقيدة حلول الإله في الإنسان هي من العقائد الوثنية القديمة، فقد كانت معروفة لدى الهنود والمصريين واليونان وغيرهم، بل إن قدماء المصريين توسعوا فيها حتى جعلوا روح الإله تحل في الحيوان، فكان ذلك مدعاة لعبادة الحيوان، بزعمهم. ٣ - وحسبما يقول القرآن جاء المسيح ليخفف عن بني إسرائيل بعض قيود الشريعة، لكن هذه الأناجيل تجعل المسيح يشدد عليهم في أمور تتصل بحياتهم المعتادة مما يوقعهم في العنت أو الخطيئة، إن توراة موسى تسمح بالطلاق وتعدد الزوجات بلا حدود لكن المسيح شدد في موضوع الطلاق وجعله أقرب إلى المستحيلات مما تسبب عنه - إلى اليوم - مآسي وخطايا وانفلات اجتماعي. يقول إنجيل النصارى على لسان المسيح: "قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن. وأما أنا فأقول لكم: إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه. فإن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها وألقها عنك، لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم. وقيل: من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق. وأما أنا فأقول لكم إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني" (متى ٥/ ٢٧: ٣٢). ويذكر هذا الإنجيل قول المسيح في بدء رسالته "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل" (متى ٥: ١٧)، ولما كان الناموس يسمح بالطلاق بلا قيود، فإن علماء المسيحية يقولون: إن هذا يعتبر أكبر نقض صريح للناموس.

стр. 586

٤ - ولم يذكر أي من الأناجيل الأربعة المعتمدة لدى المسيحيين شيئًا عن معجزات المسيح في طفولته مثل التي ذكرها القرآن، ولقد وجدت هذه المعجزات في كتب مسيحية أخرى نشرت تحت اسم (الكتب المفقودة) وقد جاء فيها" عندما كان الرب يسوع في السابعة من عمره، كان يلعب مع بعض رفاقه الذين نحو سنة ... وقد صنع أشكالًا من الطيور والعصافير، وعندما أمرها بالطيران فإنها طارت، وعندما أمرها بالتوقف فإنها توقفت". ٥ - بل إن أناجيل النصارى هذه تنسب للمسيح تنبؤات باطلة، من أخطرها أن نهاية العالم وانهيار النظام الكوني سوف تحدث قبل نهاية القرن الميلادي الذي عاش فيه المسيح وتلاميذه: "وفيما هو جالس على جبل الزيتون تقدم إليه التلاميذ على انفراد قائلين قل لنا متى يكون هذا وما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر؟ فأجاب يسوع ... للوقت بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والنجوم تسقط من السماء وقوات السماوات تتزعزع وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء ... ويبصرون ابن الإنسان آتيا على سحاب السماء بقوة ومجد كثير ... الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله" (متى ٢٤/ ٣٠: ٣٤). نهاية العالم -حسب هذه النبوءة- تحدث قبل أن يهلك الجيل الذي عاصر المسيح، ولقد هلكت عشرات الأجيال بعد المسيح ولا يزال النظام الكوني قائمًا ولا تزال الحياة مستمرة. ب - ولقد كان في إنجيل المسيح الحق نبوءات صريحة عن خاتم النبيين الذي يبعثه الله مباشرة بعد المسيح: ﴿وَإِذْ قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ [الصف: ٦]. ولا تزال إلى الآن بقية من هذه النبوءات مثلما نجده في إنجيل يوحنا، فعندما ظهر يوحنا المعمدان (يحيى بن زكريا) كان اليهود يعلمون يقينًا من نبوءات كتبهم أنه لا يزال هناك في عالم الأنبياء ثلاثة لم يظهروا بعد، ولذلك أرسلوا يسألونه: "وهذه هي شهادة يوحنا حين أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه من أنت؟ فاعترف ولم ينكر وأقر: إني لست أنا

стр. 587

المسيح. فسألوه إذًا ماذا؟ إيليا أنت؟ فقال: لست أنا، أنبي أنت؟ فأجاب لا. فقالوا له: ماذا تقول عن نفسك؟ قال: أنا صوت صارخ في البرية ... فسألوه وقالوا له: فما بالك تعمد إن كنت لست المسيح ولا إيليا ولا النبي؟ " (يوحنا ١/ ٢٥: ١٩). من الواضح تمامًا أن لكل واحد من الثلاثة الذين كان ينتظرهم اليهود اسمًا يُعرف به، وأن أسمائهم وترتيب ظهورهم هكذا: إيليا ثم المسيح ثم النبي، وأن ذلك النبي المرتقب يأتي بعد المسيح، ولما كان اليهود قد اشتهروا بظهور الأنبياء فيهم، فإن تسمية هذا المرتقب الأخير باسم (النبي) يعني ولا شك أنه نبي، ولكنه ليس ككل الأنبياء، إنه نبي أمره جلل وشأنه عظيم، إنه نبي الزمان. وحتى بعد ظهور المسيح، استمر اليهود يخلطون بينه وبين النبي المرتقب، فقد حدث "في اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادى قائلًا إن عطش أحد فليقبل إليَّ ويشرب ... فكثيرون من الجمع لما سمعوا هذا الكلام قالوا هذا بالحقيقة هو النبي. وآخرون قالوا هذا هو المسيح ... فحدث انشقاق في الجمع لسببه" (يوحنا ٧/ ٢٤: ٣٤). النبي المرتقب إذن يأتي بعد المسيح، هذا حق لا مرية فيه، ولم يأت بعد المسيح إلا محمد رسول الله إلى العالمين، هذا ولقد بين المسيح أن إيليا المنتظر الأول من أولئك الثلاثة قد جاء في شخص يوحنا المعمدان، فقد "ابتدأ يسوع يقول للجموع عن يوحنا: ماذا خرجتم إلى البرية لتنظروا؟ أنبيًّا؟ نعم أقول لكم وأفضل من نبي ... إن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي" (متى ١١/ ١٤: ٧). ومرة أخرى "سأله تلاميذه قائلين فلماذا يقول الكتبة: إن إيليا ينبغي أن يأتي أولًا (قبل المسيح)، فأجاب يسوع وقال لهم: إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه؛ بل عملوا به كل ما أرادوا (أي قتلوه) ... حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان" (متى ١٧/ ١٠: ١٣). لقد ظهر النبي إيليا (إلياس) في بني إسرائيل في منتصف القرن التاسع قبل الميلاد، وانتهت حياته برفعه إلى السماء حيًّا، وكأنها تمهيد لرفع المسيح حيًّا إلى السماء دون أن يذوق

стр. 588

الموت في تراب الأرض، ولقد كانت البشارة للنبي زكريا أنه سيُرزق بابن اسمه يحيى (يوحنا) يتقدم في بني إسرائيل بروح إيليا: "وخمرًا ومسكرًا لا يشرب ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس ... ويتقدم أمامه بروح إيليا" (لوقا ١/ ١٣: ١٧). لقد جاء يحيى بن زكريا (يوحنا المعمدان) تقوده روح إيليا النبي الذي ظهر قبله بقرون، ومن هنا قال المسيح عن يحيى هذا "إن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي". القرآن يقرر أن إنجيل المسيح، أي الإنجيل الأصلي هو هدى ونور، وهذا حق لا مرية فيه، أما أناجيل النصارى، فلم يعد هناك شك بين علمائها، وأنها تعرضت للتحريف عبر القرون؛ بل ولا تزال تُحرف حتى وقتنا هذا. (١) ونحن نطلب الآن من كل الطوائف النصرانية أن يظهروا لنا إنجيل عيسى الذي كان يكرز به بين الناس، فالذي بين أيدينا هي أناجيل بعض التلاميذ وتلاميذ التلاميذ، فالقرآن أثنى على إنجيل عيسى وأنتم تفتقدونه اليوم، فبأي وجه تعترضون؟ . الوجه الثالث: مدح التوراة والإنجيل لا يعني مدح اليهود والنصارى . فقد مدح الله التوراة (توراة موسى ﵇)، والإنجيل (إنجيل عيسى ﵇)، ومع ذلك فقد بين صفات اليهود والنصارى (أهل الكتاب) من الغدر والكذب والخيانة، وقد حكم الله عليهم بالكفر لما فعلوه أو قالوه عن الله وبين أنهم من أصحاب النار بهذه الأفعال وغيرها. قال ابن تيمية وإذا كان ما ذكره من مدح موسى والتوراة لم يوجب ذلك مدح اليهود الذين كذبوا المسيح ومحمدًا صلى الله عليهما وسلم تسليمًا، وليس فيه ثناء على دين اليهود المبدل المنسوخ باتفاق المسلمين والنصارى، فكذلك أيضًا ما ذكره من مدح المسيح والإنجيل، ليس فيه مدح النصارى الذين كذبوا محمدًا ﷺ وبدلوا أحكام التوراة والإنجيل، واتبعوا المبدل المنسوخ، واليهود توافق المسلمين على أنه ليس فيما ذكر مدح للنصارى، والنصارى توافق المسلمين على أنه ليس فيما ذكر مدح لليهود بعد النسخ والتبديل. فعلم

стр. 589

اتفاق أهل الملل كلها المسلمون واليهود والنصارى على أنه ليس فيما ذكر في القرآن من ذكر التوراة، والإنجيل، وموسى، وعيسى مدح لأهل الكتاب الذين كذبوا محمدا ﷺ ، ولا مدح لدينهم المبدل قبل مبعثه، فليس في ذلك مدح لمن تمسك بدين مبدل، ولا بدين منسوخ، فكيف بمن تمسك بدين مبدل منسوخ؟ . (١) الوجه الرابع: القرآن ناسخ للكتب السابقة، وشريعة النبي ﷺ ناسخة لجميع الشرائع فوجب العمل بما في القرآن وبشريعة النبي ﷺ -: قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ (آل عمران: ٨١ - ٨٣). قال ابن تيمية: فقد بين أن من اتخذ الملائكة، والنبيين أربابًا فهو كافر، فمن اتخذ من دونهم أربابًا كان أولى بالكفر، وقد ذكر أن النصارى اتخذوا من هو دونهم أربابًا بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]. قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (آل عمران: ٨١). قال ابن عباس وغيره من السلف: ما بعث الله نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء

стр. 590

ليؤمنن به ولينصرنه، والآية تدل على ما قالوا فإن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ يتناول جميع النبيين ثم قال: وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ هي ما الشرطية والتقدير: أي شيء أعطيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، ولا تكتفوا بما عندكم عما جاء به، ولا يحملنكم ما آتيتكم من كتاب وحكمة على أن تتركوا متابعته؛ بل عليكم أن تؤمنوا به وتنصروه وإن كان معكم من قبله من كتاب وحكمة فلا تستغنوا بما آتيتكم عما جاء به، فإن ذلك لا ينجيكم من عذاب الله. فدل ذلك على أنه من أدرك محمدًا من الأنبياء وأتباعهم وإن كان معه كتاب وحكمة فعليه أن يؤمن بمحمد وينصره كما قال: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾، وقد أقر الأنبياء بهذا الميثاق وشهد الله عليهم به كما قال تعالى: ﴿قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (آل عمران: ٨٢). (١) قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم إلى ﵇ عيسى ﵇ لمَهْمَا آتى الله أحدَهم من كتاب وحكمة، وبلغ أيّ مبلَغ، ثم جاءه رسول من بعده، ليؤمنَنَّ به ولينصرَنَّه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته، ولهذا قال تعالى وتقدس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ أي: لمهما أعطيتكم من كتاب وحكمة ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾. قال علي بن أبي طالب، وابن عمه عبد الله بن عباس ﵄: ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بَعَث محمدًا وهو حَيّ ليؤمنن به ولينصرنه، وأمَرَه أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بعث محمد ﷺ وهم أحياء ليؤمِنُنَّ به ولينصرُنَّه.

стр. 591

فالرسول محمد ﷺ خاتم الأنبياء دائمًا إلى يوم الدين، وهو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد لكان هو الواجب الطاعة المقدَّم على الأنبياء كلهم؛ ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس، وكذلك هو الشفيع في يوم الحشر في إتيان الرب لِفَصْل القضاء، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له، والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين، حتى تنتهي النوبة إليه، فيكونَ هو المخصوص به. (١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ قَال "والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يهوديٌّ وَلَا نصرانيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بالذي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ". (٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْألُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَكِتَابُكُمُ الذي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ بِالله، تَقْرَءُونَهُ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمُ الله أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا مَا كَتَبَ الله وَغَيَّرُوا بِأَيْدِيهِمُ الْكِتَابَ، فَقَالوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ الله، لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَفَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنْ مُسَاءَلَتِهِمْ؟ وَلَا وَالله مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا قَطُّ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الذي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ. (٣) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ "لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شيء، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا، فَإِنَّكُمْ إِمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ أَوْ تُكَذَّبُوا بِحَقٍّ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُوسى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يتبعني". (٤)

стр. 592

الوجه الخامس: هذا الثناء لا ينافي وجوب اتباع محمد ﷺ -. قال ابن تيمية: وأما ثناء الله ورسوله على المسيح وأمه وعلى من اتبعه وكان على دينه الذي لم يبدل فهذا حق، وهو لا ينافي وجوب اتباع محمد ﷺ على من بعث إليه، فلو قدر أن شريعة المسيح لم تبدل، وأن محمدًا أثنى على كل من اتبعها وقال مع ذلك: إن الله أرسلني إليكم؛ لم يكن ذلك متناقضا وإذا كفر من لم يؤمن به لم يناقض ذلك ثناؤه عليهم قبل أن يكذبوه، فكيف وهو إنما مدح من اتبع دينا لم يبدل؟ وأما الذين بدلوا دين المسيح فلم يمدحهم؛ بل ذمهم كما قال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ [المائدة: ١٤]. وقد قدمنا أن النصارى كفروا كما كفرت اليهود، كفروا بتبديلهم ما في الكتاب الأول، وكفروا بتكذيبهم بالكتاب الثاني، وأما من لم يبدل الكتاب أو أدرك محمدًا فآمن به فهؤلاء مؤمنون، ومما يبين ذلك أن تعظيم المسيح للتوراة واتباعه لها وعمله بشرائعها أعظم من تعظيم محمد للإنجيل، ومع هذا فلم يكن ذلك مسقطًا عن اليهود وجوب اتباعهم للمسيح، فكيف يكون تعظيم محمد للإنجيل مسقطًا عن النصارى وجوب اتباعه؟ (١) الوجه السادس: القرآن بيَّن أنهم خالفوا أحكام التوراة . لقد جاء القرآن واضحًا في موقفه تجاه هذه الأسفار وحفظتها من الأحبار والعلماء، سنذكر عددًا من الأساسيات منها:

стр. 593

١ - تعرضت الأسفار اليهودية والمسيحية للفقد والضياع بسبب التفريط في التحفظ عليها وحفظ ما فيها، فصارت تلك الفقودات نسيًا منسيًا: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَال اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَال تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ (المائدة ١٢: ١٤). ٢ - قام على أمر هذه الكتب طائفة من الأحبار والكهنة والكتبة وُجد بينهم: أ - الذين يحرفون كلام الله بتغييره وتبديله وعدم الحفاظ على صورته الأصلية: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (النساء: ٤٦). ب - الذين يضيفون إلى كلام الله وينقصون منه ما شاءت لهم أهواءهم، ثم يدعون أن ذلك وحي الله: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ (آل عمران: ٧٨: ٨٠)، ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)﴾ (النساء: ٥٠)، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا

стр. 594

قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ (البقرة: ٧٩)، ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ (البقرة: ٧٨)، ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ (المائدة: ٧٧). ج - ولقد درج كثير منهم ممن عهد إليهم بالحفاظ على كتب الله من الكتبة والرؤساء الدينيين على كتمان الحق الذي لا يتفق وأهواءهم مثل نبوة محمد الذي جاء من العرب الأميين وكانت بشارته - ولا تزال بقيتها - في كتبهم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ (آل عمران: ١٨٧)، ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ (آل عمران: ٧١)، ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ (المائدة: ١٥: ١٦). ونستطيع الآن تقرير ما يمكن استخلاصه من موقف القرآن من الأسفار اليهودية والمسيحية - أي الكتاب المقدس - فنقول: إن هذه الأسفار بها بقية مما أنزله الله، كما أنها فقدت قدرًا من الحقائق عندما ضاع منها حظ من التنزيل الإلهي، وهي تضم بين جنباتها اختلافًا كثيرًا بسبب ما صنعته بها أيدي البشر الذين استحفظوا عليها وقاموا على أمرها، ولقد جمع ذلك سيدنا محمد ﷺ خاتم النبيين - الذي أُوتي بحق جوامع الكلم - في عبارة موجزة فقال: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل الله) (١).

стр. 595

إن من معجزات هذا النبي الأمي أن هذا هو عين ما قاله علماء الكتاب المقدس في دائرة المعارف البريطانية: (لقد أصبح من الواضح أن هذه الأسفار لا تحتوي كل الصدق، وأن ليس كل ما تحتويه هذه الأسفار بصادق). أليس هذا هو مجمل حديث خاتم النبيين: لا تصدقوهم ولا تكذبوهم. (١) الوجه السابع: ذم أهل الكتاب لا يقدح في أنبيائهم . قال ابن القيم: ماذا على الرسل الكرام من معاصي أممهم وأتباعهم؟ وهل يقدح ذلك شيئًا في نبوتهم أو يغير وجه رسالتهم؟ وهل سلم من الذنوب على اختلاف أنواعها وأجناسها إلا الرسل صلوات الله وسلامه عليهم؟ وهل يجوز رد رسالتهم وتكذيبهم بمعصية بعض أتباعهم لهم؟ وهل هذا إلا من أقبح التعنت؟ وهو بمنزلة رجل مريض دعاه طبيب ناصح إلى سبب ينال به غاية عافيته، فقال: لو كنت طبيبًا لم يكن فلان وفلان وفلان مرضى، وهل يلزم الرسل أن يشفوا جميع المرضى بحيث لا يبقى في العالم مريض؟ هل تعنت أحد من الناس للرسل بمثل هذا التعنت؟ (٢) المبحث الثاني الرد التفصيلي على بعض الشبهات التي أثارها أهل الكتاب فما إثبات صدق كتابهم من خلال ثناء القران على التوراة والإنجيل . وقبل عرض هذا المبحث نقرر مسألتين: الأولى - إن كل شبهة سنعرضها يدخل تحتها آيات كثر سنكتفي بذكر آية منها (٣). الثانية - يدخل في ثنايا الرد على كل شبهة من هذه الشبه - الآتي ذكرها - بعض من الردود الإجمالية التي مضت. الشبهة الأولى: قالوا: إننا نجد في (القرآن الكريم) آيات تشهد بصدق التوراة والإنجيل - كما هما اليوم - وتؤكد أن الكتابين لم يصابا بتحريف، ولا تزييف .

стр. 596

من مثل قول الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ (المائدة: ٤٣) وقوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ (المائدة: ٤٧). والجواب عن هذه الشبهة من هذه الوجوه: الوجه الأول: بيان سبب نزول الآيات . ١ - نزلت عامة: قال ابن كثير: نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله : ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ أعداء الإسلام وأهله. وهؤلاء كلهم ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: يستجيبون له، منفعلون عنه ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أي: يستجيبون لأقوام آخرين لا يأتون مجلسك يا محمد. وقيل: المراد أنهم يتسمعون الكلام، ويُنْهُونه إلى أقوام آخرين ممن لا يحضر عندك، من أعدائك ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يتأولونه على غير تأويله، ويبدلونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾. (١) ٢ - نزلت في قضية القتل التي حدثت في اليهود: قيل: نزلت في أقوام من اليهود، قتلوا قتيلا وقالوا: تعالوا حتى نتحاكم إلى محمد، فإن أفتانا بالدية فخذوا ما قال، وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: إِنَّ الله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وَ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قَال: قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنْزَلَهَا الله في الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْيَهُودِ، وَكَانَتْ إِحْدَاهُمَا قَدْ قَهَرَتِ الأُخْرَى فِى الجاهِلِيَّةِ حَتَّى ارْتَضَوْا وَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ الْعَزِيزَةُ مِنَ الذَّلِيلَةِ فَدِيَتُهُ خَمْسُونَ وَسْقًا، وَكُلَّ

стр. 597

قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ الذَّلِيلَةُ مِنَ الْعَزِيزَةِ فَدِيَتُهُ مِائَةُ وَسْقٍ، فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ النبي ﷺ المدِينَةَ فَذَلَّتِ الطَّائِفَتَانِ كِلْتَاهُما لمِقْدَمِ رَسُولِ الله ﷺ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَظْهَرْ وَلَمْ يُوطِئْهُمَا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الصُّلْحِ، فَقَتَلَتِ الذَّلِيلَةُ مِنَ الْعَزِيزَةِ قَتِيلًا فَأَرْسَلَتِ الْعَزِيزَةُ إِلَى الذَّلِيلَةِ أَنِ ابْعَثُوا إِلَيْنَا بِمَائَةِ وَسْقٍ. فَقَالتِ الذَّلِيلَةُ: وَهَلْ كَانَ هَذَا في حَيَّيْنِ قَطُّ دِينُهُمَا وَاحِدٌ وَنَسَبُهُمَا وَاحِدٌ وَبَلَدُهُمَا وَاحِدٌ دِيَةُ بَعْضِهِمْ نِصْفُ دِيَةِ بَعْضٍ؟ إِنَّا إِنَّمَا أَعْطَيْنَاكُمْ هَذَا ضَيْمًا مِنْكُمْ لَنَا، وَفَرَقًا مِنْكُمْ فَأَمَّا إِذْ قَدِمَ مُحَمَّدٌ فَلَا نُعْطِيكُمْ ذَلِكَ. فَكَادَتِ الْحَرْبُ تَهِيجُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ ارْتَضَوْا عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا رَسُولَ الله ﷺ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَتِ الْعَزِيزَةُ فَقَالتْ: وَالله مَا مُحَمَّدٌ بِمُعْطِيكُمْ مِنْهُمْ ضِعْفَ مَا يُعْطِيهِمْ مِنْكُمْ، وَلَقَدْ صَدَقُوا مَا أَعْطَوْنَا هَذَا إِلَّا ضَيْمًا مِنَّا وَقَهْرًا لَهُمْ، فَدُسُّوا إِلَى مُحَمَّدٍ مَنْ يَخْبُرُ لَكُمْ رَأْيَهُ إِنْ أَعْطَاكُمْ مَا تُرِيدُونَ حَكَّمْتُمُوهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِكُمْ حَذِرْتُمْ فَلَمْ تُحَكِّمُوهُ، فَدَسُّوا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ نَاسًا مِنَ المُنَافِقِينَ لِيَخْبُرُوا لَهُمْ رَأْىَ رَسُولِ الله ﷺ فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ الله ﷺ أَخْبَرَ الله رَسُولَهُ بِأَمْرِهِمْ كُلِّهِ، وَمَا أَرَادُوا فَأَنْزَلَ الله ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ثُمَّ قَال: فِيهِمَا وَالله نَزَلَتْ وَإِيَّاهُمَا عَنَى الله . (١) ٣ - نزلت في اليهوديَّيْن اللذين زنيا ، وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم، من الأمر برجم من أحْصن منهم، فحرفوا واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين. فلما وقعت تلك الكائنة بعد هجرة النبي ﷺ ، قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه، واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك.

стр. 598

عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَال: جَاءَتِ الْيَهُودُ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا. فَقَال لَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ ". فَقَالوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ. فَقَال عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ ﵁: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ. فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا. فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةُ الرَّجْمِ. ثُمَّ قَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. فَقَال لَهُ عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ ﵁: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ يَدَهُ؛ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ. فَقَالوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ. فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ الله ﷺ فَرُجِمَا. فَقَال عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى المرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ. (١) وعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَال مُرَّ عَلَى النبي ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا فَدَعَاهُمْ ﷺ فَقَال: " هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ ". قَالوا: نَعَمْ. فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَال: "أَنْشُدُكَ بِالله الذي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى! أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ ". قَال: لَا. وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ. نَجِدُهُ الرَّجْمَ. وَلَكِنَّهُ كَثُرَ في أَشْرَافِنَا فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ. وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ. قُلْنَا: تَعَالوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شيء نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالجْلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ. فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "اللهمَّ إني أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ". فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. فَأَنْزَلَ الله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يَقُولُ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالجْلْدِ، فَخُذُوهُ وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا. فَأَنْزَلَ الله تَعَالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. (٢) وهذا القول رجحه أكثر أهل العلم. (٣)

стр. 599

قال ابن كثير: وقد يكون اجتمع هذان السببان - الثاني والثالث - في وقت واحد، فنزلت هذه الآيات في ذلك كله، والله أعلم. (١) قال ابن كثير: فهذه أحاديث دالة على أن رسول الله ﷺ حكم بموافقة حكم التوراة، وليس هذا من باب الإلزام لهم بما يعتقدون صحته؛ لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله إليه بذلك، وسؤاله إياهم عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم، مما تراضوا على كتمانه وجحده، وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة فلما اعترفوا به مع عَملهم على خلافه، بان زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرسول ﷺ إنما كان عن هوى منهم وشهوة لموافقة آرائهم، لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به لهذا قالوا: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ أي: الجلد والتحميم ﴿فَخُذُوهُ﴾ أي: اقبلوه ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أي: من قبوله واتباعه (٢). الوجه الثاني: هذا التحكيم فيما يتفق مع القرآن لا فيما يناقضه أو يخالفه . فقد أمر أهل (التوراة) أن يحكموا بما أنزل الله في كتابهم! وأمر أهل (الإنجيل) أن يحكموا بما أنزل الله في كتابهم! والله أنزل في التوراة وأنزل في الإنجيل الأمر باتباع محمد ﷺ فإذا لم يحكموه، فكأنهم لم يحكموا التوراة والإنجيل. وإذا لم يؤمنوا به، فكأنهم لم يؤمنوا بما في التوراة والإنجيل. يتضح لنا أن المقصود تحكيم هذه الكتب، فيما يتفق مع القرآن لا فيما يناقضه أو يخالفه. (٣) قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ قُرئ ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بالنصب على أن اللام لام كي، أي: وآتيناه الإنجيل ليحكم أهل ملته به في زمانهم. وقرئ: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بالجزم اللام لام الأمر، أي: ليؤمنوا بجميع ما فيه، وليقيموا ما أمروا به فيه، ومما فيه البشارة ببعثة محمد ﷺ والأمر باتباعه وتصديقه إذا وجد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ

стр. 600

يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ والآية (المائدة: ٦٨) وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَال الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧]؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة ربهم، المائلون إلى الباطل، التاركون للحق. وقد تقدم أن هذه الآية نزلت في النصارى، وهو ظاهر السياق. (١) ولهذا قال الله تعالى بعدها: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (المائدة: ٤٨). الوجه الثالث: الآية فيها رد عليهم حيث جاء في آخرها ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾: قال محمد رشيد رضا: ومما يجب التنبيه له هنا أن دعاة النصرانية يحتجون بهذه الآية وما في معناها على كون التوراة التي في أيديهم وأيدي اليهود هي ما أنزله الله تعالى على موسى، لم يعرض لها تغيير ولا تحريف، وذلك أنهم كأولئك اليهود الذين يأخذون من القرآن أهوائهم ويردون ما يخالفها جدلًا، والمؤمنون يؤمنون بالكتاب كله، فالكتاب بيّن لنا أن عندهم التوراة أي الشريعة، وأن فيها حكم الله في القضية التي تحاكموا فيها إلى النبي ﷺ ، وقد صدق الله تعالى وهو أصدق القائلين، وبيّن لنا أيضًا أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه ومن بعد مواضعه، وأنهم نسوا حظًّا مما ذُكروا به، وإنما أوتوا نصيبًا من الكتاب إذ نسوا نصيبًا آخر وأضاعوه، وقد صدق الله تعالى في ذلك أيضًا، ولما خرجت أمة القرآن
следующие страницы →