فيجعلها الإمام مخصوصة برعي بهائم الصدقة مثلًا (١).
والجواب عليه من هذه الوجوه
الوجه الأول: أن عثمان ﵁ ليس أول من حمى الحمى:
فإن عمر ﵁ قد حمى قبله، عن ابن عمر (أن عمر حمى الربذة لنعم الصدقة) (٢)؛ عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري قال: سمع عثمان أن وفد أهل مصر قد أقبلوا فاستقبلهم فقالوا: ادع بالمصحف فدعا به فقالوا: افتح السابعة. وكانوا يسمون سورة يونس السابعة فقرأ حتى أتى هذه الآية: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (يونس: ٥٩).
فقالوا له: قف؛ أرأيت ما حميت من الحمى؟ الله أذن لك أم على الله تفتري؟ فقال: امضه نزلت في كذا وكذا فأما الحمى فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد من إبل الصدقة امضه (٣).
الوجه الثاني: عثمان ما حماه لنفسه وإنما لإبل الصدقة:
ويظهر ذلك من قوله (فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد من إبل الصدقة).
قال ابن العربي: وأما أمر الحِمَى، فكان قديمًا، فيقال أن عثمان زاد فيه لما زادت الرعية، واجتاز أصله للحاجة إليه جازت الزيادة؟ لزيادة الحاجة (٤).
الوجه الثالث: إن عثمان ﵁ زاد في الحمى لأن الخير زاد وزادت إبل الصدقة في عهده ﵁ -.
خامسًا: جمعه القرآن الكريم .
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: عثمان ليس أول من جمع القرآن وإنما جمعه أبو بكر بمشورة عمر .
فعن زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمامَةِ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: إِنَّ عُمَرَ أتاني، فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وإني أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالمُوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِير مِنَ الْقُرْآنِ وإني أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ.
стр. 5357
قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ الله ﷺ ؟ قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَالله خَيرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يراجعني حَتَّى شَرَحَ الله صدري لِذَلِكَ، وَرَأَيْتُ في ذَلِكَ الذي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زَيْد قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌ عَاقِل لَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوحي لِرَسُولِ الله ﷺ ، فَتَتَبَّع الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ فَوالله لَو كلفوني نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أمرني مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ الله ﷺ ؟ قَالَ: هُو وَالله خَير، فَلَمْ يَزَلْ أَبو بَكْرٍ يراجعني، حَتَّى شَرَحَ الله صدري للذي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵃، فتتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ .... ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ- ﵁ (١).
الوجه الثاني: أن عثمان ما جمع القرآن برأيه وإنما الذي أشار عليه هو حذيفة:
ففي الحديث أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها أليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القريشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم فافعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق (٢).
الوجه الثالث: الصحابة لم ينكروا عليه، وإنما أقروه على هذا .
قال علي ﵁: "يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان ولا تقولوا له إلا خيرًا [أو قولوا له خيرًا] في المصاحف وإحراق المصاحف، فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا
стр. 5358
جميعا، فقال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرا، قلنا: ف في ترى؟ قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة، ولا يكون اختلافي، قلنا: فنِعم ما رأيت، قال: فقيل: أي الناس أفصح، وأي الناس أقرأ؟ قالوا: أفصح الناس سعيد بن العاص، وأقرأهم زيد بن ثابت، فقال: ليكتب أحدهما ويمل الآخر ففعلا وجمع الناس على مصحف" قال: قال علي: والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل) (١).
وعن مصعب بن سعد قال: "أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، وقال: لم ينكر ذلك منهم أحد" (٢).
قال ابن عبد البر: فلما اختلف الناس في القراءة زمن عثمان واتفق رأيه ورأي الصحابة على أن يرد القرآن إلى حرف واحد وقع اختياره على حرف زيد فأمره أن يملي المصحف على قوم من قريش جمعهم إليه فكتبوه على ما هو عليه اليوم بأيدي الناس والأخبار بذلك متواترة المعنى وإن اختلفت ألفاظها (٣).
سادسًا: إتمام الصلاة في منى .
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: بيان عذر سيدنا عثمان ﵁ في إتمامه للصلاة .
فقد ذكر عثمان ﵁ عدة اعتذارات لإتمامه الصلاة في منى، ومن هذه الاعتذارات:
الأول: أنه اعتذر بأنه سمع بأن الأعراب الذين حجوا معه العام الماضي قصروا الصلاة في أوطانهم، واحتجوا بصلاته في منى، فأتم ليعلمهم أن الصلاة أربع وذلك خوفًا من أن يستنوا به، وخطب الناس وأعلمهم بأن السنة هي قصر الصلاة، وهي سنة رسول الله ﷺ ،
стр. 5359
وسنة صاحبيه، ولكنه حدث من الناس فخاف أن يستنوا. (١)
الثاني: أنه كان يري القصر مختصًا بمن كان شاخصًا سائرًا، وأما من أقام في مكان في أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم (٢)، والحجة ما رواه أحمد من حديث عباد بن عبد الله بن الزبير قال: لمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ حَاجًّا قَدِمْنَا مَعَهُ مَكَّةَ قَالَ فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى دَارِ النَّدْوَةِ قَالَ وَكَانَ عُثْمَانُ حِينَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ صَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْعِشَاءَ الْآخِرَةَ أَرْبَعًا أَرْبَعًا فَإِذَا خَرَجَ إِلَى مِنًى وَعَرَفَاتٍ قَصَرَ الصَّلَاةَ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الحجِّ وَأَقَامَ بِمِنًى أَتَمَّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ فَلَمّا صَلَّى بِنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ نَهَضَ إِلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ الحْكَمِ وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ فَقَالَا لَهُ مَا عَابَ أَحَدٌ ابْنَ عَمِّكَ بِأَقْبَحِ مَا عِبْتَهُ بِهِ فَقَالَ لهما وَمَا ذَاكَ قَالَ فَقَالَا لَهُ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِمَكَّةَ قَالَ فَقَالَ لهما وَيْحَكُمَا وَهَلْ كَانَ غَيْرُ مَا صَنَعْتُ قَدْ صَلَّيْتُهُمَا مَعَ رَسُول الله ﷺ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵁ قَالَا: فَإِنَّ ابْنَ عَمِّكَ قَدْ كَانَ أَتمّهَا وَإِنَّ خِلَافَكَ إِيَّاهُ لَهُ عَيْبٌ قَالَ فَخَرَجَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْعَصْرِ فَصَلَّاهَا بِنَا أَرْبَعًا (٣).
الثالث: أنه قد تأهل بمنى، والمسافر إذا أقام في موضع وتزوج منه أو كان له به زوجة أتم (٤).
الرابع: أنه كان يرى هو وعائشة أن النبي ﷺ إنما قصر لأنه أخذ بالأيسر من ذلك لأمته، فأخذا لأنفسهما بالشدة (٥). هذه هي بعض الاعتذارات التي أخذ بها أهل العلم وهناك اعتذارات أخرى (٦).
стр. 5360
الوجه الثاني: عثمان ﵁ لم يكن وحده الذي أتم .
فقد أتمت السيدة عائشة ﵂، وأتم معاوية أيضًا، أما عن إتمام عائشة ﵂ فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت:
(الصَّلَاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الحضَرِ).
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ، مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ، قَالَ: تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ (١).
وأما عن إتمام معاوية فقد تقدم من حديث عباد بن عبد الله بن الزبير (٢).
الوجه الثالث: الصحابة أجازوا ماصنع، ولم يختلفوا عليه في الصلاة .
فعن نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ أَرْبَعًا فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعًا وَإِدا صَلَّاهَا وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ (٣). وعبد الله بن مسعود ﵁ أتم خلف عثمان، ورأى أن الخلاف عليه شر.
وعن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ قال: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ -بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَصلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلتَانِ (٤).
قال النووي: وَمَعَ هَذَا فَابْن مَسْعُود ﵁ مُوَافِق عَلَى جَوَاز الْإِتْمَام، وَلِهَذَا كَانَ يُصَلِّي وَرَاء عُثْمَان ﵁ مُتِمًّا، وَلَو كَانَ الْقَصْر عِنْده وَاجِبًا لمَا اِسْتَجَازَ تَرْكه وَرَاء أَحَد (٥).
سابعًا: ضربه لعمار بن ياسر ﵁ -
جوابه من جوه:
الوجه الأول: هذه القصة غير صحيحة فلا يحتج بها: فقد جاءت قصة ضرب عثمان
стр. 5361
لعمار بن ياسر، من حديث حصين بن عبد الرحمن قال حدثني جهم رجل من بني فهر، قال: (أنا شاهد هذا الأمر، قال: جاء سعد وعمار فأرسلوا إلى عثمان إن أتينا فإنا نريد أن نذكر لك أشياء أحدثتها أو أشياء فعلتها، قال: فأرسل إليهم أن انصرفوا اليوم فإني مشتغل وميعادكم يوم كذا وكذا حتى أشرن، قال أبو محصن: أشرن: أستعد لخصومتكم، قال: فانصرف سعد وأبى عمار أن ينصرف، قالها أبو محصن مرتين، قال: فتناوله رسولي عثمان فضربه، قال: فلما اجتمعوا للميعاد ومن معهم قال لهم عثمان ما تنقمون مني؟ قالوا: ننقم عليك ضربك عمارًا، قال: قال عثمان: جاء عثمان: جاء سعد وعمار فأرسلت إليهما، فانصرف سعد وأبى عمار أن ينصرف، فتناوله رسول من غير أمري، فو الله ما أمرت ولا رضيت، فهذه يدي لعمار فيصطبر، قال أبو محصن: يعني: يقتص ... ) (١).
الوجه الثاني: على فرض صحته. فيجاب عليه بالآتي:
أولًا: أن رسول عثمان تناول عمارًا بغير إذن عثمان ولا رضاه، في ذنب عثمان في ذلك وما حيلته؟ .
ثانيًا: أن عثمان ﵁ حلف وهو البر الصادق حين عوتب أنه ما أمر بتناول عمار ولا رضي بذلك، بل كرهه حين بلغه.
ثالثًا: أنه لم يقف من عمار عند هذا الحد بل أسرع إلى إرضائه بقوله (وهذه يدي لعمار فليقتص مني إن شاء)، وفي ذلك تقدير من عثمان لعمار لأنه كافأه بنفسه إذ جعل القصاص منه ولم يجعله من رسوله.
رابعًا: وعلى فرض صحة شيء مما نسب إلى عثمان من التعزير، فإن للخليفة أن يؤدب من شاء من رعيته ولا يقدح ذلك فيمن ناله أدب الخليفة، كما أن الخليفة غير متهم فيمن أدب، فهو أبعد ما يكون عن الهوى وأولى بالعلم والعدل فيمن أدبهم، إذ إنه إمام مأمور
стр. 5362
بتقويم الرعية (١).
ثامنًا: أنه ضيع حدود الله فلم يقتل عبيد الله بن عمر حين قتل الهرمزان .
والجواب عليه من وجهين:
الوجه الأول: أن الهرمزان كان ممن شارك في قتل عمر ﵁ -، وقد اعتذر عبيد الله بن عمر وقال: إن عبد الرحمن بن أبي بكر أخبره أنه رأى أبا لؤلؤة والهرمزان وجفينة يدخلون في مكان يتشاورون، وبينهم خنجرًا له رأسان مقبضة في وسطه، وقتل عمر صبيحة تلك الليلة، فاستدعى عثمان ﵁ عبد الرحمن فسأله عن ذلك، فقال: انظروا إلى السكين فإن كانت ذات طرفين فلا أرى القوم إلا وقد اجتمعوا على قتله، فنظروا إليها فوجدوها كما وصف عبد الرحمن، فلذلك ترك عثمان ﵁ قتل عبيد الله بن عمر لرؤيته عدم وجوب القود لذلك أو لتردده فيه، فلم ير الوجوب بالشك.
قال ابن تيمية: وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر كان من المفسدين في الأرض المحاربين فيجب قتله لذلك ولو قدر أن المقتول معصوم الدم يحرم قتله لكن كان القاتل متأولًا يعتقد حل قتله لشبهة ظاهرة صار ذلك شبهة تدرأ القتل عن القاتل كما أن أسامة بن زيد لما قتل ذلك الرجل بعدما قال لا إله إلا الله واعتقد أن هذا القول لا يعصمه عزره النبي ﷺ بالكلام ولم يقتله لأنه كان متأولًا، لكن الذي قتله أسامة كان مباحا قبل القتل فشك في العاصم، وإذا كان عبيد الله بن عمر متأولًا يعتقد أن الهرمزان أعان على قتل أبيه وأنه يجوز له قتله صارت هذه شبهة يجوز أن يجعلها المجتهد مانعة من وجوب القصاص فإن مسائل القصاص فيها مسائل كثيرة اجتهادية (٢).
الوجه الثاني: عثمان ﵁ رأي المصلحة في عدم قتله ، وبيان ذلك من وجهين:
الأول: لو أن عثمان ﵁ قتل عبيد الله بن عمر لصارت فتنة عظيمة يقال فيه قُتل أمير المؤمنين بالأمس، ويُقتل ابنه اليوم (٣).
стр. 5363
الثاني: قال ابن تيمية: الهرمزان لم يكن له أولياء يطلبون دمه وإنما وليه ولي الأمر ومثل هذا إذا قتله قاتل كان للإمام قتل قاتله لأنه وليه وكان له العفو عنه إلى الدية لئلا تضيع حقوق المسلمين، فإذا قدر أن عثمان ﵁ عفا عنه ورأى قدر الدية أن يعطيها لآل عمر لما كان على عمر من الديْن فإنه كان عليه ثمانون ألفًا وأمر أهله أن يقضوا دينه من أموال عصبته عاقلته بني عدي وقريش فإن عاقلة الرجل هم الذين يحملون كله والدية لو طالب بها عبيد الله أو عصبة عبيد الله إذا كان قتله خطأ أو عفا عنه إلى الدية فهم الذين يؤدون دين عمر فإذا أعان بها في دين عمر كان هذا من محاسن عثمان التي يمدح بها ولا يذم وقد كانت أموال بيت المال في زمن عثمان كثيرة، وكان يعطى الناس عطاءً كثيرًا أضعاف هذا، فكيف لا يعطى هذا لآل عمر (١).
تاسعًا: قالوا إن عثمان رد الحَكَم وابنه مروان إلى المدينة بعد أن طردهما النبي- ﷺ -.
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الأول: إن كثيرًا من أهل العلم طعن في صحة نفي الني ﷺ للحكم، وقالوا ذهب باختياره، وليس لقصة نفيه سند يعرف.
الثاني: أنه إن كان قد طرد النبي ﷺ الحكم فلا يكون ذلك من المدينة كما قال الرافضي (ابن المطهر)، بل يكون من مكة، لأن الطلقاء لم تسكن بالمدينة في حياة النبي ﷺ ، ولو طرده من المدينة لكان يرسله إلى مكة، وليس أحد من الطلقاء الذين منهم الحكَم هاجر إلى المدينة.
الثالث: أن مروان كان على عهد النبي ﷺ طفلًا صغيرًا في أول سن التمييز، إما سبع سنين أو أكثر بقليل أو أقل بقليل، فلم يكن له ذنب يطرد بسببه.
الرابع: أنه إذا كان النبي ﷺ قد عزر رجلًا بالنفي لم يلزم أن يبقى منفيًا طول الزمان فإن هذا لا يعرف في شيء من الذنوب ولم تأت الشريعة بذنب يبقى منفيًا دائمًا بل غاية النفي المقدر سنة وهو نفي الزاني والمخنث حتى يتوب من التخنيث، فإن كان تعزير الحاكم لذنب حتى يتوب منه فإذا تاب سقطت العقوبة عنه وإن كانت على ذنب ماض فهو أمر
стр. 5364
اجتهادي لم يقدر فيه قدر ولم يوقت فيه وقت.
وإذا كان كذلك فالنفي كان في آخر الهجرة فلم تطل مدته في زمن أبي بكر وعمر ﵁، فلما كان عثمان طالت مدته وقد كان عثمان شفع في عبد الله بن أبي سرح إلى النبي ﷺ وكان كاتبا للوحي وارتد عن الإسلام وكان النبي ﷺ قد أهدر دمه فيمن أهدر ثم جاء به عثمان فقبل النبي ﷺ شفاعته فيه وبايعه فكيف لا يقبل شفاعته في الحكم.
وقد رووا أن عثمان سأل النبي ﷺ أن يرده فأذن له في ذلك ونحن نعلم أن ذنبه دون ذنب عبد الله بن سعيد بن أبي سرح وقصة عبد الله ثابتة معروفة بالإسناد الثابت وأما قصة الحكم فعامة من ذكرها إن في ذكرها مرسلة وقد ذكرها المؤرخون الذين يكثر الكذب فيما يروونه وقل أن يسلم لهم نقلهم من الزيادة والنقصان فلم يكن هنا نقل ثابت يوجب القدح فيمن هو دون عثمان (١).
عاشرًا: نفيه لأبي ذر ﵁ إلى الربذة .
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: الروايات التي تذكر أن عثمان هو الذي نفاه لا تصح فلا يحتج بها .
ومن هذه الروايات:
١ - عن مالك بن أنس بن الحدثان قال: كنت أسمع بأبي ذر، فلم يكن أحد أحب إلي أن أراه أو ألقاه منه، فكتب معاوية إلى عثمان: إن كان لك في الشام حاجة فأخرج أبا ذر منه، فإنه قد نفل الناس عندي، فكتب إليه عثمان ﷺ يأمره بالقدوم ... ، فأمره عثمان ﵁ أن يخرج إلى الربذة فخرج (٢).
٢ - عن العوام بن حوشب قال: حدثني رجل من أصحاب الأجر عن شيخين من بني ثعلبة رجل وامرأته قال: نزلنا الربذة فمر بنا شيخ أشعث أبيض الرأس واللحية
стр. 5365
فقالوا: هذا من أصحاب رسول الله، ﷺ فاستأذناه أن نغسل رأسه فأذن لنا واستأنس بنا، فبينا نحن كذلك إذ أتاه نفر من أهل العراق، حسبته قال من أهل الكوفة، فقالوا: يا أبا ذر فعل ربك هذا الرجل وفعل فهل أنت ناصب لنا راية؟ فلنكمل برجال ما شئت. فقال: يا أهل الإسلام لا تعرضوا علي ذاكم ولا تذلوا السلطان فإنه من أذل السلطان فلا توبة له، والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة أو أطول جبل لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت ورئيت أن ذاك خير لي، ولو سيرني ما بين الأفق إلى الأفق ... (١)
٣ - عن عبد الله بن سيدان السلمي قال: تناجى أبو ذر وعثمان حتى ارتفعت أصواتهما، ثم انصرف أبو ذر متبسمًا فقال له الناس: ما لك ولأمير المؤمنين؟ قال: سامع مطيع ولو أمرني أن آتي صنعاء أوعدن ثم استطعت أن أفعل لفعلت. وأمره عثمان أن يخرج إلى الربذة (٢).
الوجه الثاني: أن أبا ذر إنما خرج من نفسه ولم يخرجه عثمان .
والدليل علي ذلك: حديث عبد الله بن الصامت قال: دخلت مع أبي ذر في رهط من غفار على عثمان بن عفان من الباب الذي لا يدخل عليه منه، قال: وتخوفنا عثمان عليه، قال: فانتهى إليه فسلم عليه، قال: ثم ما بدأه بشيء إلا أن قال: أحسبتني منهم يا أمير المؤمنين؟ والله ما أنا منهم ولا أدركهم، لو أمرتني أن آخذ بعرقوبي قتب (٣) لأخذت بهما حتى أمرت. قال: ثم استأذنه إلى الربذة، قال فقال: نعم نأذن لك ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة فتصيب من رسلها .. (٤).
الوجه الثالث: موقفهم من مقتل عثمان ﵁ -:
لقد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك براءة الصحابة من دم عثمان ﵁ وعلى رأسهم عائشة-
стр. 5366
رضي الله عنها-، وثبت كذلك كذب هذه الدعاوى الموجهة عليهم وذلك اعتمادًا على الروايات الصحيحة في هذه القضية، وإليك البيان بالتفصيل:
أولًا: الروايات الصحيحة في موقف عائشة ﵂ -:
حيث إن الروايات الصحيحة تُظهر أنها تألمت لمقتل عثمان ودعت على قاتليه ومنها ما يلي:
١ - عن مسروق قال: (قالت عائشة: تركتموه كالثوب النقي من الدنس، ثم قربتموه تذبحونه كما يُذبح الكبش، قال مسروق: فقلت: هذا عملُكِ كتبتي إلى الناس تأمرينهم بالخروج عليه، فقالت عائشة: لا، والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم بسواد في بياض حتى جلست مجلسي هذا). قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كتب على لسانها. (١)
٢ - وعن أم حجاج العوفية قالت: كنت عند عائشة ﵂ فدخل عليها الأشتر وعثمان ﵁ محصور فقال: يا أم المؤمنين، ما تقولين في قتل هذا الرجل؟ قالت: -أي: أم الحجاج- فتكلمت امرأة بينة اللسان صَيَّنة فقالت: معاذ الله أن آمر بسفك دماء المسلمين وقتل إمامهم واستحلال حرمتهم، فقال الأشتر: كتبتن إلينا حتى إذا قامت الحرب على ساق انسللتن منها.
قال أبو وكيع: فسمعت الأعمش يزيد في هذا الحديث: أن عائشة ﵂
стр. 5367
حلفت بيمين ما حلف بها أحد قبلها ولا بعدها، قالت: والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم سوداء في بيضاء حتى قعدت مقعدي هذا. (١)
٣ - وعن طلق بن حُشَّان قال: (قلت لعائشة: فيم قتل أمير المؤمنين عثمان؟ قالت: قتل مظلومًا، لعن الله قتلته). (٢)
٤ - وعن محمد بن الحنفية قال بلغ عليًّا: أن عائشة تلعن قتلة عثمان في المربد، قال: فرفع يديه حتى بلغ بهما وجهه فقال وأنا ألعن قتلة عثمان، لعنهم الله في السهل والجبل، قال مرتين أو ثلاثًا. (٣)
стр. 5368
٥ - وعن عائشة أنها كانت تقول -أي: في مقتل عثمان- (ليتني كنت نسيًا منسيًا، فأما الذي كان من شأن عثمان فوالله ما أحببت أن ينتهك من عثمان أمر قط إلا انتهك مني مثله حتى لو أحببت قتله قُتلت. .). (١)
٦ - وهذه عائشة تروي فضائل عثمان -رضي الله عن الجميع- ومن ذلك ما يلي:
أ- عن عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ مُضْطَجِعًا في بيتي كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ أَو سَاقَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُو عَلَى تِلْكَ الحْالِ فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُو كَذَلِكَ فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ فَجَلَسَ رَسُولُ الله ﷺ وَسَوَّى ثِيَابَهُ. قَالَ مُحَمَّد: وَلَا أَقُولُ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ - فَدَخَلَ فَتَحَدَّثَ، فَلَمّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ وتُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ وتُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ، فَقَالَ: "أَلَا استحى مِنْ رَجُلٍ تستحي مِنْهُ الْملائِكَةُ". (٢)
ب- عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النبي ﷺ وَعُثْمَانَ حَدَّثَاهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وَهُو مُضْطَجِع عَلَى فِرَاشِهِ لابِسٌ مِرْطَ عَائِشَةَ فَأَذِنَ لأَبِي بَكْرٍ وَهُو كَذَلِكَ فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُو عَلَى تِلْكَ الحَالِ فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ، قَالَ عُثمانُ: ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، وَقَالَ
стр. 5369
لِعَائِشَةَ: "اجمعي عَلَيْكِ ثِيَابَكِ"، فَقَضَيْتُ إِلَيْهِ حاجتي ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَقَالَتْ عَائِشَة: يَا رَسُولَ الله، مَا لي لَمْ أَرَكَ فَزِعْتَ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ كما فَزِعْتَ لِعُثْمَانَ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ عُثْمانَ رَجُلٌ حَيِيٌّ، وإني خَشِيتُ إِنْ أَذِنْتُ له عَلَى تِلْكَ الْحالِ أَنْ لَا يَبْلُغَ إِليَّ فِي حَاجَتِهِ". (١)
ج- عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَا عُثْمانُ، إِنْ وَلَّاكَ الله هَذَا الأَمْرَ يَوْمًا فَأَرَادَكَ المنافِقُونَ أَنْ تَخْلَعَ قَمِيصَكَ الذي قَمَّصَكَ الله فَلا تَخْلَعْهُ"؛ يَقُولُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ النُّعْمَانُ: فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا مَنَعَكِ أَنْ تعلمي الناس بِهَذَا؟ قَالَتْ: أُنْسِيتُهُ وَالله. (٢)
د- عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ في مَرَضِهِ: "وَدِدْتُ أَنَّ عندي بَعْضَ أصحابي"، قُلْنَا: يَا رَسولَ الله، أَلَا نَدْعُو لَكَ أَبَا بَكْرٍ فَسَكَتَ، قُلْنَا: أَلَا نَدْعُو لَكَ عُمَرَ فَسَكَتَ، قُلْنَا: أَلَا نَدْعُو لَكَ عُثْمَانَ قَالَ: "نَعَمْ"، فَجَاءَ عُثْمَانُ فَخَلا بِهِ، فَجَعَلَ النبي ﷺ يُكَلِّمُهُ وَوَجْهُ عُثْمَانَ يَتَغَيَّرُ. قَالَ قَيْسٌ: فَحَدَّثَنِي أَبُو سَهْلَةَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ يَوْمَ الدَّار: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ عهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا وَأَنَا صَائِر إِلَيْهِ، وَقَالَ عَليّ فِي حَدِيثهِ وَأَنَا صَابِر عَلَيْهِ، قَالَ قَيْسٌ: فَكَانُوا يُرَوْنَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ. (٣)
هـ- عن عائشة: كان عثمان أحصنهم فرجًا وأوصلهم رحمًا.
روى أحمد من طريق عبد الملك بن عمير عن موسى بن طلحة قال: قالوا: يا أم
стр. 5370
المؤمنين، أخبرينا عن عثمان، قال: فاستجلسَت الناس، فحمدت الله وأثنت عليه، فقالت: يا أيها الناس، إنا نقمنا على عثمان ثلاثًا: إمرة الفتى، والحمى، وضربه السوط، ثم تركتموه حتى إذا مصتموه موص الثوب عدوتم عليه الفقر الثلاث: حرمة دمه الحرام، وحرمة البلد الحرام، لعثمانُ كان أتقاهم للرب، وأحصنهم للفرج، وأوصلهم للرحم. (١)
وبعد .. فيبدو من هذه الروايات الصحيحة سلامة موقف السيدة عائشة ﵂ جهة أمير المؤمنين عثمان ﵁، وكل ما ورد من روايات تخالف هذا الوقف السابق لأم المؤمنين ﵂ في حادث مقتل عثمان فهو لا يصح كما سيأتي تحقيقه، إن شاء الله تعالى.
ثانيًا: موقف علي ﵁ من مقتل عثمان ﵁ -:
١ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال علي: ما قتلت -يعني عثمان- ولا أمرت- ثلاثًا، ولكني غُلبت. (٢)
٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال علي ﵁ ما قتلت، وإن كنت لِقَتْلِهِ لكارهًا. (٣)
٣ - عن علي ﵁ قال: والله، ما شاركت وما قتلت ولا أمرت ولا رضيت، يعني: قتل عثمان. (٤)
٤ - عن سرية زيد بن أرقم قالت: جاء علي يعود زيد بن أرقم وعنده القوم، فقال للقوم: أنصتوا واسكتوا، فوالله لا تسألوني اليوم عن شيء إلا أخبرتكم به، فقال له زيد: أنشدك الله، أنت قتلت عثمان، فأطرق ساعة ثم قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما قتلته
стр. 5371
ولا أمرت بقتله وما سرني. (١)
٥ - عن منذر بن يعلى قال: كان يوم أرادوا قتل عثمان أرسل مروان إلى علي ألا تأتي هذا الرجل فتمنعه، فإنهم لن يبرءوا دونك، فقال علي: لنأتينهم، فأخذ ابن الحنفية بكتفيه فاحتضنه، فقال: يا أبت، أين تذهب؟ والله، ما يزيدونك إلا رهبة، فأرسل إليهم علي بعمامته ينهاهم عنه. (٢)
٦ - عن محمد قال: خطب علي بالبصرة فقال: والله ما قتلته، ولا مالأت على قتله، فلما نزل قال له بعض أصحابه: أي شيء صنعت الآن يتفرق عنك أصحابك، فلما عاد إلى المنبر قال: من كان سائلًا عن دم عثمان فإن الله قتله وأنا معه، قال محمد: هذه كلمة قرشية ذات وجه. (٣)
٧ - وعن قيس بن عباد قال: سمعت عليًّا ﵁ يوم الجمل يقول: اللهم، إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي وجاءوني للبيعة، فقلت: والله، إني لأستحيي من الله أن أبايع قومًا قتلوا رجلًا قال له رسول الله ﷺ : "ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة"، وإني لأستحيي من الله أن أبايع وعثمان قتيل على الأرض لم يدفن بعد، فانصرفوا، فلما دفن رجع الناس فسألوني البيعة، فقلت: اللهم إني مشفق مما أقدم عليه، ثم جاءت عزيمة فبايعت فلقد قالوا: يا أمير المؤمنين، فكأنما صدع قلبي، وقلت: اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى. (٤)
٩ - وعن محمد بن حاطب قال: سمعت عليا يخطب يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ
стр. 5372
مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ قال عثمان منهم. (١)
١٠ - عن سالم بن أبي الجعد، أنه سمع محمد بن الحنفية يقول، سمعت أبي ورفع يديه حتى يرى بياض إبطيه، وقال: اللهم العن قتلة عثمان في البر والبحر والسهل والجبل- ثلاثًا يرددها (٢).
١١ - عن ابن الحنفية، عن علي ﵁ قال: لو سيرني عثمان إلى صرار لسمعت وأطعت. (٣)
وهذا نقل عن بعض علمائنا بخصوص موقف علي من ققل عثمان، ومدى صحة اتهامه بذلك بشكل مجمل:
١ - قال ابن العربي: ليس في أهل السنة رجل واحد يتهم عليًّا بقتل عثمان، لا في زماننا ولا في زمانه، وقد مضى الكلام على ذلك في هذا الكتاب، وكل ما في الأمر وجود قتلة عثمان مع علي، وموقف علي منهم، وعذره بينه وبين الله في موقفه هذا أما معاوية وفريقه فلم يذكروا عليًّا في أمر البغْي على عثمان إلا لمناسبة انضواء قتلة عثمان إليه واستعانته بهم، فقتلة عثمان هم الذين أساءوا إلى الإسلام وإلى عثمان وإلى علي أيضًا، فالله حسيبهم. ولو أن كل المسلمين كانوا كعبد الرحمن بن خالد بن الوليد في حزمه -قبل أن تستفحل الفتنة ويفلت الزمام من أيدي العقلاء- لما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه. (٤)
٢ - وقال محمد بن سيرين: ما أعلم أحدًا يتهم عليًّا في قتل عثمان.
٣ - وقال ابن تيمية من هؤلاء من يقول: إن عليًّا شارك في دم عثمان فمنهم من
стр. 5373
يقول: إنه أمر علانيةً، ومنهم من يقول إنه أمر سرًّا، ومنهم من يقول بل رضي بقتله وفرح بذلك، ومنهم من يقول غير ذلك، وهذا كله كذب على علي ﵁ وافتراء عليه، فعلي ﵁ لم يشارك في دم عثمان، ولا أمر، ولا رضي، وقد روي عنه وهو الصادق البار أنه قال: والله، ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله، وروي عنه أنه سمع أصحاب معاوية يلعنون قتلة عثمان، فقال: اللهم، العن قتلة عثمان في البر والبحر والسهل والجبل، وروي أن أقوامًا شهدوا عليه بالزور عند أهل الشام أنه شارك في دم عثمان، وكان هذا مما دعاهم إلى ترك مبايعته لما اعتقدوا أنه ظالم وأنه من قتلة عثمان وأنه آوى قتلة عثمان لموافقته لهم على قتله، وهذا وأمثاله مما يبين شبهة الذين قاتلوه، ووجه اجتهادهم في قتاله، لكن لا يدل على أنهم كانوا مصيبين في ترك مبايعته وقتاله، وكون قتلة عثمان من رعيته لا يوجب أنه كان موافقًا لهم وقد اعتذر بعض الناس عن علي بأنه لم يكن يعرف القتلة بأعيانهم، أو بأنه كان لا يرى قتل الجماعة بالواحد، أوبأنه لم يدعِ عنده ولي الدم دعوى توجب الحكم له، ولا حاجة إلى هذه الأعذار بل لم يكن علي مع تفرق الناس عليه متمكنًا من قتل قتلة عثمان إلا بفتنة تزيد الأمر شرًا وبلاءً، ودفع أفسد الفسادين بالتزام أدناهما أولى من العكس، لأنهم كانوا عسكرًا وكان لهم قبائل تغضب لهم والمباشر منهم للقتل وإن كان قليلًا فكان ردؤهم أهل الشوكة، ولولا ذلك لم يتمكنوا، ولما سار طلحة والزبير إلى البصرة ليقتلوا قتلة عثمان قام بسبب ذلك حرب قتل فيها خلق، ومما يبين ذلك أن معاوية قد أجمع الناس عليه بعد موت علي وصار أميرًا على جميع المسلمين ومع هذا فلم يقتل قتلة عثمان الذين كانوا قد بقوا. (١)
ثالثًا: موقف سائر الصحابة ﵃ من مقتل عثمان ﵁ -: لقد ثبتت براءة الصحابة من دم عثمان براءة الذئب من دم يوسف ﵇، وقد سئل الحسن البصري وهو شاهد عيان: أكان فيمن قتل عثمان أحد من المهاجرين والأنصار؟ قال: كانوا أعلاجًا من أهل مصر. (٢)
ولما جاء حذيفة ﵁ خبر مقتل عثمان وكان على فراش الموت قال: اليوم نفرت القلوب
стр. 5374
بأنفارها، الحمد لله الذي سبق بي الفتن قادتها وعلوجها، وقال أيضًا: اللهم، إني لم أشهد ولم أقتل ولم أرض. (١)
وهذه الآثار عنهم في ذلك:
١ - عن الأحنف بن قيس قال: قدمنا المدينة فجاء عثمان فقيل: هذا عثمان، فدخل عليه ملاءة له صفراء قد قنع بها رأسه، قال: ها هنا علي؟ قالوا: نعم، قال: هاهنا طلحة؟ قالوا: نعم، قال: هاهنا الزبير؟ قالوا: نعم، قال: ها هنا سعد؟ قالوا: نعم، قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له: فابتعته بعشرين ألفًا أو خمسة وعشرين ألفًا، فأتيت النبي ﷺ فقلت: قد ابتعته، فقال: اجعله في مسجدنا وأجره لك، قال: فقالوا: اللهم نعم، قال: فقال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: من يبتاع بئر رومة غفر الله له، فابتعتها بكذا وكذا ثم أتيته فقلت: قد ابتعتها، فقال: اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك، قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، أتعلمون أن رسول الله ﷺ نظر في وجوه القوم فقال: من يجهز هؤلاء غفر الله له- يعني جيش العسرة؟ فجهزتهم حتى لم يفقدوا عقالًا ولا خطامًا، قالوا: اللهم نعم، قال: قال: اللهم اشهد ثلاثًا. (٢)
стр. 5375
ولذلك فالصحابة ﵃ كانوا يعرفون أن عثمان على الحق ويروون عن النبي ﷺ ما يدل على أنه على الحق في هذه الفتنة.
٢ - عن أبي الأشعث قال: قامت خطباء بإيلياء في إمارة معاوية ﵁ فتكلموا وكان آخر من تكلم مرة بن كعب فقال: لولا حديث سمعته من رسول الله ﷺ ما قمت، سمعت رسول الله ﷺ يذكر فتنة فقربها، فمر رجل مقنع فقال: هذا يومئذ وأصحابه على الحق والهدى فقلت هذا يا رسول الله وأقبلت بوجهه إليه فقال هذا فإذا هو عثمان ﵁. (١)
٣ - وعن محمد بن سيرين، عن كعب بن عجرة قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنة فقربها فمر رجل مقنع رأسه فقال رسول الله ﷺ : هذا يومئذ على الهدى، فوثبت فأخذت بضبعي عثمان ثم استقبلت رسول الله ﷺ فقلت: هذا؟ قال: هذا. (٢)
٤ - عن زياد بن أبي المليح، عن أبيه قال: قال ابن عباس: لو أن الناس أجمعوا على قتل عثمان لرجموا بالحجارة كما رجم قوم لوط. (٣)
٥ - عن سعد بن عبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان، فذكر عن محاسن عمله، قال لعل ذاك يسوؤك؟ قال: نعم، قال فأرغم الله بأنفك، ثُمَّ سَأَلهُ عَنْ عِليٍّ، فَذَكَرَ مَحَاسِنَ عَمَلِهِ قَالَ هُو ذَاكَ، بَيْتُهُ أوسط بيوت النبي ﷺ ، ثم قال: لعل ذاك يسوؤك؟ قال:
стр. 5376
أجل، قال: فأرغم الله بأنفك، انطلق فاجهد على جهدك (١).
٦ - وعن موسى بن عقبة قال: حدثني جدي أبو أمي أبو حبيبة أنه دخل الدار وعثمان محصور فيها، وأنه سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام فأذن له، فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنكم تلقون بعدي فتنة واختلافًا أوقال اختلافًا وفتنة، فقال له قائل من الناس فمن: لنا يا رسول الله، قال: عليكم بالأمين وأصحابه وهو يشير إلى عثمان بذلك. (٢)
٧ - عن عبد الله بن عمرو قال: يكون في هذه الأمة اثنا عشر خليفة: أبو بكر؛ أصبتم اسمه، وعمر بن الخطاب قرن من حديد، أصبتم اسمه، وعثمان بن عفان ذو النورين أوتي كفلين من رحمته قتل مظلومًا؛ أصبتم اسمه. (٣)
٨ - عن نزال بن سبرة، عن علي ﵁ وسألناه عن عثمان، فقال: "ذاك امرؤ يدعى في الملأ الأعلى ذا النورين، ختن رسول الله ﷺ على ابنتيه، ضمن له رسول الله ﷺ بيتًا في الجنة" (٤)
٩ - وعن الشعبي قال: ما سمعت في مراثي عثمان أحسن من قول كعب بن مالك:
стр. 5377
فَكَف يَدَيهِ ثم أغلَقَ بابَهُ ... وأيقَنَ أن الله ليسَ بِغافل
وقالَ لأهْلِ الدار: لا تَقْتلوهُمُ ... عَفا الله عن كل امرئ لم يقاتل
فَكَيف رأيتَ الله صَب عليهمُ الـ ... ـعداوَةَ والبَغضاءَ بعد التواصل
وقال حسان يرثيه:
مَنْ سَرهُ الموتُ صِرْفًا لا مِزاجَ لَهُ ... فَليأتِ مأسَدةً في دارِ عثمانا
ضَحوْا بأشمَط عُنوانُ السجودِ بِهِ ... يُقَطعُ الليلُ تَسبيحًا وقرآنا
صَبرًا فِدى لَكُمُ أمي وَما وَلَدت ... قَد ينفعُ الصبرُ في المَكرور أحيانا
لَتَسمَعُن وَشِيكًا في دِيارِكُمُ ... الله أكَبر يا ثاراتِ عثمانا
١٠ - وعن زيد بن علي أن زيد بن ثابت كان يبكي على عثمان يوم الدار. (١)
١١ - وعن عبد الله بن سلام ﵁ أنه قال حين هاج الناس في أمر عثمان: أيها الناس، لا تقتلوا هذا الشيخ واستعتبوه، فإنه لن تقتل أمة نبيها فيصلح أمرهم حتى يهراق دماء سبعين ألفًا منهم، ولن تقتل أمة خليفتها فيصلح أمرهم حتى يهراق دماء أربعين ألفًا منهم، فلم ينظروا فيما قال وقتلوه، فجلس لعلي في الطريق فقال: أين تريد؟ فقال: أريد أرض العراق، قال: لا تأتي العراق وعليك بمنبر رسول الله ﷺ ، فوثب به أناس من أصحاب علي وهموا به فقال علي: دعوه فإنه منا أهل البيت. فلما قتل علي قال عبد الله لابن معقل: هذه رأس الأربعين، وسيكون على رأسها صلح ولن تقتل أمة نبيها إلا قتل به سبعون ألفًا، ولن تقتل أمة خليفتها إلا قتل به أربعون ألفًا. (٢)
стр. 5378
١٢ - وعن أبي بكرة قال: لأن أخِر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أشرك في دم عثمان. (١)
١٣ - عن ربعي بن حراش قال: لما كانت الليلة التي قبض فيها حذيفة جعل يقول: أي الليل هذا؟ ثم استوى جالسًا فقال: اللهم، إني أبرأ إليك من دم عثمان، ما شهدت، ولا قتلت ولا مالأت على قتله. (٢)
١٤ - زهير قال: نا كنانة مولى صفية قال: كنت أقود بصفية لترد عن عثمان، فلقيها الأشتر فضرب وجه بغلتها حتى قالت: ردوني ولا يفضحني هذا الكلب، وكنت فيمن حمل الحسن جريحًا، ورأيت قاتل عثمان من أهل مصر يقال له: جبلة. (٣)
١٥ - عن نافع قال: دخل ابن عمر على عثمان وعنده المغيرة بن الأخنس فقال: انظر ما يقول هؤلاء، يقولون: اخلعها ولا تقتل نفسك، فقال ابن عمر: إذا خلعتها أمخلد أنت في الدنيا؟ قال: لا، قال: فإن لم تخلعها هل يزيدون على أن يقتلوك؟ قال: لا، قال: فهل يملكون لك جنةً أو نارًا؟ قال: لا، قال: فلا أرى لك أن تخلع قميصًا قمصكه الله فتكون سنة كلما كره قوم خليفتهم أو إمامهم قتلوه. (٤)
стр. 5379
١٦ - عن نافع قال: كان ابن عمر مع عثمان في الدار. (١)
١٧ - عن نافع قال: لبس ابن عمر الدرع يوم الدار مرتين. (٢)
١٨ - وهذا موقف الزبير ﵁، عن أبي حبيبة مولى الزبير قال: لما حصر عثمان جاء بنو عمرو بن عوف إلى الزبير بن العوام، فقالوا: يا أبا عبد الله، نحن نأتيك ثم نصير إلى ما أمرتنا به، قال: فأرسلني الزبير إلى عثمان، فقال: أقرئه السلام، وقل: يقول لك أخوك إن بني عمرو بن عوف جاؤوني ووعدوني أن يأتوني ثم يصيروا إلى ما أمرتهم به، فإن شئت أن آتيك فأكون رجلًا من أهل الدار يصيبني ما يصيب أحدهم فعلت، وإن شئت انتظرت ميعاد بني عمرو بن عوف ثم أدفع بهم عنك فعلت، قال: فدخلت عليه فوجدته على كرسي ذي ظهر، ووجدت رياطًا مطروحة ومراكن مملوءة، ووجدت في الدار الحسن بن علي، وابن عمر، وأبا هريرة، وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم، وعبد الله بن الزبير، فأبلغت عثمان رسالة الزبير فقال: الله أكبر، الحمد لله الذي عصم أخي، قل له: إنك إن تأت الدار تكن رجلًا من المهاجرين؛ حرمتك حرمة رجل وعناؤك عناء رجل، ولكن انتظر ميعاد بني عمرو بن عوف، فعسى الله أن يدفع بك، قال: فقام أبو هريرة فقال: أيها الناس، لسمعت أذناي رسول الله ﷺ يقول: تكون بعدي فتن وأحداث أو أحداث وفتن، فقلت: وأين المنجى منها يا رسول الله؟ قال: إلى الأمين وحزبه وأشار إلى عثمان: فقال القوم: ائذن لنا فلنقاتل فقد أمكنتنا البصائر، فقال: عزمت على أحد كانت لي عليه طاعة ألا يقاتل، قال: فبادر الذين قتلوا عثمان ميعاد بني عمرو بن عوف فقتلوه. (٣)
وهكذا ترى أن كل الروايات الصحيحة والحسنة تدل على براءة الصحابة ﵃.
стр. 5380
فإن قال قائل: كيف وقع قتل عثمان ﵁ بالمدينة وفيها جماعة من كبار الصحابة ﵃ فجوابه من وجوه:
أحدهما: أن كثيرًا منهم بل أكثرهم أو كلهم لم يكن يظن أنه يبلغ الأمر إلى قتله فإن أولئك الأحزاب لم يكونوا يحاولون قتله عينًا بل طلبوا منه أحد أمور ثلاثة: إما أن يعزل نفسه، أو يسلم إليهم مروان بن الحكم، أو يقتلوه، فكانوا يرجون أن يسلم إلى الناس مروان، أو أن يعزل نفسه ويستريح من هذه الضائقة الشديدة، وأما القتل في كان يظن أحد أنه يقع، ولا أن هؤلاء يجرؤن عليه حتى وقع ما وقع الله، والله أعلم.
الثاني: أن الصحابة مانعوا دونه أشد الممانعة ولكن لما وقع التضييق الشديد عزم عثمان ﵁ على الناس أن يكفوا أيديهم ويغمدوا أسلحتهم، ففعلوا فتمكن أولئك مما أرادوا، ومع هذا ما ظن أحد من الناس أنه يقتل بالكلية.
الثالث: أن هؤلاء الخوارج لما اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة في أيام الحج ولم تقدم الجيوش من الآفاق للنصرة بل لما اقترب مجيئهم انتهزوا فرصتهم قبحهم الله وصنعوا ما صنعوا من الأمر العظيم.
الرابع: أن هؤلاء الخوارج كانوا قريبًا من ألفي مقاتل، وربما لم يكن في أهل المدينة هذه العدة من المقاتلة؛ لأن الناس كانوا في الثغور وفي الأقاليم في كل جهة ومع هذا كان كثير من الصحابة اعتزل هذه الفتنة ولزموا بيوتهم، ومن كان يحضر منهم المسجد لا يجيء إلا ومعه السيف يضعه على حبوته إذا احتبى، والخوارج محدقون بدار عثمان وربما لو أرادوا صرفهم عن الدار لما أمكنهم ذلك ولكن كبار الصحابة قد بعثوا أولادهم إلى الدار يحاجفون عن عثمان ﵁ لكي تقدم الجيوش من الأمصار لنصرته فما فجيء الناس إلا وقد ظفر أولئك بالدار من خارجها وأحرقوا بابها وتسوروا عليه حتى قتلوه، وأما ما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه ورضي بقتله فهذا لا يصح عن أحد من الصحابة أنه رضي بقتل عثمان ﵁ بل كلهم كرهه، ومقته، وسب من فعله، ولكن بعضهم كان يود لو خلع نفسه من الأمر كعمار بن
стр. 5381
ياسر، ومحمد بن أبي بكر، وعمرو بن الحمق، وغيرهم. (١)
الخامس: قال الإمام الذهبي في تاريخه دول الإسلام: كان قاتلوا عثمان يدًا واحدة في الشر، وكان حثالة من الناس قد ضووا إليهم، وكان أصحاب النبي ﷺ الذين خذلوه كرهوا الفتنة فظنوا أن الأمر لا يبلغ قتله، فلما قتل ندموا على ما صنعوا في أمره، ولعمري لو قاموا أو قام بعضهم فحثا في وجوه أولئك التراب لانصرفوا خاسئين، لكن الفتن لها أسباب، نعوذ بالله منها ومن أسبابها. (٢)
السادس: قال الذهبي: الذين قتلوه أو ألبوا عليه نقلوه إلى عفو الله ورحمته، والذين خذلوه خذلوا وتنغص عيشهم، وكان اللك بعده في نائبه، معاوية وبنيه، ثم في وزيره مروان وثمانية من ذريته؛ استطالوا حياته وملوه مع فضله، فتملك عليهم من هو من بني عمه بضعًا وثمانين سنة، فالحكم لله العلي الكبير. (٣)
أما الروايات التي تدين الصحابة في هذه القضية فكلها لا تصح؛ وهذا هو الوجه الثاني في الرد على هذه الشبهة .
الوجه الثاني: الروايات التي استدل بها أصحاب الشبهات على أن عائشة وغيرها من الصحابة كان لهم يد في قتل عثمان ﵁ وهي روايات مكذوبة وهذا بيانها:
أولًا: الروايات المنسوبة إلى عائشة ﵂:
١ - عن عكرمة قال: قال ابن عباس: قال لي عثمان: ﵁ إني قد استعملت خالد بن العاص بن هشام على مكة، وقد بلغ أهل مكة ما صنع الناس، فأنا خائف أن يمنعوه الموقف فيأبى فيقاتلهم في حرم الله وأمنه وقومًا جاءوا من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم، فرأيت أن أوليك أمر الموسم وكتب معه إلى أهل الموسم بكتاب يسألهم أن يأخذوا له بالحق ممن حصره، فخرج ابن عباس فمر بعائشة في الصلصل، فقالت: يا ابن عباس، أنشدك الله فإنك قد أعطيت لسانًا إزعيلًا أن تخذل عن هذا الرجل، وأن تشكك
стр. 5382
فيه الناس، فقد بانت لهم بصائرهم، وأنهجت ورفعت لهم المنار، وتحلبوا من البلدان لأمر قد جم وقد رأيت طلحة بن عبيد الله قد اتخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح، فإن يل يسر بسيرة ابن عمه أبي بكر، ﵁ قال: قلت يا أمه، لو حدث بالرجل حدث ما فزع الناس إلا إلى صاحبنا فقالت: إيهًا عنك إني لست أريد مكابرتك ولا مجادلتك. (١)
٢ - ما نسب إليها من كتابتها لأهل الأمصار ليقدموا إلى المدينة لينكروا على عثمان ﵁ وهذا قد أنكرته عائشة أشد الإنكار، فعن مسروق، عن عائشة قالت: حين قتل عثمان: تركتموه كالثوب النقي من الدنس، ثم قربتموه تذبحوه كما يذبح الكبش، هلا كان هذا قبل هذا؟ فقال لها مسروق: هذا عملك، أنت كتبت إلى الناس تأمريهم بالخروج إليه، قال: فقالت عائشة: لا والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم بسوداءٍ في بيضاء حتى جلست مجلسي هذا. قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كتب على لسانها. (٢) وهي لا تعلم. (٣)
وقال ابن عساكر عن حقيقة هذه الوشايات والنميمة التي كان يتناقلها أصحاب الفتنة: نا سليمان بن أحمد، بن عبد الوهاب بن الضحاك، بن إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان الناس يختلفون إلي في عتب عثمان، ولا أرى إلا أنها معاتبة، وأما الدم فأعوذ بالله من دمه، فوالله لوددت أني عشت في الدنيا برصاء سالخ وأني لم أذكر عثمان بكلمة قط، وأيم الله لأصبع
стр. 5383
عثمان التي يشير بها إلى الأرض خير من طلاع الأرض مثل فلان. (١)
٣ - فتوى عائشة بقتل عثمان: "اقتلوا نعثلًا فقد كفر"، "اقتلوا نعثلًا فقد كفر" أي: عثمان، لا يثبت عن عائشة ﵂. (٢)
стр. 5384
والجواب من وجوه:
أولا - أن هذه فرية نسبت إليها، ولا تصح، وإسنادها واه، وانظر التفصيل في الحاشية.
ثانيًا: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -: وأما قوله: إن عائشة كانت في كل وقت تأمر بقتل عثمان، وتقول في كل وقت: اقتلوا نعثلًا، قتل الله نعثلًا، ولما بلغها قتله فرحت بذلك.
فيقال له أولًا: أين النقل الثابت عن عائشة بذلك؟
ويقال ثانيًا: المنقول الثابت عنها يكذب ذلك، ويبين أنها أنكرت قتله، وذمت من قتله، ودعت على أخيها محمد وغيره لمشاركتهُم في ذلك.
ويقال ثالثًا: هب أن واحدًا من الصحابة عائشة أو غيرها قال في ذلك على وجه الغضب إنكاره بعض ما ينكر فليس قوله حجة، ولا يقدح ذلك لا في إيمان القائل ولا المقول له، بل قد يكون كلاهما وليًا لله -تعالى- من أهل الجنة، ويظن أحدهما جواز قتل الآخر، بل يظن كفره وهو مخطئ في هذا الظن، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - ما ثبت في الصحيحين عن علي وغيره في قصة حاطب بن أبي بلتعة، وكان من أهل بدر والحديبية، وقد ثبت في الصحيح أن غلامه قال: يا رسول الله، والله ليدخلن حاطب النار، فقال له النبي ﷺ : كذبت إنه قد شهد بدرًا والحديبية، وفي حديث علي أن حاطبًا كتب إلى المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ ولما أراد غزوة الفتح، فأطلع الله نبيه على ذلك، فقال لعلي والزبير: اذهبا حتى تأتيا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب، فلما أتيا بالكتاب، قال: ما هذا يا حاطب؟ فقال: والله يا رسول الله، ما فعلت هذا ارتدادًا ولا رضًا بالكفر، ولكن كنت امرءًا ملصقًا في قرش ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من
стр. 5385
المهاجرين لهم بمكة قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذا فأتني ذلك أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، فقال عمر ﵁: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: إنه شهد بدرًا، وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وأنزل الله أول سورة الممتحنة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ ا (لممتحنة: ١)، وهذه القصة مما اتفق أهل العلم على صحتها، وهي متواترة عندهم، معروفة عند علماء التفسير، وعلماء الحديث، وعلماء المغازي والسير والتواريخ، وعلماء الفقه، وغير هؤلاء، وكان علي ﵁ يحدث بهذا الحديث في خلافته بعد الفتنة، وروى عنه كاتبه عبد الله بن أبي رافع ليبين لهم أن السابقين مغفور لهم ولو جرى منهم ما جرى.
فإن عثمانَ، وعليًا، وطلحة، والزبير أفضل باتفاق المسلمين من حاطب بن أبي بلتعة، وكان حاطب مسيئًا إلى مماليكه، وكان ذنبه في مكاتبة المشركين وإعانتهم على النبي ﷺ وأصحابه أعظم من الذنوب التي تضاف إلى هؤلاء، ومع هذا فالنبي ﷺ نهى عن قتله وكذب من قال أنه يدخل النار؛ لأنه شهد بدرًا والحديبية، وأخبر بمغفرة الله لأهل بدر، ومع هذا فقد قال عمر ﵁: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فسماه منافقًا واستحل قتله، ولم يقدح ذلك في إيمان واحد منهما ولا في كونه من أهل الجنة.
٢ - وكذلك في الصحيحين وغيرهما في حديث الإفك لما قام النبي ﷺ خطيبًا على المنبر يعتذر من رأس المنافقين عبد الله بن أُبي، فقال: من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي؛ والله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، فقام سعد بن معاذ سيد الأوس- وهو الذي اهتز لموته عرش الرحمن، وهو الذي كان لا تأخذه في الله لومة لائم بل حكم في حلفائه من بني قريظة بأن يقتل مقاتلهم، وتسبى ذراريهم، وتغنم أموالهم؛ حتى قال النبي ﷺ : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة- فقال: يا رسول الله، نحن نعذرك منه، إن كان من إخواننا من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من أخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة فقال: كذبت؛ لعمر الله لا تقتله ولا تقدر
стр. 5386
على قتل، فقام أسيد بن حضير فقال: كذبت؛ لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، وكادت تثور فتنة بين الأوس والخزرج حتى نزل النبي ﷺ وخفضهم.
وهؤلاء الثلاثة من خيار السابقين الأولين، وقد قال أسيد بن حضير لسعد بن عبادة: إنك منافق تجادل عن المنافقين، وهذا مؤمن ولي لله من أهل الجنة وذاك مؤمن ولي الله من أهل الجنة؛ فدل على أن الرجل قد يكفر آخر بالتأويل ولا يكون واحد منهما كافرًا.
٣ - وكذلك في الصحيحين حديث عتبان بن مالك لما أتى النبي ﷺ منزله في نفر من أصحابه فقام يصلي وأصحابه يتحدثون بينهم، ثم أسندوا عظم ذلك إلى مالك بن الدخشم، وودوا أن النبي ﷺ دعا عليه فيهلك، فقضى رسول الله ﷺ صلاته وقال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قالوا: بلى، وإنه يقول ذلك وما هو في قلبه، فقال: لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه.
وإذا كان ذلك فإذا ثبت أن شخصًا من الصحابة، إما عائشة، وإما عمار بن ياسر، وإما غيرهما كَفَّرَ آخر من الصحابة عثمان أو غيره أو أباح قتله على وجه التأويل، كان هذا من باب التأويل المذكور ولم يقدح ذلك في إيمان واحد منهما ولا في كونه من أهل الجنة، فإن عثمان وغيره أفضل من حاطب بن أبي بلتعة، وعمر أفضل من عمار وعائشة وغيرهما، وذنب حاطب أعظم فإذا غُفر لحاطب ذنبه فالمغفرة لعثمان أولى، وإذا جاز أن يجتهد مثل عمر وأسيد بن حضير في التكفير أو استحلال القتل ولا يكون ذلك مطابقًا فصدور مثل ذلك من عائشة وعمار أولى.
ويقال رابعًا: إن هذا المنقول عن عائشة من القدح في عثمان إن كان صحيحًا فإما أن يكون صوابًا أو خطأً، فإن كان صوابًا لم يذكر في مساوئ عائشة، وإن كان خطأ لم يذكر في مساوئ عثمان، والجمع بين نقص عائشة وعثمان باطل قطعًا، وأيضًا فعائشة ظهر منها من التألم لقتل عثمان، والذم لقتلته، وطلب الانتقام منهم ما يقتضي الندم على ما ينافى ذلك، كما ظهر منها الندم على مسيرها إلى الجمل، فإن كان ندمها على ذلك يدل على فضيلة علي
стр. 5387
واعترافها له بالحق فكذلك هذا يدل على فضيلة عثمان واعترافها له بالحق وإلا فلا.
وأيضًا في ظهر من عائشة وجمهور الصحابة وجمهور المسلمين من الملام لعلي أعظم مما ظهر منهم من الملام لعثمان فإن كان هذا حجة في لوم عثمان فهو حجة في لوم علي، وإن لم يكن حجة في لوم علي فليس حجة في لوم عثمان، وإن كان المقصود بذلك القدح في عائشة لما لامت عثمانَ وعليًا فعائشة في ذلك مع جمهور الصحابة لكن تختلف درجات الملام، وإن كان المقصود القدح في الجميع في عثمان وعلي وطلحة، والزبير، وعائشة، واللائم والملوم، قيل: نحن لسنا ندعى لواحد من هؤلاء العصمة من كل ذنب؟ بل ندعى أنهم من أولياء الله المتقين، وحزبه المفلحين، وعباده الصالحين، وأنهم من سادات أهل الجنة، ونقول: إن الذنوب جائزة على من هو أفضل منهم من الصديقين ومن هو أكبر من الصديقين ولكن الذنوب يرفع عقابها بالتوبة، والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، وغير ذلك، وهؤلاء لهم من التوبة والاستغفار والحسنات ما ليس لمن هو دونهم، وابتُلوا بمصائب يكفر الله بها خطاياهم لم يُبتلَ بها من دونهم، فلهم من السعي المشكور والعمل المبرور ما ليس لمن بعدهم وهم بمغفرة الذنوب أحق من غيرهم ممن بعدهم. (١)
٤ - أيضًا من الروايات التي تنسب في حق عائشة أنها كانت سببًا في مقتل عثمان:
قول محمد بن طلحة: دم عثمان ثلاثة أثلاث: ثلث على صاحبة الهودج يعني: عائشة، وثلث على صاحب الجمل الأحمر يعني: طلحة، وثلث على عليّ. (٢)
стр. 5388
٥ - قولهم: إن عائشة كانت تؤلب على عثمان ليتولى طلحة الخلافة فلما علمت أن عليًّا بويع بالخلافة طالبت بدم عثمان، وهذا ذكره البلاذري تعليقًا عن الزهري من غير إسناد، فقال: قال الزهري: وكانت عائشة تؤلب على عثمان، فلما بلغها أمره، وهي بمكة، أمرت بقبتها فضربت في المسجد الحرام، وقالت: إني أرى عثمان سيشوم قومه كما شأم أبو سفيان قومه يوم بدرٍ، وقتل عثمان؛ فزعم بعض الناس أنه قُتل في أيام التشريق، وقال بعضهم: قتل يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، وولي قتله محمد بن أبي بكر ومعه سودان بن حمران، وبايع الناسُ عليًّا، ومكث عثمان في الدار يومًا أو يومين حتى أخرجه أهله على باب من جريد النخل صغير خرجت عنه رجلاه، وتلقاهم قوم فقاتلوهم حتى طرحوه وتوطأه بعضهم، ثم حملوه وقد حُفر له قبر إلى جانب البقيع ودفنوه.
وخرجت عائشة من مكة حتى نزلت بسرف، فمرَّ راكب فقالت: ما وراءك؟ قال: قتل عثمان، فقالت: كأني أنظر إلى الناس يبايعون طلحة وإصبعه تحس أيديهم، ثم جاء راكب آخر فقال: قتل عثمان وبايع الناسُ عليًّا فقالت: واعثماناه، ورجعت إلى مكة فضربت لها قبتها في المسجد الحرام وقالت: يا معشر قريش، إن عثمان قد قتل، قتله عليّ بن أبي طالب، والله لأنملةٌ - أو قالت لليلةٌ - من عثمان خير من عليّ الدهر كله، وخرجت أم سلمة إلى المدينة وأقامت عائشة بمكة. (١)
стр. 5389
وقال ابن تيمية: وأما قوله: أنها سألت مَنْ تولى الخلافة؟ فقالوا: عليُّ، فخرجت لقتاله على دم عثمان، فأي ذنب كان لعلي في ذلك؟ فيقال له:
أولًا: قول القائل: إن عائشة، وطلحة، والزبير اتهموا عليًّا بأنه قتل عثمان وقاتلوه على ذلك كذب بين، بل إنما طلبوا القتلة الذين كانوا تحيزوا إلى علي وهم يعلمون أن براءة علي من دم عثمان كبراءتهم وأعظم، لكن القتلة كانوا قد أووا إليه فطلبوا قتل القتلة ولكن كانوا عاجزين عن ذلك هم وعلي؛ لأن القوم كانت لهم قبائل يذبون عنهم، والفتنة إذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء فصار الأكابر ﵃ عاجزين عن إطفاء الفتنة وكف أهلها، وهذا شأن الفتن كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، وإذا وقعت الفتنة لم يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله. (١)
٦ - وهذه رواية تصور الصحابة كلهم في جانب وعثمان في جانب آخر:
قال البلاذري: وحدثني هشام بن عمار الدمشقي أبو الوليد، حدثنا محمد بن سميع، عن محمد بن أبي ذئب، عن ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن السيب: أن المصريين لما قدموا فشكوا عبد الله بن سعد بن أبي سرح، سألوا عثمان أن يولى مكانه محمد بن أبي بكر، فكتب عهده وولاه ووجه معهم عدة من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي سرح، فشخص محمد بن أبي بكر وشخصوا جميعًا، فلما كانوا على مسيرة ثلاث من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير وهو يخبط البعير خبطًا كأنه رجل يطلب أو يُطلب، فقال له أصحاب محمد بن أبي بكر: ما قصتك، وما شأنك، هارب أو طالب؟ فقال لهم مرةً: أنا غلام أمير
стр. 5390
المؤمنين، وقال مرة أخرى: أنا غلام مروان وجهني إلى عامل مصر برسالة، قالوا: فمعك كتاب؟ قال: لا، ففتشوه فلم يجدوا معه شيئًا، وكانت معه إداوة قد يبست وفيها شيء يتقلقل، فحركوه ليخرج فلم يخرج، فشقوا الإداوة فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح. فجمع محمد من كان معه من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ثم فك الكتاب بمحضر منهم فإذا فيه: "إذ أتاك محمد بن أبي بكر وفلان وفلان فاحتل لقتلهم وأبطل كتاب محمد، وقر على عملك حتى يأتيك رأيي، واحبس من يجيء إلي متظلمًا منك إن شاء الله"، فلما قرأوا الكتاب فزعوا وغضبوا ورجعوا إلى المدينة، وختم محمد بن أبي بكر الكتاب بخواتيم نفر ممن كان معه ودفعه إلى رجل منهم، وقدموا المدينة فجمعوا عليًّا، وطلحة، والزبير، وسعدًا، ومن كان من أصحاب النبي ﷺ ثم فكوا الكتاب بمحضر منهم وأخبروهم بقصة الغلام وأقرأهم الكتاب فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا حنق على عثمان، وزاد ذلك من غضب لابن مسعود، وعمار بن ياسر، وأبي ذر حنقًا وغيظًا، وقام أصحاب النبي ﷺ بمنازلهم ما منهم أحد إلا وهو مغتنم لما في الكتاب، وحاصر الناس عثمان وأجلب عليه محمد بن أبي بكر ببني تيم وغيرهم، وأعانه على ذلك طلحة بن عبيد الله، وكانت عائشة تقرصه كثيرًا، ودخل عليّ، وطلحة، والزبير، وسعد، وعمار في نفر من أصحاب محمد ﷺ كلهم بدري على عثمان، ومع عليّ الكتاب والغلام والبعير، فقال له علي: هذا الغلام غلامك؟ قال: نعم، قال: والبعير؟ قال: نعم، قال: وأنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: لا، وحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب، ولا أمرت به، ولا علمت شأنه، فقال له علي: أفالخاتم خاتمك؟ قال: نعم، قال: فكيف يخرج غلامك ببعيرك بكتاب عليه خاتمك ولا تعلم به؟ فحلف بالله ما كتبت الكتاب، ولا أمرت به ولا وجهت هذا الغلام إلى مصر قط، وعرفوا أنه خط مروان فسأله أن يدفع إليهم مروان فأبى، وكان مروان عنده في الدار، فخرج أصحاب محمد ﷺ من عنده غاضبًا وعلموا أنه لا يحلف بباطل، إلا أن قومًا قالوا: لن يبرأ عثمان في قلوبنا إلا بأن يدفع إلينا مروان حتى نبحثه عن الأمر، ونعرف حال الكتاب وكيف يؤمر بقتل رجال من أصحاب رسول الله بغير حق، فإن يكن عثمان كتبه
стр. 5391
عزلناه، وإن يكن مروان كتبه عن لسان عثمان نظرنا ما يكون منا في أمر مروان، فلزموا بيوتهم وأبى عثمان أن يخرج مروان، فحاصر الناس عثمان ومنعوه الماء، فأشرف على الناس فقال: أفيكم علي؟ فقالوا: لا، قال: أفيكم سعد، فقالوا: لا، فسكت ثم قال: ألا أحدٌ يبلغ فيسقينا ماءً؟ فبلغ ذلك عليًّا فبعث إليه بثلاث قربٍ مملوءة ماءً في كادت تصل إليه، وجرح بسببها عدة من موالي بني هاشم وبني أمية حتى وصلت.؟ وبلغ عليًّا أن القوم يريدون قتل عثمان فقال: إنما أردنا مروان، فأما قتل عثمان فلا، وقال للحسن والحسين: اذهبا بسيفكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحدًا يصل إليه، وبعث الزبير ابنه عبد الله، وبعث طلحة ابنه على كره، وبعث عدة من أصحاب النبي ﷺ أبناءهم ليمنعوا الناس من الدخول على عثمان وسألوه إخراج مروان، فلما رأى محمد بن أبي بكر، وقد رمى الناس عثمان بالسهام حتى خُضب الحسن بالدماء على بابه، وأصاب مروان سهم وهو في الدار، وخُضب محمد بن طلحة، وشُج قنبر مولى علي، خشي محمد بن أبي بكر أن يغضب بنو هاشم لحال الحسن والحسين فيثيروها فتنةً، وأخذ بيد رجلين فقال لهما: إن جاءت بنو هاشم فرأت الدماء على وجه الحسن كشفوا الناس عن عثمان وبطل ما تريدون، ولكن مروا بنا حتى نتسور عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم أحد، فتسور محمد وصاحباه من دار رجل من الأنصار حتى دخلوا على عثمان وما يعلم أحد ممن كان معه، لأنهم كانوا فوق البيوت ولم يكن معه إلا امرأته، فقال محمد بن أبي بكر: أنا أبدأ كما بالدخول، فإذا أنا ضبطته فادخلا فتوجاه حتى تقتلاه، فدخل محمد فأخذ بلحيته فقال له عثمان: والله، لو رآك أبوك لساء مكانك مني، فتراخت يده، ودخل الرجلان عليه فتوجآه حتى قتلاه وخرجوا هاربين من حيث دخلوا، وصرخت امرأته إلى الناس فلم يُسمع صراخها، لما كان في الدار من الجلبة، وصعدت امرأته إلى الناس فقالت: إن أمير المؤمنين قد قتل، فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما فوجدوا عثمان مذبوحًا، فانكبوا عليه يبكون، وخرجوا ودخل الناس فوجدوه مذبوحًا، وبلغ عليًّا بن أبي طالب الخبر، وطلحةَ، والزبيرَ، وسعدًا، ومن كان بالمدينة، فخرجوا وقد ذهبت عقولهم للخبر الذي أتاهم
стр. 5392
حتى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولًا فاسترجعوا، وقال على لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب، ورفع يده فلطم الحسن، وضرب صدر الحسين، وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير، وخرج عليّ وهو غضبان يرى أن طلحة أعان على ما كان، فلقيه طلحة فقال: ما لك يا أبا الحسن، ضربت الحسن والحسين، فقال: عليك لعنة الله أبيت إلا أن يسوءني ذلك، يقتل أمير المؤمنين رجلٌ من أصحاب رسول الله ﷺ بدريٌّ لم يقم عليه بينة ولا حجة، فقال طلحة: لو دفع مروان لم يُقتل، فقال علي: لو أخرج إليكم مروان لقتل قبل أن تثبت عليه حكوم، وخرج عليُّ فأتى منزله وجاء الناس كلهم يهرعون إلى علي أصحاب النبي ﷺ وغيرهم وهم يقولون: إن أمير المؤمنين علي، حتى دخلوا داره فقالوا له: نبايعك فمد يدك فإنه لا بد من أمير، فقال علي: ليس ذاك إليكم إنما ذاك إلى أهل بدر، فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة، فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليًّا، فقالوا: ما نرى أحدًا أحق بها منك فمد يدك نبايعك، فقال: أين طلحة والزبير؟ وكان طلحة أول من بايعه بلسانه وسعدٌ بيده، فلما رأى عليُّ ذلك صعد المنبر وكان أول من صعد إليه، فبايعه طلحة بيده، وكانت إصبع طلحة شلاء فتطير منها عليُّ وقال: ما أخلقه أن ينكث، ثم بايعه الزبير، وسعد، وأصحاب النبي ﷺ جميعًا، ثم نزل فدعا الناس وطلب مروان وبني أبي معيط فهربوا منه.
وخرجت عائشة باكية تقول: قُتل عثمان ﵀، فقال لها عمار بن ياسر: عبد الملك، أنت بالأمس تحرضين عليه ثم أنت اليوم تبكينه، وجاء عليّ إلى امرأة عثمان فقال لها: من قتل عثمان -رحمه الله تعالى-؟ فقالمت: لا أدري، دخل عليه رجلان لا أعرفهما إلا أن أرى وجوههما، وكان معهما محمد بن أبي بكر، وأخبرت عليًّا والناس بما صنع محمد، فدعا عليُّ محمدًا فسأله عما ذكرت امرأة عثمان، فقال محمد: لم تكذب فقد دخلت والله عليه وأنا أريد قتله، فذكر أبي فقمت عنه وأنا تائب، والله ما قتلته ولا أمسكته، قالمت امرأة عثمان: صدق أدخلهما. (١)
стр. 5393
ثانيا: الروايات التاريخية الضعيفة في موقف الصحابة من مقتل عثمان التي استدل بها المعترضون على أن مجتمع الصحابة كان مجتمعًا متآمرًا على بعضه من أجل الخلافة والحكم:
١ - عن حصين بن عبد الرحمن قال: حدثني جهم -رجل من بني فهر قال: أنا شاهد هذا الأمر؛ قال: جاء سعد وعمار فأرسلوا إلى عثمان أن ائتنا، فإنا نريد أن نذكر لك أشياءً
стр. 5394
أحدثتها أو أشياءً فعلتها، قال: فأرسل إليهم أن انصرفوا اليوم، فإني مشتغل وميعادكم يوم كذا وكذا حتى أشرن -قال أبو محصن: أشرن: أستعد لخصومتكم- قال: فانصرف سعد وأبى عمارٌ أن ينصرف -قالها أبو محصن مرتين- قال: فتناوله رسول عثمان فضربه، قال: فلما اجتمعوا للميعاد ومن معهم قال لهم عثمان: ما تنقمون مني؟ قالوا: ننقم عليك ضربك عمارًا، قال: قال عثمان: جاء سعد وعمار فأرسلت إليهما، فانصرف سعد وأبى عمار أن ينصرف، فتناوله رسول من غير أمري، فوالله ما أمرت ولا رضيت، فهذه يدي لعمار فيصطبر -قال أبو محصن: يعني: يقتص-. (١)
٢ - عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَيَّافُ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: ارْجِعِ ابْنَ أَخِي فَلَسْتَ بِقَاتِلي، قَالَ: وَكَيْفَ عَلِمْتَ ذَاكَ؟ قَالَ: لأَنَّهُ، أُتِيَ بِكَ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ سَابِعِكَ فَحَنَّكَ، وَدَعَا لكَ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: ارْجِعِ ابْنَ أَخِي فَلَسْتَ بِقَاتِلي، قَالَ: بِمَ تَدْرِي ذَلِكَ؟ ، قَالَ: لأَنَّهُ أُتِيَ بِكَ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ سَابِعِكَ فَحَنَككَ وَدَعَا لكَ بِالْبَرَكَةِ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بن أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: أنتَ قَاتِلي، قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ يَا نَعْثَلُ؟ ، قَالَ: لأَنَّهُ أُتِيَ بِكَ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ سَابِعِكَ لَيُحَنككَ ويدْعُو لَكَ بِالْبَرَكَةِ فَخَرَيْتَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: فَوَثَبَ عَلَى صَدْرر وَقَبَضَ عَلَى لحيَتهِ، فَقَالَ: إِنْ تَفْعَلْ كَانَ يَعِزُّ عَلَى أَبِيكَ أَنْ تَسُوءَهُ، قَالَ: فَوَجَأَهُ فِي نَحْرِهِ بِمَشَاقِصَ كَانَتْ فِي يَدِهِ. (٢)
стр. 5395
٣ - عن إسماعيل بن أبي خالد قال: لما نزل أهل مصر الجحفة يعاتبون عثمان صعد عثمان المنبر فقال: جزاكم الله يا أصحاب محمد عني شرًّا، أذعتم السيئة وكتمتم الحسنة، وأغريتم بي غوغاء الناس، أيكم يأتي هؤلاء القوم فيسألهم ما الذي نقموا وما الذي يريدون؟ -ثلاث مرات- فلا يجيبه أحد، فقام علي فقال: أنا، فقال عثمان أنت أقربهم رحمًا وأحقهم بذلك، فأتاهم فرحبوا به، وقالوا: ما كان يأتينا أحد أحب إلينا منك. (١)
٤ - عن العتبي، عن أبيه قال: بعث عثمان بن عفان إلى ابن عباس وهو محصور، فأتاه وعنده مروان بن الحكم، فقال عثمان: يا ابن عباس، أما ترى إلى ابن عمك كان هذا الأمر في بني تيم وعدي فرضي وسلم حتى إذا صار الأمر إلى ابن عمه بغاه الغوائل، قال ابن عباس: فقلت له: إن ابن عمك والله ما زال عن الحق ولا يزول ولو أن حسنًا وحسينًا بغيا في دين الله الغوائل لجاهدهما في الله حق جهاده، ولو كنت كأبي بكر وعمر لكان لك كما كان لهما بل كان لك أفضل لقرابتك، ورحمك، وسنك، ولكنك ركبت الأمر وهاباه، قال ابن عباس: فاعترضني مروان فقال: دعنا من تخطئتك يا ابن عباس فأنت كما قال الشاعر:
دعوتك للغياث ولست أدري ... أمن خلفي المنية أم أمامي