عزلناه، وإن يكن مروان كتبه عن لسان عثمان نظرنا ما يكون منا في أمر مروان، فلزموا بيوتهم وأبى عثمان أن يخرج مروان، فحاصر الناس عثمان ومنعوه الماء، فأشرف على الناس فقال: أفيكم علي؟ فقالوا: لا، قال: أفيكم سعد، فقالوا: لا، فسكت ثم قال: ألا أحدٌ يبلغ فيسقينا ماءً؟ فبلغ ذلك عليًّا فبعث إليه بثلاث قربٍ مملوءة ماءً في كادت تصل إليه، وجرح بسببها عدة من موالي بني هاشم وبني أمية حتى وصلت.؟ وبلغ عليًّا أن القوم يريدون قتل عثمان فقال: إنما أردنا مروان، فأما قتل عثمان فلا، وقال للحسن والحسين: اذهبا بسيفكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحدًا يصل إليه، وبعث الزبير ابنه عبد الله، وبعث طلحة ابنه على كره، وبعث عدة من أصحاب النبي ﷺ أبناءهم ليمنعوا الناس من الدخول على عثمان وسألوه إخراج مروان، فلما رأى محمد بن أبي بكر، وقد رمى الناس عثمان بالسهام حتى خُضب الحسن بالدماء على بابه، وأصاب مروان سهم وهو في الدار، وخُضب محمد بن طلحة، وشُج قنبر مولى علي، خشي محمد بن أبي بكر أن يغضب بنو هاشم لحال الحسن والحسين فيثيروها فتنةً، وأخذ بيد رجلين فقال لهما: إن جاءت بنو هاشم فرأت الدماء على وجه الحسن كشفوا الناس عن عثمان وبطل ما تريدون، ولكن مروا بنا حتى نتسور عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم أحد، فتسور محمد وصاحباه من دار رجل من الأنصار حتى دخلوا على عثمان وما يعلم أحد ممن كان معه، لأنهم كانوا فوق البيوت ولم يكن معه إلا امرأته، فقال محمد بن أبي بكر: أنا أبدأ كما بالدخول، فإذا أنا ضبطته فادخلا فتوجاه حتى تقتلاه، فدخل محمد فأخذ بلحيته فقال له عثمان: والله، لو رآك أبوك لساء مكانك مني، فتراخت يده، ودخل الرجلان عليه فتوجآه حتى قتلاه وخرجوا هاربين من حيث دخلوا، وصرخت امرأته إلى الناس فلم يُسمع صراخها، لما كان في الدار من الجلبة، وصعدت امرأته إلى الناس فقالت: إن أمير المؤمنين قد قتل، فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما فوجدوا عثمان مذبوحًا، فانكبوا عليه يبكون، وخرجوا ودخل الناس فوجدوه مذبوحًا، وبلغ عليًّا بن أبي طالب الخبر، وطلحةَ، والزبيرَ، وسعدًا، ومن كان بالمدينة، فخرجوا وقد ذهبت عقولهم للخبر الذي أتاهم
стр. 5392
حتى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولًا فاسترجعوا، وقال على لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب، ورفع يده فلطم الحسن، وضرب صدر الحسين، وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير، وخرج عليّ وهو غضبان يرى أن طلحة أعان على ما كان، فلقيه طلحة فقال: ما لك يا أبا الحسن، ضربت الحسن والحسين، فقال: عليك لعنة الله أبيت إلا أن يسوءني ذلك، يقتل أمير المؤمنين رجلٌ من أصحاب رسول الله ﷺ بدريٌّ لم يقم عليه بينة ولا حجة، فقال طلحة: لو دفع مروان لم يُقتل، فقال علي: لو أخرج إليكم مروان لقتل قبل أن تثبت عليه حكوم، وخرج عليُّ فأتى منزله وجاء الناس كلهم يهرعون إلى علي أصحاب النبي ﷺ وغيرهم وهم يقولون: إن أمير المؤمنين علي، حتى دخلوا داره فقالوا له: نبايعك فمد يدك فإنه لا بد من أمير، فقال علي: ليس ذاك إليكم إنما ذاك إلى أهل بدر، فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة، فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليًّا، فقالوا: ما نرى أحدًا أحق بها منك فمد يدك نبايعك، فقال: أين طلحة والزبير؟ وكان طلحة أول من بايعه بلسانه وسعدٌ بيده، فلما رأى عليُّ ذلك صعد المنبر وكان أول من صعد إليه، فبايعه طلحة بيده، وكانت إصبع طلحة شلاء فتطير منها عليُّ وقال: ما أخلقه أن ينكث، ثم بايعه الزبير، وسعد، وأصحاب النبي ﷺ جميعًا، ثم نزل فدعا الناس وطلب مروان وبني أبي معيط فهربوا منه.
وخرجت عائشة باكية تقول: قُتل عثمان ﵀، فقال لها عمار بن ياسر: عبد الملك، أنت بالأمس تحرضين عليه ثم أنت اليوم تبكينه، وجاء عليّ إلى امرأة عثمان فقال لها: من قتل عثمان -رحمه الله تعالى-؟ فقالمت: لا أدري، دخل عليه رجلان لا أعرفهما إلا أن أرى وجوههما، وكان معهما محمد بن أبي بكر، وأخبرت عليًّا والناس بما صنع محمد، فدعا عليُّ محمدًا فسأله عما ذكرت امرأة عثمان، فقال محمد: لم تكذب فقد دخلت والله عليه وأنا أريد قتله، فذكر أبي فقمت عنه وأنا تائب، والله ما قتلته ولا أمسكته، قالمت امرأة عثمان: صدق أدخلهما. (١)
стр. 5393
ثانيا: الروايات التاريخية الضعيفة في موقف الصحابة من مقتل عثمان التي استدل بها المعترضون على أن مجتمع الصحابة كان مجتمعًا متآمرًا على بعضه من أجل الخلافة والحكم:
١ - عن حصين بن عبد الرحمن قال: حدثني جهم -رجل من بني فهر قال: أنا شاهد هذا الأمر؛ قال: جاء سعد وعمار فأرسلوا إلى عثمان أن ائتنا، فإنا نريد أن نذكر لك أشياءً
стр. 5394
أحدثتها أو أشياءً فعلتها، قال: فأرسل إليهم أن انصرفوا اليوم، فإني مشتغل وميعادكم يوم كذا وكذا حتى أشرن -قال أبو محصن: أشرن: أستعد لخصومتكم- قال: فانصرف سعد وأبى عمارٌ أن ينصرف -قالها أبو محصن مرتين- قال: فتناوله رسول عثمان فضربه، قال: فلما اجتمعوا للميعاد ومن معهم قال لهم عثمان: ما تنقمون مني؟ قالوا: ننقم عليك ضربك عمارًا، قال: قال عثمان: جاء سعد وعمار فأرسلت إليهما، فانصرف سعد وأبى عمار أن ينصرف، فتناوله رسول من غير أمري، فوالله ما أمرت ولا رضيت، فهذه يدي لعمار فيصطبر -قال أبو محصن: يعني: يقتص-. (١)
٢ - عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَيَّافُ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: ارْجِعِ ابْنَ أَخِي فَلَسْتَ بِقَاتِلي، قَالَ: وَكَيْفَ عَلِمْتَ ذَاكَ؟ قَالَ: لأَنَّهُ، أُتِيَ بِكَ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ سَابِعِكَ فَحَنَّكَ، وَدَعَا لكَ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: ارْجِعِ ابْنَ أَخِي فَلَسْتَ بِقَاتِلي، قَالَ: بِمَ تَدْرِي ذَلِكَ؟ ، قَالَ: لأَنَّهُ أُتِيَ بِكَ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ سَابِعِكَ فَحَنَككَ وَدَعَا لكَ بِالْبَرَكَةِ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بن أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: أنتَ قَاتِلي، قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ يَا نَعْثَلُ؟ ، قَالَ: لأَنَّهُ أُتِيَ بِكَ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ سَابِعِكَ لَيُحَنككَ ويدْعُو لَكَ بِالْبَرَكَةِ فَخَرَيْتَ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، قَالَ: فَوَثَبَ عَلَى صَدْرر وَقَبَضَ عَلَى لحيَتهِ، فَقَالَ: إِنْ تَفْعَلْ كَانَ يَعِزُّ عَلَى أَبِيكَ أَنْ تَسُوءَهُ، قَالَ: فَوَجَأَهُ فِي نَحْرِهِ بِمَشَاقِصَ كَانَتْ فِي يَدِهِ. (٢)
стр. 5395
٣ - عن إسماعيل بن أبي خالد قال: لما نزل أهل مصر الجحفة يعاتبون عثمان صعد عثمان المنبر فقال: جزاكم الله يا أصحاب محمد عني شرًّا، أذعتم السيئة وكتمتم الحسنة، وأغريتم بي غوغاء الناس، أيكم يأتي هؤلاء القوم فيسألهم ما الذي نقموا وما الذي يريدون؟ -ثلاث مرات- فلا يجيبه أحد، فقام علي فقال: أنا، فقال عثمان أنت أقربهم رحمًا وأحقهم بذلك، فأتاهم فرحبوا به، وقالوا: ما كان يأتينا أحد أحب إلينا منك. (١)
٤ - عن العتبي، عن أبيه قال: بعث عثمان بن عفان إلى ابن عباس وهو محصور، فأتاه وعنده مروان بن الحكم، فقال عثمان: يا ابن عباس، أما ترى إلى ابن عمك كان هذا الأمر في بني تيم وعدي فرضي وسلم حتى إذا صار الأمر إلى ابن عمه بغاه الغوائل، قال ابن عباس: فقلت له: إن ابن عمك والله ما زال عن الحق ولا يزول ولو أن حسنًا وحسينًا بغيا في دين الله الغوائل لجاهدهما في الله حق جهاده، ولو كنت كأبي بكر وعمر لكان لك كما كان لهما بل كان لك أفضل لقرابتك، ورحمك، وسنك، ولكنك ركبت الأمر وهاباه، قال ابن عباس: فاعترضني مروان فقال: دعنا من تخطئتك يا ابن عباس فأنت كما قال الشاعر:
دعوتك للغياث ولست أدري ... أمن خلفي المنية أم أمامي
стр. 5396
فشققت الكلام رخي بال ... وقد جل الفعال عن الكلام
إن يكن عندك لهذا الرجل غياث فأغثه وإلا في أشغله عن التفهم لكلامك والفكر في جوابك قال ابن عباس فقال له هو والله كان عنك وعن أهل بيتك أشغل إذ أوردتموه ولم تصدروه ثم أقبلت على عثمان فقلت له:
جعلت شعار جلدك قوم سوء ... وقد يجزى المقارن بالقرين
فما نظروا لدنيا أنت فيها ... بإصلاح ولا نظروا لدين
ثم قلت له: إن القوم والله غير قابلين إلا قتلك وخلعك، فإن قتلت قتلت علا ما قد عملت وعلمت، وإن تركت فإن باب التوبة مفتوح. (١)
٥ - اتهامهم علي ﵁ بأنه كتب إليهم للقدوم على عثمان وهذا أنكره علي ﵁ منذ قدم عليه هؤلاء.
قال ابن عساكر وساق بإسناده: عن أبي سعيد مولى لبني أسيد أن وفد أهل مصر لما قدموا المدينة أتوا عليًّا فقالوا: قم معنا، قال: والله، لا أقوم معكم، قالوا: فلم كتبت إلينا؟ قال: والله، ما كتبت إليكم كتابًا قط، فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا: ألهذا تغضبون أم لهذا تقاتلون، قال: وخرج علي فنزل خارجًا من المدينة. (٢)
٦ - عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق قال: كان المحمدون الذين سعوا على عثمان: محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة، ومحمد بن أبي سبرة بن أبي رهم.
وكان أبو أيوب ممن أعان على عثمان ﵁، فكتب إلى معاوية ﵁ ما جئتك ما لا تنسى، إن المرأة لا تنسى أبا عذرتها ولا قاتل بكرها. (٣)
стр. 5397
٦ - عن مطرف بن الشخير قَال: لما دخل علي البصرة يوم الجمل جلست إلى عمار بن ياسر فجعل يقطع في عثمان فقلت له: إنكم أصحاب محمد، سبقتمونا صحبة، ثم أدركناكم فأعلمتونا ألا ذنب في الإسلام أعظم من الدم، ثم أنتم اليوم تحلونه. قَال: فجاءه رسول علي فقَال: أجب يا أبا اليقظان أمير المؤمنين فهو يقول إنه بدل، يعني عثمان. (١)
٧ - وهذه رواية تصور مناظرة بين مسروق التابعي وبين عمار الصحابي في شأن عثمان ﵁ وتصور اتفاق عمار مع الخوارج على مقتل عثمان:
عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لَقِيَ مَسْرُوقٌ الأَشْتَرَ، فَقَالَ مَسْرُوقٌ للأَشْتَرِ: قَتَلْتُمْ عُثْمَانَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا وَالله لَقَدْ قَتَلتُمُوهُ صَوَّامًا قَوَّامًا، قَالَ: فَانْطَلَقَ الأَشْتَرُ فَأَخْبَرَ عَمَّارًا ﵁، فَأتَى عَمَّارٌ مَسْرُوقًا، فَقَالَ: وَالله لَيُجْلَدَنَّ عَمَّارٌ، وَلَيُسَيِّرَنَّ أَبَّا ذَرٍّ، وَلَيَحْمِيَنَ الحمَى، وَتَقُولُ: قَتَلْتُمُوهُ صَوَّامًا قَوَّامًا، فَقَالَ لَهُ مَسْرُوقٌ: فَوَالله مَا فَعَلْتُمْ وَاحِدًا مِنْ ثِنْتَيْنِ، مَا عَاقَبْتُمْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ، وَمَا صَبَرْتُمْ فَهُو خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، قَالَ: فَكَأنّمَا ألْقَمَهُ حَجَرًا، قَالَ: وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَمَا وَلَدَتْ هَمْدَانِيَّة مِثْلَ مَسْرُوقٍ. (٢)
٨ - وهذا خبر فيه أن طلحة ﵁ كان مع الثوار أمام الدار وناداه عثمان فلم يرد عليه إلا بعد ثلاث: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ شَهِدْتُ عُثْمَانَ يَوْمَ حُوصِرَ فِى مَوْضِعِ الجنَائِزِ وَلَو أُلقِيَ حَجَرٌ لَمْ يَقَعْ إِلَّا عَلَى رَأْسِ رَجُلٍ فَرَأَيْتُ عُثْمَانَ أَشْرَفَ مِنَ الْخَوْخَةِ التي تلي مَقَامَ جِبْرِيلَ ﵇ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَفِيكُمْ طَلْحَةُ فَسَكَتُوا، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَفِيكُمْ طَلْحَةُ؟ فَسَكَتُوا، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَفِيكُمْ طَلْحَةُ؟ فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ الله، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَلَا أَرَاكَ هَا هُنَا مَا كُنْتُ أَرَى ألَكَ تَكُونُ في جَمَاعَةٍ تَسْمَعُ ندائي آخِرَ ثَلاثِ مَرَّاتٍ ثُمَّ لا تجيبني، أَنْشُدُكَ الله يَا طَلْحَةُ تَذْكُرُ يَوْمَ كُنْتُ أنا وَأَنْتَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ في مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ غيري وَغَيْرُكَ، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَكَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَا طَلْحَةُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ نبي إِلَّا وَمَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ رَفِيقٌ مِنْ أُمَّتِهِ مَعَهُ في الجنَّةِ وَإِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ هَذَا -يعنيني- رفيقي معي في الجنَّةِ". قَالَ طَلْحَةُ: اللهمَّ نَعَمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ. (١)
٩ - عن عبد الرحمن بن يسار أنه قال: لما رأى الناس ما صنع عثمان كتب من بالمدينة من أصحاب النبي ﷺ إلى ما بالآفاق منهم وكانوا قد تفرقوا في الثغور: إنكم إنما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله تطلبون دين محمد ﷺ ، فإن دين محمد قد أفسد من خلفكم وترك فهلموا فأقيموا دين محمد ﷺ فأقبلوا من كل أفق حتى قتلوه. (٢)
стр. 5400
٨ - عن محمد بن السائب الكلبي قال: إنما رد أهل مصر إلى عثمان بعد انصرافهم عنه أنه أدركهم غلام لعثمان على جمل له بصحيفة إلى أمير مصر أن يقتل بعضهم وأن يصلب بعضهم، فلما أتوا عثمان قالوا: هذا غلامك؟ قال: غلامي انطلق بغير علمي، قالوا: جملك؟ قال: أخذه من الدار بغير أمري، قالوا: خاتمك؟ قال: نقش عليه، فقال عبد الرحمن بن عديس التجيبي حين أقبل أهل مصر:
قبلن من بلبيس والصَّعيد ... خوضًا كأمثال القسيِّ قود
مستحقبات حلق الحديد ... يطلبن حقَّ الله في الوليد
وعند عثمان وفي سعيد ... ياربِّ فارجعنا بما نريد
فلما رأى عثمان ما قد نزل به وما قد انبعث عليه من الناس كتب إلى معاوية بن أبي سفيان وهو بالشام: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة فابعث إلي من قبلك من مقاتلة أهل الشام على كل صعب وذلول فلما جاء معاوية الكتاب تربص به وكره إظهار مخالفة أصحاب رسول الله ﷺ وقد علم اجتماعهم، فلما أبطأ أمره على عثمان كتب إلى يزيد بن أسد بن كرز وإلى أهل الشام يستنفرهم ويعظم حقه عليهم، ويذكر الخلفاء وما أمر الله به من طاعتهم ومناصحتهم، ووعدهم أن ينجدهم جند أو بطانة دون الناس، وذكرهم بلاءه عندهم وصنيعه إليهم، فإن كان عندكم غياث فالعجل العجل فإن القوم معاجلي، فلما قرئ كتابه عليهم قام يزيد بن أسد بن كرز البجلي ثم القسري فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر عثمان فعظم حقه وحضهم على نصره وأمرهم بالمسير إليه فتابعه ناس كثير وساروا معه حتى إذا كانوا بوادي القرى بلغهم قتل عثمان ﵁ فرجعوا، وكتب عثمان إلى عبد الله بن عامر أن اندب إلى أهل البصرة نسخة كتابه إلى أهل الشام فجمع
стр. 5401
عبد الله بن عامر الناس فقرأ كتابه عليهم، فقامت خطباء من أهل البصرة يحضونه على نصر عثمان والمسير إليه فيهم مجاشع بن مسعود السلمي، وكان أول من تكلم وهو يومئذ سيد قيس بالبصرة، وقام أيضًا قيس بن الهيثم السلمي فخطب وحض الناس على نصر عثمان فسارع الناس إلى ذلك فاستعمل عليهم عبد الله بن عامر مجاشع بن مسعود فسار بهم حتى إذا نزل الناس الربذة ونزلت مقدمته عند صرار ناحية من المدينة أتاهم قتل عثمان. (١)
٩ - عن جزي بن بكير العبسي قال: لما قتل عثمان أتينا حذيفة فدخلنا صفة له، قال: والله، ما أدري ما بال عثمان، والله ما أدري ما حال من قتل عثمان إن هو إلا كافر قتل الآخر، أو مؤمن خاض إليه الفتنة حتى قتله فهو أكمل الناس إيمانًا. (٢)
وعن جزي بن بكير قال: لما قتل عثمان، فزعنا إلى حذيفة في صفة له فقال: والله ما أدري كافرًا أو مؤمنًا خاض الفتنة إلى كافر يقتله. (٣)
стр. 5402
١٠ - أما هذه الرواية فهي تذكر أن عمرو بن العاص من أكبر أسباب مقتل عثمان بسبب عزل عثمان له وهي أيضًا من الكذب.
قال الطبري: وأما الواقدي فإنه ذكر في سبب مسير المصريين إلى عثمان ونزولهم ذا خشب أمورًا كثيرة، منها ما قد تقدم ذكره، ومنها ما أعرضت عن ذكره كراهة منى ذكره لبشاعته، ومنها ما ذكر أن عبد الله بن جعفر حدثه عن أبي عون مولى المسور قال: كان عمرو بن العاص على مصر عاملًا لعثمان فعزله عن الخراج واستعمله على الصلاة واستعمل عبد الله بن سعد على الخراج ثم جمعهما لعبد الله بن سعد، فلما قدم عمرو بن العاص المدينة جعل يطعن على عثمان فأرسل إليه يومًا عثمان خاليًا به، فقال: يا ابن النابغة، ما أسرع ما قمل جربان جبتك إنما عهدك بالعمل عامًا أول أتطعن علي وتأتيني بوجه وتذهب عني بآخر؟ والله لولا أكلة ما فعلت ذلك، قال: فقال عمرو: إن كثيرًا مما يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل فاتق الله يا أمير المؤمنين في رعيتك، فقال عثمان: والله، لقد استعملتك على ظلعك وكثرة القالة فيك، فقال عمرو: قد كنت عاملًا لعمر بن الخطاب ففارقني وهو عني راضٍ، قال: فقال عثمان: وأنا والله لو آخذتك بما آخذك به عمر لاستقمت ولكني لنت عليك فاجترأت علي، أما والله لأنا أعز منك نفرًا في الجاهلية وقبل أن ألي هذا السلطان، فقال عمرو دعْ عنك هذا فالحمد لله الذي أكرمنا بمحمد ﷺ وهدانا به، قد رأيت العاصي بن وائل ورأيت أباك عفان فو الله للعاص كان أشرف من أبيك، قال: فانكسر عثمان وقال: ما لنا ولذكر الجاهلية قال: وخرج عمرو، ودخل مروان فقال: يا أمير المؤمنين، وقد بلغت مبلغًا يذكر عمرو بن العاص أباك، فقال عثمان: دع هذا عنك من ذكر آباء الرجال ذكروا أباه، قال: فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه، يأتي عليًّا مرة فيؤلبه على عثمان، ويأتي الزبير مرة فيؤلبه على عثمان، ويأتي طلحة مرة فيؤلبه على عثمان، ويعترض الحاج فيخبرهم بما أحدث عثمان، فلما كان حصر عثمان الأول خرج
стр. 5403
من المدينة حتى انتهى إلى أرض له بفلسطين يقال لها: السبع، فنزل في قصر له يقال له: العجلان وهو يقول: العجب ما يأتينا عن ابن عفان، قال: فبينا هو جالس في قصره ذلك ومعه ابناه محمد وعبد الله وسلامة بن روح الجذامي إذ مر بهم راكب فناداه عمرو: من أين قدم الرجل؟ فقال: من المدينة، قال ما فعل الرجل؟ يعني: عثمان قال تركته محصورًا شديد الحصار، قال عمرو: أنا أبو عبد الله قد يضرط العير والكواة في النار، فلم يبرح مجلسه ذلك حتى مر به راكب آخر فناداه عمروما فعل الرجل؟ يعني: عثمان، قال: قتل، قال أنا أبو عبد الله إذا حككت قرحة نكأتها إن كنت لأحرض عليه حتى إني لأحرض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل، فقال له سلامة بن روح: يا معشر قريش، إنه كان بينكم وبين العرب باب وثيق فكسرتموه، فما حملكم على ذلك؟ فقال: أردنا أن نخرج الحق من حافرة الباطل، وأن يكون الناس في الحق شرعًا سواء، وكانت عند عمرو أخت عثمان لأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ففارقها حين عزله. (١)
١١ - قال الطبري: قال محمد بن عمر وحدثني شرحبيل بن أبي عون عن أبيه قال: سمعت عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث يذكر مروان بن الحكم قال: قبح الله مروان، خرج عثمان إلى الناس فأعطاهم الرضا وبكى على المنبر وبكى الناس حتى نظرت إلى لحية عثمان مخضلة من الدموع وهو يقول: اللهم إني أتوب إليك، اللهم إني أتوب إليك، اللهم إني أتوب إليك، والله لئن ردني الحق إلى أن أكون عبدًا قنا لأرضين به إذا دخلت منزلي فادخلوا علي، فو الله لا أحتجب منكم ولأعطينكم الرضا ولأزيدنكم على الرضا ولأنحين مروان وذويه، قال: فلما دخل أمر بالباب ففتح ودخل بيته ودخل عليه مروان فلم يزل يفتله في الذروة والغارب حتى فتله عن رأيه وأزاله عما كان يريد، فلقد مكث عثمان ثلاثة أيام ما خرج استحياء من الناس، وخرج مروان إلى الناس فقال: شاهت الوجوه إلا من أريد ارجعوا إلى منازلكم فإن يكن لأمير المؤمنين حاجة بأحد منكم يرسل إليه وإلا قر في
стр. 5404
بيته، قال عبد الرحمن: فجئت إلى علي فأجده بين القبر والمنبر، وأجد عنده عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر وهما يقولان: صنع مروان بالناس وصنع، قال: فأقبل على علي فقال: أحضرت خطبة عثمان، قلت: نعم، قال: أفحضرت مقالة مروان للناس، قلت: نعم، قال علي: عياذ الله يا للمسلمين إني إن قعدت في بيتي قال لي: تركتني وقرابتي وحقي، وإني إن تكلمت فجاء ما يريد يلعب به مروان، فصار سيقة له يسوقه حيث شاء بعد كبر السن وصحبة رسول الله ﷺ قال عبد الرحمن بن الأسود: فلم يزل حتى جاء رسول عثمان؛ ائتني، فقال علي بصوت مرتفع عال مغضب: قل له: ما أنا بداخل عليك ولا عائد، قال: فانصرف الرسول ﷺ ، قال: فلقيت عثمان بعد ذلك بليلتين خائبًا، فسألت ناتلًا غلامه: من أين جاء أمير المؤمنين؟ فقال: كان عند علي، فقال عبد الرحمن بن الأسود: فغدوت فجلست مع علي ﵇ فقال لي: جاءني عثمان البارحة فجعل يقول: إني غير عائد وإني فاعل قال: فقلت: له بعد ما تكلمت به على منبر رسول الله ﷺ وأعطيت من نفسك، ثم دخلت بيتك وخرج مروان إلى الناس فشتمهم على بابك ويؤذيهم! قال: فرجع وهو يقول: قطعت رحمي وخذلتني وجرأت الناس علي، فقلت: والله إني لأذب الناس عنك ولكني كلما جئتك بهنة أظنها لك رضي جاء بأخرى فسمعت قول مروان علي واستدخلت مروان، قال: ثم انصرف إلى بيته، قال عبد الرحمن بن الأسود: فلم أزل أرى عليًّا منكبًا عنه لا يفعل ما كان يفعل، إلا أني أعلم أنه قد كلم طلحة حين حصر في أن يدخل عليه الروايا وغضب في ذلك غضبًا شديدًا حتى دخلت الروايا علي عثمان. (١)
١٢ - عن إسماعيل بن محمد أن عثمان صعد يوم الجمعة المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقام رجل فقال: أقم كتاب الله، فقال عثمان: اجلس فجلس حتى قام ثلاثًا فأمر به عثمان فجلس، فتحاثوا بالحصباء حتى ما ترى السماء، وسقط عن المنبر وحمل فأدخل داره مغشيًا عليه، فخرج رجل من حجاب عثمان ومعه مصحف في يده وهو ينادي: "إن الذين فرقوا
стр. 5405
دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله"، ودخل علي بن أبي طالب على عثمان ﵄ وهو مغشي عليه وبنو أمية حوله، فقال مالك: يا أمير المؤمنين، فأقبلت بنو أمية بمنطق واحد فقالوا: يا علي أهلكتنا وصنعت هذا الصنيع بأمير المؤمنين، أما والله لئن بلغت الذي تريد لتمرن عليك الدنيا فقام علي مغضبا. (١)
١٣ - قال الطبري: قال محمد بن عمر: حدثني محمد بن مسلم، عن موسى بن عقبة، عن أبي حبيبة قال: نظرت إلى سعد بن أبي وقاص يوم قتل عثمان؛ دخل عليه ثم خرج من عنده وهو يسترجع مما يرى على الباب، فقال له مروان: الآن تندم، أنت أشعرته فأسمع سعدًا يقول: استغفر الله لم أكن أظن الناس يجترئون هذه الجرأة ولا يطلبون دمه، وقد دخلت عليه الآن فتكلم بكلام لم تحضره أنت ولا أصحابك؛ فنزع عن كل ما كره منه وأعطى التوبة وقال: لا أتمادى في الهلكة إن من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق، فأنا أتوب وأنزع، فقال مروان: إن كنت تريد أن تذب عنه فعليك بابن أبي طالب فإنه متستر وهو لا يجبه، فخرج سعد حتى أتى عليًّا وهو بين القبر والمنبر، فقال: يا أبا الحسن، قم فداك أبي وأمي جئتك والله بخير ما جاء به أحد قط إلى أحد، تصل رحم ابن عمك وتأخذ بالفضل عليه وتحقن دمه ويرجع الأمر على ما نحب، قد أعطى خليفتك من نفسه الرضى، فقال علي تقبل الله منه يا أبا إسحاق والله ما زلت أذب عنه حتى إني لاستحى، ولكن مروان، ومعاوية وعبد الله بن عامر، وسعيد بن العاص هم صنعوا به ما ترى، فإذا نصحته وأمرته أن ينحيهم استغشني حتى جاء ما ترى، قال: فبيناهم كذلك جاء محمد بن أبي بكر فسار عليًّا فأخذ علي بيدي ونهض علي وهو يقول: وأي خير توبته هذه فوالله ما بلغت داري حتى سمعت الهائعة؛ أن عثمان قد قتل فلم نزل والله في شرٍ إلى يومنا هذا. (٢)
١٤ - قال الطبري: (وأما الواقدي) فإنه زعم أن عبد الله بن محمد حدثه عن أبيه قال: لما
стр. 5406
كانت سنة أربعة وثلاثين كتب أصحاب رسول الله ﷺ بعضهم إلى بعض: أن أقدموا فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد وكثر الناس على عثمان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد، وأصحاب رسول الله ﷺ يرون ويسمعون ليس فيهم أحد ينهى ولا يذب إلا نفير زيد بن ثابت، وأبو أسيد الساعدي، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، فاجتمع الناس وكلموا عليًّا بن أبي طالب، فدخل على عثمان فقال الناس ورائي وقد كلموني فيك، والله ما أدري ما أقول لك، وما أعرف شيئًا تجهله ولا أدلك على أمر لا تعرفه إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ولا خلونا بشيء فنبلغكه، وما خصصنا بأمر دونك، وقد رأيت وسمعت وصحبت رسول الله ﷺ ونلت صهره، وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الحق منك، ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك، وإنك أقرب إلى رسول الله ﷺ وآله رحمًا ولقد نلت من صهر رسول الله ﷺ ما لم ينالا، ولا سبقاك إلى شيء، فالله الله في نفسك فإنك والله ما تبصر من عمى ولا تعلم من جهل، وإن الطريق لواضح بين، وإن أعلام الدين لقائمة، تعلم يا عثمان أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هُدى وهَدى فأقام سنة معلومة وأمات بدعة متروكة، فوالله إن كلًّا لبين وإن السنن لقائمة لها أعلام، وإن البدع لقائمة لها أعلام وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضَل وضُل به فأمات سنة معلومة وأحيا بدعة متروكة، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: يؤتي يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في جهنم فيدور في جهنم كما تدور الرحى ثم يرتطم في غمرة جهنم.
وإني أحذرك الله وأحذرك سطوته ونقماته فإن عذابه شديد أليم، وأحذرك أن تكون إمام هذه الأمة المقتول، فإنه يقال: يقتل في هذه الأمة إمام فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة وتلبس أمورها عليها ويتركهم شيعًا فلا يبصرون الحق لعلو الباطل يموجون فيها موجا ويمرجون فيها مرجًا، فقال عثمان: قد والله علمت ليقولن الذي قلت، أما والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ولا عبت عليك ولا جئت منكرًا أن وصلت رحمًا
стр. 5407
وسددت خلة وآويت ضائعًا ووليت شبيها بمن كان عمر يولي، أنشدك الله يا علي هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال: نعم، قال: فتعلم أن عمر ولاه، قال: نعم، قال: فلم تلومني أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته؟ قال علي: سأخبرك أن عمر بن الخطاب كان كل من ولى فإنما يطأ على صماخه أن بلغه عنه حرف جلبه، ثم بلغ به أقصى الغاية وأنت لا تفعل ضعفت ورفقت على أقربائك، قال عثمان: هم أقرباؤك أيضًا، فقال علي: لعمري، إن رحمهم مني لقريبة ولكن الفضل في غيرهم، قال عثمان: هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها فقد وليته، فقال علي: أنشدك الله هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه؟ قال: نعم، قال علي: فإن معاوية يقتطع الأمور دونك وأنت تعلمها، فيقول للناس: هذا أمر عثمان فيبلغك ولا تغير على معاوية، ثم خرج علي من عنده، وخرج عثمان على أتره فجلس على المنبر فقال: أما بعد فإن لكل شيء آفة، ولكل أمر عاهة، وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة عيابون طعانون يرونكم ما تحبون ويسرون ما تكرهون، يقولون لكم ويقولون أمثال النعام يتبعون أول ناعق، أحب مواردها إليها البعيد لا يشربون إلا نغصًا ولا يردون إلا عكرًا، لا يقوم لهم رائد، وقد أعيتهم الأمور وتعذرت عليهم المكاسب، ألا فقد والله عبتم علي بما أقررتم لابن الخطاب بمثله ولكنه وطئكم برجله وضربكم بيده وقمعكم بلسانه فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم، ولنت لكم أوطأت لكم كتفي وكففت يدي ولساني عنكم فاجترأتم علي، أما والله لأنا أعز نفرًا وأقرب ناصرًا وأكثر عددًا، وأقمن إن قلت هلم أتى إلي، ولقد أعددت لكم أقرانكم، وأفضلت عليكم فضولًا، وكشرت لكم عن نابي، وأخرجتم مني خلقًا لم أكن أحسنه، ومنطقًا لم أنطق به، فكفوا عليكم ألسنتكم، وطعنكم، وعيبكم على ولاتكم، فإني قد كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا، ألا فما تفقدون من حقكم؟ والله ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلي، ومن لم تكونوا تختلفون عليه فضل فضلي من مال فمال لا أصنع في الفضل ما أريد فلم كنت إمامًا فقام مروان بن
стр. 5408
الحكم فقال: إن شئتم حكمنا والله بيننا وبينكم السيف نحن والله وأنتم كما قال الشاعر:
فرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم ... معارسكم تبنون في دمن الثرى
فقال عثمان: اسكت لأسكت، دعني وأصحابي ما منطقك في هذا، ألم أتقدم إليك ألا تنطق فسكت مروان ونزل عثمان. (١)
١٥ - قال ابن شبة: مما روي من الاختلاف فيمن أعان عثمان ﵁ أو أعان عليه من أصحاب النبي ﷺ وأزواجه ﵃ وغيرهم؛ عن قيس بن عباد قال: كنا مع علي ﵁ فكان إذا شهد مشهدًا، أو أشرف على أكمة، أو هبط واديًا قال: صدق الله ورسوله، فقلت لرجل من بني يشكر: انطلق بنا إلى أمير المؤمنين نسأله عن قوله: صدق الله ورسوله، فانطلقنا إليه فقلنا: يا أمير المؤمنين، رأيناك إذا شهدت مشهدًا أو أشرفت على أكمة قلت: صدق الله ورسوله، فهل عهد إليك رسول الله ﷺ في ذلك شيئًا؟ فأعرض عنا، فألححنا عليه فقال: والله ما عهد إلي رسول الله ﷺ في ذلك عهدًا إلا شيئًا أخذه على الناس، ولكن الناس وثبوا على عثمان ﵁ فقتلوه فكان غيري فيه أسوأ حالًا مني وأسوأ فعلًا مني، ثم رأيت أني أحقهم بها فوثبت عليها، فالله أعلم أخطأنا أم أصبنا. (٢)
١٦ - وقال أيضًا: حدثنا علي بن محمد، عن جناب بن موسى، عن مجالد، عن الشعبي قال: لما قدم أهل مصر المرة الثانية صعد عثمان ﵁ المنبر فحصبوه، وجاء علي ﵁ دخل المسجد، فقال عثمان ﵁: يا علي، قد نصبت القدر على أثاف، قال: ما جئت إلا
стр. 5409
وأنا أريد أن أصلح أمر الناس، فأما إذا اتهمتني فسأرجع إلى بيتي (١).
١٧ - وقال ابن شبة حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا يوسف ﵇ بن المجاشون قال: حدثني أبي: أن أم حبيبة زوج النبي ﷺ ورضي عنها حين حصر عثمان ﵁ حملت حتى وضعت بين يدي علي ﵁ في خدرها وهو على المنبر فقالت: أجر لي من في الدار، قال: نعم، إلا نعثلًا وشقيًا، قالت: فوالله ما حاجتي إلا عثمان وسعيد بن العاص، قال: ما إليهما سبيل، قالت: ملكت يا ابن أبي طالب فأسجح قال: أما والله ما أمرك الله بهذا ولا رسوله. (٢)
١٨ - عن أبي الصهباء البكري قال: تذاكرنا قتل عثمان ﵁ فقال بعضنا: ما أرى عليًّا قتله إلا أنه كان يراه كافرًا، فقلت ألا تسأله عن ذلك؛ فسألته، فقال: والله، ما كان عثمان بشرنا، ولكن ولي فاستأثر، وجزعنا فأسأنا الجزع، وسنرد إلى حكم فيقضي بينا. (٣)
١٩ - عن نوفل بن مساحق، قال: دخل علي ﵁ على عثمان ﵁ بالذي وجده أهل مصر مع غلامه، فحلف عثمان ﵁ ما كتبه، فقال له علي ﵁: فمن تتهم؟ قال: أتهمك وكاتبي، فغضب علي ﵁ وخرج، وقال: والله، لئن لم يكن كتبه أو كتب على لسانه ما له عذر في تضييع أمر الأمة،
стр. 5410
ولئن كان كتبه لقد أحل نفسه ولا أرد عنه وقد اتهمني، فاعتزل، واعتزل ناس كثير. (١)
٢٠ - عن عوف قال: كان أشد الصحابة على عثمان طلحة بن عبيد الله، وإنما أفسد عثمان ﵁ بطانة استبطنها من الطلقاء. (٢)
٢١ - عن حكيم بن جابر قال: كلم علي طلحة وعثمان في الدار محصور، فقال: إنهم قد حيل بينهم وبين الماء، فقال طلحة: أما حتى تعطي بنو أمية الحق من أنفسها فلا. (٣)
стр. 5411
٢٢ - عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال لي عبد الملك بن مروان: أشهدت الدار؟ قلت: نعم، فليسل أمير المؤمنين عما أحب، قال: أين كان علي؟ قلت: في داره، قال: فأين كان الزبير؟ قلت: عند أحجار الزيت، قال: فأين كان طلحة؟ قلت: نظرت فإذا مثل الحرة السوداء فقلت ما هذا؟ قالوا: طلحة واقف، فإن حال حائل دون عثمان قاتله، فقال: لولا أن أبي أخبرني يوم مرج راهط أنه قتل طلحة ما تركت على وجه الأرض من بني تميم أحدًا إلا قتلته. (١)
٢٣ - الروايات في رمي مروان لطلحة ثابتة، وتأويلها أن مروان اجتهد في ذلك وأخطأ في اجتهاده، حيث ظن أن طلحة ممن شارك في قتل عثمان ﵁، وليس هناك من ضرورة توجب إصابة مروان في اجتهاده. قال ابن حجر: جَاءَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحكَمِ رَمَاهُ فَأَصَابَ رُكْبَتَهُ فَلَمْ يَزَلْ يَنْزِفُ الدَّمُ مِنْهَا حَتَّى مَاتَ (٢).
٢٤ - عن عبد الوهاب بن عكرمة من بني قيس بن ثعلبة عن أمه قالت: كنت عند عائشة ﵂ فدخل عليها أبو البختري بن درهم فقال: يا أم المؤمنين، ما تقولين في عثمان؟
стр. 5412
فقالت: "وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء". (١)
٢٥ - عن النعمان بن بشير ﵁ قال: دخلت على عائشة ﵂ وعندها قوم من المهاجرين يذكرون عثمان ﵁ ﵁ أول ما حصر فقالت: أنا أمكم، تريدون أمرا إن عمل به رأيتم ما تكرهون، فنظرت إلي عائشة فقالت: نعمان؟ قلت: نعم، قالت: تعلمني بك أي عدو الله، والله لوددت أن قريشا ردتك تكرها اضربوه، قال: فضربوني، فقلت: لا جرم، والله لا آتي هذا المكان أبدًا. (٢)
٢٦ - عن وهب بن جرير قال، حدثنا أبي قال، سمعت قتادة يحدث: أن عبد الله بن أذينة العبدي لما بلغه قدوم طلحة والزبير ركب فرسه فتلقاهما قبل أن يدخلا البصرة، فإذا محمد بن طلحة بن عبيد الله (وكان يقال له الساجد من عبادته فقال له: من أنت؟ قال: أنا محمد بن طلحة، قال: والله إن كنت لأحب أن ألقاك، قال له محمد: من أنت؟ قال: عبد الله بن أذينة، فأخبرني عن قتل عثمان ﵁، قال: أخبرك أن دم عثمان ﵁، ثلاثة أثلاث، ثلث على صاحبة الخدر -يعني: عائشة ﵂ فلما سمعته يقول ذلك شتمته وأساءت له القول، فقال: يغفر الله لك يا أمتاه، وثلث على علي بن أبي طالب ﵁، وثلث على صاحب الجمل الأحمر ميمنة القوم -يعني أباه طلحة- فلما سمعه أبوه أقبل إليه سريعًا وقال: ويحك هل
стр. 5413
ثاب رجل بأفضل من نفسه. (١)
٢٧ - قال الحارث بن خليف، سألت سعدا عن قتل عثمان ﵁ فقال: قتل بسيف سلته عائشة ﵂: وشحذه طلحة ﵁، وسمه ابن أبي طالب ﵁ قلت: فالزبير؟ قال: فسكت وأشار بيده وأمسكنا، ولو شئنا لرفعنا ولكن عثمان ﵁ تغير وتغير، أساء وأحسن، ولم يجد متقدما، فإن كنا أحسنا فقد أحسنا وإن كنا أسأنا فنستغفر الله. قال وكان الزبير لي صديقًا فأتيته، فقال ما أقدمك؟ فقلت: جئت لأقتدي بك، قال: فارجع، قلت: فأنت؟ قال تالله إني لمغلوب مطلوب، يغلبني أهلي، وأطلب بذنبي، قلت: فصاحبكم؟ قال: لو لم يجد إلا أن يشق بطنه من حب الإمارة لشقة. (٢)
стр. 5414
٢٨ - حدثنا سليمان بن رجاء قال، حدثني أبي قال، حدثني عبد الله بن ميسرة، عن غياث البكري قال: سألت أبا سعيد الخدري ﵁ عن قتل عثمان، هل شهده أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، لقد شهده ثمانمائة. (١)
٢٩ - عن يوسف بن الماجشون قال، أخبرني أبي: أن عبد الله بن عمر ﵄ واقف المسور بن مخرمة ﵁ بالسوق، فقال المسور: والله لنقتلنه، فقال عبد الله: إنما تريدون أن تجعلوها هرقلية، كلما غضبتم على ملك قتلتموه- يريد عثمان ﵁. (٢)
الوجه الثالث: إن سيرة هؤلاء الصحب الكرام مع عثمان ﵁ لا تدل على مثل هذا أبدا بل تدل على العكس تماما وهذه بعض الروايات الصحيحة التي تدل على هذا .
١ - أما طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص فقد كانوا مع عثمان شركاء في الأمر قبل الشورى ثم تنازل كل منهم بمحض إرادته وأما علي فبايعه طائعًا مختارًا، وهذه هي الرواية بذلك:
стр. 5415
عن عمرو بن ميمون قال في سياقه لحديث مقتل عمر: فقالوا أوص يا أمير المؤمنين استخلف قال ما أجد أحدًا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض فسمى عليًّا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن وقال يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء -كهيئة التعزية له- فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة، وقال أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم حرمتهم وأوصيه بالأنصار خيرا الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقبل من محسنهم وأن يعفى عن مسيئهم وأوصيه بأهل الأمصار خيرا فإنهم ردء الإسلام وجباة المال وغيظ العدو وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم. وأوصيه بالأعراب خيرا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام أن يؤخذ من حواشي أموالهم ويرد على فقرائهم وأصيه بذمة الله تعالى وذمة رسوله ﷺ أن يوفى لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوا إلا طاقتهم.
فلما قُبض خرجنا به فانطلقنا نمشي فسلم عبد الله بن عمر قال يستأذن عمر بن الخطاب قالت أدخلوه فأدخل فوضع هنالك مع صاحبيه فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم فقال الزبير قد جعلت أمري إلى علي فقال طلحة قد جعلت أمري إلى عثمان وقال سعد قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف. فقال عبد الرحمن أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه؟ فأسكت الشيخان فقال عبد الرحمن أفتجعلونه إلى الله علي أن لا آلو عن أفضلكم؟ قال نعم فأخذ بيد أحدهما فقال لك قرابة من رسول الله ﷺ والقدم في الإسلام ما قد علمت فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك فلما أخذ الميثاق قال ارفع يدك يا عثمان فبايعه فبايع له علي وولج أهل الدار فبايعوه. (١)
стр. 5416
وإذا كان الحال كذلك فما الذي يدعوهم بعد ذلك للخروج على عثمان طلبا للأمر والولاية!
٢ - ولنعلم جميعًا أن الصحابة أجمعوا على خلافة عثمان على أحقيته بها في ذلك الوقت بلا استثناء وهذا يقطع حل دعوي في حق الصحابة أو عثمان ﵁.
١ - قال ابن تيمية: عثمان لم يصر إمامًا باختيار بعضهم بل بمبايعة الناس له وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان ولم يتخلف عن بيعته أحد.
قال الإمام أحمد في رواية حمدان بن علي: ما كان في القوم أوكد بيعة من عثمان كانت بإجماعهم فلما بايعه ذوو الشوكة والقدرة صار إمامًا وإلا فلو قدر أن عبد الرحمن بايعه ولم يبايعه علي ولا غيره من الصحابة أهل الشوكة لم يصر إمامًا، ولكن عمر لما جعلها شورى في ستة عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف ثم إنه خرج طلحة والزبير وسعد باختيارهم وبقي عثمان ﵁، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف واتفق الثلاثة باختيارهم على أن عبد الرحمن بن عوف لا يتولى ويولى أحد الرجلين وأقام عبد الرحمن ثلاثا حلف أنه لم يغتمض فيها بكبير نوم يشاور السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان ويشاور أمراء الأنصار وكانوا قد حجوا مع عمر ذلك العام فأشار عليه المسلمون بولاية عثمان وذكر أنهم كلهم قدموا عثمان فبايعوه لا عن رغبة أعطاهم إياها ولا عن رهبة أخافهم بها.
ولهذا قال غير واحد من السلف والأئمة كأيوب السختياني، وأحمد بن حنبل والدارقطني، وغيرهم من لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار وهذا من الأدلة الدالة على أن عثمان أفضل لأنهم قدموه باختيارهم واشتوارهم. (١)
ب- قال ابن كثير: ويروى أن أهل الشورى جعلوا الأمر إلى عبد الرحمن ليجتهد للمسلمين في أفضلهم ليوليه فيذكر أنه سأل من يمكنه سؤاله من أهل الشورى وغيرهم فلا يشير إلا بعثمان بن عفان حتى أنه قال: يا على أرأيت إن لم أولك بمن تشير به علي قال
стр. 5417
بعثمان وقال لعثمان أرأيت إن لم أولك بمن تشير به قال بعلي بن أبي طالب والظاهر أن هذا كان قبل أن ينحصر الأمر في ثلاثة وينخلع عبد الرحمن منها ينظر الأفضل واللَّه عليه والإسلام ليجتهدن في أفضل الرجلين فيوليه ثم نهض عبد الرحمن بن عوف ﵁ يستشير الناس فيهما ويجمع رأي المسلمين برأي رؤس الناس وأقيادهم جميعًا وأشتاتًا مثنى وفرادى ومجتمعين سرًا وجهرًا حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن وحتى سال الولدان في المكاتب وحتى سأل من يرد بمن الركبان والأعراب إلى المدينة في مدة ثلاثة أيام بلياليها فلم يجد اثنين يختلفان في تقدم عثمان بن عفان إلا ما ينقل عن عمار والمقداد أنهما أشارا بعلي بن أبي طالب ثم بايعا مع الناس علي ما سنذكره فعسى في ذلك عبد الرحمن ثلاثة أيام بلياليها لا يغتمض بكثير نوم إلا صلاة ودعاءا واستخارة وسؤالًا من ذوي الرأي عنهم فلم يجدا أحدا يعدل بعثمان بن عفان ﵁ فلما كانت الليلة يسفر صباحها عن اليوم الرابع من موت عمر بن الخطاب جاء إلى منزل ابن أخته المسور بن مخرمة وعثمان قال المسور فقلت: بأيهما ابدأ فقال بأيهما شئت قال فذهبت إلى علي فقلت: فقال أنائم يا مسور واللَّه لم أغتمض بكثير نوم منذ ثلاث اذهب فادع إلي عليا أجب خالي فقال أمرك أن تدعو معي أحدًا قلت: نعم قال: من قلت عثمان بن عفان قال بأينا بدا قلت لم يأمرني بذلك بل قال ادعو لي يهما شئت أولا فجئت إليك قال فخرج معي فلما مررنا بدار عثمان بن عفان جلس علي حتى دخلت فوجدته يوتر مع الفجر فقال لي كما قال لي علي سواء ثم خرج فدخلت بهما على خالي وهو قائم يصلي فلما انصرف أقبل عليَّ عليٌّ، وعثمان فقال أني قد سألت الناس عنكما فلم أجد أحدًا يعدل بكما أحدًا ثم أخذ العهد على كل منهما أيضا لئن ولاه ليعدلن ولئن ولي عليه ليسمعن وليطيعن ثم خرج بهما إلى المسجد وقد لبس عبد الرحمن العمامة التي عمه رسول اللَّه ﷺ وتقلد سيفا وبعث إلى وجوه الناس من المهاجرين والأنصار ونودي في الناس عامة الصلاة جامعة فامتلأ المسجد حتى غص بالناس وتراص الناس وتراصوا حتى لم يبق لعثمان موضع يجلس إلا في أخريات الناس وكان رجلا حييا ﵁ ثم
стр. 5418
صعد عبد الرحمن بن عوف منبر رسول اللَّه ﷺ فوقف وقوفا طويلا ودعا دعاء طويلا لم يسمعه الناس ثم تكلم فقال أيها الناس إني سألتكم سرًا وجهرًا بأمانيكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين أما علي وأما عثمان فقم إلي يا علي فقام إليه فوقف تحت المنبر فأخذ عبد الرحمن بيده فقال هل أنت مبايعي على كتاب اللَّه وسنة نبيه ﷺ وفعل أبي بكر وعمر قال اللهم لا ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي قال: فأرسل يده وقال: إلي يا عثمان فأخذه بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب اللَّه وسنة نبيه ﷺ وفعل أبي بكر وعمر قال اللهم نعم قال فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان فقال: اللهم اسمع واشهد اللهم اسمع واشهد اللهم اسمع واشهد اللهم إني قد خلعت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان قال: وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه تحت المنبر قال: فقعد عبد الرحمن مقعد النبي ﷺ واجلس عثمان تحته على الدرجة الثانية وجاء إليه الناس يبايعونه وبايعه علي بن أبي طالب أولا ويقال آخرا وما يذكره كثير من المؤرخين كابن جرير وغيره عن رجال لا يعرفون أن عليًا قال لعبد الرحمن خدعتني وإنك إنما وليته لأنه صهرك وليشاورك كل يوم في شأنه وأنه تلكأ حتى قال له عبد الرحمن ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح: ١٠) إلى غير ذلك من الأخبار المخالفة لما ثبت في الصحاح فهي مردوده على قائليها وناقلها، واللَّه أعلم. (١)
ج- قال الإمام الصابوني: ثم خلافة عثمان بإجماع أهل الشورى وإجماع الأصحاب كافة ورضاهم به حتى جعل الأمر إليه (٢).
د- قال أبو الحسن الأشعري: وثبتت إمامه عثمان ﵁ بعد عمر ﵁ بعقد من عقد له الإمامة من أصحاب الشورى الذين نص عليهم عمر ﵁ فاختاروه ورضوا بإمامته وأجمعوا على فضله وعدله. (٣)
٣ - أما موقف عبد اللَّه بن مسعود: عن النزال بن سبرة قال: قال عبد اللَّه حين
стр. 5419
استخلف عثمان استخلفنا خير من بقي ولم نأله، وعن النزال بن سبرة قال شهدت عبد اللَّه بن مسعود في هذا المسجد ما خطب خطبة إلا قال أمرنا خير من بقي ولم نأل. (١)
٤ - عن عبد الرحمن بن يزيد قال: صلى عثمان بمنى أربعًا فقال عبد اللَّه صليت مع النبي ﷺ ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين زاد عن حفص ومع عثمان صدرًا من إمارته ثم أتمها زاد من ها هنا عن أبي معاوية ثم تفرقت بكم الطرق فلوددت أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين قال الأعمش فحدثني معاوية بن قرة عن أشياخه أن عبد اللَّه صلى أربعًا، قال: فقيل له عبت على عثمان ثم صليت أربعًا قال الخلاف شر. (٢)
قال ابن كثير: فإذا كان هذا متابعة من ابن مسعود إلى عثمان في هذا الفرع فكيف بمتابعته إياه في أصل القرآن والاقتداء به في التلاوة التي عزم على الناس أن يقرؤا بها لا بغيرها. (٣)
٥ - وهذه عائشة تتأول ما تأول عثمان ﵁؛ عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر.
قال الزهري: فقلت لعروة ما بال عائشة تتم؟ قال تأولت ما تأول عثمان. (٤)
الوجه الرابع: لقد كان قتل عثمان من دلائل نبوة النبي ﷺ -.
وذلك أنه أخبر أن عثمان مقتول وأخبر أنه شهيد وأنه يقتل مظلومًا، ولو لم يقع قتل عثمان لكان ذلك قادحًا في صدق كلام النبي ﷺ ولهذا نقول لكم معشر الطاعنين بمقتل عثمان: إن هذا الحدث من أدلة صدق النبي ﷺ فلو لم يكن يوحى إليه فمن الذي أخبره أن عثمان يقتل وهذا في زمانه كان من الغيب الذي لا يعلمه إلا اللَّه (٥) وهذه بعض الأحاديث بذلك.
١ - عن أنس بن مالك ﵁ حدثهم: أن النبي ﷺ صعد أحدا وأبو بكر وعمر وعثمان
стр. 5420
فرجف بهم فقال: (اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان). (١)
٢ - عن أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول اللَّه ﷺ : "اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد". (٢)
٣ - عن عبد اللَّه بن حوالة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من نجا من ثلاث فقد نجا -ثلاث مرات- موتي، والدجال، وقتل خليفة مصطبر بالحق معطية". (٣)
ومعلوم أن الخليفة الذي قتل مصطبرًا هو عثمان، وفي الحديث أن هذه فتنة عظيمة وجه النبي ﷺ إلى أهمية السلامة من الخوض فيها حسيًا ومعنويًا. (٤)
٤ - عن محمد بن سيرين عن كعب بن عجرة قال: ذكر رسول اللَّه ﷺ فتنة فقربها، فمر رجل مقنع رأسه، فقال رسول اللَّه ﷺ : هذا يومئذ على الهدى، فوثبت فأخذت بضبعي عثمان، ثم استقبلت رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: هذا؟ قال: هذا. (٥)
وعن ابن عمر قال: ذكر رسول اللَّه ﷺ فتنة فمر رجل، فقال: يقتل فيها هذا المقنع يومئذ مظلوما قال فنظرت فإذا هو عثمان بن عفان ﵁ (٦).
وقال بهز في حديثه قال قال رسول اللَّه ﷺ : تهيج فتنة كالصياصي فهذا ومن معه على الحق قال فذهبت فأخذت بمجامع ثوبه فإذا هو عثمان بن عفان ﵁.
عن مرة البهزى قال: بينما نحن مع نبي اللَّه ﷺ في طريق من طرق المدينة فقال كيف في
стр. 5421
فتنة تثور في أقطار الأرض كأنها صياصي بقر، قالوا نصنع ماذا يا نبي اللَّه؟ قال: عليكم هذا وأصحابه أو اتبعوا هذا وأصحابه قال فأسرعت حتى عطفت على الرجل فقلت هذا يا نبي اللَّه قال: هذا فإذا هو عثمان بن عفان ﵁ (١).
٥ - عن النعمان بن بشير عن عائشة قالت: أرسل رسول اللَّه ﷺ إلى عثمان بن عفان فأقبل عليه رسول اللَّه ﷺ فلما رأينا رسول اللَّه ﷺ أقبلت إحدانا على الأخرى فكان من آخر كلام كلمه أن ضرب منكبه وقال: "يا عثمان أن اللَّه عسى أن يلبسك قميصًا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني يا عثمان إن اللَّه عسى أن يلبسك قميصًا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني ثلاثًا" فقلت لها يا أم المؤمنين فأين كان هذا عنك قالت نسيته واللَّه فما ذكرته قال فأخبرته معاوية بن أبي سفيان فلم يرض بالذي أخبرته حتى كتب إلى أم المؤمنين أن اكتبي إلي به فكتبت إليه به كتابًا. (٢)
وأخيرًا: وماذا عن فتنة مقتل المسيح -كما يزعمون- الكتاب المقدس .
يتحدث الكتاب المقدس عن حادث مقتل المسيح -كما يزعمون- وما فيها من فتن، كما في (مرقس ١٤، ١٥): ثُمَّ إِنَّ يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيَّ، وَاحِدًا مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ، مَضى إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ لِيُسَلِّمَهُ إِلَيْهِمْ. ١١ وَلمَّا سَمِعُوا فَرِحُوا، وَوَعَدُوهُ أَنْ يُعْطُوهُ فِضَّةً. وَكَانَ يَطْلُبُ كَيْفَ يُسَلِّمُهُ فِي فُرْصَةٍ مُوافِقَةٍ. وَلمَّا كَانَ المُسَاءُ جَاءَ مَعَ الاثْنَيْ عَشَرَ. ١٨ وَفِيمَا هُمْ مُتَّكِئُونَ يَأْكُلُونَ، قَالَ يَسُوعُ: "الحقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي. الآكِلُ مَعِي! " ١٩ فَابْتَدَأُوا يَحْزَنُونَ، وَيَقُولُونَ لَهُ وَاحِدًا فَوَاحِدًا: "هَلْ أَنَا؟ " وَآخَرُ: "هَلْ أَنَا؟ " ٢٠ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: "هُو وَاحِدٌ مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِي يَغْمِسُ مَعِي فِي الصَّحْفَةِ. ٢١ إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا
٦ - شبهة: موقف عائشة والصحابة من موقعة الجمل .
نص الشبهة: أنهم يتحاربون من أجل السلطة والتربع على عرش الخلافة.
والرد عليه من وجوه:
الوجه الأول: أن الصحيح من مواقف الصحابة بعد مقتل عثمان يدل على خلاف هذا وإليك ذكر الأحداث التي تلت مقتل عثمان ﵁ حتى قبيل معركة الجمل:
* أصاب المسلمين بلاء عظيم بسبب مقتل الخليفة عثمان ﵁، إذ كان المسلمون قد مرّوا بانتقال السلطة بعد وفاة النبي ﷺ ، وبعد وفاة الصديق ﵁، لكنهم الآن أمام تجربة جديدة تمثلت باستخدام العنف في تغيير السلطة ونجم عن ذلك مقتل الخليفة وبقاء المنصب شاغرًا، وسعى المعارضون إلى بيعة واحد من كبار الصحابة لملأ الفراغ في السلطة، فعرضوها على طلحة وعبد اللَّه بن عمر، لكن أحدًا لم يكن ليقبل منهم السلطة في ظروف الفتنة، لأنهم لا يمثلون الأمة، بل يمثلها كبار الصحابة في المدينة، وهم الذين يقبل الناس في أنحاء الدولة اختيارهم، وقد أدرك المعارضون ذلك بعد فشل محاولاتهم.
* قال محمد بن الحنفية: كنت مع أبي حين قتل عثمان ﵁ فقام فدخل منزله، فأتاه أصحاب رسول اللَّه ﷺ فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولا بد للناس من إمام ولا نجد اليوم أحد أحق بهذا الأمر منك، لا أقدم سابقة ولا أقرب من رسول اللَّه ﷺ فقال: لا تفعلوا، فإني إن أكون وزيرًا خير من أن أكون أميرًا، فقالوا: لا، واللَّه ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، قال: ففي المسجد فإنَّ بيعتي لا تكون خفيًا ولا تكون إلا عن رضا المسلمين، قال سالم بن أبي الجعد: فقال عبد اللَّه بن عباس ﵁: فلقد كرهت أن يأتي المسجد مخافة أن يُشغب عليه، وأبى هو إلا المسجد، فلما دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه، ثم بايعه الناس.
* وهناك رواية عن أبي بشير العابدي يقول فيها: إن المهاجرين والأنصار وفيهم طلحة والزبير أتوا عليًا فقالوا له: إنه لا يصلح الناس إلا بإمرة، وقد طال الأمر، فقال لهم: إنكم اختلفتم إليَّ وأتيتم، وإني قائل لكم قولًا إن قبلتموه قبلت أمركم، وإلا فلا حاجة لي فيه، فقالوا: ما قلت من شيء قبلناه إن شاء اللَّه، فبايعوه في المسجد.
стр. 5427
* وهناك رواية أخرى تفيد أن طلحة والزبير قال: يا علي ابسط يدك، فبايعه طلحة والزبير، وهذا بعد مقتل عثمان لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة.
* وهناك رواية أخرى عن عوف بن أبي جميلة العبدي قال: أمّا أنا فأشهد أني سمعت محمد بن سيرين يقول: إن عليًا جاء فقال لطلحة: ابسط يدك يا طلحة لأبايعك، فقال طلحة: أنت أحق وأنت أمير المؤمنين فابسط يدك، فبسط عليّ يده فبايعه. (١)
* وقد ذكر ابن سعد في الطبقات بيعة علي ﵁ يوم الجمعة بالخلافة سنة خمس وثلاثين، وذكر من جملة الصحابة الذين بايعوا: طلحة والزبير وجمع من الصحابة ممن كان في المدينة (٢).
* ذكر المسعودي أن عليًا بويع في اليوم الذي قتل فيه عثمان ﵁ بن عفان يعني البيعة الخاصة، ثم قال إنه بويع البيعة العامة بعد مقتل عثمان بأربعة أيام. (٣)
* وذكر اليعقوبي في تاريخه: أن طلحة والزبير بايعا عليًا، وكان أول من بايعه وصفق على يده يد طلحة بن عبيد اللَّه ﵁. (٤)
يقول الحافظ الذهبي في شأن البيعة: لما قتل عثمان سعى الناس إلى عليّ وقالوا: لابد للناس من إمام فحضر طلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، والأعيان، وكان أول من بايعه طلحة، ثم سائر الناس. (٥)
الوجه الثاني: وأما الروايات المخالفة التي نقلها الإمام الطبري في تاريخه (٦)، وهي تدل على خلاف ما ذكرنا:
١ - فمنها من يقول بأن طلحة والزبير بايعا كرهًا، حيث روى من طريق الزهري قال: بايع الناس علي بن أبي طالب، فأرسل إلى الزبير وطلحة فدعاهما إلى البيعة، فتلكّأ طلحة
стр. 5428
فقام الأشتر وسل سيفه وقال: واللَّه لتبايعن أو لأضربن بهما بين عينيك فقال طلحة: وأين المهرب عنه؟ فبايعه، وبايعه الزبير، والناس.
٢ - وهناك روايات أخرى تبين أنهما بايعا والسيف فوق عنقيهما، هذه كلها لا تصح؛ لأنها من روايات الواقدي، وأبي مخنف الكذاب.
يقول ابن العربي عنها: فإن قيل: قال طلحة: (بايعته واللج على قفي)، قلنا: اخترع هذا الحديث من أراد أن يجعل في القفا لغة قفي، كما يجعل في الهوى هوي، وتلك لغة هذيل لا قريش فكانت كذبة لم تدبر. (١)
٣ - وقول من قال: بايع عليًا يد شلّاء -أي: يد طلحة- واللَّه لا يتم هذا الأمر. قال ابن العربي عن ذلك: وأما من قال يد شلاء وأمر لا يتم، فإن يدًا شلت في وقاية رسول اللَّه ﷺ يتم لها كل أمر، ويتوقى بها من كل مكروه. وقد تم الأمر على وجهه، ونفذ القدر بعد ذلك على حكمه، وجهلَ المبتدع ذلك فاخترع ما هو حجة عليه. (٢)
٤ - وفي رواية عمر بن شبة كما رواها الطبري في تاريخه (٣) عن محمد بن الحنفية قال: بايعت الأنصار عليًا إلا نفير يسير. (٤)
وذكر منهم: سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة
стр. 5429
وغيرهم، وهذا غير صحيح؛ فإن حضورهم لعلي واعتذارهم عن الوقوف معه في حرب أهل الشام أو فيما يدور بينه وبين المسلمين من القتال في العراق لدليل واضح على أن في أعناقهم بيعة تلزمهم بطاعته حين اعتذروا، ولو كان الأمر خلاف ذلك لتركوه يخرج دون أن يذهبوا إليه ويعتذروا له، فهم حينئذ غير ملزمين بطاعته. ويبرر الباقلاني موقف الصحابة الذين تأخروا عن نصرة علي فيقول في هذا الصدد: فإن قال قائل: فإن كانت إمامة علي من الصحة والثبوت بحيث وصفتم، فما تقولون في تأخر سعد وابن عمر وابن مسلمة وأسامة وغيرهم عن نصرته والدخول في طاعته؟ قيل له: ليس في جميع القاعدين ممن أسمينا أو ضربنا عن ذكره من طعن في إمامته واعتقد فسادها، وإنما قعدوا عن نصرته على حرب المسلمين لتخوفهم من ذلك وتجنب الإثم فيه. (١)
ويذكر ابن العربي: أن قومًا قالوا تخلف عنه من الصحابة جماعة منهم سعد وابن مسلمة وابن عمر وأسامة. فيرد عليهم بقوله: قلنا أما بيعته فلم يتخلف عنها، وأما نصرته فتخلف عنها قوم؛ منهم من ذكرتم؛ لأنها كانت مسألة اجتهادية فاجتهد كل واحد وأعمل نظره وأصاب قدره. (٢)
وخلاصة القول: لئن كانت بعض الروايات تستثني من البيعة بعض الصحابة فإن ذلك لا يقدح في خلافة علي ﵁. وإن ثبت امتناع معاوية عن مبايعته فإن ذلك لا يقدح في إجماع أهل الحل والعقد على خلافته، على أن معاوية معترف بأن عليًا أحق بالإمامة منه، وإنما حجّته في الامتناع هو طلبه تسليم الموجودين من قتلة عثمان فيقتص منهم.
ويخلص الماوردي في الأحكام السلطانية إلى القول: بأن فرض الإمامة أو البيعة يكون فرض كفاية كالجهاد وطلب العلم، حيث إذا قام بها من هو أهلها سقط فرضها عن كافة الناس. (٣)
٥ - بعد أن تولى علي الخلافة قام بعزل بعض الولاة وتعيين آخرين بدلًا عنهم، فعزل
стр. 5430
والي مكة خالد بن العاص، وعين بدله أبا قتادة الأنصاري مدة شهرين، ثم عزله وعين قثم بن العباس، ويبدو أن الرأي العام بمكة كان غاضبًا لعثمان وتصاعد الغضب لكثرة النازحين من المدينة إلى مكة على إثر سيطرة الثوار على المدينة. (١)
وأرسل عثمان بن حنيف الأنصاري إلى البصرة واليًا عليها بدلًا من عبد اللَّه بن عامر واليها لعثمان، وكان قد ترك البصرة متجهًا إلى مكة. وقد انقسمت البصرة على الوالي الجديد، فمنهم من بايع ومنهم من اعتزل، ومنهم من رفض البيعة حتى يقتل قتلة عثمان.
وأما مصر فكان واليها عبد اللَّه بن سعد بن أبي السرح قد تركها متجهًا إلى عسقلان، فاستولى عليها محمد بن أبي حذيفة مدة عام كامل، وواجه معارضة تطالب بالقصاص من قتلة عثمان، فلما قتل ولي عليها قيس بن سعد بن عبادة فتمكن من أخذ البيعة لعلي وهادن أهلها.
وأرسل علي إلى معاوية يطلب منه البيعة فرد عليه قائلًا: فإن كنت صادقًا فأمكنا من قتلة عثمان نقتلهم به ونحن أسرع الناس إليك.
فإن قال قائل: إن عليًا قد أخطأ في عزل جميع ولاة عثمان قبل أن تأتيه بيعة أهل الأمصار.
فالجواب:
١ - إن عليًا ﵁ إمام مجتهد له أن يعزل عمال عثمان إذا رأى المصلحة في ذلك، وقد ولى رسول اللَّه ﷺ وهو المعصوم- خالد بن سعيد بن أبي العاص على صنعاء، وعمرو بن العاص على عمان، فعزلهما الصديق من بعده، وولى الصديق خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة، فعزلهما الفاروق من بعده، وولى الفاروق عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة فعزلهما عثمان من بعده. (٢)، وهكذا فعل علي لما رأى المصلحة في ذلك؛ فهل ينتقد عاقل الصديق والفاروق وذا النورين في عزلهم هؤلاء العمال الأكفاء؟ !
٢ - أما القول بأنه عزل جميع عمال عثمان، هذا غير صحيح فالعزل لم يتحقق إلا في معاوية في الشام وخالد بن أبي العاص في مكة، وأبي موسى الأشعري في الكوفة، على أنه