← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

تخصص عموم المحصنات اللاتي يحد من رماهن ولم يأت بأربعة شهداء. وإن من المعلوم أن زنا الزوجة يلحق زوجها به من العار والذم وخلط أولاده بغيرهم ما لا يلحقها هي بزناه. وعلة ذلك هو: أن في نفوس الأزواج وازعًا يزعهم عن أن يرموا نساءهم بالفاحشة كذبًا وهو وازع التعيير من ذلك ووازع المحبة في الأزواج غالبًا، ولذلك سمى اللَّه ادعاء الزوج عليها باسم الشهادة بظاهرة الاستثناء في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ وفي نفوسهم من الغيرة عليهن ما لا يحتمل معه السكوت على ذلك، وكانوا في الجاهلية يقتلون على ذلك، وكان الرجل مصدقًا فيما يدعيه على امرأته، وقد قال سعد بن عبادة: لو وجدت رجلًا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مُصفِح، ولكن الغيرة قد تكون مفرطة وقد يذكيها في النفوس تنافس الرجال في أن يشتهروا بها، فمنع الإسلام من ذلك، إذ ليس من حق أحد إتلاف نفس إلا الحاكم، ولم يقرر جعل أرواح الزوجات تحت تصرف مختلف نفسيات أزواجهن (١). الثانية: لم اختير لفظ اللعن مع الرجل دون المرأة ؟ واختير لفظ اللعن على لفظ الغضب -وإن كانا مذكورين في الآية- لتقدمه فيهما ولأن جانب الرجل فيه أقوى من جانب المرأة؛ لأنه قادر على الابتداء باللعان دونها ولأنه قد ينكف لعانه عن لعانها ولا ينعكس، واختصت المرأة بالغضب لعظم الذنب بالنسبة إليها، لأن الرجل إن كان كاذبًا لم يصل ذنبه إلى أكثر من القذف، وإن كانت هي كاذبة؛ فذنبها أعظم لما فيه من تلويث الفراش، والتعرض لإلحاق من ليس من الزوج به، فتنتشر المحرمية وتثبت الولاية والميراث لمن لا يستحقهما، وجُوِّز اللعان لحفظ الأنساب، ودفع المعرة عن الأزواج. وأجمع العلماء على صحته، وتخصيص الغضب بالمرأة للتغليظ عليها لكونها أصل الفجور ومادّته، ولأن النساء يكثرن اللعن في العادة، ومع استكثارهنّ منه لا يكون له في قلوبهنّ كبير موقع بخلاف الغضب (٢).

стр. 5602

الثالثة: هل اللعان طلاق أم فسخ ؟ وفُرقة اللعان فسخ. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: هي طلاق؛ لأنها فرقة من جهة الزوج تختص النكاح فكانت طلاقًا كالفرقة بقوله: أنت طالق، ولنا أنها فرقة توجب تحريمًا مؤبدًا فكانت فسخًا كفرقة الرضاع، ولأن اللعان ليس بصريح في الطلاق ولا نوى به الطلاق فلم يكن طلاقًا كسائر ما ينفسخ به النكاح، ولأنه لو كان طلاقًا لوقع بلعان الزوج دون لعان المرأة. (١) وقال الشوكاني: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّه فَسْخٌ، وَذَهَب أَبُو حَنِيْفَةَ وَرِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ إِلَى أَنَّهُ طَلَاقٌ (٢). الرابعة: عدة اللعان . وَكَّلَ فُرْقَةٍ بَيْنَ زَوْجَيْنِ فَعِدَّتها عِدَّةُ الطَّلَاقِ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِخُلْعٍ، أَوْ لِعَانٍ، أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ فَسْخٍ بِعَيْب، أَوْ إعْسَارٍ، أَوْ إعْتَاقٍ، أَوْ اخْتِلَافِ دِينٍ، أَوْ غَيرِهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عِدَّةَ الْمُلَاعَنَةِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ. وَأَبَى ذَلِكَ سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالُوا: عِدَّتها عِدَّةُ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا مُفَارِقَةٌ فِي الْحَيَاةِ، فَأَشْبَهَتْ الْمُطَلَّقَةَ. (٣) الوجه الثالث: سبب النزول، وتفسير آيات اللعان . أولًا: سبب نزول الآية الكريمة . عن ابن عباس: أنَّ هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : البينة أو حد في ظهرك، فقال: يا رسول اللَّه، إذا رأي أحدنا مع امرأته رجلًا ينطلق يلتمس

стр. 5603

البينة؟ فجعل رسول اللَّه ﷺ يقول: البيِّنة أو حد في ظهرك، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن اللَّه ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل فأنزل اللَّه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (١). ثانيًا: تفسير الآية . قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة فيها فَرَج للأزواج وزيادة مخرج؛ إذا قذف أحدهم زوجته وتعسر عليه إقامة البينة أن يلاعنها كما أمر اللَّه ، وهو أن يحضرها إلى الإمام، فيدَّعي عليها بما رماها به، فيحلفه الحاكم أربع شهادات باللَّه في مقابلة أربعة شهداء ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: فيما رماها به من الزنا ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾ فإذا قال ذلك بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وحرمت عليه أبدًا، ويعطيها مهرها، ويتوجه عليها حد الزنا، ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن، فتشهد أربع شهادات باللَّه إنه لمن الكاذبين، أي: فيما رماها به ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ ولهذا قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ يعني: الحد ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ فخصها بالغضب، كما أن الغالب أن الرجل لا يقدم على فضيحة أهله ورميها بالزنا إلا وهو صادق معذور، وهي تعلم صدقه فيما رماها به، ولهذا كانت الخامسة في حقها أن غضب اللَّه عليها، والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق ثم يحيد عنه (٢). وقال الشيخ مصطفى العدوي: وهذه أيضًا إحدى الاستثناءات من الآية العامة التي تقدمت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (النور: ٤) فقد استثني منها الزوج

стр. 5604

مع زوجته، ولكن إذا رمت المرأة زوجها بالزنا فالراجح أنها لا تلاعنه؛ إذ من أسباب الملاعنة: نفي الولد، وهذا شيء لا يتعلق بالمرأة بل تأتي بالشهود أو يقام عليها الحد. (١) الوجه الرابع: لماذا تقع الملاعنة بين الزوجين دون غيرهما ؟ قال الفخر الرازي: إنما اعتبر الشرع اللعان في الزوجات دون الأجنبيات لوجهين: أ- أنه لا معرّة على الرجل في زنا الأجنبية والأولى له سترهُ، أما زنا الزوجة فيلحقه العار والنسب الفاسد فلا يمكنه الصبر عليه. ب - إن الغالب المتعارف من أحوال الرجل مع امرأته أنه لا يقصدها بالقذف إلا عن حقيقة، فإذا رماها فنفس الرمي يشهد بكونه صادقًا إلا أن شهادة الحال ليست بكاملة فضم إليها ما يقويها من الإيمان. (٢) وقال السعدي: وإنما كانت شهادات الزوج على زوجته دارئة عنه الحد؛ لأن الغالب أن الزوج لا يقدم على رمي زوجته التي يدنسه ما يدنسها إلا إذا كان صادقًا، ولأن له في ذلك حقًا وخوفًا من إلحاق أولاد ليسوا منه به، ولغير ذلك من الحِكم المفقودة في غيره فقال: نهى شيء، ولا يبدل شيء بشيء، وأن اللعان مختص بالزوج إذا رمى امرأته، لا بالعكس، وأن الشبه في الولد مع اللعان لا عبرة به، كما لا يعتبر مع الفراش، وإنما يعتبر الشبه جث لا مرجح إلا هو (٣). الوجه الخامس: الحكمة من نزول آيات اللعان . وهذه الآياتِ فيها رحمة من اللَّه ﵎ بعباده؛ لأن النساء يختلفن في العفة والبُعد عن الوقوع في الفاحشة، فلو أن اللَّه ﵎ أوقف الزوج بين الخيارات الثلاثة: بين أن يَقْتُل فيُقْتَل، وبين أن يسكت على الغيظ، وبين أن يقذف فيُجْلَد الحد، والعياذ باللَّه! لكان في ذلك من البلاء ما لا يعلمه إلا اللَّه، فنزلت هذه الآياتِ رحمة من اللَّه بعباده، ولطفًا من اللَّه

стр. 5605

بخلقه، ولذلك قال العلماء: إن الغالب في الزوج أن لا يقدم على تهمة زوجته إلا إذا كان عنده ما يوجب ذلك، فلا يعقل أن الإنسان يفسد فراشه وينفي ولده إلا وهو معتمد على دليل، ولذلك كان هذا الحكم من الشرع قمةً في السوية والعدالة، ذلك أن اللَّه لو قال لنبيه أو أوحى لنبيه: أن اقبل قذف الأزواج، وأقم على الزوجات الحد مطلقًا لكان في ذلك ضرر بالزوجات، ولفُتِح باب انتقام الأزواج من زوجاتهم، ولو قال بالعكس: لا تَقْبَل شهادة الزوج مطلقًا، وأقم عليه حد القذف لكان في ذلك من الضرر بالرجال ما لا يعلمه إلا اللَّه، ولكنَّ اللَّه أقام الميزان العدل، فأمره أن يقيم هذه الشهادة، وهي شهادات اللعان، خمس من الزوج، وخمس من الزوجة بالغة في النكال والعقوبة والعياذ باللَّه، يُوقف عند الخامسة فيُذكَّر باللَّه ، وتُوقف المرأة عند الخامسة فتذكر باللَّه ، وكل يمين من هذه الخمس بمثابة الشاهد، فما أنسبه من حكم! وما أعدله من شرع! . (١) وفي هذه النصوص تيسير على الأزواج، يناسب دقة الحالة وحرج الموقف. ذلك حين يطلع الزوج على فعلة زوجته، وليس له من شاهد إلا نفسه، فعندئذ يحلف أربع مرات باللَّه إنه لصادق في دعواه عليها بالزنا، ويحلف يمينًا خامسة أن لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين، وتسمى هذه شهادات؛ لأنه الشاهد الوحيد، فإذا فعل أعطاها قدر مهرها، وطلقت منه طلقة بائنة، وحق عليها حد الزنا وهو الرجم، ذلك إلا أن ترغب في درء الحد

стр. 5606

عنها؛ فإنها عندئذ تحلف باللَّه أربع مرات إنه كاذب عليها فيما رماها به، وتحلف يمينًا خامسة بأن غضب اللَّه عليها إن كان صادقًا وهي كاذبة؛ بذلك يدرأ عنها الحد، وتبين من زوجها بالملاعنة، ولا ينسب ولدها إن كانت حاملًا إليه بل إليها، ولا يقذف الولد ومن يقذفه يحد، وقد عقب على هذا التخفيف والتيسير، ومراعاة الأحوال والظروف بقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾. ولم يبين ما الذي كان يكون لولا فضل اللَّه ورحمته بمثل هذه التيسيرات وبالتوبة بعد مفارقة الذنوب لم يبينه ليتركه مجملًا مرهوبًا يتقيه المتقون، والنص يوحي بأنه شر عظيم. (١) وَلَوْلَا تَفَضُّلُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْلَا رَحْمَتُهُ بِكُمْ يَا أَيُّها المُؤْمِنُونَ فِي قَبُولَ تَوْبَتِكُم فِي كُلِّ آنٍ، وَأَنَّهُ حَكِيمٌ فِي شَرْعِهِ، وَفِعْلِهِ، وَحُكْمِهِ، وَمِنْهَا مَا شَرَعَهُ لَكُمْ مِنَ اللِّعَانِ، لَفَضَحَكُمْ، وَلَعَاجَلَكُمْ بالعُقُوبَةِ، وَلَكِنَّهُ سَتَرَ عَلَيْكُمْ، وَدَفَعَ عَنْكُم الْحَدَّ باللِّعَانِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَشْرَعْ ذَلِكَ لَوَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ حَدُّ القَذْفِ، مَعَ أَنَّ قَرَائِنَ الأَحْوَالِ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ؛ لأَنَّهُ لَا يَفْتَرِي عَلَى زَوْجَتِهِ، لأَنَّهُمَا مُشْتَرِكانِ فِي الفَضِيحَةِ. وَلَوْ جَعَلَ شَهَادَةَ الرَّجُلِ مُوجِبَةً لِحَدِّ الزنا وَحْدَهَا لَكَثُرَ افْتِراءُ الأَزْوَاجِ عَلى زَوْجَاتِهِمْ لِضَغِينَةٍ قَدْ تَكُونُ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ جَعَلَ شَهَادَاتِ كُلِّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ مَعَ الجَزْمِ بِكَذِبِ الآخَرِ تَدْرَأَ عَنْهُ العُقُوبَةَ الدُّنْيَويَّةَ (٢). ومن جملته أنه تعالى لو لم يشرع لهم ذلك (اللعان) لوجب على الزوج حد القذف مع أن الظاهر صدقه لأنه أعرف بحال زوجته، وأنه لا يفترى عليها لاشتراكهما في الفضاحة، وبعد ما شرع لهم لو جعل شهاداته موجبة لحد الزنا عليها لفات النظر إليها، ولو جعل شهاداتها موجبة لحد القذف عليه لفات النظر له، ولا ريب في خروج الكل عن سنن الحكمة والفضل والرحمة، فجعل شهادات كل منهما مع الجزم بكذب أحدهما حتمًا دارئة لما

стр. 5607

توجه إليه من الغائلة الدنيوية، وقد ابتلى الكاذب منهما في تضاعيف شهاداته من العذاب بما هو أتم مما درأته عنه وأطم، وفي ذلك من أحكام الحكم البالغة وآثار التفضل والرحمة ما لا يخفى؛ أما على الصادق فظاهر، وأما على الكاذب فهو إمهاله والستر عليه في الدنيا ودرء الحد عنه وتعريضه للتوبة حسبما ينبئ عنه التعرض لعنوان توابيته تعالى، فسبحانه ما أعظم شأنه! وأوسع رحمته! وأدق حكمته! قاله شيخ الإسلام (١). الوجه السادس: موقف التوراة والإنجيل من زنا الزوجة . عند النصارى يحرم الطلاق إلا لعلة الزنا فقط: ففي متى (٥/ ٣٢): (وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلَّا لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْني.)، ومعنى ذلك: أن المرأة التي تريد الطلاق في المسيحية ليس أمامها إلا الرضوخ للحياة الكئيبة التي تحياها مع رجل تكرهه تكيد له ويكيد لها، ويتمنى كل منهما التخلص من الآخر، أو على الأقل موت الآخر، أو أنها تزني في بيت الزوجية ليضبطها زوجها فيقتلها، أو يأتي بشهود عليها ليتخلص منها، وقد يأتي الرجل بشهود زور ليشهدوا على زوجته بالزنا دون وقوعه ليتمكن من طلاقها، فأين بناء الأسرة في ظل جو المشاحنات، والكيد، والكره الذي يملأ البيت! هل عدم الطلاق أو تعليقه على شرط الزنا يقيم أسر قويمة نفسيًا أو أخلاقيًا؟ وهل هذا من صالح المجتمع الذي يعيش فيه النصارى؟ (٢). ويظهر من تعاليم الإنجيل: أنها تحض على الحد من الطلاق، ففي إنجيل متى الإصحاح (١٩/ ٨: ٣): وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ قَائِلِينَ لَهُ: "هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ؟ " ٤ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: "أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأنثَى؟ ٥ وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. ٦ إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللَّهُ لَا يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ". ٧ قَالُوا

стр. 5608

لَهُ: "فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلَاق فَتُطَلَّقُ؟ " ٨ قَالَ لَهُمْ: "إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا. ولكن في نفس الإنجيل الإصحاح (٥/ ٣٢): (وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلَّا لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْني.). فالجمع بين النصين يقتضى التقييد لا المنع، وبانتشار المسيحية وتقوى الكنائس اختلف اتباعها اختلافًا شديدًا حول تفسير موقف الإنجيل من الطلاق، فمنهم من يرى أن الإنجيل لم يبح الطلاق، وإنما أباح الفراق أو الانفصال الجسدي، ومنهم من يرى أنه أباح الطلاق لعلة الزنا فقط، وفى رأى فريق ثالث؛ فإن النص على التطليق للزنا مجرد مثال يقاس عليه كل الحالات الأخرى التي تشبهه، والتي ينبغي اعتبارها كذلك نظرًا لخطورتها، ومع ذلك؛ فإن الظروف السياسية كثيرًا ما أبعدت اتجاهًا وقربت آخر، ولم تستطع الكنيسة الغربية -بوجه أخص- فرض مبدأ عدم قابلية الزواج للانحلال إلا في غضون القرن العاشر الميلادي. وتعتبر الكنيسة الأرثوذكسية أكثر الكنائس توسعًا في التطليق، أما الكنيسة الكاثوليكية فهي أكثرها تشددًا، بل لا تبيح التطليق البتة، وإن وسعت من أسباب بطلان الزواج لتستوعب جزءًا من أسباب الطلاق. (١) * * *

стр. 5609

٤ - شبهة: تحريم زواج المسلمة بغير المسلم . نص الشبهة: هل تحريم زواج المسلمة بغير السلم يُعد نزعة عنصرية؟ والرد على تلك الشبهة من وجوه: الوجه الأول: الآية التي حرمت ذلك ومعناها . الوجه الثاني: أقوال فقهاء المذاهب في زواج المسلمة بالكافر. الوجه الثالث: حكمة منع المسلمات من نكاح الكفار. الوجه الرابع: منع زواج الأجنبيات عند أهل الكتاب. وإليك التفصيل الوجه الأول: الآية التي حرمت ذلك ومعناها. قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ (البقرة: ٢٢١). قال الطبري: يعني تعالى ذكره بذلك: أن اللَّه قد حرَّم على المؤمنات أن ينكحن مشركًا كائنًا من كان المشرك، ومن أيّ أصناف الشرك كان، فلا تنكحوهنَّ أيها المؤمنون منكم؛ فإنّ ذلك حرام عليكم، ولأن تزوجوهن من عبدٍ مؤمن مصدق باللَّه وبرسوله وبما جاء به من عند اللَّه، خير لكم من أن تزوجوهن من حر مشرك، ولو شرُف نسبه وكرُم أصله، وإن أعجبكم حسبه ونسبه (١). وقال ابن جزي: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: لا تزوّجوهم نساءكم، وانعقد الإجماع على أن الكافر لا يتزوّج مسلمة سواء كان كتابيًا أو غيره (٢).

стр. 5610

وقال ابن عطية: أجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة على دين الإسلام (١). وقال أبو السعود: ولا تنكحوا المشركين من الإنكاح، والمراد بهم الكفار على الإطلاق لما مر أي: لا تزوجوا منهم المؤمنات سواءً كن حرائر أو إماء حتى يؤمنوا ويتركوا ما هم فيه من الكفر. ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾ مع ما به من ذل المملوكية ﴿خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ مع ماله من عز المالكية ولو أعجبكم مما فيه من دواعي الرغبة فيه الراجعة إلى ذاته وصفاته، ﴿أُولَئِكَ﴾ استئناف مقرر لمضمون التعليلين المارين أي: أولئك المذكورون من المشركات والمشركين ﴿يَدْعُونَ﴾ من يقارنهم ويعاشرهم ﴿إِلَى النَّارِ﴾ أي: إلى ما يؤدي إليها من الكفر والفسوق، فلا بد من الاجتناب عن مقارنتهم ومقاربتهم. (٢) وقال الرازي: أما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ فلا خلاف ههنا أن المراد به الكل، وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر البتة على اختلاف أنواع الكفر، أما قوله: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ وففيه مسألتان: المسألة الأولى: هذه الآية نظير قوله: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١)﴾ (غافر: ٤١). فإن قيل: فكيف يدعون إلى النار وربما لم يؤمنوا بالنار أصلًا، فكيف يدعون إليها؟ وجوابه: أنهم ذكروا في تأويل هذه الآية وجوهًا: أحدها: أنهم يدعون إلى ما يؤدي إلى النار، فإن الظاهر أن الزوجية مظنة الألفة والمحبة والمودة، وكل ذلك يوجب الموافقة في المطالب والأغراض، وربما يؤدي ذلك إلى انتقال المسلم عن الإسلام بسبب موافقة حبيبه فإن قيل: احتمال المحبة حاصل من الجانبين، فكما

стр. 5611

يحتمل أن يصير المسلم كافرًا بسبب الألفة والمحبة، يحتمل أيضًا أن يصير الكافر مسلمًا بسبب الألفة والمحبة، وإذا تعارض الاحتمالان وجب أن يتساقطا فيبقى أصل الجواز. قلنا: إن الرجحان لهذا الجانب؛ لأن بتقدير أن ينتقل الكافر عن كفره يستوجب المسلم به مزيد ثواب ودرجة، وبتقدير أن ينتقل المسلم عن إسلامه يستوجب العقوبة العظيمة، والإقدام على هذا العمل دائر بين أن يلحقه مزيد نفع، وبين أن يلحقه ضرر عظيم، وفي مثل هذه الصورة يجب الاحتراز عن الضرر، فلهذا السبب رجح اللَّه تعالى جانب المنع على جانب الإطلاق. التأويل الثاني: أن في الناس من حمل قوله: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أنهم يدعون إلى ترك المحاربة والقتال، وفي تركهما وجوب استحقاق النار والعذاب، وغرض هذا القائل من هذا التأويل أن يجعل هذا فرقًا بين الذمية وبين غيرها، فإن الذمية لا تحمل زوجها على المقاتلة فظهر الفرق. التأويل الثالث: أن الولد الذي يحدث ربما دعاه الكافر إلى الكفر فيصير الولد من أهل النار، فهذا هو الدعوة إلى النار، ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ﴾ حيث أمرنا بتزويج المسلمة حتى يكون الولد مسلمًا من أهل الجنة. أما قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ ففيه قولان: القول الأول: أن المعنى وأولياء اللَّه يدعون إلى الجنة، فكأنه قيل: أعداء اللَّه يدعون إلى النار وأولياء اللَّه يدعون إلى الجنة والمغفرة فلا جرم يجب على العاقل أن لا يدور حول المشركات اللواتي هن أعداء اللَّه تعالى، وأن ينكح المؤمنات؛ فإنهن يدعون إلى الجنة والمغفرة.

стр. 5612

والثاني: أنه سبحانه لما بين هذه الأحكام وأباح بعضها وحرم بعضها، قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾؛ لأن من تمسك بها استحق الجنة والمغفرة، أما قوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ فالمعنى بتيسير اللَّه وتوفيقه للعمل الذي يستحق به الجنة والمغفرة (١). وقال ابن كثير: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ أي: لا تُزَوّجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات كما قال تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (الممتحنة: ١٠)، ثم ذكر قول عمر ﵁: (المسلم يتزوج النصرانية ولا يتزوج النصراني المسلمة)، قال: وهذا أصح إسنادًا من الأول. (٢) وعن عكرمة: في اليهودية والنصرانية تكون تحت النصراني أو اليهودي فتسلم هي؟ قال: يفرق بينهما، الإسلام يعلو ولا يعلى. (٣) وقال ابن عادل: هذا بالإِجماع المراد منه الكُلّ، وأَنَّ المُؤْمِنة لا يحلُّ تزويجها بكافرٍ البَتَّة على اختلاف أنواع الكُفر. (٤) وقال الآلوسي: فإن قيل: كما أن الكفار يدعون المؤمنين إلى النار، كذلك المؤمنون يدعونهم إلى الجنة بأحد الأمرين؟ أجيب: بأنّ المقصود من الآية: أنّ المؤمن يجب أن يكون حذرًا عما يضره في الآخرة، وأن لا يحوم حول حمى ذلك، ويجتنب عما فيه الاحتمال مع أن النفس والشيطان يعاونان على ما يؤدّي إلى النار، وقد ألفت الطباع في الجاهلية ذلك؟ قاله بعض المحققين: والجملة. . . الخ معللة لخيرية المؤمنين والمؤمنات من المشركين والمشركات، ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو﴾ بواسطة المؤمنين من يقاربهم ﴿إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ أي: إلى

стр. 5613

الاعتقاد الحق والعمل الصالح الموصلين إليهما، وتقديم الجنة على المغفرة مع قولهم: التخلية أولى بالتقديم على التحلية لرعاية مقابلة النار ابتداءً ﴿بِإِذْنِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَدْعُوا﴾ أي: يدعو إلى ذلك متلبسًا بتوفيقه الذي من جملته إرشاد المؤمنين لمقاربيهم إلى الخير فهم أحقاء بالمواصلة. قوله تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ لكي يتعظوا أو يستحضروا معلوماتهم بناءً على أنّ معرفة اللَّه تعالى مركوزة في العقول، والجملة تذييل للنصح والإرشاد، والواو اعتراضية أو عاطفة، وفصلت الآية السابقة بـ ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾ (البقرة: ٢١٩)؛ لأنها كانت لبيان الأحكام والمصالح والمنافع، والرغبة فيها التي هي محل تصرف العقل والتبيين للمؤمنين فناسب التفكر، وهذه الآية بـ ﴿يَتَذَكَرُونَ﴾؛ لأنها تذييل للإخبار بالدعوة إلى الجنة والنار التي لا سبيل إلى معرفتها إلا النقل والتبيين لجميع الناس فناسب التذكر (١). وقال القاسمي: أن الزوجيه مظنة الألفة والمحبة والمودة، وكل ذلك يوجب الموافقة في المطالب والأغراض، فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا (٢). وقال ابن عاشور: وقوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ تحريم لتزويج المسلمة من المشرك، فإن كان المشرك محمولًا على ظاهره في لسان الشرع، فالآية لم تتعرض لحكم تزويج المسلمة من الكافر الكتابي، فيكون دليل تحريم ذلك الإجماع؛ وهو إما مستند إلى دليل تلقاه الصحابة من النبي ﷺ وتواتر بينهم، وإما مستند إلى تضافر الأدلة الشرعية كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، فعلق النهي بالكفر وهو أعم من الشرك وإن كان المراد حينئذ المشركين، وكقوله تعالى هنا: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ كما سنبينه، وقوله: ﴿حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ غاية للنهي، وأُخذ منه أن الكافر إذا أسلمت زوجته يفسخ النكاح بينهما، ثم إذا أسلم هو كان أحق بها ما دامت في العدة، وقوله:

стр. 5614

﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ هو كقوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾، وأن المراد به المملوك، وليس المراد الحر المشرك وقد تقدم ذلك. وقوله: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ الإشارة إلى المشركات والمشركين إذ لا وجه لتخصيصه بالمشركين خاصة لصلاحيته للعود إلى الجميع والواو في ﴿يَدْعُونَ﴾ واو جماعة الرجال ووزنه (يفعون) وغلب فيه المذكر على المؤنث كما هو الشائع والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا لتعليل النهي عن نكاح المشركات وإنكاح المشركين، ومعنى الدعاء إلى النار: الدعاء إلى أسبابها، فإسناد الدعاء إليهم حقيقة عقلية، ولفظ ﴿النَّارِ﴾ مجاز مرسل أطلق على أسباب الدخول إلى النار، فإن ما هم عليه يجر إلى النار من غير علم. (١) وقال سيد قطب: فأما الأمر في زواج الكتابي من مسلمة فهو محظور؛ لأنه يختلف في واقعه عن زواج المسلم بكتابية -غير مشركة- ومن هنا يختلف في حكمه، إن الأطفال يدعون لآبائهم بحكم الشريعة الإسلامية، كما أن الزوجة هي التي تتنقل إلى أسرة الزوج وقومه وأرضه بحكم الواقع، فإذا تزوج المسلم من الكتابية (غير المشركة) انتقلت هي إلى قومه، ودعي أبناؤه منها باسمه، فكان الإسلام هو الذي يهيمن ويظلل جو المحصن، ويقع العكس حين تتزوج المسلمة من كتابي، فتعيش بعيدًا عن قومها، وقد يفتنها ضعفها ووحدتها هنالك عن إسلامها كما أن أبناءها يدعون إلى زوجها، ويدينون بدين غير دينها، والإسلام يجب أن يهيمن دائمًا، على أن هناك اعتبارات عملية قد تجعل المباح من زواج المسلم بكتابية مكروهًا (٢). الوجه الثاني: أقوال فقهاء المذاهب في زواج المسلمة بالكافر .

стр. 5615

قَالَ السرخسي: وَإِذَا تَزَوَّجَ الذِّمِّيُّ مُسْلِمَةً حُرَّةً فُرِّقَ بَيْنَهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ وَلقَوْلِهِ ﷺ : "الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى". (١) فَاسْتَقَرَّ الْحُكْمُ فِي الشَّرْعِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَةَ لَا تَحِلُّ لِلْكَافِرِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَلَالًا فِي الِابْتِدَاءِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَيُوجَعُ عُقُوبَةً إنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا. (٢) وقال الكساني: لَا يَجُوزُ إنْكَاحُ الْمُؤْمِنَةِ الْكَافِرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾، وَلأَنَّ فِي إنْكَاحِ المُؤْمِنَةِ الْكَافِرَ خَوْفَ وُقُوعِ المُؤْمِنَةِ فِي الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَدْعُوهَا إلَى دِينِهِ، وَالنِّسَاءُ فِي الْعَادَاتِ يَتْبَعْنَ الرِّجَالَ فِيمَا يُؤْثِرُونَ مِنْ الْأَفْعَالِ وَيُقَلِّدُونَهُمْ فِي الدِّينِ إلَيْهِ وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ فِي آخِرِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ : ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾: لِأَنَّهُمْ يَدْعُونَ المُؤْمِنَاتِ إلَى الْكُفْرِ، وَالدُّعَاءُ إلَى الْكُفْرِ دُعَاءٌ إلَى النَّارِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ يُوجِبُ النَّارَ، فَكَانَ نِكَاحُ الْكَافِرِ الْمُسْلِمَةَ سَبَبًا دَاعِيًا إلَى الْحَرَامِ فَكَانَ حَرَامًا، وَالنَّصُّ وَإِنْ وَرَدَ فِي المُشْرِكِينَ لَكِنَّ الْعِلَّةَ وَهِيَ الدُّعَاءُ إلَى النَّارِ يَعُمُّ الْكَفَرَةَ أَجْمَعَ فَيَتَعَمَّمُ الْحُكْمُ بِعُمُومِ الْعِلَّةِ، فَلَا يَجُوزُ إنْكَاحُ المُسْلِمَةِ الْكِتَابِيَّ كَمَا لَا يَجُوزُ إنْكَاحُهَا الْوَثَنِيَّ وَالمُجُوسِيَّ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَطَعَ وَلَايَةَ الْكَافِرِينَ عَنْ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: ١٤١)، فَلَوْ جَازَ إنْكَاحُ الْكَافِرِ الْمُؤْمِنَةَ لَثَبَتَ لَهُ عَلَيْهَا سَبِيلٌ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ. (٣) وَلَا يَجُوزُ تَزَوُّجُ المُسْلِمَةِ من مُشْرِكٍ وَلَا كِتَابِيٍّ. (٤) وقال الشافعي: ويحل نكاح حرائر أهل الكتاب لكل مسلم؛ لأن اللَّه تعالى أحلهن بغير استثناء، وأَحَبُّ إِلَيَّ لو لم ينكحهن مسلم. أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريح عن أبي الزبير أنه

стр. 5616

سمع جابر بن عبد اللَّه يُسال عن نكاح المسلم اليهودية والنصرانية؟ فقال: تزوجناهن زمان الفتح بالكوفة مع سعد بن أبي وقاص، ونحن لا نكاد نجد المسلمات كثيرًا فلما رجعنا طلقناهن وقال: فقال: لا يرثن مسلمًا ولا يرثوهن، ونساؤهن لنا حل، ونساؤنا حرام عليهم (١). وقال الماوردي: فَالْمُسْلِمَةُ لَا تَحِلُّ لِكَافِرٍ بِحَالٍ سَوَاءٌ كَانَ الْكَافِرُ كِتَابِيًّا أَوْ وَثَنِيًّا. (٢) وقد جاء في حاشية العدوي أن من مواضع الفرقة بين الزوجين: أن تسلم الزوجة، ويظل الزوج على كفره حتى تنقضي العدة (٣). وقال ابن حزم: وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ نِكَاحُ غَيْرِ مُسْلِمٍ أَصْلًا، وَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ أَنْ يَمْلِكَ عَبْدًا مُسْلِمًا، وَلَا مُسْلِمَةً أَمَةً أَصْلًا، برهان ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّه : ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾، وَقَالَ : ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. (٤) وقال ابن تيمية: وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ، وَلَا يَتَزَوَّجُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَةَ، وَاللَّه سُبْحَانَهُ قَدْ قَطَعَ الْوِلَايَةَ فِي كِتَابِهِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَأَوْجَبَ الْبَرَاءَةَ بَيْنَهُمْ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، وَأَثْبَتَ الْوِلَايَةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ. (٥) وقال محمد رشيد رضا: وجملة القول أن هؤلاء المشركين الذين أشركوا وهم الذين بينكم وبينهم غاية الخلاف والتباين في الاعتقاد؛ لا يجوز لكم أن تتصلوا بهم برابطة الصهر لا بتزويجهم ولا بالتزوج منهم، وأما الكتابيات فقد جاء في سورة المائدة أنهن حل لنا، وسكت هناك عن تزويج الكتابب بالمسلمة وقالوا -ورضيه الأستاذ الإمام محمد عبده-: أنه على أصل المنع، وأيدوه بالسنة والإجماع، وقد بين أنه قد ترجى فائدة دينية من تزويج

стр. 5617

المسلم بالكتابية، ولكن هذه الفائدة لا تظهر من تزويج المسلمة بالكتابي؛ لأن المرأة أسيرة الرجل لاسيما في ما ليس للنساء فيها من الحقوق ما أعطاهن الإسلام. (١) وقال ابن بطال: قال المهلب: وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾، فإنه خاطب الأولياء ونهاهم عن إنكاح المشركين ولياتهم المسلمات من أجل أن الولد تابع للأب في دينه بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ (البقرة: ٢٢١)، ولا مدعو في نفس الاعتبار يمكنه الإجابة إلا الولد، إذ هو تبع لأبيه في الدين (٢). وقال الصنعاني: خطاب للأولياء بأن لا ينكحوا المسلمات المشركين، ولو فرض أنه يجوز لها إنكاح نفسها لما كانت الآية دالة على تحريم ذلك عليهن؛ لأن القائل بأنها تنكح نفسها يقول بأنه ينكحها وليها أيضًا، فيلزم أن الآية لم تفِ بالدلالة على تحريم إنكاح المشركين للمسلمات؛ لأنها إنما دلت على نهي الأولياء من إنكاح المشركين لا على نهي المسلمات أن ينكحن أنفسهن منهم، وقد علم تحريم نكاح المشركين المسلمات، فالأمر للأولياء دال على أنه ليس للمرأة ولاية. (٣) وقال ابن حجر: قوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾، ووجه الاحتجاج من الآية والتي بعدها: أنه تعالى خاطب بإنكاح الرجال ولم يخاطب به النساء، فكأنه قال: لا تنكحوا أيها الأولياء مولياتكم للمشركين (٤). وقال البدر العيني: وجه الاستدلال به أن اللَّه خاطب الأولياء ونهاهم عن إنكاح المشركين مولياتهم المسلمات (٥).

стр. 5618

ولما كانت مخالطة أهل الشرك مظنة الفساد الذي ربما أدى إلى التهاون بالدين فربما دعا الزوج زوجته إلى الكفر فقاده الميل إلى إتباعه؛ قال منبهًا على ذلك ومعللًا لهذا الحكم: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: الذين هم أهل للبعد من كل خير ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: الأفعال المؤدية إليها ولا بد، فربما أدى حب الزوج المسلم إلى الكفر، ولا عبرة باحتمال ترك الكافر للكفر وإسلامه. (١) الوجه الثالث: حكمة منع المسلمات من نكاح الكفار . ١ - الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه . الحكمة من منع زواج المسلمة من كتابي أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فالزوج له قوامة على زوجته، وهذا ممنوع في حق الكافر، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ ثم إنه لا يُؤمَن على المرأة -وهي تميل إلى العاطفة أكثر من الرجل- أن تتأثر بزوجها إذا دعاها لدينه، وكذلك لا يؤمن على الأولاد أن يتابعوا أباهم على كفره، فهذه بعض الحِكم من منع زواج المسلمة بالكتابي، أما زواج المسلم بالكتابية فليست فيه هذه المفاسد فالقوامة للمسلم، وقد يؤثر عليها فيهديها اللَّه تعالى على يديه، كما أنه مكلف بتنشئة أولاده تنشئة إسلامية تقيهم متابعة أمهم في دينها، وإذا قصر في ذلك فهو محاسب أمام اللَّه، كما أن المسلم إذا تزوج كتابية فهو يؤمن بكتابها -غير المبدل- ورسولها، فيكوَّن معها أساسًا للتفاهم في الجملة يمكن معه للحياة أن تستمر، أما الكتابي فإذا تزوج بمسلمة فهو لا يؤمن بدينها ولا أحكامه إطلاقًا، ولا مجال للتفاهم معه في أمر لا يؤمن به كلية، وبالتالي فلا مجال للتفاهم والوئام، ولهذا منع هذا الزوج ابتداء. فللمسلم أن يتزوج باليهودية أو النصرانية، وليس لليهودي أو النصراني أن يتزوج بالمسلمة، وقد بيَّن الباري جل وعلا السبب بقوله: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: يدعون إلى الكفر الذي هو سبب دخول نار جهنم، فالرجل له سلطة وولاية على المرأة، فربما

стр. 5619

أجبرها على ترك دينها وحملها على أن تكفر بالإسلام، والأولاد يتبعون الأب. فإذا كان الأب نصرانيًا أو يهوديًا ربّاهم على اليهودية أو النصرانية، فيصير الولد من أهل النار. ومن ناحية أخرى، فإن المسلم يعظّم موسى وعيسى ﵉، ويؤمن برسالتهما ويعتقد بالتوارة والإنجيل التي أنزلها اللَّه ولا يحمله إيمانه على إيذاء زوجته (اليهودية) أو (النصرانية) مثلًا بسبب العقيدة؛ لأنه يلتقي معها على الإيمان باللَّه، وتعظيم رسله، فلا يكون اختلاف الدين سببًا للأذى أو الاعتداء، بخلاف غير المسلم الذي لا يؤمن بالقرآن ولا برسالة نبينا محمد ﵊، فإن عدم إيمانه يدعوه إلى إيذاء المسلمة والاستخفاف بدينها. (١) ٢ - الرجل قيم على المرأة ومؤثر عليها بخلاف المرأة . وقد أحل اللَّه الزواج من الكتابية، ولم يحل نكاح الكتابي للمسلمة؛ لأن الرجل غالب للمرأة، فالغالب أن المرأة تتأثر به، وقد تسلم، وإذا لم تسلم على يد زوجها فقد تسلم على يد أولادها، ولكن إذا كان الزوج كافرًا والمرأة مسلمة، فقد يكون الأمر بالعكس، فأحلَّ اللَّهُ النكاح للرجال ولم يحله للنساء (٢)، ولما كانت رابطة النكاح رابطة اتصال ومعاشرة نُهي عن وقوعها مع من يدعون إلى النار خشية أن تؤثر تلك الدعوة في النفس؛ فإن بين الزوجين مودة وإلفًا يبعثان على إرضاء أحدهما الآخر، ولما كانت هذه الدعوة من المشركين شديدة لأنهم لا يوحدون اللَّه ولا يؤمنون بالرسل - كان البون بينهم وبين المسلمين في الدين بعيدًا جدًّا لا يجمعهم شيء يتفقون عليه؛ فلم يبح اللَّه مخالطتهم بالتزوج من كلا الجانبين، أما أهل الكتاب فيجمع بينهم وبين المسلمين اعتقاد وجود اللَّه، وانفراده بالخلق، والإيمان بالأنبياء، ويفرق بيننا وبين النصارى الاعتقاد ببنوة عيسى والإيمان بمحمد ﷺ ، ويفرق بيننا وبين اليهود الإيمان بمحمد ﷺ وتصديق عيسى؛ فأباح اللَّه تعالى للمسلم أن

стр. 5620

يتزوج الكتابية، ولم يبح تزويج المسلمة من الكتابي اعتدادًا بقوة تأثير الرجل على امرأته، فالمسلم يؤمن بأنبياء الكتابية وبصحة دينها قبل النسخ، فيوشك أن يكون ذلك جالبًا إياها إلى الإسلام؛ لأنها أضعف منه جانبًا، وأما الكافر فهو لا يؤمن بدين المسلمة ولا برسولها، فيوشك أن يجرها إلى دينه لذلك السبب (١). الوجه الرابع: منع زواج الأجنبيات عند أهل الكتاب . وقد يقال لغير المسلمين الذين يعترضون على عدم تزويج المسلمة منهم: إنه قد جاء في كتبهم ما يشبه ذلك من منعهم الزواج من بنات الكنعانيين، ففي سفر (التكوين ٣: ٢٤) مثلًا يقول: فَأَستَحْلِفَكَ بِالرَّبِّ إِلهِ السَّمَاءِ وَإِلهِ الأَرْضِ أَنْ لَا تَأْخُذَ زَوْجَةً لابْنِي مِنْ بَنَاتِ الْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ أَنَا سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ. وجاء أيضًا: وَوَلَدَتْ سَارَةُ امْرَأَةُ سَيِّدِي ابْنًا لِسَيِّدِي بَعْدَ مَا شَاخَتْ، فَقَدْ أَعْطَاهُ كُلَّ مَا لَهُ. ٣٧ وَاسْتَحْلَفَنِي سَيِّدِي قَائِلًا: لَا تَأْخُذْ زَوْجَةً لابْنِي مِنْ بَنَاتِ الْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ أَنَا سَاكِنٌ فِي أَرْضِهِمْ، ٣٨ بَلْ إِلَى بَيْتِ أَبِي تَذْهَبُ وَإِلَى عَشِيرَتِي، وَتَأْخُذُ زَوْجَةً لابْنِي. ٣٩ فَقُلْتُ لِسَيِّدِي: رُبَّمَا لَا تَتْبَعُنِي الْمَرْأَةُ. ٤٠ فَقَالَ لِي: إِنَّ الرَّبَّ الَّذِي سِرْتُ أَمَامَهُ يُرْسِلُ مَلَاكَهُ مَعَكَ وَيُنْجِحُ طَرِيقَكَ، فَتَأْخُذُ زَوْجَةً لابْنِي مِنْ عَشِيرَتِي وَمِنْ بَيْتِ أَبِي. ٤١ حِينَئِذٍ تَتَبرَّأُ مِنْ حَلْفِي حِينَمَا تَجِيءُ إِلَى عَشِيرَتِي. وَإِنْ لَمْ يُعْطُوكَ فَتَكُونُ بَرِيئًا مِنْ حَلْفِي (التكوين/ ٢٤: ٤١: ٣٦). ويعتقد اليهود أن الزواج بالأجنبيات ضرر وخطيئة فنهت بعض أسفارهم عن هذا، وإن أباحته أسفار أخرى للضرورة. ففي سفر عزرا الإصحاحات من ٧ إلى ١٠ نجد أن عزرا عندما لاحظ كثرة زواج قومه بالأجنبيات غضب وطاردهن وأطفالهن، واعتبر هذا الزواج خطيئة كَفَّرَ عنها الشعبُ بالصلاة عام ٤٥٨ ق. م، فانظر مثلًا قوله: فَاجْتَمَعَ كُلُّ رِجَالِ يَهُوذَا وَبَنْيَامِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ فِي الثَّلَاثَةِ الأَيَّامِ، أَيْ فِي الشَّهْرِ التَّاسِعِ، فِي الْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ، وَجَلَسَ جَمِيعُ الشَّعْبِ فِي

стр. 5621

سَاحَةِ بَيْتِ اللَّهِ مُرْتَعِدِينَ مِنَ الأَمْرِ وَمنَ الأَمْطَارِ. ١٠ فَقَامَ عَزْرَا الْكَاهِنُ وَقَالَ لهمْ: "إِنَّكُمْ قَدْ خُنْتُمْ وَاتَّخَذْتُمْ نِسَاءً غَرِيبَةً لِتَزِيدُوا عَلَى إِثْمِ إِسْرَائِيلَ. ١١ فَاعْتَرِفُوا الآنَ لِلرَّبِّ إِلهِ آبَائِكُمْ وَاعْمَلُوا مَرْضَاتَهُ، وَانْفَصِلُوا عَنْ شُعُوبِ الأَرْضِ وَعَنِ النِّسَاءِ الْغَرِيبَةِ". ١٢ فَأَجَابَ كُلُّ الْجَمَاعَةِ وَقَالُوا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: "كَمَا كَلَّمْتَنَا كَذلِكَ نَعْمَلُ. ١٣ إِلَّا أَنَّ الشَّعْبَ كَثِيرٌ، وَالْوَقْتَ وَقْتُ أَمْطَارٍ، وَلَا طَاقَةَ لَنَا عَلَى الْوُقُوفِ فِي الخارِجِ، وَالْعَمَلُ لَيْسَ لِيَوْمٍ وَاحِدٍ أَوْ لاثْنَيْنِ، لأَنَّنَا قَدْ أَكْثَرْنَا الذَّنْب فِي هذَا الأَمْرِ. ١٤ فَلْيَقِفْ رُؤَسَاؤُنَا لِكُلِّ الْجَمَاعَةِ. وَكُلُّ الَّذِينَ فِي مُدُنِنَا قَدِ اتَّخَذُوا نِسَاءً غَرِيبَةً، فَلْيَأْتُوا فِي أَوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ وَمَعَهُمْ شُيُوخُ مَدِينَةٍ فَمَدِينَةٍ وَقُضَاتُهَا، حَتَّى يَرْتَدَّ عَنَّا حُمُوُّ غَضَبِ إِلهِنَا مِنْ أَجْلِ هذَا الأَمْرِ". ١٥ وَيُونَاثَانُ بْنُ عَسَائِيلَ وَيَحْزِيَا بْنُ تِقْوَةَ فَقَطْ قَامَا عَلَى هذَا، وَمَشُلَّامُ وَشَبْتَايُ اللَّاوِيُّ سَاعَدَاهُمَا. ١٦ وَفَعَلَ هكَذَا بَنُو السَّبْي. وَانْفَصَلَ عَزْرَا الْكَاهِنُ وَرِجَالٌ رُؤُوسُ آبَاءٍ، حَسَبَ بُيُوتِ آبَائِهِمْ، وَجَمِيعُهُمْ بأَسْمَائِهِمْ، وَجَلَسُوا فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ الْعَاشِرِ لِلْفَحْصِ عَنِ الأَمْرِ. ١٧ وَانْتَهَوْا مِنْ كُلِّ الرِّجَالِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا نِسَاءً غَرِيبَةً فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ الأَوَّلِ. (عزرا ١٠/ ١٧: ٩). وهكذا قسا نحميا على الأجنبيات (إصحاح: ١٣) فانظر مثلًا قوله: ١٣ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ أَيْضًا رَأَيْتُ الْيَهُودَ الَّذِينَ سَاكَنُوا نِسَاءً أَشْدُودِيَّاتٍ وَعَمُّونِيَّاتٍ وَمُوآبِيَّاتٍ. ٢٤ وَنِصْفُ كَلَامِ بَنِيهِمْ بِاللِّسَانِ الأَشْدُودِيِّ، وَلَمْ يَكُونُوا يُحْسِنُونَ التَّكُلُّمَ بِاللِّسَانِ الْيَهُودِيِّ، بَلْ بِلِسَانِ شَعْبٍ وَشَعْبٍ. ٢٥ فَخَاصَمْتُهُمْ وَلَعَنْتُهُمْ وَضَرَبْتُ مِنْهُمْ أُنَاسًا وَنَتَفْتُ شُعُورَهُمْ، وَاسْتَحْلَفْتُهُمْ بِاللَّه قَائِلًا: "لَا تُعْطُوا بَنَاتِكُمْ لِبَنِيهِمْ، وَلَا تَأْخُذُوا مِنْ بَنَاتِهِمْ لِبَنِيكُمْ، وَلَا لأَنْفُسِكُمْ. ٢٦ أَلَيْسَ مَنْ أَجْلِ هَؤُلَاءِ أَخْطَأَ سُلَيْمَانُ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ وَلَمْ يَكُنْ فِي الأُمَمِ الْكَثِيرَةِ مَلِكٌ مِثْلُهُ؟ وَكَانَ مَحْبُوبًا إِلَى إِلهِهِ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ مَلِكًا علَى كُلِّ إِسْرَائِيلَ. هُوَ أَيْضًا جَعَلَتْهُ النِّسَاءُ الأَجْنَبِيَّاتُ يُخْطِئُ. ٢٧ فَهَلْ نَسْكُتُ لَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا كُلَّ هذَا الشَّرِّ الْعَظِيمِ بِالْخِيَانَةِ ضِدَّ إِلِهنَا بِمُسَاكَنَةِ نِسَاءٍ أَجْنَبِيَّاتٍ؟ " ٢٨ وَكَانَ وَاحِدٌ مِنْ بَنِي يُويَادَاعَ بْنِ أَلْيَاشِيبَ الْكَاهِنِ الْعَظِيمِ صِهْرًا لِسَنْبَلَّطَ الْحُورُونِيِّ، فَطَرَدْتُهُ مِنْ عِنْدِي. ٢٩ اذْكُرْهُمْ يَا

стр. 5622

إِلهِي، لأَنَّهُمْ نَجَّسُوا الْكَهَنُوتَ وَعَهْدَ الْكَهَنُوتِ وَاللَّاوِيِّينَ. ٣٠ فَطَهَّرْتُهُمْ مِنْ كُلِّ غَرِيبٍ، وَأَقَمْتُ حِرَاسَاتِ الْكَهَنَةِ وَاللَّاوِيِّينَ، كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى عَمَلِهِ، ٣١ وَلأَجْلِ قُرْبَانِ الْحَطَبِ فِي أَزْمِنَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَلِلْبَاكُورَاتِ. فَاذْكُرْنِي يَا إِلهِي بِالْخَيْرِ. (نحميا ١٠/ ٣١: ٢٣). وهكذا يجد النصارى غضاضة في الزواج بغير بني ملتهم، ولا يفعل هذا إلا المنحلون والساقطات، أو المنحلات غير المتمسكات بنصرانيتهم، ولهم إجراءات كنسية معقدة إذا اختلف مذهبا الزوجين، وهذا يعني أن الزواج مع اختلاف المذهب لا يكون إلا ضرورة، فإن اختلف الدين كان أمرًا إدًّا، ولا تكاد تجد زواجًا يتم بين اثنين أحدهما مسيحي، والآخر يهودي إلا وراءه بعد سياسي، أو أن الاثنين لهما علاقات عاطفية ترتفع بهما فوق مستوى شعائرهما الدينية، أو أن هناك ضرورة تعليمية أو اقتصادية أو غير ذلك من الضرورات، وتحرم القوانين الوضعية زواج الدبلوماسيين بأجنبيات إلا بإذن، ولعلة ترتضيها الدولة لكيلا تتسرب أسرار الدولة عن طريق الزوجات الأجنبيات إلى دول أجنبية، وأخيرًا فإن الدعوة إلى الزواج مع التغاضي عن دين الطرف الآخر ومذهبه مرفوضة في الإسلام والمسيحية واليهودية ولم يدعُ إليها إلا المارقون كالماسونية، والبهائية، والملاحدة، والمعصوبة عيونهم عن نور الإسلام. (١) * * *

стр. 5623

٥ - شبهة: نكاح البهائم . نص الشبهة: زعموا أن الإسلام أحل نكاح البهائم، واستدلوا بحديث "من ينكح بهيمة فلا حد عليه"، واستدلالات أخرى لا تصح أن تكون دليلًا يحتج به. والجواب على ذلك كما يلي من وجوه: الوجه الأول: تحريم إتيان البهائم من القرآن الكريم . الوجه الثاني: إجماع أهل العلم على حرمة إتيان البهائم . الوجه الثالث: إتيان البهائم معصية توجب الحد أو التعزير، وفي ذلك دليل على حرمة إتيان البهائم. وإليك التفصيل الوجه الأول: تحريم إتيان البهائم من القرآن الكريم. ١ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ (المؤمنون: ٥ - ٧) (١). ٢ - وقال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)﴾ (الأنعام: ١٢٠)، وقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الأنعام: ١٥١). الوجه الثاني: إجماع أهل العلم على حرمة إتيان البهائم. ذكر الإجماع الشوكاني فقال: وهو مجمع على تحريم إتيان البهيمة كما حكي ذلك صاحب البحر (٢).

стр. 5624

وذكره ابن حزم فقال: واتفقوا أن إتيان البهائم حرام (١). الوجه الثالث: إتيان البهائم معصية توجب الحد أو التعزير، وفي ذلك دليل على حرمة إتيان البهائم . قال ابن قدامة: اختلفت الرواية عن أحمد في الذي يأتي البهيمة، فروى عنه أنه يعزر ولا حد عليه روى ذلك عن ابن عباس، وعطاء، والشعبي، والنخعي، ومالك، والثوري، وأصحاب الرأي، وإسحاق، وهو قول الشافعي، قلت: وهذا مذهب الجمهور. والرواية الثانية: حكمه حكم اللائط سواء، وقال الحسن حده حد الزنا، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن يقتل هو والبهيمة (٢). قال الخطابي: وقد اختلف العلماء فيمن أتى هذا الفعل، فقال إسحاق بن راهويه: يقتل إذا تعمد ذلك وهو يعلم ما فيه عن رسول اللَّه ﷺ ، فإن درأ عنه إمامٌ القتلَ فلا ينبغي أن يدرأ عنه جلد مائة تشبيهًا بالزنا. وروى عن الحسن أنه قال: يرجم إن كان محصنًا، ويجلد إن كان بكرًا، وقال الزهري: يجلد مائة أحصن أو لم يحصن، وقال أكثر الفقهاء يعزر، وكذلك قال عطاء والنخعي، وبه قال مالك، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، وكذلك قال أبو حنيفة، وأصحابه، وهو أحد قولي الشافعي، وقوله الآخر إن حكمه حكم الزاني (٣). ويرجع سبب هذا الاختلاف إلى اختلافهم في صحة الروايات في هذا الباب الرواية الأولى:

стр. 5625

١ - عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من وجدتموه على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة"، فقيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ قال ما سمعت من رسول اللَّه في ذلك شيئًا، ولكن أرى رسول اللَّه ﷺ كره أن يؤكل من لحمها أو ينتفع بها وقد عمل بها ذلك العمل (١). الرواية الثانية: عن ابن عباس قال: من أتى بهيمة فلا حد عليه. (٢) - فتبين أن الاستدلال الأول أقوى من حيث الصحة وعليه فمن وقع على بهيمة يقتل، أما عن البهيمة التي فعل بها هذا الفعل فاختلف أهل العلم في قتلها من عدم القتل.

стр. 5626

قال ابن قدامة: وقد اختار قتلها وألزم الفاعل بها وبغرامتها إن لم يكن صاحبها -قال- ويجب قتل البهيمة وهذا قول أبي سلمة بن عبد الرحمن وأحد قولي الشافعي، وسواء كانت مملوكة له أو لغيره، مأكولة أو غير مأكولة؛ قال أبو بكر: الاختيار قتلها، وإن تركت فلا بأس؛ وقال الطحاوي: إن كانت مأكولة ذبحت، وإلا لم تقتل، وهذا قول ثانٍ للشافعي، ثم قال ابن قدامة: فإن الحيوان إن كان للفاعل ذهب هدرًا، وإن كان لغيره فعلى الفاعل غرامته لأنه سبب إتلافه فيضمنه، ثم ذكر هل تؤكل أم لا؟ فقال: ثم إن كانت مأكولة فهل يباح أكلها على وجهين وللشافعي في ذلك قولان. (١) * * *

стр. 5627

٦ - شبهة: تحريم الشريعة للحم الخنزير . نص الشبهة: لماذا حرمت شريعة الإسلام لحم الخنزير؟ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الأصل أن المسلم يطيع اللَّه فيما أمر، وينتهي عما نهى عنه، سواء أظهرت حكمته سبحانه في ذلك أم لم تظهر . الوجه الثاني: اللَّه يهدي الإنسان للطريق المستقيم الذي فيه هداه ومنفعته. الوجه الثالث: آيات تحريم لحم الخنزير. الوجه الرابع: أضرار لحم الخنزير على صحة الإنسان. الوجه الخامس: الكتاب المقدس يحرم أيضًا لحم الخنزير. وإليك التفصيل الوجه الأول: الأصل أن المسلم يطيع اللَّه فيما أمر، وينتهي عما نهى عنه، سواء أظهرت حكمته سبحانه في ذلك أم لم تظهر. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ (الأحزاب: ٣٦). قال ابن كثير: فهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم اللَّه ورسوله بشيء، فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد هاهنا، ولا رأي ولا قول، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (النساء: ٦٥). ولهذا شدد في خلاف ذلك،

стр. 5628

فقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: ٦٣). (١) قال الشوكاني: ومعنى الآية: أنه لا يحلّ لمن يؤمن باللَّه إذا قضى اللَّه أمرًا أن يختار من أمر نفسه ما شاء بل يجب عليه أن يذعن للقضاء، ويوقف نفسه تحت ما قضاه اللَّه عليه واختاره له. (٢) الوجه الثاني: اللَّه يهدي الإنسان للطريق المستقيم الذي فيه هداه ومنفعته . إن اللَّه -جلت مشيئته وحكمته- وفر على الإنسان الجهد المضني، وهداه إلى ما ينفعه في دينه ودنياه. . . وحذره مما يضره في دينه ودنياه! . إن هذه الشريعة خير كلها ومصالح كلها وعدل كلها، فلم تدع خيرًا إلا دلت عليه ولا شرًا إلا حذرت منه، وقد جاءت بأصلين عظيمين هما: تقرير المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فما ترك النبي ﷺ خيرًا إلا دلنا عليه، ولا شرًا إلا حذرنا منه، فلا تجد فعلًا أو قولًا فيه مصلحة إلا والشريعة قد أمرت به أمر إيجاب أو استحباب، ولا فعلًا أو قولًا فيه مفسدة إلا والشريعة قد نهت عنه إما نهي تحريم أو كراهة. فالواجب إذًا هو فعل المصالح كلها، واجتناب المفاسد كلها، بحيث لا يقر الإنسان على ترك مصلحة ولا فعل مفسدة. (٣) ولا ينبغي أن يدفعنا البحث عن علة التحريم إلى تجاهل أمر هام ذلك هو: أن الحلال ما أحله اللَّه، وأن الحرام ما حرمه اللَّه، وأن النص الصحيح له هيمنته على كل اجتهاد وكل بحث وكل تعليل. ولا مانع من البحث عن الحكمة بعد ذلك لكي تكون عونًا للمسلم على إقناع الآخرين وإقامة الحجة عليهم، ويزداد المؤمن إيمانًا.

стр. 5629

واللَّه أباح لِعباده الكثير من الطيبات وحرّم عليهم الخبائث. قال ربنا ﵎ في بعض مهام نبيِّه ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ الوجه الثالث: آيات تحريم لحم الخنزير . إن في القرآن الكريم آيات تحرم الخنزير تحريمًا قاطعًا، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ (البقرة: ١٧٢ - ١٧٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (النحل: ١١٥)، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ (الأنعام: ١٤٥)، وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾ (النحل: ١١٤ - ١١٥). قال الرازي: واعلم أن تحريم الميتة موافق لما في العقول؛ لأن الدم جوهر لطيف جدًّا، فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في عروقه وتعفن وفسد وحصل من أكله مضار عظيمة. والثاني: الدم: قال صاحب "الكشاف" كانوا يملؤون المعي من الدم ويشوونه ويطعمونه الضيف، فاللَّه تعالى حرم ذلك عليهم. والثالث: لحم الخنزير، قال أهل العلم: الغذاء يصير جزءًا من جوهر المغتذي، فلا بدّ أن يحصل للمغتذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلًا في الغذاء، والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة في المشتهيات، فحرم أكله على الإنسان لئلا يتكيف بتلك الكيفية، وأما الشاة فإنها حيوان في

стр. 5630

غاية السلامة، فكأنها ذات عارية عن جميع الأخلاق، فلذلك لا يحصل للإنسان بسبب أكل لحمها كيفية أجنبية عن أحوال الإنسان (١). الوجه الرابع: أضرار لحم الخنزير على صحة الإنسان . (٢) أثبتت الدراسات العلمية أن الإنسان عندما يتناول دهون الحيوانات آكلة العشب؛ فإن دهونها تستحلب في أمعائه وتمتص، وتتحول في جسمه إلى دهون إنسانية، أما عندما يأكل دهون الحيوانات آكلة اللحوم أو الخنزير، فإن استحلابها عسير في أمعائه وإن جزيئات الجليسريدات الثلاثية لدهن الخنزير تمتص كما هي دون أن تتحول وتترسب في أنسجة الإنسان كدهون حيوانية أو خنزيرية. ومن المدهش حقًا ملاحظة د. هانس هايترش: أن الذين يأكلون شحم الخنزير من منطقة ما من جسمه؛ فإنها تترسب في المنطقة ذاتها عند الأكل، وهكذا وجد أن النساء اللواتي يأكلن فخذ لحم الخنزير يشاهد لديهن تشوه واضح في الفخذين والإليتين. والكولسترول الناجم عن تحلل لحم الخنزير في البدن يظهر في الدم على شكل كولسترول جزئي كبير الذرة يؤدي بكثرة إلى ارتفاع الضغط الدموي وإلى تصلب الشرايين، وهما من عوامل الخطورة التي تمهد لاحتشاء العضلة القلبية، وقد وجد البروفيسور Raff أن الكولسترول المتواجد في خلايا السرطان الجوالة يشابه الكولسترول المتشكل عند تناول لحم الخنزير. ولحم الخنزير غني بالمركبات الحاوية على نسب عالية من الكبريت وكلها تؤثر على قابلية امتصاص الأنسجة الضامة للماء كالإسفنج مكتسبة شكلًا كيسيًا واسعًا، وهذا يؤدي إلى تراكم المواد المخاطية في الأوتار والأربطة والغضاريف ويجعلها رخوة مما يؤهب للإصابة بالتهاب المفاصل التنكسي، وخاصة المفاصل بين الفقرات، وإلى تنكس في

стр. 5631

العظام، والأنسجة الحاوية على الكبريت تتخرب بالتعفن والتخمر منتجة روائح كريهة فواحة لانطلاق غاز كبريت الهدروجين. وقد لوحظ أن الآنية الحاوية على لحم الخنزير، على الرغم من أنها محكمة السد إلا أنه يتعين إخراجها من الغرفة بعد عدة أيام نظرًا للروائح الكريهة النتنة وغير المحتملة الناجمة عنها. وبالمقارنة فإن لحومًا أخرى مختلفة خضعت لنفس التجربة، فإن لحم البقر كان أبطأ تعفنًا من لحم الخنزير ولم تنطلق منه تلك الروائح النتنة، ويحتوي لحم الخنزير على نسبة عالية من هرمون النمو والتي لها تأثير أكيد للتأهب للإصابة بخامة النهايات علاوة على تأثيره في زيادة نمو البطن (الكرش) وزيادة معدل النمو وخاصة نمو الأنسجة المهيأة للنمو والتطور السرطاني. وحسب دراسات Raff فإن تلك الوجبة المسائية الدسمة الحاوية على لحم الخنزير تعتبر الأساس في التحول السرطاني للخلايا لاحتوائها على هرمون النمو علاوة على أثرها في رفع كولسترول الدم. كما تؤكد أبحاث د. هانس هايترش احتواء لحم الخنزير على كمية عالية من الهستامين تؤهب عند آكليها لحدوث الأمراض التحسسية الجلدية مثل الأكزيمة، والشرى، والتهاب الجلد العصبي وغيرها بكثرة. وقد وجد أن الشرى والحكة المعندة عند آكلي لحم الخنزير تتلاشى عند الامتناع عن أكله بشكل مطلق، بما في ذلك السجق المصنوع منه. الأمراض التي ينقلها الخنزير: لقد حرمت الشريعة الإسلامية لحم الخنزير، ونفذها المتدينون امتثالًا لأمر اللَّه الخالق سبحانه وطاعة له دون أن يناقشوا العلة من التحريم، لكن العلماء المحدثين توصلوا إلى نتائج مدهشة في هذا المجال: أليس من المدهش أن نعلم أن الخنزير مرتع خصب لأكثر من

стр. 5632

٤٥٠ مرضًا وبائيًا، وهو يقوم بدور الوسيط لنقل ٥٧ منها إلى الإنسان، عدا الأمراض التي يسببها أكل لحمه من عسرة هضم وتصلب للشرايين وسواها. والخنزير يختص بمفرده بنقل ٢٧ مرضًا وبائيًا إلى الإنسان وتشاركه بعض الحيوانات الأخرى في بقية الأمراض لكنه يبقى المخزن والمصدر الرئيسي لهذه الأمراض: منها الكلب الكاذب، وداء وايل، والحمى اليابانية، والحمى المتوهجة، والحميرة الخنزيرية غيرها. هذه الأوبئة يمكن أن تنتقل من الخنزير إلى الإنسان بطرق مختلفة. الأول: عن طريق مخالطته أثناء تربيته أو التعامل مع منتجاته (وتعتبر أمراضًا مهنية) وهي لا تقل عن ٣٢ وباء تصيب في الأغلب، عمال الزرائب والمجازر والبيطريون منها أنواع من الفطور العميقة، والزحار، والديدان، والزحار الزقي، والحمى اليابانية الدماغية، والتهاب الفم البثري الساري. الثاني: عن طريق تلوث الطعام والشراب بفضلاته وهي لا تقل عن ٢٨ مرضًا منها: الزحار، والأسكاريس، والانسمام الوشيقي، والديدان القنفذية، والكبدية، والمفلطحة، وشوكية الرأس، والدودة المسلحة الخنزيرية، والشعيرات الحلزونية وغيرها. الثالث: عن طريق تناول لحمه ومنتجاته وهي أكثر من ١٦ مرضًا منها داء المبيضات -داء الحويصلات الخنزيرية، الحمى المالطية- الدودة الكبدية، وداء وايل، والدودة الشعرية الحلزونية والشريطية، والسل وغيرها. وهذا يؤكد ما ذهب إليه العالم -كرول- من أن الحظر المفروض على المسلمين بعدم ملامسة الخنازير ليس بحاجة إلى تبرير. طفيليات الخنزير رأينا كيف أن الخنزير يؤوي في بدنه عددًا كبيرًا من الطفيليات وأكثر من ٥٠ نوعًا منها. يصيب الإنسان فهي داخلة فيما يسمى بالأمراض الحيوانية البشرية Zoonosis، ويمكن أن نقسمها ضمن المجموعات التالية: الأمراض الفيروسية والجرثومية: منها داء الكلب، والحمى الصفراء والمالطية، والسل، لكن أهمها ما يخص الخنزير بنقله وهي:

стр. 5633

١ - الالتهاب السحائي المخي، وتسمم الدم الناجم عن الإصابة بالمكورات السبحية الخنزيرية الكتشفة عام ١٩٦٨ والتي فسرت الحالات الغامضة من الوفيات التي حصلت حينئذ في الدانيمارك وهولندا. وقد تبين أن هذه الجراثيم شديدة الفتك بالإنسان مسببة التهاب السحايا المغلفة للمخ وبإفراز سموم معينة في دم المصاب، والذين أصيبوا بهذا المرض ونجو من الموت بعد علاج شاق أصيبوا بالصمم الدائم وفقدان التوازن. ٢ - جائحات الكريب حيث يؤكد د. هانس هايترش إن فيروس الكريب الذي ينقله الخنزير هو العامل الأكثر سمية، وينقل عن معهد الأبحاث الفيروسية في لندن أن فيروس الكريب يتضح بكثرة في رئة الخنازير التي تدخل في صنع السجق، وتمكن الفيروسات في الأماكن الحيوية للبدن إلى أن تتاح لها الفرصة في ظروف مواتية من البرد وقلة الشمس لتأتي بشكل جائحة إنسانية كالتي حدثت في المانيا بعد الحرب العالمية الثانية حينما تناول الشعب الألماني هدايا الولايات المتحدة من اللحوم ومشتقاتها مصنوعة من لحم الخنزير. ٣ - أنفلونزا الخنزير ينتشر هذا المرض على هيئة وباء يصيب الملايين من الناس ومن مضاعفاته الخطيرة التهاب المخ، وتضخم القلب، والوهط الدوائي، وآخر جائحة أصابت العالم عام ١٩١٨ حيث أصيب بها أكثر من ٢٠ مليونًا من البشر. ٤ - الحمرة الخنزيرية وينتقل من الخنزير إلى اللحامين والدباغين وسواهم وتكون بشكل لوحة محمرة مؤلمة جدًّا، وحارقة على الأيدي مع أعراض عامة من ترفع حراري وقشعريرة والتهاب العقد والأوعية اللمفاوية. الأمراض الناجمة عن الحيوانات الأوالي: يعتبر الخنزير العائل الخازن لنوعين من المثقبات Trypanosome أولاهما: هو طفيلي داء النوم الإفريقي، وثانيهما: يحدث داء شاغاس المستوطن في أمريكا الجنوبية، كما يعتبر الخنزير العائل الأكبر لنوع من الزحار الأميبي، لكن أخطر هذه الطفيليات هي المتحول

стр. 5634

الأميبي الهدبي المسمى بالزقيات الكولونية Balantidium Coli يتطفل في الأمعاء الغليظة للخنزير والقردة، لكن فرص الاتصال النادرة بين القردة والإنسان تجعل الخنزير المصدر الوحيد لعدوى الإنسان وإصابته بما يسمى بالزحار الزقي. والزحار الزقي من الأمراض المهنية التي يصاب بها العاملون على تربية الخنازير أو ذبحها، أو الاتجاه بها حيث تتلوث أيديهم بمفرغات الخنزير ومنها تنتقل بالطعام إلى أمعائهم، فيصاب بحالات من الإسهال الشديد والمتكرر مع مغص ودوار وهزال أحيانًا، ويمتد الأمر لظهور تقرحات في الأمعاء، قد تثقب وقد تؤدي إلى وفاة المصاب. الأمراض الناجمة عن الحشرات والحلم: حيث يعتبر الخنزير عائلًا لعدد من الطفيليات الخارجية للإنسان منها: أنواع من البعوض والبراغيث والقمل، ومنها ذبابة تسي تسي الناقلة لطفيلي داء النوم وأنواع من ذباب الجلد تصيب يرقاتها الفم والعين والأنف والجروح المكشوفة، ومنها: أنواع من الحلم قريبة من طفيلي الجرب. الأمراض الناجمة عن الديدان المفلطحة: ١ - صنف المثقوبات: التي تصيب الدم حيث يصاب الخنزير بديدان البلهارسيا اليابانية والتي تنزل بويضاتها مع برازه، كما يصاب بنوع من المثقوبات يصيب الرئتين، وتنتقل للإنسان في كثير من بلدان العالم، أما عن المثقوبات المعوية والكبدية فللخنزير منها نصيب غير قليل وأهمها: المتوارقة البسكية Fasciolopsis Buski من الديدان المعوية - الكبدية وهي تنتشر في آسيا من الصين إلى البنغال وتعيش الديدان البالغة في الأمعاء محدثة التهابات موضعية ونزوف وتقرحات في جلد المعي الدقيق مع إسهال مزمن وفقر دم، وقد تحدث استسقاء البطن مؤدية إلى الوفاة. ومنها الدودة الكبدية الصينية Chlonorihis Sineasis وتنتشر في بلدان الشرق الأقصى كاليابان والصين، والخنزير العائل الرئيسي بها. تعيش هذه الديدان في القنوات

стр. 5635

الصفراوية وإذا كثرت أعدادها عند المصاب أحدثت تضخمًا في الكبد وإسهالًا مزمنًا ويرقانًا شديدًا ينتهي بالوفاة. ٢ - صنف الديدان الشريطية: ويصيب الخنزير منها نوعان: الشريطية العوساء العريضة D.Latum ويصاب الإنسان بالطور البالغ منها. والنوع الأهم هو الشريطية المسلحة Taenia Solium والمسماة الدودة الوحيدة المسلحة وهي تعيش في طورها البالغ في أمعاء الإنسان، طولها من ٢ - ٣ أمتار، لها رأس أصغر من الدبوس مزود بأربع ممصات ويطوق قمته طوق من الأشواك، يلي الرأس عنق قصير ينمو منه باستمرار قطع أو أسلات صغيرة تنمو كلما بعدت عن الرأس مكونة جسم الدودة الذي يشبه الشريط والذي يحتوي أكثر من ١٠٠٠ قطعة وتمتلئ القطع الناضحة بآلاف البيوض، حتى تصبح في النهاية مجرد كيس مثقل بذلك البيض الوبيل، والذي ينمو في كل واحدة منها جنين كروي مسدس الأشواك. وتنفصل الأسلات النهائية لتخرج مع براز المصاب، وتعيش في التربة الرطبة زمنًا طويلًا حتى يأتي خنزير فيلتهمها مع ما فيها من بيض وفي أمعاء الخنزير تعمل عصاراته الهاضمة على حل غلاف هذه البيوض لتنطلق منها الأجنة مخترقة جدار الأمعاء إلى الدورة الدموية للحيوان، وبواسطة الدم تستقر في عضلات الخنزير مكونة حويصلات كروية أو بيضاوية بطول ١٨ - ٦ ملم، في كل منها يرقانة لها رأس صالح لكي يكون دودة جديدة كاملة ويحدث هذا إذا ما تناول الإنسان من اللحم المصاب دون أن ينضج تمامًا لقتل ما فيه من تلك اليرقانات. والخنزير هنا يقوم بدور العائل الوسيط والذي يعتبر المصدر الوحيد لعدوى البشر، ونمو هذه الحويصلات في المخ يؤدي إلى الإصابة بحالات من الصرع، وإلى ظهور شلل عضوي جزئي، مع دوار واضطرابات عصبية حسية. كما ينطلق منها إلى الدم ذيفانات سامة، وقد يؤدي إلى الموت، علمًا بأنه لم يعرف لهذا المرض حتى اليوم أي علاج ناجح.

стр. 5636

صحيح، كما يقول المدافعون عن الخنزير، أن البقر يصاب بدودة مشابهة هي الشريطية العزلاء، وأن الإنسان عند أكله للحم البقر المصاب يصاب بتلك الدودة بالطور البالغ مع أعراض مشابهة لما تحدثه الشريطية المسلحة (الخنزيرية)، لكن لو ابتلع بيضها. وهذا فرق هام للغاية إذ إن داء الحويصلات عند الإنسان ينجم فقط عن دودة الخنزير الشريطية علمًا بأنه مرض خطير للغاية ولا مقابل له في دودة البقر. الديدان الشوكية الرأس: وهي شائعة في الخنزير واكتشفت بين مربيه بين فلاحي وادي الفولغا في جنوب روسيا الديدان الخيطية أو الأسطوانية: منها ثعبان البطن أو الأسكاريس. وقد أثبت Smyth أن الخنزير يساعد على انتشارها، ومنها الديدان شعرية الرأس، لكن أشدها خطرًا على بني البشر هي الدودة الشعرية الحلزونية Trichinella Spiralis. تعيش الديدان البالغة في أمعاء الإنسان والخنزير وهي ديدان قصيرة طولها من ٢ - ٤ ملم تتغلغل الإناث المثقلة بالبيوض بين الزغابات المعوية لتضمع صغارها (اليرقانات) هناك، فهي لا تضع بيضًا، إذ يفقس البيض وهو في بطنها، وتخترق اليرقانات جدر الأمعاء إلى الدم وتطوف معه لتستقر في عضلات مضيفها حيث تنمو ليصل طولها إلى ١ ملم ثم تلتف على نفسها وتتحوصل، فإذا أكل إنسان لحم الخنزير المصاب انحلت الحويصلات في أمعائه وتخرج منها الأجنة لتتطور في أمعائه إلى الديدان البالغة والدودة الشعرية البالغة ليست الخطرة على الإنسان، لكنها تتزاوج في أمعائه وتموت المذكور، ترقد الإناث الملقحة في جدران الأمعاء لتضع يرقاناتها بعد أسبوع واحد، تخترق هذه اليرقانات جدر الأمعاء إلى الدم حيث تستقر في أي جزء من بدن الإنسان محدثة ما يسمى بداء الشعريات الخنزيرية Trichinosis وهي تكثر في عضلات الحجاب الحاجز للمصاب وفي حنجرته ولسانه وعينيه. وتتميز المرحلة الأولى من المرض باضطرابات معدية - معوية والإسهال الشديد، والحمى مع الضعف العام.

стр. 5637

أما المرحلة الثانية والتي تظهر بعد انتشار اليرقانات في الجسم فكثيرًا ما تكون قاتلة، ومن أعراضها انتفاخ الأجفان، وخزب تحت العينين، وآلام عضلية مبرحة، واضطرابات حركة العينين وعضلات التنفس والبلع، كما يصاب بحمى قد تكون مستمرة مع عرق غزير وهذيان. وإذا توضعت في السائل الدماغي الشوكي ظهرت أعراض التهاب الدماغ والسحايا. وبعد تكلس تلك الحويصلات، تبدأ المرحلة الثالثة بانتشار الارتشاح في الوجه والبطن والأطراف مع ضعف شديد ووهن عام، وطفوح جلدية، ونزوف، وضخامة في الطحال واضطرابات عصبية عقلية، وتحدث معظم الوفيات بين الأسبوعين الرابع والتاسع. والمعروف أنه لا يوجد عقار نوعي لداء الشعيرات. والمشكلة الحقيقة هي الغذاء أو الحمى الرثوية يجعل التشخيص صعبًا، وقد لا نتمكن من وصفه قبل الوفاة وفحص خزعة من الحجاب الحاجز. شهادات علماء الغرب بفضل الإسلام: يؤكد د. عبد الحافظ حلمي محمد: على فضل الإسلام على حماية أتباعه من أمراض الخنزير الوبيلة. فالارتباط واضح بين انتشار الشريطية المسلحة، وما ينجم عنها كداء الحويصلات الخنزيرية، وبين العادات الغذائية لبلد ما، والدين الذي يدين به قاطنوه. وهكذا فإن Noble يؤكد أن دودة الخنزير هذه تحدث عددًا كبيرًا من الإصابات الدماغية سنويًا عند سكان المكسيك الذين اعتادوا تناول لحم الخنزير، في حين يؤكد لاباج وولكوكس وماتسون في كتابهما عن طب البلاد الحارة أن هذه الدودة نادرة الوجود في البلاد الإسلامية. أما تشاندر وريد فيذكران في كتابهما عن علم الطفيليات ما نصه: أما في البلاد اليهودية والإسلامية، حيث يعد أكل لحم الخنزير خطيئة دينية كبيرة فليس لهذا الطفيلي أدنى فرص للبقاء، وهو دليل فاضح على فساد الأخلاق حين حدوثه.

стр. 5638

وعندما يتكلم نلسون عن انتشار داء الشعريات الحلزونية في دول أوربا وأمريكا فهو يتعجب قائلًا: أما العلة في إدماننا - نحن أهل العالم الغربي على أكل لحم الخنزير، فإنه لغز محير، خاصة، وأننا نذكر على الدوام بمخاطر ذلك ونحن نقرأ الكتاب المقدس (مشيرًا إلى الإصحاح الرابع عشر من سفر التثنية التوراة). أما اليهود الملتزمون وأتباع محمد فإنهم مضوا في نفورهم من الخنازير وعدم استساغتهم لحمها فخلت جماعاتهم من داء الشعريات الخنزيرية خلوًا تامًا. عدوى الخنازير: لعل أهم مصدر لعدوى الخنازير هي الطريقة المتبعة من تربية الخنازير على القمامة وعادة الخنازير الذميمة من التهاب الفضلات والنفايات، إذ أن القمامة تضم بقايا خنزيرية مصابة حتى إن أحد الباحثين يسمي الدودة الشعرية الحلزونية بدودة القمامة، وهكذا تجتمع الدودة مع الخنزير في القذارة والرجس. وسبب هام آخر لاحظه بعض الباحثين، وهو أن الخنازير تصاب أيضًا نتيجة أن بعضها يأكل أذيال بعض في المرابي المكتظة بها. وتقوم الجرذان أو الفئران بدور هام، فهي تصاب بالمرض إذا أكلت ما ينبذ من بقايا من لحوم الخنازير المصابة، وتعدي الجرذان بعضها بعضًا؛ لأنها تأكل لحوم بعضها البعض، حية وميتة، ثم تنتقل العدوى إلى الخنازير إذا أكلت جيف تلك الجرذان في أكوام القمامة، وهكذا تحدث دورات عدوى مختلفة من جرذ إلى جرذ، ومن خنزير إلى جرذ ومن جرذ إلى خنزير ومن خنزير إلى إنسان (١). هل يمكن توقي الأمراض التي تنقلها الخنازير ؟

стр. 5639

يتساءل البعض لم لا تربى الخنازير تربية صحية نظيفة؟ ولم لا تتخذ الوسائل لاكتشاف اللحوم المصابة وإتلافها؟ في ذا كان ذلك ممكنًا في مكان وظروف معينة فهل يمكن تحقيقه في كل الظروف؟ أوليس الأولى عدم المخاطرة وتجنب المهالك؟ بل الحقيقة أن هذه الوسائل كلها لم تكن مجدية في واقع الحال في أي زمان ومكان. ويأتينا الدليل من الولايات المتحدة حيث مستوى المعيشة فيها على ما نعلم فبينما نرى أن أفقر قطر إسلامي قد نجا من هذا البلاء، فإنه يوجد في الولايات المتحدة ثلاثة أمثال ما في العالم أجمع من الإصابات بالطفيليات الخنزيرية، علمًا بأن الإحصاءات غير دقيقة؛ لأن الآفات لا تشخص سريريًا إلا إذا كانت شديدة ومعظم الحالات لا تشخص إلا بعد الوفاة. وتجري في الغرب إجراءات شاقة ومحاولات باهظة لوقاية الخنازير وآكليها من الديدان الشعرية الحلزونية وغيرها. ففي الولايات المتحدة التي يربى فيها أكثر من مليون ونصف من الخنازير، جزئيًا أو كليًا على القمامة، صدرت قوانين تقضي بتعريض القمامة للبخار الساخن مدة نصف ساعة قبل تقديمها للخنازير. ولكن ما هي نتيجة هذه الجهود الكبيرة؟ لقد قدرت الإحصاءات أن نحوًا من ٥ % من خنازير بوسطن و ٥.١٨ % من ذبائح متشيغان مصابة بهذه آلافة (ويلككس وماتسون با) (أما اللحوم فإن معالجتها بالكوبالت والسيزيوم المشعين يؤدي إلى إصابة الديدان الناشئة بالعقم مما يمنع تكاثرها، لكن هذا الإجراء دقيق وليس من الميسور تطبيقه، ثم إن التجميد السريع بالتبريد ثم التخزين الطويل في درجات حرارة شديدة الانخفاض تقضي على الطفيليات الدقيقة فيه. وتقضي التعليمات الصحية في الولايات المتحدة بخزن لحوم الخنازير التي تؤكل نيئة ٢٠ يومًا كاملًا في درجة حرارة ١٥ تحت الصفر. كما أن غلي اللحوم تقتل الطفيليات لذا يوصى بغليها فترة تتناسب وحجمها: ومع كل هذه الجهود الشاقة والنفقات الباهظة في تزال الإحصاءات تشير إلى تلك النسب المرتفعة من الإصابة.

стр. 5640

أو ليس الأيسر بداهة هو تجنب تلك اللحوم أصلًا؟ ثم أينسى هؤلاء أن عملهم قد احتاج قرونًا طويلة ليكتشف عددًا من الآفات التي يسببها أكل لحم الخنزير. فمن الذي يجزم بأن هناك آفات أخرى لم يكشف العلم النقاب عنها بعد؟ أفلا تستحق الشريعة الإسلامية التي سبقت العلم البشري بعشرات القرون أن نثق بها وندع كلمة الفصل لها نحرم ما حرمت، ونحلل ما حللت وهي آتية من لدن حكيم خبير؟ . الآثار السلوكية (الخلقية) التالية لأكل لحم الخنزير: أشار النبي ﷺ إلى أثر الطعام على خلق آكليه فقال: "الفخر والخيلاء في أصحاب الإبل والسكينة والوقار في أهل الغنم". (١) وكما ذكرنا قول الفخر الرازي: قال أهل العلم - الغذاء يصير جزءًا من جوهر المغتذي فلابد أن يحصل له أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلًا في الغذاء، والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة في المشتهيات فحرم أكله لئلا يتكيف بتلك الكيفية. ويقول ابن خلدون: أكلت الأعراب لحم الإبل فاكتسبوا الغلظة، وأكل الأتراك لحم الفرس فاكتسبوا الشراسة، وأكل الإفرنج لحم الخنزير فاكتسبوا الدياثة. وحديثًا اختلف العلماء في أثر الغذاء على الطباع والخلق، لكن ملاحظات كثير من العلماء قادتهم إلى اختلاف الآثار الخلقية باختلاف نوع اللحوم المكثر من تناولها، وبأن لحم الخنزير وشحمه له تأثير سيء على العفة والغيرة على العرض إذا داوم الإنسان على تناوله توصلوا في نهايتها إلى القول بأن نوعية الطعام تؤثر على شخصية وسلوك الإنسان وتصرفاته. وعن مقالة للدكتور الفنجري يؤكد فيها أن الذين يأكلون لحوم الحيوانات الكاسرة عادة ما تكون طباعهم شريرة، غير متسامحين، ويميلون إلى ارتكاب الآثام والجرائم.
следующие страницы →