← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

صحيح، كما يقول المدافعون عن الخنزير، أن البقر يصاب بدودة مشابهة هي الشريطية العزلاء، وأن الإنسان عند أكله للحم البقر المصاب يصاب بتلك الدودة بالطور البالغ مع أعراض مشابهة لما تحدثه الشريطية المسلحة (الخنزيرية)، لكن لو ابتلع بيضها. وهذا فرق هام للغاية إذ إن داء الحويصلات عند الإنسان ينجم فقط عن دودة الخنزير الشريطية علمًا بأنه مرض خطير للغاية ولا مقابل له في دودة البقر. الديدان الشوكية الرأس: وهي شائعة في الخنزير واكتشفت بين مربيه بين فلاحي وادي الفولغا في جنوب روسيا الديدان الخيطية أو الأسطوانية: منها ثعبان البطن أو الأسكاريس. وقد أثبت Smyth أن الخنزير يساعد على انتشارها، ومنها الديدان شعرية الرأس، لكن أشدها خطرًا على بني البشر هي الدودة الشعرية الحلزونية Trichinella Spiralis. تعيش الديدان البالغة في أمعاء الإنسان والخنزير وهي ديدان قصيرة طولها من ٢ - ٤ ملم تتغلغل الإناث المثقلة بالبيوض بين الزغابات المعوية لتضمع صغارها (اليرقانات) هناك، فهي لا تضع بيضًا، إذ يفقس البيض وهو في بطنها، وتخترق اليرقانات جدر الأمعاء إلى الدم وتطوف معه لتستقر في عضلات مضيفها حيث تنمو ليصل طولها إلى ١ ملم ثم تلتف على نفسها وتتحوصل، فإذا أكل إنسان لحم الخنزير المصاب انحلت الحويصلات في أمعائه وتخرج منها الأجنة لتتطور في أمعائه إلى الديدان البالغة والدودة الشعرية البالغة ليست الخطرة على الإنسان، لكنها تتزاوج في أمعائه وتموت المذكور، ترقد الإناث الملقحة في جدران الأمعاء لتضع يرقاناتها بعد أسبوع واحد، تخترق هذه اليرقانات جدر الأمعاء إلى الدم حيث تستقر في أي جزء من بدن الإنسان محدثة ما يسمى بداء الشعريات الخنزيرية Trichinosis وهي تكثر في عضلات الحجاب الحاجز للمصاب وفي حنجرته ولسانه وعينيه. وتتميز المرحلة الأولى من المرض باضطرابات معدية - معوية والإسهال الشديد، والحمى مع الضعف العام.

стр. 5637

أما المرحلة الثانية والتي تظهر بعد انتشار اليرقانات في الجسم فكثيرًا ما تكون قاتلة، ومن أعراضها انتفاخ الأجفان، وخزب تحت العينين، وآلام عضلية مبرحة، واضطرابات حركة العينين وعضلات التنفس والبلع، كما يصاب بحمى قد تكون مستمرة مع عرق غزير وهذيان. وإذا توضعت في السائل الدماغي الشوكي ظهرت أعراض التهاب الدماغ والسحايا. وبعد تكلس تلك الحويصلات، تبدأ المرحلة الثالثة بانتشار الارتشاح في الوجه والبطن والأطراف مع ضعف شديد ووهن عام، وطفوح جلدية، ونزوف، وضخامة في الطحال واضطرابات عصبية عقلية، وتحدث معظم الوفيات بين الأسبوعين الرابع والتاسع. والمعروف أنه لا يوجد عقار نوعي لداء الشعيرات. والمشكلة الحقيقة هي الغذاء أو الحمى الرثوية يجعل التشخيص صعبًا، وقد لا نتمكن من وصفه قبل الوفاة وفحص خزعة من الحجاب الحاجز. شهادات علماء الغرب بفضل الإسلام: يؤكد د. عبد الحافظ حلمي محمد: على فضل الإسلام على حماية أتباعه من أمراض الخنزير الوبيلة. فالارتباط واضح بين انتشار الشريطية المسلحة، وما ينجم عنها كداء الحويصلات الخنزيرية، وبين العادات الغذائية لبلد ما، والدين الذي يدين به قاطنوه. وهكذا فإن Noble يؤكد أن دودة الخنزير هذه تحدث عددًا كبيرًا من الإصابات الدماغية سنويًا عند سكان المكسيك الذين اعتادوا تناول لحم الخنزير، في حين يؤكد لاباج وولكوكس وماتسون في كتابهما عن طب البلاد الحارة أن هذه الدودة نادرة الوجود في البلاد الإسلامية. أما تشاندر وريد فيذكران في كتابهما عن علم الطفيليات ما نصه: أما في البلاد اليهودية والإسلامية، حيث يعد أكل لحم الخنزير خطيئة دينية كبيرة فليس لهذا الطفيلي أدنى فرص للبقاء، وهو دليل فاضح على فساد الأخلاق حين حدوثه.

стр. 5638

وعندما يتكلم نلسون عن انتشار داء الشعريات الحلزونية في دول أوربا وأمريكا فهو يتعجب قائلًا: أما العلة في إدماننا - نحن أهل العالم الغربي على أكل لحم الخنزير، فإنه لغز محير، خاصة، وأننا نذكر على الدوام بمخاطر ذلك ونحن نقرأ الكتاب المقدس (مشيرًا إلى الإصحاح الرابع عشر من سفر التثنية التوراة). أما اليهود الملتزمون وأتباع محمد فإنهم مضوا في نفورهم من الخنازير وعدم استساغتهم لحمها فخلت جماعاتهم من داء الشعريات الخنزيرية خلوًا تامًا. عدوى الخنازير: لعل أهم مصدر لعدوى الخنازير هي الطريقة المتبعة من تربية الخنازير على القمامة وعادة الخنازير الذميمة من التهاب الفضلات والنفايات، إذ أن القمامة تضم بقايا خنزيرية مصابة حتى إن أحد الباحثين يسمي الدودة الشعرية الحلزونية بدودة القمامة، وهكذا تجتمع الدودة مع الخنزير في القذارة والرجس. وسبب هام آخر لاحظه بعض الباحثين، وهو أن الخنازير تصاب أيضًا نتيجة أن بعضها يأكل أذيال بعض في المرابي المكتظة بها. وتقوم الجرذان أو الفئران بدور هام، فهي تصاب بالمرض إذا أكلت ما ينبذ من بقايا من لحوم الخنازير المصابة، وتعدي الجرذان بعضها بعضًا؛ لأنها تأكل لحوم بعضها البعض، حية وميتة، ثم تنتقل العدوى إلى الخنازير إذا أكلت جيف تلك الجرذان في أكوام القمامة، وهكذا تحدث دورات عدوى مختلفة من جرذ إلى جرذ، ومن خنزير إلى جرذ ومن جرذ إلى خنزير ومن خنزير إلى إنسان (١). هل يمكن توقي الأمراض التي تنقلها الخنازير ؟

стр. 5639

يتساءل البعض لم لا تربى الخنازير تربية صحية نظيفة؟ ولم لا تتخذ الوسائل لاكتشاف اللحوم المصابة وإتلافها؟ في ذا كان ذلك ممكنًا في مكان وظروف معينة فهل يمكن تحقيقه في كل الظروف؟ أوليس الأولى عدم المخاطرة وتجنب المهالك؟ بل الحقيقة أن هذه الوسائل كلها لم تكن مجدية في واقع الحال في أي زمان ومكان. ويأتينا الدليل من الولايات المتحدة حيث مستوى المعيشة فيها على ما نعلم فبينما نرى أن أفقر قطر إسلامي قد نجا من هذا البلاء، فإنه يوجد في الولايات المتحدة ثلاثة أمثال ما في العالم أجمع من الإصابات بالطفيليات الخنزيرية، علمًا بأن الإحصاءات غير دقيقة؛ لأن الآفات لا تشخص سريريًا إلا إذا كانت شديدة ومعظم الحالات لا تشخص إلا بعد الوفاة. وتجري في الغرب إجراءات شاقة ومحاولات باهظة لوقاية الخنازير وآكليها من الديدان الشعرية الحلزونية وغيرها. ففي الولايات المتحدة التي يربى فيها أكثر من مليون ونصف من الخنازير، جزئيًا أو كليًا على القمامة، صدرت قوانين تقضي بتعريض القمامة للبخار الساخن مدة نصف ساعة قبل تقديمها للخنازير. ولكن ما هي نتيجة هذه الجهود الكبيرة؟ لقد قدرت الإحصاءات أن نحوًا من ٥ % من خنازير بوسطن و ٥.١٨ % من ذبائح متشيغان مصابة بهذه آلافة (ويلككس وماتسون با) (أما اللحوم فإن معالجتها بالكوبالت والسيزيوم المشعين يؤدي إلى إصابة الديدان الناشئة بالعقم مما يمنع تكاثرها، لكن هذا الإجراء دقيق وليس من الميسور تطبيقه، ثم إن التجميد السريع بالتبريد ثم التخزين الطويل في درجات حرارة شديدة الانخفاض تقضي على الطفيليات الدقيقة فيه. وتقضي التعليمات الصحية في الولايات المتحدة بخزن لحوم الخنازير التي تؤكل نيئة ٢٠ يومًا كاملًا في درجة حرارة ١٥ تحت الصفر. كما أن غلي اللحوم تقتل الطفيليات لذا يوصى بغليها فترة تتناسب وحجمها: ومع كل هذه الجهود الشاقة والنفقات الباهظة في تزال الإحصاءات تشير إلى تلك النسب المرتفعة من الإصابة.

стр. 5640

أو ليس الأيسر بداهة هو تجنب تلك اللحوم أصلًا؟ ثم أينسى هؤلاء أن عملهم قد احتاج قرونًا طويلة ليكتشف عددًا من الآفات التي يسببها أكل لحم الخنزير. فمن الذي يجزم بأن هناك آفات أخرى لم يكشف العلم النقاب عنها بعد؟ أفلا تستحق الشريعة الإسلامية التي سبقت العلم البشري بعشرات القرون أن نثق بها وندع كلمة الفصل لها نحرم ما حرمت، ونحلل ما حللت وهي آتية من لدن حكيم خبير؟ . الآثار السلوكية (الخلقية) التالية لأكل لحم الخنزير: أشار النبي ﷺ إلى أثر الطعام على خلق آكليه فقال: "الفخر والخيلاء في أصحاب الإبل والسكينة والوقار في أهل الغنم". (١) وكما ذكرنا قول الفخر الرازي: قال أهل العلم - الغذاء يصير جزءًا من جوهر المغتذي فلابد أن يحصل له أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلًا في الغذاء، والخنزير مطبوع على حرص عظيم ورغبة شديدة في المشتهيات فحرم أكله لئلا يتكيف بتلك الكيفية. ويقول ابن خلدون: أكلت الأعراب لحم الإبل فاكتسبوا الغلظة، وأكل الأتراك لحم الفرس فاكتسبوا الشراسة، وأكل الإفرنج لحم الخنزير فاكتسبوا الدياثة. وحديثًا اختلف العلماء في أثر الغذاء على الطباع والخلق، لكن ملاحظات كثير من العلماء قادتهم إلى اختلاف الآثار الخلقية باختلاف نوع اللحوم المكثر من تناولها، وبأن لحم الخنزير وشحمه له تأثير سيء على العفة والغيرة على العرض إذا داوم الإنسان على تناوله توصلوا في نهايتها إلى القول بأن نوعية الطعام تؤثر على شخصية وسلوك الإنسان وتصرفاته. وعن مقالة للدكتور الفنجري يؤكد فيها أن الذين يأكلون لحوم الحيوانات الكاسرة عادة ما تكون طباعهم شريرة، غير متسامحين، ويميلون إلى ارتكاب الآثام والجرائم.

стр. 5641

وإن أكل لحم الخنزير لابد وأن يؤثر على شخصية الإنسان وسلوكه العام والذي يتجلى واضحًا في كثير من المجتمعات الغربية حيث يكثر اللواط، والسحاق، والزنا. وما نراه متفشيًا من نتاج تلك التصرفات من ارتفاع نسبة الحمول غير الشرعية والإجهاض وغيرها. الوجه الخامس: الكتاب المقدس يحرم أيضًا لحم الخنزير . (القرآن الكريم) ليس هو الكتاب الوحيد الذي يؤكد النهي عن لحم الخنزير. ويشدد في حرمته، وهذه نصوص الأسفار قديمها وجديدها، تؤكد هذا وتقرره. الخنزير محرم؛ لأنه لا يجتر: وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَهَارُونَ قَائِلًا لَهُمَا: ٢ "كَلِّمَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلَيْنِ: هَذِهِ هِيَ الْحَيَوَانَاتُ الَّتِي تَأْكُلُونَهَا مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ الَّتِي عَلَى الأَرْضِ: ٣ كُلُّ مَا شَقَّ ظِلْفًا وَقَسَمَهُ ظِلْفَيْنِ، وَيَجْتَرُّ مِنَ الْبَهَائِمِ، فَإِيَّاهُ تَأْكُلُونَ. ٤ إِلَّا هَذِهِ فَلَا تَأْكُلُوهَا مِمَّا يَجْتَرُّ وَمِمَّا يَشُقُّ الظِّلْفَ: الْجَمَلَ، لَأَنَّهُ يَجْتَرُّ لكِنَّهُ لَا يَشُقُّ ظِلْفًا، فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. ٥ وَالْوَبْرَ، لَأَنَّهُ يَجْتَرُّ لَكِنَّهُ لَا يَشُقُّ ظِلْفًا، فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. ٦ وَالأَرْنَبَ، لأَنَّهُ يَجْتَرُّ لَكِنَّهُ لَا يَشُقُّ ظِلْفًا، فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. ٧ وَالْخِنْزِيرَ، لَأَنَّهُ يَشُقُّ ظِلْفًا وَيَقْسِمُهُ ظِلْفَيْنِ، لكِنَّهُ لَا يَجْتَرُّ، فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. ٨ مِنْ لَحْمِهَا لَا تَأْكُلُوا وَجُثَثَهَا لَا تَلْمِسُوا. إِنَّهَا نَجِسَةٌ لَكُمْ. (سفر اللاويين ١١: ١ - ٨). لَا تَأْكُلْ رِجْسًا مَّا. ٤ هذِهِ هِيَ الْبَهَائِمُ الَّتِي تَأْكُلُونَهَا: الْبَقَرُ وَالضَّأْنُ وَالمْعْزُ ٥ وَالإِيَّلُ وَالظَّبْيُ وَالْيَحْمُورُ وَالْوَعْلُ وَالرِّئْمُ وَالثَّيْتَلُ وَالمُهَاةُ. ٦ وَكُلُّ بَهِيمَةٍ مِنَ الْبَهَائِمِ تَشُقُّ ظِلْفًا وَتَقْسِمُهُ ظِلْفَيْنِ وَتَجْتَرُّ فَإِيَّاهَا تَأْكُلُونَ. ٧ إِلَّا هذِهِ فَلَا تَأْكُلُوهَا، مِمَّا يَجْتَرُّ وَمِمَّا يَشُقُّ الظِّلْفَ المُنْقَسِمَ: الْجَمَلُ وَالأَرْنَبُ وَالْوَبْرُ، لأَنَّهَا تَجْتَرُّ لكِنَّهَا لَا تَشُقُّ ظِلْفًا، فَهِيَ نَجِسَةٌ لَكُمْ. ٨ وَالْخِنْزِيرُ لَأَنَّهُ يَشُقُّ الظِّلْفَ لكِنَّهُ لَا يَجْتَرُّ فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. فَمِنْ لحمِهَا لَا تَأْكُلُوا وَجُثَثَهَا لَا تَلْمِسُوا. (سفر التثنية ١٤: ٣ - ٨).

стр. 5642

يقول قاموس الكتاب المقدس تعليقًا على هذا النص: وذلك لأنه قذر ولا يجتر طعامه ويولد لحمه بعض الأمراض إذا لم ينضج عند طبخه. وكان محرمًا على العرب تربيته. وقد حرم القرآن أكله كما حرمته التوراة. وقد حسبه الفينيقيون والأثيوبيون والمصريون نجسًا مع أنهم في مصر كانوا يقدمون خنزيرًا ذبيحةً في العيد السنوي لإله القمر ولأوزوريس باخوس. ومع ذلك فإنه كان يتحتم على من يلمس خنزيرًا ولو عرضًا أن يغتسل، ولم يكن يسمح لراعي الخنزير أن يدخل الهيكل، ولم يكن يتزوج إلا من بنات الرعاة مثله؛ لأن أحدًا لا يرضى أن يزوج ابنته من راعي الخنازير. (١) والخنزير قذر: خِزَامَةُ ذَهَبٍ فِي فِنْطِيسَةِ خِنْزِيرَةٍ الْمَرْأَةُ الجَمِيلَةُ الْعَدِيمَةُ الْعَقْلِ (الأمثال ١١: ٢٢). وإذا تركنا أسفار (العهد القديم)، وانتقلنا إلى أسفار (العهد الجديد) . فإننا نجدها تقول: لَا تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلَاب، وَلَا تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الخَنَازِيرِ (متى: ٦٧). قَدْ أَصَابَهُمْ مَا فِي الْمَثَلِ الصَّادِقِ: "كَلْبٌ قَدْ عَادَ إِلَى قَيْئهِ"، وَ"خِنْزِيرَةٌ مُغْتَسِلَةٌ إِلَى مَرَاغَةِ الحَمْأَةِ". (رسالة بطرس الرسول الثانية ٢: ٢٢). وتقرر أسفار العهد الجديد أن رعي الخنازير أحط المهن وأدناها لا يقربها إلا الفقراء المعدمون. وَقَالَ: "إِنْسَانٌ كَانَ لَهُ ابْنَانِ. ١٢ فَقَالَ أَصْغَرُهُمَا لأَبِيهِ: يَا أَبِي أَعْطِنِي الْقِسْمَ الَّذِي يُصِيبُنِي مِنَ الْمَالِ. فَقَسَمَ لَهُمَا مَعِيشَتَهُ. ١٣ وَبَعْدَ أَيَّامٍ لَيْسَتْ بِكَثِيرَةٍ جَمَعَ الابْنُ الأَصْغَرُ كُلَّ شَيْءٍ وَسَافَرَ إِلَى كُورَةٍ بَعِيدَةٍ، وَهُنَاكَ بَذَّرَ مَالَهُ بِعَيْشٍ مُسْرِفٍ. ١٤ فَلَمّا أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ، حَدَثَ جُوعٌ شَدِيدٌ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ، فَابْتَدَأَ يَحْتَاجُ. ١٥ فَمَضَى وَالْتَصَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْكُورَةِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى حُقُولِهِ لِيَرْعَى خَنَازِيرَ (إنجيل لوقا ١٥: ١١ - ١٥). وَكَانَ هُنَاكَ عِنْدَ الْجِبَالِ قَطِيعٌ كَبِيرٌ مِنَ الْخَنَازِيرِ يَرْعَى، ١٢ فَطَلَبَ إِلَيْهِ كُلُّ الشَّيَاطِينِ قَائِلِينَ: "أَرْسِلْنَا إِلَى الْخَنَازِيرِ لِنَدْخُلَ فِيهَا". ١٣ فَأَذِنَ لَهُمْ يَسُوعُ لِلْوَقْتِ. فَخَرَجَتِ الأَرْوَاحُ النَّجِسَةُ وَدَخَلَتْ فِي الْخَنَازِيرِ، فَانْدَفَعَ الْقَطِيعُ مِنْ عَلَى الْجُرْفِ إِلَى الْبَحْرِ. وَكَانَ نَحْوَ أَلْفَيْنِ،

стр. 5643

فَاخْتَنَقَ فِي الْبَحْرِ. (مرقس ٥: ١١ - ١٣). على أن هناك حقيقة ينبغي أن تكون نصب أعيننا، هي أن المسيح جاء مقررًا للتوراة ومؤكدًا لما جاء فيها: لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. ١٨ فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لَا يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ. (إنجيل متى ٥: ١٧ - ١٨). هكذا تكلم المسيح. . . فكيف تكلم بطرس. . .! بطرس فتح الباب على مصراعيه، فأحل كل حرام، ونقض الناموس. حديث ملاءة بطرس: ثُمَّ فِي الْغَدِ فِيمَا هُمْ يُسَافِرُونَ وَيَقْتَرِبُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ، صَعِدَ بُطْرُسُ عَلَى السَّطْحِ لِيُصَلِّيَ نَحْوَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. ١٠ فَجَاعَ كَثِيرًا وَاشْتَهَى أَنْ يَأْكُلَ. وَبَيْنَمَا هُمْ يُهَيِئُونَ لَهُ، وَقَعَتْ عَلَيْهِ غَيْبَةٌ، ١١ فَرَأَى السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَإِنَاءً نَازِلًا عَلَيْهِ مِثْلَ مُلَاءَةٍ عَظِيمَةٍ مَرْبُوطَةٍ بِأَرْبَعَةِ أَطْرَافٍ وَمُدَّلَاةٍ عَلَى الأَرْضِ. ١٢ وَكَانَ فِيهَا كُلُّ دَوَابِّ الأَرْضِ وَالْوُحُوشِ وَالزَّخَّافَاتِ وَطُيُورِ السَّمَاءِ. ١٣ وَصَارَ إِلَيْهِ صَوْتٌ: "قُمْ يَا بُطْرُسُ، اذْبَحْ وَكُلْ". ١٤ فَقَالَ بُطْرُسُ: "كَلَّا يَارَبُّ! لأَنِّي لَمْ أَكُلْ قَطُّ شَيْئًا دَنِسًا أَوْ نَجِسًا". ١٥ فَصَارَ إِلَيْهِ أَيْضًا صَوْت ثَانِيَةً: "مَا طَهَّرَهُ اللَّهُ لَا تُدَنِّسْهُ أَنْتَ! " ١٦ وَكَانَ هذَا عَلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، ثُمَّ ارْتَفَعَ الإِنَاءُ أَيْضًا إِلَى السَّمَاءِ. (أعمال الرسل ١٠: ٩ - ١٦). هكذا. . هكذا. . كل دواب الأرض. . حتى الوحوش والزحافات والخنازير. . . لم يعد شيء حرامًا. . .! ولكنه (بطرس) وبطرس من حقه أن يحل ما يشاء، وأن يحرم ما يشاء. . . . فإرادة اللَّه تابعة لإرادته - ألم يقل اللَّه له: وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. ١٩ وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاوَاتِ (إنجيل متى ١٦: ١٨ - ١٩). * * *

стр. 5644

٧ - شبهة: الجزية . نص الشبهة: لقد حاول أعداء الإسلام أن يظهروا أن الجزية من مساوئ الإسلام، لأن فيها إذلالًا للشعوب غير المسلمة، ولقد زعم بعضهم أن الإسلام هو أول من فرض الجزية وألزم بها. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: معنى الجزية، ومشروعيتها، وتفسير آية الجزية . الوجه الثاني: أن فرض الجزية يندرج ضمن ما يسمى بعقد الذمة، وهذا العقد يحمل في مضمونه كل الأمن والأمان لمن أراد أن يمكث في دولة الإسلام وهو على دينه. الوجه الثالث: في بيان الحكمة من مشروعية الجزية، وفي ذلك نقاط. الوجه الرابع: ترفع الإسلام عن سقطات السابقين عليه في مسألة الجزية. الوجه الخامس: أمر اللَّه بأخذ الجزية من المقاتلين دون غيرهم. الوجه السادس: في المرأة منهم إذا بذلت الجزية. الوجه السابع: لم يكن المبلغ المدفوع للجزية كبيرًا تعجز عن دفعه الرجال. الوجه الثامن: التحذير من ظلم أهل الذمة. الوجه التاسع: صور مشرقة في تعامل المسلمين مع أهل الذمة. الوجه العاشر: لم يكن الإسلام أول الأديان والملل أخذًا للجزية. الوجه الحادي عشر: مقارنة بين شريعة الإسلام في عقد الذمة وبين ما قام به النصارى واليهود تجاه البشرية عامة وتجاه من أحسن إليهم من المسلمين خاصة. وإليك التفصيل الوجه الأول: معنى الجزية، ومشروعيتها، وتفسير آية الجزية. ١ - تعريف كلمة الجزية، وتأصيلها: ذهب جماعة من العارفين بلغة الفرس في تأصيل كلمة الجزية إلى أنها لفظ فارسي محض، وأن أصله: كزيت، وأن الجزية إنما هي تعريب له، واستشهدوا في ذلك بورود هذا اللفظ في كلام شعرائهم على زِنته الأصلية.

стр. 5645

قال الحكيم سوزني: كتاب خويش نخوانيم وزو عمل نكنيم كه تا كزيت ستانند خودز أهل كتاب. وقال النظامي: كهش قيصر كزيت دين فرستد كهش خاقان خراج جبن فرستد. ونقول: لما ثبت من تصريحاتهم (وهم أعرف بلسانهم) وهي فارسية، فإما أن يقال: إنها عربية أيضًا كما هو شأن توافق اللغات، وذلك احتمال بعيد لا يُلجأ إلى أمثاله إلا عند ضرورة محوجة. وإما أن يقال: إنها فارسية الأصل، وإنما سبيله في تداوله عند العرب سبيل الدعي والدخيل في القوم. وهذا الاحتمال تعاضده قرائن وأمارات: منها: العرب خالطوا العجم قديمًا وعاشروهم، فأغاروا على جانب عظيم من لغتهم واستباحوها وتصرفوا فيها كيف ما شاءوا ولعبوا بها كل ملعب. وذلك كالكوز، والإبريق، والطست، والخوان، والقصعة، وغيرها مما أحصاها الثعالبي في كتابه فقه اللغة، فليس من المستنكر أن تكون الجزية أيضًا من جملتها. ومنها: أن العرب كانوا قبل الإسلام أصحاب البؤس والشقاء، رعاة الإبل والشاء، وما ملكوا أرضًا ولا استعبدوا قومًا. فلم يتفق لهم وضع الألفاظ في زاء المعاني التي هي من مختصات المدنية والعمران، ولذلك لا تجد في كلام العرب العرباء ألفاظًا تقوم مقام الوزير، والصاحب، والعامل، والتوقيع، والدست، وغيرها، ولما كانت الجزية أيضًا من خصائص الملكية كفوا مؤنة وضع لفظ بإزائها، ومنها: أن الحيرة (وكانت منازل آل نعمان) كانت تدين للعجم وتؤدي إليهم الإتاوة والخراج. ولما كان (كسرى أنوشروان) هو الذي سن الجزية أولًا -كما نبينه فيما سيأتي- فيغلب على الظن أن العرب أول ما عرفوا الجزية في ذاك العهد وتعاوروا اللغة العجمية بعينها.

стр. 5646

ومن مساعدة الجد أن اللفظ كان زنته زنة العربي، فلم يحتاجوا في تعريبه إلى كبير مؤنة، بعد ما أبدل كافها جيمًا صارت كأنها عربي الأصل والنجار. (١) وشرعًا: عقد تأمين، ومعاوضة، وتأبيد من الإمام، أو نائبه على مال مقدر يؤخذ من الكفار كل سنة برضاهم في مقابلة سكنى دار الإسلام. (٢) ورد الجويني قوله: (في مقابلة سكنى دار الإسلام) بقوله: وهذا غير سديد؛ لأن المرأة تقيم في دار الإسلام، ولا جزية عليها. (٣) والأصح هو أنها خلف عن النصرة. (٤) وقال ابن القيم: فالجزية هي الخراج المضروب على رؤوس الكفار إذلالًا، وصغارًا، والمعنى: حتى يعطوا الخراج عن رقابهم. (٥) وقال ابن قدامة: هي الوظيفة المأخوذة من الكافر لإقامته بدار الإسلام في كل عام، وهي فعلة من جزى يجزي إذا قضى قال اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ (البقرة: ٤٨) تقول العرب: جزيت ديني إذا قضيته (٦). وقال الجصاص: وَالجِزْيَةُ وَالْجَزَاءُ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَخْذُ الْمَالِ مِنْهُمْ عُقُوبَةً وَجَزَاءً عَلَى إقَامَتِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ. (٧) ٢ - أول من سن الجزية .

стр. 5647

قال الطبري: وكان ملوك فارس يأخذون من كور من كورهم قبل ملك كسرى أنوشروان في خراجها الثلث ومن كور الربع، ومن كور الخمس، ومن كور السدس على قدر شربها، وعمارتها، ومن جزية الجماجم شيئًا معلومًا فأمر الملك (قباذ بن فيروز) في آخر ملكه بمسح الأرض سهلها وجبلها ليصح الخراج عليها فمسحت غير أن (قباذ) هلك قبل أن يستحكم له أمر تلك المساحة حتى إذا ملك ابنه كسرى أمر باستتمامها وإحصاء النخل والزيتون والجماجم، ثم أمر كتابه فاستخرجوا جمل ذلك وأذن للناس إذنًا عامًا، وأمر كاتب خراجه أن يقرأ عليهم الجمل التي استخرجت من أصناف غلات الأرض وعدد النخل والزيتون والجماجم، فقرأ ذلك عليهم، ثم قال لهم كسرى: إنا قد رأينا أن نضع على ما أحصي من جربان هذه المساحة من النخل والزيتون والجماجم وضائع، ونأمر بإنجامها في السنة في ثلاثة أنجم ونجمع في بيوت أموالنا من الأموال ما لو أتانا عن ثغر من ثغورنا أو طرف من أطرافنا فتق أو شيء نكرهه، واحتجنا إلى تداركه أو حسمه ببذلنا فيه مالًا كانت الأموال عندنا معدة موجودة، ولم نرد استئناف اجتبائها على تلك الحال، في ترون فيما رأينا من ذلك وأجمعنا عليه؟ . فلم يشر عليه أحد منهم فيه بمشورة، ولم ينبس بكلمة، فكرر كسرى هذا القول عليهم ثلاث مرات، فقام رجل من عرضهم وقال لكسرى: أتضع أيها الملك عمرك اللَّه الخالد من هذا الخراج على الفاني من كرم يموت، وزرع يهيج، ونهر يغور، وعين أو قناة ينقطع ماؤها، فقال له كسرى: يا ذا الكلفة المشؤوم، من أي طبقات الناس أنت؟ قال: أنا رجل من الكتاب، فقال كسرى: اضربوه بالدوي حتى يموت، فضربه بها الكتاب خاصة تبرؤا منهم إلى كسرى من رأيه وما جاء منه حتى قتلوه، وقال الناس: نحن راضون أيها الملك بما أنت ملزمنا من خراج، وإن كسرى اختار رجالًا من أهل الرأي والنصيحة فأمرهم بالنظر في أصناف ما ارتفع إليه من المساحة، وعدة النخل، والزيتون، ورؤوس أهل الجزية، ووضع الوضائع على ذلك بقدر ما يرون أن فيه صلاح رعيته ورفاعة معاشهم، ورفعه إليه فتكلم كل امرئ منهم بمبلغ

стр. 5648

رأيه في ذلك من تلك الوضائع، وأداروا الأمر بينهم، فاجتمعت كلمتهم على وضع الخراج على ما يعصم الناس والبهائم، وهو الحنطة، والشعير، والأرز، والكرم، والرطاب، والنخل، والزيتون، وكان الذي وضعوا على كل جريب أرض من مزارع الحنطة والشعير درهمًا، وعلى كل جريب أرض كرم ثمانية دراهم، وعلى كل جريب أرض رطاب سبعة دراهم، وعلى كل أربع نخلات فارسية درهمًا، وعلى كل ست نخلات دقل مثل ذلك، وعلى كل ستة أصول زيتون مثل ذلك، ولم يضعوا إلا على كل نخل في حديقة أو مجتمع غير شاذ، وتركوا ما سوى ذلك من الغلات السبع فقوي الناس في معاشهم، وألزموا الناس الجزية ما خلا أهل البيوتات، والعظماء، والمقاتلة، والهرابذة، والكتاب، ومن كان في خدمة الملك، وصيروها على طبقات اثني عشر درهمًا وثمانية وستة وأربعة كقدر إكثار الرجل وإقلاله، ولم يلزموا الجزية من كان أتي له من السن دون العشرين أو فوق الخمسين، ورفعوا وضائعهم إلى كسرى فرضيها وأمر بإمضائها والاجتباء عليها في السنة في ثلاثة أنجم كل نجم أربعة أشهر وسماها أبراسيار وتأويله: الأمر المتراضي، وهي الوضائع التي اقتدى بها عمر بن الخطاب حين افتتح بلاد الفرس وأمر باجتباء أهل الذمة عليها؛ إلا أنه وضع على كل جريب أرض عامر على قدر احتماله مثل الذي وضع على الأرض المزروعة وزاد على كل جريب أرض مزارع حنطة أو شعيرًا قفيزًا من حنطة إلى القفيزين ورزق منه الجند، ولم يخالف عمر بالعراق خاصة وضائع كسرى على جربان الأرض، وعلى النخل، والزيتون، والجماجم، وألغى ما كان كسرى ألغاه من معايش الناس، وأمر كسرى فدونت وضائعه نسخًا، فاتخذت نسخة منها في ديوانه قبله، ودفعت نسخة إلى عمال الخراج ليجتبوا خراجهم عليها، ونسخة إلى قضاة الكور، وأمر القضاة أن يحولوا بين عمال الكور والزيادة على أهل الخراج فوق ما في الديوان الذي دفعت إليه نسخته، وأن يرفعوا الخراج عن كل من أصاب زرعه أو شيئًا من غلاته آفة بقدر مبلغ تلك آلافة وعمن هلك من أهل الجزية أو جاوز خمسين سنة ويكتبوا إليه بما يرفعون من ذلك ليأمر بحسبه للعمال، وألا يخلوا بين العمال وبين اجتباء من أتي له دون عشرين سنة.

стр. 5649

أما المعنى الذي توخاه كسرى في استثناء الجند ونحوهم، فبينه العلامة ابن الأثير في كتابه (الكامل) ناقلًا عن كلام كسرى فقال: ولما نظرت في ذلك وجدت المقاتِلة أجراء لأهل العمارة، وأهل العمارة أجراء للمقاتِلة، فإنهم يطلبون أجورهم من أهل الخراج وسكان البلدان لمدافعتهم عنهم ومجاهدتهم عمن وراءهم، فحق أهل العمارة أن يوفوهم أجورهم، فإن العمارة والأمن والسلامة في النفس والمال لا يتم إلا بهم، ورأيت أن المقاتلة لا يتم لهم المقام والأكل والشرب وتثمير الأموال والأولاد إلا بأهل الخراج والعمارة، فأخذت للمقاتلة من أهل الخراج ما يقوم بأودهم، وتركت على أهل الخراج من مستغلاتهم ما يقوم بمؤونتهم وعمارتهم، ولم أجحف بواحد من الجانبين. وحاصله: أنه يجب على كل فرد من أفراد الملة المدافعة عن نفسه وماله، فمن كان يقوم بهذا العبء بنفسه فليس عليه شيء، وهؤلاء أهل الجند والمقاتلة، وأما من كان يشغله أمر العمارة وتدبير الحرث على المخاطرة بالنفس فيحق عليه أن يؤدي شيئًا معلومًا في كل سنة، يصرف في وجوه حمايته والدفاع عنه. وهذا هو المعني بالجزية؛ فإنها تؤخذ من أهل العمارة وتعطى للمقاتلة والجند اللذين نصبوا أنفسهم لحماية البلاد واستتباب وسائل الأمن والسلامة لكافة العباد. (١) وقال المؤرخ الشهير أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري (وهو أقدم زمانًا من الطبري) في كتابه: (الأخبار الطوال في ذكر كسرى أنوشروان): ووظف الجزية على أربع طبقات، وأسقطها على أهل البيوتات، والمرازبة، والأساورة، والكتاب ومن كان في خدمة الملك، ولم يلزم أحدًا لم تأتِ له عشرون سنة أو جاوز الخمسين. (٢) ومن خلال هذا يعلم أن الجزية كانت موجودة قبل الإسلام، وسيأتي مزيد بيان لذلك. ٣ - مشروعية الجزية: ثبتت مشروعية الجزية بالكتاب، والسنة، والإجماع.

стр. 5650

أما من الكتاب: فقوله ﵎ ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ (التوبة: ٢٩). وجه الاستدلال بالآية: تنصُّ الآية صراحة على وجوب القتال حتى يتم إعطاء الجزية، فإذا دفعت الجزية رفع القتال. أما من السنة النبوية الشريفة، فقد ثبت جواز أخذها من أهل الكتاب بالسنة القولية بجملة أحاديث منها ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّه، وَمَنْ مَعَهُ مِنْ المُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: "اغْزُوا بِاسْمِ اللَّه فِي سَبِيلِ اللَّه، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّه اغْزُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ المُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ المُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ؛ فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّه الَّذِي يَجْرِي عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبُوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّه وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّه وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّه وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّه وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّه فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حكم اللَّه، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكمِكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّه فِيهِمْ أَمْ لَا". (١)

стр. 5651

ومن السنة الفعلية فقد أخذها رسول اللَّه ﷺ من مجوس هجر (١). وأما الإجماع فقد أجمع الفقهاء على جواز أخذ الجزية في الجملة (٢). ولا يجوز عقد الذمة المؤبدة إلا بشرطين: أحدهما: أن يلتزموا إعطاء الجزية في كل حول. والثاني: التزام أحكام الإسلام وهو قبول ما يحكم به عليهم من أداء حق أو ترك محرم لقول اللَّه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ (٣). ٤ - تاريخ تشريع الجزية في الإسلام . بعد أن تمّ فتح مكّة في أواخر السّنة الثّامنة للهجرة، ودخل النّاس في دين اللَّه أفواجًا، واستقرّت الجزيرة العربيّة على دين اللَّه تعالى - أمر اللَّه رسوله الكريم ﷺ بمجاهدة أهل الكتاب من اليهود والنّصارى في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ (التوبة: ٢٩) ولهذا جهّز رسول اللَّه ﷺ لقتال الرّوم، ودعا المسلمين إلى ذلك، وندب الأعراب الّذين يسكنون حول المدينة المنوّرة إلى قتالهم، فأوعبوا معه، واجتمع من المقاتلة نحو ثلاثين ألفًا، وتخلَّف بعض النّاس من أهل المدينة، ومن حولها من المنافقين وغيرهم. وخرج رسول اللَّه ﷺ بمن معه يريد الشّام في السّنة التّاسعة للهجرة، فبلغ تبوك ونزل بها، وأقام فيها نحوًا من عشرين يومًا يبايع القبائل العربيّة على الإسلام، ويعقد المعاهدات مع القبائل الأخرى على الجزية إلى أن تمّ خضوع تلك المنطقة لحكم الإسلام، وبعد أنَّ أخذها ﷺ من نصارى نجران ومجوس هجر أخذها من بعض القبائل اليهوديّة،

стр. 5652

والنّصرانيّة في تبوك في السّنة التّاسعة للهجرة فأخذها من أهل أيلة حيث قدم يوحنَّا بن رؤبة على رسول اللَّه ﷺ في تبوك، وصالحه على كلِّ حالم بالغ بأرضه في السّنة دينار، واشترط عليهم قرى من مرّ بهم من المسلمين، وكتب لهم كتابًا بأن يحفظوا ويمنعوا. وأخذها من أهل أذرح، وأهل الجرباء، وأهل تبالة، وجرش، وأهل أذرعات، وأهل مقنا وكان أهلها يهودًا، فصالحهم رسول اللَّه ﷺ على ربع غزولهم، وثمارهم، وما يصطادون على العروك. وأخذها رسول اللَّه ﷺ بعد ذلك من أهل اليمن، حيث أرسل معاذ بن جبل إليهم، فقال معاذ: بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كلِّ حالم دينارًا (١). وروى أبو عبيد كتاب الرّسول إلى أهل اليمن حيث جاء فيه: من محمّد إلى أهل اليمن. وأنّه من أسلم من يهوديّ أو نصرانيّ؛ فإنّه من المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديّته أو نصرانيّته فإنّه لا يفتن عنها وعليه الجزية (٢). ٥ - تفسير الآية، وبيان الصواب في معنى: (الصغار) . قال ابن كثير: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ (التوبة: ٢٩) فهم في نفس الأمر لما كفروا بمحمد ﷺ لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد من الرسل، ولا بما جاؤوا به، وإنما يتبعون آراءهم، وأهواءهم، وآباءهم فيما هم فيه، لا لأنه شرع اللَّه ودينه؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين بما بأيديهم إيمانًا صحيحًا - لقادهم ذلك إلى الإيمان بمحمد ﷺ ؛ لأن جميع الأنبياء (الأقدمين) بشروا به، وأمروا باتباعه، فلما جاء وكفروا به، وهو أشرف الرسل، عُلِم أنهم ليسوا متمسكين بشرع الأنبياء الأقدمين لأنه من عند اللَّه، بل لحظوظهم

стр. 5653

وأهوائهم، فلهذا لا ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء، وقد كفروا بسيدهم، وأفضلهم، وخاتمهم، وأكملهم؛ ولهذا قال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ وهذه الآية الكريمة نزلت أول الأمر بقتال أهل الكتاب بعد ما تمهدت أمور المشركين، ودخل الناس في دين اللَّه أفواجًا، فلما استقامت جزيرة العرب أمر اللَّه ورسوله ﷺ بقتال أهل الكتابين اليهود والنصارى، وكان ذلك في سنة تسع؛ ولهذا تجهز رسول اللَّه ﷺ لقتال الروم، ودعا الناس إلى ذلك، وأظهره لهم، وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة فندبهم، فَأَوْعَبوا معه، واجتمع من المقاتلة نحو من ثلاثين ألفًا، وتخلف بعضُ الناس من أهل المدينة، ومن حولها من المنافقين، وغيرهم، وكان ذلك في عام جَدْب ووقت قَيْظ وحر، وخرج ﷺ يريد الشام لقتال الروم، فبلغ تبوك، فنزل بها، وأقام على مائها قريبًا من عشرين يومًا، ثم استخار اللَّه في الرجوع، فرجع عامه ذلك لضيق الحال، وضعف الناس، وقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ أي: إن لم يسلموا ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: عن قهر لهم وغلبة ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: ذليلون حقيرون مهانون (١). وقال القرطبي: أمر بمقاتلة جميع الكفار لاتفاقهم على هذا الوصف، وخص أهل الكتاب بالذكر إكرامًا لكتابهم، ولكونهم عالمين بالتوحيد، والرسل، والشرائع، والملل، وخصوصًا ذكر محمد ﷺ ، وملته، وأمته. فلما أنكروه تأكدت عليهم الحجة وعظمت منهم الجريمة، فنبه على محلهم ثم جعل للقتال غاية؛ وهي إعطاء الجزية بدلًا عن القتل؛ وهو الصحيح (٢). قال ابن العربي: سمعت أبا الوفاء علي بن عقيل في مجلس النظر يتلوها ويحتج بها. فقال: ﴿قَاتِلُوا﴾ وذلك أمر بالعقوبة، ثم قال: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وذلك بيان للذنب

стр. 5654

الذي أوجب العقوبة، وقوله: ﴿وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تأكيد للذنب في جانب الاعتقاد، ثم قال: ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ زيادة للذنب في مخالفة الأعمال، ثم قال: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف، والمعاندة، والأنفة عن الاستسلام، ثم قال: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ تأكيدًا للحجة؛ لأنهم كانوا يجدونه مكتوبًا عندهم التوراة والإنجيل، ثم قال: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ فبين الغاية التي تمتد إليها العقوبة، وعين البدل الذي ترتفع به، والذي دلَّ عليه القرآن أن الجزية تؤخذ من الرجال المقاتلين؛ لأنه تعالى قال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ فيقتضي ذلك وجوبها على مَنْ يقاتل، ويدل على أنه ليس على العبد وإن كان مقاتلًا؛ لأنه لا مال له، ولأنه تعالى قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا﴾ ولا يقال: لمن لا يملك حتى يعطي. وهذا إجماع من العلماء على أن الجزية إنما توضع على جماجم الرجال الأحرار البالغين، وهم الذين يقاتلون دون النساء، والذرية، والعبيد، والمجانين المغلوبين على عقولهم، والشيخ الفاني، واختلف في الرهبان، فروى ابن وهب عن مالك أنها لا تؤخذ منهم، قال مطرف، وابن الماجشون: هذا إذا لم يترهب بعد فرضها فإن فرضت ثم ترهب لم يسقطها ترهبه، وقال أيضًا: إذا أعطى أهل الجزية الجزية لم يؤخذ منهم شيء من ثمارهم، ولا تجارتهم، ولا زروعهم إلا أن يتجروا في بلاد غير بلادهم التي أقروا فيها، وصولحوا عليها (١). وقال الشافعي: قال اللَّه ﵎: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ (التوبة: ٢٩) قال: فكان بينا في الآية، واللَّه تعالى أعلم أن الذين فرض اللَّه قتالهم حتى يعطوا الجزية الذين قامت عليهم الحجة

стр. 5655

بالبلوغ فتركوا دين اللَّه وأقاموا على ما وجدوا عليه آباءهم من أهل الكتاب، وكان بينا أن الذين أمر اللَّه بقتالهم عليها الذين فيهم القتال؛ وهم الرجال البالغون، ثم أبان رسول اللَّه ﷺ مثل معنى كتاب اللَّه فأخذ الجزية من المحتلمين دون من دونهم، ودون النساء، وأمر رسول اللَّه ﷺ أن لا تقتل النساء من أهل الحرب ولا الولدان، وسباهم فكان ذلك دليلًا على خلاف بين النساء والصبيان، والرجال، ولا جزية على من لم يبلغ من الرجال، ولا على امرأة، وكذلك لا جزية على مغلوب على عقله من قبل أنه لا دين له تمسك به ترك له الإسلام، وكذلك لا جزية على مملوك؛ لأنه لا مال له يعطى منه الجزية. (١) والصواب في الآية أن (الصغار) هو: التزامهم لجريان أحكام الملة عليهم، وإعطاء الجزية فإن التزام ذلك هو الصغار (٢). وقال الشافعي: فلم يأذن اللَّه في أن تؤخذ الجزية ممن أمر بأخذها منه حتى يعطيها عن يد صاغرًا، وسمعت عددًا من أهل العلم يقولون: الصغار أن يجرى عليهم حكم الإسلام، فإذا جرى عليهم حكمه فقد أصغروا بما يجرى عليهم منه (٣). وقال البغوي: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ عن قهر وذل، قال أبو عبيدة: يقال لكل من أعطى شيئًا كرهًا من غير طيب نفس: أعطاه عن يد (٤). وقال الشوكاني: والمعنى: عن يد مواتية غير ممتنعة، وقيل معناه: يعطونها بأيديهم غير مستنيبين فيها أحدًا، وقيل: معناه: نقدًا غير نسيئة، وقيل: عن قهر، وقيل: معناه: عن إنعام منكم عليهم؛ لأن أخذها منهم نوع من أنواع الإنعام عليهم، وقيل معناه: مذمومون (٥).

стр. 5656

فظهر من تعريف العلماء للجزية أنها في مقابل ما هو أعظم، وظهر من تفسير الآية أن المسلمين يخرجون دعاة إلى دين الحق لأجل نجاة هؤلاء في الدنيا، والآخرة فإذا منعوهم قاتلوهم مهما كلفهم ذلك حتى يسلموا، أو يقروا بالجزية فإذا أسلموا فلأمر واضح، وإذا اختاروا الجزية فهذا هو الصغار بعينه لأنهم رفضوا الإسلام، وقبلوا أحكامه لتجري عليهم. الوجه الثاني: أن فرض الجزية يندرج ضمن ما يسمى بعقد الذمة، وهذا العقد يحمل في مضمونه كل الأمن والأمان؛ لمن أراد أن يمكث في دولة الإسلام؛ وهو على دينه . والعقد في لغة العرب: التوثيق، والإبرام، ومنه: عقد الحبل، ويطلق العقد على المحسوسات، كما تقول: عقدتُ الحبل إذا جمعتَ بين طرفيه، وعقدتَه، وأوثقتَه، وقد يطلق على المعنويات، فتقول: هذا عقد بيع، وينبني على الإيجاب، والقبول، وقد ورد في كتاب اللَّه قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: ١) والمراد به المعنوي. والذمة في اللغة: الأمان، والعهد. (١) وأما الاصطلاح: فمعناه إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية، والتزام أحكام الملة، فهو أمان مخصوص لطائفة مخصوصة على هيئة مخصوصة، وهذا الأمان المخصوص المراد به: أن يؤمَّن من أعطي هذا العهد على نفسه، وماله، وأهله، وعرضه، فالكافر إذا جرى بينه، وبين المسلمين عقد الذمة فله ذمة اللَّه ورسوله ﷺ كما ثبتت بذلك

стр. 5657

الأخبار، فلا يسفك دمه، ولا ينتهك عرضه، ولا يؤخذ ماله، ويكون له ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين. لكن هناك نوعان من الأمان أو من الذمة: النوع الأول: الذمة الخاصة ، وهي التي تكون لأفراد الناس؛ كأن يستجير مشرك، أو كافر بمسلم، فيقول له: أنا في جوارك، وفي أمانك، وفي ذمتك، فإن قال له: أنت في ذمتي، فحينئذ يكون هذا الجوار، والأمان خاصًا، فعلى المسلم أن يؤمنه حتى يسمع كلام اللَّه، فإذا قبل الإسلام فالحمد للَّه، وإذا لم يقبل أبلغه مأمنه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (التوبة: ٦) فهذا يسمى بالذمة الخاصة، أو العهد الخاص، أو الأمان الخاص، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، وهم حرب على من سواهم" (١) فهذا الحديث الصحيح يدل على أن الكافر إذا دخل في جوار مسلم واحد فإنه في جوار المسلمين كلهم، ولا يجوز لأحد أن يتعرض له بسوء حتى يسمع كلام اللَّه، أو يُبْلَغ مأمنه، ولذلك ثبت في الصحيح أنه لا دخل المشرك على أم هانىء وهي امرأة واستجار بها، وأراد علي قتله انطلقت إلى رسول اللَّه ﷺ فوجدته يغتسل، فقال: من؟ قالت: أم هانىء، قال: مرحبًا بأم هانىء، فقالت: يا رسول اللَّه! زعم فلان أنه قاتل فلانًا وقد أجرته، فقال ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء" (٢)، فدل هذا على أن ذمة المسلمين واحدة، وأن العهد إذا أخذ من مسلم لكافر فهو عهد على جميع المسلمين لا يجوز لأحد أن ينقضه، أو ينكثه، حتى يكون الكافر على بينة. النوع الثاني: الذمة العامة التي تكون مؤبدة، والفرق بينهما: أن الذمة الأولى خاصة مؤقتة، أما الذمة التي نبحثها هنا فهي الذمة العامة المؤبدة، أي: التي تبقى إلى الأبد، فإذا أراد المسلمون فتح مدينة، وقالوا لأهلها: أسلموا فقالوا: لا نريد الإسلام، فقيل لهم:

стр. 5658

ادفعوا الجزية، فقالوا: ندفع الجزية، وكانوا من أهل الكتاب ومن في حكمهم، فإنهم يبقون ما أبقاهم اللَّه ، ويكون هذا العهد ذمة لهم إلى الأبد ما لم يحدث النكث أو النقض. ما يلتزم به المسلمون في عقد الذمة . فعندنا محل ورد عليه عقد الذمة؛ وهو التزامات من الطرفين، من المسلمين التزامات، ومن الكفار التزامات، فيرد عقد الذمة على هذين الجانبين، فيلتزم المسلمون: أولًا: بحقن دمه، فلا يُقتَل بدون حق. ثانيًا: بحفظ عرضه، فلا يؤذى في عرضه. ثالثا: بحفظ ماله، فلا يُؤخذ بغير حق. رابعًا: بحفظ أهله وعياله، فيدخل الأولاد والذراري، بالتبع لآبائهم؛ لأنهم تابعون لآبائهم في هذا الحكم، كما ثبت من فعل الصحابة ﵃، فإن خالد بن الوليد ﵁ لما كتب في الكتاب جعل الذراري تابعة للأصول (آباء وأمهات)، ثم يلتزم المسلمون بالدفاع عنهم، فإذا فتحت بلاد الكفار فنزلوا على حكم المسلمين بالذمة فيجب على المسلمين نصرتهم وحفظهم، ولذلك لما نزل الروم بالشام -وكان أبو عبيدة ﵁ قد فتح مع خالد أطراف الشام وأخذ الجزية على بعضها في معركة اليرموك- كتب أبو عبيدة إلى أمراء الأجناد، أن يردوا الجزية إلى أهلها حتى يقع النصر، فكانوا لا يلتزمون بالجزية إلا مع الالتزام بالنصرة، فيكون هذا الذمي له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم، فهو يلتزم بأمور، والمسلم يلتزم بأمور، فمن هذه الأمور التي يلتزم له بها المسلم: حفظ دمه -كما قلنا- وماله، وعرضه، وأهله، وولده، وكذلك أيضًا يكون له حق النصرة؛ فإذا اعتدى عليه الكفار وجب على المسلمين نصرته، ومنع الكفار من أذيته، كذلك أيضًا لا يعتدي عليهم المسلمون. ما يلتزم به أهل الذمة . الأمر الثاني الذي يلتزم به أهل الذمة؛ يلتزمون بأمور كثيرة يجمعها أصلان: الأصل الأول: دفع الجزية .

стр. 5659

الأصل الثاني: التزام أحكام الإسلام، وعدم التعرض للإسلام أو أهله بضرر أو سوء . فهنا جانبان: الجانب الأولى: دفع الجزية؛ لأن اللَّه قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التوبة: ٢٩). وأما الجانب الثاني: فهو تعظيمهم للإسلام، فيحفظون حرمة الإسلام، ويحفظون حق الإسلام، فلا يتعرضون لسب اللَّه، ولا لسب رسوله ﷺ ، ولا سب الإسلام، ولا يطعنون في القرآن، ولا في السنة، ولا يستهزئون بشيء من الإسلام، ولا بالمسلمين، مع أمور أُخر هي من لوازم عقد الذمة، حتى يستقيم عيشهم تحت الإسلام في ذلة، وصغار، لا في عزة وقوة واستكبار، حتى لا تكون لهم شوكة على المسلمين، فيكون الأمر محقِّقًا لخلاف ما قصده الشرع أو عناه من هذا الحكم التشريعي (١). فظهر جليًا أن عقد الذمة ملزم لطرفين طرف المسلمين، والطرف الآخر، وأن على كل منهما حقوق تجاه الآخر حتى يمكن التعايش بينهما في بلد واحد مع اختلاف الدين، وما بذله المسلمون إنما هو من قبيل الإحسان الذي أمر اللَّه به، وما طلب من أهل الذمة إنما هو من قبيل رد الجميل وأداء الحق، والسياسة الحكيمة التي تضمن استقرار المجتمع، وعقد كهذا سبق إليه الإسلام في التعامل مع الآخرين لاشك منقبة من مناقب الإسلام. وهذا العقد اختياري من بين أمور ثلاثة، وليس إجباريًا في أول الأمر . وبيان ذلك أن أهل الحل والعقد منهم هم الذين يختارون إبرام هذا العقد، ولا يجبرون عليه في أول الأمر، والأصل في ذلك أن الإسلام هو دين الحق، وأن اللَّه تعالى كلف المسلمين بدعوة الناس إليه لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور، وهؤلاء بتمسكهم بدينهم الباطل لا يرضون بذلك فيصدون المسلمين فيقع القتال، ولكنهم قبل القتال يخيرون بين الإسلام، أو الجزية، أو القتال، فأي واحدة اختاروها كانت لهم فإن اختاروا

стр. 5660

القتال وانهزموا أعقبه القتل أو الاسترقاق، فإذا اختار الإمام المن عليهم وعقد لهم الذمة على أن يبقوا أحرارًا فقد أحسن إليهم، وذلك كما فعل عمر بن الخطّاب ﵁ في فتح سواد العراق، وهكذا خفف اللَّه تعالى الأمر وسهله، واكتفى منهم بدفع الجزية، والخضوع لأحكام الإسلام. (١) فجباية المال ليست هي الهدف الأساسي من تشريع الجزية، وإنّما الهدف الأساسي هو تحقيق خضوع أهل الذّمّة إلى حكم المسلمين، والعيش بين ظهرانيهم ليطَّلعوا على محاسن الإسلام وعدل المسلمين، فتكون هذه المحاسن بمثابة الأدلّة المقنعة لهم على الإقلاع عن الكفر، والدّخول في الإسلام، والّذي يؤيّد ذلك: أنّ الجزية تسقط عمّن وجبت عليه بمجرّد دخوله في الإسلام. وأنّ الحكومة الإسلاميّة لا تقدم على فرض الجزية على الأفراد إلّا بعد تخييرهم بين الإسلام والجزية، وهي تفضّل دخول أهل البلاد المفتوحة في الإسلام، وإعفاءهم من الجزية على البقاء في الكفر ودفع الجزية لأنّها دولة هداية لا جباية (٢). ومما يساعد على فهم ذلك معرفة: الوجه الثالث: في بيان الحكمة من مشروعية الجزية، وفي ذلك نقاط: الأولى: أن فريضة الجزية في خط الدفاع، وليست في خط الهجوم حتى يتهم بها الإسلام فهي دفاع عن ألوهية اللَّه تعالى التي انتهكوها، ودفاع عن أنبيائه الذين اعتدوا عليهم بتكذيبهم، وعن الكتب التي حرفوها، وعن حرية الإنسان في اختيار دينه حيث طلبوا منه أن يكون عبدًا لغير اللَّه تعالى فهم الذين سبقوا بالاعتداء على هذه الأصول، والإسلام يدافع عنها، ولا ريب أن الذي يرفع راية الحرب على الحق والمبادئ هم رؤساؤهم، وحكامهم، وألو الأمر منهم، وهم يمنعون غيرهم من الدخول في هذا الدين الحق،

стр. 5661

ويحاربونه بكل ما أوتوا كما هو تاريخهم، وعليه فلا يستقيم الأمر إلا بإسلامهم أو بدفعهم الجزية، وهم صاغرون لا حكم لهم في الديار، ولذلك أمر بقتالهم حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية عن يد، وهم صاغرون: فقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ (التوبة: ٢٩). وقد حدد السياق من هذه الصفات القائمة: أولًا: أنهم لا يؤمنون باللَّه ولا باليوم الآخر. ثانيًا: أنهم لا يحرمون ما حرم اللَّه ورسوله. ثالثًا: أنهم لا يدينون دين الحق. ثم بين في الآيات التالية كيف أنهم لا يؤمنون باللَّه، ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم اللَّه ورسوله ولا يدينون دين الحق؛ وذلك بأنهم: أولًا: قالت اليهود عزير ابن اللَّه، وقالت النصارى المسيح ابن اللَّه، وأن هذا القول يضاهي قول الذين كفروا من قبلهم من الوثنيين، فهم مثلهم في هذا الاعتقاد الذي لا يعد صاحبه مؤمنًا باللَّه ولا باليوم الآخر. ثانيًا: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللَّه، والمسيح ابن مريم، وأن هذا مخالف لدين الحق، وهو الدينونة للَّه وحده بلا شركاء، فهم بهذا مشركون لا يدينون دين الحق. ثالثًا: يريدون أن يطفئوا نور اللَّه بأفواههم، فهم محاربون لدين اللَّه، ولا يحارب دين اللَّه مؤمن باللَّه واليوم الآخر يدين دين الحق أبدًا. رابعًا: يأكل كثير من أحبارهم ورهبانهم أموال الناس بالباطل، فهم إذن لا يحرمون ما حرم اللَّه، ورسوله (سواء كان المقصود برسوله رسولهم أو محمد ﷺ ). وهذه الصفات كلها كانت واقعة بالقياس إلى نصارى الشام والروم، كما أنها واقعة بالقياس إلى غيرهم منذ أن حرفت المجامع المقدسة دين المسيح ﵇، وقالت ببنوة

стр. 5662

عيسى ﵇، وبتثليث الأقانيم -على كل ما بين المذاهب والفِرق من خلاف يلتقي كله على التثليث- على مدار التاريخ حتى الآن. وإذن فهو أمر عام يقرر قاعدة مطلقة في التعامل مع أهل الكتاب، الذين تنطبق عليهم هذه الصفات التي كانت قائمة في نصارى العرب ونصارى الروم، ولا يمنع من هذا العموم أن الأوامر النبوية استثنت أفرادًا وطوائف بأعيانها لتترك بلا قتال كالأطفال، والنساء، والشيوخ، والعجزة، والرهبان الذين حبسوا أنفسهم في الأديرة بوصفهم غير محاربين -فقد منع الإسلام أن يقاتل غير المحاربين من أية ملة-، وهؤلاء لم تستثنهم الأوامر النبوية لأنهم لم يقع منهم اعتداء بالفعل على المسلمين، ولكن لأنه ليس من شأنهم أصلًا أن يقع منهم الاعتداء، فلا محل لتقييد هذا الأمر العام بأن المقصود به هم الذين وقع منهم اعتداء فعلًا -كما يقول المهزومون الذين يحاولون أن يدفعوا عن الإسلام الاتهام- فالاعتداء قائم ابتداءً؛ الاعتداء على ألوهية اللَّه، والاعتداء على العباد بتعبيدهم لغير اللَّه، والإسلام حين ينطلق للدفاع عن ألوهية اللَّه سبحانه، والدفاع عن كرامة الإنسان في الأرض، لا بد أن تواجهه الجاهلية بالمقاومة، والحرب، والعداء، ولا مفر من مواجهة طبائع الأشياء. إن هذه الآية تأمر المسلمين بقتال أهل الكتاب ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ والذي يقول ببنوة عزير للَّه، أو بنوة المسيح للَّه لا يمكن أن يقال عنه: إنه يؤمن باللَّه، وكذلك الذي يقول: إن اللَّه هو المسيح ابن مريم، أو أن اللَّه ثالث ثلاثة، أو أن اللَّه تجسد في المسيح. . . إلى آخر التصورات الكنسية التي صاغتها المجامع المقدسة على كل ما بينها من خلاف. والذين يقولون: إنهم لن يدخلوا النار إلا أيامًا معدودات مهما ارتكبوا من آثام بسبب أنهم أبناء اللَّه وأحباؤه وشعب اللَّه المختار، والذين يقولون: إن كل معصية تغفر بالاتحاد بالمسيح، وتناول العشاء المقدس، وأنه لا مغفرة إلا عن هذا الطريق، هؤلاء وهؤلاء لا يقال: إنهم يؤمنون باليوم الآخر.

стр. 5663

وهذه الآية تصف أهل الكتاب هؤلاء بأنهم ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، وسواء كان المقصود بكلمة ﴿رَسُولُهُ﴾ هو رسولهم الذي أرسل إليهم، أو هو النبي ﷺ فالفحوى واحدة، ذلك أن الآيات التالية فسرت هذا بأنهم يأكلون أموال الناس بالباطل، وأكل أموال الناس بالباطل محرم في كل رسالة، وعلى يد كل رسول، وأقرب النماذج لأكل أموال الناس بالباطل هو المعاملات الربوية، وهو ما يأخذه رجال الكنيسة مقابل (صك الغفران)؛ وهو الصد عن دين اللَّه، والوقوف في وجهه بالقوة، وفتنة المؤمنين عن دينهم، وهو تعبيد العباد لغير اللَّه، وإخضاعهم لأحكام وشرائع لم ينزلها اللَّه؛ فهذا كله ينطبق عليه: ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، وهذا كله قائم في أهل الكتاب كما كان قائمًا يوم ذاك. كذلك تصفهم الآية بأنهم ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ وهذا واضح مما سبق بيانه. فليس بدين الحق أي اعتقاد بربوبية أحد مع اللَّه، كما أنه ليس بدين الحق التعامل بشريعة غير شريعة اللَّه، وتلقي الأحكام من غير اللَّه، والدينونة لسلطان غير سلطان اللَّه، وهذا كله قائم في أهل الكتاب كما كان قائمًا فيهم يوم ذاك. والشرط الذي يشترطه النص للكف عن قتالهم ليس أن يسلموا ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ولكن أن يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، فما حكمة هذا الشرط؟ ولماذا كانت هذه هي الغاية التي ينتهي عندها القتال؟ إن أهل الكتاب بصفاتهم تلك حرب على دين اللَّه اعتقادًا وسلوكًا، كما أنهم حرب على المجتمع المسلم بحكم طبيعة التعارض والتصادم الذاتيين بين منهج اللَّه، ومنهج الجاهلية الممثلة في عقيدة أهل الكتاب وواقعهم -وفق ما تصوره هذه الآيات- كما أن الواقع التاريخي قد أثبت حقيقة التعارض وطبيعة التصادم وعدم إمكان التعايش بين المنهجين؛ وذلك بوقوف أهل الكتاب في وجه دين اللَّه فعلًا، وإعلان الحرب عليه وعلى أهله بلا هوادة خلال الفترة السابقة لنزول هذه الآية (وخلال الفترة اللاحقة لها إلى اليوم أيضًا).

стр. 5664

والإسلام -بوصفه دين الحق الوحيد القائم في الأرض- لا بد أن ينطلق لإزالة العوائق المادية من وجهه، ولتحرير الإنسان من الدينونة بغير دين الحق؛ على أن يدع لكل فرد حرية الاختيار بلا إكراه منه ولا من تلك العوائق المادية كذلك. وإذن؛ فإن الوسيلة العملية لضمان إزالة العوائق المادية وعدم الإكراه على اعتناق الإسلام في الوقت نفسه -هي كسر شوكة السلطات القائمة على غير دين الحق حتى تستسلم وتعلن استسلامها بقبول إعطاء الجزية فعلًا. وعندئذ تتم عملية التحرير فعلًا، بضمان الحرية لكل فرد أن يختار دين الحق عن اقتناع. فإن لم يقتنع بقي على عقيدته وأعطى الجزية لتحقيق عدة أهداف: أولها: أن يعلن بإعطائها استسلامه وعدم مقاومته بالقوة المادية للدعوة إلى دين اللَّه الحق. وثانيها: أن يساهم في نفقات الدفاع عن نفسه، وماله، وعرضه، وحرماته التي يكفلها الإسلام لأهل الذمة الذين يؤدون الجزية فيصبحون في ذمة المسلمين وضمانتهم، ويدفع عنها من يريد الاعتداء عليها من الداخل أو من الخارج بالمجاهدين من المسلمين. وثالثها: المساهمة في بيت مال المسلمين الذي يضمن الكفالة والإعاشة لكل عاجز عن العمل؛ بما في ذلك أهل الذمة بلا تفرقة بينهم وبين المسلمين دافعي الزكاة. (١) الثانية: الدعوة إلى الإسلام عن طريق معايشة المسلمين، والإطلاع على سلوكياتهم التابعة لشريعة الإسلام . وذلك لأنهم إذا بقوا بين المسلمين ورأوا تعاملهم، ورأوا دين الإسلام وسماحته، وما عليه المسلمون من التواصل، والتراحم، والتعاطف - أحبوا دينهم، ولربما نشأت ذراريهم وقد رأوا عزة الإسلام فيتأثرون به، حتى حفظ في البلدان التي فتحت على هذا الوجه أنه لم تمضِ ثلاثة أجيال إلى أربعة أجيال على الأكثر إلا أسلم منهم الكثير، فهذا نوع من الاستدراج للدخول في الإسلام، ولو بعد حين.

стр. 5665

فالمقصود أن يلتزم المسلمون بهذا، فإذا رأى الذمي أن له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم، وإذا وقف في المواقف المحرجة ورأى نصرة الإسلام له - أحب هذا الإسلام، فإن النفوس جُبِلت على حب من أحسن إليها، وهذا الإحسان من المسلم فيه نوع من الاستمالة لقلبه، والتأليف له للإسلام، وكل هذه أسرار عظيمة، وصدق اللَّه إذ يقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢١٦) فهو نوع من الحكمة البالغة في إقناع الناس بهذا الإسلام، فهم إذا لم يسلموا عن طريق مواجهتهم بالحكمة والموعظة الحسنة - ربما أثر فيهم تعامل المسلمين، ووقوف المسلمين معهم، ونصرتهم لهم؛ فيكون سببًا في دخولهم في دين الإسلام، ورضاهم به، فكان عقد الذّمّة للدّعوة إلى الإسلام لا للرّغبة أو الطّمع فيما يؤخذ منهم من الجزية. (١) وبهذا يعلم الفرق بين أخذ المال على هذا الوجه وإقراره على دينه، وبين أخذ المال مقابل الإقرار على الزنا؛ فإن الأول فيه من المصلحة رجاء الإسلام، والثاني مفسدة صرف لا مصلحة فيها. ولقد أورد السرخسي (٢) في المبسوط هذه المسألة بعينها، وأجاب عنها فقال: وقد طعن بعض الملحدين قال: كيف يجوز تقرير الكافر على الشرك الذي هو أعظم الجرائم بمال يؤخذ منه، ولو جاز ذلك جاز تقرير الزاني على الزنا يؤخذ منه؟ والكلام في هذا يرجع إلى وجوه: الأول: في إثبات وجود اللَّه تعالى، وأن هذا شرعه، وأنه حكيم لا يسأل عما يفعل. والثاني: في إثبات النبوة، وأن النبي ﷺ مبلغ عن اللَّه تعالى. الثالث: المقصود ليس هو المال بل الدعاء إلى الدين بأحسن الوجوه؛ لأنه بعقد الذمة يترك القتال أصلًا، ولا يقاتل من لا يقاتل ثم يسكن بين المسلمين فيرى محاسن الدين، ويعظه واعظ فربما يسلم، إلا أنه إذا سكن دار الإسلام فما دام مصرًا على كفره لا يُخَلّا عن

стр. 5666

صغار، وعقوبة وذلك بالجزية التي تؤخذ منه؛ ليكون ذلك دليلًا على ذل الكافر وعز المؤمن، ثم يأخذ المسلمون الجزية منه خلفًا عن النصرة التي فاتت بإصراره على الكفر؛ لأن من هو من أهل دار الإسلام فعليه القيام بنصرة الدار، وأبدانهم لا تصلح لهذه النصرة؛ لأنهم يميلون إلى أهل الدار المعادية فيشوشون علينا أهل الحرب فيؤخذ منهم المال ليصرف إلى الغزاة الذين يقومون بنصرة الدار. (١) وقد أحسن محمد علي بن حسين المكي المالكي في تقرير هذا الفرق حيث قال: الفرق بين قاعدة: إن أخذ الجزية على التمادي على الكفر يجوز, وبين قاعدة: إن أخذ الأعواض على التمادي على الزنا وغيره من المفاسد لا يجوز إجماعًا . وهو: أن قاعدة أخذ المال على مداومة الزنا أو غيره من المفاسد مفسدة صرفة؛ لأنه من باب ترجيح المصلحة الحقيرة التي هي أخذ الدراهم على المفسدة العظيمة التي هي معصية اللَّه تعالى، وهو لم يقع في الشريعة بل الشريعة تحرمه ولا تبيحه، وإنما الذي من الشرائع الواقعة وتبيحه القواعد الشرعية هو عكس ذلك، وهو ترجيح المصلحة العظيمة التي هي إزالة منكر من المنكرات العظيمة على المفسدة الحقيرة التي هي دفع الدراهم لمن يأكلها حرامًا كما في دفع المال في فداء الأسرى الكفار؛ وهم من حيث كونهم مخاطبين بفروع الشريعة يحرم عليهم أكل ذلك المال ليتوصل بذلك المحرم لتخليص الأسير من أيدي العدو. ومن ذلك أخذ الجزية فهو مصلحة صرفة لأنه من باب التزام المفسدة الدنيا التي هي الإقرار على الكفر بأخذها لدفع المفسدة العليا التي هي انسداد باب الإيمان، وباب مقام سعادة الجنان على الكافر إذا قتل ليتحتم الكفر عليه والخلود في النيران، وغضب الديان حينئذ، ولتوقع المصلحة العليا التي هي:

стр. 5667

إما رجاء الإسلام في مستقبل الأزمان من المقر على الكفر بأخذ الجزية منه سيما مع اطلاعه على محاسن الإسلام والإلجاء إليه بالذل والصغار في أخذ الجزية فيلزم من إسلامه إسلام ذريته فتتصل سلسلة الإسلام من قبله بدلًا عن ذلك الكفر المقر عليه. وإما رجاء إسلام ذريته المخلفين من بعده أو من ذرية ذريته إلى يوم القيامة، وساعة من إيمان تعدل دهرًا من كفر، ألا ترى أن اللَّه تعالى خلق آدم على وفق الحكمة وعدَّ النبيُّ ﷺ خلقه في يوم الجمعة من جملة البركات الموجبة لتعظيمه، فقال في الحديث الصحيح: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أهبط من الجنة، وفيه تيب عليه، وفيه تقوم الساعة" (١)؛ لأن خلقه سبب وجود الأنبياء ﵈، والصالحين، وأهل الطاعة، والمؤمنين، وإن كان أكثر ذريته كفارًا؛ ففي الحديث الصحيح عن رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه تعالى يقول لآدم ﵇: ابعث بعث النار، فيخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون فيبقى من كل ألف واحد" (٢)، والبقية كفار فُجّار من أهل النار والمعاصي والفجور، إذ لا عبرة بكثرة الكفار لأجل ذلك المسلم الواحد؛ لأن ذلك الواحد تربو مصلحة إسلامه على مفسدة أولئك الكفار، وأنهم كالعدم الصرف بالنسبة إلى نور الإيمان وعبادة الرحمن فتأمل ذلك. وبالجملة فعقد الجزية لما كانت ثمرته توقع الإيمان من الأصل أو من أحد الذراري الذي لا يعادله شيء من ذلك الكفر الواقع من غيره لا مجرد تحصيل مصلحة تلك الدراهم المأخوذة منه - كان من آثار رحمة اللَّه تعالى، ومن الشرائع الواقعة على وفق الحكمة الألهية؛ فلذا أباحته القواعد الشرعية، ولم يُلتفت إلى قول بعض الطاعنين في الدين في إيراده سؤالًا في الجزية: إن شأن الشرائع دفع أعظم المفسدتين بإيقاع أدناها، وتفويت المصلحة الدنيا بدفع المفسدة العليا، ومفسدة الكفر تربو على مصلحة المأخوذ من الجزية من أموال الكفار

стр. 5668

بل على جملة الدنيا وما فيها؛ فضلًا عن هذا النزر اليسير فلم وردت الشريعة المحمدية بذلك ولم لم تحتم القتل درءًا لمفسدة الكفر؟ . ولما كان أخذ المال على مداومة الزنا أو غيره من المفاسد ثمرته مجرد أخذ الدراهم الذي هو مصلحة حقيرة لا تعادل المداومة على المفسدة العظيمة التي هي معصية اللَّه تعالى - لم يقع قي الشريعة بل منعته من حيث إنه مفسدة صرفة فهذا هو الفرق بين القاعدتين، واللَّه أعلم. (١) وتظهر حكمة الدعوة في تشريع الجزية من جانبين: الأوّل: الصّغار الّذي يلحق أهل الذّمّة عند دفع الجزية، والسبب فيه أن طبع العاقل ينفر عن تحمل الذل والصغار، فإذا أمهل الكافر مدة وهو يشاهد عز الإسلام، ويسمع دلائل صحته، ويشاهد الذل والصغار في الكفر - فالظاهر أنه يحمله ذلك على الانتقال إلى الإسلام، فهذا هو المقصود من شرع الجزية. (٢) والثاني: ما يترتّب على دفع الجزية من إقامة في دار الإسلام، واطّلاع على محاسنه. وقال الحطّاب - في بيان الحكمة -: الحكمة في وضع الجزية أنّ الذّلّ الّذي يلحقهم (٣) يحملهم على الدّخول في الإسلام مع ما في مخالطة المسلمين من الاطّلاع على محاسن الإسلام. (٤) وبهذا التقرير نعلم أن أخذ الجزية من باب دفع أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما، ويحصل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهما. (٥)

стр. 5669

فأعظم المفسدتين هنا هو أن يموت على الكفر، ويغلق باب الإيمان، وأقلهما أن تقبل منه الجزية رجاء الإسلام منه أو من ذريته، وأعظم المصلحتين هنا هي إسلامه ونجاته من النار، وأقلهما هي قتله على الكفر. ومن خلال هذا التأصيل يعلم الجواب عن سؤال بعض الملحدين الطاعنين في القرآن حيث قال: إن القرآن ذكر في تعظيم كفر النصارى قوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ (مريم: ٩٠ - ٩٢) فبين أن إظهارهم لهذا القول بلغ إلى هذا الحد، ثم إنه لما أخذ منهم دينارًا واحدًا قررهم عليه وما منعهم منه؟ والجواب ما سبق تقريره، وخلاصته: ليس المقصود من أخذ الجزية تقريره على الكفر، بل المقصود منها حقن دمه وإمهاله مدةً رجاء أنه ربما وقف في هذه المدة على محاسن الإسلام وقوة دلائله، فينتقل من الكفر إلى الإيمان. (١) وأجاب ابن العربي عن هذا السؤال بما حاصله ما مر، وهذا نص كلامه لما فيه من فائدة: قال: لو قتل الكافر ليئس من الفلاح، ووجب عليه الهلكة، فإذا أعطى الجزية وأمهل لعله أن يتدبر الحق ويرجع إلى الصواب، لا سيما بمراقبة أهل الدين والتدرب بسماع ما عند المسلمين، ألا ترى أن عظيم كفرهم لم يمنع من إدرار رزقه سبحانه عليهم. وقد قال النبي ﷺ : "ما أحد أصبر على أذى سمعه من اللَّه يدعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم". (٢) وقد بين علماء خراسان هذه المسألة، فقالوا: إن العقوبات تنقسم إلى قسمين: أحدهما: ما فيه هلكة المعاقب. والثاني: ما يعود بمصلحة عليه من زجره عما ارتكب، ورده عما اعتقد وفعل.

стр. 5670

قلت: والجزية من الثاني. الثالثة: أن الجزية تدفع ضمن بنود عقد الذمة ويقابلها حقوق يتمتع بها أهل الذمة؛ وعلى رأسها ما يلي: ١ - حماية الدّولة لهم كما سبق، وسيأتي مزيد تفصيل لهذا الحق في مسألة كلام الفقهاء عن أهل الذمة. ٢ - حق الإقامة والتنقّل ، فلأهل الذّمّة أن يقيموا في دار الإسلام آمنين مطمئنّين على أنفسهم وأموالهم، ما لم يظهر منهم ما ينتقض به عهدهم؛ لأنّهم إنّما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا في أصل الحرمة، والمسلمون على شروطهم. لكنّ الفقهاء اتّفقوا على عدم جواز إقامة الذّمّيّ واستيطانه في مكّة والمدينة على خلافٍ وتفصيلٍ فيما سواهما لقوله ﷺ : "لا يجتمع في أرض العرب دينان" (١)، ولقوله ﷺ : "لئن عشت -إن شاء اللَّه- لأخرجنّ اليهود والنّصارى من جزيرة العرب" (٢). أمّا في غيرها من المدن والقرى في دار الإسلام فيجوز لأهل الذّمّة أن يسكنوا فيها مع المسلمين أو منفردين، لكن ليس لهم رفع بنائهم على المسلمين بقصد التّعلّي، وإذا لزم من سكناهم في المصر بين المسلمين تقليل الجماعة أمروا بالسّكنى في ناحيةٍ -خارج المصر- ليس فيها جماعة المسلمين إذا ظهرت المصلحة في ذلك. وأمّا حق التنقّل فيتمتّع أهل الذّمّة به في دار الإسلام أينما يشاؤون للتّجارة وغيرها، إلّا أنّ في دخولهم مكّة والمدينة وأرض الحجاز تفصيل. ٣ - عدم التعرّض لهم في عقيدتهم وعبادتهم ، إنّ من مقتضى عقد الذّمّة ألا يتعرّض المسلمون لأهل الذّمّة في عقيدتهم، وأداء عبادتهم دون إظهار شعائرهم، فعقد الذّمّة ترك الكفّار على كفرهم بشرط بذل الجزية، والتزام أحكام الملّة، وإذا كان هناك احتمال دخول

стр. 5671

الذِّمِّيِّ في الإسلام عن طريق مخالطته للمسلمين ووقوفه على محاسن الدّين، فهذا يكون عن طريق الدّعوة لا عن طريق الإكراه، وقد قال اللَّه : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: ٢٥٦)، وهذا الأصل متّفق عليه بين الفقهاء، لكن هناك تفصيل وخلاف في بعض الفروع نذكره فيما يلي: أ - معابد أهل الذّمّة، قسّم الفقهاء أمصار المسلمين على ثلاثة أقسامٍ: الأوّل: ما اختطّه المسلمون، وأنشئوه كالكوفة، والبصرة، وبغداد، وواسط؛ فلا يجوز فيه إحداث كنيسةٍ، ولا بيعةٍ، ولا مجتمعٍ لصلاتهم، ولا صومعةٍ بإجماع أهل العلم، ولا يمكّنون فيه من شرب الخمر, واتّخاذ الخنازير، وضرب النّاقوس، ولأنّ هذا البلد ملك للمسلمين فلا يجوز أن يبنوا فيه مجامع للكفر، ولو عاقدهم الإمام على التّمكّن من ذلك فالعقد باطل. الثّاني: ما فتحه المسلمون عنوةً، فلا يجوز فيه إحداث شيءٍ من ذلك بالاتّفاق، لأنّه صار ملكًا للمسلمين، وما كان فيه شيء من ذلك هل يجب هدمه؟ قال المالكيّة: وهو وجه عند الحنابلة: لا يجب هدمه؛ لأنّ الصّحابة ﵃ فتحوا كثيرًا من البلاد عنوةً فلم يهدموا شيئًا من الكنائس. ويشهد لصحّة هذا وجود الكنائس والبيع في البلاد الّتي فتحها المسلمون عنوةً، وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمّاله: ألّا يهدموا بيعةً، ولا كنيسةً، ولا بيت نارٍ. وفي الأصحّ عند الشّافعيّة، وهو وجه عند الحنابلة: يجب هدمه، فلا يقرّون على كنيسةٍ كانت فيه؛ لأنّها بلاد مملوكة للمسلمين، فلم يَجُزْ أن تكون فيها بيعة، كالبلاد الّتي اختطّها المسلمون. وذهب الحنفيّة إلى أنّها لا تهدم، ولكن تبقى بأيديهم مساكن، ويمنعون من اتّخاذها للعبادة. الثّالث: ما فتحه المسلمون صلحًا، فإن صالحهم الإمام على أنّ الأرض لهم والخراج لنا، فلهم إحداث ما يحتاجون إليه فيها من الكنائس عند الحنفيّة، والمالكيّة، والحنابلة، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة؛ لأنّ الملك والدّار لهم، فيتصرّفون فيها كيف شاؤوا. وفي مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة: المنع؛ لأنّ البلد تحت حكم الإسلام.

стр. 5672

وإن صالحهم على أنّ الدّار لنا ويؤدّون الجزية فالحكم في الكنائس على ما يقع عليه الصّلح، والأولى ألّا يصالحهم إلّا على ما وقع عليه صلح عمر ﵁ من عدم إحداث شيءٍ منها. وإن وقع الصّلح مطلقًا لا يجوز الإحداث عند الجمهور: الحنفيّة، والشّافعيّة، والحنابلة، ويجوز في بلدٍ ليس فيه أحد من المسلمين عند المالكيّة. ولا يتعرّض للقديمة عند الحنفيّة، والحنابلة، وهو المفهوم من كلام المالكيّة، والأصحّ عند الشّافعيّة المنع من إبقائها كنائس. ب - إجراء عباداتهم. الأصل في أهل الذّمّة تركهم وما يدينون، فيتركون على الكفر، وعقائدهم، وأعمالهم الّتي يعتبرونها من أمور دينهم كضرب النّاقوس خفيفًا في داخل معابدهم، وقراءة التّوراة والإنجيل فيما بينهم، ولا يمنعون من ارتكاب المعاصي الّتي يعتقدون بجوازها كشرب الخمر، واتّخاذ الخنازير وبيعها، أو الأكل والشّرب في نهار رمضان، وغير ذلك فيما بينهم أو إذا انفردوا بقريةٍ. ويشترط في جميع هذا ألّا يظهروها، ولا يجهروا بها بين المسلمين، وإلا منعوا وعزّروا، وهذا باتّفاق المذاهب، فقد جاء في شروط أهل الذّمّة لعبد الرّحمن بن غنمٍ: "ألّا نضرب ناقوسًا إلّا ضربًا خفيًّا في جوف كنائسنا، ولا نظهر عليها صليبًا، ولا نرفع أصواتنا في الصّلاة، ولا القراءة في كنائسنا، ولا نظهر صليبًا، ولا كتابًا في سوق المسلمين". هذا وقد فصّل بعض الحنفيّة بين أمصار المسلمين وبين القرى، فقالوا: لا يمنعون من إظهار شيءٍ من بيع الخمر، والخنزير، والصّليب، وضرب النّاقوس في قريةٍ أو موضعٍ ليس من أمصار المسلمين، ولو كان فيه عدد كثير من أهل الإسلام، وإنّما يكره ذلك في أمصار المسلمين؛ وهي الّتي تقام فيها الجمع والأعياد والحدود؛ لأنّ المنع من إظهار هذه الأشياء لكونه إظهار شعائر الكفر في مكان إظهار شعائر الإسلام، فيختصّ المنع بالمكان المعدّ لإظهار الشّعائر وهو المصر الجامع.

стр. 5673

وفصّل الشّافعيّة بين القرى العامّة والقرى الّتي ينفرد بها أهل الذّمّة، فلا يمنعون في الأخيرة من إظهار عباداتهم. (١) ومما ينبغي أن يعلم أن أخذ الجزية منهم وتركهم على عقيدتهم وعبادتهم ممتد إلى زمن معين ثم لا تقبل منهم الجزية، ولا يقبل منهم إلا الإسلام، وهذا عند نزول المسيح ﵇، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم ﷺ حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضح الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها" ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ (النساء: ١٥٩). (٢) فقوله: "حكمًا مقسطًا" أي: حاكمًا، والمعنى أنه ينزل حاكمًا بهذه الشريعة؛ فإن هذه الشريعة باقية لا تنسخ، بل يكون عيسى ﵇ حاكمًا من حكام هذه الأمة، (والمقسط العادل بخلاف القاسط فهو الجائر). وقوله: "فيكسر الصليب ويقتل الخنزير" أي: يبطل دين النصرانية بأن يكسر الصليب حقيقة، ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه، قوله: "ويضح الجزية" أي: أن الدين يصير واحدًا فلا يبقى أحد من أهل الذمة يؤدي الجزية، وقيل: معناه أن المال يكثر حتى لا يبقى من يمكن صرف مال الجزية له فتترك الجزية استغناءً عنها، وقال عياض: يحتمل أن يكون المراد بوضع الجزية تقريرها على الكفار من غير محاباة، ويكون كثرة المال بسبب ذلك، وتعقبه النووي وقال: الصواب في معناه أنه لا يقبلها ولا يقبل من الكفار إلا الإسلام ومن بذل منهم الجزية لم يكفِ عنه بها، بل لا يقبل إلا الإسلام أو القتل. قلت: -ابن حجر- ويؤيده أن عند أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة: "وتكون الدعوى واحدة" قال النووي:

стр. 5674

ومعنى وضع عيسى الجزية مع أنها مشروعة في هذه الشريعة أن مشروعيتها مقيدة بنزول عيسى لما دل عليه هذا الخبر، وليس عيسى بناسخ لحكم الجزية بل نبينا ﷺ هو المبين للنسخ بقوله هذا، قوله: ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، و (وإن) بمعنى: ما؛ أي: لا يبقى أحد من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى إذا نزل عيسى إلا آمن به، وهذا مصير من أبي هريرة إلى أن الضمير في قوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ وكذلك في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عود على عيسى؛ أي: إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وبهذا جزم ابن عباس فيما رواه ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عنه بإسناد صحيح، ومن طريق أبي رجاء عن الحسن قال: قبل موت عيسى، واللَّه إنه الآن لحي ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون، ونقله عن أكثر أهل العلم ورجحه ابن جرير وغيره. قال العلماء: الحكمة في نزول عيسى دون غيره من الأنبياء الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه، فبين اللَّه تعالى كذبهم وأنه الذي يقتلهم، أو نزوله لدنو أجله ليدفن في الأرض، إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها (١). ٤ - اختيار العمل . يتمتّع الذّمّيّ باختيار العمل الّذي يراه مناسبًا للتكسّب، فيشتغل بالتّجارة والصّناعة كما يشاء، فقد صرّح الفقهاء أنّ الذّمّيّ في المعاملات كالمسلم، هذا هو الأصل، أمّا الأشغال والوظائف العامّة فما يشترط فيه الإسلام كالخلافة، والإمارة على الجهاد، والوزارة وأمثالها - فلا يجوز أن يعهد بذلك إلى ذمّيٍّ، وما لا يشترط فيه الإسلام كتعليم الصّغار الكتابة، وتنفيذ ما يأمر به الإمام أو الأمير، يجوز أن يمارسه الذّمّيّون (٢).

стр. 5675

الرابعة: الجزية من عوامل الاستقرار في المجتمع، وعلامة عليه لأنها دليل الخضوع والانقياد لحكم الدولة . لقوله : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ وقد سبق بيان الصحيح في معنى الصغار؛ وهو جريان أحكام الإسلام عليهم، وإذا جرى عليهم حكم الإسلام وأذعنوا له وجاؤوا لدفع الجزية بأيديهم كان هذا علامة انقيادهم للدولة التي أنعمت عليهم بهذا العقد. الخامسة: الجزية إنعام من الإسلام عليهم لأنهم تخلصوا بها من القتل والاستئصال . الجزية نعمة عظمى تسدى لأهل الذّمّة، فهي تعصم أرواحهم، وتمنع عنهم الاضطهاد، وقد أدرك هذه النّعمة أهل الذّمّة الأوائل، فلمّا ردّ أبو عبيدة الجزية على أهل حمص لعدم استطاعته توفير الحماية لهم قالوا لولاته: (واللَّه لولايتكم وعدلكم أحبّ إلينا ممّا كنّا فيه من الظّلم والغشم) (١) فقد أقرّ أهل حمص بأنّ حكم المسلمين مع خلافهم لهم في الدّين أحبّ إليهم من حكم أبناء دينهم، وذلك لما ينطوي عليه ذلك الحكم من ظلم وجور واضطهاد وعدم احترام للنّفس الإنسانيّة. فإذا قارنّا بين الجزية بما انطوت عليه من صغار، وبين تلك الأعمال الوحشيّة الّتي يمارسها أهل العقائد مع المخالفين لهم في المعتقد تكون الجزية نعمة مسداة إلى أهل الذّمّة، ورحمة مهداة إليهم، وهي تستلزم شكر اللَّه تعالى، والاعتراف بالجميل للمسلمين. (٢) السادسة: الجزية ضريبة مالية تنتفع بها الدولة في قضاء مصالح الشعب ومنهم أهل الذمة .
следующие страницы →