← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

الذِّمِّيِّ في الإسلام عن طريق مخالطته للمسلمين ووقوفه على محاسن الدّين، فهذا يكون عن طريق الدّعوة لا عن طريق الإكراه، وقد قال اللَّه : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: ٢٥٦)، وهذا الأصل متّفق عليه بين الفقهاء، لكن هناك تفصيل وخلاف في بعض الفروع نذكره فيما يلي: أ - معابد أهل الذّمّة، قسّم الفقهاء أمصار المسلمين على ثلاثة أقسامٍ: الأوّل: ما اختطّه المسلمون، وأنشئوه كالكوفة، والبصرة، وبغداد، وواسط؛ فلا يجوز فيه إحداث كنيسةٍ، ولا بيعةٍ، ولا مجتمعٍ لصلاتهم، ولا صومعةٍ بإجماع أهل العلم، ولا يمكّنون فيه من شرب الخمر, واتّخاذ الخنازير، وضرب النّاقوس، ولأنّ هذا البلد ملك للمسلمين فلا يجوز أن يبنوا فيه مجامع للكفر، ولو عاقدهم الإمام على التّمكّن من ذلك فالعقد باطل. الثّاني: ما فتحه المسلمون عنوةً، فلا يجوز فيه إحداث شيءٍ من ذلك بالاتّفاق، لأنّه صار ملكًا للمسلمين، وما كان فيه شيء من ذلك هل يجب هدمه؟ قال المالكيّة: وهو وجه عند الحنابلة: لا يجب هدمه؛ لأنّ الصّحابة ﵃ فتحوا كثيرًا من البلاد عنوةً فلم يهدموا شيئًا من الكنائس. ويشهد لصحّة هذا وجود الكنائس والبيع في البلاد الّتي فتحها المسلمون عنوةً، وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمّاله: ألّا يهدموا بيعةً، ولا كنيسةً، ولا بيت نارٍ. وفي الأصحّ عند الشّافعيّة، وهو وجه عند الحنابلة: يجب هدمه، فلا يقرّون على كنيسةٍ كانت فيه؛ لأنّها بلاد مملوكة للمسلمين، فلم يَجُزْ أن تكون فيها بيعة، كالبلاد الّتي اختطّها المسلمون. وذهب الحنفيّة إلى أنّها لا تهدم، ولكن تبقى بأيديهم مساكن، ويمنعون من اتّخاذها للعبادة. الثّالث: ما فتحه المسلمون صلحًا، فإن صالحهم الإمام على أنّ الأرض لهم والخراج لنا، فلهم إحداث ما يحتاجون إليه فيها من الكنائس عند الحنفيّة، والمالكيّة، والحنابلة، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة؛ لأنّ الملك والدّار لهم، فيتصرّفون فيها كيف شاؤوا. وفي مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة: المنع؛ لأنّ البلد تحت حكم الإسلام.

стр. 5672

وإن صالحهم على أنّ الدّار لنا ويؤدّون الجزية فالحكم في الكنائس على ما يقع عليه الصّلح، والأولى ألّا يصالحهم إلّا على ما وقع عليه صلح عمر ﵁ من عدم إحداث شيءٍ منها. وإن وقع الصّلح مطلقًا لا يجوز الإحداث عند الجمهور: الحنفيّة، والشّافعيّة، والحنابلة، ويجوز في بلدٍ ليس فيه أحد من المسلمين عند المالكيّة. ولا يتعرّض للقديمة عند الحنفيّة، والحنابلة، وهو المفهوم من كلام المالكيّة، والأصحّ عند الشّافعيّة المنع من إبقائها كنائس. ب - إجراء عباداتهم. الأصل في أهل الذّمّة تركهم وما يدينون، فيتركون على الكفر، وعقائدهم، وأعمالهم الّتي يعتبرونها من أمور دينهم كضرب النّاقوس خفيفًا في داخل معابدهم، وقراءة التّوراة والإنجيل فيما بينهم، ولا يمنعون من ارتكاب المعاصي الّتي يعتقدون بجوازها كشرب الخمر، واتّخاذ الخنازير وبيعها، أو الأكل والشّرب في نهار رمضان، وغير ذلك فيما بينهم أو إذا انفردوا بقريةٍ. ويشترط في جميع هذا ألّا يظهروها، ولا يجهروا بها بين المسلمين، وإلا منعوا وعزّروا، وهذا باتّفاق المذاهب، فقد جاء في شروط أهل الذّمّة لعبد الرّحمن بن غنمٍ: "ألّا نضرب ناقوسًا إلّا ضربًا خفيًّا في جوف كنائسنا، ولا نظهر عليها صليبًا، ولا نرفع أصواتنا في الصّلاة، ولا القراءة في كنائسنا، ولا نظهر صليبًا، ولا كتابًا في سوق المسلمين". هذا وقد فصّل بعض الحنفيّة بين أمصار المسلمين وبين القرى، فقالوا: لا يمنعون من إظهار شيءٍ من بيع الخمر، والخنزير، والصّليب، وضرب النّاقوس في قريةٍ أو موضعٍ ليس من أمصار المسلمين، ولو كان فيه عدد كثير من أهل الإسلام، وإنّما يكره ذلك في أمصار المسلمين؛ وهي الّتي تقام فيها الجمع والأعياد والحدود؛ لأنّ المنع من إظهار هذه الأشياء لكونه إظهار شعائر الكفر في مكان إظهار شعائر الإسلام، فيختصّ المنع بالمكان المعدّ لإظهار الشّعائر وهو المصر الجامع.

стр. 5673

وفصّل الشّافعيّة بين القرى العامّة والقرى الّتي ينفرد بها أهل الذّمّة، فلا يمنعون في الأخيرة من إظهار عباداتهم. (١) ومما ينبغي أن يعلم أن أخذ الجزية منهم وتركهم على عقيدتهم وعبادتهم ممتد إلى زمن معين ثم لا تقبل منهم الجزية، ولا يقبل منهم إلا الإسلام، وهذا عند نزول المسيح ﵇، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم ﷺ حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضح الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها" ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ (النساء: ١٥٩). (٢) فقوله: "حكمًا مقسطًا" أي: حاكمًا، والمعنى أنه ينزل حاكمًا بهذه الشريعة؛ فإن هذه الشريعة باقية لا تنسخ، بل يكون عيسى ﵇ حاكمًا من حكام هذه الأمة، (والمقسط العادل بخلاف القاسط فهو الجائر). وقوله: "فيكسر الصليب ويقتل الخنزير" أي: يبطل دين النصرانية بأن يكسر الصليب حقيقة، ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه، قوله: "ويضح الجزية" أي: أن الدين يصير واحدًا فلا يبقى أحد من أهل الذمة يؤدي الجزية، وقيل: معناه أن المال يكثر حتى لا يبقى من يمكن صرف مال الجزية له فتترك الجزية استغناءً عنها، وقال عياض: يحتمل أن يكون المراد بوضع الجزية تقريرها على الكفار من غير محاباة، ويكون كثرة المال بسبب ذلك، وتعقبه النووي وقال: الصواب في معناه أنه لا يقبلها ولا يقبل من الكفار إلا الإسلام ومن بذل منهم الجزية لم يكفِ عنه بها، بل لا يقبل إلا الإسلام أو القتل. قلت: -ابن حجر- ويؤيده أن عند أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة: "وتكون الدعوى واحدة" قال النووي:

стр. 5674

ومعنى وضع عيسى الجزية مع أنها مشروعة في هذه الشريعة أن مشروعيتها مقيدة بنزول عيسى لما دل عليه هذا الخبر، وليس عيسى بناسخ لحكم الجزية بل نبينا ﷺ هو المبين للنسخ بقوله هذا، قوله: ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، و (وإن) بمعنى: ما؛ أي: لا يبقى أحد من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى إذا نزل عيسى إلا آمن به، وهذا مصير من أبي هريرة إلى أن الضمير في قوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ وكذلك في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عود على عيسى؛ أي: إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وبهذا جزم ابن عباس فيما رواه ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عنه بإسناد صحيح، ومن طريق أبي رجاء عن الحسن قال: قبل موت عيسى، واللَّه إنه الآن لحي ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون، ونقله عن أكثر أهل العلم ورجحه ابن جرير وغيره. قال العلماء: الحكمة في نزول عيسى دون غيره من الأنبياء الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه، فبين اللَّه تعالى كذبهم وأنه الذي يقتلهم، أو نزوله لدنو أجله ليدفن في الأرض، إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها (١). ٤ - اختيار العمل . يتمتّع الذّمّيّ باختيار العمل الّذي يراه مناسبًا للتكسّب، فيشتغل بالتّجارة والصّناعة كما يشاء، فقد صرّح الفقهاء أنّ الذّمّيّ في المعاملات كالمسلم، هذا هو الأصل، أمّا الأشغال والوظائف العامّة فما يشترط فيه الإسلام كالخلافة، والإمارة على الجهاد، والوزارة وأمثالها - فلا يجوز أن يعهد بذلك إلى ذمّيٍّ، وما لا يشترط فيه الإسلام كتعليم الصّغار الكتابة، وتنفيذ ما يأمر به الإمام أو الأمير، يجوز أن يمارسه الذّمّيّون (٢).

стр. 5675

الرابعة: الجزية من عوامل الاستقرار في المجتمع، وعلامة عليه لأنها دليل الخضوع والانقياد لحكم الدولة . لقوله : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ وقد سبق بيان الصحيح في معنى الصغار؛ وهو جريان أحكام الإسلام عليهم، وإذا جرى عليهم حكم الإسلام وأذعنوا له وجاؤوا لدفع الجزية بأيديهم كان هذا علامة انقيادهم للدولة التي أنعمت عليهم بهذا العقد. الخامسة: الجزية إنعام من الإسلام عليهم لأنهم تخلصوا بها من القتل والاستئصال . الجزية نعمة عظمى تسدى لأهل الذّمّة، فهي تعصم أرواحهم، وتمنع عنهم الاضطهاد، وقد أدرك هذه النّعمة أهل الذّمّة الأوائل، فلمّا ردّ أبو عبيدة الجزية على أهل حمص لعدم استطاعته توفير الحماية لهم قالوا لولاته: (واللَّه لولايتكم وعدلكم أحبّ إلينا ممّا كنّا فيه من الظّلم والغشم) (١) فقد أقرّ أهل حمص بأنّ حكم المسلمين مع خلافهم لهم في الدّين أحبّ إليهم من حكم أبناء دينهم، وذلك لما ينطوي عليه ذلك الحكم من ظلم وجور واضطهاد وعدم احترام للنّفس الإنسانيّة. فإذا قارنّا بين الجزية بما انطوت عليه من صغار، وبين تلك الأعمال الوحشيّة الّتي يمارسها أهل العقائد مع المخالفين لهم في المعتقد تكون الجزية نعمة مسداة إلى أهل الذّمّة، ورحمة مهداة إليهم، وهي تستلزم شكر اللَّه تعالى، والاعتراف بالجميل للمسلمين. (٢) السادسة: الجزية ضريبة مالية تنتفع بها الدولة في قضاء مصالح الشعب ومنهم أهل الذمة .

стр. 5676

الجزية مورد ماليّ من موارد الدّولة الإسلاميّة تنفق منه على المصالح العامّة والحاجات الأساسيّة للمجتمع: كالدّفاع عن البلاد، وتوفير الأمن في المجتمع، وتحقيق التّكافل الاجتماعيّ، والمرافق العامّة: كبناء المدارس، والمساجد، والجسور، والطّرق، وغير ذلك. قال ابن العربيّ في بيان الحكمة من مشروعيّة الجزية: في أخذها معونة للمسلمين ورزق حلال ساقه اللَّه إليهم. (١) ولا شيء في ذلك، فقد فرض اللَّه على المسلمين الزكاة وليس على أهل الذمة زكاة. الوجه الرابع: ترفع الإسلام عن سقطات السابقين عليه في مسألة الجزية . حيث جعلها ضمن عقد ترعاه الشريعة الإسلامية. فالإسلام كعادته لا يتوقف عند ممارسات البشر السابقة عليه، بل يترفع عن زللهم، ويضفي خصائصه الحضارية، فقد ارتفع الإسلام بالجزية ليجعلها، لا إتاوة يدفعها المغلوبون لغالبهم، بل لتكون عقدًا مبرمًا بين الأمة المسلمة، والشعوب التي دخلت في رعايتها. عقد بين طرفين، ترعاه أوامر اللَّه بالوفاء بالعهود، واحترام العقود، ويوثقه وعيد النبي ﷺ لمن أخل به، وتجلى ذلك بظهور مصطلح أهل الذمة، الذمة التي يحرم نقضها، ويجب الوفاء بها، ورعايتها بأمر النبي ﷺ وهذا يبين أن القصد منها ليس مجرد الإذلال، والصغار، وإنما يقع الصغار مصاحبًا لها إذا أقروا بها مع رفضهم للإسلام. الوجه الخامس: أمر اللَّه بأخذ الجزية من المقاتلين دون غيرهم كما نصت الآية على ذلك ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾.

стр. 5677

قال القرطبي: قال علماؤنا: الذي دل عليه القرآن أن الجزية تؤخذ من المقاتلين. . . وهذا إجماع من العلماء على أن الجزية إنما توضع على جماجم الرجال الأحرار البالغين، وهم الذين يقاتلون دون النساء والذرية والعبيد والمجانين المغلوبين على عقولهم والشيخ الفاني (١). وقد كتب عمر إلى أمراء الأجناد: لا تضربوا الجزية على النساء، والصبيان، ولا تضربوها إلا على من جرت عليه المواسي (٢). أي ناهز الاحتلام. قال أبو عبيد: قال أبو عبيد: يعني من أنبت، وهذا الحديث هو الأصل فيمن تجب عليه الجزية، ومن لا تجب عليه، ألا تراه إنما جعلها على الذكور المدركين، دون الإناث، والأطفال؟ وذلك أن الحكم كان عليهم القتل لو لم يؤدوها، وأسقطها عمن لا يستحق القتل، وهم الذرية. وقد جاء في كتاب النبي ﷺ إلى معاذ باليمن الذي ذكرناه: "أن على كل حالم دينارًا" ما فيه تقوية لقول عمر. ألا ترى أنه ﷺ خص الحالم دون المرأة، والصبي؟ (٣)، ثم ذكر أبو عبيد الأحاديث في النهي عن قتل النساء والذرية ثم قال بعدها: فلما أعفيت الذرية -وهم النساء والولدان- من القتل أسقطت عنهم الجزية، وثبتت على كل من يستحق القتل إن منعها، وهم الرجال، ومضت السنة بذلك، وعمل به المسلمون (٤). الوجه السادس: في المرأة منهم إذا بذلت الجزية:

стр. 5678

قال ابن قدامة: وإن بذلت المرأة الجزية أخبرت أنها لا جزية عليها فإن قالت: فأنا أتبرع بها، أو أنا أؤديها قبلت منها، ولم تكن جزية بل هبة تلزم بالقبض فإن شرطته على نفسها ثم رجعت كان لها ذلك، وإن بذلت الجزية لتصير إلى دار الإسلام مكنت من ذلك بغير شيء ولكن يشترط عليها التزام أحكام الإسلام، وتعقد لها الذمة، ولا يؤخذ منها شيء إلا أن تتبرع به بعد معرفتها أنه لا شيء عليها، وإن أخذ منها شيء على غير ذلك رد إليها؛ لأنها بذلته معتقدة أنه عليها، وأن دمها لا يحقن إلا به فأشبه من أدى مالا إلى من يعتقد أنه له، فتبين أنه ليس له، ولو حاصر المسلمون حصنًا ليس فيه إلا نساء فبذلن الجزية لتعقد لهن الذمة عقدت لهن بغير شيء، وحرم استرقاقهن كالتي قبلها سواء، فإن كان في الحصن معهن رجال فسألوا الصلح لتكون الجزية على النساء، والصبيان دون الرجال لم تصح؛ لأنهم جعلوها على غير من هي عليه وبرؤوا من تجب عليه، وإن بذلوا جزية عن الرجال، ويؤدوا عن النساء، والصبيان من أموالهم جاز، وكان ذلك زيادة في جزيتهم، وإن كان من أموال النساء، والصبيان لم يجز؛ لأنهم يجعلون الجزية على من لا تلزمه فإن كان القدر الذي بذلوه من أموالهم مما يجزئ في الجزية أخذ منهم، وسقط الباقي (١). وهذا مع ما قبله مما يبين أن الجزية وسيلة من وسائل الدعوة، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولذلك فرضت على المقاتلة فقط. وهنا ما هو أبلغ وأكثر، وهو أن الرجل من أهل الذمة لو كان فقيرًا عاجزًا عن الكسب أعطاه المسلمون من بيت المال. عن جسر أبي جعفر قال: شهدت كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة، قرئ علينا بالبصرة: أما بعد، فإن اللَّه سبحانه إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن رغب عن الإسلام، واختار الكفر عتيًا، وخسرانًا مبينًا، فضع الجزية على من أطاق حملها، وخل بينهم، وبين عمارة الأرض، فإن في ذلك صلاحًا لمعاش المسلمين، وقوة على عدوهم، وانظر من قبلك

стр. 5679

من أهل الذمة قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه، فلو أن رجلًا من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت، أو عتق، وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس، فقال: ما أنصفناك، أن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك" قال: ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه (١). قال القرطبي: قال عكرمة: الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين، فقراء أهل الكتاب، وقال أبو بكر العبسي: رأى عمر بن الخطاب ذميًا مكفوفًا مطروحًا على باب المدينة فقال له عمر: مالك؟ قال: استكروني في هذه الجزية حتى إذا كف بصري تركوني وليس لي أحد يعود علي بشيء فقال عمر: ما أنصفت إذًا، فأمر له بقوته وما يصلحه ثم قال: هذا من الذين قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية وهم زمنى أهل الكتاب. (٢) وقل السرخسي: فأما خراج الرؤوس لا يؤخذ من النساء والصبيان لما بينا أنه خلف عن النصرة التي فاتت بإصرارهم على الكفر ونصرة القتال لو كانوا مسلمين على الرجال دون النساء والصبيان، ولأن في حقهم الوجوب بطريق العقوبة كالقتل، وإنما يقتل الرجال منهم دون النساء والصبيان حين كانوا حربيين، فكذلك حكم الجزية بعد عقد الذمة، ولئن كان

стр. 5680

مؤنة السكنى، فالنساء والصبيان في السكنى تبع وأجرة السكنى على من هو الأصل دون التبع، ولكن الأول أصح، فإنه لا تؤخذ الجزية من الأعمى، والشيخ الفاني، والمعتوه، والمقعد مع أنهم في السكنى أصل، ولكن لا يلزمه أصل النصرة ببدنه لو كان مسلمًا فكذلك لا يؤخذ منه ما هو خلف عن النصرة. وعن أبي يوسف أن الأعمى والمقعد إذا كان صاحب مال ورأي يؤخذ منه؛ لأنه يقاتل برأيه، وإن كان لا يقاتل ببدنه لو كان مسلمًا، وعجزه لنقصان في بدنه ولا نقصان في ماله فيؤخذ منه ما هو خلف عن النصرة، والفقير الذي لا يستطيع أن يعمل لا تؤخذ منه الجزية؛ لأن الجزية مال يؤخذ منه ولا مال له، والعاجز عن الأداء معذور شرعًا فيما هو حق العباد قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، ففي الجزية أولى، وهذا؛ لأن الجزية صلة مالية وليست بدين واجب. ألا ترى أنها سميت خراجًا في الشرع. والخراج اسم لما هو صلة قال اللَّه تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ (الكهف: ٩٤)، ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ (المؤمنون: ٧٢)، والصلة المالية لا تكون إلا ممن يجد للمال، فأما من لا يجد يعان بالمال فكيف يؤخذ منه ولا خراج على رؤوس المماليك، لأنه خلف عن النصرة والمملوك لا يملك نصرة القتال في نفسه أن لو كان مسلمًا فلا يلزمه ما هو خلف عن النصرة ثم هو أعسر من الحر الذي لا يجد شيئًا؛ لأنه ليس من أهل الملك أصلًا ثم المملوك في السكنى تبع لمولاه. (١) الوجه السابع: لم يكن المبلغ المدفوع للجزية كبيرًا تعجز عن دفعه الرجال . فهو مرتبط على الأصح بالقدرة، والحالة، وقد كان ميسورًا، لم يتجاوز على عهد النبي ﷺ الدينار الواحد في كل سنة، فيما لم يتجاوز الأربعة دنانير سنويًا زمن الدولة الأموية. فحين أرسل النبي ﷺ معاذًا إلى اليمن أخذ من كل حالم منهم دينارًا، يقول معاذ: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعًا، أو تبيعة، ومن كل

стр. 5681

أربعين مسنة (هذه زكاة على المسلمين منهم)، ومن كل حالم دينارًا، أو عدله مَعافر (للجزية). (١)، والمعافري: الثياب. وفي عهد عمر بن الخطاب ﵁ ضرب الجزية على أهل الذهب: أربعة دنانير، وعلى أهل الورِق: أربعين درهمًا؛ مع ذلك أرزاق المسلمين، وضيافة ثلاثة أيام (٢). قال أبو عبيد: ولو عجز أحدهم لحظة، عن دينار لحطه من ذلك، حتى لقد روي عنه -يعني عمر ﵁ أنه أجرى على شيخ منهم من بيت المال، وذلك أنه مر به شيخ وهو يسأل على الأبواب (٣). ومن أهل العلم من يفرق بين الجزية المضروبة على سبيل الصلح وبين الجزية التي تضرب بعد قتالنا لهم؛ لأنهم اختاروا القتال ثم هزموا حيث قالوا: وهي على ضربين: جزية توضع بالتراضي والصلح فتقدر بحسب ما يقع عليه الاتفاق لأن الموجب هو التراضي فلا يجوز التعدي إلى غير ما وقع عليه الاتفاق، وجزية يبتدئ الإمام وضعها إذا غلب الإمام على الكفار، وأقرهم على أملاكهم، فيضع على الغني الظاهر الغنى في كل سنة ثمانية، وأربعين درهمًا يأخذ منهم في كل شهر أربعة دراهم. وعلى وسط الحال أربعة وعشرين درهمًا في كل شهر درهمين، وعلى الفقير المعتمل اثني عشر درهما في كل شهر درهمًا (٤). وهذا الوجه يتفق مع القاعدة الفقهية التي تقول: لا واجب مع عجز، ولا حرام مع ضرورة. (٥)

стр. 5682

ولأجل هذا قال ابن القيم: والصحيح أنها لا تجب على عاجز عنها، فإن اللَّه لا يكلف نفسًا إلا وسعها. وإنما فرضها عمر ﵁ على الفقير المعتمل لأنه يتمكن من أدائها بالكسب. وقواعد الشريعة كلها تقتضي ألا تجب على عاجز كالزكاة والدية والكفارة والخراج. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾، ولا واجب مع عجز، ولا حرام مع ضرورة. فإن قيل: نحن لا نكلفه بها في حال إعساره، بل تستقر دينًا في ذمته، فمتى أيسر طولب بها لما مضى كسائر الديون، قيل: هذا معقول في ديون الآدميين؛ وأما حقوق اللَّه تعالى فإنه إنما أوجبها على القادرين دون العاجزين. (١) والكل يدل على إحسان الإسلام إليهم، ووفاء المسلمين بالعهد ولو كان القصد هو الإذلال ما سقطت عن الفقير والعاجز والمرأة فظهر المراد من أنها من المحاسن والحمد للَّه. الوجه الثامن: التحذير من ظلم أهل الذمة حيث يأمر اللَّه في كتابه والنبي ﷺ في حديثه بالإحسان لأهل الذمة، وحسن معاملتهم، وتحرم الشريعة أشد التحريم ظلمهم، والبغي عليهم، فقد حثّ القرآن على البر، والقسط بأهل الكتاب السالمين الذين لا يعتدون على المسلمين ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ (الممتحنة: ٨). والبر أعلى أنواع المعاملة، فقد أمر اللَّه به في باب التعامل مع الوالدين، وهو الذي وضحه رسول اللَّه ﷺ في حديث آخر بقوله: "البر حسن الخلق". (٢) ويقول ﷺ في التحذير من ظلم أهل الذمة وانتقاص حقوقهم: "من ظلم معاهدًا، أو انتقصه حقه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة". (٣)

стр. 5683

ويقول: من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا. (١) وحين أساء بعض المسلمين معاملة أهل الجزية كان موقف العلماء العارفين صارمًا، فقد مرّ هشام بن حكيم بن حزام على أناس من الأنباط بالشام قد أقيموا في الشمس، فقال: ما شأنهم؟ قالوا: حبسوا في الجزية، فقال هشام: أشهد لسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: إن اللَّه يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا. قال: وأميرهم يومئذ عمير بن سعد على فلسطين، فدخل عليه، فحدثه، فأمر بهم فخُلوا. (٢) قال القرطبي معلقًا على هذا الحديث: قال علماؤنا: أما عقوبتهم إذا امتنعوا من أدائها مع التمكين فجائز، فأما مع تبين عجزهم فلا تحل عقوبتهم؛ لأن من عجز عن الجزية سقطت عنه. ولا يكلف الأغنياء أداءها عن الفقراء. (٣) وقال النووي: (فأمر بهم فخلوا) ضبطوه بالخاء المعجمة والمهملة، والمعجمة أشهر وأحسن. (٤) وأما الأمر بالصغار الوارد في قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، فقد بيناه سابقًا في تفسير الآية وهو معنى لا يمكن أن يتنافى مع ما رأيناه في أقوال النبي ﷺ من وجوب البر، والعدل، وحرمة الظلم، والعنت، وهو ما فهمه علماء الإسلام، ففسره الشافعي بأن تجري عليهم أحكام الإسلام، أي العامة منها، فالجزية علامة على خضوع الأمة المغلوبة للخصائص العامة للأمة الغالبة. وفسره التابعي عكرمة مولى ابن عباس بصورة دفع الجزية للمسلمين، فقال: أن يكونوا قيامًا، والآخذ لها جلوسًا، إذ لما كانت اليد المعطية على العادة هي العالية، طلب منهم أن يشعروا العاطي للجزية بتفضلهم عليه، لا بفضله عليهم.

стр. 5684

يقول القرطبي: فجعل يد المعطي في الصدقة عليا، وجعل يد المعطي في الجزية سفلى، ويد الآخذ عليا. (١) وقال ابن حجر: وعن الشافعي المراد بالصغار هنا التزام حكم الإسلام، وهو يرجع إلى التفسير اللغوي؛ لأن الحكم على الشخص بما لا يعتقده، ويضطر إلى احتماله يستلزم الذل. (٢) وأما ما ورد في بعض كتب الفقه من جرهم، وأخذ تلابيبهم، وضربهم على قفاهم، وإطالة وقوفهم على الأبواب، فمما لا دليل عليه ونحن نذكر بعض ذلك مع الرد عليه. ١ - قال الرافعي: وتؤخذ على وجه الصغار والإهانة؛ بأن يكون الذمي قائمًا والمسلم جالسًا، ويأمره أن يخرج يده من جيبه، ويحني ظهره، ويطأطئ رأسه، ويصب ما معه في كفة الميزان، ويأخذ المستوفي بلحيته، ويضرب في لهزمته، وفي مجمع اللحم بين الماضغ، والأذن وهذا معنى الصغار عند بعضهم، وهل هذه الهيئة واجبة أم مستحبة؟ وجهان أصحهما مستحبة. قال النووي: هذه الهيئة باطلة، ولا نعلم لها أصلًا معتمدًا وإنما ذكرها بعضهم. قال الجمهور: تؤخذ برفق كأخذ الديون فالصواب الجزم ببطلانها وردها على من اخترعها، ولم ينقل أنه ﷺ ، ولا أحد من الخلفاء الراشدين فعل شيئًا منها. قال الرافعي: والأصح عند الأصحاب تفسير الصغار بالتزام أحكام الإسلام وجريانها عليهم وقالوا: أشد الصغار على المرء أن يحكم عليه بما لا يعتقده ويضطر إلى احتماله واللَّه أعلم، وقد نص الشافعي على ذلك: أي على الأخذ بالرفق واللَّه أعلم. (٣) ٢ - قال ابن القيم: واختلف الناس في تفسير الصغار الذي يكونون عليه وقت أداء الجزية فقال عكرمة: أن يدفعها وهو قائم، ويكون الآخذ جالسًا، وقالت طائفة: أن يأتي

стр. 5685

بها بنفسه ماشيًا لا راكبًا، ويطال وقوفه عند إتيانه بها، ويجر إلى الموضع الذي تؤخذ منه بالعنف ثم تجر يده ويمتهن، وهذا كله مما لا دليل عليه ولا هو مقتضى الآية، ولا نقل عن رسول اللَّه ﷺ ، ولا عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك. والصواب في الآية أن الصغار هو: التزامهم لجريان أحكام الملة عليهم وإعطاء الجزية؛ فإن التزام ذلك هو الصغار. وقد قال الإمام أحمد في رواية حنبل: كانوا يجرون في أيديهم، ويختمون في أعناقهم إذا لم يؤدوا الصغار الذي قال اللَّه تعالى ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. وهذا يدل على أن الذمي إذا بذل ما عليه، والتزم الصغار لم يحتج إلى أن يجر بيده ويضرب. (١) الوجه التاسع: صور مشرقة في تعامل المسلمين مع أهل الذمة، وذلك في نقاط . لنعلم أن هذه القوانين لم تكن يومًا من الأيام في معزل عن الحياة، فقد قدم الإسلام ضمانات فريدة لأهل الذمة، لم، ولن تعرف لها البشرية مثيلًا، ففي مقابل دراهم معدودة يدفعها الرجال القادرون على القتال من أهل الذمة، فإنهم ينعمون بالعيش الآمن، والحماية المطلقة لهم من قبل المسلمين علاوة على أمنهم على كنائسهم، ودينهم. وقد تجلى ذلك في وصايا الخلفاء لقادتهم، كما أكدته صيغ الاتفاقات التي وقعها المسلمون مع دافعي الجزية، ونود أن نلفت نظر القارئ الكريم إلى تأمل الضمانات التي يضمنها المسلمون وما يدفعه أهل الجزية في مقابلها، وذلك فيما يلي: ١ - كتاب النبي ﷺ لربيعة الحضرمي ؛ وكتب رسول اللَّه ﷺ لربيعة بن ذي مرحب الحضرمي وإخوته وأعمامه: أن لهم أموالهم، ونخلهم، ورقيقهم، وآبارهم، وشجرهم، ومياههم، وسواقيهم، ونبتهم، وشِراجهم بحضر موت، وكل مال لآل ذي مرحب، وإن كل رهن بأرضهم يُحسب ثمره، وسدره، وقبضه من رهنه الذي هو فيه، وأن كل ما كان في ثمارهم من خير فإنه لا يسأل أحد عنه، وأن اللَّه، ورسوله براء منه، وأن نَصْرَ آل ذي

стр. 5686

مرحب على جماعة المسلمين، وأن أرضهم بريئة من الجور، وأن أموالهم، وأنفسهم، وزافر حائط الملك الذي كان يسيل إلى آل قيس، وأن اللَّه جار على ذلك، وكتب معاوية (١). وقوله: وأن نصر آل ذي مرحب على جماعة المسلمين فيه لفتة هامة، وهي أن المسلمين يقدمون حياتهم وأرواحهم ودماءهم فدًى لمن دخل في حماهم، وأصبح في ذمتهم، إنها ذمة اللَّه تعالى وذمة رسول اللَّه ﷺ (٢). يقول القرافي: فعقد يؤدي إلى إتلاف النفوس والأموال صونًا لمقتضاه عن الضياع إنه لعظيم (٣). ٢ - كما كتب النبي ﷺ كتاب ذمة ، وعهد إلى أهل نجران النصارى، ينقله إلينا ابن سعد في طبقاته، فيقول: وكتب رسول اللَّه ﷺ لأسقف بني الحارث بن كعب وأساقفة نجران، وكهنتهم، ومن تبعهم، ورهبانهم أن لهم ما تحت أيديهم من قليل وكثير، من بيعهم، وصلواتهم، ورهبانهم، وجوار اللَّه، ورسوله، لا يغير أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا كاهن عن كهانته، ولا يغير حق من حقوقهم، ولا سلطانهم، ولا شيء مما كانوا عليه، ما نصحوا، وأصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم ولا ظالمين، وكتب المغيرة. (٤) ٣ - أصحاب النبي ﷺ يطبقون ما تعلموه من نبيهم العظيم ، ويلتزمون لأهل الجزية بمثل الإسلام، وخصائصه الحضارية، وقد أورد المؤرخون عددًا مما ضمنوه لأهل الذمة، ومن ذلك العهدة العمرية التي كتبها عمر لأهل القدس، وفيها: بسم اللَّه الرحمن الرحيم؛ هذا ما أعطى عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم، وأموالهم، ولكنائسهم، وصلبانهم وسقيمها، وبريئها، وسائر ملتها، أن لا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم،

стр. 5687

ولا يُنتقص منها، ولا من حيزها، ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم. ولا يكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم، ولا يُسَكَّن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يُخرجوا منها الروم، واللصوص، فمن خرج منهم؛ فإنه آمن على نفسه، وماله حتى يبلغ مأمنه، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية. . . ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله؛ فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم. وعلى ما في هذا الكتاب عهد اللَّه، وذمة رسوله، وذمة الخلفاء، وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية، شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وكتب وحضر سنة خمس عشرة" وبمثله كتب عمر لأهل اللد (١). ٤ - وحين فتح خالد بن الوليد دمشق كتب لأهلها مثله، بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها أمانًا على أنفسهم، وأموالهم، وكنائسهم،

стр. 5688

وسور مدينتهم لا يهدم، ولا يسكن شيء من دورهم، لهم بذلك عهد اللَّه، وذمة رسول اللَّه ﷺ ، والخلفاء، والمؤمنين، لا يُعرض لهم إلا بخير إذا أعطوا الجزية. (١) ٥ - ويسجل عبادة في الصامت هذه السمات الحضارية للجزية في الإسلام ، وهو يعرض الموقف الإسلامي الواضح على المقوقس عظيم القبط، فيقول: إما أجبتم إلى الإسلام. فإن قبلت ذلك أنت، وأصحابك فقد سعدت في الدنيا، والآخرة، ورجعنا عن قتالكم، ولم نستحل أذاكم، ولا التعرض لكم، فإن أبيتم إلا الجزية، فأدوا إلينا الجزية عن يد، وأنتم صاغرون، نعاملكم على شيء نرضى به نحن، وأنتم في كل عام أبدًا ما بقينا، وبقيتم، نقاتل عنكم من ناوأكم، وعرض لكم في شيء من أرضكم، ودمائكم، وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم إن كنتم في ذمتنا، وكان لكم به عهد علينا (٢). ونلحظ ثانية كيف يتقدم المسلم بنفسه لحماية أهل الجزية، وأموالهم، ونرى فداءه لهم بماله ودمه نقاتل عنكم من ناوأكم، وعرض لكم في شيء من أرضكم، ودمائكم، وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم. ٦ - حرص المسلمين على الوفاء بعقد الذمة وقد خشي الخلفاء أن يقصر المسلمون في حقوق أهل الذمة، فتفقدوا أحوالهم، ومن ذلك: أ - ما رواه الطبري في تاريخه، في سياقه لحديث عمر إلى وفد جاءه من أرض الذمة، فقال عمر للوفد: لعل المسلمين يفضون إلى أهل الذمة بأذى، وبأمور لها ما ينتقضون بكم؟ فقالوا: ما نعلم إلا وفاء، وحسن ملكة. (٣)

стр. 5689

ب - ولما تدانى الأجل به ﵁ لم يفُته أن يوصي المسلمين برعاية أهل الذمة فقال: أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرًا، وأن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتلوا من ورائهم، وألا يكلفوا فوق طاقتهم. (١) ج - عن جبير بن نفير قال: أتي عمر بمال كثير، -قال أبو عبيد- أحسبه قال من الجزية فقال: إني لأظنكم قد أهلكتم الناس؟ قالوا: لا واللَّه ما أخذنا إلا عفوًا صفوًا. قال: بلا سوط، ولا نوط؟ قالوا: نعم. قال: الحمد للَّه الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني. (٢) د - وهذه صورة عظيمة من صور لوفاء من المسلمين لهم مع إصرارهم على الخيانة العظمى للدولة عن ابن سيرين، أن عمر بن الخطاب؛ استعمل عمير بن سعيد، أو سعد على طائفة من الشام، فقدم عليه قدمة، فقال: يا أمير المؤمنين، إن بيننا وبين الروم مدينة يقال لها: عرب السوس، وإنهم لا يخفون على عدونا من عوراتنا شيئًا، ولا يظهروننا على عوراتهم، فقال له عمر: فإذا قدمت فخيرهم بين أن تعطيهم مكان كل شاة شاتين، ومكان كل بعير بعيرين، ومكان كل شيء شيئين فإن رضوا بذلك فأعطهم، وخربها فإن أبوا فانبذ إليهم وأجلهم سنة، ثم خربها، فقال: اكتب لي عهدًا بذلك، فكتب له عهدًا، فلما قدم عمير عليهم عرض عليهم ذلك، فأبوا فأجلهم سنة، ثم أخربها قال أبو عبيد: وهذه مدينة بالثغر من ناحية الحدث يقال لها: عرب سوس، وهي معروفة هناك، وقد كان لهم عهد، فصاروا إلى هذا، وإنما نرى عمر عرض عليهم ما عرض من الجلاء، وأن يعطوا الضعف من أموالهم؛ لأنه لم يتحقق ذلك عنده من أمرهم، أو أن النكث كان من طوائف منهم دون

стр. 5690

إجماعهم، ولو أطبقت جماعتهم عليه ما أعطاهم من ذلك شيئًا إلا القتال والمحاربة، وقد كان نحو من هذا قريبًا الآن في دهر الأوزاعي بموضع بالشام، يقال له: جبل اللبنان، وكان به ناس من أهل العهد فأحدثوا حدثًا، وعلى الشام يومئذ صالح بن علي، فحاربهم وأجلاهم فكتب إليه الأوزاعي، فيما ذكر لنا محمد بن كثير عنه، برسالة طويلة، فيها: قد كان من إجلاء أهل الذمة، من أهل جبل لبنان، مما لم يكن تمالأ عليه خروج من خرج منهم، ولم تطبق عليه جماعتهم، فقتل منهم طائفة، ورجع بقيتهم إلى قراهم، فكيف تؤخذ عامة بعمل خاصة؟ فيخرجون من ديارهم وأموالهم؟ وقد بلغنا أن من حكم اللَّه أنه لا يأخذ العامة بعمل الخاصة، ولكن يأخذ الخاصة بعمل العامة، ثم يبعثهم على أعمالهم، فأحق ما اقتدي به ووقف عليه حكم اللَّه ﵎، وأحق الوصايا بأن تحفظ وصية رسول اللَّه ﷺ وقوله: "من ظلم معاهدًا أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه، من كانت له حرمة في دمه فله في ماله والعدل عليه مثلها فإنهم ليسوا بعبيد فتكونوا من تحويلهم من بلد إلى بلد في سعة، ولكنهم أحرار أهل ذمة، يرجم محصنهم على الفاحشة، ويحاص نساؤهم نساءنا من تزوجهن منا القسم، والطلاق، والعدة سواء - ثم ذكر رسالة طويلة، قال أبو عبيد: ثم كان بعد ذلك حدث من أهل قبرص، وهي جزيرة في البحر بين أهل الإسلام والروم، قد كان معاوية صالحهم وعاهدهم على خرج يؤدونه إلى المسلمين، وهم مع هذا يؤدون إلى الروم خرجا أيضًا، فهم ذمة للفريقين كليهما فلم يزالوا على ذلك حتى إذا كان زمان عبد الملك بن صالح على الثغور، فكان منهم حدث أيضًا، أو من بعضهم، رأى عبد الملك أن ذلك نكث لعهدهم والفقهاء يومئذ متوافرون، فكتب إلى عدة منهم يشاورهم في محاربتهم، فكان ممن كتب إليه: الليث بن سعد، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وموسى بن أعين، وإسماعيل بن عياش، ويحيى بن حمزة، وأبو إسحاق الفزاري، ومخلد بن حسين، فكلهم أجابه على كتابه. قال أبو عبيد: فوجدت رسائلهم إليه قد استخرجت من ديوانه، فاختصرت منها المعنى الذي أرادوه وقصدوا له، وقد اختلفوا عليه في الرأي، إلا

стр. 5691

أن من أمره بالكف عنهم والوفاء لهم، وإن غدر بعضهم، أكثر ممن أشار بالمحاربة، فكان مما كتب إليه الليث بن سعد: إن أهل قبرص لم نزل نتهمهم بالغش لأهل الإسلام والمناصحة لأهل الروم، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (الأنفال: ٥٨) ولم يقل ﵎: لا تنبذ إليهم حتى تستبين خيانتهم وإني أرى أن تنبذ إليهم، ثم ينظروا سنة يأتمرون، فمن أحب منهم اللحاق ببلاد المسلمين، على أن يكون ذمة يؤدي الخراج فعل، ومن أراد أن ينتحي إلى الروم فعل، ومن أراد أن يقيم بقبرص على الحرب أقام، فيقاتلهم المسلمون كما يقاتلون عدوهم؛ فإن في إنظارهم سنة قطعًا لحجتهم ووفاء بعهدهم، وكان فيما كتب إليه سفيان بن عيينة: إنا لا نعلم النبي ﷺ عاهد قوما فنقضوا العهد إلا استحل قتلهم، غير أهل مكة فإنه من عليهم، وإنما كان نقضهم الذي استحل به غزوهم: أن قاتلت حلفاؤهم من بني بكر حلفاء رسول اللَّه ﷺ من خزاعة فنصر أهل مكة بني بكر على حلفائه، فاستحل بذلك غزوهم، ونزلت في الذين نقضوا ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤)﴾ (التوبة: ١٣ - ١٤) ونزلت فيهم أيضًا: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾ (الأنفال: ٥٥ - ٥٧)، وكان فيما أخذ النبي ﷺ على أهل نجران في صلحه: أن من أكل منهم ربا من ذي قبل فذمتي منه بريئة. والذي انتهى إلينا من العلم: أن من نقض شيئًا مما عوهد عليه، ثم أجمع القوم على نقضه، فلا ذمة لهم. وكان فيما كتب إليه مالك بن أنس: إن أمان أهل قبرص كان قديمًا متظاهرًا من الولاة لهم، يرون أن أمانهم وإقرارهم على حالهم ذل وصغار لهم، وقوة للمسلمين عليهم: لما يأخذون من جزيتهم ويصيبون بهم من

стр. 5692

الفرصة على عدوهم، ولم أجد أحدًا من الولاة نقض صلحهم، ولا أخرجهم من مكانهم، وأنا أرى أن لا تعجل بنقض عهدهم ومنابذتهم حتى يعذر إليهم، وتؤخذ الحجة عليهم، فإن اللَّه ﵎ يقول: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ فإن لم يستقيموا بعد ذلك ويتركوا غشهم، ورأيت أن الغدر يأتي من قبلهم أوقعت بهم عند ذلك، وكان بعد الإعذار إليهم، فكان أقوى لك عليهم، وأقرب من النصر لك والخزي لهم إن شاء اللَّه. وكان فيما كتب إليه موسى بن أعين: إنه قد كان يكون مثل هذا فيما خلا، فينظر فيه الولاة، ولم أر أحدًا ممن مضى نقض عهد أهل قبرص، ولا غيرها، ولعل جماعتهم لم تمالئ على ما كان من خاصتهم، وإني أرى الوفاء لهم وإتمام تلك الشروط، وإن كان منهم الذي كان. قال موسى: وقد سمعت الأوزاعي يقول في قوم صالحوا المسلمين ثم أخبروا المشركين بعورتهم ودلوهم عليها - قال: إن كان من أهل الذمة فقد نقض عهده، وخرج من ذمته، فإن شاء الوالي قتله وصلبه وإن كان مصالحًا لم يدخل ذمة نبذ إليهم الوالي على سواء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾. وكان فيما كتب إليه إسماعيل بن عياش: أن أهل قبرص أذلاء مقهورون، تغلبهم الروم على أنفسهم ونسائهم، فقد يحق علينا أن نمنعهم ونحميهم، وقد كتب حبيب بن مسلمة في عهده وأمانه لأهل أرمينية أنه إن عرض للمسلمين شغل عنكم وقهركم فإنكم غير مأخوذين، ولا ناقض ذلك عهدكم، بعد أن تفُوا للمسلمين، وإني أرى أن يقروا على عهدهم وذمتهم، فإن الوليد بن يزيد قد كان أجلاهم إلى الشام، فاستفظع ذلك واستعظمه فقهاء المسلمين، فلما ولي يزيد بن الوليد ردهم إلى قبرس، فاستحسن المسلمون ذلك ورأوه عدلًا. وكان فيما كتب إليه يحيى بن حمزة: إن أمر قبرص كأمر عربسوس، فإن فيها قدوة حسنة وسنة متبعة، فإن صارت قبرص لعدو المسلمين إلى ما صارت إليه عربسوس، فإن تركها على حالها والصبر على ما كان فيها، لما في ذلك للمسلمين من جزيتها وما يحتاجون إليه مما فيها أفضل، وإنما كان أمانها وتركها لذلك وليس من أهل عهد بمثل منزلتهم فيما

стр. 5693

بين المسلمين وبين عدوهم إلا ومثل ذلك يتقى منهم قديمًا وحديثًا، وكل أهل عهد لم يقاتل المسلمون من ورائهم وتمض أحكامهم فيهم، فليسوا بذمة، ولكنهم أهل فدية، يكف عنهم ما كفوا، ويوفى لهم بعهدهم ما وفوا، ويقبل منهم عفوهم ما أدوا، ولا ينبغي أن يكون ذلك من المسلمين إليهم إلا بعد تقية يتقونها منهم أو ضعف عن محاربتهم، أو شغل عنهم بغيرهم، وقد روي عن معاذ بن جبل: أنه كره أن يصالح أحدًا من العدو على شيء معلوم، إلا أن يكون المسلمون مضطرين إلى صلحهم؛ لأنه لا يدري لعلهم يكونون أغنياء أعزاء في صلحهم، ليست عليهم ذلة ولا صغار. وكان فيما كتب إليه أبو إسحاق، ومخلد بن حسين: وإنا لم نر شيئًا أشبه بأمر قبرس من أمر عربسوس، وما حكم فيها عمر بن الخطاب، ثم ذكرا مثل الحديث الذي ذكرناه فيها، وقد كان الأوزاعي يحدث أن المسلمين فتحوا قبرص، فتركوا أهلها على حالهم، وصالحوهم على أربعة عشر ألف دينار: سبعة آلاف للمسلمين، وسبعة آلاف للروم، على أن لا يكتموا المسلمين أمر عدوهم، ولا يكتموا الروم أمر المسلمين، فكان الأوزاعي يقول: ما وفى لنا أهل قبرص قط، وإنا نرى أن هؤلاء القوم أهل عهد، وأن صلحهم وقع على شيء فيه شرط لهم وشرط عليهم، وأنه لا يستقيم إلا بأمر يعرف به غدرهم ونكث عهدهم. قال أبو عبيد: فأرى أكثرهم قد وكد العهد ونهى عن محاربتهم حتى يجمعوا جميعًا على النكث، وهذا أولى القولين بأن يتبع وأن لا يؤخذ العوام بجناية الخاصة، إلا أن يكون ذلك بممالأة منهم ورضا بما صنعت الخاصة، فهناك تحل دماؤهم وقد روي عن علي بن أبي طالب شيء يدل على هذا المعنى (١). ولما أخذ الوليد بن عبد الملك كنيسة يوحنا من النصارى قهرًا، وأدخلها في المسجد، اعتبر المسلمون ذلك من الغصب، فلما ولي عمر بن عبد العزيز شكا إليه النصارى ذلك، فكتب إلى عامله يأمره برد ما زاد في المسجد عليهم (٢).

стр. 5694

٧ - وحين عجز المسلمون عن أداء حقوق أهل الذمة وحمايتهم من عدوهم ردوا إليهم ما أخذوه من الجزية لفوات شرطها، وهو الحماية، فعن مكحول؛ أن الأخبار تتابعت على أبي عبيدة بجموع الروم، فاشتد ذلك عليه وعلى المسلمين، فكتب أبو عبيدة لكل والٍ ممن خلَّفه في المدن التي صالح أهلها يأمرهم أن يردوا عليهم ما جُبي منهم من الجزية والخراج، كتب إليهم أن يقولوا لهم: إنما رددنا عليكم أموالكم، لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشرط وما كان بيننا وبينكم إن نصرنا اللَّه عليهم (١). وحين قام أهل الذمة بالمشاركة في الذود عن بلادهم أسقط عنهم المسلمون الجزية، كما صنع معاوية ﵁ مع الأرمن. يقول لوران المؤرخ الفرنسي في كتابه -أرمينية بين بيزنطة والإسلام-: (إن الأرمن أحسنوا استقبال المسلمين ليتحرروا من ربقة بيزنطة، وتحالفوا معهم ليستعينوا بهم على مقاتلة الخزر، وترك العرب لهم أوضاعهم التي ألفوها وساروا عليها، والعهد أعطاه معاوية سنة ٦٥٣ م، إلى القائد تيودور رختوني ولجميع أبناء جنسه ما داموا راغبين فيه، وفي جملته: أن لا يأخذ منهم جزية ثلاث سنين، ثم يبذلون بعدها ما شاؤوا، كما عاهدوه وأوثقوه على أن يقوموا بحاجة خمسة عشر ألف مقاتل من الفرسان منهم بدلًا من الجزية، وأن لا يرسل الخليفة إلى معاقل أرمينا أمراء ولا قادة ولا خيلًا ولا قضاة. . . وإذا أغار عليهم الروم أمدهم بكل ما يريدونه من نجدّات. وأشهد معاويةُ اللَّه على ذلك (٢). ولا يتوقف حق أهل الذمة على دفع العدو عنهم، بل يتعداه إلى دفع كل أذى يزعجهم، ولو كان بالقول واللسان.

стр. 5695

يقول القرافي: إن عقد الذمة يوجب لهم حقوقًا علينا لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا (حمايتنا) وذمتنا وذمة اللَّه تعالى، وذمة رسول اللَّه ﷺ ، ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة، فقد ضيع ذمة اللَّه وذمة رسوله ﷺ ، وذمة دين الإسلام (١). وواصل المسلمون بهدي من دينهم عطاءهم الحضاري حين تحولوا من آخذين للجزية إلى باذلين للمال رعاية وضمانًا للفقراء من أهل الذمة، فقد روى ابن زنجويه بإسناده أن عمر بن الخطاب رأى شيخًا كبيرًا من أهل الجزية يسأل الناس فقال: ما أنصفناك إن أكلنا شبيبتك، ثم نأخذ منك الجزية، ثم كتب إلى عماله أن لا يأخذوا الجزية من شيخ كبير. (٢) وكان مما أمر به ﵁: من لم يطق الجزية خففوا عنه، ومن عجز فأعينوه (٣). وأرسل الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى عامله على البصرة عدي بن أرطأة يقول: وانظر من قبلك من أهل الذمة، قد كبرت سنه وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فأجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه (٤). أما إذا امتنع الذمي عن دفع الجزية مع القدرة عليها فإنه يعاقب، من غير أن تنقض ذمته. يقول القرطبي: وأما عقوبتهم إذا امتنعوا عن أدائها مع التمكين فجائز، فأما مع تبين عجزهم فلا تحل عقوبتهم، لأن من عجز عن الجزية سقطت عنه، ولا يكلف الأغنياء أداءها عن الفقراء (٥). لقد أدرك فقهاء الإسلام أهمية عقد الذمة وخطورة التفريط فيه، وأنه لا ينقض بمجرد الامتناع عن دفع الجزية.

стр. 5696

يقول الكاساني الحنفي: وأما صفة العقد (أي عقد الذمة) فهو أنه لازم في حقنا، حتى لا يملك المسلمون نقضه بحال من الأحوال، وأما في حقهم (أي الذميين) فغير لازم. (١) ٨ - شهادة المؤرخين الغربيين ولسائل أن يسأل: هل حقق المسلمون هذه المثُل العظيمة، هل وفوا ذمة نبيهم طوال تاريخهم المديد؟ وفي الإجابة عنه نسوق ثلاث شهادات لغربيين فاهوا بالحقيقة التي أثبتها تاريخنا العظيم. يقول ولديورانت: لقد كان أهل الذمة، المسيحيون والزرادشتيون واليهود والصابئون يتمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح، لا نجد لها نظيرًا في البلاد المسيحية في هذه الأيام، فلقد كانوا أحرازا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم، ولم يفرض عليهم أكثر من ارتداء زيّ ذي لون خاص، وأداء ضريبة عن كل شخص باختلاف دخله، وتتراوح بين دينارين وأربعة دنانير، ولم تكن هذه الضريبة تفرض إلا على غير المسلمين القادرين على حمل السلاح، ويعفى منها الرهبان والنساء والذكور الذين هم دون البلوغ، والأرقاء والشيوخ، والعجزة، والعمى الشديد والفقر، وكان الذميون يعفون في نظير ذلك من الخدمة العسكرية. . ولا تفرض عليهم الزكاة البالغ قدرها اثنان ونصف في المائة من الدخل السنوي، وكان لهم على الحكومة أن تحميهم (٢). يقول المؤرخ آدم ميتز في كتابه -الحضارة الإسلامية-: كان أهل الذمة يدفعون الجزية، كل منهم بحسب قدرته، وكانت هذه الجزية أشبه بضريبة الدفاع الوطني، فكان لا يدفعها إلا الرجل القادر على حمل السلاح، فلا يدفعها ذوو العاهات، ولا المترهبون، وأهل الصوامع إلا إذا كان لهم يسار (٣).

стр. 5697

ويقول المؤرخ سير توماس أرنولد في كتابه -الدعوة إلى الإسلام- موضحًا الغرض من فرض الجزية ومبينًا على مَن فُرضت: ولم يكن الغرض من فرض هذه الضريبة على المسيحيين -كما يردد بعض الباحثين- لونًا من ألوان العقاب لامتناعهم عن قبول الإسلام، وإنما كانوا يؤدونها مع سائر أهل الذمة. وهم غير المسلمين من رعايا الدولة الذين كانت تحول ديانتهم بينهم وبين الخدمة في الجيش في مقابل الحماية التي كفلتها لهم سيوف المسلمين. وهكذا تبين بجلاء ووضوح براءة الإسلام بشهادة التاريخ والمنصفين من غير أهله، ثبتت براءته مما ألحقه به الزاعمون، وما فاهت فيه ألسنة الجائرين. ٩ - من أقوال الفقهاء المسلمين في حراسة وتقرير حقوق أهل الذمة ونلحظ فيما سبق أن الإسلام شرع لحراسة حقوق أهل الذمة في إقامة شعائر دينهم، وكنائسهم ما يلي: جاء في قوانين الأحكام الشرعية: المسألة الثانية: فيما يجب لهم علينا، وهو التزام إقرارهم في بلادنا إلا جزيرة العرب وهي الحجاز واليمن، وأن نكف عنهم، ونعصمهم بالضمان في أنفسهم وأموالهم، ولا نتعرض لكنائسهم ولا لخمورهم وخنازيرهم ما لم يظهروه (١). ب - وينقل الطحاوي إجماع المسلمين على حرية أهل الذمة في أكل الخنازير، والخمر، وغيره مما يحل في دينهم، فيقول: وأجمعوا على أنه ليس للإمام منع أهل الذمة من شرب الخمر، وأكل لحم الخنازير، واتخاذ المساكن التي صالحوا عليها، إذا كان مِصرًا ليس فيه أهل إسلام (أي في بلادهم التي هم فيها الكثرة) (٢). ج - وتصون الشريعة نفس الذمي وماله، وتحكم له بالقصاص من قاتله، فقد أُخذ رجل من المسلمين على عهد علي ﵁ وقد قتل رجلًا من أهل الذمة، فحكم عليه بالقصاص، فجاء أخوه واختار الدية بدلًا عن القود، فقال له علي: لعلهم فرقوك أو فزّعوك أو هددوك؟ فقال:

стр. 5698

لا، بل قد أخذت الدية، ولا أظن أخي يعود إلى بقتل هذا الرجل، فأطلق عليٌّ القاتل، وقال: أنت أعلم، من كانت له ذمتنا، فدمه كدمنا، وديته كديّتنا (١). د - وصونًا لمال الذمي فإن الشريعة لا تفرق بينه، وبين مال المسلم، وتحوطه بقطع اليد الممتدة إليه، ولو كانت يد مسلم. يقول القرطبي: الذمي محقون الدم على التأبيد، والمسلم كذلك، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام، والذي يحقِق ذلك أنّ المسلم يقطع بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أنّ مال الذمي قد ساوى مال المسلم، فدل على مساواته لدمه، إذ المال إنّما يحرم بحرمة مالكه (٢). قال الماورديّ: ويلتزم -أي الإمام- لهم ببذل حقَّين: أحدهما: الكفُّ عنهم. والثانِي: الحماية لهم، ليكونوا بالكفِّ آمنين، وبالحماية محروسين (٣). وقال النوويّ: ويلزمنا الكفُّ عنهم، وضمان ما نُتلفه عليهم، نفسًا، ومالًا، ودفعُ أهلِ الحرب عنهم. (٤) وتوالى تأكيد الفقهاء المسلمين على ذلك. يقول ابن النجار الحنبلي: يجب على الإمام حفظ أهل الذمة ومنع من يؤذيهم وفكُّ أسرهم ودفع من قصدهم بأذى (٥). ولما أغار أمير التتار قطلوشاه على دمشق في أوائل القرن الثامن الهجري، وأسر من المسلمين، والذميين من النصارى، واليهود عددًا، ذهب الإمام ابن تيمية، ومعه جمع من العلماء، وطلبوا فك أسر الأسرى، فسمح له بالمسلمين، ولم يطلق الأسرى الذميين، فقال له شيخ الإسلام: لابد من افتكاك جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم

стр. 5699

أهل ذمتنا، ولا ندع لديك أسيرًا، لا من أهل الملة، ولا من أهل الذمة، فإن لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، فأطلقهم الأمير التتري جميعًا (١). قال محمد علي بن حسين المكي المالكي: عقد الذمة لما كان عقدًا عظيمًا فيوجب علينا حقوقًا لهم منها ما حكاه ابن حزم في مراتب الإجماع، ونجعلهم في جوارنا، وفي حق ربنا، وفي ذمة اللَّه تعالى وذمة رسول اللَّه ﷺ ، وذمة دين الإسلام. والذي إجماع الأمة عليه أن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع، والسلاح، ونموت دون ذلك صونًا لمن هو في ذمة اللَّه تعالى، وذمة رسوله ﷺ ؛ فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة، ومنها أن من اعتدى عليهم، ولو بكلمة سوء، أو غيبة في عرض أحدهم، أو نوع من أنواع الأذية، أو أعان على ذلك فقد ضيع ذمة اللَّه تعالى، وذمة رسوله ﷺ ، وذمة دين الإسلام تعين علينا أن نبرهم بكل أمر لا يؤدي إلى أحد الأمرين أحدهما ما يدل ظاهره على مودات القلوب وثانيهما ما يدل ظاهره على تعظيم شعائر الكفر وذلك كالرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وإكساء عاريهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف لهم، والرحمة لا على سبيل الخوف، والذلة، واحتمال أذيتهم في الجوار مع القدرة على إزالته لطفا منا بهم لا خوفا، وتعظيما، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم في دينهم، ودنياهم، وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم، وعيالهم، وأعراضهم، وجميع حقوقهم، ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم لجميع حقوقهم، وكل خير يحسن من الأعلى مع الأسفل أن يفعله، ومن العدو أن يفعله مع عدوه؛ فإن ذلك من مكارم الأخلاق. إلا أنه ينبغي أن يكون لا على وجه التعظيم لهم وتحقير أنفسنا بذلك الصنيع لهم بل امتثالًا منا لأمر ربنا وأمر نبينا ﷺ مع كوننا نستحضر في قلوبنا ما جبلوا عليه من

стр. 5700

بغضنا، وتكذيب نبينا ﷺ ، وأنهم لو قدروا علينا لاستأصلوا شأفتنا، واستولوا على دمائنا وأموالنا، وأنهم من أشد العصاة لربنا ومالكنا ليمنعنا ذلك الاستحضار من الود الباطن لهم المحرم علينا خاصة، لا لأن نظهر آثار تلك الأمور التي نستحضرها في قلوبنا من صفاتهم الذميمة؛ لأن عقد العهد يمنعنا من ذلك (١). الوجه العاشر: لم يكن الإسلام أول الأديان والملل أخذًا للجزية بل هي شريعة معهودة عند أهل الكتاب يعرفونها كما يعرفون أبناءهم، فها هم بنو إسرائيل عندما دخلوا بأمر الرب إلى الأرض المقدسة مع نبيهم يشوع أخذوا الجزية من الكنعانيين، فيقول النص في سفر يشوع (١٦: ١٠): (فَلَمْ يَطْرُدُوا الْكَنْعَانِيِّينَ السَّاكِنِينَ فِي جَازَرَ. فَسَكَنَ الْكَنْعَانِيُّونَ فِي وَسَطِ أَفْرَايِمَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ، وَكَانُوا عَبِيدًا تَحْتَ الْجِزْيَةِ). وفي سفر القضاة (١: ١) نجد أن بني إسرائيل سألوا الرب قائلين: (مَنْ مِنَّا يَصْعَدُ إِلَى الْكَنْعَانِيِّينَ أَوَّلًا لِمُحَارَبَتِهِمْ؟ " ٢ فَقَالَ الرَّبُّ: "يَهُوذَا يَصْعَدُ. هُوَذَا قَدْ دَفَعْتُ الأَرْضَ لِيَدِه)، وفي الأعداد (٣٠ - ٣٣) نجدهم يضعون الجزية على الكنعانيين. وعلى سكان قطرون وسكان نهلول وسكان بيت شمس وسكان بيت عناة وغيرهم ونجد في كتابهم المقدس أيضًا أن نبي اللَّه سليمان ﵇ متسلطًا على جميع الممالك من النهر إلى أرض فلسطين وإلى تخوم مصر. وكانت هذه الممالك تقدم له الجزية وتخضع له كل أيام حياته. ملوك الأول (٤: ٢١). فيقول النص كما في ترجمة كتاب الحياة: (فكَانَتْ هَذِهِ المَمَالِكُ تُقَدِّمُ لَهُ الجِزْيَةَ وَتَخْضَعُ لَهُ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ) وفي ترجمة الفانديك: (كَانُوا يُقَدِّمُونَ الْهَدَايَا وَيَخْدِمُونَ سُلَيْمَانَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ.) بل إن كتابهم المقدس فيه من الشرائع والأحكام ما هو أشد وأعظم بكثير من حكم الجزية، فالرب مثلًا يأمر أنبياءه أن يضعوا الناس تحت نظام التسخير والعبودية بخلاف الجزية التي أهون بكثير من هذا النظام فعلى سبيل المثال نجد في سفر التثنية (٢٠: ١٠) أن الرب يأمر

стр. 5701

نبيه موسى قائلًا: (حِينَ تَقْرُبُ مِنْ مَدِينَةٍ لِكَيْ تُحَارِبَهَا اسْتَدْعِهَا إِلَى الصُّلْحِ، فَإِنْ أَجَابَتْكَ إِلَى الصُّلْحِ وَفَتَحَتْ لَكَ، فَكُلُّ الشَّعْبِ الْمَوْجُودِ فِيهَا يَكُونُ لَكَ لِلتَّسْخِيرِ وَيُسْتَعْبَدُ لَكَ). ويقول كاتب سفر صموئيل الثاني ٨: ١ كما في ترجمة كتاب الحياة عن نبي اللَّه داود: (وَضَرَبَ الْمُوآبِيِّينَ وَقَاسَهُمْ بِالْحَبْلِ. أَضْجَعَهُمْ عَلَى الأَرْضِ، فَقَاسَ بِحَبْلَيْنِ لِلْقَتْلِ وَبِحَبْل لِلاسْتِحْيَاءِ. وَصَارَ المُوآبِيُّونَ عَبِيدًا لِدَاوُدَ يُقَدِّمُونَ هَدَايَا). وفي العدد: (وَكَانَ الرَّبُّ يَنْصُرْ دَاوُدَ حَيثُمَا تَوَجَهَ). لقد كانت الجزية من شرائع التوراة والمسيح ﵇ لم يذكر كلمة واحدة لإلغائها أو استنكارها. وقد نقل العهد الجديد شيوع هذه الصورة حين قال المسيح لسمعان: (مَاذَا تَظُنُّ يَا سِمْعَانُ؟ مِمَّنْ يَأْخُذُ مُلُوكُ الأَرْضِ الجِبَايَةَ أَوِ الْجِزْيَةَ، أَمِنْ بَنِيهِمْ أَمْ مِنَ الأَجَانِبِ؟ " قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: "مِنَ الأَجَانِبِ". قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "فَإِذًا الْبَنُونَ أَحْرَارٌ). (متى ١٧/ ٢٤ - ٢٥). والأنبياء ﵈ حين غلبوا على بعض الممالك بأمر اللَّه، ونصرته أخذوا الجزية من الأمم المغلوبة، بل واستعبدوا الأمم المغلوبة، كما صنع النبي يشوع مع الكنعانيين حين تغلب عليهم (فَلَمْ يَطْرُدُوا الْكَنْعَانِيِّينَ السَّاكِنِينَ فِي جَازَرَ. فَسَكَنَ الْكَنْعَانِيُّونَ فِي وَسَطِ أَفْرَايِمَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ، وَكَانُوا عَبِيدًا تَحْتَ الْجِزْيَةِ) (يشوع ١٦/ ١٠) (١)، فجمع لهم بين العبودية والجزية. والمسيحية لم تنقض شيئًا من شرائع اليهودية، فقد جاء المسيح متممًا للناموس لا ناقضًا له (انظر متى ٥/ ١٧)، بل وأمر المسيح أتباعه بدفع الجزية للرومان، وسارع هو إلى دفعها، فقد قال لسمعان: (اذْهَبْ إِلَى الْبَحْرِ وَأَلْقِ صِنَّارَةً، وَالسَّمَكَةُ الَّتِي تَطلُعُ أَوَّلًا خُذْهَا، وَمَتَى فتَحْتَ فَاهَا تَجِدْ إِسْتَارًا، فَخُذْهُ وَأَعْطِهِمْ عَنِّي وَعَنْكَ) (متى ١٧/ ٢٤ - ٢٧). ولما سأله اليهود (حسب العهد الجديد) عن رأيه في أداء الجزية أقر بحق القياصرة في أخذها (فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ تَلَامِيذَهُمْ مَعَ الْهِيرُودُسِيِّينَ قَائِلِينَ: "يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ صَادِقٌ وَتُعَلِّمُ طَرِيقَ اللَّهِ بِالْحَقِّ، وَلَا تُبَالِي بِأَحَدٍ، لأَنَّكَ لَا تَنْظُرُ إِلَى وُجُوهِ النَّاسِ. ١٧ فَقُلْ لَنَا: مَاذَا تَظُنُّ؟ أَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى

стр. 5702

جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ أَمْ لَا؟ " ١٨ فَعَلِمَ يَسُوعُ خُبْثَهُمْ وَقَالَ: "لِمَاذَا تُجَرِّبُونَنِي يَا مُرَاؤُونَ؟ ١٩ أَرُونِي مُعَامَلَةَ الجِزْيَةِ". فَقَدَّمُوا لَهُ دِينَارًا. ٢٠ فَقَالَ لَهُمْ: "لِمَنْ هذِهِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ؟ " ٢١ قَالُوا لَهُ: "لِقَيْصَرَ". فَقَالَ لَهُمْ: "أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للَّه للَّه) (متى ٢٢/ ١٦ - ٢١). ولم يجد المسيح غضاضة في مجالسة، ومحبة العشارين الذين يقبضون الجزية، ويسلمونها للرومان (انظر متى ١١/ ١٩)، واصطفى منهم متى العشار ليكون أحد رسله الاثني عشر (انظر متى ٩/ ٩). ويعتبر العهد الجديد أداء الجزية للسلاطين حقًا مشروعًا، بل، ويعطيه قداسة، ويجعله أمرًا دينيًا، إذ يقول: لِتَخْضَعْ كُلُّ نَفْسٍ لِلسَّلَاطِينِ الْفَائِقَةِ، لأَنَّهُ لَيْسَ سُلْطَانٌ إِلَّا مِنَ اللَّهِ، وَالسَّلَاطِينُ الْكَائِنَةُ هِيَ مُرَتَّبَة مِنَ اللَّهِ، ٢ حَتَّى إِنَّ مَنْ يُقَاوِمُ السُّلْطَانَ يُقَاوِمُ تَرْتِيبَ اللَّه، وَالمُقَاوِمُونَ سَيَأْخُذُونَ لأَنْفُسِهِمْ دَيْنُونَةً. ٣ فَإِنَّ الْحُكَّامَ لَيْسُوا خَوْفًا لِلأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بَلْ لِلشِّرِّيرَةِ. أَفَتُرِيدُ أَنْ لَا تَخَافَ السُّلْطَانَ؟ افْعَلِ الصَّلَاحَ فَيَكُونَ لَكَ مَدْحٌ مِنْهُ، ٤ لأَنَّهُ خَادِمُ اللَّهِ لِلصَّلَاحِ! وَلكِنْ إِنْ فَعَلْتَ الشَّرَّ فَخَفْ، لأَنَّهُ لَا يَحْمِلُ السَّيْفَ عَبَثًا، إِذْ هُوَ خَادِمُ اللَّهِ، مُنْتَقِمٌ لِلْغَضَبِ مِنَ الَّذِي يَفْعَلُ الشَّرَّ. ٥ لِذلِكَ يَلْزَمُ أَنْ يُخْضَعَ لَهُ، لَيْسَ بِسَبَبِ الْغَضَبَ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا بِسَبَبِ الضَّمِيرِ. ٦ فَإِنَّكُمْ لأَجْلِ هذَا تُوفُونَ الْجِزْيَةَ أَيْضًا، إِذْ هُمْ خُدَّامُ اللَّهِ مُواظِبُونَ عَلَى ذلِكَ بِعَيْنِهِ. ٧ فَأَعْطُوا الْجَمِيعَ حُقُوقَهُمُ: الْجِزْيَةَ لِمَنْ لَهُ الجِزْيَةُ. الجِبَايَةَ لِمَنْ لَهُ الجِبَايَةُ. وَالْخَوْفَ لِمَنْ لَهُ الْخَوْفُ. وَالإِكْرَامَ لِمَنْ لَهُ الإِكْرَامُ. (رومية ١٣/ ١ - ٧). وفى التفسير التطبيقي يقول المعلق على المادة (متى ١٧/ ٢٤ - ٢٧): وهى قوله: فإذًا البنون أحرار أجاب بطرس كعادته على سؤال دون معرفة حقيقية للإجابة، وبذلك وضع يسوع والتلاميذ في موقف حرج، ولكن الرب يسوع استخدم هذا الموقف الحرج لإثبات دوره الملكي، فكما أن الملوك لا يدفعون ضرائب لا هم، ولا عائلاتهم فلم يكن على يسوع كملك أن يدفع ضرائب، ولكنه دبر دفع الضريبة عنه، وعن بطرس لكي لا يعثر الذين لم يدركوا أنه ملك، ومع أن بطرس قد أعطى مبلغ الضريبة إلا أنه كان عليه أن يذهب

стр. 5703

للحصول عليها، وفى الحقيقة إن كل ما لدينا يأتينا من موارد اللَّه، ولكنه يريدنا أن ننشط في العمل نحن كشعب اللَّه غرباء في الأرض؛ لأن ولاءنا إنما هو لملكنا الحقيقي يسوع، ومع ذلك علينا أن نتعاون مع السلطات، وأن نكون مواطنين ملتزمين. فالسفير لدولة أخرى يراعى القوانين المحلية لكي يحسن تمثيل من أرسله، ونحن سفراء المسيح فهل أنت سفير صالح له في هذا العالم؟ . (١) إن بولس قد أكد على ضرورة الالتزام بها وذلك في قوله في رسالة رومية ١٣: ٧: (فَأَعْطُوا الْجَمِيعَ حُقُوقَهُمُ: الْجِزْيَةَ لِمَنْ لَهُ الجِزْيَةُ. الجِبَايَةَ لِمَنْ لَهُ الجِبَايَةُ. وَالْخَوْفَ لِمَنْ لَهُ الْخَوْفُ. وَالإِكْرَامَ لِمَنْ لَهُ الإِكْرَامُ). وبالتالي كيف يصح لعاقل من النصارى قرأ كتابه المقدس أن يعيب ويطعن على حكم الجزية؟ ! ألا يعلم البشرون أن طعنهم على هذا الحكم هو في الحقيقة طعن على كتابهم المقدس؟ ! الوجه الحادي عشر: مقارنة بين شريعة الإسلام في عقد الذمة من خلال ما سبق وبين ما قالم به النصاري واليهود تجاه البشرية عامة وتجاه من أحسن إليهم من المسلمين خاصة حيث إن المسلمين بالجزية يبذلون السلام، والأمن، والحرية، والحماية للشعوب غير المسلمة في البلاد التي دخلها المسلمون، والأيام دول فماذا صنع النصارى في البلاد التي دخلوها متمكنين منها؟ ! إليك هذا التقرير لنهديه إلى دعاة الحرية، والسلام، والأمن، وحقوق الإنسان من النصارى، ولتقارن بينه، وبين حقوق أهل الذمة في الإسلام. ١ - وثائق تاريخية عن فظائع الحروب الصليبية ٣٤ لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُرْسِيَ سَلامًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُرْسِيَ سَلَامًا، بَلْ سَيْفًا. ٣٥ فَإِنِّي جِئْتُ لأَجْعَلَ الإِنْسَانَ عَلَى خِلَافٍ مَعَ أَبِيهِ، وَالْبِنْتَ مَعَ أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ مَعَ حَمَاتِهَا. ٣٦ وهَكَذَا يَصِيرُ أَعْدَاءَ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ! (إنجيل متى: ١٠)

стр. 5704

يتغنى النصارى بمقولة المسيح: (مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا) ليدللوا على أن دينهم دين سلام ورحمة، وفي المقابل نجدهم ينعقون ليلًا نهارًا بأن الإسلام دين السيف والإرهاب. فهل التاريخ والواقع يصدق ذلك؟ ؟ ذكر ابن الأثير في تاريخه عن دخول الصليبين للقدس في الحروب الصليبية فقال: ملك الفرنجة القدس نهار يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان، وركب الناس السيف ولبث الفرنجة في البلدة أسبوعًا يقتلون فيه المسلمين، واحتمى جماعة من المسلمين بمحراب داود فاعتصموا به وقاتلوا فيه ثلاثة أيام، وقتل الفرنجة بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفًا منهم جماعة كبيرة من أئمة المسلمين، وعلمائهم، وعبادهم، وزهادهم ممن فارق الأوطان وجاور بذلك الموضع الشريف. (١) كما وصف ستيفن رنسيمان في كتابه تاريخ الحروب الصليبية ما حدث في القدس يوم دخلها الصليبيون فقال: وفي الصباح الباكر من اليوم التالي اقتحم باب المسجد ثلة من الصليبيين فأجهزت على جميع اللاجئين إليه، وحينما توجه قائد القوة ريموند اجيل في الضحى لزيارة ساحة المعبد أخذ يتلمس طريقه بين الجثث والدماء التي بلغت ركبتيه، وتركت مذبحة بيت المقدس أثرًا عميقًا في جميع العالم، وليس معروفًا بالضبط عدد ضحاياها غير أنها أدت إلى خلو المدينة من سكانها المسلمين واليهود، بل إن كثيرًا من المسيحيين اشتد جزعهم لما حدث. وقد وصف كثير من المؤرخين أحداث المذبحة التي حدثت في القدس يوم دخول الصليبيين إليها، وكيف أنهم كانوا يزهون بأنفسهم؛ لأن ركب خيولهم كانت تخوض في دماء المسلمين التي سالت في الشوارع، وقد كان من وسائل الترفيه لدى الصليبيين أن يشووا أطفال المسلمين كما تشوى النعاج. ويذكر الكثيرون ماذا فعل ريتشارد قلب الأسد في الحملة الصليبية الثالثة عند احتلاله لعكا بأسرى المسلمين فقد ذبح ٢٧٠٠ أسير من

стр. 5705

أسرى المسلمين الذين كانوا في حامية عكا، وقد لقيت زوجات وأطفال الأسرى مصرعهم إلى جوارهم. فأي سلام يحمله هؤلاء؟ ؟ ؟ فقد أمَّنَهم الإسلام على أنفسهم لكنهم لا يعرفون معنًى للقيم والعهد والسلام. ومع ما فعله الصليبيون في القدس، فإننا نرى رحمة الإسلام ومسامحته حتى مع هؤلاء الظلمة، فقد وصف المؤرخون ما حدث في اليوم الذي دخل فيه صلاح الدين الأيوبي إلى القدس فاتحًا لم ينتقم أو يقتل أو يذبح، بل اشتهر المسلمون الظافرون في الواقع بالاستقامة والإنسانية. فبينما كان الصليبيون منذ ثمانٍ وثمانين سنة يخوضون في دماء ضحاياهم المسلمين لم تتعرض أي دار من دور بيت المقدس للنهب، ولم يحل بأحد من الأشخاص مكروه إذ صار رجال الشرطة يطوفون بالشوارع والأبواب تنفيذًا لأمر صلاح الدين لمنع كل اعتداء يحتمل وقوعه على المسيحيين، وقد تأثر الملك العادل لمنظر بؤس الأسرى فطلب من أخيه صلاح الدين إطلاق سراح ألف أسير، فوهبهم له فأطلق العادل سراحهم على الفور، وأعلن صلاح الدين أنه سوف يطلق سراح كل شيخ وكل امرأة عجوز. وأقبل نساء الصليبيين وقد امتلأت عيونهن بالدموع، فسألن صلاح الدين ماذا يكون مصيرهن بعد أن لقي أزواجهن أو آباؤهن مصرعهم، أو وقعوا في الأسر؟ فأجاب صلاح الدين: بأن وعد لإطلاق سراح كل من في الأسر من أزواجهن، وبذل للأرامل واليتامى من خزانته العطايا كل بحسب حالته، فكانت رحمته وعطفه نقيض أفعال الصليبيين الغزاة. أما بالنسبة لرجال الكنيسة أنفسهم وعلى رأسهم بطريرك بيت المقدس، فإنهم لم يهتموا إلا بأنفسهم، وقد ذهل المسلمون حينما رأوا البطريرك هرقل وهو يؤدي عشرة دنانير (مقدار الفدية المطلوبة منه) ويغادر المدينة وقد انحنت قامته لثقل ما يحمله من الذهب، وقد تبعته عربات تحمل ما بحوزته من الأموال والجواهر والأواني النفيسة. ولو نظرنا إلى عصرنا الحاضر لما احتجنا كثيًرا لقراءة التاريخ. فالتاريخ أسود والواقع أشد سوادًا، فما يزالون يحملون أحقادهم ضد المسلمين في كل مكان وضد الإنسانية التي

стр. 5706

يتغنون بها، وجنوب السودان، وصبرا، وشاتيلا، والبوسنة، والفلبين، والشيشان، وكوسوفا، وأبخازيا، وأذربيجان تشهد على دمويتهم وحقدهم. فقد خرجوا من جحورهم واستأسدوا عندما غابت الليوث! ، ومهما طال ليل الباطل فلا بد له أن يندحر وتشرق شمس الحق من جديد. وذكر غوستاف لوبون في كتابه -الحضارة العربية- نقلًا عن روايات رهبان ومؤرخين رافقوا الحملة الصليبية الحاقدة على القدس ما حدث حين دخول الصليبيين للمدينة المقدسة من مجازر دموية لا تدل إلا على حقد أسود متأصل في نفوس ووجدّان الصليبيين. فقال الراهب روبرت أحد الصليبيين المتعصبين وهو شاهد عيان لما حدث في بيت المقدس واصفًا سلوك قومه (٣٢٥): كان قومنا يجوبون الشوارع والميادين وسطوح البيوت ليرووا غليلهم من التقتيل، وذلك كاللبؤات التي خطفت صغارها! كانوا يذبحون الأولاد والشباب ويقطعونهم إربًا إربًا وكانوا يشنقون أناسًا كثيرين بحبل واحد بغية السرعة، وكان قومنا يقبضون كل شيء يجدونه، فيبقرون بطون الموتى ليخرجوا منها قطعا ذهبية -فيا للشره وحب الذهب-، وكانت الدماء تسيل كالأنهار في طرق المدينة المغطاة بالجثث. وقال كاهن أبوس (ريموند داجميل) شامتا (٣٢٦ - ٣٢٧): حدث ما هو عجيب بين العرب عندما استولى قومنا على أسوار القدس وبروجها فقد قطعت رؤوس بعضهم. فكان هذا أقل ما يمكن أن يصيبهم، وبقرت بطون بعضهم فكانوا يضطرون إلى القذف بأنفسهم من أعلى الأسوار وحرق بعضهم في النار، فكان ذلك بعد عذاب طويل، وكان لا يرى في شوارع القدس وميادينها سوى أكداس من رؤوس العرب وأيديهم وأرجلهم فلا يمر المرء إلا على جثث قتلاهم، ولكن كل هذا لم يكن سوى بعض ما نالوا. وقال واصفًا مذبحة مسجد عمر ﵁: لقد أفرط قومنا في سفك الدماء في هيكل سليمان، وكانت جثث القتلى تعوم في الساحة هنا وهناك، وكانت الأيدي المبتورة تسبح

стр. 5707

كأنها تريد أن تتصل بجثث غريبة عنها، فإذا اتصلت ذراع بجسم لم يعرف أصلها. ولم يكتف الفرسان الصليبيون الأتقياء! ! ! بذلك، فعقدوا مؤتمرًا أجمعوا فيه على إبادة جميع سكان القدس من المسلمين واليهود وخوارج النصارى الذين كان عددهم ستين ألفًا، فأفنوهم عن بكرة أبيهم في ثمانية أيام، ولم يستبقوا منهم امرأة ولا ولدًا ولا شيخًا. ويقول أيضًا: وعمل الصليبيون مثل ذلك في مدن المسلمين التي اجتاحوها. ففي المعرة قتلوا جميع من كان فيها من المسلمين اللاجئين في الجوامع والمختبئين في السراديب، فأهلكوا في صبرا ما يزيد على مائة ألف إنسان في أكثر الروايات، وكانت المعرة من أعظم مدن الشام بعدد السكان بعد أن فر إليها الناس بعد سقوط أنطاكية وغيرها بيد الصليبيين. فأي إنسانية يتغنى بمثلها هؤلاء؟ هل فعلًا يديرون الخد الأيسر لمن يصفعهم على خدهم الأيمن؟ تاريخهم يجيب عن ذلك! . (١) ٢ - وهذه وثائق إبادة هنود القارة الأمريكية على أيدي المسيحيين الأسبان هذا الكتاب من تأليف المطران برتولومي دي لاس كازاس. ترجمة سميرة عزمي الزين. من منشورات المعهد الدولي للدراسات الإنسانية. لمن أراد أن يستزيد فالكتاب ملئ بالفضائح التي تقشعر لها الأبدان واسمحوا لي هنا أقوم بعرض موجز لبعض ما جاء في هذا الكتاب، من مقدمة الكتاب: قول المؤرخ الفرنسي الشهير (مارسيل باتييون) أن مؤلف كتابنا (برتولومي دي لاس كازاس) أهم شخصية في تاريخ القارة الأمريكية بعد مكتشفها (كريستوف كولومبوس)، وأنه ربما كان الشخصية التاريخية التي تستحق الاهتمام في عصر اجتياح المسيحيين الأسبان لهذه البلاد. ولولا هذا المطران الكاهن الثائر على مسيحية عصره، وما ارتكبه من فظائع، ومذابح في القارة الأمريكية لضاع جزء كبير من تاريخ البشرية. فإذا كان كولومبوس قد اكتشف لنا القارة؛ فإن برتولومي هو الشاهد الوحيد الباقي على أنه كانت في هذه القارة

стр. 5708

عشرات الملايين من البشر الذين أفناهم الغزاة بوحشية لا يستطيع أن يقف أمامها لا مستنكرًا لها شاكًا في إنسانية البشر الذين ارتكبوها. ولد ((برتولومي دي لاس كازاس)) عام ١٤٧٤ م في قشتالة الأسبانية من أسرة اشتهرت بالتجارة البحرية، وكان والده قد رافق كولومبوس في رحلته الثانية إلى العالم الجديد عام ١٤٩٣ م أي في السنة التالية لسقوط غرناطة، وسقوط الأقنعة عن وجوه الملوك الأسبان، والكنيسة الغربية. كذلك فقد عاد أبوه مع كولومبوس بصحبة عبد هندي فتعرف برتولومي على هذا العبد القادم من بلاد الهند الجديدة. بذلك بدأت قصته مع بلاد الهند، وأهلها، وهو ما يزال صبيًا في قشتاله يشاهد ما يرتكبه الأسبان من فظائع بالمسلمين، وما يريقونه من دمهم، وإنسانيتهم في العالم الجديد. لقد جرى الدميان بالخبر اليقين أمام عيني هذا الراهب الثائر على أخلاق أمته، ورجال كنيستها، وبعثات تبشيرها: دم المسلمين، ودم الهنود سكان القارة الأمريكية. كانوا يسمون المجازر عقابًا، وتأديبًا لبسط الهيبة، وترويع الناس كانت سياسة الاجتياح المسيحي: أول ما يفعلونه عندما يدخلون قرية، أو مدينة هو ارتكاب مجزرة مخيفة فيها. . مجزرة ترتجف منها أوصال هذه الفعاج المرهفة)). وأنه كثيرًا ما كان يصف لك القاتل، والمبشر في مشهد واحد فلا تعرف من تحزن: أمن مشهد القاتل، وهو يذبح ضحيته، أو يحرقها، أو يطعمها للكلاب أم من مشهد المبشر الذي تراه خائفًا من أن تلفظ الضحية أنفاسها قبل أن يتكرم عليها بالعماد فيركض إليها لاهثًا يجرجر أذيال جبته، وغلاظته، وثقل دمه لينصرها بعد أن نضج جسدها بالنار، أو اغتسلت بدمها، أو التهمت الكلاب نصف أحشائها. إن العقل الجسور والخيال الجموح ليعجزان عن الفهم، والإحاطة فإبادة عشرات الملايين من البشر في فترة لا تتجاوز الخمسين سنة هول لم تأت به كوارث الطبيعة. ثم إن كوارث الطبيعة تقتل بطريقة واحدة. أما المسيحيون الأسبان فكانوا يتفننون، ويبتدعون، ويتسلون بعذاب البشر، وقتلهم. كانوا يجرون الرضيع من بين يدي أمه ويلوحون به في

стр. 5709

الهواء، ثم يخبطون رأسه بالصخر، أو بجذوع الشجر، أو يقذفون به إلى أبعد ما يستطيعون. وإذا جاعت كلابهم قطعوا لها أطراف أول طفل هندي يلقونه، ورموه إلى أشداقها ثم أتبعوها بباقي الجسد، وكانوا يقتلون الطفل، ويشوونه من أجل أن يأكلوا لحم كفيه، وقدميه قائلين: إنها أشهى لحم الإنسان. رأى لاس كازاس كل ذلك بعينيه، وأرسل الرسائل المتعددة إلى ملك أسبانيا يستعطفه، ويسترحمه ويطالبه بوقف عذاب هؤلاء البشر. وكانت آذان الملك الأسباني لا تسمع إلا رنين الذهب. ولماذا يشفق الملك على بشر تفصله عنهم آلاف الأميال من بحر الظلمات ما دامت جرائم عسكره، ورهبانه في داخل أسبانيا لا تقل فظاعة عن جرائم عسكره ورهبانه في العالم الجديد؟ كان الأسبان باسم الدين المسيحي الذي يبرأ منه المسيح ﵇ يسفكون دم الأندلسيين المسلمين الذين ألقوا سلاحهم، وتجردوا من وسائل الدفاع عن حياتهم، وحرماتهم. وكان تنكيلهم بهم لا يقل، وحشية عن تنكيلهم بهنود العالم الجديد. لقد ظلوا يسومون المسلمين أنواع العذاب، والتنكيل، والقهر، والفتك طوال مائة سنة فلم يبق من الملايين الثلاثة والثلاثين (حسبما ذكر الكتاب) مسلم واحد كما ساموا الهنود تعذيبًا، وفتكًا، واستأصلوهم من الوجود. كانت محاكم التفتيش التي تطارد المسلمين، وتفتك بهم، ورجال التبشير الذين يطاردون الهنود، ويفتكون بهم من طينة واحدة. إن أحدًا لا يعلم كم عدد الهنود الذين أبادهم الأسبان المسيحيون ثمة من يقول إنهم مائتا مليون، ومنهم من يقول إنهم أكثر. أما لاس كازاس فيعتقد أنهم مليار من البشر، ومهما كان الرقم فقد كانت تنبض بحياتهم قارة أكبر من أوروبا بسبعة عشر مرة، وها قد صاروا الآن أثرًا بعد عين. أما المسيحيون فعاقبوهم بمذابح لم تعرف في تاريخ الشعوب. كانوا يدخلون على القرى فلا يتركون طفلًا، أو حاملًا، أو امرأة تلد إلا ويبقرون بطونهم، ويقطعون أوصالهم

стр. 5710

كما يقطعون الخراف في الحظيرة، وكانوا يراهنون على من يشق رجلًا بطعنة سكين، أو يقطع رأسه، أو يدلق أحشاءه بضربة سيف. كانوا ينتزعون الرضع من أمهاتهم، ويمسكونهم من أقدامهم، ويرطمون رؤوسهم بالصخور. أو يلقون بهم في الأنهار ضاحكين ساخرين. وحين يسقط في الماء يقولون: (عجبا انه يختلج). كانوا يسفدون الطفل، وأمه بالسيف، وينصبون مشانق طويلة ينظمونها مجموعة مجموعة كل مجموعة ثلاث عشر مشنوقًا، ثم يشعلون النار، ويحرقونهم أحياء. وهناك من كان يربط الأجساد بالقش اليابس، ويشعل فيها النار. كانت فنون التعذيب لديهم أنواعًا منوعة. بعضهم كان يلتقط الأحياء فيقطع أيديهم قطعًا ناقصًا لتبدو كأنها معلقة بأجسادهم ثم يقول لهم: (هيا احملوا الرسائل) أي: هيا أذيعوا الخبر بين أولئك الذين هربوا إلى الغابات. أما أسياد الهنود، ونبلاؤهم فكانوا يقتلون بأن تصنع لهم مشواة من القضبان يضعون فوقها المذراة ثم يربط هؤلاء المساكين بها وتوقد تحتهم نار هادئة من أجل أن يحتضروا ببطء وسط العذاب، والألم، والأنين. ولقد شاهدت مرة أربعة من هؤلاء الأسياد فوق المشواة. وبما أنهم يصرخون صراخًا شديدًا أزعج مفوض الشرطة الأسبانية الذي كان نائمًا (أعرف اسمه بل أعرف أسرته في قشتاله) فقد وضعوا في حلوقهم قطعًا من الخشب أخرستهم ثم أضرموا النار الهادئة تحتهم. رأيت ذلك بنفسي، ورأيت فظائع ارتكبها المسيحيون أبشع منها. أما الذين هربوا إلى الغابات، وذرى الجبال بعيدًا عن هذه الوحوش الضارية فقد روض لهم المسيحيون كلابًا سلوقية شرسة لحقت بهم، وكانت كلما رأت واحدًا منهم انقضت عليه، ومزقته، وافترسته كما تفترس الخنزير، وحين كان الهنود يقتلون مسيحيًا دفاعًا عن أنفسهم كان المسيحيون يبيدون مائة منهم، لأنهم يعتقدون أن حياة المسيحي بحياة مائة هندي أحمر (١).
следующие страницы →