من مثل قول الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ (المائدة: ٤٣) وقوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ (المائدة: ٤٧).
والجواب عن هذه الشبهة من هذه الوجوه:
الوجه الأول: بيان سبب نزول الآيات .
١ - نزلت عامة:
قال ابن كثير: نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله : ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ أعداء الإسلام وأهله. وهؤلاء كلهم ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: يستجيبون له، منفعلون عنه ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أي: يستجيبون لأقوام آخرين لا يأتون مجلسك يا محمد. وقيل: المراد أنهم يتسمعون الكلام، ويُنْهُونه إلى أقوام آخرين ممن لا يحضر عندك، من أعدائك ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يتأولونه على غير تأويله، ويبدلونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾. (١)
٢ - نزلت في قضية القتل التي حدثت في اليهود:
قيل: نزلت في أقوام من اليهود، قتلوا قتيلا وقالوا: تعالوا حتى نتحاكم إلى محمد، فإن أفتانا بالدية فخذوا ما قال، وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: إِنَّ الله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وَ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قَال: قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنْزَلَهَا الله في الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْيَهُودِ، وَكَانَتْ إِحْدَاهُمَا قَدْ قَهَرَتِ الأُخْرَى فِى الجاهِلِيَّةِ حَتَّى ارْتَضَوْا وَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ الْعَزِيزَةُ مِنَ الذَّلِيلَةِ فَدِيَتُهُ خَمْسُونَ وَسْقًا، وَكُلَّ
стр. 597
قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ الذَّلِيلَةُ مِنَ الْعَزِيزَةِ فَدِيَتُهُ مِائَةُ وَسْقٍ، فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ النبي ﷺ المدِينَةَ فَذَلَّتِ الطَّائِفَتَانِ كِلْتَاهُما لمِقْدَمِ رَسُولِ الله ﷺ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَظْهَرْ وَلَمْ يُوطِئْهُمَا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الصُّلْحِ، فَقَتَلَتِ الذَّلِيلَةُ مِنَ الْعَزِيزَةِ قَتِيلًا فَأَرْسَلَتِ الْعَزِيزَةُ إِلَى الذَّلِيلَةِ أَنِ ابْعَثُوا إِلَيْنَا بِمَائَةِ وَسْقٍ. فَقَالتِ الذَّلِيلَةُ: وَهَلْ كَانَ هَذَا في حَيَّيْنِ قَطُّ دِينُهُمَا وَاحِدٌ وَنَسَبُهُمَا وَاحِدٌ وَبَلَدُهُمَا وَاحِدٌ دِيَةُ بَعْضِهِمْ نِصْفُ دِيَةِ بَعْضٍ؟ إِنَّا إِنَّمَا أَعْطَيْنَاكُمْ هَذَا ضَيْمًا مِنْكُمْ لَنَا، وَفَرَقًا مِنْكُمْ فَأَمَّا إِذْ قَدِمَ مُحَمَّدٌ فَلَا نُعْطِيكُمْ ذَلِكَ. فَكَادَتِ الْحَرْبُ تَهِيجُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ ارْتَضَوْا عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا رَسُولَ الله ﷺ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَتِ الْعَزِيزَةُ فَقَالتْ: وَالله مَا مُحَمَّدٌ بِمُعْطِيكُمْ مِنْهُمْ ضِعْفَ مَا يُعْطِيهِمْ مِنْكُمْ، وَلَقَدْ صَدَقُوا مَا أَعْطَوْنَا هَذَا إِلَّا ضَيْمًا مِنَّا وَقَهْرًا لَهُمْ، فَدُسُّوا إِلَى مُحَمَّدٍ مَنْ يَخْبُرُ لَكُمْ رَأْيَهُ إِنْ أَعْطَاكُمْ مَا تُرِيدُونَ حَكَّمْتُمُوهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِكُمْ حَذِرْتُمْ فَلَمْ تُحَكِّمُوهُ، فَدَسُّوا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ نَاسًا مِنَ المُنَافِقِينَ لِيَخْبُرُوا لَهُمْ رَأْىَ رَسُولِ الله ﷺ فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ الله ﷺ أَخْبَرَ الله رَسُولَهُ بِأَمْرِهِمْ كُلِّهِ، وَمَا أَرَادُوا فَأَنْزَلَ الله ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ثُمَّ قَال: فِيهِمَا وَالله نَزَلَتْ وَإِيَّاهُمَا عَنَى الله . (١)
٣ - نزلت في اليهوديَّيْن اللذين زنيا ، وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم، من الأمر برجم من أحْصن منهم، فحرفوا واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين. فلما وقعت تلك الكائنة بعد هجرة النبي ﷺ ، قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه، واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك.
قال ابن كثير: وقد يكون اجتمع هذان السببان - الثاني والثالث - في وقت واحد، فنزلت هذه الآيات في ذلك كله، والله أعلم. (١)
قال ابن كثير: فهذه أحاديث دالة على أن رسول الله ﷺ حكم بموافقة حكم التوراة، وليس هذا من باب الإلزام لهم بما يعتقدون صحته؛ لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله إليه بذلك، وسؤاله إياهم عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم، مما تراضوا على كتمانه وجحده، وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة فلما اعترفوا به مع عَملهم على خلافه، بان زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرسول ﷺ إنما كان عن هوى منهم وشهوة لموافقة آرائهم، لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به لهذا قالوا: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ أي: الجلد والتحميم ﴿فَخُذُوهُ﴾ أي: اقبلوه ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أي: من قبوله واتباعه (٢).
الوجه الثاني: هذا التحكيم فيما يتفق مع القرآن لا فيما يناقضه أو يخالفه .
فقد أمر أهل (التوراة) أن يحكموا بما أنزل الله في كتابهم! وأمر أهل (الإنجيل) أن يحكموا بما أنزل الله في كتابهم! والله أنزل في التوراة وأنزل في الإنجيل الأمر باتباع محمد ﷺ فإذا لم يحكموه، فكأنهم لم يحكموا التوراة والإنجيل. وإذا لم يؤمنوا به، فكأنهم لم يؤمنوا بما في التوراة والإنجيل. يتضح لنا أن المقصود تحكيم هذه الكتب، فيما يتفق مع القرآن لا فيما يناقضه أو يخالفه. (٣)
قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ قُرئ ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بالنصب على أن اللام لام كي، أي: وآتيناه الإنجيل ليحكم أهل ملته به في زمانهم. وقرئ: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بالجزم اللام لام الأمر، أي: ليؤمنوا بجميع ما فيه، وليقيموا ما أمروا به فيه، ومما فيه البشارة ببعثة محمد ﷺ والأمر باتباعه وتصديقه إذا وجد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ
стр. 600
يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ والآية (المائدة: ٦٨) وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَال الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧]؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة ربهم، المائلون إلى الباطل، التاركون للحق. وقد تقدم أن هذه الآية نزلت في النصارى، وهو ظاهر السياق. (١)
ولهذا قال الله تعالى بعدها: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (المائدة: ٤٨).
الوجه الثالث: الآية فيها رد عليهم حيث جاء في آخرها ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾:
قال محمد رشيد رضا: ومما يجب التنبيه له هنا أن دعاة النصرانية يحتجون بهذه الآية وما في معناها على كون التوراة التي في أيديهم وأيدي اليهود هي ما أنزله الله تعالى على موسى، لم يعرض لها تغيير ولا تحريف، وذلك أنهم كأولئك اليهود الذين يأخذون من القرآن أهوائهم ويردون ما يخالفها جدلًا، والمؤمنون يؤمنون بالكتاب كله، فالكتاب بيّن لنا أن عندهم التوراة أي الشريعة، وأن فيها حكم الله في القضية التي تحاكموا فيها إلى النبي ﷺ ، وقد صدق الله تعالى وهو أصدق القائلين، وبيّن لنا أيضًا أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه ومن بعد مواضعه، وأنهم نسوا حظًّا مما ذُكروا به، وإنما أوتوا نصيبًا من الكتاب إذ نسوا نصيبًا آخر وأضاعوه، وقد صدق الله تعالى في ذلك أيضًا، ولما خرجت أمة القرآن
стр. 601
بالقرآن من الأمية وعرفوا تاريخ أهل الكتاب وغيرهم كالبابليين ظهر لهم أن إخبار القرآن بذلك كان من معجزاته الدالة على أنه من عند الله؛ إذ ظهر لهم أن اليهود قد فقدوا التوراة التي كتبها موسى ثم لم يجدوها، وإنما كتب لهم بعض علمائهم ما حفظوه منها ممزوجًا بما ليس منها، والتوراة التي في أيديهم تثبت ذلك كما بيناه في غير هذا الموضع ... وهذه الآيات (المائدة ٤٥: ٤٧) من سياق التي قبلها والتي بعدها، والغرض منها بيان كون التوراة كانت هداية لبني إسرائيل فأعرضوا عن العمل بها لما عرض لهم من الفساد، وبيان مثل ذلك في الإنجيل وأهله، ثم الانتقال من ذلك إلى ما سيأتي من ذكر إنزال القرآن ومزيته وحكمة ذلك، ومنه يُعلم أن العبرة بالاهتداء بالدين وأنه لا ينفع أهل الانتماء إليه إذا لم يقيموه؛ إذ لا يستفيدون من هدايته ونوره إلا بإقامته والعمل به، وأن إيثار أهل الكتاب أهوائهم على هداية دينهم، هو الذي أعماهم عن نور القرآن والاهتداء به (١)
الوجه الرابع: الآية فيها تعجب من صنعهم حيث عدلوا عن الحق إلى الباطل؛ فظهر جهلهم وعنادهم .
قال الرازي: هذا تعجيب من الله تعالى لنبيّه ﷺ بتحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حد الزاني، ثم تركهم قبول ذلك الحكم، فعدلوا عما يعتقدونه حكمًا حقًّا إلى ما يعتقدونه باطلًا طلبًا للرخصة، فلا جرم ظهر جهلهم وعنادهم في هذه الواقعة من وجوه:
أحدها: عدولهم عن حكم كتابهم، والثاني: رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدون فيه أنه مبطل، والثالث: إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه، فبيّن الله تعالى حال جهلهم وعنادهم لئلا يغتر بهم مغتر أنهم أهل كتاب الله ومن المحافظين على أمر الله (٢).
قال محمد رشيد رضا: هذا تعجيب من الله لنبيه ببيان حال من أغرب أحوال هؤلاء القوم، وهو أنهم أصحاب شريعة يرغبون عنها ويتحاكمون إلى نبي جاء بشريعة أخرى وهم لم يؤمنوا به، أي: وكيف يحكمونك في قضية كقضية الزانيين أو قضية الدية، والحال
стр. 602
أن عندهم التوراة التي هي شريعتهم فيها حكم الله فيما يحكمونك فيه، ثم يتولون عن حكمك بعد أن رضوا به وآثروه على شريعتهم لموافقته لها، أي: إذا فكرت في هذا رأيته من عجيب أمرهم، وسببه أنهم ليسوا بالمؤمنين إيمانًا صحيحًا بالتوراة ولا بك، وإنما هم ممن جاء فيهم ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾، فإن المؤمن الصادق بشرع لا يرغب عنه إلى غيره إلا إذا آمن بأن ما رغب إليه شرع من الله أيضًا أيد به الأول، أو نسخه لحكمة اقتضت ذلك باختلاف أحوال عباده، وهؤلاء تركوا حكم التوراة التي يدّعون الإيمان بها واتباعها؛ لأنه لم يوافق هواهم، وجاؤوك يطلبون حكمك رجاء أن يوافق هواهم ثم يتولون ويعرضون عنه إذا لم يوافق هواهم، فما هم بالمؤمنين بالتوراة ولا بك ولا بمن أنزل على موسى التوراة وأنزل عليك القرآن. (١)
الشبهة الثانية: قالوا: بأن القرآن أثنى على أهل الكتاب .
قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (المائدة: ٨٢)، فذكر القسيسين والرهبان لئلا يقال: إن هذا قيل عن غيرنا، ودل بهذا على أفعالنا وحسن نياتنا ونفى عنا اسم الشرك بقوله: اليهود والذين أشركوا أشد الناس عداوة للذين آمنوا والذين قالوا إنا نصارى أقربهم مودة.
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: ما هو وجه (نوعية) هذا المدح أو الثناء ؟
قال الطبري: والصواب في ذلك من القول عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن النفر الذين أثنى عليهم من النصارى بقرب مودتهم لأهل الإيمان بالله ورسوله، أن ذلك إنما كان منهم لأن منهم أهل اجتهاد في العبادة، وترهب في الديارات والصوامع، وأن
стр. 603
منهم علماء بكتبهم وأهل تلاوة لها، فهم لا يبعدون من المؤمنين لتواضعهم للحق إذا عرفوه، ولا يستكبرون عن قبوله إذا تبينوه؛ لأنهم أهل دين واجتهاد فيه ونصيحة لأنفسهم في ذات الله، وليسوا كاليهود الذين قد دربوا بقتل الأنبياء والرسل، ومعاندة الله في أمره ونهيه، وتحريف تنزيله الذي أنزله في كتبه. (١)
قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالوا إِنَّا نَصَارَى﴾، أي: الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله، فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم، إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ (الحديد: ٢٧)، وفي كتابهم: (من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر).
وليس القتال مشروعًا في ملتهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: يوجد فيهم القسيسون - وهم خطباؤهم وعلماؤهم، فقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ تضمن وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع، ثم وصفهم بالانقياد للحق واتباعه والإنصاف، فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: مما عندهم من البشارة ببعثة محمد ﷺ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: مع من يشهد بصحة هذا ويؤمن به.
وقوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾ وهذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله : ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ
стр. 604
اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾ (آل عمران: ١٩٩)، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالوا لَنَا أَعْمَالنَا وَلَكُمْ أَعْمَالكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾ (القصص: ٥٢ - ٥٥).
ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: فجازاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ساكنين فيها أبدًا، لا يحولون ولا يزولون، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: في اتباعهم الحق وانقيادهم له حيث كان، وأين كان، ومع من كان (١).
الوجه الثاني: تتمة الآية حجة عليهم .
قال ابن تيمية: والجواب أن يقال تمام الكلام ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)﴾ (المائدة: ٨٣ - ٨٥)، فهو سبحانه لم يعد بالثواب في الآخرة إلا لهؤلاء الذين آمنوا بمحمد ﷺ الذين قال فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، والشاهدون هم الذين شهدوا له بالرسالة فشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وهم الشهداء الذين قال فيهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: ١٤٣).
стр. 605
ولهذا قال ابن عباس وغيره: في قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، قال: مع محمد ﷺ وأمته، وكل من شهد للرسل بالتصديق فهو من الشاهدين كما قال الحواريون: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ (آل عمران: ٥٣).
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ (الحج: ٧٧، ٧٨) (١).
الوجه الثالث: العلة من هذا المدح في الآية .
وأما قوله في أول الآية: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالوا إِنَّا نَصَارَى﴾، فهو كما أخبر فإن عداوة المشركين واليهود للمؤمنين أشد من عداوة النصارى، والنصارى أقرب مودة لهم وهذا معروف من أخلاق اليهود؛ فإن اليهود فيهم من البغض والحسد والعداوة ما ليس في النصارى، وفي النصارى من الرحمة والمودة ما ليس في اليهود، والعداوة أصلها البغض، فاليهود كانوا يبغضون أنبياءهم فكيف ببغضهم للمؤمنين؟ .
وأما النصارى فليس في الدين الذي يدينون به عداوة ولا بغض لأعداء الله الذين حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا، فكيف بعداوتهم وبغضهم للمؤمنين المعتدلين أهل ملة إبراهيم المؤمنين بجميع الكتب والرسل؟ .
وليس في هذا مدح للنصارى بالإيمان بالله ولا وعد لهم بالنجاة من العذاب واستحقاق الثواب، وإنما فيه أنهم أقرب مودة وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ
стр. 606
قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، أي: بسبب هؤلاء وسبب ترك الاستكبار يصير فيهم من المودة ما يصيرهم بذلك خيرا من المشركين وأقرب مودة من اليهود والمشركين، ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾.
فهؤلاء الذين مدحهم بالإيمان ووعدهم بثواب الآخرة، والضمير وإن عاد إلى المتقدمين فالمراد جنس المتقدمين لا كل واحد منهم كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ (آل عمران: ١٧٣)، وكأن جنس الناس قالوا لهم: إن جنس الناس قد جمعوا، ويمتنع العموم فإن القائل من الناس والمقول له من الناس والمقول عنه من الناس ويمتنع أن يكون جميع الناس قال لجميع الناس إنه قد جمع لكم جميع الناس ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾، أي: جنس اليهود قال هذا، لم يقل هذا كل يهودي، ومن هذا أن في النصارى من رقة القلوب التي توجب لهم الإيمان ما ليس في اليهود وهذا حق (١).
الوجه الرابع: مدح النصارى بأنهم أقرب مودة لا يمنع أن يكونوا كفرة .
قال القرافي: وأما مدح النصارى بأنهم أقرب مودة، وأنهم متواضعون فمسلَّم، لكن هذا لا يمنع أن يكونوا كفرة مخلدين في النار وغضب الجبار؛ لأن السجايا الجليلة والآداب الكسبية تجتمع مع الكفر والإيمان، كالأمان والشجاعة، والظرف واللطف وجودة العقل. فليس فيه دليل على صحة دينهم (٢).
الشبهة الثالثة: قالوا: إن القرآن رفع قدرنا وأعلى منزلتنا، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (آل عمران: ٥٥) .
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: من هم الذين اتبعوه ؟
стр. 607
قال القرافي: إن الذين اتبعوه ليسوا النصارى الذين اعتقدوا فيه بأنه ابن الله، وسلكوا مسلك المتأخرين، فإن اتباع الإنسان موافقته فيما جاء به، وكون هؤلاء المتأخرين اتبعوه محل نزاع؛ بل متبعوه هم الحواريون، ومن تابعهم قبل ظهور القول بالتثليث، وأولئك هم الذين رفعهم الله في الدنيا والآخرة، ونحن منهم وهم منا، ونحن إنما نطالب هؤلاء بالرجوع إلى ما كان أولئك عليه، فإن قدس الله أرواحهم آمنوا بعيسى وبجملة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين.
وكان عيسى ﵇ بشَّرهم بمحمد ﷺ ، فكانوا ينتظرون ظهوره ليؤمنوا به ﵇، وكذلك لما ظهر النبي ﷺ جاءه أربعون راهبًا من نجران، فوجدوه هو الموعود به فآمنوا به في ساعة واحدة بمجرد النظر والتأمل لعلاماته، فهؤلاء هم الذين اتبعوه، وهم المرفوعون المعظِّمون، وأما هؤلاء النصارى فهم الذين كفروا به مع من كفر، وجعلوه سببًا لانتهاك حرمة الربوبية، بنسبة واجب الوجود المقدس عن صفات البشر إلى الصاحبة والولد الذي ينفر منها أقل رهبانهم، حتى إنه قد ورد أن الله تعالى إذا قال لعيسى ﵇ يوم القيامة: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (المائدة: ١١٦) يسكت أربعين سنة خجلًا من الله تعالى حيث جعل سببًا للكفر به وانتهاك حرمة جلاله.
فخواص الله تعالى يألمون ويخجلون من اطلاعهم على انتهاك حرمة الله تعالى، وإن لم يكن لهم فيها مدخل ولا لهم فيها تعلق، فكيف إذا كان لهم فيها تعلق من حيث الجملة؟ ومن عاشر أماثل الناس ورؤساءهم، وله عقل قويم، وطبع مستقيم غير طبع النصارى أدرك هذا، فما آذى أحد عيسى ﵇ ما آذته هؤلاء النصارى، نسأل الله العفو والعافية بمنه وكرمه. (١)
الوجه الثاني: بيان المعنى الصحيح للآية .
قال الطبري: يعني بذلك جل ثناؤه: وجاعل الذين اتبعوك على منهاجِك وملَّتك من الإسلام وفطرته، فوق الذين جحدوا نبوّتك وخالفوا سبيلهم من جميع أهل الملل، فكذّبوا بما جئت به وصدّوا عن الإقرار به، فمصيِّرهم فوقهم ظاهرين عليهم (٢).
стр. 608
قال الشوكاني: قوله: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: الذين اتبعوا ما جئت به، وهم خلص أصحابه الذين لم يبلغوا في الغلوّ فيه إلى ما بلغ من جعله إلهًا، ومنهم المسلمون، فإنهم اتبعوا ما جاء به عيسى ﵇ ووصفوه بما يستحقه من دون غلوّ، فلم يفرّطوا في وصفه، كما فرطت اليهود، ولا أفرطوا كما أفرطت النصارى. وقد ذهب إلى هذا كثير من أهل العلم. وقيل: المراد بالآية: أن النصارى الذين هم أتباع عيسى لا يزالون ظاهرين على اليهود غالبين لهم قاهرين لمن وجد منهم، فيكون المراد بالذين كفروا هم اليهود خاصة، وقيل: هم الروم لا يزالون ظاهرين على من خالفهم من الكافرين، وقيل: هم الحواريون لا يزالون ظاهرين على من كفر بالمسيح، وعلى كل حال فغلبة النصارى لطائفة من الكفار، أو لكل طوائف الكفار لا ينافي كونهم مقهورين مغلوبين بطوائف المسلمين، كما تفيده الآيات الكثيرة، بأن هذه الملة الإسلامية ظاهرة على كل الملل قاهرة لها مستعلية عليها (١).
الشبهة الرابعة: يقولون: بأن النبي ﷺ أثنى على كتابنا، وفي هذا دليل على أنها لم تحرف .
ويستندون إلى أن النبي ﷺ أمسك التوراة وقال: (آمنت بكِ وبمن أنزلك).
والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه:
الوجه الأول: قوله (آمنت بك وبمن أنزلك) زيادة شاذة في الحديث الصحيح لا يحتج بها .
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَال: أَتَى نَفَرٌ مِنْ يَهودَ فَدَعَوْا رَسُولَ الله ﷺ إِلَى الْقُفِّ، فَأَتَاهُمْ فِي بَيْتِ المدْرَاسِ فَقَالوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ! إِنَّ رَجُلًا مِنَّا زَنَى بِامْرَأَةٍ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ. فَوَضَعُوا لِرَسُولِ الله ﷺ وِسَادَةً فَجَلَسَ عَلَيْهَا ثُمَّ قَال "ائْتُونِي بِالتَّوْرَاةِ". فَأُتِيَ بِهَا فَنَزَعَ الْوِسَادَةَ مِنْ تَحْتِهِ،
الوجه الثاني: على القول بتحسينها فلا شبهة في ذلك؛ لأن المقصود التوراة الأصلية التي نزلت على موسى ﵇ -.
قال ابن حجر: وقد استدل به أي: حديث ابن عمر ﵁ - بعضهم على أنهم لم يسقطوا شيئًا من ألفاظها ..... والاستدلال به لذلك غير واضح؛ لاحتمال خصوص ذلك بهذه الواقعة فلا يدل على التعميم. وكذا من استدل به على أن التوراة التي أحضرت حينئذ كانت كلها صحيحة سالمة من التبديل؛ لأنه يطرقه هذا الاحتمال بعينه ولا يرده قوله: (آمنت بك وبمن أنزلك) لأن المراد أصل التوراة (١).
الشبهة الخامسة: يقولون: بأن القران يعظمنا بتقديم البيع والكنائس، على المساجد .
стр. 611
قالوا: ثم وجدناه يعظم إنجيلنا ويقدم صوامعنا ويشرف مساجدنا ويشهد بأن اسم الله يذكر فيها كثيرًا وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (الحج: ٤٠).
﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: ٢٧).
وذلك يدل على أن النصارى - في زعمهم - على الحق، فلا ينبغي لهم العدول عما هم عليه؛ لأن العدول عن الحق إنما يكون للباطل.
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: ذكر الله يكون في المسجد، وإذا ذكر في الصوامع والبيع فهي على العهد الأول قبل التبديل والتحريف .
قال ابن تيمية: إن فيها - الآية - ذكر الصوامع والبيع، وأما قوله: (ويذكر فيها اسم الله كثيرًا فإنما ذكره عقب ذكره المساجد، والمساجد للمسلمين، وليس المراد بها كنائس النصارى، فإنها هي البيع ثم قوله تعالى: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾، إما أن يكون مختصًا بالمساجد فلا يكون في ذلك إخبار بأن اسم الله يذكر كثيرًا في البيع والصوامع، وإما أن يكون ذكر اسم الله في الجميع فلا ريب أن الصوامع والبيع قبل أن يبعث الله محمدًا كان فيها من يتبع دين المسيح الذي لم يبدل ويذكر فيها اسم الله كثيرًا، وقد قيل: إنها بعد النسخ والتبديل يذكر فيها اسم الله كثيرًا وإن الله يحب أن يذكر اسمه.
وأهل الكتاب خير من المشركين، وقد ذكرنا أنه لما اقتتل فارس والروم وانتصرت الفرس ساء ذلك أصحاب رسول الله ﷺ وكرهوا انتصار الفرس على النصارى؛ لأن النصارى أقرب إلى دين الله من المجوس، والرسل بعثوا بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد
стр. 612
وتقليلها، وتقديم خير الخيرين على أدناهما حسب الإمكان، ودفع شر الشرين بخيرهما. فهدم صوامع النصارى وبيعهم فساد إذا هدمها المجوس والمشركون، وأما إذا هدمها المسلمون وجعلوا أماكنها مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا فهذا خير وصلاح.
وهذه الآية ذكرت في سياق الإذن للمسلمين بالجهاد بقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ (الحج: ٣٩)، وهذه الآية أول آية نزلت في الجهاد ولهذا قال: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾.
ثم قال: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ فيدفع بالمؤمنين الكفار، ويدفع شر الطائفتين بخيرهما كما دفع المجوس بالروم النصارى، ثم دفع النصارى بالمؤمنين أمة محمد ﷺ وهذا كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾ (البقرة: ٢٥١) (١).
الوجه الثاني: التقديم في اللفظ فإنه يكون للانتقال من الأدنى إلى الأعلى:
قال القرافي: إن هذه الآية تقتضي أن المساجد أفضل بيت عند الله تعالى، على عكس ما قالوه وتقريره أن الصنف القليل المنزلة عند الله تعالى أقرب إلى الهلاك من العظيم المنزلة، والقاعدة العربية أن الترقي في الخطاب إلى الأعلى فالأعلى أبدًا في المدح والذم، والتفخيم والامتنان، فيقال في المدح: الشجاع البطل، ولا يقال: البطل الشجاع؛ لأنك تعد راجعًا عن الأول، وفي الذم: العاصي الفاسق، ولا يقال: الفاسق العاصي، وفي التفخيم: فلان يغلب المائة والألف، ولايقال: فلان يغلب الألف والمائة، والسر في الجميع أنك تعد راجعًا عن الأول، كقهقرتك عما كنت فيه إلى ما هو أدنى منه، إذا تقرر ذلك ظهرت فضيلة المساجد ومزيد شرفها على غيرها، وأن هدمها أعظم من هدم غيرها، لا يوصل إليه إلا بعد تجاوز ما يقتضي هدم غيرها، كما نقول: لولا السلطان لهلك الصبيان والرجال
стр. 613
والأمراء، فترتقي أبدًا للأعلى لتفخيم أمر عدم السلطان، وأن وجوده سبب عصمة هذه الطوائف، أما لو قلت: لولا السلطان لهلك الأبطال والصبيان لعُد كلامك متهافتًا. (١)
قال ابن تيمية: وأما التقديم في اللفظ فإنه يكون للانتقال من الأدنى إلى الأعلى كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ (الأعراف: ٣٣)، وقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾ (عبس: ٣٤ - ٣٦)، وقوله: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ (الذاريات: ١ - ٤)، ونظائره متعددة، وكذلك في قوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (الحج: ٤٠).
فبين سبحانه أنه لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت مواضع العبادات، وهدمها فساد إذا هدمها من لا يبدلها بخير منها، وأدناها هي الصوامع فإن الصومعة تكون لواحد أو لطائفة قليلة فبدأ بأدنى المعابد وختم بأشرفها وهي المساجد التي يذكر فيها اسم الله كثيرًا، ففي الجملة حكم هذه المعابد حكم أهلها، وأهلها قبل النسخ والتبديل مؤمنون مسلمون، وهدم معابد المؤمنين المسلمين فساد، وبعد النسخ والتبديل إذا غلب أهل الكتاب من هو شر منهم كالمجوس والمشركين وهدموا معابدهم كان ذلك فسادا، وإذا هدمها من هو خير منهم كأمة محمد وأبدلوها مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولا يشرك به ويذكر فيها الإيمان بجميع كتبه ورسله كان ذلك صلاحا لا فسادا، ولهذا أمر النبي أن يتخذ المساجد مواضع معابد الكفار كما كان لثقيف أهل الطائف معبد يعبدون فيه اللات التي قال الله فيها: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ (النجم: ١٩).
فأمر النبي ﷺ أن يهدم ذلك المعبد ويتخذ مكانه المسجد الذي يعبد الله وحده فيه؛ فإن المساجد هي بيوت الله في الأرض قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ
стр. 614
كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ (الأعراف: ٢٩)، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ﴾ الآية إلى قول: ﴿الْمُهْتَدِينَ﴾ (التوبة: ١٧، ١٨)، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ الآية إلى قوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
ثم لما ذكر المؤمنين ذكر الكفار من أهل الكتاب والمشركين فذكر أهل الجهل المركب والبسيط فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ (النور: ٣٩، ٤٠).
فقد تبين أنه ليس لهم حجة في شيء مما جاء به محمد؛ بل ما جاء به حجة عليهم من وجوه متعددة (١).
الوجه الثالث: أن هذا عام في كل زمن .
قال القرافي: إن المراد بهذه الآية أن الله تعالى يدفع المكاره عن الأشرار بوجود الأخيار في كل عصر، فما من زمان إلا وفيه أهله من الأخيار، فيكون وجود الأخيار سببًا لسلامة الأشرار من الفتن والمحن، فزمان موسى ﵇ سلم فيه أهل الأرض من بلاء يعمهم بسبب من فيه من أهل الاستقامة على الشريعة الموسوية، وزمان عيسى ﵇ سلم فيه أهل الأرض من بلاء يعمهم بسبب من فيه من أهل الاستقامة على الشريعة العيسوية، وزمان محمد ﷺ سلم فيه أهل الأرض من بلاء يعمهم بسبب من فيه من أهل الاستقامة على الشريعة المحمدية، وكذلك سائر الأزمان الكائنة، بعد الأنبياء ﵈ كل من كان مستقيمًا
стр. 615
على الشريعة الماضية هو سبب لسلامة البقية، فلولا أهل الاستقامة في زمن موسى ﵇ لم تبق صوامع يُعبد الله فيها على الدين الصحيح لعموم الهلاك فينقطع الخير بالكلية، وكذلك سائر الأزمان، فلولا أهل الخير في زماننا لم يبق مسجد يُعبد الله فيه على الدين الصحيح، ولغضب الله تعالى على أهل الأرض.
والصوامع أمكنة الرهبان في زمن الاستقامة حيث يُعبد الله تعالى فيها على دين صحيح، وكذلك البيعة والمسجد، وليس المراد هذه المواطن إذا كفر بالله تعالى فيها وبُدلت شرائعه، وكانت محل العصيان والطغيان، لا محل التوحيد والإيمان، وهذه المواطن في زمن الاستقامة لا نزاع فيها، إنما النزاع لما تغيرت أحوالها وذهب التوحيد وجاء التثليث، وكُذبت الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وصار ذلك يُتلى في الصباح والمساء، فحينئذ هي أقبح بقعة على وجه الأرض وألعن مكان يوجد، فلا تجعل هذه الآية دليلًا على تفضيلها (١).
قال الزجاج: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدم في شرع كل نبي المكان الذي يصلي فيه، فلولا ذلك الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس التي كانوا يصلون فيها في شرعه، وفي زمن عيسى الصوامع، وفي زمن نبينا محمد ﷺ المساجد فعلى هذا إنما دفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف وقبل النسخ (٢).
الوجه الرابع: الضمير يعود على أقرب مذكور .
قال القرافي: والآية تدل على أن المساجد أفضل بيت وُضع على وجه الأرض للعابدين من وجه آخر، وذلك أن القاعدة العربية أن الضمائر إنما يحكم بعودها على أقرب مذكور، فإذا قلت: جاء زيد وخالد وأكرمته، فالإكرام خاص بخالد، لأنه الأقرب، فقوله تعالى: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ يختص بالأخير الذي هو المساجد؛ لأن قوله فيها
стр. 616
ضمير يختص بالقريب، وهذا قول المفسرين - فتكون المساجد قد اختصت - بكثرة ذكر الله تعالى، وهو يقتضي أن غيرها لم يساوها في كثرة الذكر فتكون أفضل وهو المطلوب. (١)
الوجه الخامس: بيان الحكمة في هذا الترتيب، وتأخير المساجد على من ذكر .
١ - لأن الترتيب الوجودي كذلك، فهي - البيع والكنائس - أقدم بناء وهذا ليس للتشريف (٢).
٢ - لتقع المساجد في جوار مدح أهلها، فلما كان رسول الله ﷺ خير الرسل، وأمته خير الأمم لا جرم كانوا آخرهم ولذلك قال ﷺ : "نحن الآخرون السابقون" (٣).
٣ - وقيل: لقربها من الهدم، وقرب المساجد من الذكر كما أخر السابق في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ (فاطر: ٣٢). (٤)
٤ - للانتقال من شريف إلى أشرف؛ فإن البيع أشرف من الصوامع لكثرة العباد فيها فإنها معبد للرهبان وغيرهم، والصوامع معبد للرهبان فقط، وكنائس اليهود أشرف من البيع؛ لأن حدوثها أقدم، وزمان العبادة فيها أطول، والمساجد أشرف من الجميع؛ لأن الله تعالى قد عبد فيها بما لم يعبد به في غيرها (٥).
٥ - وتأخير المساجد؛ لأنها أعم، وشأن العموم أن يعقب به الخصوص إكمالًا للفائدة (٦).
الوجه السادس: ليس في ذلك مدح للرهبانية ولا لمن بدل دين المسيح، وإنما فيه مدح لمن اتبعه .
فهو حق كما قال تعالى، وليس في ذلك مدح للرهبانية، ولا لمن بدل دين المسيح وإنما فيه مدح لمن اتبعه بما جعل الله في قلوبهم من الرحمة والرأفة حيث يقول: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾، ثم قال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ أي:
стр. 617
وابتدعوا رهبانية ما كتبناها عليهم، وهذه الرهبانية لم يشرعها الله ولم يجعلها مشروعة لهم، بل نفى جعله عنها كما نفى ذلك عما ابتدعه المشركون بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ (المائدة: ١٠٣).
وهذا الجعل المنفي عن البدع هو الجعل الذي أثبته للمشروع بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: ٤٨)، وقوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ (الحج: ٦٧)، فالرهبانية ابتدعوها لم يشرعها الله.
وللناس في قوله (رهبانية) قولان:
أحدهما: أنها منصوبة يعني: ابتدعوها إما بفعل مضمر يفسره ما بعده، أو يقال: هذا الفعل عمل في المضمر والمظهر كما هو قول الكوفيين حكاه عنهم ابن جرير وثعلب وغيرهما ونظيره قوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ (الإنسان: ٣١)، وقوله: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالةُ﴾ (الأعراف: ٣٠) وعلى هذا القول فلا تكون الرهبانية معطوفة على الرأفة والرحمة.
والقول الثاني: إنها معطوفة عليها فيكون الله قد جعل في قلوبهم الرأفة والرحمة والرهبانية المبتدعة ويكون هذا جعلًا خلقيًا كونيًا، والجعل الكوني يتناول الخير والشر كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ (القصص: ٤١).
وعلى هذا القول فلا مدح للرهبانية؛ لأنها في القلوب فثبت أنه على التقديرين ليس في القرآن مدح للرهبانية. ثم قال: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ أي: لم يكتب عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وابتغاء رضوان الله بفعل ما أمر به لا بما يبتدع. وهذا يسمى استثناء منقطعا كما في قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ (النساء: ١٥٧)، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٢٩)، وقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾
стр. 618
(الدخان: ٥٦)، وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾ (الانشقاق: ٢٥ - ٢٥)، وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ (الواقعة: ٢٥، ٢٦)، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ (النساء: ٩٢). وهذا أصح الأقوال في هذه الآية.
ولا يجوز أن يكون المعنى أن الله كتبها عليهم ابتغاء رضوان الله؛ فإن الله لا يفعل شيئًا ابتغاء رضوان نفسه، ولا أن المعنى أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوانه كما يظن هذا وهذا بعض الغالطين كما قد بسط في موضع آخر وذكر أنهم ابتدعوا الرهبانية وما رعوها حق رعايتها وليس في ذلك مدح لهم؛ بل هو ذم ثم قال تعالى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾، وهم الذين آمنوا بمحمد ﷺ وكثير منهم فاسقون، ولو أريد الذين آمنوا بالمسيح أيضًا فالمراد من اتبعه على دينه الذي لم يبدل، وإلا فكلهم يقولون: إنهم مؤمنون بالمسيح، وبكل حال فلم يمدح سبحانه إلا من اتبع المسيح على دينه الذي لم يبدل ومن آمن بمحمد ﷺ ، لم يمدح النصارى الذين بدلوا دين المسيح ولا الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ .
فإن قيل: قد قال بعض الناس إن قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ عطف على رأفة ورحمة وإن المعنى: أن الله جعل في قلوب الذين اتبعوه رأفةً ورحمةً ورهبانيةً أيضًا ابتدعوها، وجعلوا الجعل شرعيًا ممدوحًا. قيل: هذا غلط لوجوه:
منها: أن الرهبانية لم تكن في كل من اتبعه، بل الذين صحبوه كالحواريين لم يكن فيهم راهب، وإنما ابتدعت الرهبانية بعد ذلك بخلاف الرأفة والرحمة فإنها جعلت في قلب كل من اتبعه.
ومنها: أنه أخبر أنهم ابتدعوا الرهبانية بخلاف الرأفة والرحمة فإنهم لم يبتدعوها، وإذا كانوا ابتدعوها لم يكن قد شرعها لهم فإن كان المراد هو الجعل الشرعي الديني لا الجعل
стр. 619
الكوني القدري فلم تدخل الرهبانية في ذلك، وإن كان المراد الجعل الخلقي الكوني فلا مدح للرهبانية في ذلك.
ومنها: أن الرأفة والرحمة جعلها في القلوب، والرهبانية لا تختص بالقلوب؛ بل الرهبانية ترك المباحات من النكاح واللحم وغير ذلك، وقد كان طائفة من الصحابة رضوان الله عليهم هموا بالرهبانية فأنزل الله تعالى نهيهم عن ذلك بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (المائدة: ٨٧).
وثبت في الصحيحين أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ قال أحدهم: أما أنا فأصوم لا أفطر، وقال آخر: أما أنا فأقوم لا أنام، وقال آخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال آخر: أما أنا فلا آكل اللحم، فقام النبي خطيبًا فقال: "ما بال رجال يقول أحدهم كذا وكذا؟ لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني.
وفي صحيح البخاري، أن النبي رأى رجلًا قائمًا في الشمس فقال: "ما هذا؟ "قالوا هذا أبو إسرائيل. نذر أن يقوم في الشمس، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم فقال: "مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه".
وثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه كان يقول في خطبته: "خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة".
وفي السنن عن العرباض بن سارية أن النبي ﷺ قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة".
وقد بينت النصوص الصحيحة أن الرهبانية بدعة وضلالة، وما كان بدعة وضلالة لم يكن هدى ولم يكن الله جعلها بمعنى أنه شرعها كما لم يجعل الله ما شرعه المشركون من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فإن قيل: قد قال طائفة: معناها ما فعلوها إلا ابتغاء
стр. 620
رضوان الله، ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وقالت طائفة: ما فعلوها أو ما ابتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله.
قيل: كلا القولين خطأ والأول أظهر خطأ؛ فإن الرهبانية لم يكتبها الله عليهم؛ بل لم يشرعها لا إيجابًا ولا استحبابًا، ولكن ذهبت طائفة إلى أنهم لما ابتدعوها كتب عليهم إتمامها وليس في الآية ما يدل على ذلك فإنه قال: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾، فلم يذكر أنه كتب عليهم نفس الرهبانية ولا إتمامها ولا رعايتها؛ بل أخبر أنهم ابتدعوا بدعة، وأن تلك البدعة لم يرعوها حق رعايتها.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ يدل على أنهم لو رعوها حق رعايتها لكانوا ممدوحين، قيل: ليس في الكلام ما يدل على ذلك؛ بل يدل على أنهم مع عدم الرعاية يستحقون من الذم ما لا يستحقونه بدون ذلك، فيكون ذم من ابتدع البدعة ولم يرعها حق رعايتها أعظم من ذم من رعاها وإن لم يكن واحد منهما محمودًا؛ بل مذمومًا مثل نصارى بني تغلب ونحوهم ممن دخل في النصرانية ولم يقوموا بواجباتها؛ بل أخذوا منها ما وافق أهواءهم فكان كفرهم وذمهم أغلظ ممن هو أقل شرا منهم، والنار دركات كما أن الجنة درجات، وأيضًا فالله تعالى إذا كتب شيئًا على عباده لم يكتب ابتغاء رضوانه؛ بل العباد يفعلون ما يفعلون ابتغاء رضوان الله، وأيضًا فتخصيص الرهبانية بأنه كتبها ابتغاء رضوان الله دون غيرها تخصيص بغير موجب فإن ما كتبه ابتداء لم يذكر أنه كتبه ابتغاء رضوانه فكيف بالرهبانية؟
وأما قول من قال: ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله فهذا المعنى لو دل عليه الكلام لم يكن في ذلك مدح للرهبانية، فإن من فعل ما لم يأمر الله به؛ بل نهاه عنه مع حسن مقصده غايته أن يثاب على قصده لا يثاب على ما نهى عنه، ولا على ما ليس بواجب ولا مستحب فكيف والكلام لا يدل عليه فإن الله قال: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾؟
стр. 621
ولم يقل: ما فعلوها إلا ابتغاء رضوان الله. ولا قال: ما ابتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله، ولو كان المراد ما فعلوها أو ما ابتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله لكان منصوبًا على المفعولية، ولم يتقدم لفظ الفعل ليعمل فيه ولا نفي الابتداع؛ بل أثبته لهم، وإنما تقدم لفظ الكتابة فعلم أن القول الذي ذكرناه هو الصواب وأنه استثناء منقطع، فتقديره وابتدعوا رهبانية ما كتبناها عليهم لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله، فإن إرضاء الله واجب مكتوب على الخلق، وذلك يكون بفعل المأمور وبترك المحظور لا بفعل ما لم يأمر بفعله وبترك ما لم ينه عن تركه، والرهبانية فيها فعل ما لم يؤمر به وترك ما لم ينه عنه (١).
الشبهة السادسة: يقولون: بأننا وجدنا في القرآن من تعظيم المسيح وأمه .
حيث يقول تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالمِينَ (٩١)﴾ (الأنبياء: ٩١)، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ (٤٢)﴾ (آل عمران: ٤٢)، وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (البقرة: ٨٧).
جوابًا على ما سبق ذكره نقول:
قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ حق، وهذا ليس خاصا فقط بعيسى ﵇:
قال ابن تيمية: وأما قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (البقرة: ٨٧)، فهو حق كما أخبر الله به، وقد ذكر تعالى تأييد عيسى بن مريم بروح القدس في عدة مواضع فقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (البقرة: ٢٥٣)، وقال تعالى: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ
стр. 622
مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (المائدة: ١١٥)، وقال تعالى في القرآن: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (النحل: ١٠١، ١٠٢)، وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (الشعراء: ١٩٣، ١٩٤)، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٩٧).
فروح القدس الذي نزل بالقرآن من الله هو الروح الأمين وهو جبريل. وثبت في الصحيح عن أبي هريرة أنه سمع النبي ﷺ يقول لحسان بن ثابت: "أجب عني، اللهم أيده بروح القدس" (١)
وفي الصحيحين عن البراء بن عازب منه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لحسان بن ثابت: "اهجهم أو هاجهم وجبريل معك" (٢).
فهذا حسان بن ثابت واحد من المؤمنين لما نافح عن الله ورسوله، وهجا المشركين الذين يكذبون الرسول أيده الله بروح القدس وهو جبريل ﵇، وأهل الأرض يعلمون أن محمدًا ﷺ لم يكن يجعل اللاهوت متحدًا بناسوت حسان بن ثابت، فعلم أن إخباره بأن الله أيده بروح القدس لا يقتضي اتحاد اللاهوت بالناسوت، فعلم أن التأييد بروح القدس ليس من خصائص المسيح، وأهل الكتاب يقرون بذلك، وأن غيره من الأنبياء كان مؤيدًا بروح القدس كداود وغيره؛ بل يقولون: إن الحواريين كانت فيهم روح القدس، وقد ثبت باتفاق المسلمين واليهود والنصارى أن روح القدس يكون في غير المسيح، بل في غير الأنبياء (٣).
стр. 623
الشبهة السابعة: يقولون: إن القرآن لما جاء مصدقًا لما بين يديه من الكتب، فثبت بهذا ما معنا، ونفى عن كتبنا التي في أيدينا التهم والتبديل والتغيير لما فيها بتصديقه إياها .
كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (المائدة: ٤٨)، ومثل قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (آل عمران: ٣).
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: تصديق النبي ﷺ للأنبياء من قبله، وبما أنزله الله عليهم من كتب حق .
قال ابن تيمية: أما تصديق خاتم الرسل محمد ﷺ لما أنزل الله قبله من الكتب، ولمن جاء قبله من الأنبياء فهذا معلوم بالاضطرار من دينه، متواترٌ تواترا ظاهرا كتواتر إرساله إلى الخلق كلهم، وهذا من أصول الإيمان (١).
قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: ١٣٦، ١٣٧)، وقال تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ٨٤، ٨٥) (٢).
الوجه الثاني: الآيات نفسها حجة عليهم .
فقد تمسكوا بأول الآية وتركوا آخرها لما فيها من الجواب عليهم قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (المائدة: ٤٨).
فبيَّن أنه أنزل هذا القرآن مهيمنًا على ما بين يديه من الكتب، والمهيمن: الشاهد المؤتمن الحاكم، يشهد بما فيها من الحق، وينفي ما حرف فيها، ويحكم بإقرار ما أقره الله من
стр. 624
أحكامها، وينسخ ما نسخه الله منها، وهو مؤتمن في ذلك عليها، وأخبر أنه أحسن الحديث وأحسن القصص، وهذا يتضمن أنه كل من كان متمسكًا بالتوراة قبل النسخ من غير تبديل شيء من أحكامها؛ فإنه من أهل الإيمان والهدى، وكذلك من كان متمسكًا بالإنجيل من غير تبديل شيء من أحكامه قبل النسخ فهو من أهل الإيمان والهدى، وليس في ذلك مدح لمن تمسك بشرع مبدل، فضلًا عمن تمسك بشرع منسوخ، ولم يؤمن بما أرسل الله إليه من الرسل، وما أنزل إليه من الكتب؛ بل قد بين كفر اليهود والنصارى بتبديل الكتاب الأول، وبترك الإيمان بحمد ﷺ في غير موضع (١).
وأيضًا: فإن الله قال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (المائدة ٤٨). وهذا أمر من الله - تعالى ذكره - لنبيه محمد ﷺ أن يحكم بين المحتكمين إليه من أهل الكتاب وسائر أهلِ الملل، بكتابه الذي أنزله إليه، وهو القرآن الذي خصّه بشريعته. يقول تعالى ذكره: احكم، يا محمد، بين أهل الكتاب والمشركين، بما أُنزل إليك من كتابب وأحكامي، في كل ما احتكموا فيه إليك، من الحدود والجُرُوح والقَوَد والنفوس، فارجم الزاني المحصَن، واقتل النفسَ القاتلةَ بالنفس المقتولة ظلمًا، وافقأ العين بالعين، واجدع الأنف بالأنف، فإني أنزلت إليك القرآن مصدِّقًا في ذلك ما بين يديه من الكتب، ومهيمنًا عليه رقيبًا، يقضي على ما قبله من سائر الكتب قبلَه، ولا تتبع أهواء هؤلاء اليهود الذين يقولون: إن أوتيتم الجلدَ في الزاني المحصن دون الرجم، وقتلَ الوضيع بالشريف إذا قتله، وتركَ قتل الشريف بالوضيع إذا قتله، فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا عن الذي جاءك من عند الله من الحق، وهو كتاب الله الذي أنزله إليك. يقول له: اعمل بكتابب الذي أنزلته إليك إذا احتكموا إليك فاخترتَ الحكم عليهم، ولا تتركنَّ العمل بذلك اتباعًا منك أهواءَهم، وإيثارًا لها على الحق الذي أنزلته إليك في كتابي (٢).
стр. 625
الشبهة الثامنة: يقولون: بأن القرآن شهد لهم أنهم أنصار الله .
حيث يقول كما قال عيسى ابن مريم: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (الصف: ١٤).
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجة الأول: الحواريون مؤمنون مسلمون، لكن ليس في هذا أنهم رسل الله .
فيقال هذا حق، والحواريون مؤمنون مسلمون وهم أنصار الله لكن ليس في هذا أنهم رسل الله، ولا في هذا أن كل ما أنتم عليه من الدين مأخوذ عنهم، ولا في هذا أن الواحد من الحواريين معصوم من الغلط؛ بل أمر الله المؤمنين من أمة محمد أن يكونوا أنصار الله كما طلب المسيح ذلك بقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (١).
الوجه الثاني: أن هذا الوصف ليس خاصًّا بهم .
فقد وصف الله المؤمنين أصحاب النبي ﷺ من أهل المدينة النبوية بأنهم أنصار الله بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (التوبة: ١٠٠)، والمهاجرون أفضل من الأنصار، وهم أيضًا من أنصار الله نصروه كما نصره الأنصار لكن لما كان لهم اسم يخصهم وهو المهاجرون وهو أفضل الاسمين خص الأنصار بهذا الاسم. والمهاجرون والأنصار أفضل ممن آمن بموسى ومن آمن بعيسى عند المسلمين ومع هذا فليس فيهم عندهم نبي ولا رسول لله ولكن فيهم رسل رسول الله ﷺ تسليمًا (٢).
كذلك فإن أول الآية يرد عليهم، فإن الله أمر عباده أن يكونوا أنصارًا له.
قال ابن كثير: يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين أن يكونوا أنصار الله في جميع أحوالهم، بأقوالهم وأفعالهم وأنفسهم وأموالهم، وأن يستجيبوا لله ولرسوله، كما استجاب الحواريون
стр. 626
لعيسى حين قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾؟ أي: معيني في الدعوة إلى الله : ﴿قَال الْحَوَارِيُّونَ﴾.
وهم أتباع عيسى ﵇: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ أي: نحن أنصارك على ما أرسلت به ومُوَازروك على ذلك؛ ولهذا بعثهم دعاةً إلى الناس في بلاد الشام في الإسرائيليين واليونانيين. وهكذا كان رسول الله ﷺ يقول في أيام الحج: "من رجل يُؤويني حتى أبلغ رسالة ربي، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي" حتى قيَّض الله له الأوس والخزرج من أهل المدينة، فبايعوه ووازروه، وشارطوه أن يمنعوه من الأسود والأحمر إن هو هاجر إليهم، فلما هاجر إليهم بمن معه من أصحابه وَفَوا له بما عاهدوا الله عليه؛ ولهذا سماهم الله ورسوله: الأنصار، وصار ذلك عَلَمَا عليهم ﵃، وأرضاهم (١).
الشبهة التاسعة: الرد على تأويلهم لقول الله تعالى .
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: ٢ - ٥)، حيث قالوا: فمعنى بالكتاب: الإنجيل، والذين يؤمنون بالغيب نحن النصارى الذين آمنا بالمسيح وما رأيناه، ثم أتبع بالقول "والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك" فأعني بهم المسلمين الذين آمنوا بما أتى به وما أتى من قبله.
والجواب عليه من هذه الوجوه:
الوجه الأول: هذا التأويل من تحريف الكلم عن مواضعه وتبديل كلام الله -.
وأما تأويلهم قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ إنه الإنجيل، ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ عنى بهم النصارى، فهو من تحريف الكلم عن مواضعه وتبديل كلام الله؛ كما فعلوه في قوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ (آل عمران: ٨٥)، وفي قوله: ﴿بِإِذْنِي﴾ أي باللاهوت، وفي قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، وفي غير ذلك مما ذكروه وتأولوه من القرآن على غير
стр. 627
المعنى الذي أراد الله به، وهذا مما يؤيد أنهم فعلوا كذلك بالتوراة والإنجيل فإنه إذا كان القرآن الذي قد عرف تفسيره، والمراد به العام والخاص، ونقل ذلك عن الرسول نقلًا متواترًا حتى عرف معناه علما يقينًا اضطراريًّا فيبدلون معناه ويحرفون الكلم عن مواضعه، فماذا يصنعون بالتوراة والإنجيل ولم ينقل لفظ ذلك ومعناه كما نقل القرآن وليس في أهل تلك الكتب من يذب عن لفظها ومعناها كما يذب المسلمون عن لفظ القرآن ومعناه؟ (١).
الوجه الثاني: "ذلك" تستخدم للإشارة إلى الغائب والحاضر .
وهؤلاء غرهم قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فظنوا أن لفظ ﴿ذَلِكَ﴾ لما كان يشار بها إلى الغائب أشير بها إلى الإنجيل. فيقال لهم: هذا كقوله: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾ (آل عمران: ٥٨)، وأشار بذلك إلى ما تلاه قبل هذه الآية، وقوله: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ (الممتحنة: ١٠)، وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (الطلاق: ٢)، ومثله قوله تعالى بعد أن ذكر خبر يوسف الصديق: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ (يوسف: ١٠٢).
وقال أيضًا لما ذكر خبر مريم: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ (آل عمران: ٤٤)، كما قال لما ذكر آيات يخبر فيها عن نوح: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ (هود: ٤٩)، وقال: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: ١، ٢).
و(تلك) في المؤنث مثل (ذلك) في المذكر، ومع هذا فأشار إلى القرآن ومنه قوله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ (الحجر: ١)، وقوله: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (النمل: ١)، ومنه قوله: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (القصص: ١، ٢).
стр. 628
ومثل هذا كثير، وذلك أنه لما أنزل قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ٢)، ونحو ذلك، لم يكن الكتاب المشار إليه قد أنزل تلك الساعة، وإنما كان قد أنزل قبل ذلك فصار كالغائب الذي يشار إليه كما يشار إلى الغائب وهو باعتبار حضوره عند النبي يشار إليه كما يشار إلى الحاضر كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ (الأنبياء: ٥٠) (١).
الوجه الثالث: الآية نفسها ترد عليهم .
وقد قال تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (البقرة: ٢ - ٤).
قال ابن تيمية: وقد وصف النصارى بأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر وأنهم كافرون ظالمون، فكيف يجعلهم المتقين الذين يؤمنون بالغيب؟ .
قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ (التوبة: ٢٩)، وأول التقوى تقوى الشرك وقد وصف النصارى بالشرك في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ (التوبة: ٣١)، وقال تعالى لما ذكر المسيح: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ (مريم: ٣٧، ٣٨).
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (المائدة: ٧٢).
وقد أخبر أن الله ولي المتقين فقال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ
стр. 629
وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾ (الجائية: ١٨، ١٩)، فلو كانوا من المتقين فضلًا عن أن يكونوا هم المتقين؛ لكان الله وليهم ولكانت موالاتهم واجبة على المؤمنين، وهو قد نهى عن موالاتهم وجعل من يتولاهم ظالمًا وجعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض والكفار بعضهم أولياء بعض، وأيضًا فإن الله قال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ (البقرة: ٣)، وهي الصلاة التي أمر بها في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ (الإسراء: ٧٨)، وقد قال ﷺ : "لا يقبل الله صلاة بغير طهور"، والنصارى يصلون بغير طهور، وقال ﷺ : "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وهم لا يقرؤونها، والصلاة التي فرضها وأثنى عليها مشتملة على استقبال الكعبة وعلى ركوع وسجدتين في كل ركعة، وغير ذلك مما لا يفعله النصارى، فكيف يمدحهم بإقامة الصلاة وهم لا يقيمون الصلاة التي أمر بإقامتها؟ .
ثم لو قال اليهودي المراد بقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ التوراة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ اليهود. لكان هذا - مع بطلانه - أقرب من قول القائل: إن المراد بالكتاب الإنجيل؛ لأن التوراة أحق بذلك من الإنجيل فإنها الأصل والله تعالى يقرن بينها وبين القرآن في غير موضع كقوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ (هود: ١٧)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾ (الأحقاف: ١٠)، وأما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (البقرة: ٤).
فهي صفة ثانية للذين يؤمنون بالغيب مجملا ثم وصفهم بإيمان مفصلًا بما أنزل إليك وما أنزل من قبله، والعطف بالواو يكون لتغاير الذوات ويكون لتغاير الصفات كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥)﴾ (الأعلى: ١ - ٥)، والذي خلق فسوى هو الذي قدر فهدى وهو
стр. 630
الذي أخرج المرعى. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢)﴾ (الزخرف ٩: ١٢).
ومثله قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ (المؤمنون ١ - ١١)، فهم صنف واحد وصفهم بهذه الصفات بحرف الواو.
وقد فسر قبل قوله: يؤمنون بالغيب صفة المؤمنين من غير أهل الكتاب كمشركي العرب، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك صفة من آمن به من أهل الكتاب، وعلى هذا القول هؤلاء غير هؤلاء لكن هذا ضعيف؛ فإنه لا بد في المؤمنين من غير أهل الكتاب أن يؤمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله، ولا بد في مؤمن أهل الكتاب أن يؤمن بالغيب فكل من الإيمانين واجب على كل واحد، ولا يكون أحد على هدًى من ربه مفلحا إلا بهذا وهذا.
وأما قول النصارى: نحن الذين آمنا بالسيد المسيح وما رأيناه، فهكذا اليهود آمنوا بموسى ﵇ وما رأوه، والمسلمون آمنوا بمحمد وما رأوه، بل المسلمون آمنوا بموسى وعيسى وسائر النبيين وما رأوهم بخلاف اليهود والنصارى الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، ثم الغيب ليس المراد به صورة النبي ﷺ ؛ فإن صورة النبي ليست من الغيب فإن الناس يرونها وليس في رؤيتها ما يوجب إيمانًا ولا كفرًا، ولكن الغيب ما غاب عن مشاهدة الخلق وهو ما أخبرت به الأنبياء من الغيب فيدخل فيه الإيمان بالله وملائكته
стр. 631
وكتبه ورسله وهو الإيمان بأنهم رسل الله، وسواء رؤيت أبدانهم أو لم تر فقد يراهم من لم يؤمن برسالتهم وقد يؤمن برسالتهم من لم يرهم.
والمقصود الإيمان برسالتهم لا بنفس صورهم حتى يقول القائل: آمنا بنبي ولم نره وقد يعلم من دلائل نبوته وأعلام رسالته من لم يره أكثر مما يعلمها من رآه (١).
الوجه الرابع: شهادة الكتاب المقدس على نفسه بالتحريف .
إليك أيها القارئ الشهادة بتحريف الكتاب المقدس من الكتاب المقدس نفسه:
أولًا: أن كاتب المزمور (٥٦: ٤) ينسب إلى داود ﵇ بأن أعداءه طوال اليوم يحرفون كلامه: مَاذَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصْنَعَ بِي الْبَشَرُ؟ يُحَرِّفُ أَعْدَائِي طَوَال الْيَوْمِ كَلَامِي.
ثانيًا: لقد اعترف كاتب سفر إرميا (٢٣: ١٣، ١٥، ١٦) بأن أنبياء أورشليم وأنبياء السامرة الكذبة حرفوا كلام الله عمدًا: فِي أَوْسَاطِ أَنْبِيَاءِ السَّامِرَةِ شَهِدْتُ أُمُورًا كَرِيهَةً، إِذْ تَنبَّأُوا بِاسْمِ الْبَعْلِ، وَأَضَلُّوا شَعْبِي إِسْرَائِيلَ. وَفِي أَوْسَاطِ أَنْبِيَاءِ أُورُشَلِيمَ رَأَيْتُ أُمُورًا مَهُولَةً: يَرْتَكِبُونَ الْفِسْقَ، وَيَسْلُكُونَ فِي الأَكَاذِيبِ، يُشَدِّدُونَ أَيْدِي فَاعِلي الإِثْمِ لِئَلَّا يَتُوبَ أَحَدٌ عَنْ شَرِّهِ ... لأَنَّهُ مِنْ أَنْبِيَاءِ أُورُشَلِيمَ شَاعَ الْكُفْرُ فِي كُلِّ أَرْجَاءِ الأَرْضِ.
ثالثًا: لقد اعترف كاتب سفر إرميا بأن اليهود حرفوا كلمة الله؛ لذلك فهو ينسب لإرميا في (٢٣: ٣٦) توبيخ النبي إرميا لليهود: أما وحي الرب فلا تذكروه بعد؛ لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه، إِذْ قَدْ حَرَّفْتُمْ كَلَامَ الإِلَهِ الحيِّ، الرَّبِّ الْقَدِيرِ، إِلِهنَا.
رابعًا: وكاتب سفر الملوك الأول (١٩: ٩) ينسب لإليا النبي حين هرب من سيف اليهود فيقول: وَقَال الرَّبُّ لإِيلِيَّا: "مَاذَا تَفْعَلُ هُنَا يَا إِيلِيَّا؟ " فَأَجَابَ: "غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ الإِلَهِ الْقَدِيرِ، لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَنَكَّرُوا لِعَهْدِكَ وَهَدَمُوا مَذَابِحَكَ وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ، وَبَقِيتُ وَحْدِي. وَهَا هُمْ يَبْغُونَ قَتْلِي أيضًا.
стр. 632
ويتسائل بعضهم الذين يتجاهلون الشواهد والأدلة الدالة على تحريف كتابهم المقدس قائلين: عندما يعطى الله الإنسان كتابا من عنده، فهل تظن أنه لا يستطيع المحافظة عليه من عبث البشر؟
نقول لهؤلاء الذين يتجاهلون الأدلة والشواهد الدالة على تحريف كتابهم المقدس: نعم، إن الله قادر على أن يحفظ كلمته ولكنه اختار أن يوكل حفظ كلمته إلى علماء وأحبار اليهود، ولم يتكفل هو بحفظها فقد ترك حفظ كلمته بيدهم فكان حفظ الكتاب أمرًا تكليفيًا، وحيث إنه أمرٌ تكليفيٌ فهو قابلٌ للطاعة والعصيان من قبل المكلفين، فالرب استحفظهم على كتابه ولم يتكفل هو بحفظه، وإليكم الأدلة من كتابكم المقدس على هذا:
جاء في سفر التثنية (٤: ٢) قول الرب: وَالآنَ أَصْغُوا يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الشَّرَائِعِ وَالأَحْكَامِ الَّتِي أُعَلِّمُهَا لَكُمْ لِتَعْمَلُوا بِهَا، فَتَحْيَوْا وَتَدْخُلُوا لِامْتِلَاكِ الأَرْضِ الَّتِي يُوَرِّثُهَا لَكُمُ الرَّبُّ إِلَهُكُمْ لَا تزيدوا عَلَى الكلام الذي أنا أوصيكم به، وَلَا تُنَقِّصُوا مِنهُ، لتحفظوا وصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها.
وجاء في سفر الأمثال (٣٠: ٥ - ٦): كل كلمة من الله نقية. ترس هو للمحتمين به. لا تزد على كلماته لئلا يوبخك فتكذّب.
وقد جاء في سفر الرؤيا (٢٢: ١٨) قول الكاتب: وَإِنَّنِي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا: إِنْ زَادَ أَحَدٌ شيئًا عَلَى مَا كُتِبَ فِيهِ، يَزِيدُ الله عليه الضربات، وَإِنْ حذف أَحَدٌ شيئًا مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا، يُسْقِطُ الله نَصِيبَهُ مِنْ شَجَرَةِ الحيَاةِ.
إن هذا النص تعبير واضح من الكاتب بأن الله لم يتكفل بحفظ هذا الكتاب؛ لأنه جعل عقوبة من زاد شيئًا كذا ... وعقوبة من حذف شيئًا كذا ... فهذا دليل واضح بأن الله لم يتكفل بحفظ الكتاب.
وفي هذا يقول الله عن التوراة التي كانت شريعة موسى ﵇، وشريعة الأنبياء من بعده حتى عيسى ﵇: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا
стр. 633
النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (المائدة: ٤٤).
ومعنى ﴿اسْتُحْفِظُوا﴾: أي أمروا بحفظه، فهناك حفظ، وهنا استحفاظ.
وإذا كان الأحبار والرهبان ممن جاء بعد لم يحفظوا؛ بل بدلوا وحرفوا، فليس معنى ذلك أن الله لم يقدر على حفظ كتابه - حاشا وكلا - ولكن المعنى: أن الله لم يتكفل بحفظه؛ بل جعل اليهود أمناء عليه.
ومن المعلوم أن هناك المئات من الرسل والانبياء جاؤوا بعد نوح ﵇ ولم يتكفل الرب بحفظ رسائلهم سواء كانت شفوية أو مكتوبة وإلا فأين هي؟ مثال ذلك: صحف ابراهيم التي ذكرت في القرآن الكريم فلا وجود لها اليوم.
وأخيرًا: فهل هناك أعظم من شهادة الكتاب المقدس على نفسه بالتحريف؟
فقل لي بربك أيكون الثناء والمدح على هذا المحرف؟ (١).
المبحث الثالث: وماذا عن البشارات التي توجد في الكتاب المقدس بنبوة رسول الإسلام محمد ﷺ -؟
البشارة الأولى: (أقِيمُ لَهُمْ نبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخوَتِهِمْ مِثلَكَ) .
بشارة بمحمد والوحي إليه.
في (التثنية ١٨/ ١٨: ٢١): قَال لِيَ الرَّبُّ: قَدْ أَحْسَنُوا فِي مَا تَكَلَّمُوا. ١٨ أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلَامِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ. ١٩ وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لَا يَسْمَعُ لِكَلَامِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ. ٢٠ وَأَمَّا النَّبِيُّ الَّذِي يُطغِي، فَيَتَكَلَّمُ بِاسْمِي كَلَامًا لَمْ أُوصِهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، أَوِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِاسْمِ آلِهَةٍ أُخْرَى، فَيَمُوتُ ذلِكَ النَّبِيُّ.
ومعنى النص أن موسى لما جمع بني إسرائيل ناحية الطور ليسمعوا صوت الله وهو يتحدث معه في جبل الطور (حوريب) حدث من هيبة الله وجلاله رعد وبرق ونار ودخان،
стр. 634
فخاف بنو إسرائيل، وقالوا لموسى: إذا أراد الله أن يكلمنا فيما بعد فليكن عن طريق نبي ونحن نسمع لهذا النبي ونطيع، فاستحسن الله منهم ووعدهم بنبي له يسمعون ويطيعون.
ولاحظ أن هذا النص هو الذي تشير إليه آية سورة الأعراف ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ... ﴾ (الأعراف: ١٥٧).
البشارة الثانية: (فَأنا أغِيرُهُمْ بمَا لَيْسَ شَعْبًا) .
وهي بشارة بأمة محمد، ففي (التثنية ٣٢/ ٢٢): هُمْ أَغَارُونِي بِمَا لَيْسَ إِلهًا، أَغَاظُونِي بِأَبَاطِيلِهِمْ. فَأَنَا أُغِيرُهُمْ بِمَا لَيْسَ شَعْبًا، بِأُمَّةٍ غَبِيَّةٍ أُغِيظُهُمْ.
والمقصود من الفقرة: أن بني إسرائيل أغضبوا الله تعالى بانحرافهم عن التوحيد وعبادتهم الأوثان، وأن الله سيغيظهم باصطفاء العرب الذين هم عندهم محقرون وجاهلون.
البشارة الثالثة: (الاستعلان من جبال فاران) .
وهي بشارة بنبوة محمد وبما يُوحى إليه: ففي (التثنية ٣٣/ ٢): جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سِينَاءَ، وَأَشْرَقَ لهمْ مِنْ سَعِيرَ، وَتَلأْلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ، وَأَتَى مِنْ رِبْوَاتِ الْقُدْسِ، وَعَنْ يَمِينِهِ نَارُ شَرِيعَةٍ لَهُمْ.
البشارة الرابعة: (البركة بإسماعيل) .
وهي بشارة بمحمد. ففي (التكوين ١٧/ ٢٠): وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ. هَا أَنَا أُبَارِكُهُ وَأُثْمِرُهُ وَأُكَثِّرُهُ كَثِيرًا جِدًّا. اِثْنَيْ عَشَرَ رَئِيسًا يَلِدُ، وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً.
وفي الطبعات القديمة ( ... وَأُكَثِّرُهُ جِدًّا جِدًّا ... )، وقد وردت هذه البشارة في عدة مواضع من سفر التكوين مما يقوي الاستدلال بها على نبوة محمد ويبعد الوهم عنها (١).
* * *