← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

يتغنون بها، وجنوب السودان، وصبرا، وشاتيلا، والبوسنة، والفلبين، والشيشان، وكوسوفا، وأبخازيا، وأذربيجان تشهد على دمويتهم وحقدهم. فقد خرجوا من جحورهم واستأسدوا عندما غابت الليوث! ، ومهما طال ليل الباطل فلا بد له أن يندحر وتشرق شمس الحق من جديد. وذكر غوستاف لوبون في كتابه -الحضارة العربية- نقلًا عن روايات رهبان ومؤرخين رافقوا الحملة الصليبية الحاقدة على القدس ما حدث حين دخول الصليبيين للمدينة المقدسة من مجازر دموية لا تدل إلا على حقد أسود متأصل في نفوس ووجدّان الصليبيين. فقال الراهب روبرت أحد الصليبيين المتعصبين وهو شاهد عيان لما حدث في بيت المقدس واصفًا سلوك قومه (٣٢٥): كان قومنا يجوبون الشوارع والميادين وسطوح البيوت ليرووا غليلهم من التقتيل، وذلك كاللبؤات التي خطفت صغارها! كانوا يذبحون الأولاد والشباب ويقطعونهم إربًا إربًا وكانوا يشنقون أناسًا كثيرين بحبل واحد بغية السرعة، وكان قومنا يقبضون كل شيء يجدونه، فيبقرون بطون الموتى ليخرجوا منها قطعا ذهبية -فيا للشره وحب الذهب-، وكانت الدماء تسيل كالأنهار في طرق المدينة المغطاة بالجثث. وقال كاهن أبوس (ريموند داجميل) شامتا (٣٢٦ - ٣٢٧): حدث ما هو عجيب بين العرب عندما استولى قومنا على أسوار القدس وبروجها فقد قطعت رؤوس بعضهم. فكان هذا أقل ما يمكن أن يصيبهم، وبقرت بطون بعضهم فكانوا يضطرون إلى القذف بأنفسهم من أعلى الأسوار وحرق بعضهم في النار، فكان ذلك بعد عذاب طويل، وكان لا يرى في شوارع القدس وميادينها سوى أكداس من رؤوس العرب وأيديهم وأرجلهم فلا يمر المرء إلا على جثث قتلاهم، ولكن كل هذا لم يكن سوى بعض ما نالوا. وقال واصفًا مذبحة مسجد عمر ﵁: لقد أفرط قومنا في سفك الدماء في هيكل سليمان، وكانت جثث القتلى تعوم في الساحة هنا وهناك، وكانت الأيدي المبتورة تسبح

стр. 5707

كأنها تريد أن تتصل بجثث غريبة عنها، فإذا اتصلت ذراع بجسم لم يعرف أصلها. ولم يكتف الفرسان الصليبيون الأتقياء! ! ! بذلك، فعقدوا مؤتمرًا أجمعوا فيه على إبادة جميع سكان القدس من المسلمين واليهود وخوارج النصارى الذين كان عددهم ستين ألفًا، فأفنوهم عن بكرة أبيهم في ثمانية أيام، ولم يستبقوا منهم امرأة ولا ولدًا ولا شيخًا. ويقول أيضًا: وعمل الصليبيون مثل ذلك في مدن المسلمين التي اجتاحوها. ففي المعرة قتلوا جميع من كان فيها من المسلمين اللاجئين في الجوامع والمختبئين في السراديب، فأهلكوا في صبرا ما يزيد على مائة ألف إنسان في أكثر الروايات، وكانت المعرة من أعظم مدن الشام بعدد السكان بعد أن فر إليها الناس بعد سقوط أنطاكية وغيرها بيد الصليبيين. فأي إنسانية يتغنى بمثلها هؤلاء؟ هل فعلًا يديرون الخد الأيسر لمن يصفعهم على خدهم الأيمن؟ تاريخهم يجيب عن ذلك! . (١) ٢ - وهذه وثائق إبادة هنود القارة الأمريكية على أيدي المسيحيين الأسبان هذا الكتاب من تأليف المطران برتولومي دي لاس كازاس. ترجمة سميرة عزمي الزين. من منشورات المعهد الدولي للدراسات الإنسانية. لمن أراد أن يستزيد فالكتاب ملئ بالفضائح التي تقشعر لها الأبدان واسمحوا لي هنا أقوم بعرض موجز لبعض ما جاء في هذا الكتاب، من مقدمة الكتاب: قول المؤرخ الفرنسي الشهير (مارسيل باتييون) أن مؤلف كتابنا (برتولومي دي لاس كازاس) أهم شخصية في تاريخ القارة الأمريكية بعد مكتشفها (كريستوف كولومبوس)، وأنه ربما كان الشخصية التاريخية التي تستحق الاهتمام في عصر اجتياح المسيحيين الأسبان لهذه البلاد. ولولا هذا المطران الكاهن الثائر على مسيحية عصره، وما ارتكبه من فظائع، ومذابح في القارة الأمريكية لضاع جزء كبير من تاريخ البشرية. فإذا كان كولومبوس قد اكتشف لنا القارة؛ فإن برتولومي هو الشاهد الوحيد الباقي على أنه كانت في هذه القارة

стр. 5708

عشرات الملايين من البشر الذين أفناهم الغزاة بوحشية لا يستطيع أن يقف أمامها لا مستنكرًا لها شاكًا في إنسانية البشر الذين ارتكبوها. ولد ((برتولومي دي لاس كازاس)) عام ١٤٧٤ م في قشتالة الأسبانية من أسرة اشتهرت بالتجارة البحرية، وكان والده قد رافق كولومبوس في رحلته الثانية إلى العالم الجديد عام ١٤٩٣ م أي في السنة التالية لسقوط غرناطة، وسقوط الأقنعة عن وجوه الملوك الأسبان، والكنيسة الغربية. كذلك فقد عاد أبوه مع كولومبوس بصحبة عبد هندي فتعرف برتولومي على هذا العبد القادم من بلاد الهند الجديدة. بذلك بدأت قصته مع بلاد الهند، وأهلها، وهو ما يزال صبيًا في قشتاله يشاهد ما يرتكبه الأسبان من فظائع بالمسلمين، وما يريقونه من دمهم، وإنسانيتهم في العالم الجديد. لقد جرى الدميان بالخبر اليقين أمام عيني هذا الراهب الثائر على أخلاق أمته، ورجال كنيستها، وبعثات تبشيرها: دم المسلمين، ودم الهنود سكان القارة الأمريكية. كانوا يسمون المجازر عقابًا، وتأديبًا لبسط الهيبة، وترويع الناس كانت سياسة الاجتياح المسيحي: أول ما يفعلونه عندما يدخلون قرية، أو مدينة هو ارتكاب مجزرة مخيفة فيها. . مجزرة ترتجف منها أوصال هذه الفعاج المرهفة)). وأنه كثيرًا ما كان يصف لك القاتل، والمبشر في مشهد واحد فلا تعرف من تحزن: أمن مشهد القاتل، وهو يذبح ضحيته، أو يحرقها، أو يطعمها للكلاب أم من مشهد المبشر الذي تراه خائفًا من أن تلفظ الضحية أنفاسها قبل أن يتكرم عليها بالعماد فيركض إليها لاهثًا يجرجر أذيال جبته، وغلاظته، وثقل دمه لينصرها بعد أن نضج جسدها بالنار، أو اغتسلت بدمها، أو التهمت الكلاب نصف أحشائها. إن العقل الجسور والخيال الجموح ليعجزان عن الفهم، والإحاطة فإبادة عشرات الملايين من البشر في فترة لا تتجاوز الخمسين سنة هول لم تأت به كوارث الطبيعة. ثم إن كوارث الطبيعة تقتل بطريقة واحدة. أما المسيحيون الأسبان فكانوا يتفننون، ويبتدعون، ويتسلون بعذاب البشر، وقتلهم. كانوا يجرون الرضيع من بين يدي أمه ويلوحون به في

стр. 5709

الهواء، ثم يخبطون رأسه بالصخر، أو بجذوع الشجر، أو يقذفون به إلى أبعد ما يستطيعون. وإذا جاعت كلابهم قطعوا لها أطراف أول طفل هندي يلقونه، ورموه إلى أشداقها ثم أتبعوها بباقي الجسد، وكانوا يقتلون الطفل، ويشوونه من أجل أن يأكلوا لحم كفيه، وقدميه قائلين: إنها أشهى لحم الإنسان. رأى لاس كازاس كل ذلك بعينيه، وأرسل الرسائل المتعددة إلى ملك أسبانيا يستعطفه، ويسترحمه ويطالبه بوقف عذاب هؤلاء البشر. وكانت آذان الملك الأسباني لا تسمع إلا رنين الذهب. ولماذا يشفق الملك على بشر تفصله عنهم آلاف الأميال من بحر الظلمات ما دامت جرائم عسكره، ورهبانه في داخل أسبانيا لا تقل فظاعة عن جرائم عسكره ورهبانه في العالم الجديد؟ كان الأسبان باسم الدين المسيحي الذي يبرأ منه المسيح ﵇ يسفكون دم الأندلسيين المسلمين الذين ألقوا سلاحهم، وتجردوا من وسائل الدفاع عن حياتهم، وحرماتهم. وكان تنكيلهم بهم لا يقل، وحشية عن تنكيلهم بهنود العالم الجديد. لقد ظلوا يسومون المسلمين أنواع العذاب، والتنكيل، والقهر، والفتك طوال مائة سنة فلم يبق من الملايين الثلاثة والثلاثين (حسبما ذكر الكتاب) مسلم واحد كما ساموا الهنود تعذيبًا، وفتكًا، واستأصلوهم من الوجود. كانت محاكم التفتيش التي تطارد المسلمين، وتفتك بهم، ورجال التبشير الذين يطاردون الهنود، ويفتكون بهم من طينة واحدة. إن أحدًا لا يعلم كم عدد الهنود الذين أبادهم الأسبان المسيحيون ثمة من يقول إنهم مائتا مليون، ومنهم من يقول إنهم أكثر. أما لاس كازاس فيعتقد أنهم مليار من البشر، ومهما كان الرقم فقد كانت تنبض بحياتهم قارة أكبر من أوروبا بسبعة عشر مرة، وها قد صاروا الآن أثرًا بعد عين. أما المسيحيون فعاقبوهم بمذابح لم تعرف في تاريخ الشعوب. كانوا يدخلون على القرى فلا يتركون طفلًا، أو حاملًا، أو امرأة تلد إلا ويبقرون بطونهم، ويقطعون أوصالهم

стр. 5710

كما يقطعون الخراف في الحظيرة، وكانوا يراهنون على من يشق رجلًا بطعنة سكين، أو يقطع رأسه، أو يدلق أحشاءه بضربة سيف. كانوا ينتزعون الرضع من أمهاتهم، ويمسكونهم من أقدامهم، ويرطمون رؤوسهم بالصخور. أو يلقون بهم في الأنهار ضاحكين ساخرين. وحين يسقط في الماء يقولون: (عجبا انه يختلج). كانوا يسفدون الطفل، وأمه بالسيف، وينصبون مشانق طويلة ينظمونها مجموعة مجموعة كل مجموعة ثلاث عشر مشنوقًا، ثم يشعلون النار، ويحرقونهم أحياء. وهناك من كان يربط الأجساد بالقش اليابس، ويشعل فيها النار. كانت فنون التعذيب لديهم أنواعًا منوعة. بعضهم كان يلتقط الأحياء فيقطع أيديهم قطعًا ناقصًا لتبدو كأنها معلقة بأجسادهم ثم يقول لهم: (هيا احملوا الرسائل) أي: هيا أذيعوا الخبر بين أولئك الذين هربوا إلى الغابات. أما أسياد الهنود، ونبلاؤهم فكانوا يقتلون بأن تصنع لهم مشواة من القضبان يضعون فوقها المذراة ثم يربط هؤلاء المساكين بها وتوقد تحتهم نار هادئة من أجل أن يحتضروا ببطء وسط العذاب، والألم، والأنين. ولقد شاهدت مرة أربعة من هؤلاء الأسياد فوق المشواة. وبما أنهم يصرخون صراخًا شديدًا أزعج مفوض الشرطة الأسبانية الذي كان نائمًا (أعرف اسمه بل أعرف أسرته في قشتاله) فقد وضعوا في حلوقهم قطعًا من الخشب أخرستهم ثم أضرموا النار الهادئة تحتهم. رأيت ذلك بنفسي، ورأيت فظائع ارتكبها المسيحيون أبشع منها. أما الذين هربوا إلى الغابات، وذرى الجبال بعيدًا عن هذه الوحوش الضارية فقد روض لهم المسيحيون كلابًا سلوقية شرسة لحقت بهم، وكانت كلما رأت واحدًا منهم انقضت عليه، ومزقته، وافترسته كما تفترس الخنزير، وحين كان الهنود يقتلون مسيحيًا دفاعًا عن أنفسهم كان المسيحيون يبيدون مائة منهم، لأنهم يعتقدون أن حياة المسيحي بحياة مائة هندي أحمر (١).

стр. 5711

ورغم كل الإحسان الذي قدمه لهم المسلمون إلا أنهم لم يفوتوا فرصة للخيانة إلا وانتهزوها وخانوا المسلمين وهذه بعض الأمثلة من التاريخ ١ - خيانتهم في الأندلس: عندما فتح المسلمون الأندلس كان أهلها من النصارى، وبعضهم من اليهود لم يعاملهم المسلمون معاملة الفاتح المتجبر الذي يستبيح الديار، والأعراض، ولم يكرههم على ترك دينهم إنما ترك لهم حرية الاعتقاد، وقامت دولة الإسلام في الأندلس بقوة، وتمكن خاصة في عهد الدولة الأموية، عبد الرحمن الداخل، ومن جاء بعده، وكان النصارى المعاهدون قد أصبحوا أقلية بسبب إسلام معظم أهل الأندلس بعد الفتح اختيارًا لا إجبارًا، وكانوا يعيشون آمنين مطمئنين على دارهم وأعرضهم ومالهم في ظل الحكومة الإسلامية، وكانوا يستوطنون القواعد الأندلسية الكبرى مثل قرطبة، وإشبيلية، وطليطلة، وبلنسي، وسرقسطة، ويتمتع النابهون من أبنائهم بعطف الخلفاء، وثقتهم، وتقديرهم. فلما سقطت دولة الخلافة الأموية بالأندلس، وقامت دولة الطوائف المشؤومة على الإسلام والمسلمين. طرأ تغيير ملحوظ على أحوال النصارى المعاهدين حيث تمتعوا بحرية مطلقة في كل شيء أكبر من الأول بكثير، واعتنى ملوك الطوائف بالآخر بشدة، وأولوهم رعاية فائقة، وبذلوا جهودًا كبيرة في تأمينهم، وحمايتهم، وكسب مودتهم، وإن ملوك قرطبة، وإشبيلية، وسرقسطة يتسابقون في العطف على، وكانت بواعث هذه السياسة الودية، واضحة؛ ذلك لأن أسبانيا النصرانية في تلك المرحلة كانت بدأت تتفوق على الأندلس المسلمة، وبدأت تشن ما يسمى بـ (حرب الاسترداد)، وكان ملوك الطوائف يشعرون في المعاهدين أنهم مكمن للخطر، والدسائس، وكان بنو عباد ملوك قرطبة أكثر الناس تسامحًا معهم، وبلاط بني عباد يغص بالنصارى، واليهود، وعلى شاكلته كان باقي الملوك فهذا (عبد اللَّه بن بلقين) يصطنع النصارى، ويعتمد على الفرسان النصارى، ويتخذهم نصحاء، وأمناء، ووزراء يعاونوه في حربه ضد المسلمين! ، وهذا ابن هود نكبة

стр. 5712

الإسلام في شمال شرق الأندلس كان أكبر ملوك الطوائف تسامحًا نحوهم، وكان هو السبب، وراء بطولة الفارس الصليبي الشهير (الكمبيادور). هذه كانت حالهم في ظل حكم المسلمين بالأندلس رفاهية، وأمان، ورعاية، وحماية، ووزارة، وبطانة، وكلها أمور يجب أن تجعل ولاءهم الأول لهذا الحكم، وهذا المجتمع، ولكن كيف كان رد فعلهم تجاه كل هذه المزايا، والنعم؟ كان النصارى المعاهدون بالرغم من هذه الرعاية، والحماية، ، وهذا التسامح الكبير من جانب ملوك الطوائف لم يشعروا أبدًا أنهم جزء من المجتمع المسلم، ولم يشعروا قط بعاطفة من الولاء نحو تلك الحكومة المسلمة التي كانت تبذل وسعها لحمايتهم واسترضائهم بل لبثوا دائمًا على ضغنهم، وخصومتهم لها، وتبصرهم بها ينتهزون أية فرصة للإيقاع بها، وممالأة ملوك أسبانيا النصرانية، ومعونتهم بكل وسيلة على محاربتها، وتسهيل مهمتهم في غزوها، والتنكيل بها، والأمثلة على ذلك كثيرة منها: أ- حصار قلمرية سنة ٤٥٦ هـ: وفيه قام النصارى المعاهدون، وقد كانوا كثرة في هذه المنطقة بدور بارز في معاونة الجيش الأسباني الصليبي، وقام رهبان دير (الورفان) القريب من قلمرية بمؤنهم المختزنة بإمداد الجيش الصليبي دلوهم على عورات المدينة حتى سقطت بيد الصليبيين. ب- سقوط طليطلة سنة ٤٧٨ هـ: دأب النصارى في طليطلة على تدبير الدسائس، وبث الفتن، والاضطرابات داخل المدينة، والاتصال المستمر بألفونسو الصليبي زعيم صليبي أسبانيا، ومؤازرة الناقمين من المسلمين الأغبياء ضد الحكومة القائمة، والعمل على تحطيم كل جبهة حقيقية للمقاومة، ولعبو دورهم على أكمل وجه حتى سقطت طليطلة بيد ألفونسو الصليبي سنة ٤٧٨ هـ. ج- غزوة الأندلس الكبرى ٥١٩ هـ: هذه الغزوة تمثل قمة الاجتراء، والخيانة، وذروة نكران الجميل من جانبهم عندما قام النصارى المعاهدون باستدعاء (ألفونسو الأرجوني)

стр. 5713

المعروف بالمحارب، وكان أخوي ملوك الصليبيين، وقتها لغزو الأندلس، واحتلالها، ووعدوه بانضمام عشرات الألوف منهم، وأرسلوا له بأسمائهم في عرايض لضمان ولائهم، ووعدوه بالمساعدة بالذخائر، والمؤن، والأرواح، والدماء، وبالفعل قام ألفونسو المحارب بغزوته الشهيرة، واخترق قواعد الأندلس يعيث فيها فسادًا، وجنود النصارى ينضمون إليه أثناء سيره يدلونه على المسالك، والطرق، ومداخل البلاد، ولكن بفضل اللَّه وحده فشلت تلك الغزوة الجريئة، وعاد ألفونسو خائبًا فما كان من النصارى إلا أن شعرو بخطورة موقفهم ففرو في صحبة (ألفونسو) وتركو ديارهم وأهلهم. بالجملة كان النصارى في الأندلس نكبة على البلاد، والعباد، ورغم كل ما لاقوه من عون، ورعاية، وحماية من الحكومات الإسلامية، وكانوا طابورًا خامسًا للأعداء، وهذا ما أقر به مؤرخو الصليبيين أنفسهم فهذا الأستاذ (بيدال) يقول (إن نجم المعاهدين قد بزغ ثانية عقب انحلال الدولة الأندلسية، وقيام دول الطوائف الضعيفة، واستطاعوا أن يؤدوا خدمات جليلة لقضية النصرانية، والاسترداد النصراني)، بل إن الحرية الممنوحة لهم دفعتهم للتطاول على المسلمين، وأصلهم كما نرى من الرسالة الشهيرة التي كتبها (ابن جرسيا) في تفضيل العجم على العرب سنة ٤٥٠ هـ، وهي رسالة تفيض تحاملًا ضد الجنس العربي، وتنوه بوضاعة منبته، وخسيس صفاته، وحقارة عيشه، وميوله وانغماسه في شهوات الجنس، وتشيد بالعكس بصفات العجم (كل من ليس عربي)، وترفعهم عن الشهوات الدنية، وتبحرهم في العلوم، وغير ذلك، مما يوضح نتاج سياسة التسامح، واللين معهم، والجدير بالذكر أن خياناتهم، وجرائمهم المتكررة دفعت فقهاء المسلمين لئن يحملوا الحكام على عقابهم كما حدث من كبير فقهاء الأندلس (ابن رشد الجد) عندما أصدر فتوى بوجوب تغريب المعاهدين من الأندلس إلى المغرب، وذلك سنة ٥٢١ هـ، في عهد أمير المسلمين علي بن يوسف.

стр. 5714

٢ - صورة أخرى عن دورهم مع التتار في دمشق في مقابلة الإحسان، والتسامح، والعدل الإسلامي: دائمًا يذكر المؤرخون أن سبب خروج التتار على بلاد المسلمين كان بسبب ما وقع بين جنكيز خان ملك التتار وعلاء الدين خوارزم ملك المسلمين وقتها، ولكن السبب الحقيقي الذي ذكره المحققون من المؤرخين هو الكيد الصليبي الذي خاف من إسلام قبائل التتر باحتكاكهم مع المسلمين كما حدث لأبناء عمومتهم من الترك مثل السلاجقة والتركمان، والذي لو وقع لأصبح المسلمون قوة لا يقف أمامها أحد فعمل الصليبيون على إرسال الرسل للتتار يحسنوا فيها لهم غزو بلاد الإسلام، وغلّاتها، ومنتجاتها وخيراتها، وحمالها، وكان سلاح النساء النصرانيات يعمل بقوة في التتار عندما دخلوا على شكل خليلات، وعاهرات. المهم خرج التتار كالجراد المنتشر الذي يأكل الأخضر واليابس، ولا يذر شيئًا حتى تمكنوا من إسقاط الخلافة العباسية سنة ٦٥٦ هـ، وواصلوا زحفهم حتى وصلوا إلى دمشق في شهر صفر سنة ٦٥٨ هـ، وجعلوا على المدينة واليًا من قبلهم رجلًا اسمه (إبل سيان)، وكان معظمًا لدين النصارى، وهذا يوضح أثر الصليبيين على التتر منذ البداية، فاجتمع هذا الشقي بأساقفة، وقساوسة النصارى الذين كانوا يمثلونهم في هذا الوقت، وعظمهم جدًّا، وزار كنائسهم، وذهب طائفة من النصارى إلى هولاكو، وأخذوا معهم هدايا، وتحفًا، وقدموا من عنده، ومعهم أمان فرمان من جهته، ودخلوا من باب (توها)، ومعهم صليب منصوب يحملونه على رؤوس الناس، ومن ينادون بشعارهم، ويقولون (ظهر الدين الصحيح دين المسيح) ويذمون دين الإسلام وأهله، ومعهم أواني الخمر لا يمرون على باب مسجد إلا رشوا عنده خمرًا، ويرشون منها على وجوه الناس، وثيابهم، ويأمرون كل من يجتازون به في الأزقة، والأسواق أن يقوم لصليبهم، ووقف خطيبهم إلى دكة دكان في السوق فمدح دين النصارى، وذم دين الإسلام، وأهله ثم دخلوا كنيسة مريم، وأخذوا في ضرب النواقيس ابتهاجًا بما فعلوه، وكان في نيتهم إن طالت مدة

стр. 5715

التتار أن يخربوا كثيرًا من المساجد، وغيرها، ولما وقع هذا في البلد اجتمع قضاة المسلمين، والشهود، والفقهاء فدخلوا القلعة يشكون هذا الحال إلى متسلمها إبل سيان فأهينوا، وطردوا، وقدم كلام رؤساء النصارى عليهم، وكان هذا فصلًا آخر من فصولهم عندما يجدون فرصة للتنفيث عن مكنونات صدرهم ودفائن حقدهم. (١) ٣ - وهذه صفحة جديدة تصف النصارى، ودورهم في الحملة الفرنسية على مصر: وفي مصر كان لهم جولة، وجولات تطفح بمدى خيانتهم لمن أحسن إليهم من المجتمعات المسلمة التي ظلوا في حمايتها قرونًا عديدة، ولكن أبرز هذه الخيانات وأخس هذه الأدوار ما كان منهم عندما احتل الفرنسيون مصر سنة ١٢١٣ هـ بدافع صليبي مغلف بدوافع اقتصادية، وتجارية، وسياسية، وجدوا أمامهم معارضة شعبية إسلامية قوية، وصامدة من مسلمي مصر، فقرروا الاستفادة من وجود النصارى بالديار المصرية، ولعبوا على وتر العقيدة الصليبية عندهم ونجح الفرنسيون في استثارتهم، وجندوا العناصر النصرانية المصرية التي طالما عاشت، وترعرعت آمنة مطمئنة بأرض مصر، ، وكان وفر الخيانة منهم وقتها ممثلًا في شخصية المعلم (يعقوب حنا) الذي يعد أبرز من خانوا بلادهم في المجتمع الحديث حيث قام هذا الصليبي الخائن بتكوين فرق عسكرية من النصارى المصريين، وقام الضباط الفرنسيون بتدريبهم على نظم أوروبا العسكرية، وتزويدهم بالأسلحة الحديثة لمساعدتهم في قمع الثورات الشعبية، وقد منحه الفرنسيون رتبة (جنرال)، ولقب القائد العام للفيالق القبطية بالجيش الفرنسي. وقد استطاعت القوات الفرنسية بمعاونة ميليشيات يعقوب القبطي من قمع ثورة القاهرة الأولى سنة ١٢١٣ هـ، وثورة القاهرة الثانية سنة ١٢١٤ هـ، وقد أباح الكلب (كليبر) للمعلم يعقوب القبطي أن يفعل بأهل القاهرة ما يشاء بعد أن قمع ثورة القاهرة الثانية، فقام بإحراق الدور، ونهب الأموال، وتهديم المساجد، وانتهك الأعراض، ووقع

стр. 5716

منه من المنكرات، والأحقاد ما يعجز القلم عن وصفه، وكانت أفعال يعقوب بن حنا النصراني، وفرقته النصرانية العسكرية بداية لما عرف في التاريخ المصري باسم الفتنة الطائفية، والعجيب أنه صار بعد ذلك قديسًا يقام له بأرض مصر مولدًا، واحتفالًا بذكراه في الجهاد ضد المسلمين، ولكن العجيب من ذلك موقف المؤرخين النصارى المعاصرين حيث يثنون على ما قام به هذا الخائن الصليبي، فهذا هو الكاتب الصليبي الشهير د. لويس عوض المعروف بكراهيته الشديدة للإسلام يقول: إن الدور الذي قام به المعلم يعقوب حنا مع الفرنسيين ضد العثمانيين يعتبر تعاونًا يستحق بموجبه أن يقام له تمثال من ذهب في أكبر ميادين القاهرة، ويكتب عليه أنه أول من نادى باستقلال مصر في العصر الحديث. ٤ - وهذا دور جديد من أدوار الخيانة يبدو في هدم الخلافة العثمانية: ونحن هنا قد وصلنا للدور الأروع، والأفظع، والجريمة الأشنع التي قام بها أهل الذمة رغم ما أحسن إليهم الإسلام في شريعته وفي تطبيق هذه الشريعة عليهم ورغم ما عاشوا وترعرعوا في هذه دولته، وهو الذي قام به اليهود والنصارى من رعايا الدولة العثمانية، حيث كانت أوروبا الصليبية في حربها ضد الدولة العثمانية حريصة على تمزيق الدولة بإثارة الفتن، وتفجير الثورات الدينية الداخلية، وكانت أدواتهم في ذلك، وسلاحهم الشرير في تنفيذ مخططهم الآثم هو (الآخر) اليهود، والنصارى، رغم ما كان يلقاه (الآخر) من عناية، ورعاية، وعطف من سلاطين الدولة العثمانية حتى إن كثيرًا من هؤلاء السلاطين قد تزوجوا من نسائهم ولربما يضطلع اليهود بالدور الأكبر في هدم الخلافة العثمانية، ولكن هذا لا يقلل دور النصارى في إثارة الفتن، والقلاقل، وكان القساوسة، ورجال الدين على صلات، وثيقة بزعماء الدول الأوروبية، وخصوصًا روسيا، وهذا يتضح من نص الوثيقة التاريخية الهامة التي أرسلها بها البطريرك (جريجوريوس) إلى قيصر روسيا يبين له فيها كيفية هدم الدولة العثمانية من الداخل، التي يركز فيها على كيفية

стр. 5717

تحطيم الروح الإيمانية، والمعنوية للمسلمين، وتمزيق الروابط التي تجمعهم نحو النصر (عقيدة الولاء والبراء). ولنعرض لدور طرفي اليهود والنصارى في هدم الخلافة العثمانية: أولًا: دور النصارى في هدم الخلافة العثمانية: كانت الدولة العثمانية تنظر إلى رعاياها النصارى على أنهم جزء من نسيج هذه الدولة يتولون المناصب ويشتركون في المعارك، وينعمون بالأمن، والأمان، والرفاهية التامة، وازداد نفوذهم مع تدهور الدولة العثمانية، وانتشار الأفكار التغريبية، خاصة من بداية عهد السلطان محمود الثاني المتوفى سنة ١٨٣٩ م - ١٢٥٥ هـ والذي فتح المجال على مصراعيه للنصارى، ومسخ عقيدة الولاء والبراء تمامًا، فها هو يقول في إحدى خطبه: إني لا أريد ابتداءً من الآن أن يميز المسلمون إلا في المسجد، والمسيحيون إلا في الكنيسة، واليهود في المعبد، إني أريد ما دام يتوجه الجميع نحوي بالتحية أن يتمتع الجميع بالمساواة في الحقوق. لذلك نعمت النصرانية في عهده بحرية تامة جدًّا، ثم جاء من بعد السلطان عبد المجيد الأول المتوفى عام ١٨٦٠ م - ١٢٧٧ هـ، وكان شابًا في السادسة عشر فعبث برأسه المفتونون بالغرب، وعلى رأسهم (مصطفى باشا رشيد) الذي أصدر (خط شريف جلخانة) الذي ينص على المساواة في الحقوق والواجبات بين المسلم، وغير المسلم، ثم أتبعه بالخط الهمايوني الأكثر انحلالًا، والذي ينص على ٨ نقاط ترشح، وتؤكد على المساواة بين المسلم، وغير المسلم في كافة الحقوق، والواجبات، وتكتب شهادة بوفاة عقيدة الولاء والبراء عند هؤلاء القوم، ورغم كل هذه الحريات التي تصل لمرحلة التمييع الشديد، والطمس الكامل لعقيدة الولاء والبراء كيف جاء رد فعل الآخر على هذه التنازلات؟ وهل شعر أنه جزء من هذا الوطن الذي لا يفرق بينه، وبين غيره؟ الجواب: لا، فالنصارى دأبوا على التحريض، والثورات، ويتضح ذلك جليًا في ثورة اليونان الكبيرة سنة ١٨٢١ م - ١٢٣٧ هـ في عهد محمود الثاني الذي فتح الباب للنصارى على مصراعيه، وفي هذه الثورة كان النصارى يهاجرون من بلادهم إلى اليونان للاشتراك في ثورتها ضد الدولة العثمانية،

стр. 5718

وتسببت تلك الثورة في إضعاف الدولة العثمانية وتنازلها لروسيا عن الكثير من الموانئ والبلاد، وانفصال الشام ومصر تحت حكم العميل محمد علي باشا. ويتضح أيضًا هذا الدور من ثورات النصارى الدائمة بأرمينيا وجورجيا الذين كانوا يرون دائمًا في الدولة العثمانية عدوًا أبديًا يجب التخلص منه. ويتضح أيضًا هذا الدور في المحافل الماسونية التي دخلت بلاد الإسلام مع الحملة الفرنسية على مصر ١٢١٣ هـ، حيث كانت معظم هذه المحافل مكونة من النصارى، ومنها انبسقت الأفكار العلمانية والقومية فنجد أن فكرة القومية العربية التي وضعت أصلًا لضرب الولاء والبراء بين المسلمين نشأت ببيروت على يد رجال أمثال بطرس البستاني، وإبراهيم اليازجي، وغيرهم من رجال (الآخر) المشهورين. دور اليهود في هدم الخلافة العثمانية: إن كان للنصارى دور كبير في هدم الخلافة العثمانية فإن اليهود هم أصحاب الدور الأكبر، والأخبث في تلك المهمة القذرة؛ ذلك لأن النصارى كانوا يعتمدون سياسة الثورة والقوة التي تهدف لتحطيم الدولة عسكريًا، أما اليهود فقد كانوا يعملون في الخفاء وينخرون في جسد الأمة كالسوس يقفون بالمرصاد أمام محاولات الإحياء، والصحوة، ويروجون لكل المنظمات، والأفكار الهدامة التي من شأنها على المدى البعيد أن تقوض هذا الملك الكبير، هذا رغم كبير الجميل الذي قام به العثمانيون تجاه اليهود؛ ذلك لأنه في عهد سليمان القانوني المتوفى سنة ٩٧٤ هـ، وقعت محنة محاكم التفتيش بالأندلس للمسلمين، واليهود، وتشرد من اليهود مئات الألوف، وهاموا على وجوههم، ورفضت كل البلاد استقبالهم لسابق سوء صنيعهم، وسمعتهم الشهيرة في الفساد، والشر، وكان سليمان متوجًا من امرأة يهودية كالأفعى اسمها (روكسلان) ظلت تستعطف سليمان ليتقبل اليهود ببلاده حتى وافق وأذن لهم بالاستيطان بالبلاد العثمانية، فاستوطنوا الأناضول خاصة (إزمير، سلانيك، أدرنة)، وتمتعوا بقدر كبير من

стр. 5719

الاستقلال الذاتي، وتولوا المناصب، واقتنوا الثروات، وعاشوا في حرية ورفاهية تامة، فماذا كان رد فعلهم؟ وكيف تعاملوا مع دولتهم ومجتمعهم؟ أخذ اليهود في إنشاء جماعة خاصة بهم غرضها إفساد عقائد المسلمين والدعوة لتجميع اليهود من شتى أنحاء العالم لاتخاذ القدس مقرًا لهم وهؤلاء المعروفين (يهود الدونمة) وداعيتهم (شتباي زيفي) الذي ادعى النبوة، وذاع أمره بأوروبا، والشام، ومصر، وجاءته وفود اليهود لتبايعه، ولما أخذته الدولة العثمانية لتعاقبه ادعى الإسلام، وأظهر أنه مسلم، وسمى نفسه (محمد البواب)، وطلب من الدولة أن تأذن له في الدعوة للإسلام بين اليهود، وظل (شتباي زيفي) على يهوديته في الباطن يمارس العمل للصهيونية في الخفاء، ويظهر الإخلاص للإسلام في العلن، ويعتبر ضرته (يهود الدونمة) سياسته موجهة ضد الدولة العثمانية أكبر من كونها حركة دينية، وكان لها إسهامات عديدة في هدم الخلافة عن طريق: أ- هدم القيم الإسلامية في المجمع العثماني المسلم، والعمل على نشر الإلحاد، والأفكار الغربية، والدعوة للعري، والاختلاط بين الرجال، والنساء خاصة في المدارس والجامعات. ب- قام يهود الدونمة بدور فعّال في نصرة القوى المعادية للسلطان عبد الحميد، والتي تحركت من (سلانيك) لعزله، وهم الذين سمموا أفكار الضباط للشباب، وتغلغلوا داخل صفوف الجيش. ج- قام اليهود بالتأثير في جمعية الاتحاد والترقي، تحكموا فيهم، وحركوهم كالدمى حتى ينفذوا مخططهم الشرير في عزل عبد الحميد، وتطبيق الدستور العلماني. د- أسسوا المحافل الماسونية داخل الدولة العثمانية، واستخدموا شعارات خادعة مثل الحرية، ومكافحة الاستبداد، ونشر الديمقراطية لاجتذاب البسطاء، وترويج الأفكار الهدامة. ويعتبر (شتباي زيفي) والذي هلك سنة ١٦٧٨ م - ١٠٦٧ هـ، أول من نادى باتخاذ فلسطين وطن قومي لليهود، ويعتبر المؤسس الحقيقي للصهيونية العالمية، وذلك قبل

стр. 5720

(تيودور هيرتزل) بثلاثة قرون، ويكفي أن نعرف أن (مصطفى كمال) ينتسب إلى هذه الطائفة اليهودية الخبيثة لندرك مدى دورهم في تحطيم الخلافة العثمانية. ويعتبر اليهودي (موئيز كوهين) مؤسس الفكر القومي الطوراني، وكتابه في القومية الطورانية هو الكتاب المقدس للسياسة الطورانية التي قوضت الخلافة العثمانية، وأحبطت فكرة الجامعة الإسلامية، واليهود ويؤكدون على دورهم في تحطيم الخلافة العثمانية بإرسال أحد كبار اليهود، وهو (إيمانويل قراصو) وهو من قادة الاتحاد، والترقي ليسلم السلطان عبد الحميد قرار عزله كنوع من التشفي، والانتقام، وإظهار عاقبة رفض عبد الحميد لطلبهم باستيطان فلسطين. هذه كانت جولة سريعة في أحداث التاريخ السابقة التي ربما تكون غائبة عن ذهن المسلمين الآن كعادتهم مع تاريخهم التليد، وضحنا فيها موقف أهل الذمة من المسلمين الذين طالما أحسنوا إليهم. أما واقعنا الحاضر وتاريخنا القريب فهو مليء أيضًا بالمواقف التي تبرهن لنا على حقيقة موقف الآخر في مجتمعه المسلم نذكر منها رؤوس أقلام للتذكرة والتنبيه: - ما جرى منهم في بلاد البوسنة، والهرسك، والمجازر البشعة التي ارتكبت في حق المسلمين لا لشيء إلا لأنهم أرادوا أن يكون لهم دولة خاصة ترفع شعار الإسلام. - ما جرى منهم في بلاد كوسوفا ومقدونيا. - ما جرى منهم في الشيشان. - ما جرى منهم في جنوب السودان وجنوب نيجيريا وساحل العاج وأثيوبيا وإريتريا. - ما جرى منهم في لبنان وخيانة الآخر الكبيرة بتكوين جيش صليبي بقيادة أنطوان الدحداح. وما زالت دماء المسلمين تراق كل يوم وليلة في شتى بقاع الأرض على يد اليهود والنصارى والذين نعموا مئات السنين تحت حكم الإسلام.

стр. 5721

مما سبق عرضه من تلك الدراسة التاريخية الموجزة، والعرض السريع لأحداث التاريخ القديم والمعاصر يتضح لنا أن إعطاءهم الجزية عن يد وهم صاغرون بجريان أحكام الإسلام عليهم هو السبيل الأوحد للأمن، والأمان، والسلام في العالم. أما سيادة هؤلاء فليس فيها إلا الدماء، والأشلاء لمن لم يوافقهم حتى لو كان من أهل ملتهم ولا تزال جعبة التاريخ مليئة لمن أراد أن يستفرغ منها ما يدلل بها سلامة المنهج الإسلامي في التعامل مع الآخر، وعلى فشل الآخر في حسن التعامل مع غيره (١). * * *

стр. 5722

٨ - شبهة: المؤلفة قلوبهم . نص الشبهة: هل الأموال التي تدفع للمؤلفة قلوبهم عبارة عن أموال تقدم إلى هؤلاء تطميعًا لهم للدخول في دين الإسلام؟ . والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: أقوال العلماء في معنى المؤلفة قلوبهم، والحكمة من إعطائهم من أموال الزكاة . الوجه الثاني: هل حكم المؤلفة قلوبهم باق بعد ظهور الإسلام أم نسخ؟ . وإليك التفصيل الوجه الأول: أقوال العلماء في معنى: المؤلفة قلوبهم، والحكمة من إعطائهم من أموال الزكاة. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٦٠). قال الطبري: والصواب من القول في ذلك عندي: أن اللَّه جعل الصدقة في معنيين: أحدهما: سدُّ خَلَّة المسلمين، والآخر: معونة الإسلام وتقويته. فما كان في معونة الإسلام وتقوية أسبابه؛ فإنه يُعطاه الغني والفقير؛ لأنه لا يعطاه من يعطاه بالحاجة منه إليه، وإنما يعطاه معونةً للدين، وذلك كما يعطى الذي يُعطاه بالجهاد في سبيل اللَّه، فإنه يعطى ذلك غنيًّا كان أو فقيرًا للغزو لا لسدّ خلته، وكذلك المؤلفة قلوبهم يعطون ذلك وإن كانوا أغنياء، استصلاحًا بإعطائهموه أمرَ الإسلام وطلبَ تقويته وتأييده، وقد أعطى النبي ﷺ مَنْ أعطى مِنْ المؤلفة قلوبهم، بعد أن فتح اللَّه عليه الفتوح، وفشا الإسلام وعز أهله، فلا حجة لمحتجّ بأن يقول: لا يتألف اليوم على الإسلام أحد لامتناع أهله بكثرة العدد ممن أرادهم، وقد أعطى النبي ﷺ من أعطى منهم في الحال التي وصفت (١).

стр. 5723

وقال ابن كثير: المؤلفة قلوبهم أقسام: منهم من يعطى ليُسلم، كما أعطى النبي ﷺ صفوان بن أمية من غنائم حنين، وقد كان شهدها مشركًا، حتى قال: أعطاني رسول اللَّه ﷺ يوم حنين، وإنه لأبغض الناس إليّ، فما زال يعطيني حتى صار، وإنه لأحب الناس إليّ (١). ومنهم من يُعْطَى ليحسُن إسلامه، ويثبت قلبه، كما أعطى يوم حنين أيضًا جماعة من صناديد الطلقاء وأشرافهم: مائة من الإبل، وقال: "إني لأعطي الرجل وغيره أحبُّ إليّ منه، مخافة أن يَكُبَّه اللَّه على وجهه في نار جهنم". (٢) وقال البغوي: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ فالصنف الرابع من المستحقين للصدقة هم: المؤلفة قلوبهم، وهم قسمان: قسم مسلمون، وقسم كفار. فأما المسلمون فقسمان: قسم دخلوا في الإسلام ونيتهم ضعيفة فيه، فكان النبي ﷺ يعطيهم تألفًا كما أعطى عيينة بن بدر، والأقرع بن حابس، والعباس بن مرداس، أو أسلموا ونيتهم قوية في الإسلام، وهم شرفاء في قومهم مثل: عدي بن حاتم، والزِّبْرِقان بن بدر، فكان يعطيهم تألفًا لقومهم، وترغيبًا لأمثالهم في الإسلام، فهؤلاء يجوز للإمام أن يعطيهم من خمس خمس الغنيمة، والفيء سهم النبي ﷺ ، وكان النبي ﷺ يعطيهم من ذلك ولا يعطيهم من الصدقات. والقسم الثاني من مؤلفة المسلمين: أن يكون قوم من المسلمين بإزاء قوم كفار في موضع مُتَنَاطٍ لا تبلغهم جيوش المسلمين إلا بمؤنة كثيرة، وهم لا يجاهدون إما لضعف نيتهم أو لضعف حالهم، فيجوز للإمام أن يعطيهم من سهم الغزاة من مال الصدقة، وقيل: من سهم المؤلفة، ومنهم قوم بإزاء جماعة من مانعي الزكاة يأخذون منهم الزكاة يحملونها إلى الإمام، فيعطيهم الإمام من سهم المؤلفة من الصدقات، وقيل: من سهم سبيل اللَّه.

стр. 5724

وأما الكفار من المؤلفة: فهو مَنْ يُخشى شره منهم، أو يرجى إسلامه، فيريد الإمام أن يعطي هذا حذرًا من شره، أو يعطي ذلك ترغيبًا له في الإسلام. فقد كان النبي ﷺ يعطيهم من خمس الخمس، كما أعطى صفوان بن أمية لِمَا يرى من ميله إلى الإسلام، أما اليوم فقد أعزَّ اللَّه الإسلام -فله الحمد-، وأغناه أن يُتَألَّف عليه رجال، فلا يُعطى مشرك تألفًا بحال، وقد قال بهذا كثير من أهل العلم: أن المؤلفة منقطعة وسهمهم ساقط. رُوي ذلك عن عكرمة، وهو قول الشعبي، وبه قال مالك والثوري، وأصحاب الرأي، وإسحاق بن راهويه. وقال قوم: سهمهم ثابت، يُروى ذلك عن الحسن، وهو قول الزهري، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي ثور، وقال أحمد: يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك. (١) وفي شرح الموطأ: وَأَمَّا المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ قَوْمٌ ذُو وَعْدٍ وَسَعَةٍ وَقُدْرَةٍ عَلَى الأَدَاءِ أَجَابُوا إِلَى الْإِسْلَامِ وَلم يَتَمَكَّنْ مِنْ نُفُوسِهِمْ؛ هَذَا الَّذِي قَالَهُ شُيُوخُنَا، وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ الْإِيمَانُ تَمَكَّنَ مِنْ نُفُوسِهِمْ غَيْرَ أَنَّ الطَّاعَةَ لِأَحْكَامِهِ لَا تَتَمَكَّنُ مِنْ نُفُوسِهِمْ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يستألفهم بِالْعَطَاءِ، وَيُحَبَّبُ إِلَيْهِمْ الْإِيمَانَ، وَيَكُفُّ بِهِ أَذِيَّتَهُمْ، وَقَدْ انْقَطَعَ هَذَا الصِّنْفُ لَمَّا فَشَا الْإِسْلَامُ وَكَثُرَ. (٢) وقال ابن حجر: والمراد بالمؤلفة: ناس من قريش أسلموا يوم الفتح إسلامًا ضعيفًا، وقيل: كان فيهم مَنْ لم يسلم بعد كصفوان بن أمية، وقد اختلف في المراد بالمؤلفة قلوبهم الذين هم أحد المستحقين للزكاة، فقيل: كفار يُعْطون ترغيبًا في الإسلام، وقيل: مسلمون لهم أتباع كفار ليتألفوهم، وقيل: مسلمون أول ما دخلوا في الإسلام ليتمكن الإسلام من قلوبهم، وأما المراد بالمؤلفة هنا فهذا الأخير لقوله في رواية الزهري في الباب: "فإني أعطى

стр. 5725

رجالًا حديثي عهد بكفر أتألفهم" ووقع في حديث أنس الآتي في - باب قسم الغنائم في قريش، والمراد بهم من فتحت مكة وهم فيها (١). الحكمة من إعطائهم: أُعْطُوا تَثْبِيتًا لإسلامهم، أو اسْتِكْفَاءً لِشَرِّهِمْ وَاسْتِعَانَةً لِلْمُجَاهِدِينَ المُحَارِبِينَ بِهِمْ كما قال ابن العربي، وقد تقدم، وقد ذكر ابن الجوزي جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم لحفظ العرض (٢). والنبي ﷺ قد كان يتألف قلوب أولئك القوم من الصدقات ومن غيرها (٣). فالعلة في إعطاء المؤلف من الزكاة ليست إعانته لنا حتى يسقط ذلك بفشوِّ الإسلام وغلبته، بل المقصود مِنْ دفعها إليه ترغيبه في الإسلام، وإنقاذ مهجته من النار، فبقاء سهم المؤلفة من أجل هذه الحاجة يعد وسيلة من وسائل الدعوة (٤). والخلاصة: أن النبي ﷺ كان يتألف قلوب بعض الناس بالعطاء دفعًا لشرهم، أو أملًا في نفعهم، أو رجاء هدايتهم (٥). الوجه الثاني: هل حكم المؤلفة قلوبهم باق بعد ظهور الإسلام أم نسخ ؟ والصحيح أن هذا الحكم غير منسوخ، وأن للإمام أن يتألف قومًا على هذا الوصف ويدفع إليهم سهم المؤلفة، لأنه لا دليل على نسخه البتة. (٦) وقد قيل: إنّ الصحابة أجمعوا على سقوط سهم المؤلّفة قلوبهم من عهد خلافة أبي بكر؛ حكاه القرطبي. ولا شكّ أن عمر قَطع إعطاء المؤلّفة قلوبهم -مع أنّ صنفهم لا يزال موجودًا-، رأى أنّ اللَّه أغنى دين الإسلام بكثرة أتْباعه، فلا مصلحة للإسلام في دفع

стр. 5726

أموال المسلمين لتأليف قلوب مَنْ لم يتمكّن الإسلام من قلوبهم، ومن العلماء من جعل فعل عمر وسكوتَ الصحابة عليه إجماعًا سكوتيًا، فجعلوا ذلك ناسخًا لبعض هذه الآية وهو من النسخ بالإجماع (١)، وفي عدّ الإجماع السكوتي في قوة الإجماع القولي نزاع بين أئمّة الأصول، وفي هذا البناء نظر كما علمت آنفًا. وقال كثير من العلماء: هم باقون إذا وُجدوا؛ فإنّ الإمام ربما احتاج إلى أن يستألف على الإسلام، وبه قال الزهري، وعمر بن عبد العزيز، والشافعي، وأحمد بن حنبل، واختاره عبد الوهاب، وابن العربي من المالكية؛ قال ابن العربي: الصحيح عندي أنّه إن قوي الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أعطوا (٢). وقال ابن القيم: فإن قيل: فلو دعت حاجة الإمام في وقت من الأوقات إلى مثل هذا مع عدوه هل يسوغ له ذلك؟ قيل: الإمام نائب عن المسلمين يتصرف لمصالحهم وقيام الدين، فإن تعين ذلك للدفع عن الإسلام والذب عن حوزته واستجلاب رؤوس أعدائه إليه ليأمن المسلمون شرهم - ساغ له ذلك، بل تعين عليه، وهل تُجَوِّزُ الشريعةُ غير هذا؟ فإنه -وإن كان في الحرمان مفسدة-، فالمفسدة المتوقعة من فوات تأليف هذا العدو أعظم، ومبنى الشريعة على دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، بل بناء مصالح الدنيا والدين على هذين الأصلين (٣). وقال محمد رشيد رضا: ومنهم: من يُخشى شره ويُرجى بإعطائه كفُّ شرهِ وشرِّ غيرهِ معه، ومنهم من دخل حديثًا في الإسلام فيعطى إعانةً له على الثبات على الإسلام. ومنهم: قوم من سادات المسلمين وزعمائهم لهم نظراء من الكفار إذا أعطوا رُجِيَ إسلام نظرائهم، واستشهدوا له بإعطاء أبى بكر ﵁ لعدي بن حاتم، والزبرقان بن بدر،

стр. 5727

ومنهم زعماء ضعفاء الإيمان من المسلمين مطاعون في أقوامهم ويرجى بإعطائهم تثبيتُهم، وقوةُ إيمانهم، ومناصحتُهم في الجهاد وغيره. ومنهم: قوم من المسلمين في الثغور وحدود بلاد الأعداء يُعْطون لما يُرجى مِنْ دفاعهم عمن وراءهم من المسلمين إذا هاجمهم العدو. ثم قال: وأولى منهم بالتأليف في زماننا قوم من المسلمين يتألفهم الكفار ليدخلوهم تحت حمايتهم أو في دينهم، فإننا نجد دول الاستعمار الطامعة في استعباد جميع المسلمين وفى ردهم عن دينهم - يخصصون من أموال دولهم سهمًا للمؤلفة قلوبهم من المسلمين، فمنهم من يؤلفونه لأجل تنصيره وإخراجه من حظيرة الإسلام، ومنهم من يؤلفونه لأجل الدخول في حمايتهم ومشاقة الدول الإسلامية والوحدة الإسلامية ككثير من أمراء جزيرة العرب وسلاطينها، أفليس المسلمون أولى بهذا منهم؟ ! ومنهم: قوم من المسلمين يُحتاج إليهم لجباية الزكاة ممن لا يعطيها إلا بنفوذهم وتأثيرهم إلا أن يقاتلوا، فيختار بتأليفهم وقيامهم بهذه المساعدة للحكومة أخف الضررين وأرجح المصلحتين، وهذا سبب جزئي قاصر، فمثله ما يشبهه من المصالح العامة (١). والحق: أن كلا الأمرين غير صحيح، فالنسخ لم يقع، والحاجة إلى تأليف القلوب لم تنقطع، ولا عجب أن يعطى كافر من صدقات المسلمين تأليفًا لقلبه على الإسلام، أو تمكينًا له في صدره، فإن هذا -كما ذكر القرطبي- ضرب من الجهاد، فالمشركون ثلاثة أصناف: صنف يرجع عن كفره بإقامة البرهان، وصنف بالقهر والسنان، وصنف بالعطاء والإحسان. والإمام الناظر للمسلمين يستعمل مع كل صنف ما يراه سببًا لنجاته وتخليصه من الكفر. (٢) وقد يكون ذلك بإعطاء مساعدات لبعض الحكومات غير المسلمة؛ لتقف في صف المسلمين، أو معونة بعض الهيئات والجمعيات والقبائل ترغيبًا لها في الإسلام، أو مساندة

стр. 5728

أهله، أو شراء بعض الأقلام والألسنة للدفاع عن الإسلام وقضايا أمته ضد المفترين عليه. كما أن الذين يدخلون في دين اللَّه أفواجًا كل عام لا يجدون من حكومات البلاد الإسلامية أي معاونة أو تشجيع، والواجب أن يُعْطوا من هذا السهم ما يشد أزرهم ويسند ظهرهم؛ كما جاء عن الإمام الزهري والحسن البصري. . . على حين تقوم الإرساليات التبشيرية باحتضان كل من يعتنق المسيحية وإمداده بكافة المساعدات المادية والأدبية. ولا عجب؛ فإن هذه الجمعيات التبشيرية المسيحية تمولها وتمدها مؤسسات، ودول بالملايين، وعشرات الملايين كل عام، وليس في دينهم ما في ديننا الإسلام من وضوح، وأصالة، وملائمة للفطرة السليمة والعقل الرشيد، ينشر نفسه بنفسه، في كثير من الأقطار، ولكن الذين يعتنقون الإسلام لا يجدون من الرعاية المادية والتوجيهية ما يمكنهم من التبصر في هذا الدين والانتفاع بهداه، ويعوضهم عن بعض ما قدموه من تضحيات، وما لقوه من اضطهاد من عشائرهم أو حكوماتهم. وكثير من الجمعيات الإسلامية في بلدان شتى تحاول أن تسد هذه الثغرة، ولكنها لا تجد المدد اللازم والعون الكافي. إن قارة كإفريقيا يدور فيها صراع سياسي ومذهبي رهيب، حيث تتنافس شتى القوى لكسب حكوماتها وشعوبها وزعمائها؟ فالتبشير الاستعماري، أو الاستعمار التبشيري من ناحية، والتسلل الصهيوني الإسرائيلي من ناحية ثانية، والتغلغل الشيوعي الماركسي من ناحية ثالثة. . . كلٌّ يريد أن يصبغ القارة بصبغته، أو يضمها إلى جانبه. والإسلام لا يجوز أن يقف مكتوف اليدين إزاء هذا التدخل أو التسلل أو التغلغل؛ لو كانت له دولة تتبنى رسالته، وتنشر دعوته، وتقيم شريعته في الأرض، لقد كان الإسلام في موقف الهجوم فأصبح اليوم في موقف الدفاع، فهو يُنتقص من أطرافه ويُغزي عقر داره. وبعد هذا كله فلسنا نحتم أن يكون كل ما يرصد لتأليف القلوب من الزكاة وحدها،

стр. 5729

فإن في موارد بيت المال الأخرى متسعًا للإسهام في هذا الشأن مع الزكاة أو الاستقلال به. وخاصةً إذا كان المستحقون للزكاة من الأصناف الأخرى أشد حاجة وأوفر عددًا، فهنا يعمل بما جاء عن الشافعي وغيره؛ وهو إعطاء المؤلفة من سهم المصالح، ومرد ذلك إلى رأى ولى الأمر العادل، وتقدير أهل الرأي، ومشورة أهل الشورى في الأمة (١). لقد جُبل الإنسان على حب المال ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ (العاديات: ٨) فبهذه الطريقة يفتح المرء قلبه للإسلام ويتدبره بجدية وهمة، فيقوى إيمانه وتعلقه بالدين بهذا التدبر والتفكر في الإسلام. . . وقد اعتاد الإنسان أن يصغي بقلبه وجوارحه لمن يعطيه ويكرمه، فتكون هذه فرصة حتى يصغي غير المسلم للإسلام فيهديه اللَّه إلى طريقه المستقيم. ومن الأمثلة على ذلك: عن ابن شهاب قال: غزا رسول اللَّه ﷺ غزوة -وذكر حنينًا- قال: فأعطى رسول اللَّه ﷺ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة. قال ابن شهاب: حدثنا سعيد بن المسيب أن صفوان قال: واللَّه لقد أعطاني ما أعطاني وإنه لأبغض الخلق إليّ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إليّ. (٢) فهذه أمثلة تدل على صحة ما وصلنا إليه. . . وأكبر دليل على ذلك أيضًا أن المنظمات التنصيرية تستخدم هذه الوسيلة كسبيل وحيد لإقناع الناس بالنصرانية بعد أن فشلت في ميدان الحجة والإقناع. . . فهذه المنظمات تقوم بتقديم العلاج والطعام للفقراء حتى يدخلوا في النصرانية، وتَعِد من يدخل منهم فيها بالمال، والمتع الحسية الدنيوية. . . فإن كان هذا مقبولًا في الإسلام الذي يدعو الناس لإقامة الدنيا والآخرة، ولإعمار الأرض والقلوب، ولا يحارب الأغنياء، فكيف يستساغ من دين يدعو إلى نبذ الدنيا ولا يدخل فيه الأغنياء الملكوت؟ !

стр. 5730

ولنا مما نشهد نماذج: فَيَعِدُونَ المسلم بالسفر للخارج، والزواج، وفرص العمل اللامعة، والمال الوفير. . . إلى آخر المتع الدنيوية الحسية، وهذا كله حتى يدخل في النصرانية رغم أن كل هذه المتع منبوذة في دينهم، وعبور الجمل من سم الخياط أيسر من دخول الغني في الملكوت. (١) * * *

стр. 5731

٩ - الرق في الإسلام . نص الشبهة: لو كان الإسلام صالحًا لكل عصر لما أباح الرق، وإن إباحته للرق لدليل قاطع على أن الإسلام قد جاء لفترة محدودة، وأنه أدى مهمته وأصبح في ذمة التاريخ، فكيف يريد الإسلام للناس أن ينقسموا أبدًا إلى سادة وعبيد؟ أو يرضى اللَّه للمخلوق الذي أكرمه إذ قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ أن يصير طائفة منه سلعة تباع وتشترى كما كان الحال مع الرقيق؟ وإذا كان اللَّه لا يرضى بذلك، فلماذا لم ينص القرآن صراحةً على إلغاءِ الرِّقِّ، كما نص على تحريم الخمر والميسر والربا وغيرها مما كرهه الإسلام؟ كذلك من استخدام الأمة كالزوجة بالاستمتاع بها. والرد على ذلك من وجوه الوجه الأول: تعريف الرق. الوجه الثاني: نظرة الإسلام للرق. الوجه الثالث: سبب الرق والحكمة منه. الوجه الرابع: انتشار الرق بكثرة قبل ظهور الإسلام، والأسباب المتعددة لهذا الانتشار. الوجه الخامس: إن الإسلام جعل الرقَّ مقصورًا على الحرب المشروعة فقط، فبذلك ضيَّق مورد الرِّق، وعمل على سَدِّ منابع الرق المختلفة. الوجه السادس: هناك أسباب كثيرة أوجدها الإسلام لتحرير الرقيق من قيود العبودية. الوجه السابع: المكاتبة أيسر طريق كي يتحرر العبد إذا أغلقت أسباب العتق أمامه. الوجه الثامن: ترغيب الإسلام في عتق الرقيق، والترهيب لمن استرق حرًا بغير حق. الوجه التاسع: حقوق الرقيق في الإسلام. الوجه العاشر: التسري والحكمة منه. الوجه الحادي عشر: حسن معاملة النبي ﷺ والمسلمين مع الرقيق والأسرى. الوجه الثاني عشر: أهمية الموالي في بناء الدولة الإسلامية.

стр. 5732

الوجه الثالث: لماذا لم يُحرم الإسلام الرق تحريمًا قطعيَّا، كتحريمه للخمر؟ الوجه الرابع عشر: الأرقاء المعاصرون قد يصلون إلى حالة أسوأ من الأرقاء الغابرين. الوجه الخامس عشر: الرق في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل: الوجه الأول: تعريف الرق . ١ - الِاسْتِرْقَاقُ لُغَةً: الإِدْخَال فِي الرِّقِّ، وَالرِّقُّ: كَوْنُ الآدَمِيِّ مَمْلُوكًا مُسْتَعْبَدًا. (١) وَلَا يَخْرُجُ الِاسْتِعْمَال الْفِقْهِيُّ عَنْ ذَلِكَ. فالرق في اللغة الضعف ومنه رقة القلب، والعتق ضده؛ لأنه قوة حكمية. فالرقيق هو المملوك كُلًا أو بعضًا، والقن: هو المملوك كُلًا، والرق: ضعف حكمي يصير الشخص به عرضة للتملك والابتذال. والملك: عبارة عن المطلق الحاجر؛ أي المطلق للتصرف لمن قام به الملك الحاجر عن التصرف لغير من قام به. وقد يوجد الرق ولا ملك ثمة: كما في الكافر الحربي في دار الحرب والمستأمن في دار الإسلام، لأنهم خلقوا أرقاء جزاء للكفر، ولكن لا ملك لأحد عليهم، وقد يوجد الملك ولا رق كما في العروض والبهائم؛ لأن الرق مختص ببني آدم، وقد يجتمعان كالعبد المشتري. (٢) ٢ - الأَسْرُ هُوَ: الشَّدُّ بِالإِسَارِ، وَالإِسَارُ: مَا يُشَدُّ بِهِ، وَقَدْ يُطْلَقُ الأَسْرُ عَلَى الأَخْذِ ذَاتِهِ. وَالسَّبْيُ هُوَ: الأَسْرُ أَيْضًا، وَلَكَنْ يَغْلِبُ إِطْلَاقُ السَّبْي عَلَى أَخْذِ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ. وَالأَسْرُ وَالسَّبْيُ مَرْحَلَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الِاسْتِرْقَاقِ فِي الجُمْلَةِ، وَقَدْ يَتْبَعُهَا اسْتِرْقَاق أَوْ لَا يَتْبَعُهَا، إِذْ قَدْ يُؤْخَذُ المُحَارِبُ، ثُمَّ يُمَنُّ عَلَيْهِ، أَوْ يُفْدَى، أَوْ يُقْتَل وَلَا يُسْتَرَقُّ. (٣)

стр. 5733

الوجه الثاني: نظرة الإسلام للرق . ١ - الرق مقيد للحرية التي هي الأصل، حيث خلق اللَّه الإنسان عليها . ففي قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾ والفك: هو حل القيد، والرق قيد، وسمى المرقوق رقبة، لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته وسمي عنقها. قال حسان: كم مِن أسيرٍ فككناه بلا ثَمنٍ ... وجَزّ ناصية كُنّأ مَواليها (١) فعتق الرقيق: هو الخروج من ذل الرق إلى كرم الحرية. ٢ - الرق يُشبه الموت من وجه: قال تعالى عن كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، فمن أخرج نفسًا مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسًا مثلها في جملة الأحرار؛ لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها، من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات، إذ الرق أثر من آثار الكفر، والكفر موت حكمًا، ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ ولذا منع من تصرف الأحرار. (٢) ٣ - الرق في الإسلام مجرد مسئولية توضع على العبد تجاه سيده، لا أنها سيطرة مطلقة من السيد على عبده: فعند النظر للحقوق التي أعطاها الإسلام للأرقاء -وهذا ما سيأتي بيانه- نرى أن العبد قد شارك الحر في كثير من الحقوق، بالإضافة إلى أنه قد كُفل له طعامه وشرابه وأمنه ومتطلباته في بيت سيده، وكأن العمل الذي يعمله في هذا البيت يتقاضى عليه؛ تلك الراحة التي كُفلت له.

стр. 5734

فهناك من الأحرار من يوضع عليهم مسؤوليات، بل وقيود تجاه أحرار مثلهم: فالجنود عليهم مسؤوليات تجاه القائد، وكذلك الرعية مع الحاكم: فعَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَة". (١) ولقد قال رسول اللَّه ﷺ : " ألا واستوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة". (٢) قال ابن الأثير: عوان عندكم أي: أُسَرَاء، أو كالأُسَراء. (٣) إنما هن عوان عندكم جمع عانية أي أسراء. كالأسراء: شبهن بهم عند الرجال لتحكمهم فيهن، فالعاني: الأسير، وكل من ذل واستكان وخضع فقد عنا يعنو، أو هو عان، والمرأة عانية، وجمعها عوان. ليس تملكون منهن شيئًا: أي شيئًا من الملك، أو شيئًا من الهجران؛ والضرب غير ذلك أي غير الاستيصاء بهن الخير (٤). ٤ - الحرية من الرق هي حرية صغرى، والإسلام يريد للناس الحرية الكبرى: فالحرية في الإسلام ليست مجرد الخروج من الرق. قال ابن تيمية: إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته فما استرق القلب واستعبده فهو عبده. ولهذا يقال: العبدحر ما قنع. . . والحر عبد ما طمع وقال الشاعر: أطعتُ مطامعي فاستعبدتني ... ولو أني قنعت لكنت حرًّا ويقال: الطمع غل في العنق قيد في الرجل، فإذا زال الغل من العنق زال القيد من الرجل. (٥)

стр. 5735

قال الأصفهاني: فالحرية ضربان: الأول: من لم يجر عليه حكم الشيء نحو: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ والثاني: من لم تتملكه الصفات الذميمة من الحرص والشره على المقتنيات الدنيوية، وإلى العبودية التي تضاد ذلك أشار النبي ﷺ بقوله: "تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار"، وقول الشاعر: ورقُّ ذوي الأطماع رق مخلد. وقيل: عبد الشهوة أذل من عبد الرق. والتحرير جعل الإنسان حرًا، فمن الأول: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ومن الثاني ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ قيل هو أنه جعل ولده بحيث لا ينتفع به الانتفاع الدنيوي المذكور في قوله : ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ بل جعله مخلصًا للعبادة، ولهذا قال الشعبي معناه مخلصًا. وقال مجاهد: خادمًا للبيعة، وقال جعفر: معتقًا من أمر الدنيا، وكل ذلك إشارة إلى معنى واحد، وحررت القوم أطلقتهم وأعتقتهم عن أسر الحبس، وحر الوجه ما لم تسترقه الحاجة، وحر الدار وسطها. (١) قال الرازي: وفي وجه آخر لتفسير قوله تعالى ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾: وهو أن يكون المراد أن يفك المرء رقبة نفسه بما يتكلفه من العبادة التي يصير بها إلى الجنة؛ فهي الحرية الكبرى، ويتخلص بها من النار (٢). قال الإمام ابن القيم: هربوا من الرق الذي خلقوا له ... فبلوا برق النفس والشيطان لا ترض ما اختاروه هم لنفوسهم ... فقد ارتضوا بالذل والحرمان. (٣) فمن ثمرات الشهادتين: تحرير القلب والنفس من الرق للمخلوقين، والاتباع لغير المرسلين (٤).

стр. 5736

الوجه الثالث: سبب الرق والحكمة منه . الحكمة من الرق: شُرِعَ جزاء للكفر الأصلي؛ لأن الكفرة لما استنكفوا أن يكونوا عبادًا للَّه جازاهم اللَّه بأن جعلهم عبيد عبيده. (١) وسبب الملك بالرق: هو الكُفر، ومحاربة اللَّه ورسوله. فإذا أقدر اللَّه المسلمين المجاهدين الباذلين مهجهم وأموالهم، وجميع قواهم، وما أعطاهم اللَّه لِتكون كلمة اللَّه هي العليا على الكفار -ومراعاة لقواعد الحرب الشرعية- جعلهم ملكًا لهم بالسبي. إلا إذا اختار الإمام المن أو الفداء، لما في ذلك من المصلحة على المسلمين (٢). الحكمة من الرق هو تمرد الكفار على ربهم فعاقبهم الحكم العدل اللطيف الخبير جلَّ وعلا عقوبة تناسب جريمتهم: وهذا الحكم من أعدل الأحكام، وأوضحها، وأظهرها حكمة؛ وذلك أن اللَّه جلَّ وعلا خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه، ويمتثلوا أوامره ويجتنبوا نواهيه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ (الذاريات: ٥٦ - ٥٧)، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة. كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم: ٣٤)، وفي الآية الأخرى في سورة النحل: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النحل: ١٨)، وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة ليشكروه، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ (النحل: ٧٨)، فتمرد الكفار على ربهم وطغوا وعتوا، وأعلنوا الحرب على رسله لئلا تكون كلمته هي العليا، واستعملوا جميع

стр. 5737

المواهب التي أنعم عليهم بها في محاربته، وارتكاب ما يسخطه، ومعاداته ومعاداة أوليائه القائمين بأمره. وهذا أكبر جريمة يتصورها الإنسان. فعاقبهم الحكم العدل اللطيف الخبير جلَّ وعلا عقوبة شديدة تُناسب جريمتهم. فسلبهم التصرف، ووضعهم من مقام الإنسانية إلى مقام أسفل منه كمقام الحيوانات، فأجاز بيعهم وشِراءهم، وغير ذلك من التصرفات المالية، مع أنه لم يسلبهم حقوق الإنسانية سلبًا كليًا. (١) ولو فرضنا وللَّه المثل الأعلى أن حكومة من هذه الحكومات التي تنكر الملك بالرق، وتشنع في ذلك على دين الإسلام، قام عليها رجل من رعاياها كانت تغدق عليه النعم، وتسدي إليه جميع أنواع الإحسان، ودبر عليها ثورة شديدة يريد بها إسقاط حكمها، وعدم نفوذ كلمتها، والحيلولة بينها وبين ما تريده من تنفيذ أنظمتها التي يظهر لها أن بها صلاح المجتمع، ثم قدرت عليه بعد مقاومة شديدة فإنها تقتله شر قتلة. ولا شك أن ذلك القتل يسلبه جميع تصرفاته وجميع منافعه. فهو أشد سلبًا لتصرفات الإنسان ومنافعه من الرق بمراحل. والكافر قام ببذل كل ما في وسعه ليحول دون إقامة نظام اللَّه الذي شرعه. ليسير عليه خلقه فينشر بسببه في الأرض الأمن والطمأنينة والرخاء والعدالة، والمساواة في الحقوق الشرعية، وتنتظم به الحياة على أكمل الوجوه وأعدلها وأسماها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ (النحل: ٩٠)، فعاقبه اللَّه هذه المعاقبة بمنعه التصرف. ووضع درجته وجريمته تجعله يستحق العقوبة بذلك. (٢) قال عبد اللَّه ناصح علوان: عندئذ لم يكن في وسع الإسلام أن يطلق سراح من يقع في يده من أسرى الأعداء، فليس من حسن السياسة أن تشجع عدوك عليك بإطلاق أسراه، بينما

стр. 5738

أهلك وعشيرتك وأتباع دينك يسامون الخسف والعذاب عند هؤلاء الأعداء، والمعاملة بالمثل هنا هي أعدل قانون تستطيع استخدامه في رد الاعتداء، بل هي القانون الوحيد (١). قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢)﴾ (الشورى: ٤٠ - ٤٢). أما عن قولهم، إذا كان الرقيق مسلمًا، فما وجه ملكه بالرق؟ مع أن سبب الرق الذي هو الكفر ومحاربة اللَّه ورسله قد زال ؟ فالجواب: أن القاعدة المعروفة عند العلماء وكافة العقلاء: أن الحق السابق لا يرفعه الحق اللاحق، والأحقية بالأسبقية ظاهرة لا خفاء بها. فالمسلمون عندما غنموا الكفار بالسبي؛ ثبت لهم حق الملكية بتشريع خالق الجميع، وهو الحكيم الخبير. فإذا استقر هذا الحق وثبت، ثم أسلم الرقيق بعد ذلك كان حقه في الخروج من الرق بالإسلام مسبوقًا بحق المجاهد الذي سبقت له الملكية قبل الإسلام، وليس من العدل والإنصاف رفع الحق السابق بالحق المتأخر عنه؛ كما هو معلوم عند العقلاء. نعم؛ يحسن بالمالك ويجمل به أن يعتقه إذا أسلم، وقد أمر الشارع بذلك ورغب فيه، وفتح له الأبواب الكثيرة كما قدمنا - فسبحان الحكيم الخبير (٢). من الأحرار من يطلب أن يعيش رقيقًا تحت راية الإسلام لما علموا من كرم أخلاقه: وجاء عن زيد بن حارثة لما أخذ أسيرًا وأهدته خديجة ﵂ لخدمته ﷺ وجاء أهله بالفداء يفادونه من رسول اللَّه ﷺ فقال لهم: "ادعوه وأخبروه فإن اختاركم فهو لكم بدون فداء" فقال زيد: واللَّه لا أختار على صحبتك أحدًا أبدًا فقال له أهله: ويحك أتختار الرق على الحرية فقال نعم؛ واللَّه لقد صحبته فلم يقل لي لشيء فعلته لم فعلته

стр. 5739

قط، ولا لشيء لم أفعله لم لم تفعله قط؛ ورجع قومه وبقي هو عند رسول اللَّه ﷺ فأخذ بيده وأعلن تبنيه على ما كان معهودا قبل البعثة (١). يقول جوستاف لوبون: الذي أراه صادقًا هو أن الرق عند المسلمين خير منه عند غيرهم، وأن حال الأرقاء في الشرق أفضل من حال الخدم في أوروبا، وأن الأرقاء في الشرق يكونون جزءًا من الأسرة. . . وأن الموالي الذين يرغبون في التحرر ينالونه بإبداء رغبتهم. . ومع هذا لا يلجئون إلى استعمال هذا الحق. (٢) الوجه الرابع: انتشار الرق بكثرة قبل ظهور الإسلام، والأسباب المتعددة لهذا الانتشار . في جزيرة العرب؛ فهناك طائفة لأسماء نصرانية خالصة تسمى بها نفر من الجاهلين قبل الإسلام، ومن بين هذه الأسماء ما كانت خاصة بطبقة الموالي الذين جلبوا من الخارج، وبيعوا في أسواق النخاسة، فحافظوا على أسمائهم القديمة التي تشير إلى أصولهم في النصرانية. (٣) وفي غير الجزيرة العربية: نرى أن الإسلام أول دين شرّع العتق. لقد حث على تحرير العبيد ولم يشرع الرق، لأن هذا كان موجودًا منذ أقدم العصور. (٤) فلقد جاء الإسلام والرق موجود ومنتشر وأسبابه متعددة، والإسلام لم يختص بالرق، ولم يُوجِدْه بداية، بل كان الرق منتشرًا في جميع أقطار الأرض قبل الإسلام؛ فالرق نظام قديم قدم المظالم والاستعباد والطبقية والاستغلال والحروب في تاريخ الإنسان، وكان له أسباب لديهم: * فأسباب الاستعباد متعددة: ١ - أمر مقرّ به في الحروب: بصرف النظر عن حظها من الشرعية والمشروعية، فالأسرى يتحولون إلى أرقاء، والنساء يتحولن إلى سبايا وإماء. (٥)

стр. 5740

٢ - العجز عن سداد الديون: كان يحوِّل الفقراء المدينين إلى أرقاء لدى الأغنياء الدائنين. إذ كان الفقر والدين يحمل الناس على بيع أبنائهم رقيقًا، وكان المدين يُسترق للدائن إن عجز عن السداد، وذلك معلوم مقرر في التوراة وكذلك في الأمصار النصرانية في عصر حكم الكنيسة الغابر؛ حتى صنفت الأدبيات تحكي هذه المآسي كشهيرة وليم شكسبير (تاجر البندقية). ٣ - الخطف: فالخطف، يتحول به المخطوفون إلى رقيق. وما انتشر الرق ذلك الانتشار الرهيب في قارات الدنيا إلا عن طريق هذا الاختطاف، بل كان المصدر الأعظم في أوربا وأمريكا في القرون الأخيرة. (١) فالاختطاف بالتلصص والقرصنة، والهجوم على المدن المسالمة بلا دعوة إلى اللَّه ولا دفع لضرر، وإنما بغرض الغدر والاستعباد والقتل المجرد. ٤ - من وجد أحدًا انقطعت به السُبل قد يتخذه رقيقًا: فإلى ذلك أشار إليه القرآن الكريم في قصة يوسف ﵇، فقال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا. . .﴾ (يوسف: ١٩ - ٢١). ٥ - ارتكاب الجرائم الخطيرة كالقتل والسرقة والزنا كان يحكم على مرتكبيها بالاسترقاق . وكان الاسترقاق من عقوبات السرقة عند العبرانيين القدماء، وعندما سئل إخوة يوسف عن جزاء السارق لصواع الملك ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ (يوسف: ٧٥). ٦ - الرق نظام طبقي في الدولة والإمبراطورية:

стр. 5741

ففي الحضارات القديمة كان الرق عماد نظام الإنتاج والاستغلال، وفى بعض تلك الحضارات كالفرعونية المصرية والكسروية الفارسية كان النظام الطبقي المغلق يحول دون تحرير الأرقاء، مهما توفرت لأي منهم الرغبة أو الإمكانات. فالفراعنة استعبدوا بني إسرائيل أبشع استعباد، حتى قتلوا أبناءهم، واستحيوا نساءهم. وفى بعض تلك الحضارات كالحضارة الرومانية كان السادة هم الأقلية الرومانية، وكانت الأغلبية في الإمبراطورية برابرة أرقاء، أو في حكم الأرقاء. . وللأرقاء في تلك الحضارات ثورات من أشهرها ثورة "اسبارتاكوس" (٧٣٧١ ق م). ٧ - نظام عقائدي: يعتقد الهنود أن الرقيق (المنبوذين) خلقوا من قدم الإله، ومن ثم فهم بخلقتهم حقراء مهينون، ولا يمكن أن يرتفعوا عن هذا الوضع المقسوم لهم إلا بتحمل الهوان والعذاب، عسى أن تنسخ أرواحهم بعد الموت في مخلوقات أفضل! وبذلك تضاف إلى لعنة الوضع السيِّئ الذي يعيشون فيه لعنة أخرى روحية تقضي عليهم أن يرضوا بالذل ولا يقاوموه. ٨ - سلطان الوالد على أولاده: كان ذلك يبيح للوالد أن يبيع هؤلاء الأولاد، فينتقلون من الحرية إلى العبودية. كما يحدث في أفريقيا الآن. ٩ - وبعضهم يعدون الفلاحين أرِقاء . ١٠ - استغلال أهل الأماكن التي تم اكتشافها: فالأوربيون -بعد أن اكتشفوا أمريكا- عاملوا الأمريكيين الأصليين أسوأ معاملة. ١١ - سلطان الإنسان على نفسه: كان يبيح له بيع حريته، فيتحول إلى رقيق. ١٢ - وكذلك النسل المولود من كل هؤلاء الأرقاء يصبح رقيقًا ، حتى ولو كان أبوه حرًا. (١) الوجه الخامس: إن الإسلام جعل الرق مقصورًا على الحرب المشروعة فقط: فبذلك ضيَّق مورد الرِّق، وعمل على سَدِّ منابع الرق المختلفة

стр. 5742

١ - لما جاء الإسلام عمل على سَدِّ منابع الرقِّ هذه ، وجعل الرقَّ مقصورًا على الحرب المشروعة. ثم فتح عدة مصارف شرعية للتخلُّص من الرق القائم، حيث لم يكُنْ موجودًا من أبواب العتق إلا إرادة السيد في أنْ يعتق عبده. ومع كثرة واتساع هذه الروافد التي تمد نهر الرقيق في كل وقت بالمزيد، والمزيد من الأرقاء، كانت أبواب العتق والحرية إما مؤصدة تمامًا، أو ضيقة عسيرة على الولوج منها. وأمام هذا الواقع، اتخذ الإسلام، إبان ظهوره، طريق الإصلاح الذي يبتغي تحرير الأرقاء، وإلغاء نظام العبودية، وطيّ صفحته من الوجود، لكن في "واقعية ثورية" إذا جاز التعبير. . فهو لم يتجاهل الواقع ولم يقفز عليه. . وأيضًا لم يعترف به على النحو الذي يبقيه ويكرسه. لقد بدأ الإسلام فأغلق وألغى وحرّم أغلب الروافد التي كانت تمد نهر الرقيق بالمزيد من الأرقاء. . فلم يبق منها إلا أسرى الحرب المشروعة والشرعية، والنسل إذا كان أبواه من الأرقاء. . وحتى أسرى الحرب المشروعة فتح الإسلام أمامهم باب العتق والحرية المنّ أو الفداء: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (محمد: ٤)، فعندما تضع الحرب أوزارها، يتم تحرير الأسرى، إما بالمن عليهم بالحرية، وإما بمبادلتهم بالأسرى المسلمين لدى الأعداء. . ومع إغلاق الروافد روافد الاسترقاق ومصادره التفت الإسلام إلى كتلة واقع الأرقاء، فسعى إلى تصفيتها بالتحرير، وذلك عندما عدد، ووسع مصابّ نهر الرقيق (١). إذ جعل الناس كلهم أحرارًا لا يطرأ عليهم الرق إلا بسبب واحد: (وهو أن يؤسروا وهم كفار مقاتلون مع أن الواجب على القائد أن يختار الأصلح من الرق، أو الفداء، أو الإطلاق بلا فداء، حسب المصلحة العامة.

стр. 5743

فهذا هو السبب وحده في الرق، وهو سبب جاء في النقل الصحيح، فإنه يوافق العقل الصحيح أيضًا. فإن من وقف في سبيل عقيدتي ودعوتي، وأراد الحدَّ من حريتي، وألب عليَّ وحاربني، فجزاؤه أن أمسكه عندي، ليفسح المجال أمامي وأمام دعوتي. هذا هو سبب الرق في الإسلام، لا النهب، والسلب، وبيع الأحرار واستعبادهم كما هو عند الأمم الأخرى. (١) ٢ - باب الأسر واحد، وهو أرض المعركة، بينما أبواب الخروج من الرق متعددة: فإذا كان الورود من باب واحد والخروج من أبواب متعددة فهل يبقى في البيت أحد؟ ثم باب الأسر واحد، أو كما يقال: باب الورود واحد فقط، وهو أرض المعركة، بينما أبواب الخروج متعددة، فإذا كان الورود من باب واحد والخروج من أبواب متعددة فهل يبقى في البيت أحد؟ لا يبقى أحد بخلاف العكس، لو كان أبواب الورود متعددة والخروج من باب واحد، فسيحصل زحام وأزمة، أو كما يقولون: خطر سوء التفريغ، ولذا فمن أول حساب الهندسة المعمارية عند بناء المسجد، أو المعهد، أو الكلية، أنه لابد أن يعمل حساب الأبواب للخروج، حتى لو حصلت أزمة مفاجئة استطاع الموجودون الخروج بسرعة، أما إذا كان هناك باب واحد، وهناك ألف نفر، فمتى يخرجون؟ سيقتل بعضهم بعضًا في الزحام، لكن لو عُمل خمسون بابًا فسيخلو المكان بسرعة. (٢) ٣ - وصف الحرب الشرعية التي أباحها الإسلام التي قد يكون بها استرقاق . قال ناصح علوان: والحرب التي تبيح استرقاق الأسرى -في نظر الإسلام- هي ما تتصف بالحرب الشرعية، ولا يعني هذا أن الرق بطل نهائيًا وانتهى تشريعيًا كما يتوهم البعض، وإنما يعني أن الإمام استعمل صلاحيته في اختيار المن والفداء على اختياره

стр. 5744

الاسترقاق في معاملة الأسرى لسياسة شرعية، وربما يأتي يوم تستبيح فيه النظم الاجتماعية في العالم استرقاق أسرى الحرب، فلا يعقل أن يقف الإسلام مكتوف اليدين تجاه هذا الحدث الجديد، والاستباحة العامية الطارئة، وإنما سيقابل ولا شك المعاملة بالمثل. وصفوة القول: إن الإسلام جفف منابع الرق القديمة كلها، فيما عدا منبعًا واحدًا هو منبع استرقاق أسرى حرب شرعية إذا رأى إمام المسلمين مصلحة في ذلك. وللإمام أن يعدل عن الاسترقاق إلى المن أو الفداء، إذا اصطلح العالم على تحرير الرق في الحروب كما فعل الإمام العثماني محمد الفاتح، باعتبار أن الإسلام خوله في معاملة الأسرى أربعة أمور: المن، أو الفداء، أو القتل، أو الاسترقاق. فيختار واحدة على ضوء المصلحة التي يعود خيرها على الإسلام والمسلمين والإنسانية جمعاء. (١) وقال أيضًا: ١ - جفف الإسلام جميع منابع الرق في دول العالم عدا منبعًا واحدًا، وهو رق أسرى الحرب. جفف منبع الاسترقاق لشهوة الاستعباد في الحرب وامتصاص دماء الشعوب. جفف منبع الاسترقاق بسبب الفقر أو عدم وفاء الدين. جفف منبع الاسترقاق بسبب الوراثة من الميلاد في جنس محدد، وطبيعة معينة. جفف منبع الاسترقاق بسبب العمل في الأرض والإقامة فيها. جفف منبع الاسترقاق بسبب الإساءة إلى طبقة الأشراف والكبراء. إلى غير ذلك من هذه المنابع التي جففها وكانت سائدة في العالم. ٢ - اشترط الإسلام أن تكون الحرب التي تؤدي إلى استرقاق الأسرى حربًا شرعية، وسبق أن ذكرنا مواصفات هذه الحروب الشرعية التي تكون مبررًا لاسترقاق الأسير.

стр. 5745

٣ - أعطى الإسلام للإمام صلاحية واسعة في أن يعامل الأسرى بعد أن تضع الحرب أوزارها بما يراه المصلحة، بل خيَّره بين المن، والفداء، أو القتل، أو الاسترقاق، فإن رأى أن يصرف النظر عن استرقاق أسرى الحروب بموجب معاهدة دولية توقعها الدول فله ذلك كما فعل السلطان محمد الفاتح. ٤ - في حالة وجود الرق، فالإسلام فتح من المصبات في تحرير الرق ما يكفل القضاء عليه في فترة زمنية قد تطول أو تقصر. وسبق أن ذكرنا المنهج الكامل أو بعبارة أوضح المصبات الكثيرة التي تقضي على الرقيق في ظل التشريع الإسلامي. والإسلام في منهاجه في تحرير الرقيق أعطى للدول قدوة، بل سبق الأمم في تحريره سبعة قرون. (١) ونلاحظ على الذين يعيبون على الإسلام مسألة الرقِّ في الحروب أنهم يقارنون بين الرِّق والحرية، لكن المقارنة هنا ليستْ كذلك، المقارنة هنا بين الرق والقتل؛ لأنه لا يُسترقّ إلا مَنْ قدر المسترقّ عليه وتمكَّن منه في المعركة، وكان باستطاعته قَتْله، لكن رحمة اللَّه بعباده منعتْ قتله، وأباحت أَخْذه رقيقًا، فالنفعية للمقاتل المنتصر يقابلها حَقْن دم الآخر، ثم بعد انتهاء الحرب نحثُّ على عتقه، ونفتح له أبواب الحرية. إذن: لا تقارن بين عبد وحر، إنما قارن بين العبودية والقتل: أيهما أقلّ ضررًا؟ لذلك قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾ (التوبة: ١٤ - ١٥). (٢) الوجه السادس: هناك أسباب كثيرة أوجدها الإسلام لتحرير الرقيق من قيود العبودية .
следующие страницы →