ففي الحضارات القديمة كان الرق عماد نظام الإنتاج والاستغلال، وفى بعض تلك الحضارات كالفرعونية المصرية والكسروية الفارسية كان النظام الطبقي المغلق يحول دون تحرير الأرقاء، مهما توفرت لأي منهم الرغبة أو الإمكانات.
فالفراعنة استعبدوا بني إسرائيل أبشع استعباد، حتى قتلوا أبناءهم، واستحيوا نساءهم. وفى بعض تلك الحضارات كالحضارة الرومانية كان السادة هم الأقلية الرومانية، وكانت الأغلبية في الإمبراطورية برابرة أرقاء، أو في حكم الأرقاء. . وللأرقاء في تلك الحضارات ثورات من أشهرها ثورة "اسبارتاكوس" (٧٣٧١ ق م).
٧ - نظام عقائدي:
يعتقد الهنود أن الرقيق (المنبوذين) خلقوا من قدم الإله، ومن ثم فهم بخلقتهم حقراء مهينون، ولا يمكن أن يرتفعوا عن هذا الوضع المقسوم لهم إلا بتحمل الهوان والعذاب، عسى أن تنسخ أرواحهم بعد الموت في مخلوقات أفضل! وبذلك تضاف إلى لعنة الوضع السيِّئ الذي يعيشون فيه لعنة أخرى روحية تقضي عليهم أن يرضوا بالذل ولا يقاوموه.
٨ - سلطان الوالد على أولاده: كان ذلك يبيح للوالد أن يبيع هؤلاء الأولاد، فينتقلون من الحرية إلى العبودية. كما يحدث في أفريقيا الآن.
٩ - وبعضهم يعدون الفلاحين أرِقاء .
١٠ - استغلال أهل الأماكن التي تم اكتشافها:
فالأوربيون -بعد أن اكتشفوا أمريكا- عاملوا الأمريكيين الأصليين أسوأ معاملة.
١١ - سلطان الإنسان على نفسه: كان يبيح له بيع حريته، فيتحول إلى رقيق.
١٢ - وكذلك النسل المولود من كل هؤلاء الأرقاء يصبح رقيقًا ، حتى ولو كان أبوه حرًا. (١)
الوجه الخامس: إن الإسلام جعل الرق مقصورًا على الحرب المشروعة فقط: فبذلك ضيَّق مورد الرِّق، وعمل على سَدِّ منابع الرق المختلفة
стр. 5742
١ - لما جاء الإسلام عمل على سَدِّ منابع الرقِّ هذه ، وجعل الرقَّ مقصورًا على الحرب المشروعة. ثم فتح عدة مصارف شرعية للتخلُّص من الرق القائم، حيث لم يكُنْ موجودًا من أبواب العتق إلا إرادة السيد في أنْ يعتق عبده.
ومع كثرة واتساع هذه الروافد التي تمد نهر الرقيق في كل وقت بالمزيد، والمزيد من الأرقاء، كانت أبواب العتق والحرية إما مؤصدة تمامًا، أو ضيقة عسيرة على الولوج منها.
وأمام هذا الواقع، اتخذ الإسلام، إبان ظهوره، طريق الإصلاح الذي يبتغي تحرير الأرقاء، وإلغاء نظام العبودية، وطيّ صفحته من الوجود، لكن في "واقعية ثورية" إذا جاز التعبير. . فهو لم يتجاهل الواقع ولم يقفز عليه. . وأيضًا لم يعترف به على النحو الذي يبقيه ويكرسه.
لقد بدأ الإسلام فأغلق وألغى وحرّم أغلب الروافد التي كانت تمد نهر الرقيق بالمزيد من الأرقاء. . فلم يبق منها إلا أسرى الحرب المشروعة والشرعية، والنسل إذا كان أبواه من الأرقاء. . وحتى أسرى الحرب المشروعة فتح الإسلام أمامهم باب العتق والحرية المنّ أو الفداء: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (محمد: ٤)، فعندما تضع الحرب أوزارها، يتم تحرير الأسرى، إما بالمن عليهم بالحرية، وإما بمبادلتهم بالأسرى المسلمين لدى الأعداء. .
ومع إغلاق الروافد روافد الاسترقاق ومصادره التفت الإسلام إلى كتلة واقع الأرقاء، فسعى إلى تصفيتها بالتحرير، وذلك عندما عدد، ووسع مصابّ نهر الرقيق (١).
إذ جعل الناس كلهم أحرارًا لا يطرأ عليهم الرق إلا بسبب واحد: (وهو أن يؤسروا وهم كفار مقاتلون مع أن الواجب على القائد أن يختار الأصلح من الرق، أو الفداء، أو الإطلاق بلا فداء، حسب المصلحة العامة.
стр. 5743
فهذا هو السبب وحده في الرق، وهو سبب جاء في النقل الصحيح، فإنه يوافق العقل الصحيح أيضًا.
فإن من وقف في سبيل عقيدتي ودعوتي، وأراد الحدَّ من حريتي، وألب عليَّ وحاربني، فجزاؤه أن أمسكه عندي، ليفسح المجال أمامي وأمام دعوتي.
هذا هو سبب الرق في الإسلام، لا النهب، والسلب، وبيع الأحرار واستعبادهم كما هو عند الأمم الأخرى. (١)
٢ - باب الأسر واحد، وهو أرض المعركة، بينما أبواب الخروج من الرق متعددة:
فإذا كان الورود من باب واحد والخروج من أبواب متعددة فهل يبقى في البيت أحد؟ ثم باب الأسر واحد، أو كما يقال: باب الورود واحد فقط، وهو أرض المعركة، بينما أبواب الخروج متعددة، فإذا كان الورود من باب واحد والخروج من أبواب متعددة فهل يبقى في البيت أحد؟ لا يبقى أحد بخلاف العكس، لو كان أبواب الورود متعددة والخروج من باب واحد، فسيحصل زحام وأزمة، أو كما يقولون: خطر سوء التفريغ، ولذا فمن أول حساب الهندسة المعمارية عند بناء المسجد، أو المعهد، أو الكلية، أنه لابد أن يعمل حساب الأبواب للخروج، حتى لو حصلت أزمة مفاجئة استطاع الموجودون الخروج بسرعة، أما إذا كان هناك باب واحد، وهناك ألف نفر، فمتى يخرجون؟ سيقتل بعضهم بعضًا في الزحام، لكن لو عُمل خمسون بابًا فسيخلو المكان بسرعة. (٢)
٣ - وصف الحرب الشرعية التي أباحها الإسلام التي قد يكون بها استرقاق .
قال ناصح علوان: والحرب التي تبيح استرقاق الأسرى -في نظر الإسلام- هي ما تتصف بالحرب الشرعية، ولا يعني هذا أن الرق بطل نهائيًا وانتهى تشريعيًا كما يتوهم البعض، وإنما يعني أن الإمام استعمل صلاحيته في اختيار المن والفداء على اختياره
стр. 5744
الاسترقاق في معاملة الأسرى لسياسة شرعية، وربما يأتي يوم تستبيح فيه النظم الاجتماعية في العالم استرقاق أسرى الحرب، فلا يعقل أن يقف الإسلام مكتوف اليدين تجاه هذا الحدث الجديد، والاستباحة العامية الطارئة، وإنما سيقابل ولا شك المعاملة بالمثل.
وصفوة القول:
إن الإسلام جفف منابع الرق القديمة كلها، فيما عدا منبعًا واحدًا هو منبع استرقاق أسرى حرب شرعية إذا رأى إمام المسلمين مصلحة في ذلك. وللإمام أن يعدل عن الاسترقاق إلى المن أو الفداء، إذا اصطلح العالم على تحرير الرق في الحروب كما فعل الإمام العثماني محمد الفاتح، باعتبار أن الإسلام خوله في معاملة الأسرى أربعة أمور: المن، أو الفداء، أو القتل، أو الاسترقاق. فيختار واحدة على ضوء المصلحة التي يعود خيرها على الإسلام والمسلمين والإنسانية جمعاء. (١)
وقال أيضًا:
١ - جفف الإسلام جميع منابع الرق في دول العالم عدا منبعًا واحدًا، وهو رق أسرى الحرب.
جفف منبع الاسترقاق لشهوة الاستعباد في الحرب وامتصاص دماء الشعوب.
جفف منبع الاسترقاق بسبب الفقر أو عدم وفاء الدين.
جفف منبع الاسترقاق بسبب الوراثة من الميلاد في جنس محدد، وطبيعة معينة.
جفف منبع الاسترقاق بسبب العمل في الأرض والإقامة فيها.
جفف منبع الاسترقاق بسبب الإساءة إلى طبقة الأشراف والكبراء.
إلى غير ذلك من هذه المنابع التي جففها وكانت سائدة في العالم.
٢ - اشترط الإسلام أن تكون الحرب التي تؤدي إلى استرقاق الأسرى حربًا شرعية، وسبق أن ذكرنا مواصفات هذه الحروب الشرعية التي تكون مبررًا لاسترقاق الأسير.
стр. 5745
٣ - أعطى الإسلام للإمام صلاحية واسعة في أن يعامل الأسرى بعد أن تضع الحرب أوزارها بما يراه المصلحة، بل خيَّره بين المن، والفداء، أو القتل، أو الاسترقاق، فإن رأى أن يصرف النظر عن استرقاق أسرى الحروب بموجب معاهدة دولية توقعها الدول فله ذلك كما فعل السلطان محمد الفاتح.
٤ - في حالة وجود الرق، فالإسلام فتح من المصبات في تحرير الرق ما يكفل القضاء عليه في فترة زمنية قد تطول أو تقصر. وسبق أن ذكرنا المنهج الكامل أو بعبارة أوضح المصبات الكثيرة التي تقضي على الرقيق في ظل التشريع الإسلامي.
والإسلام في منهاجه في تحرير الرقيق أعطى للدول قدوة، بل سبق الأمم في تحريره سبعة قرون. (١)
ونلاحظ على الذين يعيبون على الإسلام مسألة الرقِّ في الحروب أنهم يقارنون بين الرِّق والحرية، لكن المقارنة هنا ليستْ كذلك، المقارنة هنا بين الرق والقتل؛ لأنه لا يُسترقّ إلا مَنْ قدر المسترقّ عليه وتمكَّن منه في المعركة، وكان باستطاعته قَتْله، لكن رحمة اللَّه بعباده منعتْ قتله، وأباحت أَخْذه رقيقًا، فالنفعية للمقاتل المنتصر يقابلها حَقْن دم الآخر، ثم بعد انتهاء الحرب نحثُّ على عتقه، ونفتح له أبواب الحرية.
إذن: لا تقارن بين عبد وحر، إنما قارن بين العبودية والقتل: أيهما أقلّ ضررًا؟
لذلك قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾ (التوبة: ١٤ - ١٥). (٢)
الوجه السادس: هناك أسباب كثيرة أوجدها الإسلام لتحرير الرقيق من قيود العبودية .
أَجِدُ. فَأُتِىَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ - قَالَ إِبْرَاهِيمُ: الْعَرَقُ الْمِكْتَلُ فَقَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ؟ تَصَدَّقْ بِهَا". قَالَ: عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي! وَاللَّه مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنَّا. فَضَحِكَ النبي ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ قَالَ: "فَأَنْتُمْ إِذًا". (١)
٢ - العتق: إجباريًا:
- فقد يكون العتق إجباريًا على الإنسان، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ -أَوْ شِرْكًا أَوْ قَالَ نَصِيبًا- وَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ، فَهْوَ عَتِيق، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ" (٢).
فإن كان المعتق موسرًا -بحيث يستطيع دفع قيمة نصيب شريكه عتق العبد كله، نصيبه ونصيب شريكه، وقوم عليه نصيب شريكه بقيمته التي يساويها وأعطى شريكه القيمة. وإن لم يكن موسرًا -بحيث لا يملك قيمة نصيب صاحبه- فلا إضرار على صاحبه، فيعتق نصيبه فقط، ويبقى نصيب شريكه رقيقًا كما كان.
٤ - العتق: بضرب العبد ظُلمًا:
- فمن لطم عبده فكفارته أن يعتقه:
- عن معاوية بن الحكم السلمي قال: كانت لي جارية ترعى غنمًا لي قبل أحد والجوانية فاطلعت ذات يوم، فإذا الذيب (الذئب) قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون لكني صككتها صكة، فأتيت رسول اللَّه ﷺ فعظم ذلك علي قلت: يا رسول اللَّه، أفلا أعتقها؟ قال: "ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين اللَّه؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول اللَّه، قال: أعتقها فإنها مؤمنة". (٣)
стр. 5748
- عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: لَطَمْتُ مَوْلًى لَنَا فَهَرَبْتُ ثُمَّ جِئْتُ قُبَيْلَ الظُّهْرِ فَصَلَّيْتُ خَلْفَ أَبِي فَدَعَاهُ وَدَعَانِي، ثُمَّ قَالَ امْتَثِلْ مِنْهُ. فَعَفَا ثُمَّ قَالَ: كُنَّا بَنِي مُقَرِّنٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ لَيْسَ لَنَا إِلَّا خَادِمٌ وَاحِدَةٌ فَلَطَمَهَا أَحَدُنَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النبي ﷺ ، فَقَالَ: "أَعْتِقُوهَا" قَالُوا: لَيْسَ لَهُمْ خَادِمٌ غَيْرُهَا قَالَ: "فَلْيَسْتَخْدِمُوهَا فَإِذَا اسْتَغْنَوْا عَنْهَا فَلْيُخَلُّوا سَبِيلَهَا". (١)
- عَنْ زَازانَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ دَعَا بِغُلَامٍ لَهُ فَرَأَى بِظَهْرِه أَثَرًا فَقَالَ لَهُ: أَوْجَعْتُكَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَأَنْتَ عَتِيقٌ. قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ، فَقَالَ: مَا لي فِيهِ مِنَ الأَجْرِ مَا يَزِنُ هَذَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ: "مَنْ ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ أَوْ لَطَمَهُ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ" (٢).
٥ - العتق: بكفالة الدولة (من مصرف الزكاة)
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٦٠).
قال يحيى بن سعيد: بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية، فاقتضيتها وطلبت فقراء نعطيها لهم، فلم نجد فقيرًا، ولم نجد من يأخذها منا. فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس. فاشتريت بها رقابًا فأعتقتهم. (٣)
٦ - العتق: بأم الولد (بسبب ولادة الولد من الحر)
فإن ذلك العتق يعتبر وسيلة من وسائل التحرير، وكذلك مأثرة من مآثر الإسلام.
٧ - العتق: بالمكاتبة:
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور: ٣٣).
٨ - الوصية بالعتق:
стр. 5749
عن الشريد بن سويد الثقفي قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: إن أمي أوصت أن تعتق عنها رقبة، وإن عندي جارية نوبية أفيجزئ عني أن أعتقها عنها؟ قال: "ائتني بها، فأتيته بها، فقال لها النبي ﷺ : من ربك؟ قالت: اللَّه قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول اللَّه قال: فأعتقها فإنها مؤمنة" (١).
الوجه السابع: المكاتبة أيسر طريق كي يتحرر العبد إذا أغلقت أسباب العتق أمامه .
مع أن أفضل العتق في الإسلام هو الذي يكون بدون مقابل:
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾ (الضحى: ١٧ - ٢١).
فما لبلال عند أبي بكر حين اشتراه فأعتقه من الرق وخلّصه من العذاب نعمةٌ سلفت جازاه عليها بذلك إلا ابتغاء وجه ربه وعتقه (٢).
إلا أنه إذا أغلقت الأبواب أمام العبد، فإن اللَّه جعل له سبيلًا فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور: ٣٣).
١ - الكتاب: مصدر كاتب إذا عاقد على تحصيل الحرية من الرق على قدر معين من المال يُدفع لسيده. (٣)
٢ - فالمكاتبة إما واجبة على السيد تجاه عبده أو مستحبة:
стр. 5750
ذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ أمر إيجاب، يجب على المولى أن يكاتب عبده الذي علم فيه خيرًا إذا سأل العبد ذلك، على قيمته أو أكثر، وإن سأل على أقل من قيمته فلا يجب، وهو قول عطاء وعمرو بن دينار:
* وذلك لما روي أن سيرين سأل أنس بن مالك أن يكاتبه فتلكأ عنه، فشكا إلى عمر، فعلاه بالدرة وأمره بالكتابة فكاتبه (١).
وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه أمر ندب واستحباب. ولا تجوز الكتابة على أقل من نجمين عند الشافعي - منجمًا، أي موزعًا على مواقيت معينة، كانوا في الغالب يوقتونها بمطالع نجوم المنازل مثل الثريا، فلذلك سموا توقيت دفعها نجمًا وسموا توزيعها تنجيمًا؛ لأنه عقد جوز إرفاقًا بالعبد، ومن تتمة الإرفاق أن يكون ذلك المال عليه إلى أجل حتى يؤديه على مهل، فيحصل المقصود، كالدية في قتل الخطأ، وجبت على العاقلة على سبيل المواساة فكانت عليهم مؤجلة منجمة، وجوَّز أبو حنيفة الكتابة على نجم واحد وحالة. (٢)
٣ - رأفة الإسلام بالعبد أنه لا يُكاتب إلا إذا عُلم منه خيرًا حتى لا يُهلك نفسه وحتى لا يُفسد في المجتمع:
قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ اختلفوا في معنى الخير، فقال ابن عمر: قوة على الكسب. وهو قول مالك والثوري، وقال الحسن ومجاهد والضحاك: مالًا كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (البقرة: ١٨٠) أي: مالًا، وروي أن عبدًا لسلمان الفارسي قال له كاتبني، قال: ألك مال؟ قال: لا. قال: تريد أن تطعمني من أوساخ الناس، ولم يكاتبه (٣).
قال الزجاج: لو أراد به المال لقال: إن علمتم لهم خيرًا.
стр. 5751
وقال إبراهيم وابن زيد وعبيدة: صدقًا وأمانة. (١)
وقال طاووس، وعمرو بن دينار: مالًا وأمانة. (٢)
وقال الشافعي: وأظهر معاني الخير في العبد: الاكتساب مع الأمانة، فأحب أن لا يمنع من كتابته إذا كان هكذا.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ثلاثة حق على اللَّه عونهم: المكاتب الذي يريد الأداء، والناكح يريد العفاف، والمجاهد في سبيل اللَّه". (٣)
وحكى محمد بن سيرين عن عبيدة: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أي: أقاموا الصلاة. (٤)
وقيل: هو أن يكون العبد بالغًا عاقلًا، فأما الصبي والمجنون فلا تصح كتابتهما؛ لأن الابتغاء منهما لا يصح. وجوز أبو حنيفة كتابة الصبي المراهق. (٥)
٤ - مساعدة المكاتب لتيسير تحريره من الرق:
قوله : ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هذا خطاب للموالي، يجب على المولى أن يحط عن مكاتبه من مال كتابته شيئًا، وهو قول عثمان وعلي والزبير وجماعة، وبه قال الشافعي.
ثم اختلفوا في قدره، فقال قوم: يحط عنه ربع مال الكتابة، وهو قول علي، ورواه بعضهم عن علي مرفوعًا (٦)، وعن ابن عباس ﵃ يحط عنه الثلث. وقال الآخرون: ليس له حد بل عليه أن يحط عنه ما شاء. (٧) وهو قول الشافعي.
стр. 5752
قال نافع: كاتب عبد اللَّه بن عمر غلامًا له على خمسة وثلاثين ألف درهم فوضع عنه من آخر كتابته خمسة آلاف درهم. (١)
وقال سعيد بن جبير: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئًا من أول نجومه مخافة أن يعجز فترجع إليه صدقته، ووضع من آخر كتابته ما أحب. (٢)
وقال بعضهم: هو أمر استحباب. والوجوب أظهر.
وقال قوم: أراد بقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ أي: سهمهم الذي جعله اللَّه لهم من الصدقات المفروضات، بقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (التوبة: ٦٠) وهو قول الحسن وزبد بن أسلم (٣).
وقال إبراهيم: هو حث لجميع الناس على معونتهم. (٤)
٥ - ولو مات المكاتب قبل أداء النجوم، اختلف أهل العلم فيه: فذهب كثير منهم إلى أنه يموت رقيقًا، وترتفع الكتابةُ سواء ترك مالًا، أو لم يترك، كما لو تلف المبيع قبل القبض يرتفع البيع. وهو قول عمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والزهري، وقتادة، وإليه ذهب الشافعي وأحمد. وقال قوم: إن ترك وفاءً بما بقي عليه من الكتابة كان حرًا وإن كالثانيه فضل، فالزيادة لأولاده الأحرار، وهو قول عطاء، وطاووس، والنخعي، والحسن، وبه قال مالك، والثوري، وأصحاب الرأي. ولو كاتب
стр. 5753
عبده كتابة فاسدة يعتق بأداء المال؛ لأن عتقه معلق بالأداء، وقد وجد وتبعه الأولاد والاكتساب كما في الكتابة الصحيحة، ويفترق الثاني بعض الأحكام: وهي أن الكتابة الصحيحة لا يملك الولى فسخها ما لم يعجز المكاتب عن أداء النجوم، ولا تبطل بموت المولى، ويعتق بالإبراء (١).
الوجه الثامن: ترغيب الإسلام في عتق الرقيق، والترهيب في من استرق حرًا بغير حق .
١ - العتق يُدخل الجنة:
قال تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (البلد: ١١ - ١٣).
قال قتادة ﵀: للناس عقبة دون الجنة واقتحامها فك رقبة (٢).
وهذه الآية أصل من أصول التشريع الإسلامي وهو تشوف الشارع إلى الحرية (٣).
٢ - العتق يُنجي من النار:
عن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ قال: "من أعتق رقبة مسلمة أعتق اللَّه بكل عضو منه عضوًا من النار حتى فرجه بفرجه" (٤).
٣ - العتق يرفع الدرجات:
عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أيما رجل كانت عنده وليدة -أي جارية- فعلَّمها، فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران، وأيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله أجران، وأيما مملوك أدى حق مواليه وحق ربه فله أجران". (٥)
стр. 5754
وقد يعتق امرأة ويكون العتق مهرًا لها. عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها (١).
* الترهيب فيمن استرق حرًا بغير حق:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "قال اللَّه ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل بَاعَ حرًا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره". (٢)
الوجه التاسع: حقوق الرقيق في الإسلام .
سعى الإسلام إلى إدماجهم في القبائل والعشائر والعصبيات التي كانوا فيها أرقاء، فأكسبهم عزتها وشرفها ومكانتها ومنعتها وما لها من إمكانات، وبذلك أنجز إنجازًا عظيمًا وراء وفوق التحرير عندما أقام نسيجًا اجتماعيًا جديدًا التحم فيه الأرقاء السابقون بالأحرار، فأصبح لهم نسب قبائلهم عن طريق -الولاء- الذي قال عنه الرسول ﷺ : "الولاء لُحْمَةٌ كلُحْمَة النسب". (٣) حتى لقد غدا أرقاء الأمس سادة في أقوامهم، بعد أن كانوا عبيدًا فيهم.
وقال عمر بن الخطاب وهو من هو في الحسب والنسب عن بلال الحبشي، الذي اشتراه أبو بكر الصديق وأعتقه: أبو بكر سيدنا أعتق سيدنا! . . كما تمنى عمر أن يكون سالم مولى أبى حذيفة حيًا فيختاره لمنصب الخلافة، فالمولى الذي نشأ رقيقًا، قد حرره الإسلام، فكان إمامًا في الصلاة وأهلًا بخلافة المسلمين (٤).
وهذه إشارات لبعض قواعد المعاملة المطلوبة عدلًا وإحسانًا مع هؤلاء:
- الرقيق هم أمثالنا في الآدمية:
стр. 5755
قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ﴾، ففي قوله: ﴿مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾: أي مملوكُكُم مِثْلُكم من جميع الوجوه إذا تحرَّرَ، ومثلُكم في الآدميَّةِ حالةَ الرِّق (١).
قد يصير العبد مثلكم من جميع الوجوه بل هو في الحال مثلكم في الآدميَّةِ حال الرق حتى إنكم ليس لكم تصرفٌ في روح وآدميته بقطع وقتل، وليس لكم منعهم من العبادة وقضاء الحاجة (٢).
فالرق صفة زائلة عرضية: قال عمر بن علي النعماني: فكلمة أمة: ذاتٌ موصوفة بالرِّق، وصفة الرِّقِّ صفة زَائِلَةٌ (٣).
- الزواج وتكوين أسرة:
كفالة الإسلام للعبد بتكوين أسرة يرعاها:
ففي قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ (النور: ٣٢) فالآية بها حث السيد على تزويج الصالحين من العبيد والإماء مع الرق (٤).
- فلما ذُكر وعد اللَّه مَن يزوج من العبيد الفقراء بالغنى، وكان من وسائل غناه أن يذهب يكتسب بعمله، وكان ذلك لا يستقل به العبد؛ لأنه في خدمة سيده جعل اللَّه للعبيد حقًا في الاكتساب لتحرير أنفسهم من الرق ويكون في ذلك غنى للعبد إن كان من ذوي الأزواج. أمر اللَّه السادة بإجابة من يبتغي الكتابة من عبيدهم تحقيقًا لمقصد الشريعة من بث الحرية في الأمة، ولمقصدها من إكثار النسل في الأمة، ولمقصدها من تزكية الأمة
стр. 5756
واستقامة دينها (١).
- الزكاة:
فعندما جعل الإسلام لتحرير العبيد نصيبًا من الصدقات، منع العبد أن يأخذ هذا النصيب ليتصرَّف فيه هو، فقد يأخذه ولا يفك رقبته به، كما أن المَدِين قد يُعطى مالًا ليتخلص من دينه، ثم هو يقبضه ولا يتخلص منه. بل يُوكَّل من ينوب عنهم في ذلك. فهذا يُبين محافظة الإسلام على تحرير العبد أكثر مما يحافظ العبد على طلب حريته:
قال الرازي: وأما ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ فيوضع نصيبهم في تخليص رقبتهم عن الرق، ولا يدفع إليهم ولا يمكنوا من التصرف في ذلك النصيب كيف شاؤوا، بل يوضع في الرقاب بأن يؤدي عنهم، وكذا القول في الغارمين يصرف المال في قضاء ديونهم (٢).
وإذا صار العبد مكاتبًا حل له أخذ الزكاة سواء أدى فعتق، أو عجز فعاد إلى الرق. والكتابة تبعثه على الاجتهاد في الكسب، ولولاها لم يكن ليفعل ذلك (٣).
- الرقيق لهم أحقية في التعلم
عن زينب بنت أبي سلمة أنها قالت: دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب، فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية، ثم مست بعارضيها، ثم قالت: واللَّه ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسولط اللَّه ﷺ يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" (٤).
стр. 5757
وقد رد التقي الغزي على من ينتقص من قدر الإمام أبي حنيفة لأنه كان من الموالي؛ قائلًا: فإن شرف العلم مُقدم على شرف النسب، وشرف الدين مقدم على شرف المنتسبين، وأكرم الناس عند اللَّه أتقاهم، وما يضر العالم كونه من الموالي، وما ينفع الغوي الجاهل كونه حجازيًا، أو تميميًا، وهو لا يعرف اليمين من الشمال، ولا يفرق بين الهدى والضلال (١).
- العبادة:
وإنه ليس للأحرار منع العبيد من العبادة وقضاء الحاجة (٢).
- يقرر الإسلام مبدأ الإخوة بين السادة والعبيد:
قال تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النساء: ٢٥).
ففي قوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ موافق لقول رسول اللَّه ﷺ : "إخوانكم خولكم". (٣)
أي: الذين يخولون أموركم -أي يصلحونها- من العبيد والخدم هم إخوانكم في الدين أو الآدمية.
- حرمة تعذيب العبد حتى ولو أخطأ:
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ صارخًا، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "ما لك؟ قال: سيدي رآني أقبل جارية له، فجب مذاكيري فقال النبي ﷺ : "عليَّ بالرجل، فطلب، فلم يقدر عليه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اذهب فأنت حر. قال: على من نصرتي يا رسول اللَّه؟ قال يقول: أرأيت إن استرقني مولاي، فقال رسول اللَّه ﷺ : "على كل مؤمن أو مسلم". (٤)
стр. 5758
- الأمر بالإحسان إليهم:
قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (النساء: ٣٦).
- تنظيف العبيد والرعاية بهم:
عن عائشة، قالت: عثر أسامة بعتبة الباب فشج في وجهه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أميطي عنه الأذى، فتقذرته، فجعل يمص عنه الدم ويمجه عن وجهه، ثم قال: "لو كان أسامة جارية لحليته وكسوته حتى أنفقه" (١).
- حفظ كرامتهم والنهي عن سبهم:
عن المعرور بن سويد، قال: رأيت أبا ذر بالربذة، وعليه برد غليظ وعلى غلامه مثله قال: فقال القوم: يا أبا ذر، لو كنت أخذت الذي على غلامك فجعلته مع هذا فكانت حلة وكسوت غلامك ثوبًا غيره قال: فقال أبو ذر: إني كنت ساببت رجلًا -وكانت أمه أعجمية- فعيرته بأمه فشكاني إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: "يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية قال: "إنهم إخوانكم فَضَّلَكُمُ اللَّه عليهم، فمن لم يلائمكم فبيعوه، ولا تعذبوا خلق اللَّه" (٢).
- المفاضلة بين السادة وبين العبيد عند اللَّه لا تكون إلا بالتقوى:
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وعن أبي نضرة قال: حدثني من سمع خطبة رسول اللَّه ﷺ في وسط أيام التشريق فقال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ. أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لأَحْمرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى". (٣)
стр. 5759
- لا مانع أن يتقدم العبد على الحر في بعض الأشياء:
فيما يفضله فيه من شئون الدين والدنيا، وقد صحت إمامته في الصلاة، وكان لعائشة أم المؤمنين عبد يؤمها في الصلاة، بل لقد أُمِر المسلمون بالسمع والطاعة إذا ملك أمورهم عبدٌ!
- ولقد تزوج زيد بزينب بنت جحش، وجاء اسم زيد في القرآن صراحة كما في سورة الأحزاب: (٣٧) ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾، ومنه: تأمير أسامة على الجيش.
- تحريم إطلاق لفظة العبد أو الأمة على الرقيق فقال رسول اللَّه ﷺ -:
قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (سورة الأحزاب: ٥).
﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ أي ادعوا الأدعياء -أي الذين جعلتموهم أبناءً لكم بالتبني- لآبائهم أي: انسبوهم لهم يا فلان بن فلان. فإِن دعوتهم إلى آبائهم أقسط وأعدل في حكم اللَّه وشرعه. ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ فادعوهم باسم الإِخوة الإِسلامية فقولوا: هذا أخي في الإِسلام. ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ أي بنو عمكم فادعوهم بذلك فقولوا: يا بن عمي وإن كان الدعي ممن حررتموه فقولوا له مولاي (١).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّه وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللَّه، وَلَكِنْ لِيَقُلْ غُلَامِي وَجَارِيَتِي وَفَتَايَ وَفَتَاتِي" (٢).
وكان من نتيجة معاملة المسلمين للأرقاء هذه المعاملة، اندماج الأرقاء في الأسر الإسلامية إخوة متحابين، حتى كأنهم بعض أفرادها.
- ضمان الغذاء والكساء مثل أوليائهم:
стр. 5760
عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قال رسول اللَّه ﷺ : "هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمْ اللَّه تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ جَعَلَ اللَّه أَخَاهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا يُكَلِّفُهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ" (١).
- حفظ كرامتهم باعتبار إنسانيتهم:
عن أبي هريرة ﵁ قال: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ جُلِدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ" (٢).
وأعتق ابن عمر ﵁ مملوكًا له، ثم أخذ من الأرض عودًا أو شيئًا فقال: ما لي فيه من الأجر ما يساوي! هذا سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أَوْ ضَرَبَهُ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ" (٣).
- العدل مع الرقيق والإحسان إليهم:
روى أن عثمان بن عفان ﵁ دَعَك أُذُن عَبْدٍ له على ذنب فعله، ثم قال له بعد ذلك: تقدم واقرص أذني، فامتنع العبد فألح عليه، فبدأ يقرص بخفة، فقال له: اقرص جيدًا، فإني لا أتحمل عذاب يوم القيامة، فقال العبد: وكذلك يا سيدي: اليوم الذي تخشاه أنا أخشاه أيضًا.
وكان عبد الرحمن بن عوف ﵁ إذا مشى بين عبيده لا يميزه أحد منهم؛ لأنه لا يتقدمهم، ولا يلبس إلا من لباسهم.
ومر عمر بن الخطاب ﵁ يومًا فرأى العبيد وقوفًا لا يأكلون مع سادتهم، فغضب، وقال لمواليهم: ما للقوم يستأثرون على خدامهم؟ ثم دعا الخدم فأكلوا معهم.
ودخل رجل على سلمان ﵁ فوجده يعجن -وكان أميرًا- فقال له: يا أبا عبد اللَّه ما هذا؟ ! فقال بعثنا الخادم في شغل فكرهنا أن نجمع عليه عملين!
* حقوق خاصة بالأمة في الإسلام:
стр. 5761
صفات توجب فضل الأمة على الحرة:
قال تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾. ولأمة مؤمنة مع ما فيها من خساسة الرق وقلة الخطر خير مما اتصفت بالشرك مع ما لها من شرف الحرّية ورفعة الشأن. ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ لجمالها ومالها وسائر ما يوجب الرغبة فيها (١).
الأمة لها أن تمتلك:
قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال الإمام مالك: الآية على ظاهرها والمهر للأمة، وهذا يوجب كون الأمة مالكة مع أنه لا ملك للعبد فلا بد أن تكون مالكة له يدًا كالعبد المأذون له بالتجارة لأن جعلها منكوحة إذن لها فيجب التسليم إليهن كما هو ظاهر الآية.
والمعروف فيه أنه متعلق بآتوهن، والمراد: أدوا إليهن من غير مماطلة وإضرار، ويجوز أن يكون حالًا أي متلبسات بالمعروف غير ممطولات أو متعلقًا بأنكحوهن أي فانكحوهنّ بالوجه المعروف يعني بإذن أهلهنّ -أي مواليهن- ومهر مثلهنّ (٢).
عدم إكراههن على الحرام:
عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّه بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ يَقُولُ لِجَارِيَةٍ لَهُ: اذهبي فَابْغِينَا شَيْئًا فَأَنْزَلَ اللَّه ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾ (النور: ٣٣). (٣)
стр. 5762
حرمة التفريق بين الجارية وولدها:
عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ: "مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللَّه بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١).
بل يُسمح لها بالبحث عن ولدها إذا فقدته:
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَدِمَ عَلَى النبي ﷺ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْي قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِى، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا في السَّبْي أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : "أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا في النَّارِ؟ قُلْنَا: لَا وَهْيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ. فَقَالَ: "اللَّه أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا". (٢)
بل ومن حقوقها الخاصة التسري بها، ولكن بضوابط. وهذا ما يدعونا أن نفصل الكلام عليه في الوجه القادم.
الوجه العاشر: التسري والحكمة منه
التسرِّي هو: اتخاذ مالك الأمة منها سُرِّيَّةِ يعاشرها معاشرة الأزواج في الشرع الإسلامي.
وكما لم يكن الرق والاسترقاق تشريعًا إسلاميًا مبتكرًا، ولا خاصية شرقية تميزت به الحضارات الشرقية عن غيرها من الحضارات، وإنما كان موروثًا اجتماعيًا واقتصاديًا إنسانيًا، ذاع وشاع في كل الحضارات الإنسانية عبر التاريخ. . فكذلك كان التسري الذي هو فرع من فروع الرق والاسترقاق نظامًا قديمًا ولقد جاء في المأثورات التاريخية المشهورة والمتواترة أن خليل اللَّه إبراهيم ﵇ قد تسرى بهاجر المصرية، عندما وهبه إياها ملك مصر، ومنها وُلد له إسماعيل ﵇. . فمارس التسري أبو الأنبياء، وولد عن طريق التسري نبي ورسول. . وكذلك جاء في المأثورات التاريخية أن نبي اللَّه سليمان ﵇ قد تسرى
стр. 5763
بثلاثمائة سرية! . . وكما شاع التسري عند العرب قبل الإسلام، فلقد مارسه، في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، غير المسلمين مثل المسلمين.
وإذا كان التسري، هو اتخاذ مالك الأمة منها سريّه، أي جعله لها موضعًا للوطء، واختصاصها بميل قلبي ومعاشرة جنسية، وإحصان واستعفاف. . فلقد وضع الإسلام له ضوابط شرعية جعلت منه زواجًا حقيقيًا، تشترط فيه كل شروط الزواج، وذلك باستثناء عقد الزواج؛ لأن عقد الزواج هو أدنى من عقد الملك، إذ في الأول تمليك منفعة، بينما الثاني يفضى إلى ملك الرقبة، ومن ثم منفعتها.
ولقد سميت الأمة التي يختارها مالكها سرية له سُميت "سُرِّيَّةِ"؛ لأنها موضع سروره، ولأنه يجعلها في حالٍ تسُرها دون سواها، أو أكثر من سواها. . فالغرض من التسري ليس مجرد إشباع غرائز الرجل، وإنما أيضًا الارتفاع بالأَمة إلى ما يقرب كثيرًا من مرتبة الزوجة الحرة. .
ولأن التسري مثله مثل الزواج من الحرائر. . فلقد اشترط الإسلام براءة رحم الأمة قبل التسري بها، فإباحة التسري قد جاء في آية إباحة الزواج: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ (النساء: ٣). والتكليف الإسلامي بحفظ الفروج عام بالنسبة لمطلق الرجال والنساء، أحرارًا كانوا أم رقيقًا، مسلمين كانوا أم غير مسلمين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ (المؤمنون: ٥، ٦). . ولقد قال رسول اللَّه ﷺ في سبايا -أوطاس- أي حنين: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة. . " (١).
стр. 5764
وكذلك الحال مع المقاصد الشرعية والإنسانية من وراء التسري. . فهي ذات المقاصد الشرعية والإنسانية من وراء الزواج:
تحقيق الإحصان والاستعفاف للرجل والمرأة، وتحقيق ثبوت أنساب الأطفال لآبائهم الحقيقيين. . ففي هذا التسري كما يقول الفقهاء: استعفاف مالك الأمة. . وتحصين الإماء لكيلا يملن إلى الفجور، وثبوت نسب أولادهن. وأكاد ألمح في التشريع القرآني أمرًا إلهيًا بالإحصان العام للرجال والنساء، أحرارًا كانوا أو أرقاء. . ففي سياق التشريع لغض البصر، وحفظ الفروج، جاء التشريع للاستعفاف بالنكاح الزواج للجميع. . وجاء النهى عن إكراه الإماء على البغاء، لا بمعنى إجبارهن على الزنا فهذا داخل في تحريم الزنا، العام للجميع وإنما بمعنى تركهن دون إحصان واستعفاف بالزواج أو التسري أكاد ألمح هذا المعنى عندما أتأمل سياق هذه الآيات القرآنية: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النور: ٣٠ - ٣٣).
فالتشريع للاستعفاف، والإحصان بالنكاح الزواج، والتسري عام وشامل للجميع. .
стр. 5765
بل لقد جعل الإسلام من نظام التسري سبيلًا لتحقيق المزيد من الحرية للأرقاء، وصولًا إلى تصفية نظام العبودية والاسترقاق. . فأولاد السرية في الشرع الإسلامي، يولدون أحرارًا بعد أن كانوا يظلون أرقاء في الشرائع والحضارات غير الإسلامية والسرية، بمجرد أن تلد، ترتفع إلى مرتبة أرقى هي مرتبة "أم الولد" ثم تصبح كاملة الحرية بعد وفاة والد أولادها. . (١)
أما أنه وسيلة من وسائل التحرير فلأن الأمة حينما تكون مملوكة لمسلم فيجوز له أن يعاشرها معاشرة الزوجات، فإذا ولدت له ولدًا واعترف بالولد أنه ابنه أصبحت في نظر الشرع (أم ولد)، وفي هذه الحالة يحرم على السيد أن يبيعها، وإذا مات ولم يعتقها في حياته فإنها تصبح حرة بعد مماته مباشرةً. وكم من إماء في العصور السالفة تحررن بهذه الوسيلة، وكم رقيقة نعمت بالحرية حين أصبحن أمهات أولاد.
وأما أنه مأثرة عظيمة من مآثر الإسلام في تكريم المرأة؛ فلأن المرأة التي كانت تسترق في الحروب في غير بلاد المسلمين كان عرضها نهبًا مباحًا لكل طالب على طريقة البغاء، بل كانت منهوكة الكرامة رخيصة العرض مهدرة الحقوق.
أما استرقاقها في ظل النظام الإسلامي فيختلف عما كانت تلقاه قبل الإسلام من ذل ومهانة واستهتار، فالإسلام قد حفظ لها حقها وصان لها عرضها وشرفها، فهي ملك يمين لصاحبها فقط لا يجوز لغير مالكها أن يدخل عليها، ويعاشرها معاشرة الزوجات اللهم إلا إذا أذن لها بالزواج تزوجت، فعندئذ لا يحل لمالكها أن يقربها ولا أن يخلو بها، وجعل من حقها نيل الحرية بالمكاتبة إن شاءت، وتُحرر بعد موت مالكها إن كانت أم ولد، ويُحرر معها ولدها، عدا عما يجب أن تتلقاه من السيد من حسن معاملة وكرم معاشرة كما أمرت
стр. 5766
شريعة الإسلام، بهذه المعاملة تستشعر المرأة كيانها وتحس بوجودها وتظل عزيزة مكرمة في ظل مبادئ الإسلام. (١)
١ - الرحمة بالأمة بقضاء حاجتها من شهوته.
٢ - أن وطأها قد يجر لها مزيدًا من عناية سيدها فيعتني بغذائها وكسوتها ونظافتها وما إلى غير ذلك.
٣ - الإرفاق بالمسلم الذي قد يعجز عن مؤونة الحرائر من النساء، فرخص في وطء الإماء تخفيفًا عليه ورحمة به.
٤ - إعدادها لتصبح أم ولد فتعتق بموت سيدها.
أحكام أم الولد:
أم الولد شرعًا هي الأمة التي ولدت من سيدها. (٢)
وقد اتفق أهل العلم على أن أمة الرجل إذا حملت منه، فإن الولد يتحرر في بطن أمه، مع أن العبرة في رق الولد برق الأم، وحرية الوالد لا تقتضي حرية الولد، فلم يكن عتق الولد من جهة كون الأب حرًا، وإنما كان من جهة أن الولد لو علق رقيقًا، لكان ملكًا للوالد، ولا يثبت الملك للوالد على الولد أصلًا (٣). ولأم الولد عشرة أحكام: خمسة منها كأحكام الحرائر، وخمسة منها كأحكام الإماء.
أما الخمسة الأولى: فأحدها: لا يجوز بيعها، والثاني: لا يجوز هبتها، والثالث: لا يجوز رهنها.
والرابع: لا يجوز التصدق بها، والخامس: لا يجوز دفعها في الجناية.
أما الخمسة الأخرى: فأحدها: يجوز وطؤها، والثاني: يجوز استخدامها، والثالث: يجوز عتقها، والرابع: يجوز تزويجها، وهو أن يستبرئها بحيضة ثم يتزوجها.
стр. 5767
والخامس: يجوز أن يكاتبها فتؤدي كتابتها (١).
المقارنة بين التسري في الإسلام وبين ما في أوربا الآن من كثرة البغاء والبغايا:
كان الإسلام قد أباح للسيد أن يكون عنده عدد من الجواري من سبى الحرب يستمتع بهن وحده، ويتزوج منهن أحيانًا إذا شاء. وأوروبا تستنكر هذا اليوم وتتعفف عن هذه الحيوانية البشعة التي تعتبر الجواري متاعًا مباحًا، وأجسادًا لا حرمة لها ولا كرامة، كل مهمتها في الحياة إشباع لذة بهيمية بغيضة، لرجل لا يرتفع عن مستوى الحيوان.
١ - أسيرات الحرب في أوربا لا عائل لهن: قد كانت أسيرات الحرب في البلاد الأخرى يهوين إلى حمأة الرذيلة بحكم أنه لا عائل لهن، ولأن سادتهن لا يشعرن نحوهن بحمية العرض، فيشغلونهن في هذه المهمة البغيضة، ويكسبون من هذه التجارة القذرة: تجارة الأعراض. ولكن الإسلام لم يقبل البغاء، وحرص على حفظ المجتمع نظيفًا من الجريمة، فقصر هؤلاء الجواري على سيدهن، عليه إطعامهن وكسوتهن وحفظهن من الجريمة، وإرضاء حاجتهن الجنسية -عرضًا- وهو يقضي حاجته.
٢ - جواري أمس عفيفات وجواري اليوم بغايا: أباحت أوربا البغاء ومنحته رعاية القانون وحمايته! وراحت تنشره عامدة في كل بلد وطئته أقدامها مستعمرة. فما الذي تغير من الرق حين تغير عنوانه؟ وأين كرامة البغي وهي لا تملك رد طالب - وما يطلبها أحد إلا لأقذر معنى يمكن أن تهبط إليه البشرية: دفعة الجسد الخالصة التي لا تلطفها عاطفة، ولا ترتفع بها روح؟ وأين من هذه القذارة الحسية والمعنوية ما كان بين السادة والجواري في الإسلام؟
لقد كان الإسلام صريحًا مع نفسه ومع الناس، فقال: هذا رق. وهؤلاء جوار. وحدود معاملتهن هي كذا وكذا. ولكن الحضارة المزيفة لا تجد في نفسها هذه الصراحة، فهي لا تسمي البغاء رقًا، وإنما تقول عنه إنه ضرورة اجتماعية!
٣ - اعتبار البغاء في أوربا ضرورة اجتماعية أسوأ حالًا من اعتبار التسري ضرورة اجتماعية:
стр. 5768
البغاء في أوربا ضرورة اجتماعية: لأن الرجل الأوربي المتحضر لا يريد أن يعول أحدًا: لا زوجة ولا أولادًا. يريد أن يستمتع دون أن يتحمل تبعة. يريد جسد امرأة يفرغ فيه شحنة الجنس. ولا يعنيه من تكون هذه المرأة، ولا تعنيه مشاعرها نحوه ولا مشاعره نحوها. فهو جسد ينزو كالبهيمة، وهي جسد يتلقى هذه النزوة بلا اختيار، ويتلقاها لا من واحد بعينه، ولكن من أي عابر سبيل.
هذه هي الضرورة الاجتماعية التي تبيح استرقاق النساء في الغرب في العصر الحديث. وما هي بضرورة لو ارتفع الرجل الأوربي إلى مستوى الإنسانية، ولم يجعل لأنانيته كل هذا السلطان عليه.
- والدول التي ألغت البغاء في الغرب المتحضر لم تلغه لأن كرامتها أوجعتها، أو لأن مستواها الخلقي والنفسي والروحي قد ارتفع عن الجريمة. كلا! ولكن لأن الهاويات قد أغنين عن المحترفات. ولم تعد الدولة في حاجة إلى التدخل!
وبعد ذلك يجد الغرب من التبجح ما يعيب به نظام الجواري في الإسلام، ذلك النظام الذي كان قبل ألف وثلاثمائة عام -وعلى أنه نظام غير مطلوب له الدوام- أكرم بكثير وأنظف بكثير من النظام الذي يقوم اليوم في القرن العشرين، وتعتبره المدنية نظامًا طبيعيًا، لا يستنكره أحد، ولا يسعى في تغييره أحد، ولا يمانع أحد في أن يظل باقيًا إلى نهاية الحياة!
٤ - البغايا قد تكن مكرهات على البغاء، كما يُظن أن التسري فيه إكراه السيد لجاريته على الجماع:
ولا يقل قائل إن هؤلاء الهاويات يتطوعن دون إكراه من أحد، وهن مالكات لحريتهن الكاملة. فالعبرة بالنظام الذي يدفع الناس بأوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية والروحية إلى قبول الرق أو الوقوع فيه. ولا شك أن الحضارة الأوربية هي التي تدفع إلى البغاء وتقره، سواء كان البغاء الرسمي، أو بغاء المتطوعات الهاويات! .
стр. 5769
تلك قصة الرق في أوربا حتى القرن العشرين: رق الرجال والنساء والأمم والأجناس. رق متعدد النابع متجدد الموارد، في غير ضرورة ملجئة، اللهم إلا خسة الغرب وهبوطه عن المستوى اللائق لبني الإنسان. (١)
الوجه الحادي عشر: حسن معاملة النبي ﷺ والمسلمين مع الرقيق والأسرى .
أحوال النبي ﷺ مع الرقيق
- قبل البعثة:
- فإن في ذلك دلالة واضحة على أن النبي ﷺ كان مستقرًا في نفسه أهمية تحرير العبيد من قيود الرق، وأن تقييد الحرية بالرق بغير حق لم يكن ذلك من صفته ﷺ .
عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ مَا كُنَّا نَدْعُوهُ إِلَّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢).
فإن زيد بن حارثة أنعم اللَّه عليه بالإسلام، وأنعم عليه رسول اللَّه ﷺ بأن أعتقه من الرق، وكان من سبي الجاهلية اشتراه رسول اللَّه ﷺ في الجاهلية وأعتقه، لذلك قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾. (٣) ولقد اختار من قبل الرق مع رسول اللَّه ﷺ على حريته وقومه.
بعد البعثة:
والنبي ﷺ مَنَّ على أهل مكة، فإن الأسير يجوز المن عليه للمصلحة، وأعطاهم مع ذلك ذراريهم وأموالهم، كما مَنَّ على هوازن لا جاؤوا مسلمين بإحدى الطائفتين: السبي أو المال، فاختاروا السبي فأعطاهم السبي، وكان ذلك بعد القسمة، فعوض عن نصيبه من لم يرض بأخذه منهم، وكان قد قسم المال فلم يرده عليهم، وقريش لم تحاربه كما حاربته
стр. 5770
هوازن، وهو إنما مَنَّ على مَنْ لم يقاتله منهم كما قال: من أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.
فلما كف جمهورهم عن قتاله، وعرف أنهم مسلمون أطلقهم، ولم يغنم أموالهم ولا حريمهم، ولم يضرب الرق لا عليهم ولا على أولادهم، بل سماهم الطلقاء من قريش، بخلاف ثقيف، فإنهم سموا العتقاء، فإنه أعتق أولادهم بعد الاسترقاق والقسمة، وكان في هذا ما دل على أن الإمام يفعل بالأموال والرجال والعقار والمنقول ما هو أصلح، فإن النبي ﷺ فتح خيبر فقسمها بين المسلمين، وسبى بعض نسائها، وأقر سائرهم مع ذراريهم حتى أجلوا بعد ذلك، فلم يسترقهم، ومكة فتحها عنوة ولم يقسمها لأجل المصلحة.
ولو فتح الإمام بلدًا وغلب على ظنه أن أهله يسلمون ويجاهدون جاز أن يمن عليهم بأنفسهم وأموالهم وأولادهم، كما فعل النبي ﷺ بأهل مكة، فإنهم أسلموا كلهم بلا خلاف، بخلاف أهل خيبر فإنه لم يسلم منهم أحد، فأولئك قسم أرضهم؛ لأنهم كانوا كفارًا مصرين على الكفر، وهؤلاء تركها لهم؛ لأنهم كلهم صاروا مسلمين (١).
أحوال النبي مع الرقيق والإماء:
١ - مساعدتهم في الخلاص من الرق:
عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: شَغَلَ سَلْمَانَ الرِّقُّ حَتَّى فَاتَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ بَدْرٌ وَأُحُدٌ -قَالَ- ثُمَّ قَالَ لي رَسُولُ اللَّه ﷺ : "كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ"، فَكَاتَبْتُ صاحبي عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ نَخْلَةٍ أُحْيِيهَا لَهُ بِالْفَقِيرِ وَبِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ لأَصْحَابِهِ: "أَعِينُوا أَخَاكُمْ"، فأعانوني بِالنَّخْلِ الرَّجُلُ بِثَلَاثِينَ وَدِيَّةً، وَالرَّجُلُ بِعِشْرِينَ، وَالرَّجُلُ بِخَمْسِ عَشْرَةَ، وَالرَّجُلُ بِعَشْرٍ يَعْنِي الرَّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ حَتَّى اجْتَمَعَتْ لي ثَلَاثُمائَةٍ وَدِيَّةٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّه ﷺ : "اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ فَفَقِّرْ لَهَا، فَإِذَا فَرَغْتَ فَائْتِنِي أَكُونُ أَنَا أَضَعُهَا بيدي، فَفَقَّرْتُ لَهَا، وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ مِنْهَا جِئْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ مَعِي إِلَيْهَا، فَجَعَلْنَا نُقَرِّبُ لَهُ الوَدِيّ، وَيَضَعُهُ
стр. 5771
رَسُولُ اللَّه ﷺ بِيَدِهِ، فَوَالذي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ مَا مَاتَتْ مِنْهَا وَدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَأَدَّيْتُ النَّخْلَ وَبَقِيَ عَلَيَّ الْمَالُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِمِثْلِ بَيْضَةِ الدَّجَاجَةِ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ بَعْضِ الْمَغَازِي، فَقَالَ: "مَا فَعَلَ الفارسي الْمُكَاتَبُ؟ . قَالَ: فَدُعِيتُ لَهُ فَقَالَ: "خُذْ هَذِهِ فَأَدِّ بِهَا مَا عَلَيْكَ يَا سَلْمَانُ، فَقُلْتُ: وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّه مِمَّا عَلَيَّ؟ قَالَ: "خُذْهَا فَإِنَّ اللَّه سَيُؤَدِّي بِهَا عَنْكَ. قَالَ: فَأَخَذْتُهَا فَوَزَنْتُ لَهُمْ مِنْهَا -وَالَّذِي نَفْسُ سَلمانَ بِيَدِهِ- أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، فأَوْفَيْتُهُمْ حَقَهُمْ، وَعُتِقْتُ، فَشَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ الْخَنْدَقَ ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَهُ مَشْهَدٌ (١).
عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ كان يعتق من جاءه من العبيد قبل مواليهم إذا أسلموا، وقد أعتق يوم الطائف رجلين. (٢)
يردفهم النبي خلفه:
عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ (٣).
زيارتهم في بيوتهم:
عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ أَتَى مَوْلًى لَهُ خَيَّاطًا، فَأُتِيَ بِدُبَّاءٍ فَجَعَلَ يَأْكُلُهُن فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَأْكُلُهُ (٤).
أحوال الصحابة مع الرقيق:
فقد روي عن أبي بكر أنه كان يعطي الأحرار والعبيد. وروينا عن عمر قوله: (إلا ما ملكت أيمانكم)، فهو يتأول على وجهين، أحدهما: ما ذهب إليه أبو عبيد أن الاستثناء يرجع إلى مماليك بأعيانها كانوا شهدوا بدرًا، وروى بإسناده عن مخلد الغفاري: أن مملوكين
стр. 5772
أو ثلاثة لبني غفار شهدوا بدرًا، فكان عمر يعطي كل رجل منهم في كل سنة ثلاثة آلاف درهم. قال: فأحسب أنه أراد هؤلاء المماليك (١).
ويروى أنّ مكاتبًا قام إلى أبي موسى الأشعري وهو يخطب الناس يوم الجمعة فقال له: أيها الأمير حثّ الناس عليّ، فحث أبو موسى، فألقى الناس ملاءة وعمامة وخاتمًا حتى ألقوا عليه سوادًا كثيرًا، فلمّا رأى أبو موسى ما ألقى الناس، قال أبو موسى: اجمعوه فجُمع، ثم أمر به فبيع فأعطى المكاتب مكاتبته، ثم أعطى الفضل في الرقاب، ولم يردّه على الناس، وقال إنما أعطى الناس في الرقاب (٢).
يعترضون فيسمع لقولهم:
عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَرَخَّصَ، فَقَالَ لَهُ مَوْلًى لَهُ: إِنَّمَا ذَلِكَ في الْحَالِ الشَّدِيدِ، وَفي النِّسَاءِ قِلَّة أَوْ نَحْوَهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ (٣).
أحوال الصحابة مع العبيد:
عكرمة مولى ابن عباس، العلامة، الحافظ، المفسر، أبو عبد اللَّه القرشي، مولاهم، المدني، البربري الأصل.
كان لحصين بن أبي الحر العنبري، فوهبه لابن عباس.
عن عكرمة أن ابن عباس قال: انطلق فأفت الناس، وأنا لك عون قال: انطلق فأفتهم، فمن جاءك يسألك عما يعنيه فأفته، ومن سألك عما لا يعنيه، فلا تفته، فإنك تطرح عنك ثلثي مؤنة الناس (٤).
نساء النبي يهتممن بالعتق توجيهًا من النبي ﷺ -:
стр. 5773
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، وَأَرَادَ مَوَالِيهَا أَنْ يَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : "اشْتَرِيهَا فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"، قَالَتْ: وَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَحْمٍ، فَقُلْتُ: هَذَا مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: "هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ" (١).
عن ميمونة بنت الحارث أنها أعتقت وليدة في زمان رسول اللَّه ﷺ فذكرت ذلك لرسول اللَّه ﷺ فقال: لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك. (٢)
أحوال النبى ﷺ مع الأسرى:
قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ (الأنفال: ٧٠ - ٧١)، قال اللَّه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾، وظاهر الآية على ما ذكره السيوطي في أحكام القرآن العظيم امتناع القتل بعد الأسر، وبه قال الحسن.
وفي حكم الأسارى خلاف، فذهب الأكثرون إلى أن الإمام بالخيار:
١ - إن شاء قتلهم إن لم يسلموا، لأنه ﷺ قتل عقبة بن أبي معيط صبرًا. وطعيمة بن عدى. والنضر بن الحارث التي قالت فيه أخته أبياتًا تخاطب النبي ﷺ منها:
ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق
وإن في قتلهم حسم مادة فسادهم بالكلية.
- وليس لأحد من الغزاة أن يقتل أسيرًا بنفسه، فإن فعل بلا ملجيء كخوف شر الأسير: كان للإمام أن يعزره إذا وقع على خلاف مقصوده، ولكن لا يضمن شيئًا.
٢ - وإن شاء استرقهم؛ لأن فيه دفع شرهم مع وفور المصلحة لأهل الإسلام.
стр. 5774
٣ - وإن شاء تركهم ذمة أحرارًا للمسلمين كما فعل عمر ﵁ ذلك في أهل السواد، الأسارى مشركي العرب والمرتدين؛ فإنهم لا تقبل منهم جزية، ولا يجوز استرقاقهم، بل الحكم فيهم إما الإسلام أو السيف، وإن أسلم الأسارى بعد الأسر لا يقتلهم؛ لاندفاع شرهم بالإسلام، ولكن يجوز استرقاقهم، فإن الإسلام لا ينافي الرق جزاء على الكفر الأصلي، وقد وجد بعد انعقاد سبب الملك وهو الاستيلاء على الحربي غير المشرك من العرب، بخلاف ما لو أسلموا من قبل الأخذ فإنهم يكونون أحرارًا؛ لأنه إسلام قبل انعقاد سبب الملك فيهم، ولا يفادي بالأسارى في إحدى الروايتين عن الإمام أبي حنيفة ﵀ لما في ذلك من معونة الكفر؛ لأنه يعود الأسير الكافر حربًا علينا، ودفع شر حرابته خير من استنقاذ المسلم؛ لأنه إذا بقي في أيديهم كان ابتلاء في حقه فقط، والضرر بدفع أسيرهم إليهم يعود على جماعة المسلمين (١).
والرواية الأخرى عنه أنه يفادي وهو قول محمد. وأبي يوسف. والإمام الشافعي. ومالك. وأحمد إلا بالنساء، فإنه لا يجوز المفاداة بهن عندهم، ومنع أحمد المفاداة بصبيانهم، وهذه رواية السير الكبير، قيل: وهو أظهر الروايتين عن الإمام أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: تجوز المفاداة بالأسارى قبل القسمة لا بعدها، وعند محمد تجوز بكل حال. ووجه ما ذكره الأئمة من جواز المفاداة أن تخليص المسلم أولى من قتل الكافر للانتفاع به، ولأن حرمته عظيمة، وما ذكر من الضرر الذي يعود إلينا بدفعه إليهم يدفعه ظاهرًا المسلم الذي يتخلص منهم؛ لأنه ضرر شخص واحد فيقوم بدفعه واحد مثله ظاهرًا فيتكافآن وتبقى فضيلة تخليص المسلم وتمكينه من عبادة اللَّه تعالى فإن فيها زيادة ترجيح.
ثم إنه قد ثبت ذلك عن رسول اللَّه ﷺ : أخرج مسلم. وأبو داود. والترمذي. وعبد بن حميد. وابن جرير عن عمران بن حصين "أن رسول اللَّه ﷺ فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين"، ويحتج لمحمد بما أخرجه مسلم أيضًا عن إياس بن سلمة عن أبيه
стр. 5775
سلمة قال: خرجنا مع أبي بكر ﵁ أمره علينا رسول اللَّه ﷺ إلى أن قال: فلقيني رسول اللَّه ﷺ من الغد في السوق فقال: يا سلمة، هب لي المرأة -يعني التي نفله أبو بكر إياها- فقلت: يا رسول اللَّه لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبًا، ثم لقيني رسول اللَّه ﷺ من الغد في السوق فقال: "يا سلمة هب لي المرأة للَّه أبوك" فقلت: هي لك يا رسول اللَّه فواللَّه ما كشفت لها ثوبًا فبعث به رسول اللَّه ﷺ ، ففدى بها ناسًا من المسلمين أسروا بمكة، ولا يفادي بالأسير إذا أسلم وهو بأيدينا؛ لأنه لا يفيد إلا إذا طابت نفسه وهو مأمون على إسلامه، فيجوز لأنه يفيد تخليص مسلم من غير إضرار بمسلم آخر، وأما المفاداة بمال فلا تجوز في المشهور من مذهب الحنفية لما بين في المفاداة بالمسلمين من ردهم حربًا علينا.
وفي السير الكبير أنه لا بأس به إذا كان بالمسلمين حاجة، قيل: استدلالًا بأسارى بدر فإنه لا شك في احتياج المسلمين، بل في شدة حاجتهم إذ ذاك فليكن محمل المفاداة الكائنة في بدر بالمال، وأما المن على الأسارى وهو أن يطلقهم إلى دار الحرب من غير شيء فلا يجوز عند أبي حنيفة. ومالك. وأحمد، وأجازه الإمام الشافعي؛ لأنه ﷺ منّ على جماعة من أسرى بدر منهم أبو العاص بن أبي الربيع على ما ذكره ابن إسحق بسنده. وأبو داود من طريقه إلى عائشة لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت بنت رسول اللَّه ﷺ في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنائه عليها، فلما رأى النبي ﷺ ذلك رق لها رقة شديدة وقال لأصحابه: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرنا وتردوا لها الذي لها"، ففعلوا ذلك مغتبطين به، ورواه الحاكم وصححه وزاد: "وكان النبي ﷺ قد أخذ عليه أن يخلي زبنب إليه ففعل"، ومنّ ﷺ على ثمامة بن أثال بن النعمان الحنفي سيد أهل اليمامة، ثم أسلم وحسن إسلامه، وحديثه في (صحيح مسلم) عن أبي هريرة ﵁، ويكفي ما ثبت في (صحيح البخاري) من قوله ﵊: "لو كان المطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى يعني أساري بدر لتركتهم له"، فإنه ﷺ أخبر وهو الصادق المصدوق بأنه يطلقهم لو
стр. 5776
سأله المطعم، والإطلاق على ذلك التقدير لا يثبت إلا وهو جائز شرعًا لمكان العصمة، وكونه لم يقع لعدم وقوع ما علق عليه لا ينفي جوازه شرعًا.
واستدل أيضًا بالآية التي نحن فيها فإن اللَّه تعالى خير فيها بين المن والفداء، والظاهر أن المراد بالمن الإطلاق مجانًا؛ وكون المراد المن عليهم بترك القتل وإبقاءهم مسترقين أو تخليتهم لقبول الجزية وكونهم من أهل الذمة خلاف الظاهر، وبعض النفوس يجد طعم الإلاء أحلى من هذا المن.
وأجاب بعض الحنفية بأن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (التوبة: ٥)، فإنه يقتضي عدم جواز المن، وكذا عدم جواز الفداء وهي آخر سورة نزلت في هذا الشأن، وزعم أن ما وقع من المن والفداء إنما كالثاني قضية بدر وهي سابقة عليها وإن كان شيء من ذلك بعد بدر فهو أيضًا قبل السورة.
والقول بالنسخ جاء عن ابن عباس. وقتادة. والضحاك. ومجاهد في روايات ذكرها الجلال السيوطي في (الدر المنثور)، وقال العلامة ابن الهمام: قد يقال إن ذلك يعني ما في سورة براءة في حق غير الأسارى بدليل جواز الاسترقاق فيهم، فيعلم أن القتل المأمور به في حق غيرهم، وما ذكره في جواز الاسترقاف ليس على إطلاقه إذ لا يجوز كما علمت استرقاق مشركي العرب ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي آلاتها وأثقالها من السلاح وغيره. (١)
وهذا صلاح الدين عامل الأسرى الصليبيين بالعفو وقبول الفداء بعد أن انتصر عليهم في معركة حطين الحاسمة، ولو أراد قتلهم لكان ذلك عدلًا على مبدأ المعاملة بالمثل، لكون الصليبيين قتلوا من المسلمين في يوم واحد في الحرب الصليبية الأولى أكثر من سبعين ألف أسير، ورحم اللَّه من قال:
ملكنا فكان العفو منا سجيةً ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح
стр. 5777
وحللتم قتل الأسارى وطالما ... غدونا عن الأسرى نعف ونصفح
فحسبكم هذا التفاوت بيننا ... وكل إناء بالذي فيه ينضح
وهذا ما فعله الخليفة العثماني السلطان (محمد الفاتح) حينما اصطلح مع دول العالم في معاهدة دولية على إلغاء استرقاق الأسرى في الحرب، ومنذ ذلك الحين تعارفت الدول على هذا الاصطلاح، وحرَّم الاسترقاق في الحرب.
الوجه الثاني عشر: أهمية الموالي في بناء الدولة الإسلامية .
- مساعدة النبي ﷺ في هجرته:
عن عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِي ﷺ قَالَتْ: لحِقَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ في جَبَلِ ثَوْرٍ، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ فَيَبيتَانِ فِي رِسْلٍ وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفهِمَا حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاث (١).
- صانع منبر رسول اللَّه ﷺ كان مولى:
عن أَبي حَازِمٍ قَالَ: سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الْمِنْبَر؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ بِالنَّاسِ أَعْلَمُ مِنِّي. هُوَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ عَمِلَهُ فُلَان مَوْلَى فُلَانَةَ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ ، وَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ حِينَ عُمِلَ، وَوُضِعَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ كَبَّر، وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ (٢).
- منهم من كان في مرتبة أئمة للمسلمين في صلاتهم:
عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ قَالَ: لمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ الْعُصْبَةَ مَوْضِعٌ بِقُبَاءٍ قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّه ﷺ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرآنًا (٣).
стр. 5778
- ولاة على البلاد:
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا عَلَى الْحِمَى فَقَالَ: يَا هُنَيُّ، اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ، وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ، وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ، وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ، فَإِنَّهُمَا إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَا إِلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ، وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَأْتِنِى بِبَنِيهِ فَيَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا لَا أَبَا لَكَ فَالْمَاءُ وَالْكَلأُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَايْمُ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ أَنِّي قَدْ ظَلَمْتُهُمْ، إِنَّهَا لَبِلَادُهُمْ فَقَاتَلُوا عَلَيْهَا في الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا في الإِسْلَامِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ في سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا (١).
الموالى أصبحوا سادة وملوكًا في الدولة الإسلامية
عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري قال: قدمت على عبد الملك بن مروان، فقال لي: من أين قدمت يا زهري؟ قلت: من مكة، قال: فمن خلفت يسود أهلها؟ قال: قلت: عطاء بن أبي رباح، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: وبم سادهم، قال: قلت: بالديانة، والرواية، قال: إن أهل الديانة، والرواية لينبغي أن يسودوا، فمن يسود أهل اليمن؟ قال: قلت: طاوس بن كيسان، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: وبم سادهم، قال: قلت: بما سادهم به عطاء، قال: إنه لينبغي، فمن يسود أهل مصر؟ قال: قلت: يزيد بن أبي حبيب، قال: فمن العرب أم من الموالي، قال: قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل الشام؟ قال: قلت: مكحول، قال. فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل، قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قال: قلت: ميمون بن مهران، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال:
стр. 5779
قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قال: قلت: الضحاك بن مزاحم، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: ويلك، فمن يسود أهل الكوفة؟ قال: قلت: إبراهيم النخعي، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من العرب، قال: ويلك يا زهري، فرجت عني، واللَّه ليسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر، والعرب تحتها، قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر اللَّه ودينه، من حفظه ساد، ومن ضيعه سقط (١).
كتبة: عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّه، وَكَانَ كَاتِبَهُ قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي أَوْفَى ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ" (٢).
قُراء للقرآن: عن عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ: "خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ فَبَدَأَ بِهِ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ". (٣)
حملة الحديث: عدد الموالي الذين حدثوا بأحاديث في الكتب الستة هم: ثلاثمائة وعشرون مولًى.
الوجه الثالث عشر: لماذا لم يُحرم الإسلام الرقي تحريمًا قطعيًّا، كتحريمه للخمر ؟ .
قال الرازي: الإنسان مخلوق لخدمة اللَّه تعالى وعبوديته، فإذا تمرد عن طاعة اللَّه تعالى عوقب بضرب الرق عليه، فإذا أزيل الرق عنه تفرغ لعبادة اللَّه تعالى، فكان ذلك عبادة مستحسنة. (٤)
стр. 5780
فكانت نظرة الإسلام لعدم تحريم الرق تحريمًا قطعيًا لاعتبارات كثيرة: عالمية، وسياسية، ونفسية، واجتماعية، وتشريعية. وإليك تفصيلها:
أولًا: الاعتبارات العالمية:
فالأوضاع الاجتماعية المعقدة تحتاج إلى تعديل شامل لمقوماتها وارتباطاتها قبل تعديل ظواهرها وآثارها، فقد كان الأمر أمر وضع اجتماعي اقتصادي، وأمر عرف دولي وعالمي في استرقاق الأسرى وفي استخدام الرقيق، والعرف الدولي يحتاج إلى اتفاقات دولية ومعاهدات جماعية. فلقد وجد الإسلام الرق نظامًا عالميًا يقوم عليه الاقتصاد العالمي. ووجد استرقاق الأسرى عرفًا دوليًا يأخذ به المحاربون جميعًا. . فلم يكن بد أن يتريث في علاج الوضع الاجتماعي القائم والنظام الدولي الشامل.
وقد اختار الإسلام أن يجفف منابع الرق وموارده حتى ينتهي بهذا النظام كله -مع الزمن- إلا الإلغاء، دون إحداث هزة اجتماعية لا يمكن ضبطها ولا قيادتها. وذلك مع العناية بتوفير ضمانات الحياة المناسبة للرقيق، وضمان الكرامة الإنسانية في حدود واسعة. بدأ بتجفيف موارد الرق فيما عدا أسرى الحرب الشرعية ونسل الأرقاء. . ذلك أن المجتمعات المعادية للإسلام كانت تسترق أسرى المسلمين حسب العرف السائد في ذلك الزمان. وما كان الإسلام يومئذ قادرًا على أن يجبر المجتمعات المعادية على مخالفة ذلك العرف السائد، الذي تقوم عليه قواعد النظام الاجتماعي والاقتصادي في أنحاء الأرض. ولو أنه قرر إبطال استرقاق الأسرى لكان هذا إجراء مقصورًا على الأسرى الذين يقعون في أيدي المسلمين، بينما الأسارى المسلمون يلاقون مصيرهم السيئ في عالم الرق هناك. وفي هذا إطماع لأعداء الإسلام في أهل الإسلام. (١)
قال عبد اللَّه ناصح علوان: الإسلام جاء والرق معترف به في جميع أنظمة العالم، بل كان عملة اقتصادية متداولة وضرورة اجتماعية هامة لا يستنكرها أحد، ولا يمكن أن