سأله المطعم، والإطلاق على ذلك التقدير لا يثبت إلا وهو جائز شرعًا لمكان العصمة، وكونه لم يقع لعدم وقوع ما علق عليه لا ينفي جوازه شرعًا.
واستدل أيضًا بالآية التي نحن فيها فإن اللَّه تعالى خير فيها بين المن والفداء، والظاهر أن المراد بالمن الإطلاق مجانًا؛ وكون المراد المن عليهم بترك القتل وإبقاءهم مسترقين أو تخليتهم لقبول الجزية وكونهم من أهل الذمة خلاف الظاهر، وبعض النفوس يجد طعم الإلاء أحلى من هذا المن.
وأجاب بعض الحنفية بأن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (التوبة: ٥)، فإنه يقتضي عدم جواز المن، وكذا عدم جواز الفداء وهي آخر سورة نزلت في هذا الشأن، وزعم أن ما وقع من المن والفداء إنما كالثاني قضية بدر وهي سابقة عليها وإن كان شيء من ذلك بعد بدر فهو أيضًا قبل السورة.
والقول بالنسخ جاء عن ابن عباس. وقتادة. والضحاك. ومجاهد في روايات ذكرها الجلال السيوطي في (الدر المنثور)، وقال العلامة ابن الهمام: قد يقال إن ذلك يعني ما في سورة براءة في حق غير الأسارى بدليل جواز الاسترقاق فيهم، فيعلم أن القتل المأمور به في حق غيرهم، وما ذكره في جواز الاسترقاف ليس على إطلاقه إذ لا يجوز كما علمت استرقاق مشركي العرب ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي آلاتها وأثقالها من السلاح وغيره. (١)
وهذا صلاح الدين عامل الأسرى الصليبيين بالعفو وقبول الفداء بعد أن انتصر عليهم في معركة حطين الحاسمة، ولو أراد قتلهم لكان ذلك عدلًا على مبدأ المعاملة بالمثل، لكون الصليبيين قتلوا من المسلمين في يوم واحد في الحرب الصليبية الأولى أكثر من سبعين ألف أسير، ورحم اللَّه من قال:
ملكنا فكان العفو منا سجيةً ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح
стр. 5777
وحللتم قتل الأسارى وطالما ... غدونا عن الأسرى نعف ونصفح
فحسبكم هذا التفاوت بيننا ... وكل إناء بالذي فيه ينضح
وهذا ما فعله الخليفة العثماني السلطان (محمد الفاتح) حينما اصطلح مع دول العالم في معاهدة دولية على إلغاء استرقاق الأسرى في الحرب، ومنذ ذلك الحين تعارفت الدول على هذا الاصطلاح، وحرَّم الاسترقاق في الحرب.
الوجه الثاني عشر: أهمية الموالي في بناء الدولة الإسلامية .
- مساعدة النبي ﷺ في هجرته:
عن عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِي ﷺ قَالَتْ: لحِقَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ في جَبَلِ ثَوْرٍ، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ فَيَبيتَانِ فِي رِسْلٍ وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفهِمَا حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاث (١).
- صانع منبر رسول اللَّه ﷺ كان مولى:
عن أَبي حَازِمٍ قَالَ: سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الْمِنْبَر؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ بِالنَّاسِ أَعْلَمُ مِنِّي. هُوَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ عَمِلَهُ فُلَان مَوْلَى فُلَانَةَ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ ، وَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ حِينَ عُمِلَ، وَوُضِعَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ كَبَّر، وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ (٢).
- منهم من كان في مرتبة أئمة للمسلمين في صلاتهم:
عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ قَالَ: لمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ الْعُصْبَةَ مَوْضِعٌ بِقُبَاءٍ قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّه ﷺ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرآنًا (٣).
стр. 5778
- ولاة على البلاد:
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا عَلَى الْحِمَى فَقَالَ: يَا هُنَيُّ، اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ، وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ، وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ، وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ، فَإِنَّهُمَا إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَا إِلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ، وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَأْتِنِى بِبَنِيهِ فَيَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا لَا أَبَا لَكَ فَالْمَاءُ وَالْكَلأُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَايْمُ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ أَنِّي قَدْ ظَلَمْتُهُمْ، إِنَّهَا لَبِلَادُهُمْ فَقَاتَلُوا عَلَيْهَا في الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا في الإِسْلَامِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ في سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا (١).
الموالى أصبحوا سادة وملوكًا في الدولة الإسلامية
عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري قال: قدمت على عبد الملك بن مروان، فقال لي: من أين قدمت يا زهري؟ قلت: من مكة، قال: فمن خلفت يسود أهلها؟ قال: قلت: عطاء بن أبي رباح، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: وبم سادهم، قال: قلت: بالديانة، والرواية، قال: إن أهل الديانة، والرواية لينبغي أن يسودوا، فمن يسود أهل اليمن؟ قال: قلت: طاوس بن كيسان، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: وبم سادهم، قال: قلت: بما سادهم به عطاء، قال: إنه لينبغي، فمن يسود أهل مصر؟ قال: قلت: يزيد بن أبي حبيب، قال: فمن العرب أم من الموالي، قال: قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل الشام؟ قال: قلت: مكحول، قال. فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل، قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قال: قلت: ميمون بن مهران، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال:
стр. 5779
قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قال: قلت: الضحاك بن مزاحم، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: ويلك، فمن يسود أهل الكوفة؟ قال: قلت: إبراهيم النخعي، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من العرب، قال: ويلك يا زهري، فرجت عني، واللَّه ليسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر، والعرب تحتها، قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر اللَّه ودينه، من حفظه ساد، ومن ضيعه سقط (١).
كتبة: عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّه، وَكَانَ كَاتِبَهُ قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي أَوْفَى ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ" (٢).
قُراء للقرآن: عن عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ: "خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ فَبَدَأَ بِهِ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ". (٣)
حملة الحديث: عدد الموالي الذين حدثوا بأحاديث في الكتب الستة هم: ثلاثمائة وعشرون مولًى.
الوجه الثالث عشر: لماذا لم يُحرم الإسلام الرقي تحريمًا قطعيًّا، كتحريمه للخمر ؟ .
قال الرازي: الإنسان مخلوق لخدمة اللَّه تعالى وعبوديته، فإذا تمرد عن طاعة اللَّه تعالى عوقب بضرب الرق عليه، فإذا أزيل الرق عنه تفرغ لعبادة اللَّه تعالى، فكان ذلك عبادة مستحسنة. (٤)
стр. 5780
فكانت نظرة الإسلام لعدم تحريم الرق تحريمًا قطعيًا لاعتبارات كثيرة: عالمية، وسياسية، ونفسية، واجتماعية، وتشريعية. وإليك تفصيلها:
أولًا: الاعتبارات العالمية:
فالأوضاع الاجتماعية المعقدة تحتاج إلى تعديل شامل لمقوماتها وارتباطاتها قبل تعديل ظواهرها وآثارها، فقد كان الأمر أمر وضع اجتماعي اقتصادي، وأمر عرف دولي وعالمي في استرقاق الأسرى وفي استخدام الرقيق، والعرف الدولي يحتاج إلى اتفاقات دولية ومعاهدات جماعية. فلقد وجد الإسلام الرق نظامًا عالميًا يقوم عليه الاقتصاد العالمي. ووجد استرقاق الأسرى عرفًا دوليًا يأخذ به المحاربون جميعًا. . فلم يكن بد أن يتريث في علاج الوضع الاجتماعي القائم والنظام الدولي الشامل.
وقد اختار الإسلام أن يجفف منابع الرق وموارده حتى ينتهي بهذا النظام كله -مع الزمن- إلا الإلغاء، دون إحداث هزة اجتماعية لا يمكن ضبطها ولا قيادتها. وذلك مع العناية بتوفير ضمانات الحياة المناسبة للرقيق، وضمان الكرامة الإنسانية في حدود واسعة. بدأ بتجفيف موارد الرق فيما عدا أسرى الحرب الشرعية ونسل الأرقاء. . ذلك أن المجتمعات المعادية للإسلام كانت تسترق أسرى المسلمين حسب العرف السائد في ذلك الزمان. وما كان الإسلام يومئذ قادرًا على أن يجبر المجتمعات المعادية على مخالفة ذلك العرف السائد، الذي تقوم عليه قواعد النظام الاجتماعي والاقتصادي في أنحاء الأرض. ولو أنه قرر إبطال استرقاق الأسرى لكان هذا إجراء مقصورًا على الأسرى الذين يقعون في أيدي المسلمين، بينما الأسارى المسلمون يلاقون مصيرهم السيئ في عالم الرق هناك. وفي هذا إطماع لأعداء الإسلام في أهل الإسلام. (١)
قال عبد اللَّه ناصح علوان: الإسلام جاء والرق معترف به في جميع أنظمة العالم، بل كان عملة اقتصادية متداولة وضرورة اجتماعية هامة لا يستنكرها أحد، ولا يمكن أن
стр. 5781
يفكر في إمكان تغييرها إنسان في العالم ولا سيما نظام استرقاق أسرى الحرب، ويصبح الرق نظامًا عالميًا قائمًا وعملة اقتصادية متداولة وضرورة اجتماعية هامة، وبعد أن تمت المرحلة التي ألغى فيها الرق مَن يدري؟ لعله يأتي يوم يعود فيه نظام الاسترقاق.
فلا يعقل والحال هذه أن يقف الإسلام مكتوف اليدين تجاه هذا الحدث الجديد، بل سيسير على مبدأ المعاملة بالمثل، ويتخذ من الوسائل والتدابير ما يغير هذا النظام أو يلغيه، وهذا يحتاج إلى زمن مطرد ووقت طويل، ويحتاج إلى أن يفهم الناس حقيقة الإسلام ونظرته الكلية الشاملة في الكون والحياة والإنسان، ويحتاج أيضًا إلى أن يتذوق المستعبدون معنى العزة الآدمية وحقيقة الكرامة الإنسانية ليطالبوا بعد هذا التذوق والاستشعار بتحريرهم من الذل، وتخليصهم من العبودية. (١)
ثانيًا: الاعتبارات السياسية:
ولا شك أن الإمام حينما ينظر للأمر بعين الحكمة والمصلحة وحينما ينظر للقضية النظرة السياسية العميقة الشاملة ليعامل الأسرى على أساسها، فلا بد أن يصل في نهاية المطاف إلى الحل الأسلم والمصلحة المتوخاة، فلا يبعد أن يعامل الأسرى على أساس القتل إذا رأى حالة المسلمين في تزعزع وضعف، ولا يبعد أن يعامل الأسرى على أساس المن أو الفداء إذا رأى حالة المسلمين في مركز نفوذ وقوة، ولا يبعد أن يعامل الأسرى على أساس الاسترقاق إذا رأى الأعداء يسترقون أسرانا معاملة بالمثل، وهكذا يفعل الإمام ما يرى فيه مصلحة سياسية وضرورة حربية وحاجة مالية. (٢)
ثالثًا: الاعتبارات النفسية:
فالمقصود بالعتق نفع العتيق، وملكه منافع نفسه، فإذا كان يضيع بعتقه، وبقاؤه في الرق أنفع له فإنه لا يجزئ عتقه، مع أن في قوله: ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ما يدل على ذلك؛ فإن
стр. 5782
التحرير: تخليص من استحقت منافعه لغيره أن تكون له، فإذا لم يكن فيه منافع لم يتصور وجود التحرير. (١)
قال عبد اللَّه ناصح علوان: وسبق أن ألمحنا أيضًا أن الإسلام قبل أن يحرر الرقيق من عالم الواقع حرره من داخل النفس وأعماق الضمير لكي يحس بكيانه وكرامته فيطلب بنفسه الحرية، وحينما يطلبها يجد التشريع خير ضامن لهذه الحرية وخير كافل لتحقيقها، وهذا ما بيناه مفصلًا في العتق بالمكاتبة.
و(إبراهام لنكولن) خير شاهد لما نقول، فالعبيد الذين حررهم (لنكولن) من الخارج بالتشريع لم يطيقوا الحرية وعادوا إلى سادتهم يرجونهم أن يقبلوهم عبيدًا كما كانوا، لأنهم من الداخل في الضمير لم يكونوا تحرروا بعد، ولم يكونوا استشعروا بلذة الآدمية وكرامة الإنسانية بتحريرهم الفجائي.
بينما الإسلام يختلف كثيرًا عن الأنظمة الاجتماعية الأخرى في معاملة الرقيق، فالإسلام يعامل الرقيق في ظل عبوديته معاملة إنسانية سمحة حتى إذا تذوق هذه المعاملة واستشعرها طالب بحريته في ظل التشريع وخرج من عبوديته، وهو أكرم إنسانًا، وأسمى شعورًا ووجدانًا، وأفضل كرامة وكيانًا، وهنا تتجلى الحكمة في إبقاء الإسلام الرقيق على الرق ريثما يحس بوجوده ويستشعر بكيانه، فعندئذ يطالب عن طريق المكاتبة بحريته في الوقت الذي يريد وفي الحال الذي يناسبه، من أجل هذا الاعتبار لم يلغ الإسلام الرق نهائيًا بمرسوم فاصل ونص قاطع.
أما الاعتبارات الاجتماعية:
فقد يكون في وجود الرق أحيانًا مصلحة اجتماعية كبرى كأن يكون وجوده تطهير المجتمع من فوضى الجنس والإباحية، وتيارات اليوعة والانحلال، فمن لم يستطع الزواج من حرة مثلًا لغلاء المهر تزوج من أَمَة أو ملك يمين اشتراها، ليشبع غريزته من حلال
стр. 5783
ويعصم نفسه بملك اليمين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ. . . فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إلى أن يقول: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ٢٥ - ٢٧).
ومن المعلوم أن استرقاق المرأة في ظل النظام الإسلامي يجعلها ملكًا لصاحبها فقط لا يدخل عليها أحد غيره، وجعل من حقها نيل الحرية بالمكاتبة، وتُحرر كذلك حين تلد لسيدها ولدًا بعد موت السيد مباشرةً، عدا ما تلقاه من كفالة ورعاية وحسن معاملة في بيت سيدها كما أمر الإسلام.
بينما استرقاقها في غير بلاد الإسلام عرضة كما مر لانتهاك عرضها وامتهان كرامتها، بل يصبح عرضها نهبًا لكل طالب على طريقة البغاء فضلًا عما تلقاه من معاملة سيئة وهوان ظاهر ملموس.
إذن يكون من الاسترقاق أحيانًا مصلحة اجتماعية واعتبارًا أخلاقيًا وفائدة تكافلية إنسانية رحيمة لا يعقلها إلا العالمون.
أما الاعتبارات التشريعية:
فهي لا تخفى على كل ذي عقل وبصيرة، فالقضاء على الرق في نظام الإسلام لم يكن طفرة، ولم يكن بنزول نص قاطع من السماء يحرمه، وإنما بالتدرج التشريعي والتطور الزمني الذي ينتهي في نهاية المطاف إلى مرحلة تشبه الإلغاء دون إثارة ضجة أو إحداث أزمة.
لذلك نقول:
١ - لا يليق بشريعة اللَّه العادلة التي نزلت لتحفظ للإنسان نفسه وعرضه وماله، لا يليق بها أن تفرض على الناس الخروج من أموالهم بالجملة.
٢ - كما أنه ليس في صالح الكثير من الأرقاء التحرر، إذ من النساء والأطفال وحتى الرجال أنفسهم من لا يستطيع أن يكفل نفسه بنفسه لعجزه عن الكسب وجهله بمعرفة طرقه، فكان بقاؤه مع سيده المسلم الذي يطعمه مما يطعم، ويكسوه مما يلبس ولا يكلفه ما
стр. 5784
لا يطيق خيرًا ألف مرة من إقصائه عن البيت الذي كان يحسن إليه ويرحمه إلى جحيم القطيعة والحرمان.
الوجه الرابع عشر: الأرقاء المعاصرون قد يصلون إلى حالة أسوأ من الأرقاء الغابرين .
قال عبد اللَّه ناصح علوان: هل في العالم اليوم رق؟
صحيح أن الثورة الفرنسية ألغت الرق في أوروبا، وصحيح أن (لنكولن) ألغى الرق في أمريكا، ثم اتفق العالم بعد هذا وذاك على إبطال الرق.
صحيح أنه حصل كل هذا، ولكن علينا أن لا ننخدع بالأسماء وأن لا نغتر بالشعارات، وإلا فأين هو الرق الذي أُلغي؟ وما يمكن أن نسمي ما يحدث اليوم في كل أنحاء العالم؟ وما اسم الذي كانت تصنعه فرنسا في المغرب الإسلامي؟ وما اسم الذي تصنعه أمريكا في الزنوج، وإنجلترا في الملونين في جنوب إفريقيا، وروسيا في البلاد الإسلامية التي تحت سلطتها.
أليس الرق في حقيقته -كما يقول محمد قطب- هو تبعية قوم لقوم آخرين، وحرمان طائفة من البشر من الحقوق المباحة لآخرين؟ أم هو شيء غير ذلك؟ ، وماذا يعني أن يكون هذا تحت عنوان الرق، أو تحت عنوان الحرية والإخاء والمساواة؟ ماذا تجدي العناوين البراقة إذا كانت الحقائق التي ورائها هي أخبث ما عرفته البشرية من الحقائق في تاريخها الطويل.
لقد كان الإسلام صريحًا مع نفسه ومع الناس فقال هذا رق، وسببه الوحيد هو كذا والطريق إلى التحرر منه مفتوح، والطريق إلى إنهائه إذا اقتضى الأمر موجود، أما الحضارة الزائفة التي نعيش اليوم في أحضانها فلا تجد في نفسها هذه الصراحة، فهي تعرف براعتها في تزييف الحقائق وطلاء اللافتات البراقة، فقد قُتل مئات الألوف في تونس والجزائر ومراكش، لا لشيء سوى أنهم يطالبون بالحرية والاستقلال والكرامة الإنسانية، وقُتل مئات الألوف في أفريقيا للغرض نفسه ليعيشوا في بلادهم أسيادًا مكرمين يعتقدون
стр. 5785
عقيدتهم ويتكلمون لغتهم ولا يخدمون إلا أنفسهم، وقُتل مئات الألوف من المسلمين في روسيا لكونهم لا يقبلون عقيدة روسيا الإلحادية ونظامها الشيوعي الماركسي، قتل هؤلاء الأبرياء وحبسهم في السجون القذرة بلا طعام ولا ماء وانتهاك أعراضهم والسطو على نسائهم، وقتلهن عاريات وشق بطونهن للتراهن على نوع الجنين، هذا ما يسمونه في القرن العشرين حضارة ومدنية تحت شعارات زائفة: الحرية والإخاء والمساواة، ونحن نسميه عبودية وظلمًا واسترقاقًا من نوع جديد.
أما المعاملة المثالية الكريمة التي كان يمنحها الإسلام للرقيق قبل ثلاثة عشر قرنًا تطوعًا منه وإكرامًا للجنس البشري في جميع حالاته فهذا اسمه في نظر الحاقدين تأخر وانحطاط وهمجية، وحين يضع الأمريكان على فنادقهم ونواديهم لافتات (للبيض فقط)، أو تقول في وقاحة كريهة (ممنوع دخول السود والكلاب).
وحين يفتك جماعة من البيض برجل ملون يضربونه بأحذيتهم حتى يسلم الروح، ورجل البوليس واقف لا يتحرك ولا يتدخل ولا يهتم لنجدة أخيه في الوطن وفي الدين وفي اللغة، كل ذلك لأنه وهو ملون تجرأ فمشى إلى جانب أمريكية بيضاء، ويكون هذا أقصى ما وصل إليه القرن العشرون من التحضر والارتفاع والتقدمية، وقصة الملونين في إفريقية وحرمانهم من حقوقهم البشرية وقتلهم واصطيادهم حسب تعبير الجرائد الإنكليزية الوقحة؛ لأنهم تجرءوا فأحسوا بكرامتهم وطالبوا بحريتهم، هذا هو العدل في قمته، وتجيز برفعها المزيف، وطرحها الخادع الوصاية على العالم.
ودع عنك استرقاق الدولة الشيوعية لأفراد شعبها أو استرقاقها لأبناء المسلمين الواقعين تحت سيطرتها ونفوذها، فإنه وصمة عار على جبين الإنسانية، بل همجية واستعباد وتسلط لم يشهد مثله التاريخ.
اسألوا عن هذه الهمجية والاستعباد والتسلط، خنادق القتل الجماعي، ومسابح حمامات الدم التي تسيطر عليها الشيوعية اليوم هنا وهناك، لقد أبادت الصين الشيوعية
стр. 5786
وروسيا الشيوعية من المسلمين ستة عشر مليونًا بمعدل مليون في السنة، لقد نكلت يوغوسلافيا الاشتراكية بالمسلمين أشد تنكيل حتى أبادت مليون منذ الفترة التي صارت فيها اشتراكية شيوعية بعد الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، وما تزال عمليات الإبادة والتعذيب الوحشي ماضية حتى الآن.
وما يجري في يوغوسلافيا يجري في جميع الدول الشيوعية الآن في هذا الزمان، وكم سمعنا عن مجازر شيوعية أليمة وقعت في اليمن الجنوبية وفي أفغانستان الآن، وفي كل مكان لهم فيه نفوذ وسلطان، وكم سمعنا في الماضي عن مجازر الشيوعية في العراق، وعن فتكهم وإجرامهم في مدينة الموصل في عهد عبد الكريم قاسم، وعن حوادث السحل والسجن، والقتل والتمثيل بالدعاة المؤمنين.
هذا فيما يتعلق في استرقاق الفكر والعقيدة، أما فيما يتعلق في استرقاق الحرية والإرادة فحدث عنها ولا حرج. فالإنسان الذي يعيش تحت حكم الشيوعية في أي مكان لا يملك حرية اختيار العمل الذي يريده، ولا المكان الذي يعمل فيه، ولا يملك أن يُدلي برأيه ولا أن ينتقد أي اعوجاج. (١)
إذا فما الفرق بين الحر والعبد في الإسلام ؟ .
١ - لقد ذهب الإسلام فساوى بين العبد والحر في كل الحقوق الدينية، فالمساواة تامة في التكاليف الدينية، وفى الحساب والجزاء.
٢ - وساوى بين العبد والحر في أغلب الحقوق المدنية.
٣ - وكان التمييز فقط، في أغلب حالاته بسبب التخفيف عن الأرقاء مراعاة للاستضعاف والقيود التي يفرضها الاسترقاق على الإرادة والتصرف. . .
٤ - وشهادة الرقيق معتبرة في بعض المذاهب الإسلامية عند الحنابلة.
стр. 5787
٥ - وله حق الملكية في ماله الخاص، وإعانته على شراء حريته بنظام الكاتبة والتدبير مرغوب فيها دينيًا ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور: ٣٣).
٦ - والدماء متكافئة في القصاص.
٧ - بل ومطلوب من السيد أيضًا إلغاء كلمة العبد والأمة واستبدالها بكلمة الفتى والفتاة.
- وبعد أن كان الرق من أكبر مصادر الاستغلال والثراء لملاك العبيد، حوّله الإسلام بمنظومة القيم التي كادت أن تسوى بين العبد وسيده إلى ما يشبه العبء المالي على ملاك الرقيق. (١)
بل لقد مضى الإسلام في هذا السبيل إلى ما هو أبعد من تحرير الرقيق، فلم يتركهم في متاهة عالم الحرية الجديد دون عصبية.
الوجه الخامس عشر: الرق في الكتاب المقدس .
والكتاب المقدس ذكر الاستعباد هذا عند العجز عن الديون صراحة كما في (متى ١٨: ٢٥) (وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُوفِي أَمَرَ سَيِّدُهُ أَنْ يُبَاعَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَأَوْلَادُهُ وَكُلُّ مَا لَهُ، وَيُوفَي الدَّيْنُ).
وبالعودة إلى الكتاب المقدس سنجد تقنين الإله لبيع الأب لابنته بنص صريح فيقول: (الخروج ٢١: ٧): (وَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ ابْنَتَهُ أَمَةً، لَا تَخْرُجُ كَمَا يَخْرُجُ الْعَبِيدُ) ووجدنا إله الكتاب المقدس يسمح حتى للإسرائيلي أن يملك أخاه الإسرائيلي بسبب الفقر، ولكن فقط يحسن معاملته ولا يعامله كما يعامل العبيد المستعبدين بسبب الفقر من غير اليهود، ويظل خادمًا له خمسين سنة!
وأما الأمم الأخرى من غير بني إسرائيل فيكون استعبادهم وإذلالهم أبديًا! ! (وَإِذَا افْتَقَرَ أَخُوكَ عِنْدَكَ وَبِيعَ لَكَ، فَلَا تَسْتَعْبِدْهُ اسْتِعْبَادَ عَبْدٍ. ٤٠ كَأَجِيرٍ، كَنَزِيل يَكُونُ عِنْدَكَ. إِلَى سَنَةِ الْيُوبِيلِ يَخْدِمُ عِنْدَكَ، ٤١ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ عِنْدِكَ هُوَ وَبَنُوهُ مَعَهُ وَيَعُودُ إِلَى عَشِيرَتِهِ، وَإِلَى مُلْكِ آبَائِهِ
ففي كل هذه النصوص وقع القتل للأبرياء من الأطفال والاستعباد للشعوب والتسري بنسائهم، بل وبأطفالهم الإناث بيد أن هذه المعارك لم تكن كما أسلفنا بسبب خطر شكلته هذه الممالك، أو رفضهم الدعوة إلى اللَّه، أو رفضهم الخضوع لحكم اللَّه بدفع الجزية، بل كانت غدرًا مقصودًا وقتلًا متعمدًا أصلًا، ولذلك وجدنا إله الكتاب المحرف -ونقصد بذلك الصفات والتعاليم التي نسبوها للإله ببهتهم- واللَّه إله التوراة والإنجيل الحق منها براء - يغدر ولا يفي بالعهد فيأمر بني إسرائيل أن يدعو من يذهبوا إليهم من الأمم للصلح؛ فإن قبلوا يغدرا بهم ويستعبدونهم، وإن أبوا الصلح يقتلون، فأين المفر إذًا؟ !
اقرأ في (سفر التثنية ٢٠/ ١٠ - ١٥): (حِينَ تَقْرُبُ مِنْ مَدِينَةٍ لِكَيْ تُحَارِبَهَا اسْتَدْعِهَا إِلَى الصُّلْحِ، ١١ فَإِنْ أَجَابَتْكَ إِلَى الصُّلْحِ وَفَتَحَتْ لَكَ، فَكُلُّ الشَّعْبِ الْمَوْجُودِ فِيهَا يَكُونُ لَكَ لِلتَّسْخِيرِ وَيُسْتَعْبَدُ لَكَ. ١٢ وَإِنْ لَمْ تُسَالِمْكَ، بَلْ عَمِلَتْ مَعَكَ حَرْبًا، فَحَاصِرْهَا. ١٣ وَإِذَا دَفَعَهَا الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَى يَدِكَ فَاضْرِبْ جَمِيعَ ذُكُورِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. ١٤ وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالأَطْفَالُ وَالْبَهَائِمُ وَكُلُّ مَا فِي الْمَدِينَةِ، كُلُّ غَنِيمَتِهَا، فَتَغْتَنِمُهَا لِنَفْسِكَ، وَتَأْكُلُ غَنِيمَةَ أَعْدَائِكَ الَّتِي أَعْطَاكَ الرَّبُّ إِلهًا. ١٥ هَكَذَا تَفْعَلُ بِجَمِيعِ الْمُدُنِ الْبَعِيدَةِ مِنْكَ جدًّا الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ مُدُنِ هؤُلَاءِ الأُمَمِ هُنَا).
كيفية معاملة غير المسلمين للرقيق، وتحليل الكتاب المقدس للرق:
١ - فـ (أرسطو) من الأقدمين ، يرى أنهم غير مخلدين، لا في عذاب، ولا في نعيم، بل هم كالحيوانات. (١)
٢ - موقف الرومان من الرقيق:
ففظائع الرق الروماني في العالم القديم لم يعرفها قط تاريخ الإسلام، ومراجعة بسيطة للحالة التي كان يعيش عليها الأرقاء في الإمبراطورية الرومانية، كفيلة بأن ترينا النقلة الهائلة التي نقلها الإسلام للرقيق، حتى لو لم يكن عمل على تحريره -وهذا غير صحيح-!
стр. 5790
* كان الرقيق في عرف الرومان شيئًا لا بشرًا. شيئًا لا حقوق له البتة، وإن كان عليه كل ثقيل من الواجبات.
* ولنعلم أولًا من أين كان يأتي هذا الرقيق. كان يأتي من طريق الغزو. ولم يكن هذا الغزو لفكرة ولا لمبدأ. وإنما كان سببه الوحيد شهوة استعباد الآخرين وتسخيرهم لمصلحة الرومان.
فلكي يعيش الروماني عيشة البذخ والترف، يستمتع بالحمامات الباردة والساخنة، والثياب الفاخرة، وأطايب الطعام من كل لون، ويغرف في المتاع الفاجر من خمر ونساء ورقص وحفلات ومهرجانات، كان لا بد لكل هذا من استعباد الشعوب الأخرى وامتصاص دمائها.
- ومصر مثلٌ لذلك حين كانت في قبضة الرومان، قبل أن يخلصها من نيرانهم الإسلام. إذ كانت حقل قمح للإمبراطورية، وموردًا للأموال. ففي سبيل هذه الشهوة الفاجرة كان الاستعمار الروماني، وكان الرق الذي نشأ من ذلك الاستعمار. أما الرقيق فقد كانوا -كما ذكرنا- أشياء ليس لها كيان البشر ولا حقوق البشر. كانوا يعملون في الحقول وهم مصفدون في الأغلال الثقيلة التي تكفي لمنعهم من الفرار. ولم يكونوا يُطْعَمون إلا إبقاء على وجودهم ليعملوا، لا لأن من حقهم -حتى كالبهائم والأشجار- أن يأخذوا حاجتهم من الغذاء. وكانوا -في أثناء العمل- يساقون بالسوط، لغير شيء إلا اللذة الفاجرة التي يحسها السيد أو وكيله في تعذيب هذه المخلوقات. ثم كانوا ينامون في زنزانات مظلمة كريهة الرائحة تعيث فيها الحشرات والفئران، فيلقون فيها عشرات عشرات قد يبلغون خمسين في الزنزانة الواحدة -بأصفادهم- فلا يتاح لهم حتى الفراغ الذي يتاح بين بقرة وبقرة في حظيرة الحيوانات.
ولكن الشناعة الكبرى كانت شيئًا أفظع من كل ذلك، وأدل على الطبيعة الوحشية التي ينطوي عليها ذلك الروماني القديم، والتي ورثها عنه الأوربي الحديث في وسائل الاستعمار والاستغلال.
стр. 5791
- تلك كانت حلقات المبارزة بالسيف والرمح، وكانت من أحب المهرجانات إليهم، فيجتمع إليها السادة وعلى رأسهم الإمبراطور أحيانًا، ليشاهدوا الرقيق يتبارزون مبارزة حقيقية، توجه فيها طعنات السيوف والرماح إلى أي مكان في الجسم بلا تحرز ولا احتياط من القتل، بل كان المرح يصل إلى أقصاه، وترتفع الحناجر بالهتاف والأكف بالتصفيق، وتنطلق الضحكات السعيدة العميقة الخالصة حين يقضي أحد المتبارزين على زميله قضاء كاملًا، فيلقيه طريحًا على الأرض فاقد الحياة!
ذلك كان الرقيق في العالم الروماني. ولا نحتاج أن نقول شيئًا عن الوضع القانوني للرقيق عندئذ، وعن حق السيد المطلق في قتله وتعذيبه واستغلاله دون أن يكون له حق الشكوى، ودون أن تكون هناك جهة تنظر في هذه الشكوى أو تعترف بها، فذلك لغو بعد كل الذي سردناه.
٣ - ولم تكن معاملة الرقيق في فارس والهند وغيرها، تختلف كثيرًا عما ذكرنا من حيث إهدار إنسانية الرقيق إهدارًا كاملًا، وتحميله بأثقل الواجبات دون إعطائه حقًا مقابلها، وإن كانت تختلف فيما بينها قليلًا أو كثيرًا في مدى قسوتها وبشاعتها. (١)
٤ - موقف اليهود من الرقيق:
- ينقسم البشر عند اليهود إلى قسمين: بنو إسرائيل قسم، وسائر البشر قسم آخر.
فأما بنو إسرائيل فيجوز استرقاق بعضهم حسب تعاليم معينة نص عليها العهد القديم.
وأما غيرهم، فهم أجناس منحطة عند اليهود، يمكن استعبادها عن طريق التسلط والقهر، لأنهم سلالات كتبت عليها الذلة باسم السماء من قديم، جاء في الإصحاح الحادي والعشرين من سفر الخروج (٢ - ١٢) ما نصه: (إِذَا اشْتَرَيْتَ عَبْدًا عِبْرَانِيًّا، فَسِتَّ سِنِينَ يَخْدِمُ، وَفِي السَّابِعَةِ يَخْرُجُ حُرًّا مَجَّانًا. ٣ إِنْ دَخَلَ وَحْدَهُ فَوَحْدَهُ يَخْرُجُ. إِنْ كَانَ بَعْلَ امْرَأَةٍ، تَخْرُجُ امْرَأَتُهُ مَعَهُ. ٤ إِنْ أَعْطَاهُ سَيِّدُهُ امْرَأَةً وَوَلَدَتْ لَهُ بَنِينَ أَوْ بَنَاتٍ، فَالْمَرْأَةُ وَأَوْلَادُهَا
стр. 5792
يَكُونُونَ لِسَيِّدِهِ، وَهُوَ يَخْرُجُ وَحْدَهُ. ٥ وَلكِنْ إِنْ قَالَ الْعَبْدُ: أُحِبُّ سَيِّدِي وَامْرَأَتِي وَأَوْلَادِي، لَا أَخْرُجُ حُرًّا، ٦ يُقَدِّمُهُ سَيِّدُهُ إِلَى اللَّهِ، وَيُقَرِّبُهُ إِلَى الْبَابِ أَوْ إِلَى الْقَائِمَةِ، وَيَثْقُبُ سَيِّدُهُ أُذْنَهُ بِالْمِثْقَبِ، فَيَخْدِمُهُ إِلَى الأَبَد).
* أما استرقاق غير العبراني فهو بطريق الأسر والتسلط؛ لأنهم يعتقدون أن جنسهم أعلى من جنس غيرهم، ويلتمسون لهذا الاسترقاق سندًا من توراتهم المحرفة، فيقولون: إن حام بن نوح -وهو أبو كنعان- كان قد أغضب أباه، لأن نوحًا سكر يومًا ثم تعرى وهو نائم في خبائه، فأبصره حام كذلك، فلما علم نوح بهذا بعد استيقاظه غضب، ولعن نسله الذين هم كنعان، وقال -كما في التوراة في - سفر التكوين- إصحاح (٩/ ٢٥ - ٢٦): (مَلْعُونٌ كَنْعَانُ! عَبْدَ الْعَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتِهِ". وَقَالَ: "مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ سَامٍ. وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ). وفي الإصحاح نفسه (٢٧): يَفْتَحِ اللَّهُ لِيَافَثَ فَيَسْكُنَ فِي مَسَاكِنِ سَامٍ، وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُم).
٥ - موقف النصرانية من الرقيق:
* جاءت النصرانية فأقرت الرق الذي أقره اليهود من قبل، فليس في الإنجيل نص يحرمه أو يستنكره.
والغريب أن المؤرخ (وليم موير) يعيب نبينا محمدًا ﷺ بأنه لم يبطل الرق حالًا، مع تغاضيه عن موقف الإنجيل من الرق، حيث لم ينقل عن المسيح، ولا عن الحواريين ولا عن الكنائس شيئًا في هذه الناحية.
* بل كان بولس يوصي في رسائله في خلاص العبيد في خدمة سادتهم، كما قال في رسالته إلى أهل إفسس. الإصحاح السادس (٥ - ٩): (أَيُّهَا الْعَبِيدُ، أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ كَمَا لِلْمَسِيحِ ٦ لَا بِخِدْمَةِ الْعَيْنِ كَمَنْ يُرْضِي النَّاسَ، بَلْ كَعَبِيدِ الْمَسِيحِ، عَامِلِينَ مَشِيئةَ اللَّه مِنَ الْقَلْبِ، ٧ خَادِمِينَ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ كَمَا لِلرَّبِّ، لَيْسَ لِلنَّاسِ. عَالِمينَ أَنْ مَهْمَا عَمِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مَنَ الْخَيْرِ فَذلِكَ يَنَالُهُ مِنَ الرَّبِّ، عَبْدًا كَانَ أَمْ حُرًّا).
стр. 5793
وفي المعجم الكبير للقرن التاسع عشر (لاروس): (لا يعجب الإنسان من بقاء الرق واستمراره بين المسيحيين إلى اليوم، فإن نواب الدين الرسميين يقرون صحته ويسلمون بمشروعيته.
والخلاصة: أن الدين المسيحي ارتضى الاسترقاق تمامًا، إلى يومنا هذا، ويتعذر على الإنسان أن يثبت أنه سعى في إبطاله.
* وأقر القديسون أن الطبيعة جعلت بعض الناس أرقاء.
فرجال الكنيسة لم يمنعوا الرق ولا عارضوه، بل كانوا مؤيدين له، حتى جاء القديس الفيلسوف توماس الأكويني فضم رأي الفلسفة إلى رأي الرؤساء الدينيين، فلم يعترض على الرق بل زكاه لأنه -على رأي أستاذه أرسطو- حالة من الحالات التي خلق عليها بعض الناس بالفطرة الطبيعية، وليس مما يناقض الإيمان أن يقنع الإنسان من الدنيا بأهون نصيب. (١)
وجاء في قاموس الكتاب المقدس للدكتور جورج يوسف: إن المسيحية لم تعترض على العبودية من وجهها السياسي ولا من وجهها الاقتصادي، ولم تحرض المؤمنين على منابذة جيلهم في آدابهم من جهة العبودية، حتى ولا المباحثة فيها، ولم تقل شيئًا ضد حقوق أصحاب العبيد، ولا حركت العبيد إلى طلب الاستقلال، ولا بحثت عن مضار العبودية، ولا عن قساوتها، ولم تأمر بإطلاق العبيد حالًا، وبالإجماع لم تغير النسبة الشرعية بين المولى والعبد بشيء، بل بعكس ذلك فقد أثبتت حقوق كل من الفريقين، وواجباته.
٦ [*]- قانون الرق عند أوربا:
- إن الرق في الإسلام يتميز عن جميع طوائف العالم، وأن قانون الرق في أوروبا كان ينص على منع السيد من عتق رقيقه إلا بإذن الحاكم، وكان يستوجب أسر الأفراد لأوهى الأسباب، أما الإسلام فلم يجز استرقاق الإنسان إلا في أرض المعركة حينما يحاد اللَّه ورسوله، ويقف سدًا منيعًا أمام زحف الإسلام إلى الناس فيؤخذ أسيرًا.
стр. 5794
- فالشريعة تتلمس الأسباب للعتق، بخلاف القوانين الأخرى، فإنه يشمئز الإنسان أن يوردها، كانوا يبيحون لأنفسهم إطلاق السباع الجارحة المفترسة على العبد في ميدانٍ ليتفرجوا كيف يفترسه الأسد! ولا أحد يمنعهم من ذلك، والقانون يبيح لهم ذلك! وهذه أمة لطمها سيدها في حالة غضب أسفًا على الشاة التي أكلها الذئب، فيتأسف ويسأل عن عتقها، فيقول له ﷺ : "أعتقها". (١)
وأين دولة الإسلام الرحيمة، التي جعلت الناس على اختلاف طبقاتهم وأديانهم وأجناسهم - أمة واحدة في مالَهَا وما عَليها، مما فعلته فرنسا -المجرمة- بأحرار الجزائر، في بلادهم وبين ذويهم؟ ! إنها دعاوى باطلة.
بعد هذا، ألم يَأنِ للمصلحين ومُحِبِّي السلام أن يبعدوا عن أعينهم الغشاوة، فيراجعوا تعاليم الإسلام بتدبر وإنصاف، ليجدوا ما فيه من سعادة الإنسانية في حاضرها ومستقبلها؟ ! (٢).
* * *
стр. 5795
١٠ - شبهات حول الحدود في الإسلام
أولًا: مقدمة في تعريف الحد، وأهداف إقامة الحدود في الإسلام .
تعريف الحدود:
الحد في اللغة: المنع، ولذا سمي البواب حدادًا لمنعه الناس عن الدخول، وسميت العقوبات حدودًا؛ لكونها مانعةً من ارتكاب أسبابها، وحدود اللَّه محارمه؛ لأنها ممنوعة، بدليل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (البقرة: ١٨٧).
وحدود اللَّه أيضًا: أحكامه أي: ما حده وقدره، فلا يجوز أن يتعداه الإنسان، وسميت حدودًا؛ لأنها تمنع عن التخطي إلى ما ورائها، بدليل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (البقرة: ٢٢٩)، وأنها تَحُدُّ أي: تمنع من إتيان ما جعلت عقوبات فيها، ولأنها نهايات نهى اللَّه عن تعديها، وهي أيضًا: المنع والفصل بين الشيئين، فكأن حدود الشرع فصلت بين الحلال، والحرام. (١)
- الحد في الشرع: عقوبة مقدرة وجبت حقًا للَّه تعالى. (٢)
على من يقام الحد ؟ لا يقام الحد إلا على بالغ عاقل عالم بالتحريم. (٣)
أما البلوغ والعقل فلا خلاف في اعتبارهما في وجوب الحد وصحة الإقرار؛ لأنهما قد رفع القلم عنهما قال ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ". (٤)، وفي حديث ابن عباس قي قصة ماعز أن النبي
стр. 5796
- ﷺ سأل قومه: "أمجنون هو؟ "قالوا ليس به بأس. (١)، وعنه أن النبي ﷺ قال حين أقر عنده "أبك جنون" (٢).
وروى أبو داود بإسناده قال: أُتِيَ عمر بمجنونة قد زنت، فاستشار فيها أناسًا، فأمر عمر بها أن ترجم، فمر بها علي بن أبي طالب فقال: ما شأن هذه؟ فقالوا: مجنونة بني فلان زنت فأمر بها عمر أن ترجم، فقال: ارجعوا بها، ثم أتاه فقال يا أمير المؤمنين: أما علمت أن القلم قد رفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل؟ قال: بلى، قال: فما بال هذه ترجم؟ قال: لا شيء، قال: فأرسِلْها، قال: فجعل عمر يكبر. (٣)، ولأنه إذا سقط عنه التكليف في العبادات والإثم في المعاصي فالحد المبني على الدرء بالشبهات أولى بالإسقاط. (٤)
جرائم الحدود (٥)
وقد قرر الكتاب والسنة عقوبات محددة لجرائم معينة، تسمى (جرائم الحدود).
وهذه الجرائم هي: الزنا، والقذف، والسرقة، والسكر، والمحاربة، والرّدة، والبغي، فعلى من ارتكب جريمة من هذه الجرائم عقوبة محددة، قررها الشارع.
فعقوبة جريمة الزنا:
الجلد للبكر، والرجم للثيب، يقول اللَّه : ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ (النساء: ١٥).
ولقول رسول اللَّه ﷺ : "إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ وَهْيَ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ". (١)
الحدود الإسلامية تحمي الضروريات الخمسة للإنسان:
المقاصد الخمسة التي لم تخلو من رعايتها ملة من الملل ولا شريعة من الشرائع هي (الدين، والنفس، والنسل أو العرض، والمال، والعقل)، وحفظ هذه المقاصد من الضروريات (٢) في الشريعة الإسلامية، فتقرر لذلك الحدود لحماية هذه المقاصد الخمسة والضرورية في حياة الإنسان، ولأن الدنيا التي يعيش فيها الإنسان تقوم على هذه المصالح ولا تتوافر معاني الحياة الإنسانية الكريمة إلا إذا توافرت هذه الأمور، وهي من تكريم اللَّه للإنسان إذ قال : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ (الإسراء: ٧٠).
فهذا التحريم يقتضي وجود الأمور الخمسة والمحافظة عليها ومنع أي اعتداء يمتد إليها بتقرير العقاب الصارم ينزل بمن يقع منه الاعتداء (٣).
فالدين هو أعز ما يملكه الإنسان، ودين المسلم أعز عليه وأقدس من كل ما عداه - وهو بالنسبة لمجتمع المسلمين الوطن الحقيقي وقد وضع اللَّه (الدين) في كفه وما عداه من مقدمات الحياة كلها في كفه، ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ (التوبة: ٢٤).
стр. 5799
واعتبر القرآن فتنة المؤمن عن دينه أكبر من قتله وأشد ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (البقرة: ٢١٧)، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (البقرة: ١٩١).
والدين هو أولي الحرمات، والمقدم قبل جميع المقدسات، والعدوان عليه في شخص المؤمن به فتنة أو إكراهًا أكبر من العدوان على ذات نفسه (١).
فهو محفوظ بشرع الزواجر عن الردة والمقاتلة مع أهل الحرب، وقد نبه اللَّه تعالى بقوله ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (التوبة: ٢٩)، فحفظ الدين بشرعية القتل بالردة والقتال للكفار (٢).
وحفظ النفس بشرعية القصاص؛ فإنه لولا ذلك لتهارج الخلق واختل نظام المصالح، فحفظ النفس بشرع القصاص، وقد نبه اللَّه تعالى عليه بقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (البقرة: ١٧٩). (٣)
وحفظ العقل: بشرعية الحد على شرب المسكر، فإن العقل هو قوام كل فعل تتعلق به مصلحة فاختلاله يؤدي إلى مفاسد عظيمة، فحفظ العقل محفوظ بتحريم المسكر، وقد نبه اللَّه تعالى عليه بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ (المائدة: ٩١). (٤)
لذا كان الحفاظ عليه من الضروريات حتى لا تناله آفة تجعل صاحبه عبئًا على المجتمع، ومصدر شر وأذى فيه، من أجل ذلك حرم الإِسلام الخمر، وكل ما من شأنه أن يؤثر في العقل تأثيرها فكل أنواع المخدرات سواء أكانت مشروبات أم كانت غير
стр. 5800
مشروبات محرم في الإِسلام، ووضع لشرب الخمر عقابًا شديدًا؛ لأنها فوق أنها تفسد العقول في المجتمع تقطع حبال المودة فيه (١). والخمر تفقد الشارب عقله ورشده، وإذا فقد الإنسان رشده وعقله ارتكب كل حماقة وفحش، فإذا جلد كان جلده مانعًا له من المعاودة من جانب، ورادعًا لغيره من اقتراف جريرته من جانب آخر (٢).
وحفظ النسل: بتحريم الزنا، وإيجاب العقوبة عليه بالحد؛ فالنسل محفوظ بشرع الزواجر عن الزنا؛ لأن المزاحمة على الأبضاع، تفضي إلى اختلاط الأنساب، المفضي إلى انقطاع التعهد عن الأولاد، وفيه التوثب على الفروج بالتعدي والتغلب، وهو مجلبة الفساد والتقاتل (٣).
وحفظ المال: يكون بأحد أمرين: أحدهما: إيجاب الضمان على المتعدي؛ فإن المالك قوام العيش، وثانيهما: القطع بالسرقة؛ فالمالك محفوظ بشرع الضمانات والحدود (٤).
وحفظ المجتمع كله وعدم انتهاك حرماته بحد الحرابة. لذا كان التغليظ في حدها فوق كل ما عداها، فإذا أمن الفرد على دينه ونفسه، وسلم له عقله، وعرضه، حفظ له ماله، فقد جمعت أطراف الأمن كلها.
وإذا أمن المجتمع من الخارجين عليه ممن يسمون في عصرنا (مخلين بالأمن العام) فقد تهيأ مناخ صالح يتنفس فيه الأفراد حرياتهم، وينعمون بالطمأنينة والزمان، فتنطلق الطاقات في ميادين العمل المنتج، وقد وقفت من ورائها دوافع قوية منشؤها توافر مقومات الحياة التي وضع نظام الحدود لصيانتها والحفاظ عليها حينما قال القرآن ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (الملك: ١٥)، كان لا بد له من تأمين حركة الإنسان على الأرض، وإشاعة جو من الأمن والطمأنينة بحيث ينطلق الناس متحررين من الخوف
стр. 5801
ولقد كان من أول ما امتن اللَّه به على من دعاهم لدينه، أن أطعمهم من بعد جوع، وآمنهم من بعد خوف: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ (قريش: ٣ - ٤). (١)
الحكمة من مشروعية الحدود
قال ابن القيم: فكان من بعض حكمته سبحانه ورحمته أن شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم على بعض في النفوس والأبدان والأعراض والأموال كالقتل، والجرح والقذف، والسرقة، فأحكم سبحانه وجوه الزجر الرادعة عن هذه الجنايات غاية الإحكام، وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر، مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الردع، فلم يشرع في الكذب قطع اللسان ولا القتل، ولا في الزنا الخصاء، ولا في السرقة إعدام النفس، وإنما شرع لهم في ذلك ما هو موجب أسمائه وصفاته من حكمته ورحمته ولطفه وإحسانه وعدله لتزول النوائب، وتنقطع الأطماع عن النظام والعدوان، ويقتنع كل إنسان بما آتاه مالكه وخالقه، فلا يطمع في استلاب غيره حقه (٢).
وقال الشافعي: الحدود حيث شرعت، إنما شرعت لردع وزجر الغواة عن الإقدام على تلطخ فراش الغير واختلاط المياه والاضطراب واشتباه الأنساب على الآباء والأجدّاد والأولاد والأحفاد. (٣)
وقد قال ابن تيمية فيمن اقترف جرمًا: ولا يظن الظان أنه إذا حصل له استمتاع بمحرم يسكن بلاؤه، بل ذلك يوجب له انزعاجًا عظيمًا وزيادة في البلاء والمرض في المآل؛ فإنه وإن سكن بلاؤه وهدأ ما به عقيب استمتاعه أعقبه ذلك مرضًا عظيمًا عسيرًا لا يتخلص منه، بل الواجب دفع أعظم الضررين باحتمال أدناهما قبل استحكام الداء الذي
стр. 5802
ترامى به إلى الهلاك والعطب. ومن المعلوم أن ألم العلاج النافع أيسر وأخف من ألم المرض الباقي، وبهذا يتبين لك أن العقوبات الشرعية كلها أدوية نافعة يصلح اللَّه بها مرض القلوب، وهي من رحمة اللَّه بعباده ورأفته بهم الدخلة في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ (الأنبياء: ١٠٧). فمن ترك هذه الرحمة النافعة لرأفة يجدها بالمريض، فهو الذي أعان على عذابه وهلاكه، وإن كان لا يريد إلا الخير؛ إذ هو في ذلك جاهل أحمق كما يفعله بعض النساء والرجال الجهال بمرضاهم وبمن يربونه من أولادهم وغلمانهم وغيرهم في ترك تأديبهم وعقوبتهم على ما يأتونه من الشر ويتركونه من الخير رأفة بهم، فيكون ذلك سبب فسادهم وعداوتهم وهلاكهم. (١)
وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ (البقرة: ١٧٩) أي: في شرع القصاص لكم وهو قتل القاتل حكمة عظيمة وهي بقاء المهج وصونها؛ لأنه إذا علم القاتل أنه سيقتل انكف عن صنيعه؛ فكان في ذلك حياة للنفوس، وفي الكتب المتقدمة (القتل أنفى للقتل)، فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح وأبلغ وأوجز: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾.
قال أبو العالية: جعل اللَّه القصاص حياة فكم من رجل يريد أن يقتل فتمنعه مخافة أن يقتل. . .، ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي: يا أولي العقول والأفهام والنهي لعلكم تنزجرون وتتركون محارم اللَّه ومآثمه، والتقوى: اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات. (٢).
وفي هذا المعنى يقول الشافعي: والقصاص حيث شرع إنما شرع صيانة للدماء في أهبها وحفظًا للنفوس في نصبها، وردعًا للغواة وزجرًا للجناة، وحقنًا للدماء عن أصحاب الحكمة الكلية والمصلحة الجلية، قال تعالى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ معناه: أن الرجل إذا
стр. 5803
فكر في نفسه، ودبر في خلده، وعلم أنه إذا قَتل قُتل امتنع من القتل، فيبقى هو حيًا والمهموم بقتله حيًا، وهذا معنى القصاص والزجر والردع. (١)
قال ابن القيم: فولا القصاص لفسد العالم وأهلك الناس بعضهم بعضًا ابتداءً واستيفاءً، فكأن في القصاص دفعًا لمفسدة التجري على الدماء بالجناية وبالاستيفاء. . .، وبسفك الدماء تحقن الدماء، فلم تغسل النجاسة بالنجاسة، بل الجناية نجاسة، والقصاص طهرة، وإذا لم يكن بد من موت القاتل ومن استحق القتل فموته بالسيف أنفع له في عاجلته وآجلته والموت به أسرع الموتات وأوحاها وأقلها ألما، فموته به مصلحة له ولأولياء القتيل ولعموم الناس (٢).
والرأفة بالمجرمين تشجع على الإجرام، والعذاب الذي يصحب العقوبة هو الذي يؤدب من أجرم ويزجر من لم يجرم، والعقوبة التي تحابي الأفراد على حساب الجماعة إنما تضيع مصلحة الفرد والجماعة معًا؛ لأنها تؤدي إلى ازدياد الجرائم واختلال الأمن, ثم توهين النظام وانحلال المجتمع، وإذا دب الانحلال في مجتمع فقل على الأفراد والمجتمع العفاء، وإن إقامة الحدود عبادة وجهاد ويجب على الأفراد أن يعاونوا أولي الأمر عليها، وإذا كان الجهاد في قتال الأعداء لدفع أذى المعتدين وحماية الأمة منهم، فإن تنقية الأمة من عناصر الفساد من الجهاد أيضًا؛ لأنه جهاد لحماية الدين والأخلاق والفضيلة وصون للمجتمع من عناصر الفساد التي تنخر في عظامه ولا قوة لأمة يسودها الانحلال الخلقي ولا أمن فيها ولا سلامة، وفوق ذلك لا سبيل إلى محاربة الأعداء إلا إذا كان المجتمع سليمًا من الفساد، وحسبما نراه في بعض الدول التي اعتصمت بقوة السلاح ولم تعتصم بقوة الأخلاق فقد خرت صريعة عند أول لقاء بأعدائها (٣).
стр. 5804
لذلك يقول شيخ الإِسلام: إن إقامة الحد من العبادات كالجهاد في سبيل اللَّه فينبغي أن يعرف أن إقامة الحدود رحمة من اللَّه لعباده، فيكون الوالي شديدًا في إقامة الحد لا تأخذه رأفة في دين اللَّه فيعطله، ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات لا شفاء غيظه وإرادة العلو على الخلق، بمنزلة الوالد إذا أدب ولده، فإنه لو كف عن تأديب ولده كما تشير به الأم رقة ورأفة لفسد الولد، وإنما يؤدبه رحمة به وإصلاحًا لحاله مع أنه يود ويؤثر ألا يحوجه إلى تأديب، وبمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه، وبمنزلة قطع العضو المتآكل والحجم (١)، وقطع العروق بالفصاد (٢)، ونحو ذلك، بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه وما يدخله على نفسه من المشقة لينال به الراحة فهكذا شرعت الحدود (٣).
والحدود حينما تصبح تشريعًا نافذًا يلتزم به الأفراد ويطبقه المجتمع ويصبح من المعلوم بداهة أن من قَتل قُتل، وأن من زنا جلد أو رجم، وأن من قذف حد، وأن من شرب خمرًا جلد فيها، وأن من حارب قتل أو صلب. . . . إلخ، وأن من بدل دينه وفارق الجماعة فقد حكم على نفسه بالموت، حينما يصبح الأمر كذلك، ويوقن أفراد من سائر هؤلاء، وتسد عليهم منافذ التفلت من الحد بالشفاعة أو المحسوبية أو بوضعهم فوق متناول التطبيق، فقد أقام المجتمع سورًا منيعًا لا يفكر في اقتحامه إلا صنف من البشر شاذ التكوين أو شاذ الدوافع (٤).
وفي ظل الحدود ينعم الناس بالأمن الشامل على ما تتقوم به الحياة المثلى، وفي ظل الحدود يتفيأ الناس ظلال حرية شاملة يتحررون فيها من قيود الهوى في داخلهم، ومن عوامل الخوف تأتي من خارجهم، ماذا يبقى من جوهر الحياة بعد الأمن الشامل والحرية الشاملة؟ .
стр. 5805
إن الحدود تؤدي بالنسبة لأمن الناس وحريتهم وظيفة مزدوجة فهي من جانب تروع الخارجين ومن يشذون عن الدخول في السلم كافة ليأمن من قبلوا إعطاء السلم من جانبهم، ترويع لقلة من أجل تأمين الكثرة، وهي من جانب كذلك تهيأ مناخًا حرًا يتنفس فيه من عرف كيف يحترم حريات الآخرين، وفي الوقت نفسه تضيق الخناق وتطارد من يحدقون أنفسهم بالعدوان على حريات الناس وهل يحتاج المجتمع بعد الحرية الشاملة والأمن المطرد لشيء آخر لكي ينعم بالاستقرار والطمأنينة؟ ! (١)
والعجيب أن هؤلاء الغربيين الذين يرون في الحدود الإِسلامية شدة وقسوة لا تليق بعصرنا المتحضر، والذين يدعون إلى إلغاء عقوبة (القتل، والزنا، وقطع يد السارق. . . .) إلخ، هم أنفسهم يفعلون ما تشيب له الرءوس وتنخلع لهوله الأفئدة، فالحروب الهمجية التي يثيرونها، والأعمال الوحشية التي يقومون بها من قتل الأبرياء، والاعتداء على الأطفال والنساء، وتهديم المنازل على من فيها, لا تعتبر في نظرهم وحشية، ولقد أحسن الشاعر حين صوّر منطق هؤلاء الغربيين بقوله:
قتل امرئ في غابةٍ ... جريمةُ لا تغتفر
وقتلُ شعبٍ آمن ... مسألةً فيها نظر. (٢)
درء الحدود بالشبهات
الحد عقوبة من العقوبات، التي توقع ضررًا في جسد الجاني وسمعته، ولا يحل إستباحة حرمة أحد، أو إيلامه إلا بالحق، ولا يثبت هذا الحق إلا بدليل، الذي لا يتطرق إليه الشك، فإذا تطرق إليه الشك كان ذلك مانعًا من اليقين الذي تنبني عليه الأحكام، من أجل هذا كانت التهم والشكوك لا عبرة لها ولا اعتداد بها, لأنها مظنة الخطأ (٣)، فالحدود
стр. 5806
تدرأ بالشبهات قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الحدود تدرء بالشبه (١)، لما ورد أن ماعزًا لما أقر بين يدي رسول اللَّه ﷺ بالزنا لقنه الرجوع فقال ﷺ "ويحك! ارجع فاستغفر اللَّه وتب إليه" (٢).
وجاءته أيضًا امرأة من غامد فقال لها "ويحك! ارجعي فاستغفري اللَّه وتوبي إليه" (٣).
قال الإمام النووي: في تلقين النبي ﷺ للمقر بالرجوع فيه استحباب تلقين المقر بحد الزنا والسرقة وغيرهما من حدود اللَّه تعالى، وأنه يقبل رجوعه عن ذلك؛ لأن الحدود مبنية على المساهلة الدرء بخلاف حقوق الآدميين وحقوق اللَّه تعالى المالية كالزكاة والكفارة لا يجوز التلقين فيها ولو رجع لم يقبل رجوعه، وقد جاء تلقين الرجوع عن الإقرار بالحدود عن النبي ﷺ وعن خلفاء الراشدين ومن بعدهم، واتفق العلماء عليه. (٤)
فعدم الإقرار شبهة في تطبيق الحد ومن الشبهات أيضًا عدم وجود بينة، فعنه ﷺ "لو رجمت أحدًا بغير بينه رجمتُ هذه" قال ابن عباس: تلك امرأة كانت تظهر في الإِسلام السوء. (٥)
قال المهلب: فيه أن الحد لا يجب على أحد بغير بينة أو إقرار ولو كان متهمًا بالفاحشة (٦).
وقال النووي: معنى تظهر السوء أنه اشتهر عنها وشاع، ولكن لم تقم البينة عليها بذلك ولا اعترفت، فدل على أن الحد لا يجب بالاستفاضة. (٧)
فالحد لا يقام بمجرد التهم، ولا شك أن إقامة الحد إضرار بمن لا يجوز الإضرار به وهو قبيح عقلًا وشرعًا، فلا يجوز منه إلا ما أجازه الشارع كالحدود والقصاص وما أشبه
стр. 5807
ذلك بعد حصول اليقين؛ لأن مجرد الحدس والتهمة والشك مظنة للخطأ والغلط، وما كان كذلك، فلا يستباح به تأليم المسلم وإضراره بلا خلاف (١).
الشفاعة في الحدود
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمُ الْمَرْأَةُ الْمَخْزُوميَّةُ الَّتِى سَرَقَتْ فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّه ﷺ وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّه ﷺ . فَكَلَّمَ رَسولَ اللَّه ﷺ فَقَالَ: "أَتَشْفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّه. ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ قَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّه لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا" (٢).
وقد بوب الإِمام البخاري على هذا الحديث باب: كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان. (٣)
وقال أبو عمر: لا أعلم بين أهل العلم اختلافًا في الحدود إذا بلغت إلى السلطان لم يكن فيها عفو لا له ولا لغيره، وجائز للناس أن يتعافوا الحدود ما بينهم ما لم يبلغ السلطان وذلك محمود عندهم. (٤)، فلا يجوز الشفاعة في الحدود بعد وصولها للحاكم، والثبوت عنده؛ لأنه طلب ترك الواجب؛ لأن النبي ﷺ أنكر على أسامة بن زيد في شفاعته للمخزومية كما سبق في الحديث، وأما قبل الوصول إليه فعند جمهور الفقهاء تجوز الشفاعة عند الرافع له إلى الحاكم ليطلقه؛ لأن وجوب الحد قبل ذلك لم يثبت، فالوجوب لا يثبت بمجرد الفعل. (٥)
إقامة الحدود والانتقام لحرمات اللَّه .
كان رسول اللَّه ﷺ أشد تعظيمًا لحقوق اللَّه على حرماته وقد بوب الإِمام البخاري في ذلك باب: إقامة الحدود والانتقام لحرمات اللَّه، ثم أورد هذا الحديث عن
стр. 5808
عائشة ﵂: قَالَتْ: "مَا خُيِّرَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَأْثَمْ، فَإِذَا كَانَ الإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ، وَاللَّه مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ في شَيْءٍ يؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ، حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّه، فَيَنْتَقِمُ للَّهِ" (١).
فكان ﷺ لا ينتقم لنفسه، بل كان ينتقم لحرمات اللَّه ، فلا فرق بين شريف ووضيع، ولا غني ولا فقير، ولا قريب ولا بعيد. فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أَقِيمُوا حُدُودَ اللَّه في الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ وَلَا تَأْخُذْكُمْ فِي اللَّه لَوْمَةُ لَائِمٍ. (٢)، وحديث المرأة المخزومية أكبر دليل على ذلك في تعظيم حرمات اللَّه، فقال ﷺ "وَايْمُ اللَّه لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا" (٣).
الحدود كفارة للآثام:
عن عبادة بن الصامت ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ في مَجْلِسٍ فَقَالَ: "تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّه شَيْئًا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللَّه عَلَيْهِ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّه إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ" (٤).
قال النووي: وفي هذا الحديث فوائد: ومنها: أن من ارتكب ذنبًا يوجب الحد، فحُدّ سقط عنه الإثم (٥).
قال القاضي عياض: قال أكثر العلماء: الحدود كفارة. استدلالًا بهذا الحديث. (٦)
стр. 5809
قال ابن حزم: كل من أصاب ذنبًا فيه حد فأقيم عليه ما يجب في ذلك، فقد سقط عنه ما أصاب من ذلك -تاب أو لم يتب- حاش المحاربة؛ فإن إثمها باق عليه وإن أقيم عليه حدها, ولا يسقطها عنه إلا التوبة للَّه تعالى فقط، واستدل بهذا الحديث أيضًا (١).
وإقامة الحد وإن كانت مكفرة للآثام؛ فإنها مع ذلك زاجرة عن اقترافها، فهي جوابر وزواجر معًا (٢).
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ حَدًّا فَعُجِّلَتْ لَهُ عُقُوبَتُهُ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، وإلَّا فَأَمْر إِلَى اللَّه" (٣).
فضل إقامة الحدود:
عن ابن عمر ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إِقَامَةُ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّه خَيْرٌ مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً في بِلَادِ اللَّه ". (٤)
عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ في الْأَرْضِ خَيْرٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا". (٥)
* * *
стр. 5810
١١ - شبهة: حد السرقة .
نص الشبهة:
دارت هذه الشبهة على بعض الاعتراضات من القرآن والسنة، وأيضًا بعض الاعتراضات العقلية ستذكر في محلها عند الجواب عليها، وقبل إبداء هذه الشبه نجيب بجواب مجمل فنقول:
حماية رب العالمين الأموال والأعراض من انتهاب المعتدين:
لما كان المال سلطانًا قويًا في نفوس الناس، وكان له منهم جهد مبذول في جمعه، ثم لما كان وجود الناس في هذه الحياة رهن بما يملكون فيها من مال ومتاع، حيث لا تقوم حياتهم إلا على الطعام، والشراب، والكساء، والمسكن ونحو هذا، لما كان ذلك كذلك؛ فقد اقتضت حكمة اللَّه تعالى أن يقيم الناس على شريعة ذات سلطان وازع، يأمنون به على ما يملكون من عدوان أهل البغي والعدوان، وفي ظل هذا الأمن يعمل العاملون، ويجنون ثمرات ما يعملون.
فإذا كانت شريعة الإِسلام قد حذرت من طغيان المال وفتنته؛ فإن ذلك لا يعني أن الشريعة عدو المال، وإنما هي عدو له حين يصبح في يد أصحابه سلطانًا طاغيًا، وشيطانًا مريدًا تستباح به الحرمات، ويذهل أصحابه عن الحقوق المتعلقة في هذا المال لذوي القربى، واليتامى والمساكين وابن السبيل، وللجهاد في سبيل اللَّه بالنفس، وبالسلاح، والمؤن، والعتاد، للمجاهدين. . .، . . .، وإنه ما أكثر أن تتحول النعم إلى نقم في أيدي كثير من الناس. . .، وما أكثر الذين آتاهم اللَّه تعالى من المال ووسع عليهم من الرزق، فطغوا، وبغوا، ونسوا فضل اللَّه، وكفروا به، فساقهم هذا النسيان وذلك الكفر إلى محاربة اللَّه تعالى بالمعاصي والعدوان على غيرهم بالسرقة، أو الغصب، أو النهب، ثم إنه ما أكثر أولئك الذين فترت هممهم وخارت عزائمهم، فناموا في ظل الكسل والعجز، وزين لهم الشيطان أن يتربصوا بالعاملين وما وقع لأيديهم من ثمرات العمل من مال، فتسلطوا عليهم بالسرقة وسلب ما يقع لأيديهم من مال الناس ومتاعهم، ولهذا رصد اللَّه تعالى لمن
стр. 5811
يعتدون على أموال الناس عقوبة رادعة، يلقاهم الناس بها في هذه الحياة الدنيا, ولهم عذاب أليم من اللَّه في الآخرة، وفي هذا يقول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (المائدة: ٣٨) (١).
أي: مجازاة على صنيعهما السيئ في أخذهما أموال الناس بأيديهم فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: تنكيلًا من اللَّه بهما على ارتكاب ذلك ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾، أي: في انتقامه ﴿حَكِيمٌ﴾ أي: في أمره ونهيه وشرعه وقدره (٢).
ومعناها أيضًا: لا ترثوا لهم أن تقيموا فيهم الحدود، فإنه واللَّه ما أمر اللَّه بأمر قط إلا وهو صلاح، ولا نهى عن أمر قط إلا وهو فساد، وكان عمر بن الخطاب يقول: اشتدوا على السُّراق فاقطعوهم يدًا يدًا، ورجلًا رجلًا، وقوله ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ يقول -جل ثناؤه-: واللَّه عزيز في انتقامه من هذا السارق والسارقة وغيرهما من أهل معاصيه، حكيم في حكمه فيهم وقضائه عليهم، يقول: فلا تفرطوا أيها المؤمنون في إقامة حكمي على السراق وغيرهم من أهل الجرائم الذين أوجبت عليهم حدودًا في الدنيا عقوبة لهم، فإني بحكمي قضيت ذلك عليهم، وعلمي بصلاح ذلك لهم ولكم (٣).
فوضع عقوبة قطع اليد للسارق تعتبر بحق رادعة زاجرة، تقتلع الشر من جذوره، وتقضي على الكريمة في مهدها وتجعل الناس في أمن, وطمأنينة، واستقرار.
وأعداء الإنسانية يستعظمون قتل القاتل، وقطع يد السارق، ويزعمون أن هؤلاء المجرمين ينبغي أن يحظوا بعطف المجتمع؛ لأنهم مرضى بمرض نفساني، وأن هذه العقوبات الصارمة لا تليق بمجتمع متحضر يسعى لحياة سعيدة كريمة، إنهم يرحمون المجرم من
стр. 5812
المجتمع، ولا يرحمون المجتمع من المجرم الأثيم الذي سلب الناس أمنهم واستقرارهم، وأقلق مضاجعهم وجعلهم مهددين بين كل لحظة ولحظة في الأنفس والأموال والأرواح، وقد كان من أثر هذه النظريات التي لا تستند على عقل ولا منطق سليم أن أصبح في كثير من البلاد (عصابات) للقتل وسفك الدماء وسلب الأموال، وزادت الجرائم واختل الأمن, وفسد المجتمع وأصبحت السجون ممتلئة بالمجرمين وقطاع الطريق (١). فحكمة مشروعية القطع الجزاء على السرقة جزاء يقصد منه الردع وعدم العودة، أي: جزاء ليس بانتقام، ولكنه استصلاح وضل من حسب القطع تعويضًا عن المسروق (٢).
ومن وجهة النظر أن الأموال خلقت مهيأة للانتفاع بها للخلق أجمعين، ثم الحكمة الأولية حكمت فيها بالاختصاص الذي هو الملك شرعًا، وبقيت الأطماع متعلقة بها، والآمال محومة عليها، فتكفها المروءة والديانة في أقل الخلق، ويكفها الصون والحرز عن أكثرهم، فإذا أحرزها مالكها فقد اجتمع فيها الصون والحرز الذي هو غاية الإمكان للإنسان؛ فإذا هُتكا فَحُشت الجريمة فعظمت العقوبة، وإذا هتك أحد الصونين وهو الملك وجب الضمان والأدب (٣).
وهذه اليد الخبيثة الخائنة التي خلقها اللَّه لتبطش وتكتسب في كل ما يرضيه من امتثال أوامره واجتناب نهيه، والمشاركة في بناء المجتمع الإنساني، فمدت أصابعها الخائنة إلى مال الغير لتأخذه بغير حق، واستعملت قوة البطش المودعة فيها في الخيانة والغدر، وأخذ أموال الناس على هذا الوجه القبيح، يد نجسة قذرة، ساعية في الإخلال بنظام المجتمع، إذ لا نظام له بغير المال، فعاقبها خالقها بالقطع والإزالة، كالعضو الفاسد الذي يجر الداء بسائر البدن، فإنه
стр. 5813
يزال بالكلية إبقاءً على البدن، وتطهير له من العرض، ولذلك فإن قطع اليد يطهر السارق من دنس ذنب ارتكاب معصية السرقة، مع الردع البالغ بالقطع عن السرقة. (١)
فإذا أقام الإِسلام هذه الحراسة المشددة على المالك، ولرصد تلك العقوبة الرادعة لمن يسرقون المال؛ فإنما ذلك ليحفظ على الجماعة أمنها وسلامها، ويفتح لها طرق العمل والمسعى لكسب المال، الذي تقوم عليه الحياة للفرد والجماعة. (٢)
مقدمات لا بد منها بين يدي الموضوع
أولًا: "تعريف السرقة ":
- في اللغة: أخذ الشيء من الغير على وجه الخفية، وسرق الشيء يسرقه سرقًا، واسترق السمع أي استرق مستخفيًا، ومنه أيضًا تسترق الجن السمع، هو تفتعل من السرقة، ومنه: استراق السمع، قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ (الحجرات: ١٨)، وقال ابن عرفة في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ قال: السارق عند العرب من جاء مستترًا إلى حرزٍ فأخذ منه ما ليس له. (٣)
في الشرع: هي أخذ العاقل البالغ نصابًا محرزًا، أو ما قيمته نصابًا ملكًا للغير لا شبهة له فيه على وجه الخفية. (٤)
ثانيًا: "بم يثبت حد السرقة ":
стр. 5814
يثبت حد السرقة ويجب الحد بأحد أمرين:
١ - البينة: فيشترط فيها أن يشهد رجلان مسلمان عدلان، سواء كان السارق مسلمًا أو ذميًا. . .، ويشترط أن يصفا السرقة والحرز وجنس النصاب وقدره ليزول الاختلاف فيه فيقولان: نشهد أن هذا سرق كذا قيمته كذا من حرز ويصفا الحرز. (١)
٢ - الإقرار أو الاعتراف: بأن يعترف السارق على نفسه أنه سرق وقد اختلف العلماء في عدد الإقرار. (٢)
شروط وجوب قطع يد السارق
١ - شروط في السارق (٣):
أ- أن يكون مكلفًا: سواء كان حرًا أو عبدًا، ذكرًا أو أنثى، مسلمًا أو ذميًا، فلا قطع على غير مكلف، ولا قطع على العبد إذا سرق من مولاه.
ب- أن يكون بالغًا: وحد البلوغ الذي يوجب الحدود أمور، وهي:
١ - الاحتلام: لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (النور: ٥٩).
٢ - إنبات شعر العانة الخشن لحديث عطية القرظي قال الشافعي ﵀ فبكتاب اللَّه -ثُمَّ بهذا الْقَوْلِ- نأخذ. قال اللَّه :
стр. 5815
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ (النساء: ٦) فمن بلغ النكاح من الرجال وذلك الاحتلام والحيض من النساء خرج من الذرية وأقيم عليه الحدود كلها، ومن أبطأ ذلك عنه واستكمل خمسة عشر سنة أقيمت عليه الحدود كلها السرقة وغيرها (١).
فأهلية وجوب القطع وهي: العقل، والبلوغ، فلا يقطع الصبي والمجنون لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِل" (٢).
٢ - شروط في المسروق منه:
أ- هُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ يَدٌ صَحِيحَةٌ، وَهُوَ يَدُ الْمِلْكِ، أَوْ يَدُ الْأَمَانَةِ كَيَدِ المُودِعِ، وَالمُسْتَعِيرِ، وَالمُضَارِبِ، وَالمُبْضِعِ، أَوْ يَدُ الضَّمَانِ كَيَدِ الْغَاصِبِ، وَالْقَابِضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ، وَالمُرْتَهِنِ فَيَجِبُ الْقَطْعُ عَلَى السَّارِقِ مِنْ هَؤُلَاءِ، أَمَّا مِنْ الْمَالِكِ فَلَا شَكَّ فِيهِ، وَكَذَا مِنْ أَمِينِهِ؛ لِأَنَّ يَدَ أَمِينِهِ يَدُهُ؛ فَالْأَخْذُ مِنْهُ كَالْأَخْذِ مِنْ الْمَالِكِ (٣).
٣ - شروط في المال المسروق:
أن يكون المسروق مالًا محترمًا: بأن يجوز بيعه، ولا قطع فيما يوجد تافهًا في دار الإِسلام وأن يكون مالًا مطلقًا لا قصور في ماليته ولا شبهه وهو أن يكون مما يتموله الناس ويعدونه مالًا لأن ذلك يشعر بعزته وخطره عندهم وما لا يتمولونه فهو تافه حقير (٤).
ب- أن يبلغ المسروق نصابًا، فعن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ ، قال: "تقطع يد السارق في ربع دينار" (٥).