← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

يعتدون على أموال الناس عقوبة رادعة، يلقاهم الناس بها في هذه الحياة الدنيا, ولهم عذاب أليم من اللَّه في الآخرة، وفي هذا يقول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (المائدة: ٣٨) (١). أي: مجازاة على صنيعهما السيئ في أخذهما أموال الناس بأيديهم فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: تنكيلًا من اللَّه بهما على ارتكاب ذلك ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾، أي: في انتقامه ﴿حَكِيمٌ﴾ أي: في أمره ونهيه وشرعه وقدره (٢). ومعناها أيضًا: لا ترثوا لهم أن تقيموا فيهم الحدود، فإنه واللَّه ما أمر اللَّه بأمر قط إلا وهو صلاح، ولا نهى عن أمر قط إلا وهو فساد، وكان عمر بن الخطاب يقول: اشتدوا على السُّراق فاقطعوهم يدًا يدًا، ورجلًا رجلًا، وقوله ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ يقول -جل ثناؤه-: واللَّه عزيز في انتقامه من هذا السارق والسارقة وغيرهما من أهل معاصيه، حكيم في حكمه فيهم وقضائه عليهم، يقول: فلا تفرطوا أيها المؤمنون في إقامة حكمي على السراق وغيرهم من أهل الجرائم الذين أوجبت عليهم حدودًا في الدنيا عقوبة لهم، فإني بحكمي قضيت ذلك عليهم، وعلمي بصلاح ذلك لهم ولكم (٣). فوضع عقوبة قطع اليد للسارق تعتبر بحق رادعة زاجرة، تقتلع الشر من جذوره، وتقضي على الكريمة في مهدها وتجعل الناس في أمن, وطمأنينة، واستقرار. وأعداء الإنسانية يستعظمون قتل القاتل، وقطع يد السارق، ويزعمون أن هؤلاء المجرمين ينبغي أن يحظوا بعطف المجتمع؛ لأنهم مرضى بمرض نفساني، وأن هذه العقوبات الصارمة لا تليق بمجتمع متحضر يسعى لحياة سعيدة كريمة، إنهم يرحمون المجرم من

стр. 5812

المجتمع، ولا يرحمون المجتمع من المجرم الأثيم الذي سلب الناس أمنهم واستقرارهم، وأقلق مضاجعهم وجعلهم مهددين بين كل لحظة ولحظة في الأنفس والأموال والأرواح، وقد كان من أثر هذه النظريات التي لا تستند على عقل ولا منطق سليم أن أصبح في كثير من البلاد (عصابات) للقتل وسفك الدماء وسلب الأموال، وزادت الجرائم واختل الأمن, وفسد المجتمع وأصبحت السجون ممتلئة بالمجرمين وقطاع الطريق (١). فحكمة مشروعية القطع الجزاء على السرقة جزاء يقصد منه الردع وعدم العودة، أي: جزاء ليس بانتقام، ولكنه استصلاح وضل من حسب القطع تعويضًا عن المسروق (٢). ومن وجهة النظر أن الأموال خلقت مهيأة للانتفاع بها للخلق أجمعين، ثم الحكمة الأولية حكمت فيها بالاختصاص الذي هو الملك شرعًا، وبقيت الأطماع متعلقة بها، والآمال محومة عليها، فتكفها المروءة والديانة في أقل الخلق، ويكفها الصون والحرز عن أكثرهم، فإذا أحرزها مالكها فقد اجتمع فيها الصون والحرز الذي هو غاية الإمكان للإنسان؛ فإذا هُتكا فَحُشت الجريمة فعظمت العقوبة، وإذا هتك أحد الصونين وهو الملك وجب الضمان والأدب (٣). وهذه اليد الخبيثة الخائنة التي خلقها اللَّه لتبطش وتكتسب في كل ما يرضيه من امتثال أوامره واجتناب نهيه، والمشاركة في بناء المجتمع الإنساني، فمدت أصابعها الخائنة إلى مال الغير لتأخذه بغير حق، واستعملت قوة البطش المودعة فيها في الخيانة والغدر، وأخذ أموال الناس على هذا الوجه القبيح، يد نجسة قذرة، ساعية في الإخلال بنظام المجتمع، إذ لا نظام له بغير المال، فعاقبها خالقها بالقطع والإزالة، كالعضو الفاسد الذي يجر الداء بسائر البدن، فإنه

стр. 5813

يزال بالكلية إبقاءً على البدن، وتطهير له من العرض، ولذلك فإن قطع اليد يطهر السارق من دنس ذنب ارتكاب معصية السرقة، مع الردع البالغ بالقطع عن السرقة. (١) فإذا أقام الإِسلام هذه الحراسة المشددة على المالك، ولرصد تلك العقوبة الرادعة لمن يسرقون المال؛ فإنما ذلك ليحفظ على الجماعة أمنها وسلامها، ويفتح لها طرق العمل والمسعى لكسب المال، الذي تقوم عليه الحياة للفرد والجماعة. (٢) مقدمات لا بد منها بين يدي الموضوع أولًا: "تعريف السرقة ": - في اللغة: أخذ الشيء من الغير على وجه الخفية، وسرق الشيء يسرقه سرقًا، واسترق السمع أي استرق مستخفيًا، ومنه أيضًا تسترق الجن السمع، هو تفتعل من السرقة، ومنه: استراق السمع، قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ (الحجرات: ١٨)، وقال ابن عرفة في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ قال: السارق عند العرب من جاء مستترًا إلى حرزٍ فأخذ منه ما ليس له. (٣) في الشرع: هي أخذ العاقل البالغ نصابًا محرزًا، أو ما قيمته نصابًا ملكًا للغير لا شبهة له فيه على وجه الخفية. (٤) ثانيًا: "بم يثبت حد السرقة ":

стр. 5814

يثبت حد السرقة ويجب الحد بأحد أمرين: ١ - البينة: فيشترط فيها أن يشهد رجلان مسلمان عدلان، سواء كان السارق مسلمًا أو ذميًا. . .، ويشترط أن يصفا السرقة والحرز وجنس النصاب وقدره ليزول الاختلاف فيه فيقولان: نشهد أن هذا سرق كذا قيمته كذا من حرز ويصفا الحرز. (١) ٢ - الإقرار أو الاعتراف: بأن يعترف السارق على نفسه أنه سرق وقد اختلف العلماء في عدد الإقرار. (٢) شروط وجوب قطع يد السارق ١ - شروط في السارق (٣): أ- أن يكون مكلفًا: سواء كان حرًا أو عبدًا، ذكرًا أو أنثى، مسلمًا أو ذميًا، فلا قطع على غير مكلف، ولا قطع على العبد إذا سرق من مولاه. ب- أن يكون بالغًا: وحد البلوغ الذي يوجب الحدود أمور، وهي: ١ - الاحتلام: لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (النور: ٥٩). ٢ - إنبات شعر العانة الخشن لحديث عطية القرظي قال الشافعي ﵀ فبكتاب اللَّه -ثُمَّ بهذا الْقَوْلِ- نأخذ. قال اللَّه :

стр. 5815

﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ (النساء: ٦) فمن بلغ النكاح من الرجال وذلك الاحتلام والحيض من النساء خرج من الذرية وأقيم عليه الحدود كلها، ومن أبطأ ذلك عنه واستكمل خمسة عشر سنة أقيمت عليه الحدود كلها السرقة وغيرها (١). فأهلية وجوب القطع وهي: العقل، والبلوغ، فلا يقطع الصبي والمجنون لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِل" (٢). ٢ - شروط في المسروق منه: أ- هُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ يَدٌ صَحِيحَةٌ، وَهُوَ يَدُ الْمِلْكِ، أَوْ يَدُ الْأَمَانَةِ كَيَدِ المُودِعِ، وَالمُسْتَعِيرِ، وَالمُضَارِبِ، وَالمُبْضِعِ، أَوْ يَدُ الضَّمَانِ كَيَدِ الْغَاصِبِ، وَالْقَابِضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ، وَالمُرْتَهِنِ فَيَجِبُ الْقَطْعُ عَلَى السَّارِقِ مِنْ هَؤُلَاءِ، أَمَّا مِنْ الْمَالِكِ فَلَا شَكَّ فِيهِ، وَكَذَا مِنْ أَمِينِهِ؛ لِأَنَّ يَدَ أَمِينِهِ يَدُهُ؛ فَالْأَخْذُ مِنْهُ كَالْأَخْذِ مِنْ الْمَالِكِ (٣). ٣ - شروط في المال المسروق: أن يكون المسروق مالًا محترمًا: بأن يجوز بيعه، ولا قطع فيما يوجد تافهًا في دار الإِسلام وأن يكون مالًا مطلقًا لا قصور في ماليته ولا شبهه وهو أن يكون مما يتموله الناس ويعدونه مالًا لأن ذلك يشعر بعزته وخطره عندهم وما لا يتمولونه فهو تافه حقير (٤). ب- أن يبلغ المسروق نصابًا، فعن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ ، قال: "تقطع يد السارق في ربع دينار" (٥).

стр. 5816

قال النووي: أجمع العلماء على قطع يد السارق، وقال جماهير العلماء لا تقطع إلا في نصاب. . .، وقال كثيرون أو الأكثرون، وهو قول عائشة، وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والليث وأبي ثور وإسحاق، وغيرهم، روى أيضًا عن داود، وقال مالك وأحمد وإسحاق في رواية: تقطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما قيمته أحدهما, ولا تقطع فيما دون ذلك (١). ٣ - أن يكون المسروق محرزًا: اتفق الفقهاء أئمة الفتوى بالأمصار، وأتباعهم، على مراعاة الحرز في ما يسرقه السارق فقالوا: ما سرقه من غير حرزٍ (٢) فلا قطع عليه، بلغ المقدار الذي يجب فيه القطع أم لم يبلغ (٣). والرد مفصلًا عن الشبه كما يلي: الشبهة الأولى: (أن دية اليد خمسمائة دينار إذا جُني عليها، وإذا سرقت تقطع في ربع دينار) أو ما يعادلها من الدراهم . والجواب في كلام ابن القيم (٤) كافٍ وشافٍ, فقال: وأما قطع اليد في ربع دينار وجعل ديتها خمسمائة دينار فمن أعظم المصالح والحكمة، فإنه احتاط في الموضوعين للأموال والأطراف، فقطعهما في ربع دينار حفظًا للأموال، وجعل ديتها خمسمائة دينار حفظًا لها وصيانة، وقد أورد بعض الزنادقة هذا السؤال وضمنه بيتين فقال: يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار؟ تناقض مالنا إلا السكوت له ... ونستجير بمولانا من العار فأجابه بعض الفقهاء بأنها كانت ثمينة لما كانت أمينة، فلما خانت هانت، وضمنه الناظم قوله:

стр. 5817

يد بخمس مئين من عسجد وديت ... لكنها قطعت في ربع دينار حماية الدم أغلاها، وأرخصها ... خيانة المال، فانظر حكمة الباري وروي أن الشافعي ﵀ أجاب بقوله: هناك مظلومة غالت بقيمتها ... وههنا ظلمت هانت على الباري وأجاب شمس الدين الكردي بقوله: قل للمعري عار أيما عار جهل ... الفتى وهو عن ثوب التقى عار لا تقدحن زناد الشعر عن حكم ... شعائر الشرع لم تقدح بأشعار فقيمة اليد نصف الألف من ... ذهب فإن تعدت فلا تسوى بدينار وذكر الحافظ ابن حجر ﵀ ردًا على ذلك فقال: قال المازري ومن تبعه: ولم يجعل دية الجناية على العضو المقطوع منها بقدر ما يقطع فيه حماية لليد، ثم لما خانت هانت، وفي ذلك إشارة إلى الشبهة التي نسبت إلى أبي العلاء العربي في قوله: يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار؟ فأجابه القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله: صيانة العضو أغلاها وأرخصها ... صيانة المال فافهم حكمة الباري وشرح ذلك: أن الدية لو كانت ربع دينار لكثرت الجنايات على الأيدي، ولو كان نصاب القطع خمسمائة دينار لكثرت الجنايات على الأموال، فظهرت الحكمة من الجانبين، وكان ذلك صيانة من الطرفين. (١) ومنهم من قال: هذا تمام الحكمة والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة، فإنه في باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار لئلا يجنى عليها، وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار لئلا يتسارع الناس في سرقة الأموال، فهذا

стр. 5818

هو عين الحكمة عند ذوي الألباب ولهذا قال تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٨)، أي: مجازاة على صنيعهما السيئ في أخذهما أموال الناس بأيديهم، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك (١)، ثم إن الشرع إنما قطع يده بسبب أنه تحمل الدناءة والخساسة في سرقة ذلك القدر القليل، فلا يبعد أن يعاقبه الشرع بسبب تلك الدناءة بهذه العقوبة العظيمة (٢). وقال أيضًا: وأما قطع يد السارق في ثلاثة دراهم، وترك قطع المختلس والمنتهب والغاصب فمن تمام حكمة الشارع. . .، فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه، فإنه ينقب الدور ويهتك الحرز ويكسر القفل، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك، فلو لم يشرع قطعه لسرق الناس بعضهم بعضًا، وعظم الضرر، واشتدت المحنة بالسراق، بخلاف المنتهب والمختلس؛ فإن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس، فيمكنهم أن يأخذوا على يديه، ويخلصوا حق المظلوم، أو يشهدوا له عند الحاكم، وأما المختلس فإنه إنما يأخذ المال على حين غفلة من مالكه وغيره، فلا يخلو من نوع تفريط يمكن به المختلس من اختلاسه، وإلا فمع كمال التحفظ والتيقظ لا يمكنه الاختلاس، فليس كالسارق، بل هو بالخائن أشبه، وأيضًا فالمختلس إنما يأخذ المال من غير حرز مثله غالبًا، فإنه الذي يغافلك ويختلس متاعك في حال تخليك عنه وغفلتك عن حفظه، وهذا يمكن الاحتراز منه غالبًا، فهو كالمنتهب، وأما الغاصب فالأمر فيه ظاهر، وهو أولى بعدم القطع من المنتهب، ولكن يسوغ كف عدوان هؤلاء بالضرب والنكال والسجن الطويل والعقوبة بأخذ المال. (٣)

стр. 5819

وأورد ابن حجر ﵀ ردًا على ذلك فقال: قال المازري ومن تبعه: صان اللَّه الأموال بإيجاب قطع سارقها وخص السرقة لقلة ما عداها بالنسبة إليها من الانتهاب والغصب ولسهولة إقامة البينة على ما عدا السرقة بخلافها وشدد العقوبة فيها ليكون أبلغ في الزجر. (١) وقال أيضًا: وقد عسر فهم المعنى في الفرق بين السرقة والنهب ونحوه على بعض منكري القياس فقال: القطع في السرقة دون الغصب وغيره غير معقول المعنى، فإن الغصب أكثر هتكًا للحرمة من السرقة، فدل على عدم اعتبار القياس؛ لأنه إذا لم يعمل به في الأعلى فلا يعمل به في المساوي، وجوابه: أن الأدلة على العمل بالقياس أشهر من أن يتكلف لإيرادها. (٢) الشبهة الثانية: (أن العقوبة بالقطع محض ضرر السارق): وأجاب ابن القيم فقال: السارق إذا قطعت يده فقطعها شر بالنسبة إليه وخير محض بالنسبة إلى عموم الناس لما فيه من حفظ أموالهم ودفع الضرر عنهم وخير إلى متولي القطع أمرًا وحكمًا لما في ذلك من الإحسان إلى عبيده عمومًا بإتلاف هذا العضو المؤذي لهم المضر بهم، فهو محمود على حكمه بذلك وأمره به مشكور عليه يستحق عليه الحمد من عباده والثناء عليه والمحبة، وكذلك الحكم بقتل من يصول عليهم في دمائهم وحرماتهم، وجلد من يصول عليهم في أعراضهم. فإذا كان هذا عقوبة من يصول عليهم في دنياهم فكيف عقوبة من يصول على أديانهم ويحول بينهم وبين الهدى الذي بعث اللَّه به رسله وجعل سعادة العباد في معاشهم ومعادهم منوطة به، أفليس في عقوبة هذا الصائل خيرٌ محض وحكمة وعدل وإحسان إلى العبيد، وهي شر بالنسبة إلى الصائل الباغي فالشر ما قام به من تلك العقوبة، وأما ما نسب الرب منها من المشيئة والإرادة والفعل فهو عين الخير والحكمة، فلا يغلظ حجابك عن فهم هذا النبأ العظيم والسر الذي يطلعك على مسألة

стр. 5820

القدر ويفتح لك الطريق إلى اللَّه، ومعرفة حكمته ورحمته وإحسانه إلى خلقه، وإنه سبحانه كما أنه البر الرحيم الودود المحسن فهو الحكيم الملك العدل فلا تناقض حكمته رحمته، بل يضع رحمته وبره وإحسانه موضعه ويضع عقوبته وعدله وانتقامه وبأسه موضعه، وكلاهما مقتضى عزته وحكمته وهو العزيز الحكيم، فلا يليق بحكمته أن يضع رضاه ورحمته موضع العقوبة والغضب ولا يضع غضبه وعقوبته موضع رضاه ورحمته، ولا يلتفت إلى قول من غلظ حجابه عن اللَّه أن الأمرين بالنسبة إليه على حد سواء ولا فرق أصلًا، وإنما هو محض المشيئة بلا سبب ولا حكمة وتأمل القرآن من أوله إلى آخره كيف تجده كفيلًا بالرد على هذه المقالة وإنكارها أشد الإنكار وتنزيه نفسه عنها كقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ (القلم: ٣٥، ٣٦). وقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ (الجاثية: ٢١)، وقوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ (ص: ٢٨). فأنكر سبحانه على من ظن هذا الظن ونزه نفسه عنه فدل على أنه مستقر في الفطر والعقول السليمة أن هذا لا يكون ولا يليق بحكمته وعزته وإلاهيته، لا إله إلا هو تعالى عما يقول الجاهلون علوًا كبيرًا، وقد فطر اللَّه عقول عباده على استقباح وضع العقوبة والانتقام في موضع الرحمة، والإحسان ومكافأة الصنع الجميل بمثله وزيادة؛ فإذا وضع العقوبة موضع ذلك استنكرته فطرهم وعقولهم أشد الاستنكار واستهجنته أعظم الاستهجان، وكذلك وضع الإحسان والرحمة والإكرام في موضع العقوبة والانتقام، كما إذا جاء إلى من يسيء إلى العالم بأنواع الإساءة في كل شيء من أموالهم وحريمهم ودمائهم فأكرمه غاية الإكرام ورفعه وكرمه؛ فإن الفطر والعقول تأبى استحسان هذا وتشهد على سفه من فعله هذه فطرة اللَّه الذي فطر الناس عليها فما للعقول والفطر لا تشهد حكمته

стр. 5821

البالغة وعزته وعدله في وضع عقوبته في أولى المحال بها وأحقها بالعقوبة؟ وأنها لو أوليت النعم لم تحسن بها ولم تلق ولظهرت مناقضة الحكمة كما قال الشاعر: نعمة اللَّه لا تعاب ولكن ... ربما استقبحت على أقوام. (١) الشبهة الثالثة: سوء فهم لحديث: (قطع يد السارق في البيضة والحبل)، وقال ﷺ : "لعن اللَّه السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده " (٢). والجواب: قال الحافظ في الفتح: قال الخطابي: . . . .، أنه ليس بالشائع في الكلام أن يقال في مثل ما ورد فيه الحديث من اللوم والتثريب: أخزى اللَّه فلانًا عرض نفسه للتلف في مال له قد ومزية وفي عرض له قيمة إنما يضر المثل في مثله بالشيء الذي لا وزن له ولا قيمة، هذا حكم العرف الجاري في مثله، وإنما وجه الحديث وتأويله ذم السرقة وتهجين أمرها وتحذير سوء مغبتها فيما قل وكثر من المال كأنه يقول إن سرقة الشيء اليسير الذي لا قيمة له كالبيضة المذرة والحبل الخلق الذي لا قيمة له إذا تعاطاه فاستمرت به العادة لم ييأس أن يؤديه ذلك إلى سرقة ما فوقها حتى يبلغ قدر ما تقطع فيه اليد فتقطع يده، كأنه يقول فليحذر هذا الفعل وليتوقه قبل أن تملكه العادة ويمرن عليها ليسلم من سوء مغبته ووخيم عاقبته. . . . (٣). ونقل ابن حجر عن محمد بن قتيبة فيما حكاه عن ابن بطال أنه قال: ولأن من عادة العرب والعجم أن يقولوا قبح اللَّه فلانًا عرض نفسه للضرب في عقد جوهر وتعرض للعقوبة بالغلول في جراب مسك، وإنما العادة في مثل هذا أن يقال لعنه اللَّه تعرض لقطع اليد في حبل رث أو في كبة شعر أو رداء خلق. . . (٤).

стр. 5822

قال القرطبي: فالجواب أن هذا خرج مخرج التحذير بالقليل عن الكثير، كما جاء في معرض الترغيب بالقليل مجرى الكثير في قوله ﷺ : "من بني للَّه مسجدًّا ولو مثل مفحص قطاة بني اللَّه له بيتًا في الجنة". (١) وقيل: إن ذلك مجاز من وجه آخر، وذلك أنه إذا ضرى بسرقة القليل سرق الكثير فقطعت يده. وأحسن من هذا ما قاله الأعمش وذكره البخاري (٢) في آخر الحديث كالتفسير قال: كانوا يرون أنه بيض الحديد، والحبل كانوا يرون أن منها ما يساوي دراهم. (٣) وقال بعضهم: البيضة في اللغة تستعمل في المبالغة في الذم، فمن الأول قولهم فلان بيضة البلد إذا كان فردًا في العظمة وكذا في الاحتقار، ومنه قول أخت عمرو بن عبدُ وُدّ لما قتل علي أخاها يوم الخندق في مرثيتها له: لكن قاتله من لا يعاب له ... من كان يدعى قديمًا بيضة البلد ومن الثاني قول الآخر يهجو قومًا: تأبى قضاعة أن تبدي لكم نسبًا ... وابنًا تزار فأنتم بيضة البلد ويقال في المدح أيضًا: بيضة القوم أي وسطهم وبيضة السنام أي شحمته، فلما كانت البيضة تستعمل في كل من الأمرين حسن التمثيل بها كأنه قال يسرق الجليل والحقير فيقطع فرب أنه عذر بالجليل فلا عذر له بالحقير، وأما الحبل فأكثر ما يستعمل في التحقير كقولهم: ما ترك فلان عقالًا ولا ذهب من فلان عقال، فكأن المراد أنه إذا اعتاد السرقة لم يتمالك مع غلبة العادة التمييز بين الجليل والحقير وأيضًا فالعار الذي يلزمه بالقطع لا يساوي ما حصل له ولو كان جليلاً، وإلى هذا أشار القاضي عبد الوهاب بقوله:

стр. 5823

صيانة العضو أغلاها وأرخصها ... صيانة المال فافهم حكمة الباري. (١) قال النووي في شرحه لهذا الحديث: لا يذم في العادة من خاطر بيده في شيء له قدر، وإنما يذم من يخاطر بها فيما لا قدر له فهو موضع تقليل لا تكثير، والصواب أن المراد التنبيه على عظيم ما خسر، وهي يده في مقابلة حقير من المال وهو ربع دينار؛ فإنه يشارك البيضة والحبل في الحقارة، أو أنه إذا سرق البيضة فلم يقطع جره ذلك إلى سرقة ما هو أكثر منها فقطع، فكانت سرقة البيضة هي سبب قطعه، أو أن المراد به قد يسرق البيضة أو الحبل فيقطعه بعض الولاة سياسة لا قطعًا جائزًا شرعًا، وقيل: إن النبي ﷺ قال هذا عند نزول آية السرقة مجملة من غير بيان نصاب، فقاله على ظاهر اللفظ. واللَّه أعلم. (٢) وعليه فالحديث يحتمل وجوهًا كما نقل ابن كثير عن الجمهور بأنهم أجابوا بأجوبة عن هذا الحديث وهي: أحدها: أنه منسوخ بحديث عائشة (٣)، وفي هذا نظر؛ لأنه لا بد من بيان التاريخ. والثاني: أشبه مؤول ببيضة الحديد وحبل السفن، قاله الأعمش فيما حكاه البخاري وغيره عنه. والثالث: أن هذا وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى الكثير الذي تقطع فيه يده، ويحتمل أن يكون هذا خرج مخرج الإخبار عما كان الأمر عليه في الجاهلية، حيث كانوا يقطعون في القليل والكثير، فلعن السارق الذي يبذل يده الثمينة في الأشياء المهينة. (٤) وفيه أيضًا، الإشارة إلى سد الذرائع، فإنه أخبر أن سرقة الحبل والبيضة لا تدعه حتى تقطع يده. (٥)

стр. 5824

الشبهة لرابعة: قولهم: (السارق تقطع يده والزاني لا يقطع فرجه مع أنهما آلة فعل الجريمة) . والجواب: قال المارودي: جعل حد السرقة قطع اليد لتناول المال بها, ولم يجعل حد الزنا قطع الذكر مع موافقة الفاحشة به، لثلاثة معان: أحدها: أن للسارق مثل يده التي قطعت فإن إنزجر بها اعتاض بالثانية، وليس للزاني مثل ذكره إذا قطع فلم يعتض بغيره لو انزجر بقطعه. والثاني: أن الحد زجر للمحدود وغيره، وقطع اليد في السرقة ظاهر، وقطع الذكر في الزنا باطن. والثالث: أن في قطع الذكر إبطال النسل وليس في قطع اليد إبطاله. (١) وقال ابن القيم: وأما معاقبة السارق بقطع يده وترك معاقبة الزاني بقطع فرجه ففي غاية الحكمة والمصلحة، وليس في حكمة اللَّه ومصلحة خلقه وعنايته ورحمته بهم أن يتلف على كل جان كل عضو به، فيشرع قلع عين من نظر إلى المحرم، وقطع أذن من استمع إليه، ولسان من تكلم به، ويد من لطم غيره عدوانًا, ولا خفاء بما في هذا الإسراف والتجاوز في العقوبة وقلب مراتبها، وأسماء الرب الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحميدة تأبى ذلك، وليس مقصود الشارع مجرد الأمن من المعاودة ليس إلا, ولو أريد هذا لكان قتل صاحب الجريمة فقط؛ وإنما المقصود الزجر والنكال والعقوبة على الجريمة، وأن يكون إلى كف عدوانه أقرب، وأن يعتبر به غيره، وأن يحدث له ما يذوقه من الألم توبةً نصوحًا، وأن يذكره ذلك بعقوبة الآخرة، إلى غير ذلك من الحكم والمصالح (٢). وقال أيضًا: وأما الزاني فإنه يزنى بجميع بدنه، والتلذذ بقضاء شهوته يعم البدن، والغالب من فعله وقوعه برضا المزني بها، فهو غير خائف ما يخافه السارق من الطلب،

стр. 5825

فعوقب بما يعم بدنه من الجلد مرة والقتل بالحجارة مرة، ولما كان الزنا من أمهات الجرائم وكبار المعاصي لما فيه من اختلاط الأنساب الذي يبطل معه التعارف والتناصر على إحياء الدين، وفي هذا هلاك الحرث والنسل فشاكل في معانيه أو في أكثرها القتل الذي فيه هلاك ذلك، فزجر عنه بالقصاص؛ ليرتدع عن مثل فعله من يهم به، فيعود ذلك بعمارة الدنيا وصلاح العالم الموصل إلى إقامة العبادات الموصلة إلى نعيم الآخرة. (١) تجارب مسجلة بين تطبيق حد السرقة وعدم تطبيقه: يقول ج. دي شابرول (٢): أحد علماء الحملة الفرنسية الذي كتب المجلد الأول من كتاب وصف مصر (٢/ ١٤) في وصف عادات وتقاليد المصريين في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر: تعاقب السرقة بقسوة، وبرغم ذلك فلا يعاقب المذنب مطلقًا بالموت، إلا إذا كانت السرقة قد اقترنت بالقتل، والشخص الذي يدان بالسرقة داخل محل تجاري، أو داخل بيت، أو داخل نطاق ما تقطع يده ويطلق سراحه بعد ذلك، ولكنه إذا ارتكب هذه السرقة من شخص أو من معروضات، وباختصار إذا سرق خارج مكان مسور، فإن القانون يحكم فقط بضربه بالعصا وبإعادة المسروقات. . . فلم نسمع على الإطلاق أية شكوى من سرقات المنازل، أو قل إن هذه الحالة نادرة تمامًا، بل إننا سوف ندهش أكثر من ذلك إذا ما علمنا أن البيوت والمحلات التي تضم بضائع غالية لا يقفل معظمها إلا بضبات من الخشب غير جيدة الصنع. وبإستثناء العربان والبدو يتميز المصريون بالاستقامة التي تعود في جانب كبير منها إلى قسوة العقوبات التي توقع على اللصوص، فكثيرًا ما تبقى بالات البضاعة الغالية الثمن لأيام عدة على الرصيف أو في الطرق العامة في حراسة سلوك الآهلين، ولم نسمع أن مالكًا قد شكا من نتائج مثل هذه الثقة" (٣).

стр. 5826

وقد نشر في مجلة (journal of criminal justice) عام ١٩٩٤ مقال عن عقوبة قطع اليد للسرقة في القانون الإسلامي (٤٦) اشترك فيها اثنان مسيحيان من الولايات المتحدة، ومسلم من السعودية، انتهوا فيها إلى أن توقيع عقوبة قطع اليد في الحالات المحددة التي تستوفى قواعد الإثبات المتشددة -كما يقررها حد السرقة الإِسلامي- يمكن حقيقة أن يكون لها ما يبررها، بل وضرورية في التشريع الإِسلامي الذي يسعى إلى حفظ المجتمع آمنًا، وأن الهدف ليس هو القصاص من الجاني بقدر ما هو الحفاظ على المجتمع الخير. (١) ومن العجب أن يشنع أعداء الإِسلام على الإِسلام، الذي جعل قطع يد السارق عقوبة له على ما اقترف من عدوان على ما بأيدي الآخرين وعدّوا ذلك من مساوئ الإِسلام، إذ يعامل المجتمع الإِسلامي معاملة البهائم، يقطع أيدي الآدميين، وننظر في المجتمعات الغربية الأوربية والأمريكية التي ترمي الإِسلام بهذه التهمة، وكيف يعيش الناس هناك في فزع دائم، وخوف مستمر من سطو اللصوص على الناس في الطرقات، وسطوهم على المنازل، والمصارف، والمتاجر نهارًا جهارًا، يأخذون ما تصل إليه أيديهم، دون خوف من رادع يردعهم، أو عقوبة تنزل بهم، فإن كانت عقوبات فهي السجن الذي يجدون فيه كل ما يشتهون (٢). يقول أحد الصحفيين: إذا سرت في شوارع أمريكا فلا تحمل فلوسًا كثيرة، فقد يستوقفك أحد الزنوج وفي يده سكين، وإذا ذهبت إلى محل الشراء لشراء شيء فلا تخرج من جيبك مالًا كثيرًا للسبب نفسه، إن الأمريكيين يتعاملون بالبطاقات المالية ودفاتر الشيكات ولا يحملون مالًا. . . .، وفي الفنادق يطلبون منك أن تضع فلوسك عندهم وإلا فأنت المسئول إذا سرقت أموالك أو أشياؤك الثمينة! وقد تجد مكتوبًا على باب الحمام: أغلق عليك الحمام من الداخل،

стр. 5827

وإذا هاجمك فاطلب رقم كذا بسرعة! ، وهم ينصحونك ألا تمشي وحدك في الشوارع فإذا اضطررت إلى ذلك فكن متجهمًا بادي القوة حتى لا يظن بك الخوف. ثم قال: ونزلت أتمشى وحدي قريبًا من البيت الأبيض، وكان الشارع خاليًا تمامًا من المارين، وفجأة وجدت رجلًا يتوكأ على عصاه، استوقفني وسألني: كم الساعة؟ فتوقفت انظر في ساعتي، فإذا هو يخرج سكينًا من بين ملابسه. . . فأعطيته الساعة, ونظرت فإذا هو يزيح القناع عن وجهه، ويبدو شابًا صغيرًا لم يكن شيخا ولا زنجيًا، وضحك وضحكت، وبينما أنا انظر إلى الشاب إذ قفذ إلى جواري شاب آخر فرفعت يدي إلى أعلى مظهرًا أنه ليس معي شيء، فأشار إليه اللص الأول من بعيد فتركني، وعرفت أن الزنوج ليسوا وحدهم قطاع طرق في أمريكا (١). وقدّر هؤلاء فيما قدّروا أن الحياة ستشهد المجتمع الذي تمضي فيه هذه العقوبة وقد شوّهت الإنسانية فيه، بهذه الأيدي التي زايلتها أكفّها، وبانت عنها معاصمها، ووقع في حسابهم أنه لو قطعت أيدي من تضمهم السجون، من أجل السرقة لكانوا أعدادًا كثيرة من المشوهين، الذين تتأذى بهم العيون، وتتضرر النفوس، وتألم الضمائر، ولا شك أن هذا حساب خاطئ، قام على نظرة غافلة أو جاهلة، أو مُغْرضة. . . فلو أنه أقيم حد السرقة كما شرعه الإِسلام لما كان هذا العدد الكبير مما يحترفون السرقة، ويقدمون عليها. . . . ولكان في هذه العقوبة التي فرضها الإِسلام، وقدر آثارها, لكان فيها زاجرًا يزجر معظم الذين يقترفون هذا الذنب، ويعاودون اقترافه، واحترافه (٢). وقد جاءت في جريدة الأهرام تحت هذا العنوان "تضاعف خمس مرات في خمس سنوات سرقات في وضح النهار" الآتي:

стр. 5828

في الماضي كان الذي يرتكب جريمة السرقة يبحث لنفسه عن مكان خالي من البشر يقترف فيه جريمته، أو يرتكبها بعيدًا عن أعين الناس، لكن هذه الأيام الكريمة ترتكب في وضح النهار، والأخطر من ذلك أن هناك أسواقًا للمسروقات في بعض المناطق والأحياء الشعبية وتباع بربع الثمن، تحت أعين وبصر الجميع، في البداية نشير إلى أن معدلات جرائم السرقة تزايدت بصورة ملحوظة في كل مكان في الريف والمدن وفي المناطق الشعبية والأحياء الراقية، وكل منطقه أصبح لها روادها في مجال السرقة، وعلى حسب قول أحد ضباط المباحث الكبار في مديرية أمن القاهرة: نحن لدينا تفاصيل بنوعية جرائم السرقة ونوعية مرتكبيها، فهناك لصوص متخصصون في سرقة الشقق وهؤلاء يسرقون الأجهزة الإلكترونية مثل الكمبيوترات والتليفزيونات والفيديوهات والأموال والتحف وغيرها من محتويات المنازل، وهناك لصوص متخصصون في سرقة السيارات، وآخرون في المحلات والمخازن. . . .، وهذا ليس بجديد على المجتمع، لكن الجديد الآن هو زيادة عدد بلاغات السرقة فقد تضاعفت خلال السنوات الخمس الأخيرة إلى خمسة أضعاف، وهذا يعني ظهور حالة انقلاب في المجتمع وأظن هذه الجرائم بالمقارنة بجرائم القتل والمشكلات الزوجية والخناقات العائلية ونزاعات الشقق والأراضي والمحلات أصبحت تمثل إرهاقًا كبيرًا لكل ضباط الشرطة وطاقة الأقسام، وكذلك النيابات التي أصبحت أمامها قضايا عديدة وكثيرة جدًّا (١). فالقول بأن السجن ردع لا شك أن هذه الفلسفة التي لا تستند على منطق سليم فلسفة خاطئة، والدليل على ذلك ما نلاقيه يوميًا من حوادث السرقة بكافة أشكالها وألوانها، فزادت الجرائم وكثرت العصابات، وأصبحت السجون ممتلئة بالمجرمين وقطاع الطريق الذين يهددون الأمن والاستقرار، يسرق السارق وهو آمن مطمئن لا يخشى شيئًا اللهم إلا ذلك السجن الذي يطعم ويكسى فيه فيقضي مدة العقوبة التي فرضها عليه القانون الوضعي ثم

стр. 5829

يخرج منه وهو إلى الإجرام أميل وعلى الشر أقدر، يؤكد هذا ما نقرؤه ونسمعه على تعدد الجرائم وزيادتها يومًا بعد يوم، وذلك لقصور العقل البشري عن الوصول إلى الدواء النافع والشفاء النافع لمعالجة مثل هذه الأمراض الخطيرة، أما الإِسلام فقد استطاع أن يقتلع الشر من جذوره، ويدٌ واحدة تقطع كافية لردع المجرمين فيا له من تشريع حكيم (١). وفي عقوبة السجن مضار منها: إرهاق خزانة الدولة (٢)، وتعطيل الإنتاج، وذلك بوضع المحكوم عليهم بعقوبة الحبس في محابس يقيمون بها حتى تنتهي مدة العقوبة والمحكوم عليهم يكونون في الغالب من الأشخاص الأصحاء القادرين على العمل، فوضعهم في السجون تعطيل لقدرتهم على العمل، وتضييع لمجهود كبير كان من الممكن أن يبذلوه فيستفيد منه المجتمع لو عوقبوا بعقوبة أخرى غير الحبس تكفي لتأديبهم وردع غيرهم، ولا شك أن هناك من العقوبات ما يمكن أن يؤدي وظيفة الزجر والردع، ويكون له أثره في محاربة الكريمة دون أن يؤدي إلى تعطيل مجهود المحكوم عليه كالجلد مثلًا؛ فإن تنفيذ هذه العقوبات ليس له أثر في الغالب على إنتاج المحكوم وقيامه بعمله اليومي، ومن مضار السجون أيضًا إفساد المسجونين؛ لأن السجن يجمع بين المجرم الذي ألف الإجرام، وبين المجرم العادي كما يضم السجن أشخاصًا ليسوا بمجرميين حقيقيين كالمحكوم عليهم من جرائم الخطأ والإهمال، وإجتماع هؤلاء جميعًا في صعيد واحد يؤدي إلى تفشي عدوى الإجرام بينهم، ومنها: قتل الشعور بالمسئولية، وعقوبة الحبس فوق أنها غير رادعة تؤدي إلى قتل الشعور بالمسئولية في نفس المجرمين وتحبب إليهم التعطل. فالكثير من

стр. 5830

المسجونين يقضون في السجن مددًا طويلة ينعمون فيها بالتعطل عن العمل ويكفون فيها مؤونة أنفسهم من مطعم وملبس وعلاج، والشاهد أن هؤلاء يكرهون أن يلقى بهم خارج السجن ليواجهوا حياة العمل والكد من جديد وأنه يموت فيهم كل شعور بالمسئولية نحو أسرهم، بل نحو أنفسهم فلا يكادون يخرجون من السجن حتى يعملوا للعودة إليه لا حبًا في الجريمة ولا حرصًا عليها، وإنما حبًا إلى العودة على السجن وحرصًا على حياة البطالة، وقد يؤدي ازدحام السجون وعدم توفر الوسائل الصحية بها وحرمان المسجونين من الاتصال بزوجاتهم إلى انتشار الأمراض السرية، والجلدية، والصدرية، وغيرها من الأمراض الخطيرة بين المسجونين. فالسجون تؤدي إلى فساد الأخلاق في خارجها؛ لأن وضع الرجال في السجون معناه تعريض زوجات هؤلاء الرجال وبناتهم وأخواتهم إلى الحاجة وإلى الفتنة ووضعهن وجهًا لوجه أمام الشيطان (١). الوجه الخامس: كيف عالج الكتاب المقدس جريمة السرقة ؟ والكلام على هذا من وجوه: أولًا: الرب يأمر بالسرقة في الكتاب المقدس: وليس هذا كلامًا لا أساس له، بل حقيقة، فلو نظرنا إلى النصوص لوجدنا كيف أن الرب عند القوم يأمرهم بالسرقة والنهب ويدَّعون أنه كتاب من عند اللَّه، وكذبوا؛ لأن هذا الكلام لا يليق أن يكون لبشر فضلًا أن يكون للَّه تعالى، فتعالى اللَّه عما يقولون علوًا كبيرًا. ففي سفر الخروج (٣/ ٢٢: ٢١): أُعْطِي نِعْمَةً لِهذَا الشَّعْبِ في عُيُونِ المِصْرِيِّينَ. فَيَكُونُ حِينَمَا تَمْضُونَ أَنَّكُمْ لَا تَمْضُونَ فَارِغِينَ. ٢٢ بَلْ تَطْلُبُ كُلًّ امْرَأَةٍ مِنْ جَارَتِهَا وَمنْ نَزِيلَةِ بَيْتِهَا أَمْتِعَةَ فِضَّةٍ وَأَمْتِعَةَ ذَهَبٍ وثِيَابًا، وَتَضَعُونَهَا عَلَى بَنِيكُمْ وَبَنَاتِكُمْ. فَتسْلِبُونَ المِصْرِيِّين. فلا شك أن هذا إرشاد واضح إلى المكر والدهاء حتى يسلب المصريون ويسرقون، فهل يليق أن يأمر الرب بهذا؟ .

стр. 5831

وفي التثنية (٢/ ٣٦: ٣٢): فَخَرَجَ سِيحُونُ لِلِقَائِنَا هُوَ وَجَمِيعُ قَوْمِهِ لِلْحَرْبِ إِلَى يَاهَصَ، ٣٣ فَدَفَعَهُ الرَّبُّ إِلهُنَا أَمَامَنَا، فَضَرَبْنَاهُ وَبَنِيهِ وَجَمِيعَ قَوْمِهِ. ٣٤ وَأَخَذْنَا كُلَّ مُدُنِهِ في ذلِكَ الْوَقْتِ، وَحَرَّمْنَا مِنْ كُلِّ مَدِينَةٍ: الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَالأَطْفَالَ. لَمْ نُبْقِ شَارِدًا. ٣٥ لكِنَّ الْبَهَائِمَ نَهَبْنَاهَا لأَنْفُسِنَا، وَغَنِيمَةَ المُدُنِ الَّتِي أَخَذْنَا، ٣٦ مِنْ عَرُوعِيرَ الَّتِي عَلَى حَافَةِ وَادِي أَرْنُونَ وَالْمَدِينَةِ الَّتِي في الْوَادِي، إِلَى جِلْعَادَ، لَمْ تَكُنْ قَرْيَةٌ قَدِ امْتَنَعَتْ عَلَيْنَا. الْجَمِيعُ دَفَعَهُ الرَّبُّ إِلهُنَا أَمَامَنَا. وفي إشعياء (١٣/ ١٧: ١٦): كُلُّ مَنْ وُجِدَ يُطْعَنُ، وَكُلُّ مَنِ انْحَاشَ يَسْقُطُ بِالسَّيْفِ. ١٦ وَتُحَطَّمُ أَطْفَالُهُمْ أَمَامَ عُيُونِهِمْ، وَتُنْهَبُ بُيُوتُهُمْ وَتُفْضَحُ نِسَاؤُهُمْ. وفي زكريا (١٤/ ٢): وَأَجْمَعُ كُلَّ الأُمَمِ عَلَى أُورُشَلِيمَ لِلْمُحَارَبَةِ، فَتُؤْخَذُ الْمَدِينَةُ، وَتُنْهَبُ الْبُيُوتُ، وَتُفْضَحُ النِّسَاءُ، وَيَخْرُجُ نِصْفُ الْمَدِينَةِ إِلَى السَّبْي، وَبَقِيَّةُ الشَّعْبِ لَا تُقْطَعُ مِنَ الْمَدِينَةِ. فهذه بعض النصوص التي وردت في الكتاب المقدس في الحض على السرقة والنهب والسلب. ثانيًا: اتهام السابقين من الأنبياء بالسرقة: ومن ناحية أخرى، نرى أن يسوع يتهم كل من جاء قبله من الأنبياء بأنهم لصوص وسراق، فورد في نص يوحنا (١٠/ ٨: ٧): فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي أَنَا بَابُ الْخِرَافِ. ٨ جَمِيعُ الَّذِينَ أَتَوْا قَبْلِي هُمْ سُرَّاقٌ وَلُصُوصٌ، وَلكِنَّ الْخِرَافَ لَمْ تَسْمَعْ لَهُمْ. ثالثًا: عقوبة السرقة في الكتاب المقدس: لو نظرنا إلى عقوبة السرقة في الكتاب المقدس لوجدنا قصورًا واضحًا في هذه العقوبة، وهذا بوجه عام في تصنيف الجرائم في الكتاب المقدس، فورد في دائرة المعارف في تصنيف الكريمة ما نصه: (لم تضع الشريعة حدودًا واضحة بين الجرائم العامة والإساءات الفردية، أو كما نقول بين الجنايات والمخالفات) (١). وتقول دائرة المعارف الكتابية: كان حكم الشريعة الموسوية أن السارق التائب عليه أن يرد ما اغتصبه، ويزيد عليه خمسة، ولم يكن في إمكانه أن يتقدم إلى الرب بذبيحة لإثمه إلا

стр. 5832

بعد أن يقوم بذلك التعويض، ففي لاويين (٦/ ٧: ٢): (إذا أخطأ أحد وخان خيانة بالرب وجحد صاحبه وديعة أو أمانة أو مسلوبًا أو اغتصب من صاحبه، أو وجد لقطة وجحدها وحلف كاذبًا على شيء من كل ما يفعله الإنسان مخطئًا به، فإذا أخطأ وأذنب يرد المسلوب الذي سلبه أو المغتصب الذي اغتصبه أو الوديعة التي أودعت عنده أو اللقطة التي وجدها، أو كل ما حلف عليه كاذبًا يعوضه برأسه ويزيد عليه خمسة إلى الذي هو له يدفعه يوم ذبيحة إثمه، ويأتي إلى الرب بذبيحة لإثمه كبشًا صحيحًا من الغنم بتقويمك ذبيحة إثم إلى الكاهن). ويجمع سفر اللاويين بين الاغتصاب والسلب وعدم دفع أجرة الأجير في يومه، كنوع واحد من الجرائم المنهي عنها، فيقول: (لا تغصب قريبك، ولا تسلب، ولا تبت أجرة أجير عندك إلى الغد). ولكنه لم يقرر لها عقوبة معينة (وكانت العقوبة في قانون حمورابي - مادة ٢٢ - هي الإعدام). أما السطو على المنازل، فكان يمكن لرب البيت أن يدفعه؟ ولو أدى الأمر إلى قتل اللص، وهناك جريمة سرقة المواشي، وكانت عقوبتها أن يعوض باثنتين عن كل واحدة سرقها إذا وجدت السرقة في يده حية، أما إذا كان ذبحها أو باعها، فكان عليه أن يعوض بخمسة ثيران، وبأربعة من الغنم عن الشاة: ففي الخروج (٢٢/ ٤: ١). (إذا سرق إنسان ثورًا أو شاة فذبحه أو باعه يعوض عن الثور بخمسة ثيران وعن الشاة بأربعة من الغنم، إن وجد السارق وهو ينقب فضرب ومات فليس له دم، ولكن إن أشرقت عليه الشمس فله دم أنه يعوض إن لم يكن له يبع بسرقته، إن وجدت السرقة في يده حية ثورًا كانت أم حمارًا أم شاة يعوض باثنين). (١) وهكذا جريمة السرقة في الكتاب المقدس، فلم تضع الشريعة عندهم حدودًا واضحة في التفرقة بين الجرائم العامة والمخالفات، ففي هذه العقوبة لم يوضحوا أن هناك فرقًا بين السرقة والسلب والاختلاس، كما هو عندنا واضحًا ومبينًا بالضوابط والشروط، فلا شك أن هذا قصور وعجز في التشريع، ويخرجون علينا أن قطع اليد ليس من الرحمة والشفقة، على الرغم

стр. 5833

من أن هذه العقوبة لا تطبق جزافًا، بل بضوابط وشروط كما أشرنا سابقًا، وفي الكتاب المقدس نصوص تحمل في طياتها أبلغ درجات البشاعة والظلم والجور ومنها على سبيل المثال: في الخروج (٢١/ ١٦): (ومن سرق إنسانًا وباعه، أو وجد في يده، يقتل قتلًا). وفي التثنية (٢٥/ ١٢: ١١): إِذَا تَخَاصَمَ رَجُلَانِ، رَجُلٌ وَأَخُوهُ، وَتَقَدَّمَتِ امْرَأَةُ أَحَدِهِمَا لِكَيْ تُخَلِّصَ رَجُلَهَا مِنْ يَدِ ضَارِبِهِ، وَمَدَّتْ يَدَهَا وَأَمْسَكَتْ بِعَوْرَتِهِ، ١٢ فَاقْطَعْ يَدَهَا، وَلَا تُشْفِقْ عَيْنُكَ. فأين الشفقة والرحمة في أن يقتل إنسان في السرقة، كما ورد في النص السابق من سفر الخروج؟ وأين الرحمة والشفقة في النص السابق؟ فهذه شريعتكم تأمر بقطع اليد، فلم الاعتراض؟ بل هناك نصوص واضحة الدلالة على قطع الأيدي والأرجل، بل وقلع الأعين، في إنجيل متى (١٨/ ٩: ٨): فَإِنْ أَعْثَرَتْكَ يَدُكَ أَوْ رِجْلُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَعْرَجَ أَوْ أَقْطَعَ مِنْ أَنْ تُلْقَى في النَّارِ الأَبَدِيَّةِ وَلَكَ يَدَانِ أَوْ رِجْلَانِ. وفيه أيضًا (١٩/ ١٢): وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَاهُمُ النَّاسُ، وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَوْا أَنْفُسَهُمْ لأَجْلِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْبَلَ فَلْيَقْبَل. فمن يضحي بهذا العضو من أجل الملكوت؟ وهل يمنعه أن يضحي بيده من أجل أنه سرق أموال الناس؟ . وفي سفر الخروج (٣١/ ١٤). انظر كيف يعاقب من يدنس يوم السبت (فَتَحْفَظُونَ السَّبْتَ لأَنَّهُ مُقَدَّسٌ لَكُمْ. مَنْ دَنَّسَهُ يُقْتَلُ قَتْلًا. إِنَّ كُلَّ مَنْ صَنَعَ فِيهِ عَمَلًا تُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ بَيْنِ شَعْبِهَا). وقصة الرجل الذي كان يجمع الحطب ليست بعيدة عنا، وفيها كما جاء في سفر العدد (٢٥/ ٣٦: ٣٢): (وَلَمَّا كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ في الْبَرِّيَّةِ وَجَدُوا رَجُلًا يَحْتَطِبُ حَطَبًا في يَوْمِ السَّبْتِ. ٣٣ فَقَدَّمَهُ الَّذِينَ وَجَدُوهُ يَحْتَطِبُ حَطَبًا إِلَى مُوسَى وَهَارُونَ وَكُلِّ الْجَمَاعَةِ. ٣٤ فَوَضَعُوهُ في الْمَحْرَسِ لأَنَّهُ لَمْ يُعْلَنْ مَاذَا يُفْعَلُ بِهِ. ٣٥ فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: "قَتْلًا يُقْتَلُ الرَّجُلُ. يَرْجُمُهُ بِحِجَارَةٍ كُلُّ الْجَمَاعَةِ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ". ٣٦ فَأَخْرَجَهُ كُلُّ الْجَمَاعَةِ إِلَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ وَرَجَمُوهُ بِحِجَارَةٍ، فَمَاتَ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى).

стр. 5834

وأما من يعتدي على أموال الناس بالسرقة فلا شيء عليه، فهل هذا عدل ورحمة وشفقة لمن عمل يوم السبت أن يرجم ويترك السارق؟ فلا شك أن هذا عجز تشريعي واضح ولا يوافق العقل والمنطق، وتعاليم الكتاب تحض على ذلك، في لوقا (٦/ ٣٠: ٢٩) (من ضربك على خدك فأعرض له الآخر أيضًا، ومن أخذ رداءك فلا تمنعه ثوبك أيضًا. . .، ومن أخذ الذي لك فلا تطالبه). ولو نظرت إلى مبدأ العقوبات في الإِسلام لرأيت العدل والرحمة والشفقة، بلا إفراط ولا تفريط. * * *

стр. 5835

١٢ - شبهة: الخمر . نص الشبهة: تتكون من مسائل: الأولى: زعموا أن الإِسلام أحل شرب الخمر واستندوا إلى هذه الأدلة. ١ - من القرآن: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (النحل: ٦٧)، وآيات التدرج في تحريم الخمر. ٢ - من السنة: أن النبي محمدًا ﷺ كان يشرب النبيذ، والنبيذ هو الخمر. كذا زعموا. الثانية: اتهامهم النبي محمدًا ﷺ بشرب الخمر. الثالثة: اتهامهم النبي محمدًا ﷺ بالوضوء بالخمر. الرابعة: قالوا: كيف يحرم الخمر في الدنيا ويحلها في الجنة؟ والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: القرآن حرم الخمر. الوجه الثاني: آية تحريم الخمر ناسخة للآيات الأُخَرَ. الوجه الثالث: السنة حرمت الخمر. الوجه الرابع: إقامة الحد على شارب الخمر دليل على تحريم الخمر. الوجه الخامس: أجمعت الأمة على تحريم الخمر. الوجه السادس: الخمر حُرم تدريجيًا فلا تعارض بين الآيات. الوجه السابع: العقوبات التي تلحق بشارب الخمر دليل على تحريم شرب الخمر. الوجه الثامن: الرد على قولهم: أن النبي محمد ﷺ كان يشرب الخمر أو النبيذ. الوجه التاسع: الرد على قولهم: أن النبي محمد ﷺ توضأ بالخمر. الوجه العاشر: الرد على قولهم: كيف يحرم اللَّه الخمر في الدنيا ويحلها في الآخرة؟ الوجه الحادي عشر: آثار شرب الخمر في المجتمع الغربي. الوجه الثاني عشر: الخمر في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل

стр. 5836

الوجه الأول: القرآن حرم الخمر . الدليل الأول: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ (المائدة: ٩٠). قال القنوجي: وفي هذه الآية دليل على تحريم الخمر لما تضمنه الأمر بالاجتناب من الوجوب وتحريم الصد ولما تقرر في الشريعة من تحريم قربان الرجس فضلًا عن جعله شرابًا يشرب (١). قال الزمخشري: أكد تحريم الخمر والميسر وجوهًا من التأكيد منها: ١ - تصدير الجملة بإنما. ٢ - ومنها أنه قرنهما بعبادة الأصنام. ٣ - ومنها أنه جعلهما رجسًا، قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (الحج: ٣٠). ٤ - ومنها أنه جعلهما من عمل الشيطان، والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت. ٥ - ومنها أنه أمر بالاجتناب. ٦ - ومنها أنه جعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحًا، كان الارتكاب خيبة ومحقة. ٧ - ومنها أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض من أصحاب الخمر والقُمَار، وما يؤدّيان إليه من الصدّ عن ذكر اللَّه، وعن مراعاة أوقات الصلاة. ٨ - وقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ من أبلغ ما ينهى عنه، كأنه قيل: قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون؟ أم أنتم على ما كنتم عليه، كأن لم توعظوا ولم تزجروا؟ فإن قلت: الأم يرجع الضمير في ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾؟ قلت: إلى المضاف المحذوف، كأنه قيل: إنما شأن الخمر والميسر أو تعاطيهما أو ما أشبه ذلك. ولذلك قال: ﴿

стр. 5837

رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. فإن قلت: لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أولًا ثم أفردهما آخرًا؟ قلت: لأن الخطاب مع المؤمنين. وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر، وذكر الأنصاب والأزلام لتأكيد تحريم الخمر والميسر، وإظهار أنّ ذلك جميعًا من أعمال الجاهلية وأهل الشرك، فوجب اجتنابه بأسره، وكأنه لا مباينة بين من عبد صنمًا وأشرك باللَّه في علم الغيب، وبين من شرب خمرًا أو قامر (١). قال الطبري: يا أيها الذين صدّقوا اللَّه ورسوله، إن الخمر التي تشربونها، والميسِرَ الذي تَتَياسرونه، والأنصاب التي تذبحُون عندها، والأزلام التي تستقسمون بها ﴿رِجْسٌ﴾ يقول: إثم ونَتْنٌ سَخِطه اللَّه وكرهه لكم ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ يقول: شربكم الخمر، وقماركم على الجُزُر، وذبحكم للأنصاب، واستقسامكم بالأزلام، من تزيين الشيطانِ لكم، ودعائه إياكم إليه، وتحسينه لكم، لا من الأعمال التي ندبكم إليها ربُّكم، ولا مما يرضاه لكم، بل هو مما يسخطه لكم ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ يقول: فاتركوه وارفضوه ولا تعملوه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ يقول: لكي تنجَحُوا فتدركوا الفلاحَ عند ربكم بترككم ذلك (٢). قال الشيخ محمد رشيد رضا: ولما بين ﷻ علة تحريم الخمر والميسر وحكمته أكده بقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، فهذا استفهام يتضمن الأمر بالانتهاء ثم ذكر كلام الكشاف. ثم قال وتبعه في ذلك الرازي وغيره ونحن نبين المؤكدات بأوضح مما بينوها به وأوسع فنقول: أحدها: أن اللَّه تعالى جعل الخمر والميسر رجسًا، وكلمة الرجس تدل على منتهى القبح والخبث، ولذلك أطلقت على الأوثان كما تقدم، فهي أسوأ مفهومًا من كلمة الخبيث وقد علم من عدة آيات أن اللَّه أحل الطيبات وحرم الخبائث.

стр. 5838

ثانيها: أنه صدر الجملة بإنما الدالة على الحصر للمبالغة في ذمهما كأنه قال ليست الخمر وليس الميسر إلا رجسًا فلا خير فيهما البتة. ثالثها: أنه قرنها بالأنصاب والأزلام التي هي من أعمال الوثنية وخرافات الشرك. رابعها: أنه جعلها من عمل الشيطان لما ينشأ عنها من الشرور والطغيان، وهل عمل الشيطان إلا موجبًا لسخط الرحمن؟ خامسها: أنه جعل الأمر بتركهما من مادة الاجتناب، وهو أبلغ من الترك لأنه يفيد الأمر بالترك مع البعد عن المتروك بأن يكون التارك في جانب بعيد عن المتروك. سادسها: أنه جعل اجتنابهما معدًا للفلاح ومرجاة له، فدل ذلك على أن ارتكابهما من الخسران والخيبة في الدنيا والآخرة. سابعها وثامنها: أنه جعلهما مثارًا للعداوة والبغضاء، وهما شر المفاسد الدنيوية المتعدية إلى أنواع من المعاصي في الأموال والأعراض والأنفس ولذلك سميت الخمر بأم الخبائث وأم الفواحش. تاسعها وعاشرها: أنه جعلهما صَادَّيْنِ عن ذكر اللَّه وعن الصلاة وهما روح الدين وعماده. الحادي عشر: الأمر بالانتهاء عنهما بصيغة الاستفهام المقرون بفاء السببية، وهل يصح الفصل بين السبب والمسبب. وفي الآية التالية ثلاثة مؤكدات أخرى نوردها معدودة مع ما قبلها. الثاني عشر: قوله : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ (المائدة: ٩٢). أي: أطيعوا اللَّه فيما أمركم به من اجتناب الخمر والميسر وغيرهما كما تجتنبون الأنصاب والأزلام أو أشد اجتنابًا وفي كل شيء، وأطيعوا الرسول فيما بَيَّنَهُ لكم مما نزله اللَّه عليكم ومنه قوله: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام". الثالث عشر: قوله : ﴿وَاحْذَرُوا﴾ أي: احذروا عصيانهما أو ما يصيبكم إذا خالفتم أمرهما من فتنة الدنيا وعذاب الآخرة فإنه ما حرم عليكم إلا ما يضركم في دنياكم وآخرتكم قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: ٦٣).

стр. 5839

الرابع عشر: الإنذار والتهديد في قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (المائدة: ٩٢) أي: فإن توليتم وأعرضتم عن الطاعة فاعلموا أنما على رسولنا أن يبين لكم ديننا وشرعنا؛ وقد بلغه وأبانه، وقرن حكمه بأحكامه وعلينا نحن الحساب والعقاب وسترونه في إبانه كما قال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ (الرعد: . ٤). وإنما الحساب لأجل الجزاء. (١) الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ. . .﴾ (الأعراف: ٣٣)، والخمر من الإثم. قال أبو جعفر النحاس: قال جماعة من الفقهاء: تحريم الخمر بآيتين من القرآن بقوله : ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، وبقوله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾، فلما حرم الإثم وأخبر أن في الخمر إثمًا وجب أن تكون محرمة (٢). الوجه الثاني: آية تحريم الخمر ناسخة للآيات الأخر . قال الشنقيطي: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. هذه الآية الكريمة يفهم منها أن السُكر المتخذ من ثمرات النخيل والأعناب لا بأس به لأن اللَّه امتن به على عباده في سورة الامتنان التي هي سورة النحل، وقد حرّم تعالى الخمر بقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ لأنه وصفها بأنها رجس وأنها من عمل الشيطان وأمر باجتنابها ورتب عليه رجاء الفلاح، ويفهم منه أن من لم يجتنبها لم يفلح وهو كذلك، وقد بيَّن ﷺ أن كل ما خامر العقل فهو خمر وأن كل مسكر حرام وأن ما أسكر كثيره فقليله حرام.

стр. 5840

والجواب ظاهر وهو أن آية تحريم الخمر ناسخة لقوله: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾. الآية. ونسخها له هو التحقيق. وإنما قلنا إن التحقيق هو كون تحريم الخمر ناسخًا لإباحتها؛ لأن قوله: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ يدل على إباحة الخمر شرعًا، فرفع هذه الإباحة المدلول عليها بالقرآن رفع حكم شرعي فهو نسخ بلا شك، ولا يمكن أن تكون إباحتها عقلية إلا قبل نزول هذه الآية كما هو ظاهر، ومعلوم عند العلماء أن الخمر نزلت في شأنها أربع آيات من كتاب اللَّه: الأولى: هذه الآية الدالة على إباحتها. الثانية: الآية التي ذكر فيها بعض معايبها، وأن فيها منافع وصرحت بأن إثمها أكبر من نفعها، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، فشَرِبها بعد نزولها قوم للمنافع المذكورة، وترَكها آخرون للإثم الذي هو أكبر من المنافع. الثالثة: الآية التي دلت على تحريمها في أوقات الصلاة دون غيرها، وهي قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ الآية. الرابعة: الآية التي حرمتها تحريمًا باتًا مطلقًا، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، والعلم عند اللَّه تعالى. وأما على قول من زعم أن السكر: الطعم، كما اختاره ابن جرير وأبو عبيدة، أو أنه الخل فلا إشكال في الآية. (١) قلت: وسيأتي الكلام عن كيف حرمت الخمر وأنه حُرِّمَ تدريجيًا. الوجه الثالث: السنة حرمت الخمر . وفي ذلك أحاديث كثيرة ثابتة عن النبي ﷺ منها.

стр. 5841

١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ ساقي الْقَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ في بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّا الْفَضِيخُ: الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِى فَقَالَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ فَخَرَجْتُ فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِى: أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قَالَ: فَجَرَتْ في سِكَكِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ لي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأهْرِقْهَا. فَهَرَقْتُهَا. . . الحديث". وفي رواية: "لَقَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ وَكَانَتْ عَامَّةُ خُمُورِهِمْ يَوْمَئِذٍ خَلِيطَ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ" (١). ٢ - حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسْقِى أَبا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ شَرَابًا مِنْ فَضِيخٍ وَتَمْرٍ، فَأَتَاهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أَنَسُ قُمْ إِلَى هَذِهِ الْجَرَّةِ فَاكْسِرْهَا. فَقُمْتُ إِلَى مِهْرَاسٍ (٢) لَنَا فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ. (٣) قال النووي: وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم تَصْرِيح بِتَحْرِيمِ جَمِيع الْأَنْبِذَة المُسْكِرَة، وَأَنَّهَا كُلّهَا تُسَمَّى خَمْرًا، وَسَوَاء في ذَلِكَ الْفَضِيخ وَنَبِيذ التَّمْر وَالرُّطَب وَالْبُسْر وَالزَّبِيب وَالشَّعِير وَالذُّرَة وَالْعَسَل وَغَيْرهَا، وَكُلّهَا مُحَرَّمَة، وَتُسَمَّى خَمْرًا. (٤) ٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَامَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ وَالحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. (٥) قال ابن حجر: (وَالْخَمْر مَا خَامَرَ الْعَقْل) أَيْ: غَطَّاهُ أَوْ خَالَطَهُ فَلَمْ يَتْرُكهُ عَلَى حَالِهِ وَهُوَ مِنْ مَجَاز التَّشْبِيه، وَالْعَقْل هُوَ آلَة التَّمْيِيز فَلِذَلِكَ حُرِّمَ مَا غَطَّاهُ أَوْ غَيْره، لِأَنَّ بِذَلِكَ يَزُول الْإِدْرَاك الَّذِي طَلَبَهُ اللَّه مِنْ عِبَاده لِيَقُومُوا بِحُقُوقِهِ. (٦) ٤ - سئل رسول اللَّه عن عن البِتعِ (٧) فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام" (٨).

стр. 5842

٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" (١). قال ابن حجر: وَدَلَّ -أي الحديث- عَلَى أَنَّ عِلَّة التَّحْرِيم الْإِسْكَار فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ كُلّ شَرَاب وُجِدَ فِيهِ الْإِسْكَار حَرُمَ تَنَاوُل قَلِيله وَكَثِيره. اهـ. (٢) وقال: وَاسْتُدِلَّ بِمُطْلَقِ قَوْله: "كُلّ مُسْكِر حَرَام" عَلَى تَحْرِيم مَا يُسْكِر وَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَرَابًا، فَيَدْخُل في ذَلِكَ الْحَشِيشَة وَغَيْرهَا. (٣) ٦ - حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لُعِنَتِ الْخَمْرُ عَلَى عَشَرَةِ وُجُوهٍ: لُعِنَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا، وَشَارِبُهَا، وَسَاقِيهَا، وَبَائِعُهَا، وَمُبْتَاعُهَا، وَعَاصِرُهَا، وَمُعْتَصِرُهَا، وَحَامِلُهَا، وَالمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ، وَآكِلُ ثَمَنِهَا". (٤) الوجه الرابع: إقامة الحد على شارب الخمر دليل على تحريم الخمر . عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ نبي اللَّه ﷺ جَلَدَ في الْخَمْرِ بِالجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، ثُمَّ جَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ. فَلَمّا كَانَ عُمَرُ وَدَنَا النَّاسُ مِنَ الرِّيفِ وَالْقُرَى قَالَ: مَا تَرَوْنَ في جَلْدِ الْخَمْرِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا كَأَخَفِّ الْحُدُودِ. قَالَ: فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ. (٥)

стр. 5843

وفي رواية: أن عليًا قال بعد ما جلد أربعين: جَلَدَ النبي ﷺ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ. (١) قال النووي: وَأَمَّا الْخَمْر فَقَدْ أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيم شُرْب الْخَمْر، وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوب الْحَدّ عَلَى شَارِبهَا، سَوَاء شَرِبَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا. (٢) الوجه الخامس: أجمعت الأمة على تحريم الخمر . قال ابن المنذر: وأجمعوا على تحريم الخمر. (٣) قال ابن قدامة: الخمر محرم بالكتاب والسنة والإجماع. (٤) قال النووي: وأما الخمر فقد أجمع المسلمون على تحريم شرب الخمر. (٥) قال ابن العربي: لا خلاف بين الأمة أن الخمر حرام بتحريم اللَّه ورسوله وسؤال أخيار الصحابة في ذلك ورغبتهم فيه. (٦) الوجه السادس: الخمر حُرم تدريجيًا فلا تعارض بين الآيات . عن أبي ميسرة قال: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ قَالَ عُمَرُ: اللهمَّ بَيِّنْ لَنَا في الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً فَنَزلَتِ الآيةُ التي في الْبقَرَةِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآيَةَ، قَالَ: فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، قَالَ: اللهمَّ بَيِّنْ لَنَا في الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً فنزلَتِ الآيةُ التي في النِّسَاءِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، فَكَانَ مُنَادِى رَسُولِ اللَّه

стр. 5844

- ﷺ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةَ يُنَادِى أَلَا لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللهمَّ بَيِّنْ لَنَا في الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾) قَالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا. (١) قال الرازي: قال القفال ﵀: والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن اللَّه تعالى علم أن القوم قد كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بذلك كثيرًا، فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق ذلك عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج، وهذا الرفق (٢). قال الصابوني: في تحريم الخمر بهذا الترتيب حكمة بليغة وذلك أن القوم ألفوا شرب الخمر وأصبحت جزءًا من حياتهم، فلو حُرمت عليهم دفعة واحدة لشق ذلك على نفوسهم وربما لم يستجيبوا لذلك النهي، وذلك من الخطة الحكيمة التي انتهجها الإِسلام في معالجة الأمراض الاجتماعية، فقد سلك بالناس طريق (التدرج في تشريع الأحكام): فبدأ بالتنفير منه بطريق غير مباشر كما في الآية الأولى، ثم بالتنفير المباشر عن طريق المقارنة بين شيئين شيء فيه نفع ضئيل وشيء فيه ضرر وخطر جسيم كما في الآية الثانية، ثم بالتحريم الكلي في جميع الأوقات كما في الآية الرابعة، فلله ما أدق هذا التشريع وما أحكمه! (٣) قال صاحب الظلال في الحكمة من التدرج في تحريم الخمر وما وصل إليه الإِسلام وما وصل إليه الغرب الكافر: كانت الخمر إحدى تقاليد المجتمع الجاهلي الأصيلة الشاملة وإحدى الظواهر المميزة لهذا المجتمع، فالروايات الكثيرة تدلل تغلغل ظاهرة الخمر في المجتمع الجاهلي.

стр. 5845

فماذا صنع المنهج الرباني لمقاومة هذه الظاهرة المتغلغلة؟ ماذا صنع لمكافحة هذه الآفة، التي لا يقوم معها مجتمع جاد صالح مستقيم واع أبدًا؟ ماذا صنع ليقف في وجه عادة أصيلة قديمة، تتعلق بها تقاليد اجتماعية، كما تتعلق بها مصالح اقتصادية؟ لقد عالج المنهج الرباني هذا كله ببضع آيات من القرآن، وعلى مراحل، وفي رفق وتؤدة، وكسب المعركة دونَ حربٍ، ودون تضحيات، ودون إراقة دماء، والذي أريق فقط هو دنان الخمر وزقاقها وجرعات منها كانت في أفواه الشاربين -حين سمعوا آية التحريم- فمجوها من أفواهم. في مكة -حيث لم يكن للإسلام دولة ولا سلطان. . إلا سلطان القرآن- وردت في القرآن المكي تلميحة سريعة إلى نظرة الإِسلام للخمر. تُدْرَكُ من ثنايا العبارة. وهي مجرد إشارة. جاء في سورة النحل: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ ـ (النحل: ٦٧). فوضع "السكر" وهو الشراب المسكر الذي كانوا يتخذونه من ثمرات النخيل والأعناب في مقابل الرزق الحسن؛ مُلَمِّحًا بهذا التقابل إلى أن السكر شيء. والرزق "الحسن" شيء آخر، وكانت مجرد لمسة من بعيد للضمير المسلم الوليد! ولكن عادة الشراب، أو تقليد الشراب -بمعنى أدق- فقد كان أعمق من عادة فردية، كان تقليدًا اجتماعيًا له جذور اقتصادية، كان أعمق من أن تؤثر فيه هذه اللمسة السريعة البعيدة وفي المدينة حيث قامت للإسلام دولة وكان له سلطان، لم يلجأ إلى تحريم الخمر بقوة الدولة وسيف السلطان، إنما كان أولًا سلطان القرآن. وبدأ المنهج عمله في رفق وفي يسر، وفي خبرة بالنفس البشرية، والأوضاع الاجتماعية. بدأ بآية البقرة ردًا على أسئلة تدل على فجر اليقظة في الضمير المسلم ضد الخمر والميسر: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (البقرة: ٢١٩).

стр. 5846

وكانت هذه هي المطرقة الأولى، ذات الصوت المسموع. . في الحس الإِسلامي، وفي الضمير الإِسلامي وفي المنطق الفقهي الإِسلامي، فمدار الحل والحرمة. . أو الكراهية. . على رجحان الإثم أو رجحان الخير، في أمر من الأمور، وإذا كان إثم الخمر والميسر أكبر من نفعهما. . فهذا مفرق الطريق. . ولكن الأمر كان أعمق من هذا. . وقال عمر ﵁: اللهم بين لنا بيانًا شافيًا في الخمر. . عمر! ! وهذا وحده يكفي لبيان عمق هذا التقليد في نفس العربي. ثم حدثت أحداث -كالتي رويناها- ونزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (النساء: ٤٣)، وأخذ المنهج البصير الرفيق يعمل. . لقد كانت هذه هي المرحلة الوسيطة، بين التنفير من الخمر؛ لأن إثمها أكبر من نفعها وبين التحريم البات؛ لأنها رجس من عمل الشيطان. وكانت وظيفة هذه المرحلة الوسيطة: هي "قطع عادة الشراب" أو "كسر الإدمان"، وذلك بحظر الشراب قرب أوقات الصلاة. وأوقات الصلاة موزعة على مدار النهار، وبينها فترات لا تكفي للشراب -الذي يرضي المدمنين- ثم الإفاقة من السكر الغليظ حتى يعلموا ما يقولون فضلًا على أن للشراب كذلك أوقاتًا ومواعيد خاصة من الصبوح والغبودق. . صباحًا ومساء. . وهذه تتخللها وتعقبها أوقات الصلاة، وهنا يقف ضمير المسلم بين أداء الصلاة وبين لذة الشراب. .، وكان هذا الضمير قد بلغ أن تكون الصلاة عنده عماد الحياة. ومع ذلك. . فقد قال عمر ﵁ وهو عمر! - اللهم بين لنا بيانًا شافيًا في الخمر. . ثم مضى الزمن. ووقعت الأحداث. وجاء الوعد المناسب -وفق ترتيب المنهج- للضربة الحاسمة فنزلت الآيتان في المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ (المائدة: ٩٠ - ٩١).

стр. 5847

وانتهى المسلمون كافة. وأريقت زقاق الخمر، وكسرت دنانها في كل مكان. . بمجرد سماع الأمر. لقد انتصر القرآن. وأفلح المنهج. وفرض سلطانه - دون أن يستخدم السلطان! ! ! ولكن كيف كان هذا؟ كيف تمت هذه المعجزة، التي لا نظير لها في تاريخ البشر؛ ولا مثيل لها في تاريخ التشريعات والقوانين والإجراءات الحكومية في أي مكان. لقد تمت المعجزة؛ لأن المنهج الرباني أخذ النفس الإنسانية بطريقته الخاصة، أخذها بسلطان اللَّه وخشيته ومراقبته. لقد ملأ فراغها باهتمامات كبيرة لا تدع فيها فراغًا تملؤه بنشوة الخمر، وخيالات السكر، وما يصاحبها من مفاخرات وخيلاء. . في الهواء. . ملأ فراغها باهتمامات. منها: نقل هذه البشرية الضالة الشاردة كلها، من تيه الجاهلية الأجرد، وهجيرها المتلظي، وظلامها الدامس، وعبوديتها المذلة، وضيقها الخانق، إلى رياض الإِسلام البديعة، وظلاله الندية، ونوره الوضيء، وحريته الكريمة، وسعته التي تشمل الدنيا والآخرة! وملأ فراغها -وهذا هو الأهم- بالإيمان بهذا الإحساس الندي الرضي الجميل البهيج، فلم تعد في حاجة إلى نشوة الخمر تحلق بها في خيالات كاذبة وسمادير! وهي ترف بالإيمان المشع إلى الملأ الأعلى الوضيء. . وتعيش بقرب اللَّه ونوره وجلاله. . وتذوق طعم هذا القرب، فتمج طعم الخمر ونشوتها، وترفض خمارها وصداعها. إن هذه كلها ليست إلا تعبيرًا عن الخواء الروحي. . من الإيمان أولًا. . ومن الاهتمامات الكبيرة التي تستنفد الطاقة ثانيًا. .، وليست إلا إعلانًا عن إفلاس هذه الحضارة في إشباع الطاقات الفطرية بطريقة سوية. .، ذلك الخواء وهذا الإفلاس هما اللذان يقودان إلى الخمر والميسر لملء الفراغ، كما يقودان إلى كل أنواع الجنون التي ذكرنا. وإلى المرض النفسي والعصبي. . وإلى الشذوذ وغير ذلك.

стр. 5848

إنها لم تكن كلمات. . هي التي حققت تلك المعجزة الفريدة. .، إنما كان منهج. منهج هذه الكلمات متنه وأصله، منهج من صنع رب الناس. لا من صنع الناس، وهذا هو الفارق الأصيل بينه وبين كل ما يتخذه البشر من مناهج، لا تؤدي إلى كثير! (١) الوجه السابع: العقوبات التي تلحق بشارب الخمر دليل على تحريم شرب الخمر . ١ - عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنْ جَيْشَانَ -وَجَيْشَانُ مِنَ الْيَمَنِ- فَسَأَلَ النَّبي ﷺ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ يُقَالُ لَهُ الْمِزْرُ فَقَالَ النبي ﷺ : "أَوَمُسْكِرٌ هُوَ؟ . قَالَ نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ إِنَّ عَلَى اللَّه عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ المُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ" (٢). ٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ في الدُّنْيَا حُرِمَهَا في الآخِرَةِ" (٣). ٣ - عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ". (٤) ٤ - قال ابن حجر: قَالَ ابْن بطَّال: هَذَا أَشَدُّ مَا وَرَدَ في شُرْب الْخَمْر، وَبِهِ تَعَلَّقَ الخَوَارِج فَكَفَّرُوا مُرْتَكِب الْكَبِيرَة عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، وَحَمَلَ أَهْل السُّنَّة الْإِيمَان هُنَا عَلَى الْكَامِل، لِأَنَّ الْعَاصِي يَصِير أَنْقَص حَالًا في الْإِيمَان مِمَّنْ لَا يَعْصِي. (٥) الوجه الثامن: الرد على قولهم "أن النبي محمد ﷺ كان يشرب الخمر أو النبيذ . فقد ورد عن ابن عباس قال: كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يُنْتَبَذُ لَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَيَشْرَبُهُ إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ وَاللَّيْلَةَ الَّتِي تَجِىءُ وَالْغَدَ وَاللَّيْلَةَ الأُخْرَى وَالْغَدَ إِلَى الْعَصْرِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمَ أَوْ أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ. (٦)

стр. 5849

وحديث عائشة: عن ثمامة قال: قَالَ لَقِيتُ عَائِشَةَ فَسَأَلْتُهَا عَنِ النَّبِيذِ فَدَعَتْ عَائِشَةُ جَارِيَةً حَبَشِيَّةً فَقَالَتْ: سَلْ هَذِهِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ تَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ فَقَالَتِ الْحَبَشِيَّةُ: كُنْتُ أَنْبِذُ لَهُ في سِقَاءٍ مِنَ اللَّيْلِ وَأُوكِيهِ وَأُعَلِّقُهُ فَإِذَا أَصْبَحَ شَرِبَ مِنْهُ. (١) والجواب على ذلك كما يلي من عدة وجوه: أولًا: تعريف النبيذ: عند أهل اللغة قال ابن الأثير: النَّبِيذ: وهو ما يُعْمَلُ من الأشْرِبة من التَّمرِ والزَّبيب والعَسَل والحِنْطَة والشَّعير وغير ذلك يقال: نَبَذْتُ التَّمر والعِنَب إذا تَركْتَ عليه الماء لِيَصِيرَ نَبِيذًا فَصُرِفَ من مفعول إلى فَعِيل. وانْتبَذْتُه: اتَّخَذْتُه نَبِيذًا، وسَوَاء كان مِسْكِرًا أو غيرَ مُسْكِر فإنه يقال له نَبِيذٌ. وَيقال للخَمْر المُعْتَصَر من العنَب نَبِيذٌ. كما يقال للنَّبيذ خَمْرٌ. (٢) وقال ابن منظور: وإِنما سمي نبيذًا لأَن الذي يتخذه يأْخذ تمرًا أو زبيبًا فينبذه في وعاء أَو سقاء عليه الماء ويتركه حتى يفور فيصير مسكرًا، والنبذ الطرح وهو ما لم يسكر حلال فإِذا أَسكر حرم. (٣) قلت: إذن فالنبيذ اسم لكل ما ينبذ في الماء من الطعام، فإن لم يشتد ويسكر فهو حلال طيب، وإن اشتد وتخمر فأسكر فهو الحرام الخبيث. ثانيًا: تعريفه في الشرع: قال ابن القيم: وَهذَا النّبِيذُ هُوَ مَا يُطْرَحُ فِيهِ تَمْرٌ يُحَلّيهِ وَهُوَ يَدْخُلُ في الْغِذَاءِ وَالشّرَابِ وَلَهُ نَفْعٌ عَظِيمٌ في زِيادَةِ الْقُوّةِ وَحِفْظِ الصّحّةِ وَلَمْ يَكُنْ يَشْرَبُهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ خَوْفًا مِنْ تَغَيِّرهِ إلَى الْإِسْكَارِ. (٤) ثالثًا: كلام العلماء على هذه الروايات وإجماعهم على أن النبي ﷺ ما شرب مسكرًا .

стр. 5850

قال النووي: في هذه الأحاديث دلالة على جواز الانتباذ، وجواز شرب النبيذ ما دام حلوًا لم يتغير ولم يغل، وهذا جائز بإجماع الأمة، وأما سقيه الخادم بعد الثلاث وصبه، فلأنه لا يؤمن بعد الثلاث تغيره، وكان النبي ﷺ يتنزه عنه بعد الثلاث. وقوله: (سقاه الخادم أو صبه) معناه تارة: يسقيه الخادم، وتارة يصبه، وذلك الاختلاف لاختلاف حال النبيذ، فإن كان لم يظهر فيه تغير ونحوه من مبادئ الإسكار سقاه الخادم ولا يريقه؛ لأنه مال تحرم إضاعته، ويترك شربه تنزهًا، وإن كان قد ظهر فيه شيء من مبادئ الإسكار والتغير أراقه؛ لأنه إذا أسكر صار حرامًا ونجسًا فيراق ولا يسقيه الخادم؛ لأن المسكر لا يجوز سقيه الخادم كما لا يجوز شربه، وأما شربه ﷺ قبل الثلاث فكان حيث لا تغير، ولا مبادئ تغير ولا شك أصلًا. واللَّه أعلم. وحَدِيث عَائِشَة: "يُنْبَذ غَدْوَة فَيَشْرَبهُ عِشَاء وَيُنْبَذ عِشَاء فَيَشْرَبهُ غَدْوَة" فَلَيْسَ مُخَالِفًا لِحَدِيثِ ابْن عَبَّاس في الشُّرْب إِلَى ثَلَاث؛ لِأَنَّ الشُّرْب في يَوْم لَا يَمْنَع الزِّيَادَة، وَقَالَ بَعْضهمْ: لَعَلَّ حَدِيث عَائِشَة كَانَ زَمَن الْحَرّ وَحَيْثُ يُخْشَى فَسَاده في الزِّيَادَة عَلَى يَوْم، وَحَدِيثِ ابْن عَبَّاس في زَمَن يُؤْمَن فِيهِ التَّغَيُّر قَبْل الثَّلَاث، وَقِيلَ: حَدِيث عَائِشَة مَحْمُول عَلَى نَبِيذ قَلِيل يَفْرُغ في يَوْمه، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس في كَثِير لَا يَفْرُغ فِيهِ. وَاللَّه أَعْلَم (١). قال ابن العربي: حديث ابن عباس الذي ذكرناه: قلنا هذا صحيح سندًا ومتنًا ظاهرًا ومعنًى، كان النبي ﷺ يشرب حلوًا فإذا تغير شيء من ريحه سقاه الخدم إن شاءوه أو أراقه وذلك قبل أن يصل إلى حد الإسكار. فإن قيل فكيف يعطي الخدم ما لا يرضى. قلت: إذا رضوه جاز وكان خيرًا من إراقته وكذلك سواه من الناس يجوز ذلك له وسوى النبيذ من الأطعمة والأشربة يجوز ذلك فيه (٢).
следующие страницы →