← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

وكانت هذه هي المطرقة الأولى، ذات الصوت المسموع. . في الحس الإِسلامي، وفي الضمير الإِسلامي وفي المنطق الفقهي الإِسلامي، فمدار الحل والحرمة. . أو الكراهية. . على رجحان الإثم أو رجحان الخير، في أمر من الأمور، وإذا كان إثم الخمر والميسر أكبر من نفعهما. . فهذا مفرق الطريق. . ولكن الأمر كان أعمق من هذا. . وقال عمر ﵁: اللهم بين لنا بيانًا شافيًا في الخمر. . عمر! ! وهذا وحده يكفي لبيان عمق هذا التقليد في نفس العربي. ثم حدثت أحداث -كالتي رويناها- ونزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (النساء: ٤٣)، وأخذ المنهج البصير الرفيق يعمل. . لقد كانت هذه هي المرحلة الوسيطة، بين التنفير من الخمر؛ لأن إثمها أكبر من نفعها وبين التحريم البات؛ لأنها رجس من عمل الشيطان. وكانت وظيفة هذه المرحلة الوسيطة: هي "قطع عادة الشراب" أو "كسر الإدمان"، وذلك بحظر الشراب قرب أوقات الصلاة. وأوقات الصلاة موزعة على مدار النهار، وبينها فترات لا تكفي للشراب -الذي يرضي المدمنين- ثم الإفاقة من السكر الغليظ حتى يعلموا ما يقولون فضلًا على أن للشراب كذلك أوقاتًا ومواعيد خاصة من الصبوح والغبودق. . صباحًا ومساء. . وهذه تتخللها وتعقبها أوقات الصلاة، وهنا يقف ضمير المسلم بين أداء الصلاة وبين لذة الشراب. .، وكان هذا الضمير قد بلغ أن تكون الصلاة عنده عماد الحياة. ومع ذلك. . فقد قال عمر ﵁ وهو عمر! - اللهم بين لنا بيانًا شافيًا في الخمر. . ثم مضى الزمن. ووقعت الأحداث. وجاء الوعد المناسب -وفق ترتيب المنهج- للضربة الحاسمة فنزلت الآيتان في المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ (المائدة: ٩٠ - ٩١).

стр. 5847

وانتهى المسلمون كافة. وأريقت زقاق الخمر، وكسرت دنانها في كل مكان. . بمجرد سماع الأمر. لقد انتصر القرآن. وأفلح المنهج. وفرض سلطانه - دون أن يستخدم السلطان! ! ! ولكن كيف كان هذا؟ كيف تمت هذه المعجزة، التي لا نظير لها في تاريخ البشر؛ ولا مثيل لها في تاريخ التشريعات والقوانين والإجراءات الحكومية في أي مكان. لقد تمت المعجزة؛ لأن المنهج الرباني أخذ النفس الإنسانية بطريقته الخاصة، أخذها بسلطان اللَّه وخشيته ومراقبته. لقد ملأ فراغها باهتمامات كبيرة لا تدع فيها فراغًا تملؤه بنشوة الخمر، وخيالات السكر، وما يصاحبها من مفاخرات وخيلاء. . في الهواء. . ملأ فراغها باهتمامات. منها: نقل هذه البشرية الضالة الشاردة كلها، من تيه الجاهلية الأجرد، وهجيرها المتلظي، وظلامها الدامس، وعبوديتها المذلة، وضيقها الخانق، إلى رياض الإِسلام البديعة، وظلاله الندية، ونوره الوضيء، وحريته الكريمة، وسعته التي تشمل الدنيا والآخرة! وملأ فراغها -وهذا هو الأهم- بالإيمان بهذا الإحساس الندي الرضي الجميل البهيج، فلم تعد في حاجة إلى نشوة الخمر تحلق بها في خيالات كاذبة وسمادير! وهي ترف بالإيمان المشع إلى الملأ الأعلى الوضيء. . وتعيش بقرب اللَّه ونوره وجلاله. . وتذوق طعم هذا القرب، فتمج طعم الخمر ونشوتها، وترفض خمارها وصداعها. إن هذه كلها ليست إلا تعبيرًا عن الخواء الروحي. . من الإيمان أولًا. . ومن الاهتمامات الكبيرة التي تستنفد الطاقة ثانيًا. .، وليست إلا إعلانًا عن إفلاس هذه الحضارة في إشباع الطاقات الفطرية بطريقة سوية. .، ذلك الخواء وهذا الإفلاس هما اللذان يقودان إلى الخمر والميسر لملء الفراغ، كما يقودان إلى كل أنواع الجنون التي ذكرنا. وإلى المرض النفسي والعصبي. . وإلى الشذوذ وغير ذلك.

стр. 5848

إنها لم تكن كلمات. . هي التي حققت تلك المعجزة الفريدة. .، إنما كان منهج. منهج هذه الكلمات متنه وأصله، منهج من صنع رب الناس. لا من صنع الناس، وهذا هو الفارق الأصيل بينه وبين كل ما يتخذه البشر من مناهج، لا تؤدي إلى كثير! (١) الوجه السابع: العقوبات التي تلحق بشارب الخمر دليل على تحريم شرب الخمر . ١ - عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنْ جَيْشَانَ -وَجَيْشَانُ مِنَ الْيَمَنِ- فَسَأَلَ النَّبي ﷺ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ يُقَالُ لَهُ الْمِزْرُ فَقَالَ النبي ﷺ : "أَوَمُسْكِرٌ هُوَ؟ . قَالَ نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ إِنَّ عَلَى اللَّه عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ المُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ" (٢). ٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ في الدُّنْيَا حُرِمَهَا في الآخِرَةِ" (٣). ٣ - عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ". (٤) ٤ - قال ابن حجر: قَالَ ابْن بطَّال: هَذَا أَشَدُّ مَا وَرَدَ في شُرْب الْخَمْر، وَبِهِ تَعَلَّقَ الخَوَارِج فَكَفَّرُوا مُرْتَكِب الْكَبِيرَة عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، وَحَمَلَ أَهْل السُّنَّة الْإِيمَان هُنَا عَلَى الْكَامِل، لِأَنَّ الْعَاصِي يَصِير أَنْقَص حَالًا في الْإِيمَان مِمَّنْ لَا يَعْصِي. (٥) الوجه الثامن: الرد على قولهم "أن النبي محمد ﷺ كان يشرب الخمر أو النبيذ . فقد ورد عن ابن عباس قال: كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يُنْتَبَذُ لَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَيَشْرَبُهُ إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ وَاللَّيْلَةَ الَّتِي تَجِىءُ وَالْغَدَ وَاللَّيْلَةَ الأُخْرَى وَالْغَدَ إِلَى الْعَصْرِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمَ أَوْ أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ. (٦)

стр. 5849

وحديث عائشة: عن ثمامة قال: قَالَ لَقِيتُ عَائِشَةَ فَسَأَلْتُهَا عَنِ النَّبِيذِ فَدَعَتْ عَائِشَةُ جَارِيَةً حَبَشِيَّةً فَقَالَتْ: سَلْ هَذِهِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ تَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ فَقَالَتِ الْحَبَشِيَّةُ: كُنْتُ أَنْبِذُ لَهُ في سِقَاءٍ مِنَ اللَّيْلِ وَأُوكِيهِ وَأُعَلِّقُهُ فَإِذَا أَصْبَحَ شَرِبَ مِنْهُ. (١) والجواب على ذلك كما يلي من عدة وجوه: أولًا: تعريف النبيذ: عند أهل اللغة قال ابن الأثير: النَّبِيذ: وهو ما يُعْمَلُ من الأشْرِبة من التَّمرِ والزَّبيب والعَسَل والحِنْطَة والشَّعير وغير ذلك يقال: نَبَذْتُ التَّمر والعِنَب إذا تَركْتَ عليه الماء لِيَصِيرَ نَبِيذًا فَصُرِفَ من مفعول إلى فَعِيل. وانْتبَذْتُه: اتَّخَذْتُه نَبِيذًا، وسَوَاء كان مِسْكِرًا أو غيرَ مُسْكِر فإنه يقال له نَبِيذٌ. وَيقال للخَمْر المُعْتَصَر من العنَب نَبِيذٌ. كما يقال للنَّبيذ خَمْرٌ. (٢) وقال ابن منظور: وإِنما سمي نبيذًا لأَن الذي يتخذه يأْخذ تمرًا أو زبيبًا فينبذه في وعاء أَو سقاء عليه الماء ويتركه حتى يفور فيصير مسكرًا، والنبذ الطرح وهو ما لم يسكر حلال فإِذا أَسكر حرم. (٣) قلت: إذن فالنبيذ اسم لكل ما ينبذ في الماء من الطعام، فإن لم يشتد ويسكر فهو حلال طيب، وإن اشتد وتخمر فأسكر فهو الحرام الخبيث. ثانيًا: تعريفه في الشرع: قال ابن القيم: وَهذَا النّبِيذُ هُوَ مَا يُطْرَحُ فِيهِ تَمْرٌ يُحَلّيهِ وَهُوَ يَدْخُلُ في الْغِذَاءِ وَالشّرَابِ وَلَهُ نَفْعٌ عَظِيمٌ في زِيادَةِ الْقُوّةِ وَحِفْظِ الصّحّةِ وَلَمْ يَكُنْ يَشْرَبُهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ خَوْفًا مِنْ تَغَيِّرهِ إلَى الْإِسْكَارِ. (٤) ثالثًا: كلام العلماء على هذه الروايات وإجماعهم على أن النبي ﷺ ما شرب مسكرًا .

стр. 5850

قال النووي: في هذه الأحاديث دلالة على جواز الانتباذ، وجواز شرب النبيذ ما دام حلوًا لم يتغير ولم يغل، وهذا جائز بإجماع الأمة، وأما سقيه الخادم بعد الثلاث وصبه، فلأنه لا يؤمن بعد الثلاث تغيره، وكان النبي ﷺ يتنزه عنه بعد الثلاث. وقوله: (سقاه الخادم أو صبه) معناه تارة: يسقيه الخادم، وتارة يصبه، وذلك الاختلاف لاختلاف حال النبيذ، فإن كان لم يظهر فيه تغير ونحوه من مبادئ الإسكار سقاه الخادم ولا يريقه؛ لأنه مال تحرم إضاعته، ويترك شربه تنزهًا، وإن كان قد ظهر فيه شيء من مبادئ الإسكار والتغير أراقه؛ لأنه إذا أسكر صار حرامًا ونجسًا فيراق ولا يسقيه الخادم؛ لأن المسكر لا يجوز سقيه الخادم كما لا يجوز شربه، وأما شربه ﷺ قبل الثلاث فكان حيث لا تغير، ولا مبادئ تغير ولا شك أصلًا. واللَّه أعلم. وحَدِيث عَائِشَة: "يُنْبَذ غَدْوَة فَيَشْرَبهُ عِشَاء وَيُنْبَذ عِشَاء فَيَشْرَبهُ غَدْوَة" فَلَيْسَ مُخَالِفًا لِحَدِيثِ ابْن عَبَّاس في الشُّرْب إِلَى ثَلَاث؛ لِأَنَّ الشُّرْب في يَوْم لَا يَمْنَع الزِّيَادَة، وَقَالَ بَعْضهمْ: لَعَلَّ حَدِيث عَائِشَة كَانَ زَمَن الْحَرّ وَحَيْثُ يُخْشَى فَسَاده في الزِّيَادَة عَلَى يَوْم، وَحَدِيثِ ابْن عَبَّاس في زَمَن يُؤْمَن فِيهِ التَّغَيُّر قَبْل الثَّلَاث، وَقِيلَ: حَدِيث عَائِشَة مَحْمُول عَلَى نَبِيذ قَلِيل يَفْرُغ في يَوْمه، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس في كَثِير لَا يَفْرُغ فِيهِ. وَاللَّه أَعْلَم (١). قال ابن العربي: حديث ابن عباس الذي ذكرناه: قلنا هذا صحيح سندًا ومتنًا ظاهرًا ومعنًى، كان النبي ﷺ يشرب حلوًا فإذا تغير شيء من ريحه سقاه الخدم إن شاءوه أو أراقه وذلك قبل أن يصل إلى حد الإسكار. فإن قيل فكيف يعطي الخدم ما لا يرضى. قلت: إذا رضوه جاز وكان خيرًا من إراقته وكذلك سواه من الناس يجوز ذلك له وسوى النبيذ من الأطعمة والأشربة يجوز ذلك فيه (٢).

стр. 5851

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَلَكِنَّ بَعْضَ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ سَمِعُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ في النَّبِيذِ؛ وَأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَشْرَبُونَ النَّبِيذَ: فَظَنُّوا أَنَّهُ السُّكْرُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ النَّبِيذُ الَّذِي شَرِبَهُ النَّبِيُّ ﷺ والصَّحَابَةُ هُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْبِذُونَ التَّمْرَ أَوْ الزَّبِيبَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ في الْمَاءِ حَتَّى يَحْلُوَ فَيَشْرُبهُ أَوَّلَ يَوْمٍ وَثَانِيَ يَوْمٍ، وَثَالِثَ يَوْمٍ؛ وَلَا يَشْرَبُهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ؛ لِئَلَّا تَكُونَ الشِّدَّةُ قَدْ بَدَتْ فِيهِ، وَإِذَا اشْتَدَّ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُشْرَبْ (١). قال ابن حجر العسقلاني: وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ شَرِبَ مُسْكِرًا فَقَدْ دَخَلَ في أَمْر عَظِيم وَبَاء بِإِثْمٍ كَبِير، وَإِنَّمَا الَّذِي شَرِبَهُ كَانَ حُلوًا وَلَمْ يَكُنْ مُسْكِرًا. وَقَدْ رَوَى ثُمَامَة بْن حَزْن الْقُشَيْرِيُّ أَنهُ سَأَل عَائِشَة عَنْ النَّبِيذ فَدَعَتْ جَارِيَة حَبَشِيَّة فَقَالَتْ: سَلْ هَذِهِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ تَنْبِذ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ ، فَقَالَتْ الْحَبَشِيَّة: كُنْت أَنْبِذ لَهُ في سِقَاء مِنْ اللَّيْل وَأُوكِيهِ وَأُعَلِّقهُ فَإِذَا أَصْبَحَ شَرِبَ مِنْهُ" أَخْرَجَهُ مُسْلِم. وَرَوَى الْحَسَن الْبَصْرِيّ عَنْ أُمّه عَنْ عَائِشَة نَحْوه ثُمَّ قَالَ: فَقِيَاس النَّبِيذ عَلَى الْخَمْر بِعِلَّةِ الْإِسْكَار وَالاضْطِرَاب مِنْ أَجَلّ الْأَقْيِسَة وَأَوْضَحهَا، وَالمَفَاسِد الَّتِي تُوجَد في الْخَمْر تُوجَد فِي النَّبِيذ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عِلَّة الْإِسْكَار في الْخَمْر لِكَوْنِ قَلِيله يَدْعُو إِلَى كَثِيره مَوْجُودَة في النَّبِيذ، لِأَنَّ السُّكْر مَطْلُوب عَلَى الْعُمُوم، وَالنَّبِيذ عِنْدهمْ عِنْد عَدَم الْخَمْر يَقُوم مَقَام الْخَمْر لِأَنَّ حُصُول الْفَرَح وَالطَّرَب مَوْجُود في كُلّ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ في النَّبِيذ غِلَظ وَكُدْرَة وَفِي الْخَمْر رِقَّة وَصَفَاء لَكِنْ الطَّبْع يَحْتَمِل ذَلِكَ في النَّبِيذ لِحُصُولِ السُّكْر كَمَا تُحْتَمَل المَرَارَة في الْخَمْر لِطَلَبِ السُّكْر، قَالَ: وَعَلَى الجُمْلَة فَالنُّصُوص المُصَرِّحَة بِتَحْرِيمِ كُلّ مُسْكِر قَلَّ أَوْ كَثُرَ مُغْنِيَة عَنْ الْقِيَاس وَاللَّه أَعْلَم. وَقَدْ قَالَ عَبْد اللَّه بْن المُبَارَك: لَا يَصِحّ في حِلّ النَّبِيذ الَّذِي يُسْكِر كَثِيره عَنْ الصَّحَابَة شَيْء وَلَا عَنْ التَّابِعِينَ، إِلَّا عَنْ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ، قَالَ: وَقَدْ ثَبَتَ حَدِيث عَائِشَة "كُلّ شَرَاب أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَام" (٢).

стр. 5852

قال الشيخ محمد رشيد رضا: أما نبينا ﷺ فلم يكن يشرب الخمر في الجاهلية ولا في الإِسلام كما صرحوا به في سيرته. ولكنه كان يشرب النبيذ قبل تحريمها وبعده فإذا اشتبه في وصوله إلى حد الإسكار لم يشرب منه كما تقدم. ويقول بعض النصارى: أن النبي ﷺ شرب الخمر مع بحيرا الراهب وبعض الصحابة وأن بعض من سكر من الصحابة قتل الراهب بسيف النبي ﷺ فكان ذلك سبب تحريم النبي ﷺ للخمر. وهذا قول مختلق لا أصل له البتة فلم يرو من طريق صحيح ولا ضعيف ولا موضوع وبحيرا الراهب لم يجيء الحجاز، إنما روي أنه رأى النبي ﷺ مع عمه أبي طالب وغيره من تجار مكة في بصرة بالشام، ولما اختبر حاله علم أن سيكون هو النبي الذي بشر به عيسى والأنبياء ﵈، وأوصى به عمه وحذره من اليهود أن يكيدوا له. وكانت سن النبي ﷺ اثنتى عشرة سنة، ولم يثبت أن بحيرًا أدرك البعثة وليس النبي ﷺ هو الذي حرم الخمر كما حرم صيد المدينة وخلاها، بل كان ذلك بوحي تدريجي كما تقدم (١). وجملة القول: أنه لم يصح في هذا المعنى شيء على أنه يمكن حمل معناه على ما يوافق سائر النصوص وهو الإذن بشرب النبيذ (النقيع). إذا علم أنه لم يختمر فيصير مسكرًا لئلا يسكر به. وأما حمل الأحاديث الكثيرة في تحريم كل مسكر وفي تسميته خمرًا على المسكر بالفعل فهو تحريف للغة وإفساد لها كما تقدم وإني لأتعجب كيف يقول عاقل أن النبي ﷺ يأمر الصحابة بأن يشربوا من المسكر وألا يسكروا. هل يتيسر لواحد من ألف من الناس أن يشرب من المسكر ولا يسكر (٢). الوجه التاسع: الرد على قولهم أن النبي محمدًا ﷺ توضأ بالخمر .

стр. 5853

واستدلوا بحديث ابن مسعود في ليلة الجن قال: سألني النبي ﷺ ما في إداوتك؟ فقلت نبيذ فقال: "تمرة طيبة وماء طهور. قال: فتوضأ منه"، وفي رواية "توضأ منه ثم صلى" (١).

стр. 5854

وَرَد هذا الحديث عن ابن مسعود، وعن ابن عباس: ١ - حديث ابن مسعود: والجواب على الحديث من وجوه: الوجه الأول: الحديث لا يصح عن النبي ﷺ فلا يجوز الاحتجاج به وذلك من وجوه: ١ - كل الطرق التي جاءت في هذا الحديث لا يصح منها طريق كما سبق ذلك في التخريج . ٢ - إنكار كون ابن مسعود شهد ليلة الجن .

стр. 5855

وقد اختلف في ذلك لاختلاف ما ورد في ذلك: ما ورد أنه لم يشهد ليلة الجن ما رواه مسلم من حديث الشعبي عن علقمة قال: سألت ابن مسعود هل شهد منكم أحد مع رسول اللَّه ﷺ : قال: لا, ولكنا كنا مع رسول اللَّه ﷺ ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب. . . . الحديث. (١) وقد جمع البيهقي بين من قال: إن ابن مسعود كان معه ومن أنكر وهو صحيح فقال في دلائل النبوة: وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن ابن مسعود ﵁ لم يكن مع النبي ﷺ ليلة الجن، وإنما كان معه حين انطلق به وبغيره يريهم آثارهم وآثار نيرانهم. (٢) وقيل: بأن ليلة الجن كانت مرتين: ففي أول مرة خرج إليهم لم يكن مع النبي ﷺ ابن مسعود ولا غيره كما هو ظاهر حديث مسلم، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى. (٣) ٣ - إجماع أهل الحديث على ضعفه . قال ابن حجر: وهذا الحديث أطبق علماء السلف على تضعيفه (٤). النووي: فحديث ابن مسعود ضعيف بإجماع المحدثين (٥). وقال في شرحه لمسلم: وحديث النبيذ ضعيف باتفاق المحدثين (٦). ابن عدي: ولا يصح هذا الحديث عن النبي ﷺ وهو خلاف القرآن (٧). ابن المنذر: فحديث ابن مسعود في إسناده مقال (٨).

стр. 5856

أبو حاتم وأبو زرعة: لا يصح في الباب شيء، وقالا عن حديث ابن مسعود: هذا حديث ليس بقوي (١). ابن قدامة: "وحديثهم (ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ) لا يثبت، ورواية أبو زيد مجهول عن أصل الحديث. . . " (٢) البيهقي: وأما حديث ابن مسعود. . . فقد روي من أوجه كلها ضعيفة. (٣) ابن حزم: أما الخبر المذكور (حديث ابن مسعود) فلم يصح؛ لأن في جميع طرقه من لا عرف، أو من لا خير فيه (٤). الوجه الثاني: على فرض صحته . فالجواب عليه من هذه الوجوه: ١ - قال ابن حجر: وعلى تقدير صحته إنه منسوخ؛ لأن ذلك كان بمكة ونزل قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (النساء: ٤٣)؛ إنما كان بالمدينة بلا خلاف. (٥) ٢ - أو هو محمول على ما ألقيت فيه تمرات يابسة لم تغير له وصفًا، وإنما كانوا يصنعون ذلك؛ لأن غالب مياههم لم تكن حلوة. (٦) ٣ - قال النووي: المراد بقوله نبيذ أي ماء نبذت فيه تمرات ليعذب ولم يكن متغيرًا، وهذا تأويل سائغ لأن النبي ﷺ قال: "تمرة طيبة وماء طهور" فوصف النبي ﷺ شيئين ليس النبيذ

стр. 5857

واحدًا منهما؛ فإن قيل: فابن مسعود نفى أن يكون معه ماء، وأثبت أن معه ماء نبذ فيه تمر معدًا للشرب، وحمل كلام النبي ﷺ على الحقيقية وتأويل كلام ابن مسعود أولى من عكسه (١). ٢ - الحديث الثاني: حديث ابن عباس . عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء". (٢)

стр. 5858

والجواب: أن الحديث ضعيف كسابقه لا يُحتج به. والسؤال الآن هل يجوز الوضوء بالنبيذ ؟ قال الطحاوي: وإن كان من طريق النظر، فإنا قد رأينا الأصل المتفق عليه، أنه لا يتوضأ بنبيذ الزبيب، ولا بالخل، فكان النظر على ذلك أن يكون نبيذ التمر أيضًا كذلك. وقد أجمع العلماء أن نبيذ التمر إذا كان موجودًا في حال وجود الماء، أنه لا يتوضأ به لأنه ليس بماء. فلما كان خارجًا من حكم المياه في حال وجود الماء، كان كذلك هو في حال عدم الماء. ثم قال: فثبت بذلك أنه لا يجوز التوضؤ به في حال من الأحوال، وهو قول أبي يوسف، وهو النظر عندنا. (١) قال أبو عبيد القاسم بن سلام: وإن الذي عندنا في النبيذ هذا القول: أنه لا يتوضأ به، ولا يكون طهورًا أبدًا؛ لأن اللَّه ﷻ ، اشترط للطهور شرطين ثم لم يجعل لهما ثالثًا. وهما: الماء والصعيد، وأن النبيذ ليس بواحد من هذين. (٢) قال النووي: أما النبيذ فلا يجوز الطهارة به عندنا على أي صفة كان من عسل أو تمر أو زبيب أو غيرها مطبوخًا كان أو غيره. وبه قال أحمد، وأبو يوسف، والجمهور، وعن أبي حنيفة أربع روايات: إحداهن: يجوز الوضوء بنبيذ التمر المطبوخ إذا كان في سفر وعدم الماء. والثانية: يجوز الجمع بينه وبين التيمم وبه قال صاحبه محمد بن الحسن.

стр. 5859

والثالثة: يستحب الجمع بينهما. والرابعة: أنه رجع عن جواز الوضوء به، وقال: يتيمم، وهو الذي استقر عليه مذهبه كذا قاله العبدري قال: وروى أنه قال: الوضوء بنبيذ التمر منسوخ. ثم قال: واستدل أصحابنا بالآية ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (المائدة: ٦). فمن توضأ بالنبيذ فقد ترك المأمور به، وبحديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين؛ فإذا وجد الماء فليمسه بشرته". (١) (حديث صحيح). . . والاستدلال منه كالاستدلال من الآية. ومن القياس: كل شيء لا يجوز التطهر به حضرًا لم يجز سفرًا كماء الورد، ولأنه مائع لا يجوز الوضوء به مع وجود الماء فلم يجز مع عدمه كماء الباقلا: ولأنه شراب فيه شدة مطربة فأشبه الخمر، ولأنه مائع لا يطلق عليه اسم ماء كالخل. ثم أجاب النووي ﵀ عن الحجج التي استدل بها من أباح الوضوء بالنبيذ فقال: وأجاب أصحابنا مع هذا بأربعة أجوبة: أحدها: أنه حديث مخالف الأصول فلا يحتج به عند أبي حنيفة. والثاني: أنهم شرطوا لصحة الوضوء بالنبيذ السفر، وإنما كان النبي ﷺ في شعاب مكة كما ذكرناه. الثالث: أن المراد بقوله نبيذ أي: ماء نبذت فيه تمرات ليعذب، ولم يكن متغيرًا وهذا تأويل سائغ؛ لأن النبي ﷺ قال: "تمرة طيبة وماء طهور"، فوصف النبي ﷺ شيئين ليس النبيذ واحدًا منهما. الرابع: أن النبيذ الذي زعم أنه كان مع ابن مسعود لا يجوز الطهارة به عندهم؛ لأنه نقيع لا مطبوخ، فإن العرب لا تطبخه، وإنما تلقى فيه حبات تمر حتى يحلو. قال الإمام النووي: ولقد أحسن وأنصف الإمام ابن جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي إمام الحنفية في الحديث والمنتصر لهم حيث قال في أول كتابه: إنما ذهب أبو حنيفة ومحمد إلى الوضوء بالنبيذ اعتمادًا على حديث ابن مسعود ولا أصل له (٢).

стр. 5860

قال الترمذي: وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ منهم سفيان (الثوري)، وغيره، وقال: بعض أهل العلم لا يتوضأ بالنبيذ وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق (و) قال: إسحاق إن ابتلى رجل بهذا فتوضأ بالنبيذ وتيمم أحب إليّ. قال أبو عيسى: وقول من يقول لا يتوضأ بالنبيذ أقرب إلى الكتاب وأشبه؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (المائدة: ٦). الوجه العاشر: الرد على قولهم؛ كيف يحرم اللَّه الخمر في الدنيا ويحلها في الآخرة ؟ وللجواب نقول: أولًا: بقولكم هذا أنكم سلمتم أو معترفون بأن الإسلام حرم الخمر في الآية التي ذكرتموها في تحريم الخمر وهذا لا شك فيه عندنا. ثانيًا: أن قياس خمر الدنيا على خمر الآخرة قياس مع الفارق فقد اجتمعا في المسمى فقط كما هو سائر المشتهيات والمسميات في الآخرة وافترقا في النوع والمضمون، فخمر الدنيا معروفة كريهة الطعم تذهب عقل شاربها لا يستطعمها شاربها كريهة الرائحة إلى آخر هذه الأوصاف التي تعرف بها خمر الدنيا. أما عن خمر الآخرة فانظر ما وصفها به رب العالمين ﵎ قال: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾، وقال لذة للشاربين ولم يكتف بلذة فقط؛ لأن اللذة تختلف باختلاف الأشخاص، فرب طعام يلتذ به شخص ويعافه آخر، ولذلك قال: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ لأن جميع من يشربها تكون له لذة.

стр. 5861

قال الرازي: قال في الخمر لذة للشاربين: لأن اللذة تختلف باختلاف الأشخاص فرب طعام يلتذ به شخص ويعافه الآخر فقال: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ بأسرهم، ولأن الخمر كريهة الطعم: فقال لذة أي لا يكون في خمر الآخرة كراهة الطعم. (١) قال ابن كثير: في قوله: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾، أي ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا، بل حسنة المنظر والفعل والرائحة (٢). قال ابن عاشور: فوصف خمر هنا بأنها لذة معناه يجد شاربها لذاذة في طعمها أي بخلاف خمر الدنيا فإنها حريقة الطعم؛ فلولا ترقب ما تفعله في الشارب من نشوة وطرب لما شربها لحموض طعمها (٣). الوجه الحادي عشر: أثر شرب الخمر في الجاهلية, وفي المجتمع الغربي . الجاهلية والخمر . كان شرب الخمر واسع الشيوع شديد الرسوخ فيهم تتحدث عن معاقرتها والاجتماع على شربها الشعراء، وشغلت جانبًا كبيرًا من شعرهم وتاريخهم وأدبهم، وكثرت أسمائها وصفاتها في لغتهم وكثر فيها التدقيق والتفصيل كثرة تدعو إلى العجب. وكانت حوانيت الخمارين مفتوحة دائمًا يرفرف عليها علم يسمى غاية. يقول لبيد: قد بت سامرها وغاية تاجر ... وافيت إذ رفعت وعز مدامها وكان من شيوع تجارة الخمر أن أصبحت كلمة التجارة مرادفة لبيع الخمر، كما قال لبيد: وغاية تاجر. وقال عمرو بن قميئة:

стр. 5862

إذا أسحب الريط والمروط إلى ... أدني تجاري وأنفض اللمما ويقول المنخل اليشكري: ولقد شربت من المدامة ... بالصغير وبالكبير فإذا سكرت فإنني ... رب الخورنق والسدير وإذا صحوت فإنني .. رب الشويهة والبعير وغير هذا كثير في الشعر الجاهلي، ورواية الحوادث التي صاحبت مراحل تحريم الخمر في المجتمع المسلم والرجال الذين كانوا أبطال هذه الحوادث وفيهم عمر وعلي وحمزة وعبد الرحمن بن عوف، وأمثال هذا الطراز من الرجال تشي بمدى تغلغل هذه الظاهرة في الجاهلية العربية. (١) الغرب والخمر كانت الخمر إحدى تقاليد المجتمع الجاهلي الأصيلة الشاملة وإحدى الظواهر المميزة لهذا المجتمع كما أنها كادت تكون ظاهرة مميزة جاهلية في القديم والحديث أيضًا، الخمر كانت ظاهرة مميزة للمجتمع الروماني في أوج جاهليته وللمجتمع الفارسي أيضًا وكذلك هي ظاهرة مميزة للمجتمع الأوربي والمجتمع الأمريكي في أوج جاهليته. السويد والخمر يقول سيد قطب في الظلال: في السويد -وهي أرقى أو من أرقى أمم الجاهلية الحديثة- كانت كل عائلة في النصف الأول من القرن الماضي تعد الخمر الخاصة بها. وكان متوسط ما يستهلكه الفرد، حوالي عشرين لترًا. وأحست الحكومة خطورة هذه الحال، وما ينشره من إدمان؛ فاتجهت إلى سياسة احتكار الخمور، وتحديد الاستهلاك الفردي، ومنع شرب الخمور في المحال العامة؛ ولكنها عادت فخففت هذه القيود منذ أعوام قليلة! فأبيح شرب الخمر في المطاعم بشرط تناول الطعام. ثم أبيحت الخمر في عدد محدود من المحال

стр. 5863

العامة، حتى منتصف الليل فقط! وبعد ذلك يباح شرب النبيذ والبيرة فحسب! وإدمان الخمر عند المراهقين يتضاعف. .! (١) أمريكا والخمر . يقول صاحب الظلال: أما في أمريكا، فقد حاولت الحكومة الأمريكية مرة القضاء على هذه الظاهرة فسنت قانونًا في سنة ١٩١٩ سُمِّيَ قانون الجفاف "من باب التهكم عليه؛ لأنه يمنع" الري "بالخمر! وقد ظل هذا القانون قائمًا مدة أربعة عشر عامًا، حتى اضطرت الحكومة إلى إلغائه في سنة ١٩٣٣. وكانت قد استخدمت جميع وسائل النشر والإذاعة والسينما والمحاضرات للدعاية ضد الخمر. ويقدرون ما أنفقته الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزيد على ستين مليونًا من الدولارات. وأن ما نشرته من الكتب والنشرات يشتمل على عشرة بلايين صفحة. وما تحملته في سبيل تنفيذ قانون التحريم في مدة أربعة عشر عامًا لا يقل عن ٢٥٠ مليون جنيه، وقد أعدم فيها ٣٠٠ نفس، وسجن كذلك ٥٣٢٣٣٥ نفس، وبلغت الغرامات ١٦ مليون جنيهًا، وصادرت من الأملاك ما يبلغ ٤٠٠ مليون وأربعة بلايين جنيه، وبعد ذلك كله اضطرت إلى التراجع وإلغاء القانون. (٢) إن أمريكا قد عجزت عجزًا تامًا عن تحريم الخمر بالرغم من الجهود الضخمة التي بذلتها, ولكن الإِسلام الذي ربى الأمة على أساس من الدين، وغرس في نفوس أفرادها غراس الإيمان الحق، وأحيا ضميرها بالتعاليم الصالحة والأسوة الحسنة لم يصنعا شيئًا من ذلك، ولم يتكلف مثل هذا الجهد، ولكنها كلمة صدرت من اللَّه استجابت لها النفوس استجابة مطلقة. (٣)

стр. 5864

وهذا هو الفرق في علاج النفس البشرية وفي علاج المجتمع الإنساني بين منهج اللَّه ومناهج الجاهلية قديما وحديثا على السواء. (١) أما المشاكل الاجتماعية للخمر عند المجتمع الأمريكي: فقد ظهر أن الطلاق بين الزوجين الذي يعاني أحدهما من شرب الخمر يزيد ثلاثة أضعاف احتمالات الطلاق العادي. وتظهر مشاكل كبيرة بين أفراد الأسرة التي تشرب الخمر لضعف الاتصال فيما بينهم ولضعف قدرتهم على حل واستيعاب المشاكل، كما أنه من مليون طفل سجل تعرضهم لسوء المعاملة أو الإهمال يأتي ٨١% ضحايا بسبب الخمر، الكحول هو مفتاح ٨٦% من القتل غير العمد، ٥٤% من القتل المتعمد والشروع فيه، ٦٢% من حوادث الاغتصاب، ٤٨% من وقائع اللصوص، ٤٤% من السطو على المنازل، ٦٦% من المدمنيين يستخدمون المخدرات الأخرى. (٢) أضرار الخمر . قال الشيخ محمد رشيد رضا: والضرر يكون في البدن، والنفس، والعقل، والمال، ويكون في التعامل، وارتباط الناس بعضهم ببعض، ولا يوجد إثم من الآثام يدخل ضرره في كل شيء كالخمر من الأفعال والكذب من الأقوال وأنواع هذا الضرر كثيرة. ١ - الأضرار الصحية: فمن مضرات الخمر الصحية إفساد المعدة والإقهاء - فقد شهوة الطعام وتغيير الخلقة، فالسكارى يسرع إليهم التشوه فتجحظ أعينهم وتمتقع سحنتهم وتعظم بطونهم، بل قال أحد أطباء الألمان إن السكور -أي كثير السكر- ابن الأربعين يكون نسيج جسمه كنسيج جسم ابن الستين ويكون كالهرم جسمًا وعقلًا، ومنها مرض الكبد والكلى وداء السل الذي يفتك في البلاد الأوروبية فتكًا ذريعًا على عناية أهلها

стр. 5865

بقوانين الصحة، وقد قيل إن نحو نصف الوفيات في بعض بلاد أوروبا بداء السل. ٢ - الأضرار العقلية: وأما ضرر الخمر في العقل فهو مُسَلَّم عند الناس وليس ضرره عنه خاصًا بما يكون من فساد التصور والإدراك عند السكر، بل السكر يضعف القوة العاقلة وكثيرًا ما ينتهي بالجنون. ولأحد أطباء ألمانيا كلمة اشتهرت كالأمثال وهي: اقفلوا لي نصف الحانات أضمن لكم الاستغناء عن نصف المستشفيات والبيمارستانات والملاجئ والسجون. وقد قال الأطباء: إن المسكر لا يتحول إلى دم كما تتحول سائر الأغذية بعد الهضم، بل يبقى على حاله فيزاحم الدم في مجاريه، فتسرع حركة الدم وتختل موازنة الجسم وتتعطل وظائف الأعضاء أو تضعف ويخرج عن وضعها الطبيعي المعتدل، فمن تأثيره في اللسان إضعاف حاسة الذوق، وفي الحلق الالتهاب، وفي المعدة ترشيح العصارة الفعالة في الهضم حتى يغلظ نسيجها وتضعف حركتها وقد يُحدث فيها احتقانًا والتهابًا، وفي الأمعاء التقرح، وفي الكبد تمديده وتوليد الشحم الذي يضعف عمله؛ وكل هذا يتعلق بما يسمونه الجهاز الهضمي. ومن تأثيره في الدم أنه بممازجته له يعوق دورته وقد يوقفها أحيانًا فيموت السَّكُور فجأة، ويضعف مرونة الشرايين فتتمدد وتغلظ حتى تنسد أحيانًا فيفسد الدم ولو في بعض الأعضاء فتكون الغرغرينا التي تقضي بقطع العضو الذي تظهر فيه؛ لئلا يسري الفساد إلى الجسد كله فيكون هالكًا، وتصلب الشرايين يسرع الشيخوخة والهرم. ومن تأثيره في الجهاز التنفسي إضعاف مرونة الحنجرة وتهييج شعب التنفس، وأهون ضرر ذلك بحة في الصوت والسعال وأعظمها تدرن الرئة أي: السل الفاتك بالشبان والقاطع لجميع لذات الإنسان. وأما تأثيره في المجموع العصبي فهو الذي يولد الجنون ويهلك النسل فولد السكور لا يكون نجيبًا وولد ولده يكون شرًا من ولده وأضعف بدنًا وعقلًا، وقد يؤدي تسلسل هذا الضعف إلى انقطاع النسل البتة ولا سيما إذا جرى الأبناء على طريق الآباء كما هو الغالب.

стр. 5866

٣ - أضرار الخمر في التعامل: وقوع النزاع والخصام بين السكارى بعضهم مع بعض وبينهم وبين من يعاشرهم ويعاملهم تثير ذلك أدنى بادرة من أحدهم فيوغلون فيه حتى يكون عداوة وبغضاء. وهذه العلة في التحريم من أكبر العلل في نظر الدين ولذلك ورد بها النص: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (المائدة: ٩١). ومنها: إفشاء السر وهو ضرر يتولد منه مضرات كثيرة، ولا سيما إذا كان السر يتعلق بالحكومة وسياسة الدولة ومصالحها العسكرية وعليها يعتمد الجواسيس. ومنها: الخسة والمهانة في أعين الناس فإن السكران يكون في هيأته وكلامه وحركاته بحيث يضحك منه ويستخف به كل من يراه حتى الصبيان لأنه يكون أقل منهم عقلًا وأبعد عن التوازن في حركاته وأعماله وعن الضبط في أفكاره وأقواله. ومنها: أن جريمة السكر تغري بجميع الجرائم التي تعرض للسكران وتجرئ عليها، ولا سيما الزنا والقتل. ٤ - الأضرار المالية: أنها تستهلك المال وتفني الثروة كما قال عنترة: فإذا شربت فإني مستهلك مالي. ٥ - الأضرار الدينية: من مضرات الخمر في الدين من حيث روحه ووجهة العبد إلى اللَّه تعالى أن السكران لا تتأتى منه عبادة من العبادات لا سيما الصلاة التي هي عماد الدين، ولذلك قال تعالى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ (المائدة: ٩١)، فهذا شيء من البيان لكون إثم الخمر كبيرًا بمعنى أن كبره بكبر ضرره أو كونه كثيرًا لكثرة أنواعه، وقد يتشبه بعض المبتلين بشرب الخمر بعض تلك المضرات الصحية أو يتوهمون أنه يسهل عليهم التوقي منها هيهات هيهات لما يتوهمون؛ فإن المزاج الذي يتحمل سم الخمر يسمى الكحول أو الغول زمنا طويلًا بحيث يغتر الناس بحس صحبة صاحبه قليل في الناس، ولكن هؤلاء المبتلين يقيسون على النادر ويجهلون الأصل الغالب؛ وهو أنه لا يكاد يسلم مدمن السكر

стр. 5867

من ضرره في جسمه أو عقله ومداركه أو ولده وذريته بل تجتمع كلها في الغالب (١). في دارسة أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية تبين أن: ٦٤% من حوادث القتل العمد له علاقة مباشرة بالخمر. ٤١% من حوادث التعدي ترجع إلى الخمر. ٣٠% من حوادث الانتحار. ٣٤% من حوادث الاغتصاب لها علاقة بالخمر. ٦٠% من جرائم القسوة ضد الأطفال تعود إلى الخمر. ٧٥% من حوادث السيارات تعود إلى السكر. وأن المدمن أكثر تعرضًا لإصابة العمل بنسبة ١٠٠%، وأن معدل عمره ينقص ١٢ عامًا على أقرانه، وأن خسائر الإدمان المالية تقدر بحوالي ٣٢ مليون دولار سنويًا. (٢) الوجه الثاني عشر: الخمر في الكتاب المقدس . بعد أن بينا بالأدلة والبراهين القاطعة حكم الخمر في الإسلام وأنها محرمة لا شك في ذلك ولا يختلف على ذلك اثنان من أهل الإسلام. نبين أيضًا من (الكتاب المقد س) كيف يدعوا للخمر ولشربها بالدليل من العهد القديم والعهد الجديد لنرى الفارق في الأحكام التي تؤخذ من دين الإسلام كيف هي موافقة للمجتمع بأسره من جميع النواحي من ناحية العبادة والمعاملة والاجتماع والصحة وكل هذه السبل، وبين الأحكام التي تكون في الكتاب المقدس المحرف والذي لا نشك في تحريفه وأنه ليس من كلام رب العالمين فانظر إلى هذه النصوص التي تحدثت عن الخمر وأمرت به.

стр. 5868

١ - ففي الأمثال (٣١/ ٦: ٧): ٦ أَعْطُوا مُسْكِرًا لِهَالِكٍ، وَخَمْرًا لِمُرِّي النَّفْسِ. ٧ يَشْرَبُ وَيَنْسَى فَقْرَهُ، وَلَا يَذْكُرُ تَعَبَهُ بَعْدُ. ٢ - يوحنا (٢/ ١: ١٠): ١ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَانَ عُرْسٌ فِي قَانَا الْجَلِيلِ، وَكَانَتْ أُمُّ يَسُوعَ هُنَاكَ. ٢ وَدُعِيَ أَيْضًا يَسُوعُ وَتَلَامِيذُهُ إِلَى الْعُرْسِ. ٣ وَلمَّا فَرَغَتِ الْخَمْرُ، قَالَتْ أُمُّ يَسُوعَ لَهُ: "لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ". ٤ قَالَ لَهَا يَسُوعُ: "مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ؟ لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ". ٥ قَالَتْ أُمُّهُ لِلْخُدَّامِ: "مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ". ٦ وَكَانَتْ سِتَّةُ أَجْرَانٍ مِنْ حِجَارَةٍ مَوْضُوعَةً هُنَاكَ، حَسَبَ تَطْهِيرِ الْيَهُودِ، يَسَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِطْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً. ٧ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: "امْلأُوا الأَجْرَانَ مَاءً". فَمَلأُوهَا إِلَى فَوْقُ. ٨ ثُمَّ قَالَ لَهُمُ: "اسْتَقُوا الآنَ وَقَدِّمُوا إِلَى رَئِيسِ المُتَّكَإِ". فَقَدَّمُوا. ٩ فَلَمَّا ذَاقَ رَئِيسُ المُتَّكَإِ الْمَاءَ المُتَحَوِّلَ خَمْرًا، وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هِيَ، لكِنَّ الْخُدَّامَ الَّذِينَ كَانُوا قَدِ اسْتَقَوُا الْمَاءَ عَلِمُوا، دَعَا رَئِيسُ المُتَّكَإِ الْعَرِيسَ ١٠ وَقَالَ لَهُ: "كُلُّ إِنْسَانٍ إِنَّمَا يَضَعُ الْخَمْرَ الْجَيِّدَةَ أَوَّلًا، وَمَتَى سَكِرُوا فَحِينَئِذٍ الدُّونَ. أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ أَبْقَيْتَ الْخَمْرَ الْجَيِّدَةَ إِلَى الآنَ! ". ٣ - رسالة بولس إلى ثيموتاوس (٥/ ٢٣): الذي عين نفسه تلميذًا للمسيح ينصح بشرب الخمر: لَا تَكُنْ في مَا بَعْدُ شَرَّابَ مَاءٍ، بَلِ اسْتَعْمِلْ خَمْرًا قَلِيلًا مِنْ أَجْلِ مَعِدَتِكَ وَأَسْقَامِكَ الْكَثِيرَةِ. ٤ - مزمور (٧٨/ ٦٥): فَاسْتَيْقَظَ الرَّبُّ كَنَائِمٍ، كَجَبَّارٍ مُعَيِّطٍ مِنَ الْخَمْرِ. ٥ - سفر التكوين (٩/ ٢١): نوح يشرب الخمر ويعري نفسه: وَشَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ فَسَكِرَ وَتَعَرَّى دَاخِلَ خِبَائِهِ. ٦ - لوط يشرب الخمر ويزني بابنتيه (التكوين ١٩/ ٣٦: ٣٢): هَلُمَّ نَسْقِي أَبَانَا خَمْرًا وَنَضْطَجعُ مَعَهُ، فَنُحْيِي مِنْ أَبِينَا نَسْلًا". ٣٣ فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْرًا في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَدَخَلَتِ الْبِكْرُ وَاضْطَجَعَتْ مَعَ أَبِيهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا وَلَا بِقِيَامِهَا. ٣٤ وَحَدَثَ في الْغَدِ أَنَّ الْبِكْرَ قَالَتْ لِلصَّغِيرَةِ: "إِنِّي قَدِ اضْطَجَعْتُ الْبَارِحَةَ مَعَ أَبِي. نَسْقِيهِ خَمْرًا اللَّيْلَةَ أَيْضًا فَادْخُلِي اضْطَجِعِي مَعَهُ،

стр. 5869

فَنُحْيِيَ مِنْ أَبِينَا نَسْلًا". ٣٥ فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْرًا في تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَيْضًا، وَقَامَتِ الصَّغِيرَةُ وَاضْطَجَعَتْ مَعَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا وَلَا بِقِيَامِهَا، ٣٦ فَحَبِلَتِ ابْنَتَا لُوطٍ مِنْ أَبِيهِمَا. ٧ - في صموئيل الثاني (٦/ ١٩): وَقَسَمَ عَلَى جَمِيعِ الشَّعْبِ، عَلَى كُلِّ جُمْهُورِ إِسْرَائِيلَ رِجَالًا وَنِسَاءً، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ رَغِيفَ خُبْزٍ وَكَأْسَ خَمْرٍ وَقُرْصَ زَبِيبٍ. ٨ - أيوب ١/ ١٣ "أيوب مع أبنائه يشربوا الخمر": وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذْ جَاءَ آخَرُ وَقَالَ: "بَنُوكَ وَبَنَاتُكَ كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ خَمْرًا فِي بَيْتِ أَخِيهِمِ الأَكْبَرِ. ٩ - الأمثال (٩/ ٥): هَلُمُّوا كُلُوا مِنْ طَعَامِي، وَاشْرَبُوا مِنَ الْخَمْرِ الَّتِي مَزَجْتُهَا. ١٠ - الجامعة (٩/ ٧): اذْهَبْ كُلْ خُبْزَكَ بِفَرَحٍ، وَاشْرَبْ خَمْرَكَ بِقَلْبٍ طَيِّبٍ، لأَنَّ اللَّه مُنْذُ زَمَانٍ قَدْ رَضِيَ عَمَلَكَ. ١١ - الجامعة (١٠/ ١٩): لِلْضَّحِكِ يَعْمَلُونَ وَلِيمَةً، وَالْخَمْرُ تُفَرِّحُ الْعَيْشَ. العشاء الرباني عند النصارى (١). العشاء الرباني من أهم الأسرار المسيحية ولذلك يدعى عندهم "سر الأسرار" ولذا أطلقوا عليه أسماء كثيرة منها "سر الشكر" "العشاء الرباني" "العشاء السري" "مائدة الرب" "مائدة المسيح" "المائدة السرية" وأنسب العبارات للإشارة إلى هذه السرية في كلام الإنجيلين "عشاء الرب" "مائدة الرب" بينما أنسب العبارات بالنسبة للكاثوليك "الأفخار ستيا" وعند الأرثوزكس "القربان" "التناول" أو "الشكر" والشاهد من ذكرنا لهذا العشاء هي العناصر التي تستعمل فيه "الخبز والخمر عنصر العشاء الرباني". والخمر المستعمل في هذا العشاء هو عصير العنب المختصر في الحالة التي يستعمل فيها والتي يعرف فيها أنه خمر. (٢)

стр. 5870

وبعد فهذه قطوف من بحر الخمر الذي يعيش فيه أصحاب الكتاب المقدس! وتعيش الكنائس مع العشاء الرباني وغيره ذكرناها لترى الفارق بين الإسلام الحق والمسيحية المحرفة لتكون على بصيرة. * * *

стр. 5871

١٣ - شبهات حد الزنا . في واحدة من المسائل التي لا زال الحاقدون على دين الإسلام يبثون الشك فيها؛ بل ويريدون هدمها بكل الصور وشتى الطرق؛ تأتي مسألة حد الزنا ليهدموها عن بكرة أبيها ويبثون أن الإسلام يحرض على الفاحشة أو متشدد من ناحية أخرى في تطبيق حد الزنا -رجمًا كان أو جلدًا- لتعرف التناقض عندهم من خلال بثهم لهذه السموم التي يفترون بها على هذا الدين الحنيف؛ ولذا كان لزامًا علينا أن نرد على هذه المفتريات مرتبة تحت مسألتين: المسألة الأولى: مقدمة تأصيلية لهذا الحد وفيها. ١ - تمهيد. ٢ - تعريف الزنا. ٣ - أدلة تحريم الزنا وإثبات حده. ٤ - بم يثبت حد الزنا. ٥ - أقسام الزناة. ٦ - الشروط الموجبة لحد الزنا. ٧ - سد الذرائع الموصلة إلى الزنا. ٨ - مخالفة الفطرة والحصاد المر. ٩ - الكتاب المقدس يشيع الفاحشة ويحض على الزنا. المسألة الثانية: الرد على الشبهات الشبهة الأولى: حد الزنا في الإسلام. الشبهة الثانية: لماذا جعل الإسلام الشهود أربعة في إثبات حد الزنا؟ الشبهة الثالثة: حذف آية الرجم. الشبهة الرابعة: ادعاء أنا القرآن يحض على الزنا. وإليك التفصيل

стр. 5872

المسألة الأولى: مقدمة تأصيلية لهذا الحد؛ وفيها: ١ - تمهيد: لما كانت جريمة الزنا من أبشع الجرائم التي ترتكب ضد الشرف والأخلاق والفضيلة والكرامة، وتؤدي إلى تقويض بناء المجتمع وتفتيت الأُسر واختلاط الإنساب، وقطع العلاقات الزوجية، وسوء تربية الأولاد؛ بل تفضي إلى ضياع الطفل الذي هو قتل له معنى؛ فإن ولد الزنا ليس له من يربيه، والأم بمفردها لا تستطيع تربيته والقيام بشؤونه لقصور يدها، فيشب على أسوأ الأحوال ويصير عضوًا فاسدًا في جسد المجتمع الإنساني؛ ينشر الحقد والبغضاء، ويبث الفساد والإجرام؛ لأنه ثمرة الجريمة البشعة المنكرة. فجريمة الزنا من أخطر أمور الحياة كلها؛ بل أشدها تعلقًا بنظامها ودوام سعادتها وهنائها، وتمسكها وترابطها؛ ولذلك اهتم الشارع الحكيم بهذا الحد أكبر اهتمام؛ صونًا للحياة المنزلية من الانهيار، وحفظًا للروابط الأسرية مما يتهددها من بلاء وأخطار، فذكر عقاب من لا يحفظ فرجه وبينه أعظم بيان، وجعله من أشد العقوبات وأفظعها، وأوجب أن لا تأخذنا شفقة ولا رحمة بالجناة، وأن يشهد إقامة الحد جماعة من المؤمنين فقال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: ٢). (١) وقد تكلم ابن القيم عن الحكمة من عقوبة حد الزنا وتغليظه ولما لا تكون بقطع الفرج، وفي الشتم بقطع اللسان؛ كقطع يد السارق؛ فقال: وأما الزاني فإنه يزني بجميع بدنه والتلذذ بقضاء شهوته يعم البدن، والغالب من فعله وقوعه برضا المزني بها؛ فهو غير خائف ما يخافه السارق من الطلب، فعوقب بما يعم بدنه من الجلد مرة، والقتل بالحجارة مرة، ولما كان الزنا من أمهات الجرائم، وكبار المعاصي لما فيه من اختلاط الأنساب الذي يبطل معه التعارف والتناصر على إحياء الدين، وفي هذا هلاك الحرث والنسل فشاكل في معانيه أو في أكثرها القتل الذي فيه هلاك ذلك، فزجر عنه بالقصاص ليرتدع عن مثل فعله من يهم به؛ فيعود ذلك

стр. 5873

بعمارة الدنيا وصلاح العالم الموصل إلى إقامة العبادات الموصلة إلى نعيم الآخرة. ثم إن للزاني حالتين: إحداهما: أن يكون محصنًا قد تزوج فعلم ما يقع به من العفاف عن الفروج المحرمة واستغنى به عنها، وأحرز نفسه عن التعرض لحد الزنا؛ فزال عذره من جميع الوجوه في تخطي ذلك إلى مواقعة الحرام. والثانية: أن يكون بكرًا لم يعلم ما علمه المحصن ولا عمل ما عمله فحصل له من العذر بعض ما أوجب له التخفيف فحقن دمه وزجر بإيلام جميع بدنه بأعلى أنواع الجلد ردعًا على المعاودة للاستمتاع بالحرام وبعثًا له على القنع بما رزقه اللَّه من الحلال وهذا في غاية الحكمة والمصلحة جامع للتخفيف في موضعه والتغليظ في موضعه، وأين هذا من قطع لسان الشاتم والقاذف وما فيه من الإسراف والعدوان؟ ثم إن قطع فرج الزاني فيه من تعطيل النسل وقطعه عكس مقصود الرب تعالى من تكثير الذرية وذريتهم فيما جعل لهم من أزواجهم، وفيه من المفاسد أضعاف ما يتوهم فيه من مصلحة الزجر، وفيه إخلاء جميع البدن من العقوبة، وقد حصلت جريمة الزنا بجميع أجزائه فكان من العدل أن تعمه العقوبة ثم إنه غير متصور في حق المرأة وكلاهما زانٍ، فلا بد أن يستويا في العقوبة، فكان شرع اللَّه سبحانه أكمل من اقتراح المقترحين (١). فشُرع حد الزنا للحفاظ على المجتمعات من اختلاط للأنساب وشيوع الفساد، وللمحافظة على الجنس البشري الطاهر النقي الذي يعلم الناس الخير، ففي الزنا فسادًا عريضًا على المجتمعات ولا ينتج منه إلا الشر والفساد. قال الرازي: الزنا اشتمل على أنواع من المفاسد: أول: اختلاط الأنساب واشتباهها فلا يعرف الإنسان أن الولد الذي أتت به الزانية أهو منه أو من غيره فلا يقوم بتربيته ولا يستمر في تعهده، وذلك يوجب ضياع الأولاد وذلك يوجب انقطاع النسل وخراب العالم.

стр. 5874

وثانيها: أنه إذا لم يوجد سبب شرعي لأجله يكون هذا الرجل أولى بهذه المرأة من غيره لم يبق في حصول ذلك الاختصاص إلا التواثب والتقاتل، وذلك يفضي إلى فتح باب الهرج والمرج والمقاتلة، وكم سمعنا وقوع القتل الذريع بسبب إقدام المرأة الواحدة على الزنا. وثالثها: أن المرأة إذا باشرت الزنا وتمرنت عليه يستقذرها كل طبع سليم، وكل خاطر مستقيم، وحينئذ لا تحصل الألفة والمحبة ولا يتم السكن والازدواج، ولذلك فإن المرأة إذا اشتهرت بالزنا تنفر عن مقارنتها طباع أكثر الخلق. ورابعها: أنه إذا انفتح باب الزنا فحينئذ لا يبقى لرجل اختصاص بامرأة، وكل رجل يمكنه التواثب على كل امرأة شاءت وأرادت. وحينئذ لا يبقى بين نوع الإنسان وبين سائر البهائم فرق في هذا الباب. وخامسها: أنه ليس المقصود من المرأة مجرد قضاء الشهوة بل أن تصير شريكة للرجل في ترتيب المنزل وإعداد مهماته من المطعوم والمشروب والملبوس، وأن تكون ربة البيت وحافظة للباب وأن تكون قائمة بأمور الأولاد والعبيد، وهذه المهمات لا تتم إلا إذا كانت مقصورة الهمة على هذا الرجل الواحد منقطعة الطمع عن سائر الرجال، وذلك لا يحصل إلا بتحريم الزنا وسد هذا الباب بالكلية. وسادسها: أن الوطء يوجب الذل الشديد، والدليل عليه أن أعظم أنواع الشتم عند الناس ذكر ألفاظ الوقاع، ولولا أن الوطء يوجب الذل، وإلا لما كان الأمر كذلك، وأيضًا فإن جميع العقلاء لا يقدمون على الوطء إلا في المواضع المستورة، وفي الأوقات التي لا يطلع عليهم أحد وأن جميع العقلاء يستنكفون عن ذكر أزواج بناتهم وأخواتهم وأمهاتهم لما يقدمون على وطئهن، ولولا أن الوطء ذل، وإلا لما كان كذلك. وإذا ثبت هذا فنقول: لما كان الوطء ذلًا كان السعي في تقليله موافقًا للعقول، فاقتصار المرأة الواحدة على الرجل الواحد سعى في تقليل ذلك العمل، وأيضًا ما فيه من الذل يصير مجبورًا بالمنافع الحاصلة في النكاح، أما الزنا فإنه فتح باب لذلك العمل القبيح ولم يصر

стр. 5875

مجبورًا بشيء من المنافع فوجب بقاؤه على أصل المنع والحجر، فثبت بما ذكرنا أن العقول السليمة تقضي على الزنا بالقبح. (١) فالواقع يشهد للشريعة وخاصةً في حد الزنا, ولعل ما حدث في أوربا والبلاد الغربية عامة يؤيد نظرية الشريعة، فقد تحللت الجماعات الأوربية وتصدعت وحدتهم وذهب ريحها وما لذلك من سبب إلا شيوع الفاحشة والفساد الخلقي والإباحية التي لا تعرف حدًا تنتهي إليه، وما أشاع الفاحشة وأفسد الأخلاق ونشر الإباحية إلا إباحة الزنا وترك الأفراد لشهواتهم واعتبار الزنا من الأمور الشخصية التي لا تمس صالح الجماعة. (٢) حكمة التشريع في تحريم الزنا وتغليظ حده: تناول ابن القيم حكمة التشريع في تحريم الزنا، وتتبع أسرار التشريع في ذلك مبينًا آثار الزنا من مفاسد للبلاد والعباد، ونجملها في العناصر التالية: ١ - الزنا يجمع خلال الشر كلها: قال ابن القيم: والزنا يجمع خلال الشر كلها من قلة الدين وذهاب الورع وفساد المروءة وقلة المغيرة فلا تجد زانيًا معه ورع ولا وفاء بعهد ولا صدق في حديث ولا محافظة على صديق ولا غيرة تامة على أهله فالغدر والكذب والخيانة وقلة الحياء وعدم المراقبة وعدم الأنفة للحرم وذهاب المغيرة من القلب من شعبه وموجباته، ومن موجباته غضب الرب بإفساد حرمه وعياله ولو تعرض رجل إلى ملك من الملوك بذلك لقابله أسوأ مقابلة ومنها سواد الوجه وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت الذي يبدو عليه للناظرين ومنها ظلمة القلب وطمس نوره وهو الذي أوجب طمس نور الوجه وغشيان الظلمة له ومنها الفقر اللازم (٣). ٢ - مناقضة الزنا لصلاح العالم واختلاط الأنساب وانتهاك الأعراض:

стр. 5876

ومفسدة الزنا مناقضة لصلاح العالم فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها، ونكست رؤوسهم بين الناس وإن حملت من الزنا فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنا والقتل وإن حملته الزوج أدخلت على أهلها وأهله أجنبيا ليس منهم فورثهم وليس منهم ورآهم وخلا بهم وانتسب إليهم وليس منهم إلى غير ذلك من مفاسد زناها وأما زنا الرجل فإنه يوجد اختلاط الإنساب أيضًا وإفساد المرأة المصونة وتعريضها للتلف والفساد ففي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين وإن عمرت القبور في البرزخ والنار في الآخرة فكم في الزنا من استحلال محرمات وفوات حقوق ووقوع مظالم (١). ولما كانت مفسدة الزنا من أعظم المفاسد وهي منافية لمصلحة نظام العالم في حفظ الأنساب وحماية الفروج وصيانة الحرمات وتوقى ما يوقع أعظم العداوة والبغضاء بين الناس من إفساد كل منهم امرأة صاحبه وبنته وأخته وأمه وفي ذلك خراب العالم كانت تلي مفسدة القتل في الكبر ولهذا قرنها اللَّه سبحانه بها في كتابه ورسوله في سننه، قال الإِمام أحمد: ولا أعلم بعد قتل النفس شيئًا أعظم من الزنا، وقد أكد سبحانه حرمته بقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ (الفرقان: ٦٨) فقرن الزنا بالشرك وقتل النفس وجعل جزاء ذلك الخلود في النار في العذاب المضاعف المهين ما لم يرفع العبد وجب ذلك بالتوبة والإيمان والعمل الصالح وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾، فأخبر عن فحشه في نفسه وهو القبيح الذي قد تناهى قبحه حتى استقر فحشه في العقول حتى عند كثير من الحيوانات كما ذكر البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون

стр. 5877

الأودي قال: رأيت في الجاهلية قردًا زنا بقردة فاجتمع القرود عليهما فرجموها حتى ماتا (١)، ثم أخبر عن غايته بأنه ساء سبيلًا فأنه سبيل هلكة وبوار وافتقار في الدنيا وسبيل عذاب في الآخرة وخزي ونكال (٢). ٣ - الزنا سبيل لقطيعة الأرحام وكسب الحرام: ومنها أن الزنا يجرئه على قطيعة الرحم وعقوق الوالدين وكسب الحرام وظلم الخلق وإضاعة أهله وعياله، وربما قاده قسرا إلى سفك الدم الحرام وربما استعان عليه بالسحر وبالشرك وهو يدري أو لا يدري فهذه المعصية لا تتم إلا بأنواع من المعاصي قبلها ومعها ويتولد عنها أنواع أخر من المعاصي بعدها فهي محفوفة بجند من المعاصي قبلها وجند بعدها وهي أجلب شيء لشر الدنيا والآخرة وأمنع شيء لخير الدنيا والآخرة وإذا علقت بالعبد فوقع في حبائلها وأشراكها عز على الناصحين استنقاذه وأعيى الأطباء دواؤه فأسيرها لا يفدى وقتيلها لا يودى وقد وكلها اللَّه سبحانه بزوال النعم فإذا ابتلي بها عبد فليودع نعم اللَّه فإنها ضيف سريع الانتقال وشيك الزوال قال اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ (٣). ٤ - مفسدة الزنا بعد مفسدة القتل، لذلك كان التشديد في الحد: فليس بعد مفسدة القتل أعظم من مفسدته ولهذا شرع فيه القتل على أشنع الوجوه وأفحشها وأصعبها ولو بلغ العبد أن امرأته أو حرمته قتلت كان أسهل عليه من أن يبلغه أنها زنت، وقال سعيد بن عبادة ﵁: لو رأيت رجلًا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول اللَّه فقال تعجبون من غيرة سعد واللَّه لأنا أغير منه واللَّه أغير

стр. 5878

مني، ومن أجل غيرة اللَّه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن (١)، وعنه: إن اللَّه يغار وإن المؤمن يغار غيرة اللَّه أن يأتي العبد ما حرم عليه (٢)، وقال أيضًا: لا أحد أغير من اللَّه من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من اللَّه من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ولا أحد أحب إليه المدح من اللَّه من أجل ذلك أثني على نفسه (٣)، وفي الصحيحين في خطبته في صلاة الكسوف أنه قال يا أمة محمد واللَّه إنه لا أحد أغير من اللَّه أن يزنى عبده أو تزني أمته يا أمة محمد واللَّه لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا ثم رفع يديه فقال: اللهم هل بلغت (٤). وفي ذكر هذه الكبيرة بخصوصها عقيب صلاة الكسوف سر بديع لمن تأمله. وظهور الزنا من أمارات خراب العالم وهو من أشراط الساعة كما في الصحيحين عن أنس بن مالك أنه قال: لأحدثكم حديثًا لا يحدثكموه أحد بعدي سمعته من النبي ﷺ يقول من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا ويقل الرجال وتكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد (٥)، وقد جرت سنة اللَّه سبحانه في خلقه أنه عند ظهور الزنا يغضب اللَّه ويشتد غضبه فلا بد أن يؤثر غضبه في الأرض عقوبة (٦). ٥ - الزنا يشتت القلب ويُغضب الرب ويضيق الصدر: ومن خاصيته أيضًا أنه يشتت القلب ويمرضه إن لم يمته ويجلب الهم والحزن والخوف ويباعد صاحبه من الملك ويقربه من الشيطان.

стр. 5879

وقال: ومن موجباته غضب الرب بإفساد حرمه وعياله ولو تعرض رجل إلى ملك من الملوك بذلك لقابله أسوأ مقابلة، ومنها سواد الوجه وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت الذي يبدو عليه للناظرين ومنها ظلمة القلب وطمس نوره وهو الذي أوجب طمس نور الوجه وغشيان الظلمة له ومنها الفقر اللازم وفي أثر يقول اللَّه تعالى: أنا اللَّه مهلك الطغاة ومفقر الزناة. ومنها أنه يذهب حرمة فاعله ويسقطه من عين ربه ومن أعين عباده ومنها أنه يسلبه أحسن الأسماء وهو اسم العفة والبر والعدالة ويعطيه أضدادها كاسم الفاجر والفاسق والزاني والخائن (١). وقال أيضًا: ومنها الوحشة التي يضعها اللَّه في قلب الزاني وهي نظير الوحشة التي تعلو وجهه فالعفيف على وجهه حلاوة وفي قلبه أنس ومن جالسه استأنس به والزاني تعلو وجهه الوحشة ومن جالسه استوحش به، ومنها قلة الهيبة التي تنزع من صدور أهله وأصحابه وغيرهم له وهو أحقر شيء في نفوسهم وعيونهم بخلاف العفيف فإنه يرزق المهابة والحلاوة ومنها أن الناس ينظرونه بعين الخيانة ولا يأمنه أحد على حرمته ولا على ولده ومنها ضيقة الصدر وحرجه فإن الزناة يعاملون بضد قصودهم فإن من طلب لذة العيش وطيبه بما حرمه اللَّه عليه عاقبه بنقيض قصده فإن ما عند اللَّه لا ينال إلا بطاعته ولم يجعل اللَّه معصيته سببًا إلى خير قط ولو علم الفاجر ما في العفاف من اللذة والسرور وانشراح الصدر وطيب العيش لرأى أن الذي فاته من اللذة أضعاف أضعاف ما حصل له (٢). ونجاسة الزنا واللواطة أغلظ من غيرها من النجاسات من جهة أنها تفسد القلب وتضعف توحيده جدًّا ولهذا كان أحظى الناس بهذه النجاسة أكثرهم شركا فكلما كان الشرك في العبد أغلب كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر وكلما كان أعظم إخلاصا

стр. 5880

كان منها أبعد كما قال تعالى عن يوسف الصديق ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: ٢٤)، فليس في الذنوب أفسد للقلب والدين من هاتين الفاحشتين ولهما خاصية في تبعيد القلب من اللَّه فإنهما من أعظم الخبائث فإذا انصبغ القلب بهما بعد ممن هو طيب لا يصعد إليه إلا طيب وكلما ازداد خبثا ازداد من اللَّه بعدا ولهذا قال المسيح ﵇ فيما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد: لا يكون البطالون من الحكماء ولا يلج الزناة ملكوت السماء (١). ٦ - سبيل الزنا أسوأ سبيل ومقيله الجحيم: فأما سبيل الزنا فأسوأ سبيل ومقيل أهلها في الجحيم شر مقيل ومستقر أرواحهم في البرزخ في تنور من نار يأتيهم لهبها من تحتهم فإذا أتاهم اللهب ضجوا وارتفعوا ثم يعودون إلى موضعهم فهم هكذا إلى يوم القيامة كما رآهم النبي في منامه، ورؤيا الأنبياء وحي لا شك فيها (٢). ٢ - تعريف الزنا . لغةً: زَنَى يَزْنِي زِنًى وزِناءً بكسرهما: فَجَرَ. وزاني مُزاناةً وزِناءً: بمعناهُ وفلانًا: نَسَبَه إلى الزِنَا (٣). والمرأَة تُزانِي مُزاناةً وزِناء أَي تُباغِي، وزَنا الموضعُ يَزْنُو ضاق، ووِعاءٌ لا زَنِيٌّ ضيِّق (٤). شرعًا: هُوَ وَطْءُ مُكَلَّفٍ طَائِعٍ مُشْتَهَاةً حَالًا أَوْ مَاضِيًا في الْقُبُلِ بِلَا شُبْهَةِ مِلْكٍ في دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ تَمْكِينِهِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ تَمْكِينِهَا (٥). وعرَّفه الحنابلة: أنه من أتى الفاحشة من قُبُل أو دُبُر (٦).

стр. 5881

وعند الشافعية: إيلاج قدر الحشفة من الذكر في فرج محرم يشتهي طبعًا لا شبهة فيه (١). وعند المالكية: وطء مكلف مسلم فرج آدمي لا ملك له فيه باتفاق تعمدًا (٢). وعند الظاهرية: من وطئ من لا يحل له النظر إلى مجردها وهو عالم بالتحريم فهذا هو العاهر الزاني (٣). فالشَّرْعَ لَمْ يَخُصَّ اسْمَ الزِّنَا بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ مِنْهُ بَلْ هُوَ أَعَمُّ، وَالْمُوجِبُ لِلْحَدِّ مِنْهُ بَعْضُ أَنْوَاعِهِ، وَلِذَا قَالَ ﷺ : "الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ" (٤)، وَلَوْ وَطِئَ رَجُلٌ جَارِيَةَ ابْنِهِ لَا يحدُّ لِلزِّنَا وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ بِالزِّنَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ زِنًا، وَإِنْ كَانَ لَا يُحَدُّ بِهِ (٥). لذلك فإن حد الزنا الذي يُحد به صاحبه له ضوابط وشروط سنوضحها إن شاء اللَّه. ٣ - أدلة تحريم الزنا، وإثبات حده . أولًا: من القرآن: قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: ٣٢)، وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: ٢)، وقال أيضًا: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: ٣)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (الفرقان: ٦٨: ٦٩)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ

стр. 5882

شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الممتحنة: ١٢). ثانيًا: من السنة: عن عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ﵁ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَحَدُ النُّقبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ- أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: "بايعوني عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّه شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا في مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ في الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّه، فَهُوَ إِلَى اللَّه إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ"، فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ (١). وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا" (٢). وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ . . . .، ثُمَّ قَالَ "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّه، لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّه وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا". ثُمَّ قَالَ "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّه مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّه أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّه لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا" (٣). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ -قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ- وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ شَيْخٌ زَانٍ وَمَلِكٌ كَذَّابٌ وَعَائِل مُسْتكْبِرٌ" (٤).

стр. 5883

وعنه أيضًا قال: إِنَّ النبي ﷺ قالَ: "لَا يَزْنِي الزاني حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ. . . " (١). وعَنْ عَبْدِ اللَّه بن مسعود ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَأَنِّي رَسُولُ اللَّه إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزاني، وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الْجَمَاعَةَ" (٢). وعن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: مُرَّ عَلَى النبي ﷺ بيهودي مُحَمَّمًا مَجْلُودًا فَدَعَاهُمْ ﷺ فقَالَ: "هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزاني في كِتَابِكُمْ"، قَالُوا نَعَمْ. فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ "أَنْشُدُكَ بِاللَّه الذي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزاني في كِتَابِكُمْ". قَالَ لَا وَلَوْلَا أَنَّكَ نشدتني بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ نَجِدُهُ الرَّجْمَ وَلَكِنَّهُ كَثُرَ في أَشْرَافِنَا فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ قُلْنَا تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شيء نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "اللهمَّ إني أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ". فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ فَأَنْزَلَ اللَّه ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يَقُولُ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا. فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ في الْكُفَّارِ كُلُّهَا (٣). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَا: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي ﷺ فقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّه إِلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّه. فَقَامَ خَصْمُهُ وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ فَقَالَ صَدَقَ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّه، وَأْذَنْ لي يَا رَسُولَ اللَّه. فَقَالَ النبي ﷺ : "قُلْ". فَقَالَ إِنَّ ابني كَانَ عَسِيفًا (٤) في أَهْلِ، هَذَا

стр. 5884

فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ وإني سَأَلْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فأخبروني أَنَّ عَلَى ابني جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ. فَقَالَ: "والذي نفسي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّه، الْمِائَةُ وَالْخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَيَا أُنَيْسُ اغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَسَلْهَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا". فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا (١). وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ" (٢). ثالثًا: الإجماع: وقد أجمع أهل العلم قاطبةً على تحريم الزنا (٣)، وأجمعوا على وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلًا كان أو امرأة، وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار (٤)، ولا نعلم فيه مخالفًا، وأجمعوا على أن الجلد للزاني الغير محصن (٥). ٤ - بم يثبت حد الزنا . يثبت حد الزنا بأحد أمور منها: الإقرار والشهادة. أولًا: الإقرار: فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه رجم ماعزًا والغامدية بإقراريهما (٦). ويشترط في الإقرار أن يكون مفصّلًا مبيّنًا لحقيقة الوطء لتزول التّهمة والشّبهة، ولقول النّبيّ ﷺ لماعز: لعلّك قبّلت أو غمزت أو نظرت؟ قال: لا يا رسول اللَّه، قال: أنِكْتها (٧)؟ لا يكنّي فعند ذلك أمر برجمه" (٨).

стр. 5885

وفي رواية: قال: "حتّى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم، قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرّشاء في البئر؟ قال: نعم، قال: فهل تدري ما الزّنى؟ قال: نعم أتيت منها حرامًا ما يأتي الرّجل من امرأته حلالًا" (١). ثانيًا: الشهادة: أجمع العلماء على أن الشهادة على الزنا أربع لا يُقبل أقل منهم لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (النساء: ١٥)، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (النور: ٤)، وقوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ (النور: ١٣). قال ابن عبد البر: أجمع العلماء أن البينة في الزنى أربعة شهداء رجال عدول يشهدون بالصريح من الزنا لا بالكناية وبالرؤية كذلك والمعاينة (٢). ولما كان للزنا أثر سيء في نفس الرجل والمرأة وانحطاط كرامتيهما في أدنى درجة وتلطخ سمعتيهما أمام المجتمع، كان من ثبوت الزنا هو ثبوته بالشهود، واشترط العلماء شروطًا لذلك، فأورد ابن قدامة هذه الشروط في المغني فقال: ذكر الخرقي في شروط الزنا سبعة شروط: الشرط الأول: أن يكونوا أربعة وهذا إجماع لا خلاف فيه بين أهل العلم. الشرط الثاني: أن يكونوا رجالًا كلهم ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال ولا نعلم فيه خلافًا إلا شيئًا يروى عن عطاء وحماد أنه يقبل فيه ثلاثة رجال وامرأتان وهو شذوذ لا
следующие страницы →