← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

وعند الشافعية: إيلاج قدر الحشفة من الذكر في فرج محرم يشتهي طبعًا لا شبهة فيه (١). وعند المالكية: وطء مكلف مسلم فرج آدمي لا ملك له فيه باتفاق تعمدًا (٢). وعند الظاهرية: من وطئ من لا يحل له النظر إلى مجردها وهو عالم بالتحريم فهذا هو العاهر الزاني (٣). فالشَّرْعَ لَمْ يَخُصَّ اسْمَ الزِّنَا بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ مِنْهُ بَلْ هُوَ أَعَمُّ، وَالْمُوجِبُ لِلْحَدِّ مِنْهُ بَعْضُ أَنْوَاعِهِ، وَلِذَا قَالَ ﷺ : "الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ" (٤)، وَلَوْ وَطِئَ رَجُلٌ جَارِيَةَ ابْنِهِ لَا يحدُّ لِلزِّنَا وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ بِالزِّنَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ زِنًا، وَإِنْ كَانَ لَا يُحَدُّ بِهِ (٥). لذلك فإن حد الزنا الذي يُحد به صاحبه له ضوابط وشروط سنوضحها إن شاء اللَّه. ٣ - أدلة تحريم الزنا، وإثبات حده . أولًا: من القرآن: قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: ٣٢)، وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: ٢)، وقال أيضًا: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: ٣)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (الفرقان: ٦٨: ٦٩)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ

стр. 5882

شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الممتحنة: ١٢). ثانيًا: من السنة: عن عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ﵁ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَحَدُ النُّقبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ- أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: "بايعوني عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّه شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا في مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ في الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّه، فَهُوَ إِلَى اللَّه إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ"، فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ (١). وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا" (٢). وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ . . . .، ثُمَّ قَالَ "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّه، لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّه وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا". ثُمَّ قَالَ "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّه مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّه أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّه لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا" (٣). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ -قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ- وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ شَيْخٌ زَانٍ وَمَلِكٌ كَذَّابٌ وَعَائِل مُسْتكْبِرٌ" (٤).

стр. 5883

وعنه أيضًا قال: إِنَّ النبي ﷺ قالَ: "لَا يَزْنِي الزاني حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ. . . " (١). وعَنْ عَبْدِ اللَّه بن مسعود ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَأَنِّي رَسُولُ اللَّه إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزاني، وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الْجَمَاعَةَ" (٢). وعن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: مُرَّ عَلَى النبي ﷺ بيهودي مُحَمَّمًا مَجْلُودًا فَدَعَاهُمْ ﷺ فقَالَ: "هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزاني في كِتَابِكُمْ"، قَالُوا نَعَمْ. فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ "أَنْشُدُكَ بِاللَّه الذي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزاني في كِتَابِكُمْ". قَالَ لَا وَلَوْلَا أَنَّكَ نشدتني بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ نَجِدُهُ الرَّجْمَ وَلَكِنَّهُ كَثُرَ في أَشْرَافِنَا فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ قُلْنَا تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شيء نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ وَالْجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "اللهمَّ إني أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ". فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ فَأَنْزَلَ اللَّه ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يَقُولُ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالتَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ فَخُذُوهُ وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا. فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ في الْكُفَّارِ كُلُّهَا (٣). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَا: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النبي ﷺ فقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّه إِلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّه. فَقَامَ خَصْمُهُ وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ فَقَالَ صَدَقَ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّه، وَأْذَنْ لي يَا رَسُولَ اللَّه. فَقَالَ النبي ﷺ : "قُلْ". فَقَالَ إِنَّ ابني كَانَ عَسِيفًا (٤) في أَهْلِ، هَذَا

стр. 5884

فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ وإني سَأَلْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فأخبروني أَنَّ عَلَى ابني جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ. فَقَالَ: "والذي نفسي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّه، الْمِائَةُ وَالْخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَيَا أُنَيْسُ اغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَسَلْهَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا". فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا (١). وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ" (٢). ثالثًا: الإجماع: وقد أجمع أهل العلم قاطبةً على تحريم الزنا (٣)، وأجمعوا على وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلًا كان أو امرأة، وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار (٤)، ولا نعلم فيه مخالفًا، وأجمعوا على أن الجلد للزاني الغير محصن (٥). ٤ - بم يثبت حد الزنا . يثبت حد الزنا بأحد أمور منها: الإقرار والشهادة. أولًا: الإقرار: فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه رجم ماعزًا والغامدية بإقراريهما (٦). ويشترط في الإقرار أن يكون مفصّلًا مبيّنًا لحقيقة الوطء لتزول التّهمة والشّبهة، ولقول النّبيّ ﷺ لماعز: لعلّك قبّلت أو غمزت أو نظرت؟ قال: لا يا رسول اللَّه، قال: أنِكْتها (٧)؟ لا يكنّي فعند ذلك أمر برجمه" (٨).

стр. 5885

وفي رواية: قال: "حتّى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم، قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرّشاء في البئر؟ قال: نعم، قال: فهل تدري ما الزّنى؟ قال: نعم أتيت منها حرامًا ما يأتي الرّجل من امرأته حلالًا" (١). ثانيًا: الشهادة: أجمع العلماء على أن الشهادة على الزنا أربع لا يُقبل أقل منهم لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (النساء: ١٥)، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (النور: ٤)، وقوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ (النور: ١٣). قال ابن عبد البر: أجمع العلماء أن البينة في الزنى أربعة شهداء رجال عدول يشهدون بالصريح من الزنا لا بالكناية وبالرؤية كذلك والمعاينة (٢). ولما كان للزنا أثر سيء في نفس الرجل والمرأة وانحطاط كرامتيهما في أدنى درجة وتلطخ سمعتيهما أمام المجتمع، كان من ثبوت الزنا هو ثبوته بالشهود، واشترط العلماء شروطًا لذلك، فأورد ابن قدامة هذه الشروط في المغني فقال: ذكر الخرقي في شروط الزنا سبعة شروط: الشرط الأول: أن يكونوا أربعة وهذا إجماع لا خلاف فيه بين أهل العلم. الشرط الثاني: أن يكونوا رجالًا كلهم ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال ولا نعلم فيه خلافًا إلا شيئًا يروى عن عطاء وحماد أنه يقبل فيه ثلاثة رجال وامرأتان وهو شذوذ لا

стр. 5886

يعول عليه لأن لفظ الأربعة اسم لعدد المذكورين ويقتضي أن يكتفي فيه بأربعة ولا خلاف في أن الأربعة إذا كان بعضهم نساء لا يكتفى بهم وإن أقل ما يجزئ خمسة وهذا خلاف النص ولأن في شهادتهن شبهة لتطرق الضلال إليهن قال اللَّه تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ والحدود تدرأ بالشبهات. الشرط الثالث: الحرية فلا تقبل فيه شهادة العبيد ولا نعلم في هذا خلافًا إلا رواية حكيت عن أحمد أن شهادتهم تقبل وهو قول أبي ثور لعموم النصوص فيه ولأنه عدل ذكر مسلم فتقبل شهادته كالحر. ولنا أنه مختلف في شهادته في سائر الحقوق فيكون ذلك شبهة تمنع من قبول شهادته في الحد لأنه يندرئ بالشبهات. الشرط الرابع: العدالة ولا خلاف في اشتراطها فان العدالة تشترط في سائر الشهادات فههنا مع مزيد الاحتياط أولى فلا تقبل شهادة الفاسق ولا مستور الحال الذي لا تعلم عدالته لجواز أن يكون فاسقًا. الشرط الخامس: أن يكونوا مسلمين فلا تقبل شهادة أهل الذمة فيه سواء كانت الشهادة على مسلم أو ذمي لأن أهل الذمة كفار لا تتحقق العدالة فيهم ولا تقبل روايتهم ولا أخبارهم الدينية فلا تقبل شهادتهم كعبدة الأوثان. الشرط السادس: أن يصفوا الزنا فيقولوا رأينا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة والرشاء في البئر وهذا قول معاوية بن أبي سفيان والزهري والشافعي وأبي ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي، لما روي في قصة ماعز أنه لما أقر عند النبي ﷺ بالزنا فقال: أنكتها؟ فقال: نعم فقال: حتى غاب ذلك منك في ذلك منها كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال نعم، وإذا اعتبر التصريح في الإقرار كان اعتباره في الشهادة أولى.

стр. 5887

الشرط السابع: مجيء الشهود كلهم في مجلس واحد ذكره الخرقي فقال: وإن جاء أربعة متفرقين والحاكم جالس في مجلس حكمه لم يقم قبل شهادتهم وإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم كانوا قذفة وعليهم الحد، فالشهادة تكون في مجلس واحد (١). ٥ - أقسام الزناة . والزاني إما أن يكون بكرًا، وإما أن يكون محصنًا, ولكلٍ منهما حكمًا خاصًا. أولًا: حد البكر (غير المحصن): قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ (النور: ٢). وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللَّه ﷺ : خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ (٢). قال ابن قدامة: ولا خلاف في وجوب الجلد على الزاني إذا لم يكن محصنًا وقد جاء بيان ذلك في كتاب اللَّه تعالى بقوله : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، وجاءت لأحاديث عن النبي ﷺ موافقة لما جاء به الكتاب، ويجب مع الجلد تغريبه عامًا في قول الجمهور روي ذلك عن الخلفاء الراشدين وعن أبي وأبي ذر وابن عمر وابن مسعود ﵃، وإليه ذهب عطاء وطاوس وابن أبي ليلى والشافعي وإسحاق وأبو ثور (٣). ثانيًا: حد المحصن: على أنّ حدّ الزّاني المحصن الرّجم حتّى الموت رجلًا كان أو امرأةً وقد حكى غير واحد الإجماع على ذلك (٤).

стр. 5888

وقال ابن قدامة: الرّجم على الزّاني المحصن رجلًا كان أو امرأةً، وهذا قول عامّة أهل العلم من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار (١). وقال أيضًا: وقد ثبت الرّجم عن رسول اللَّه ﷺ بقوله وفعله، في أخبارٍ تشبه التّواتر وأجمع عليه أصحاب رسول اللَّه ﷺ (٢). فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إِنَّ اللَّه قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ مَا نَجِدُ الرَّجْمَ في كِتَابِ اللَّه فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّه وَإِنَّ الرَّجْمَ في كِتَابِ اللَّه حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ (٣). وقد وضع العلماء شروطًا للمحصن، فقال ابن قدامة: وللإحصان شروط سبعة: أحدها: الوطء في القبل ولا خلاف في اشتراطه لأن النبي ﷺ قال: (والثيب بالثيب الجلد والرجم)، والثيابة تحصل بالوطء في القبل فوجب اعتباره ولا خلاف في أن النكاح الخالي عن الوطء لا يحصل به إحصان سواء حصلت فيه خلوة أو وطء فيما دون الفرج أو في الدبر أو لم يحصل شيء من ذلك لأن هذا لا تصير به المرأة ثيبًا ولا تخرج به عن حد الأبكار الذي حدهم جلد مائة وتغريب عام بمقتضى الخبر، ولا بد أن يكون وطأ حصل به تغييب الحشفة في الفرج لأن ذلك الوطء الذي تتعلق به أحكام الوطء. الثاني: أن يكون في نكاح لأن النكاح يسمى إحصانًا بدليل قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يعني المتزوجات ولا خلاف بين أهل العلم في أن وطء الزنا

стр. 5889

ووطء الشبهة لا يصير به الواطئ محصنًا, ولا نعلم خلافًا في أن التسري لا يحصل به الإحصان لواحد منهما لكونه ليس بنكاح ولا تثبت فيه أحكامه. الثالث: أن يكون النكاح صحيحًا وهو قول أكثر أهل العلم منهم عطاء وقتادة ومالك والشافعي وأصحاب الرأي. الرابع: الحرية وهي شرط في قول جميع أهل العلم إلا أبا ثور قال: العبد والأمة هما محصنان يرجمان إذا زنيا إلا أن يكون الإجماع يخالف ذلك. الشرط الخامس والسادس: البلوغ والعقل فلو وطئ وهو صبي أو مجنون ثم بلغ أو عقل لم يكن محصنًا هذا قول أكثر أهل العلم وقول الشافعي. الشرط السابع: أن يوجد الكمال فيهما جميعًا حال الوطء فيطأ الرجل العاقل الحر امرأة عاقلة حرة وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه ونحوه قول عطاء والحسن وابن سيرين والنخعي وقتادة والثوري وإسحاق (١). ٦ - الشروط الموجبة لحد الزنا . أولًا: إدخال الحشفة أو قدرها من مقطوعها: فالزنا الموجب للحد هو إدخال قدر الحشفة، فلو لم يدخلها أو أدخل بعضها فليس عليه الحد، وليس الإنزال شرط، فسواء أنزل أم لا فعليه الحد (٢). ثانيًا: أن يكون من صدر منه الفعل مكلفًا: أي يكون عاقلًا بالغًا، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: رُفع القلمُ عن ثلاثة: عن المجنون حتى يُفيق، وعن الصَّبيِّ حتى يبلُغ، وعن النَّائم حتى يستيقظ (٣). فلا حدَّ على النائم والمجنون والصبي (٤).

стр. 5890

ثالثًا: أن يكون من صدر منه الفعل عالمًا بالتحريم: لا حد على من لم يعلم تحريم الزنا قال عمر وعثمان وعلي: لا حد إلا على من علمه وبهذا قال عامة أهل العلم، لا تقبل دعوى الجهل بالتّحريم إلّا ممّن ظهر عليه أمارة ذلك، بأن نشأ وحده في شاهق، أو بين قوم جهّال مثله لا يعلمون تحريمه، أو يعتقدون إباحته، إذ لا ينكر وجود ذلك. فمن زنى وهو كذلك في فور دخوله دارنا لا شكّ في أنّه لا يحدّ، إذ التكليف بالأحكام فرع العلم بها، وعلى هذا يحمل قول من اشترط العلم بالتّحريم، وما ذكر من نقل الإجماع بخلاف من نشأ في دار الإسلام بين المسلمين، أو في دار أهل الحرب المعتقدين حرمته، ثمّ دخل دارنا فإنّه إذا زنى يحدّ ولا يقبل اعتذاره بالجهل، وَأَنّ الْحَدّ لَا يَجِبُ عَلَى جَاهِلٍ بِالتّحْرِيمِ لِأَنّهُ ﷺ سَأَلَهُ ماعز عَنْ حُكْمِ الزّنَى: فَقَالَ أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ حَلَالًا (١). رابعًا: أن يكون من صدر منه الفعل مختارًا: لا حد على مكره في قول عامة أهل العلم، رُوي ذلك عن عمر، والزهري، وقتادة، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا وذلك لقول النبي ﷺ : "عفي لأمّتي عن الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه" (٢). ومن أكرهه السلطان حتى زنى فلا حد عليه (٣). خامسًا: انتفاء الشبهة: فمن الشروط الموجبة لحد الزنا والمتفق عليها أيضًا هي انتفاء الشبهة لقول النبي ﷺ : "ادرءوا الحدود بالشبهات" (٤)، فلا يقام الحد إذا وُجدت شبهة، وقد تكلم الفقهاء بالتفصيل عن هذا.

стр. 5891

٧ - سد الذرائع الموصلة إلى الزنا . قاعدة التشريع التي لا تنخرم أن اللَّه إذا حرَّم شيئًا حرم الأسباب والدوافع الموصلة إليه سدًا للذريعة وكفًا عن الوقوع في حمى اللَّه ومحارمه ليعيش في مجتمع مملوء بالإباء والشمم عن كافة الرزائل والطرائق الموصلة إليها حتى يلقى اللَّه وهو على هدى من اللَّه وصراط مستقيم. ولهذا فإن علماء الشريعة استنبطوا بطريق التتبع والاستقراء لمواطن التنزيل قاعدة شريفة هامة تعتبر من الكليات التشريعية التي تعايش المسلم في كل لحظة وآن، تلك هي قاعدة: سد الذرائع الموصلة إلى المحرمات (١). قال ابن القيم: لَمَّا كَانَتْ الْمَقَاصِدُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهَا إلَّا بِأَسْبَابٍ وَطُرُقٍ تُفْضِي إلَيْهَا كَانَتْ طُرُقُهَا وَأَسْبَابُهَا تَابِعَةً لَهَا مُعْتَبَرَةً بِهَا، فَوَسَائِلُ المُحَرَّمَاتِ وَالْمَعَاصِي في كَرَاهَتِهَا وَالْمَنْع مِنْهَا بِحَسَبِ إفْضَائِهَا إلَى غَايَاتِهَا وَارْتبَاطَاتِهَا بِهَا، وَوَسَائِلُ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ فِي مَحَبَّتِهَا وَالْإِذْنِ فِيهَا بِحَسَبِ إفْضَائِهَا إلَى غَايَتِهَا؛ فَوَسِيلَةُ الْمَقْصُودِ تَابِعَةٌ لِلْمَقْصودِ، وَكِلَاهُمَا مَقْصُودٌ، لَكِنَّهُ مَقْصُودٌ قَصْدَ الْغَايَاتِ، وَهِيَ مَقْصُودَةٌ قَصْدَ الْوَسَائِلِ، فَإِذَا حَرَّمَ الرَّبُّ تَعَالَى شَيْئًا وَلَهُ طُرُقٌ وَوَسَائِلُ تُفْضِي إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُهَا وَيَمْنَعُ مِنْهَا، تَحْقِيقًا لِتَحْرِيمِهِ، وَتَثْبِيتًا لَهُ، وَمَنْعًا أَنْ يُقْرَبَ حِمَاهُ، وَلَوْ أَبَاحَ الْوَسَائِلَ وَالذَّرَائِعَ الْمُفْضِيَةَ إلَيْهِ لَكَانَ ذَلِكَ نَقْضًا لِلتَّحْرِيمِ، وَإِغْرَاءً لِلنُّفُوسِ بِهِ، وَحِكْمَتُهُ تَعَالَى وَعِلْمُهُ يَأْبَى ذَلِكَ كُلَّ الْإِبَاءِ، بَلْ سِيَاسَةُ مُلُوكِ الدُّنْيَا تَأْبَى ذَلِكَ (٢). وقال أيضًا: وَبَابُ سَدِّ الذَّرَائِعِ أَحَدُ أَرْبَاعِ التَّكْلِيفِ؛ فَإِنَّهُ أَمْرٌ وَنَهْيٌ، وَالْأَمْرُ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا: مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ، وَالثَّانِي: وَسِيلَةٌ إلَى الْمَقْصُودِ، وَالنَّهْيُ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا: مَا يَكُون

стр. 5892

الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مَفْسَدَةً في نَفْسِهِ، وَالثَّانِي: مَا يَكُونُ وَسِيلَةً إلَى الْمَفْسَدَةِ؛ فَصَارَ سَدُّ الذَّرَائِعِ الْمُفْضِيَةِ إلَى الْحَرَامِ أَحَدَ أَرْبَاعِ الدِّينِ (١). فقاعدة سد الذرائع ثابتة في شريعتنا, ولهذا اعتنت الشريعة كل الاعتناء بكل الأسباب والوسائل والدوافع المؤدية إلى الزنا، ومنعت من ذلك سدًا للذريعة، ففي ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، يقول تعالى ناهيًا عباده عن الزنا وعن مقاربته، وهو مخالطة أسبابه ودواعيه (٢). وقال القرطبي: قال العلماء: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ أبلغ من أن يقول: ولا تزنوا، فإن معناه لا تدنوا من الزنى (٣). فالقرب المنهي عنه هو أقل الملابسة، وهو كناية عن شدة النهي عن ملابسة الزنا، وقريب من هذا المعنى قولهم: ما كاد يفعل (٤). فرب العزة يحذرنا من المقاربة لهذه الجريمة، فالزنى مئنة لإضاعة الأنساب ومَظنّةٌ للتقاتل والتهارج فكان جديرًا بتغليظ التحريم قصدًا وتوسلًا (٥). قال السعدي: والنهي عن قربان الزنا أبلغ من النهي عن مجرد فعله لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه فإن: "من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه" (٦). وهذه بعض الضروب والوجوه مما ورد في الكتاب والسنة من سد الذرائع الموصلة إلى فاحشة الزنا: ١ - شهود طائفة من المؤمنين للحدود وهي تقام:

стр. 5893

فلا شك أن جانب الترهيب عليه عامل كبير في إصلاح النفس البشرية وفي إقامة الحد على المذنب، يجعل الآخرين ممن يريدون اقتراف نفس ما اقترف هذا المذنب لا يفكر في أن يفعل مثل ما فعل، وعندما يشهد إقامة الحد عليه، فهو رادع وزاجر في أن يفعل مثل ما فعل (١)، لذلك صار إقامة الحدود وشهود طائفة من المؤمنين لإقامة الحدود لهو من الموانع القوية في اقتراف فاحشة الزنا (٢). ٢ - الأمر بغض الأبصار: وهو للرجال والنساء على السواء، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور ٣١: ٣٠). قال ابن كثير: ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب، كما قال بعض السلف: "النظر سهام سم إلى القلب"؛ ولذلك أمر اللَّه بحفظ الفروج كما أمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك (٣). فلما كان النظر بريد الزنى ورائد الفجور، والبلوى فيه أشدّ وأكثر، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه، كان الأمر بحفظ الفروج عقب الأمر بالغض من الأبصار لأن النظر رائد الزنى، وثمرة حفظ الفرج لا تكون إلا بغض البصر (٤). قال القرطبي: البصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع المحرمات، وكل ما يخشى الفتنة من أجله (٥).

стр. 5894

وفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ اللَّه كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِى، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ" (١). قال الشنقيطي: ومحل الشاهد منه قوله ﷺ : فزنى العين النظر, فإطلاق اسم الزنا على نظر العين إلى ما لا يحل دليل واضح على تحريمه والتحذير منه، ومعلوم أن النظر سبب الزنا فإن من أكثر من النظر إلى جمال امرأة مثلًا قد يتمكن بسببه حبها ثم قبله تمكنًا يكون سبب هلاكه، والعياذ باللَّه، فالنظر بريد الزنا وقال مسلم بن الوليد الأنصاري: كسبت لقلبي نظرة لتسره ... عيني فكانت شقوة ووبالا ما مر بي شيء أشد من الهوى ... سبحان من خلق الهوى وتعالى وقال آخر: ألم ترى أن العين للقلب رائد ... فما تألف العينان فالقلب آلف وقال آخر: وأنت إذا أرسلت طرفك رائدًا ... لقلبك يومًا أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر وقال المتنبي: وأنا الذي اجتلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل (٢) قال ابن القيم: فلما كان غض البصر أصلًا لحفظ الفرج بدأ بذكره. . . وقد جعل اللَّه سبحانه العين مرآة القلب فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته (٣).

стр. 5895

وقال: وأكثر ما تدخل المعاصي على العبد من هذه الأبواب الأربعة. . . فأما اللحظات (النظرات) فهي رائد الشهوة ورسولها وحفظها أصل حفظ الفرج فمن أطلق نظره أورده موارد الهلاك (١). ٣ - نهي النساء عن الضرب بالأرجل: فمن الذرائع التي سدتها الشريعة أيضًا ألا تظهر النساء زينتها بالصوت، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾. قال ابن كثير: كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت -لا يسمع صوته- ضربت برجلها الأرض، فيعلم الرجال طنينه، فنهى اللَّه المؤمنات عن مثل ذلك. وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورًا، فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي، دخل في هذا النهي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ (٢). وقال القرطبي: وسماع هذه الزينة أشد تحريكًا للشهوة من إبدائها (٣). قال الرازي: ومعلوم أن الرجل الذي يغلب عليه شهوة النساء إذا سمع صوت الخلخال يصير ذلك داعية له زائدة في مشاهدتهن (٤). قال الآلوسي: فإن ذلك مما يورث الرجال ميلًا إليهن ويوهم أن لهن ميلًا إليهم (٥). قال ابن القيم: فمنهن من الضرب بالأرجل وإن كان جائزا في نفسه لئلا يكون سببًا إلى سمع الرجال صوت الخلخال فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن (٦).

стр. 5896

قال السعدي: ويؤخذ من هذا ونحوه، قاعدة سد الوسائل، وأن الأمر إذا كان مباحًا، ولكنه يفضي إلى محرم، أو يخاف من وقوعه، فإنه يمنع منه، فالضرب بالرجل في الأرض، الأصل أنه مباح، ولكن لما كان وسيلة لعلم الزينة، منع منه (١). ٤ - النهي عن الخلوة بأجنبية: وقد نهى النبي ﷺ عن الخلوة بالأجنبية، وشدد في ذلك بأحاديث كثير منها: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النبي ﷺ قَالَ: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِى مَحْرَمٍ" (٢). وعن عامر بن ربيعة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ألا لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له فإن ثالثهما الشيطان" (٣). وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان" (٤). وهذا كله سدًا للذريعة وغلقًا لباب الفساد والفتنة، فكل ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام، وقال ابن القيم تحت باب منع ما يؤدي إلى الحرام: أنه ﷺ حرم الخلوة بالأجنبية ولو في إقراء القرآن (٥). فخلوة الرجل بالمرأة الأجنبية مدرجة الهلاك وداعية الإثم والفجور، وكيف لا يكون ذلك، والفرصة سانحة وقد مهدت الخلوة للغريزة أن تستيقظ، ووقتها يحدث ما لا تُحمد عقباه (٦). ٥ - النهى عن سفر المرأة بلا محرم:

стр. 5897

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النبي ﷺ يَقُولُ: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ". فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّه، اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ امرأتي حَاجَّةً. قَالَ "اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ" (١). قال النووي: الْمَرْأَة مَظِنَّة الطَّمَع فِيهَا، وَمَظِنَّة الشَّهْوَة وَلَوْ كَانَتْ كَبِيرَة، وَقَدْ قَالُوا: لِكُلِّ سَاقِطَة لَاقِطَة. وَيَجْتَمِع في الْأَسْفَار مِنْ سُفَهَاء النَّاس وَسَقَطهمْ مَنْ لَا يَرْتَفِع عَنْ الْفَاحِشَة بِالْعَجُوزِ وَغَيْرهَا لِغَلَبَةِ شَهْوَته وَقِلَّة دِينه وَمُرُوءَته وَخِيَانَته وَنَحْو ذَلِكَ (٢). وقال المناوي: قال ابن العربي: النساء لحم على وضم كل أحد يشتهيهن وهن لا مدفع عندهن بل الاسترسال فيهن أقرب من الاعتصام، فحصَّن اللَّه عليهن بالحجاب وقطع الكلام وحرم السلام وباعد الأشباح إلا مع من يستبيحها وهو الزوج أو يمنع منها وهو أولو المحارم ولما لم يكن بد من تصرفهن أذن لهن فيه بشرط صحبة من يحميهن وذلك في مكان المخالفة وهو السفر مقر الخلوة ومعدن الوحدة (٣). فسفرها بغير محرم قد يكون ذريعة إلى الطمع فيها والفجور بها (٤). ٦ - النهي عن خروج المرأة متطيبة: عَنِ الأشعري قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ" (٥). وعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّه قَالَتْ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ "إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا" (٦).

стр. 5898

وهذا كله لأن الطيب من ألطف وسائل المخابرة والمراسلة، والحياء الإسلامي يبلغ من رقة الإحساس أن لا يحتمل حتى هذا العامل اللطيف الخفي (١). فنهى النبي ﷺ المرأة عن التطيب عند خروجها حتى لا تجذب إليها أنظار الرجال. ٧ - تحريم الخضوع بالقول: كذلك من السبل الموصلة إلى هذه الفاحشة خضوع النساء بالقول، ورب العزة يقول: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾. قال الطبري: وقوله: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ يقول: فلا تلن بالقول للرجال فيما يبتغيه أهل الفاحشة منكن (٢). ومعنى هذا: أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي: لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها (٣). ٨ - تحريم التبرج وإظهار الزينة والتجمل للفت نظر الأجانب: قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (الأحزاب: ٣٣). قال ابن كثير: أي: الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال، فذلك تبرج الجاهلية (٤). ٩ - تشريع الاستئذان: فقد حرم اللَّه الدخول إلى البيوت إلا بالاستئذان، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

стр. 5899

(٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨)﴾ (النور ٢٧: ٢٨). قال ابن كثير: هذه آداب شرعية، أدّب اللَّه بها عباده المؤمنين، وذلك في الاستئذان أمر اللَّه المؤمنين ألا يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم حتى يستأنسوا، أي: يستأذنوا قبل الدخول ويسلموا بعده. وينبغي أن يستأذن ثلاثًا، فإن أذن له، وإلا انصرف (١). قال الشوكاني: لما فرغ سبحانه من ذكر الزجر عن الزنا والقذف، شرع في ذكر الزجر عن دخول البيوت بغير استئذان لما في ذلك من مخالطة الرجال بالنساء، فربما يؤدّي إلى أحد الأمرين المذكورين، وأيضًا: إن الإنسان يكون في بيته، ومكان خلوته على حالة قد لا يحبّ أن يراه عليها غيره، فنهى اللَّه سبحانه عن دخول بيوت الغير إلى غاية، هي قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾، والاستئناس: الاستعلام، والاستخبار أي: حتى تستعلموا من في البيت، والمعنى: حتى تعلموا أن صاحب البيت قد علم بكم، وتعلموا أنه قد أذن بدخولكم، فإذا علمتم ذلك دخلتم (٢). قال أبو بكر الجزائري: نظرًا إلى خطر الرمي بالفاحشة وفعلها وحرمة ذلك كان المناسب هنا ذكر وسيلة من وسائل الوقاية من الوقوع في مثل ذلك ففرض اللَّه تعالى على المؤمنين الاستئذان (٣). وهذا المسلك يدل على مدى عناية الإسلام بصيانة البيوت وحفظها من النظر إلى ما فيها (٤)، من ظهور العورات وانكشافها، فلولا الاستئذان لتعرضت الأعراض للانكشاف ولكثر الخبث، وكان ذلك سبيلًا إلى الزنا، فلذلك كان التحريم حتى يستأذن الشخص (٥).

стр. 5900

فسدَّ الشرع بذلك ذريعة يتوصل بها إلى الزنا، وجعل الاستئذان حتى استئذان الرجل على أمه وأخته من الأمور التي دلت عليها شريعتنا الغراء (١). ١٠ - تحريم مس الأجنبية ومصافحتها: فهذه أيضًا من الذرائع الموصلة إلى الزنا، فلمس المرأة باليد يحرك كوامن النفس ويفتح أبواب الفساد، ويسهل مهمة الشيطان، من أجل ذلك صار التحريم وتوعَّد اللَّه من يفعل ذلك، فعن معقل ابن يسار ﵁ قال: قال: رسول اللَّه ﷺ : لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له (٢). فهذا بمجرد المس، فما بالك بما فوقه، والذي يتهاون ويتساهل في هذا الأمر فهو على خطر عظيم (٣)، ولما كان مس المرأة الأجنبية مما يتوصل به إلى هذه الفاحشة صار التحريم في مس يدها. ١١ - منع إشاعة الفاحشة ونشر الرذيلة في أوساط المؤمنين: بل حرم اللَّه تعالى مجرد حب إشاعة الفاحشة في البلاد والعباد (٤). قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ (النور: ١٩) وكل هذا من رحمة اللَّه بعباده

стр. 5901

المؤمنين، وصيانة أعراضهم، كما صان دماءهم وأموالهم، وأمرهم بما يقتضي المصافاة، وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه (١). ولما كان حب إشاعة الفاحشة وانتشار الرذيلة في أوساط الؤمنين مما يتوصل به إلى فساد عظيم بين الناس باقتراف الفاحشة صار التحريم. ١٢ - تحريم الاختلاط: قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (الأحزاب: ٣٣) ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: ٥٣). ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة. . . فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنا بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال والمشي بينهم متبرجات متجملات ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية قبل الدين لكانوا أشد شيء منعا لذلك (٢). فعن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ إِذَا سَلَّمَ مَكَثَ قَلِيلًا وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ كَيْمَا يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ الرِّجَالِ (٣). قال ابن شهاب: فَنُرَى -وَاللَّه أَعْلَمُ- لِكَيْ يَنْفُذَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنَ النِّسَاءِ (٤).

стр. 5902

وعن أم سلمة قالت: كَانَ ﷺ يُسَلِّمُ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ، فَيَدْخُلْنَ بُيُوتَهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللَّه ﷺ (١). وروى النسائي: أَنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ كُنَّ إِذَا سلَّمْنَ مِنْ الصَّلَاةِ قُمْنَ وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَمَنْ صَلَّى مِنْ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّه فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّه ﷺ قَامَ الرِّجَالُ (٢). قال ابن حجر: وفي الحديث كراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلًا عن البيوت (٣). فحرصت الشريعة كل الحرص على إغلاق هذا الباب لما فيه من فتنة عظيمة قد تؤدي إلى فاحشة الزنا، فصار تحريم الاختلاط من أجل ذلك، فصار سدًا للذريعة. ١٣ - النهي أن تصف المرأة المرأة لزوجها: قال ابن القيم: نَهَى ﷺ أَنْ تَنْعَتَ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ لِزَوْجِهَا حَتَّى كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ سَدٌّ لِلذَّرِيعَةِ وَحِمَايَةٌ عَنْ مُفْسِدَةِ وُقُوعِهَا فِي قَلْبِهِ وَمَيْلِهِ إلَيْهَا بِحُضُورِ صورَتِهَا فِي نَفْسِهِ، وَكَمْ مِمَّنْ أَحَبَّ غَيْرَهُ بِالْوَصْفِ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ (٤). ١٤ - الأمر بالتفريق بين الأولاد في المضاجع: قال ابن القيم: أَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْأَوْلَادِ فِي المَضَاجِعِ، وَأَنْ لَا يُتْرَكَ الذَّكَرُ يَنَامُ مَعَ الْأُنْثَى فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ ذَرِيعَةً إلَى نَسْجِ الشَّيْطَانِ بَيْنَهُما المُوَاصَلَةَ المُحَرَّمَةَ بِوَاسِطَةِ اتِّحَادِ الْفِرَاشِ وَلَا سِيَّمَا مَعَ الطُّولِ، وَالرَّجُلُ قَدْ يَعْبَثُ فِي نَوْمِهِ بِالْمَرْأَةِ فِي نَوْمِهَا إلَى جَانِبِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، وَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَلْطَفِ سَدِّ الذَّرَائِعِ (٥). ١٥ - النهى عن الشياع:

стр. 5903

قال ابن القيم: أَنَّهُ حَرَّمَ الشِّيَاعَ، وَهُوَ المُفَاخَرَةُ بِالجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى تَحْرِيكِ النُّفُوسِ وَالتَّشَبُّهِ وَقَدْ لَا يَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ مَنْ يُغْنِيه مِنْ الحَلَالِ فَيَتَخَطَّى إلَى الْحَرَامِ، وَمِنْ هَذَا كَانَ المُجَاهِرُونَ خَارِجِينَ مِنْ عَافِيَةِ اللَّه، وَهُمْ المُتَحَدِّثُونَ بِمَا فَعَلُوهُ مِنْ المَعَاصِي؛ فَإِنَّ السَّامِعَ تَتَحَرَّكُ نَفْسُهُ إلَى التَّشَبُّهِ، وِفي ذَلِكَ مِنْ الْفَسَادِ المُنْتَشِرِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّه (١). ١٦ - إبطال أنواع من الأنكحة يتراضاها الزوجان: قال ابن القيم: أَنَّهُ أَبْطَلَ أَنْوَاعًا مِنْ النِّكِاحِ الَّذِي يَتَرَاضَى بِهِ الزَّوْجَانِ سَدًّا لِذَرِيعَةِ الزِّنَا؛ فَمِنْهَا النِّكَاحُ بِلَا وَلِيٍّ؛ فَإِنَّهُ أَبْطَلَهُ سَدًّا لِذَرِيعَةِ الزِّنَا؛ فَإِنَّ الزَّانِيَ لَا يَعْجَزُ أَنْ يَقُولُ لِلْمَرْأَةِ: "أَنْكِحِينِي نَفْسَك بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ" وَيُشْهِدُ عَلَيْهَا رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ، فَمَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ سَدًّا لِذَرِيعَةِ الزِّنَا، وَمِنْ هَذَا تَحْرِيمُ نِكَاحِ التَّحْلِيلِ الَّذِي لَا رَغْبَةَ لِلنَّفْسِ فِيهِ فِي إمْسَاكِ الْمَرْأَةِ وَإتِّخَاذِهَا زَوْجَةً بَلْ لَهُ وَطَرٌ فِيمَا يَقْضِيه بِمَنْزِلَةِ الزَّانِي فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الصُّورَةُ، وَمنْ ذَلِكَ تَحْرِيمُ نِكَاحِ المُتْعَةِ الَّذِي يَعْقِدُ فِيهِ المُتَمَتِّعُ عَلَى الْمَرْأَةِ مُدَّةً يَقْضِي وَطَرَهُ مِنْهَا فِيهَا؛ فَحَرَّمَ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ كُلَّهَا سَدًّا لِذَرِيعَةِ السِّفَاحِ، وَلَمْ يُبِحْ إلَّا عَقْدًا مُؤَبَّدًا يَقْصِدُ فِيهِ كُلُّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ المَقَامَ مَعَ صَاحِبِهِ وَيَكُونُ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ وَحُضُورِ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا مِنْ الْإِعْلَانِ؛ فَإِذَا تَدَبَّرْت حِكْمَةَ الشَّرِيعَةِ وَتَأَمَّلْتهَا حَقَّ التَّأَمُّلِ رَأَيْت تَحْرِيمَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ، هِيَ مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ وَكَمَالِهَا (٢). فهذه جملة من النواهي التي وردت في الشريعة الإسلامية سدًا لإثارة الغرائز وتهييج الشهوات حمايةً للمجتمع وصيانةً له من الوقوع في جريمة الزنا، فهذا باب في الشريعة مطرد، إذا حرم اللَّه شيئًا سد الأبواب الموصلة إليه، واللَّه أعلم (٣). ٨ - مخالفة الفطرة والحصاد المر .

стр. 5904

عندما نتأمل في مخلوقات اللَّه سترى بكل وضوح أن بني الإنسان قد استحوذوا علي حُلل الكرامة من العقل والعلم والبيان والنطق والشكل والصورة الحسنة والهيئة الشريفة واكتساب العلوم وغيرها من الأشياء التي فيها كرامة الإنسان (١)، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ (الإسراء: ٧٠)، ولما كان هذا التفضيل صارت خلافة الإنسان في الأرض لكن يعمرها ويشيدها ويتكاثر ويتناسل فيها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (البقرة: ٣٠). ولا شك أن الخلافة لا تتحقق ولا تزدهر إلا عن طريق النسل، ولا يكون النسل إلا إذا كان زوجان ذكر وأنثى ويكون بينهما سكن، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ (الروم: ٢١)، ولا سكون للزوجين إلا إذا ارتبطا بعقد شرعي (٢)، وفي هذه الآية الكريمة يضع القرآن الكريم الأساس السليم لبناء اللبنة الأولى في صرح المجتمع السوي، بل إنه ينبه الأذهان إلى نوع هام من الطب لم يفطن إليه العلماء إلا حديثًا عندما اتفقوا على ضرورة تعديل برامج التعليم الطبي في العالم عن طريق إدخال بعض العلوم المستحدثة في دراسة الطب وأهمها علم الطب الاجتماعي الذي يبحث عن بناء مجتمع صالح خال من الجهل والفقر والمرض والخوف والقلق (٣).

стр. 5905

ولما كان للأسرة أهمية بالغة في بناء المجتمع اهتم الإسلام بهذا الجانب اهتمامًا بالغًا ففتح باب الزواج على مصراعيه، وأغلق سائر الأبواب التي لا يأتي من ورائها إلا الخراب والدمار والضياع، فهناك ضحايا أبرياء من اللقطاء والأبناء غير الشرعيين لم يقترفوا ذنبًا سوى أنهم جاءوا إلى الحياة نتيجة الخطيئة ونظرة ملؤها الأحقاد والازدراء، ويعتبروا من المعوقين الذين تتولى الدولة رعايتهم، وقد يلجأ هؤلاء إلى الجريمة، وذلك كنتيجة محتمة لنفسيتهم المعقدة، ومن الصعب تقويم هؤلاء لأن إحساسهم بأنهم أتوا الحياة عن طريق البغاء يجعلهم ناقمين على المجتمع (١). هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن الشهوة الجنسية ليست غاية، بل هي وسيلة فإن الحكمة من الفرج عند الإنسان هي لإقامة النسل وخروج الفضلات (٢)، وقد شُرع الزواج لدفع غوائل الشهوة ولتحصين الفرج وإبقاء النسل، وفيه يحصل السكن بين الذكر والأنثى فصار في الزواج الكرامة والفطرة، فلما انخلع الإنسان من هذه الكرامة وهذه الفطرة كان الحصاد المر أن جعل اللَّه لمن يتخطى هذا الأمر من الإباحية والفجور أمراضًا عجز الأطباء أن يجدوا لها علاجًا، فتعتبر الأمراض الجنسية من أخطر الأمراض وأشدها فتكًا بالإنسان خصوصًا في هذا العصر، حيث تشير آخر التقارير لمنظمة الصحة العالمية أن الأمراض الجنسية هي أكثر الأمراض انتشارًا في العالم، وأنها أهم وأخطر المشاكل الصحية العاجلة التي تواجه دول الغرب، فعدد الإصابات في ارتفاع مستمر في كل الأعمار خصوصًا في مرحله الشباب. يقول د/ جولد: لقد حُسب أن في كل ثانية يصاب أربعة أشخاص بالأمراض الجنسية في العالم، هذا وفق الإحصائيات المسجلة والتي يقول عنها الدكتور (جورج كوس) أن

стр. 5906

الحالات المعلن عنها رسميًا لا تتعدى ربع أو عشر العدد الحقيقي (١)، وقد حدثنا النبي ﷺ : "أنه لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ في قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ التي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ في أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا" (٢). فلم يسبق أن اكتشف فيروس الإيدز وهو مرض فقدان المناعة المكتسبة، ولا عُرفت أعراضه قبل عام ١٩٨١ م حيث اكتشف المرض ثم الفيروس المسبب له عام ١٩٨٤ م، (٣) وبعد سلسلة طويلة من الافتراضات والنظريات والأبحاث في مراكز مختلفة من العالم توصل العلماء إلى اكتشاف الفيروس (٤)، دائري الشكل صغير الحجم يبلغ قطرة جزءًا واحدًا من عشرة آلاف جزء من المليمتر الواحد (١/ ١٠٠٠٠ من الملم)، وهو معقد التركيب فيه ما يميزه عن غيره من الفيروسات الأخرى، والإصابة بهذا الفيروس ليس أمرًا سهلًا، فهو لا ينتقل عن طريق الطعام أو الشراب أو الهواء، بل ينتقل بوسائط منها السائل المنوي، ويكون إما عن الشذوذ الجنسي أو الزنا أو غير ذلك (٥). وسبب هذا الفيروس التهابات انتهازية وسرطانات وهي كالآتي (٦): الالتهابات الطفيلية: ١ - التهاب الرئة الحاد (PCP) الذي يسببه (pneumocystis). ٢ - إسهالات لمدة طويلة يسببها (cryptosporidia). ٣ - إسهالات لمدة طويلة يسببها (isospora). ٤ - التهابات الدماغ والجهاز العصبي والرئتين بسبب (toxoplasma).

стр. 5907

الالتهابات الفطرية: ١ - التهاب المريء والقصبات الهوائية والحلق والرئتين بسبب (candidia). ٢ - التهاب الدماغ وأغشيته مع الرئتين بسبب (cryptococus). ٣ - التهابات حادة في المخيخ بسبب (aspergillus). ٤ - التهابات حادة ومنتشرة بسبب (histoplasmosis). ٥ - التهابات حادة ومنتشرة بسبب (coccidioidomycosis). < رمز>الالتهابات الفيروسية: ١ - التهابات المخ والعين والرئتين والقناة الهضمية بسبب (c.m.v). ٢ - التهابات الرئتين والقناة الهضمية والجلد بسبب (herpes). ٣ - التهابات أغشية الدماغ بسبب (hiv). ٤ - التهابات جلدية وفروة الرأس وسقوط الشعر بسبب (ebv). < رمز>الالتهابات البكتيرية: ١ - التهابات صعبة المعالجة تسببها أشباه جرثومة السل (atypical mycobacteria). ٢ - التهاب ذات الرئة. ٣ - مرض السل. ٤ - تجرثم الدم بالسالمونيلا. السرطانات: ١ - سرطان كابوسي. ٢ - سرطان الغدد اللمفاوية. ٣ - سرطان هوجكنز. ٤ - سرطان الفم والشرج.

стр. 5908

٥ - سرطان عنق الرحم. فتأمل هذا فيرس لا يكاد يُرى بالعين المجردة وهو من الحصاد المر الذي جاء من وراء الإباحية المطلقة لِمَا يسبب من الأمراض من التهابات وسرطانات وغير ذلك. إن الإيدز مرض يفضي إلى الموت، وليس لدى الأطباء ولا في المعامل أدوية مضادة حتى الآن، والإصابة به ترتبط في غالب صورها بممارسة الجنس بغير الطريق الذي رسمه لنا الشرع، لأن في شرع اللَّه الوقاية، والوقاية خير من العلاج، فما بالك بفيروس لا يوجد له علاج أصلًا، فحكمة رب العاملين فاقت ولا شك في ذلك عقول الناس أجمعين في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ (الإسراء: ٣٢)، ولا شك أن فضل اللَّه على الإسلام والمسلمين عظيم، حيث إن دول الشرق الأوسط من دول عربية وإسلامية لا يكاد ينتشر فيها هذا المرض، فهي أقل كثيرًا من باقي دول العالم، وقدَّرت منظمة الصحة العالمية أن كل يوم يصاب ١٦٠٠٠ إنسان بفيروس الإيدز ويموت في جنوب الصحراء الإفريقية يوميًا بمعدل ٥٥٠٠ إنسان من الإيدز، وأكثر المناطق في العالم يتزايد فيها الإيدز بعد إفريقيا هي دول أوروبا الشرقية والهند وروسيا وجنوب شرق أسيا، فهي براميل إيدز موقوتة انفجارها يهدد بخطر عظيم، ومعدل تكلفة المريض الواحد في أمريكا مائة ألف دولار (١). وكذلك من الأمراض التي تنتج عن المعاشرة الجنسية غير الشرعية هو (مرض الزُهري) *، عُرف هذا المرض مع نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، وهو عادة لا يصيب الإنسان كوباء جنسي، وتسببه جرثومة لولبية الشكل اسمها (تريبونيماباليديم) اكتشفها

стр. 5909

عام ١٩٠٥ العالمان سكاورن وهوفمان، وهي جرثومة صغيرة ودقيقة لا تُرى بالعين المجردة (١)، ويظهر هذا المرض على شكل (٢): ١ - طفح جلدي إما في منطقة محدودة من الجسم أو في كل أجزائه وبخاصة راحة اليد والقدم والفم وفتحة الشرج. ٢ - إفرازات صديدية من الأنف. ٣ - تضخم الكبد وتليفه، وتضخم الطحال أيضًا نتيجة لوجود العديد من التورمات الصمغية. ٤ - التهاب رئوي والتهاب بالأغشية المحيطة بالعظام. ٥ - وكذلك يعمل على فقدان حاسة السمع، ويؤثر على الجهاز العصبي المركزي. وفي عام ١٩٢٣ م قامت وزارة الصحة الأمريكية بدراسة غير إنسانية على ٦٠٠ مصاب بهذا المرض من الزنوج السود، وقد استمر ٤٠ عامًا دون أن تعالجهم، وسميت بدراسة (تسكيفي)، وقد نشر تفاصيلها الدكتور (ميلر) رئيس لجنة مكافحة الأمراض الجنسية في أطلانطا، وخلاصة هذه الدراسة أن لجنة البحث قد استنتجت أن هذا المرض (السفلس) ينتشر بالاتصال الجنسي ويؤدي إلى أضرارًا عدة ذكرناها منذ قليل (٣). وذكر البروفيسور (زنسر) أن من الأسباب التي أدت إلى ظهور أعداد هائلة من المصابين بهذا المرض يقول: كان أهمها على الإطلاق هي الحرية الجنسية ونظرة المجتمع المتراخية للجنس، وعدم الجدية في إيجاد ما ينظم علاقات الناس جنسيًا، ثم انتشار الزنا ودور البغاء والشذوذ الجنسي واللواط وازدياد ظهور الصراعات الجديدة في فنون الجنس خاصة عند المراهقين، ويذكر أن الملك هنري الثامن كان مصابًا بمرض السلفس من قبل

стр. 5910

زوجته الأولى، فرفضت الكنيسة طلاقه فأنشأ كنيسة خاصة حتى يبيح لنفسه الزواج بأخرى ليست حاملة للمرض، وذكر المؤرخون أن زوجته السادسة كانت غير مصابة بهذا المرض، وكذلك الملك تشارلز الثامن ملك فرنسا كان مصابًا بهذا المرض، بل وجميع أقاربه فتسبب ذلك في أن ينتقل العرش إلى أسرة حاكمة أخرى، وهذا المرض في تزايد وتضاعف مستمر ينتشر بطريقة عجيبة بسبب الفوضى الجنسية، وبسبب العقول العفنة التي تلهث وراء الجنس زنًا وشذوذًا وبغاءً، وفي بريطانيا زادت الإصابات بالسلفس ٦.٤٨% في السبع سنوات الأخيرة حسبما ورد في التقرير التحذيري الذي صدر عام ٢٠٠٥ (١). ومن الأمراض أيضًا (السيلان) وهو مرض من غضب اللَّه على الزناة، فهو يحدث عن طريق الملامسة الجنسية (٢)، وهو أكثر الأمراض البكتيرية المعدية انتشارًا في الوقت الحاضر، يُصاب به ٢٥٠: ٢٠٠ مليون شخص في كل عام معظمهم في ريعان الشباب، وعلاج المريض الواحد ٤٠٠: ٢٥٠ دولار، فإن مرض السيلان وحده يكلف العالم سنويًا أكثر من مائة مليار دولار، وهذا المرض تسببه جرثومة صغيرة جدًّا جدًّا لا تُرى بالعين المجردة تسمى (ناسيريا قنوريا - neisseria conorrhoae)، وهذا الجرثومة حساسة جدًّا للحرارة والجفاف فهي تموت بسرعة في درجة حرارة الغرفة، ورغم أن درجة حرارة الحيوانات تشبه درجة حرارة الإنسان إلا إنها لا تعيش إلا عليه، ولا تسبب مرض السيلان إلا له فقط دون مخلوقات اللَّه (٣). ومما يزيد الأمر تعقيدًا في مرض السيلان أن أعدادًا كثيرة جدًّا من المصابات لا تظهر عليهن علامات هذا المرض رغم أنهن معديات جدًّا، وبذلك لا يُعرف أمرهن إلا بعد أن

стр. 5911

يكن قد نقلن هذا المرض إلى أعداد كبيرة من الناس الذين ينقلونه شرقًا وغربًا (١)، وقد ذكرنا هذه الأمراض لشهرتها، فهناك أمراضًا أخرى لا تُعد ولا تُحصى، فمنها: (٢) مرض القرحة الرخوة، المرض الحبيبي الليمفاوي الجنسي، والورم الحبيبي الإربي، التهابات الإحليل المختلفة، التريكومانياسس، الكانددياسس، الجرب، مرض تقمل العانة، مرض المولوسكم الفيروسي المعدي، مرض هربس الجنسي، تآليل الأعضاء الجنسية المعدية، وينتج أيضًا: التهاب الشرج والمستقيم والتهاب الفرج، ويسبب أمراضًا معوية، والتهاب الكبد الفيروسي، وأمراض الفطريات الجلدية والأمراض الطفيلية المعوية. هذا من جانب الأمراض، فلو نظرنا من جانب الأموال التي تُنفق في سبيل دفع هذه الأضرار التي أحاطت ببني البشر لوجدنا عجبًا، فصدر عن مركز مراقبة الأوبئة في أطلنطا (cdc) عام ٢٠٠٥ ظهر أن الولايات المتحدة الأمريكية تنفق سنويًا ١٣ مليار دولار على ١٩ مليون إصابة جديدة سنويًا في الأمراض المنقولة جنسيًا (٣)، بل نجد منذ عام ١٩٤٦ أسست منظمة الصحة العالمية قسمًا خاصًا يسمى (قسم الأمراض المنقولة جنسيًا)، ويعني بجمع المعلومات ووضع التدابير والأبحاث اللازمة لحل مشكلة الأمراض المنقولة جنسيًا عالميًا، وقد خُصص لهذا القسم ميزانية خاصة، ووُظف له طاقم من الاختصاصيين والفنيين، وما زالت تصدر تقاريرها وصيحاتها بسبب هذا الهوث الجنسي المستمر (٤). فلا علاج ولا خروج من هذه الأوبئة الفتاكة إلا بالرجوع إلى الفطرة والإنسانية التي تتحلى بالكرامة التي من أجلها فضلنا على سائر الخلق، فهذه الأمراض والأوبئة لا تصيب إلا الإنسان الذي يخرج عن فطرته ويتخلى عن كرامته، ويكون لها القدرة العجيبة في

стр. 5912

اختراق جسد الإنسان وتصل الإصابة إلى عمق الأجهزة التناسلية، بل وإلى عموم الجسد، بعكس الحيوان قد يوجد نفس الفيروس عليه، ولكن لا يسبب له ضررًا، وهذه حكمته ، إذ العقل هو مناط التكليف، فلما كان الحيوان لا عقل له سقط عنه هذا الأمر، أما الإنسان لما تخلى عن عقله أصيب بهذا الفيروس بسبب اتصاله الجنسي (١). والنصوص الإسلامية تفيد أن من مقاصد الزواج في تشريع الإسلام تحصين الزوجين من الفساد السلوكي المترتب على الإباحية الجنسية، فإن المتزوج تقنع نفسه غالبًا بما أحل اللَّه له ولا يتعدى حدود اللَّه بانتهاك المحرمات، لذلك أمر النبي ﷺ القادر على تكاليف الزواج بالمبادرة إليه، فقال: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ (٢). ولتأكيد مقصد العفة الجنسية بين مقاصد الزواج يقول النبي ﷺ : "إِنَّ المَرْأَةَ تُقْبِلُ في صُورَةِ شَيْطَانٍ وَتُدْبِرُ في صُورَةِ شَيْطَانٍ فَإذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا في نَفْسِهِ" (٣). ويأمر الإنسان بممارسة النشاط الجنسي كاملًا في الزواج، ويُعتبر ذلك عملًا يؤجر عليه الزوجان، ويوصي بالملاطفة والمداعبة واستثارة الشهوة قبل الجماع، وقد نص القرآن نصًا جامعًا على حصر النشاط الجنسي في الزواج، واعتبار كل نشاط جنسي خارجه عدوانًا محرمًا، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ (المؤمنون ٥: ٧) (٤).

стр. 5913

فالإسلام لما كان دين الفطرة السوية لم ينكر غرائز الإنسان، ومنها الغريزة الجنسية، وإنما نظمها ووضع لها الشروط والقواعد الحضارية التي تلائم الإنسان المستمدة من تكريم خالقه إياه، فأخذ موقف الوسطية لأنه هو الدين الوسط ولم يطلق العنان، وإنما كبح جماح الشهوة حتى لا يلحق الإنسان بالحياة الحيوانية، فحلول الإسلام فيها الوسطية والاعتدال بلا إفراط ولا تفريط (١)، بل عالج القضايا من منطلق فطرة الإنسان وكرامته، فتأمل جيدًا حكمة العليم الخبير في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ (الإسر اء: ٣٢)، وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (الأنعام: ١٥١)، هذا عن عدم القرب فما بالك بالجريمة نفسها وإتيان الفعل نفسه، فلا شك أنه يسبب أضرارًا لا يعلمها إلا اللَّه، وقد رأينا بعضًا منها، وهو الحصاد المر الذي خلفه لنا كل من أطلق العنان لنفسه من أجل شهوة تنتهي في بضع دقائق، ولم يكبح جماحها كما أمر رب العزة . ٩ - الكتاب المقدس يشيع الفاحشة ويحض على الزنا . ما هي فائدة الكتب السماوية التي تأتي للبشرية عن طريق الأنبياء والرسل؟ لا شك أن الإجابة معروفة وجلية لكثير من الناس، فأي كتاب من عند اللَّه يشمل منافع ووصايا للتعليم والتقويم والتأديب، وهذا ما نص عليه الكتاب: "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللَّهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ" (تيموثاوس ٢ (٣/ ١٦). وها هو الكتاب نفسه يشيع الفاحشة ويحض على الزنا، ويحفل في طياته كثير من الممارسات الجنسية الآثمة، بل وتراها بالوصف الدقيق، وإن القلم ليستحي أن يكتب مثل هذه الألفاظ التي تخدش الحياء، ولكن الضرورة تدعو لذلك حتى يتبين للعاقل أنه أقرب

стр. 5914

من أن يكون كتابًا جنسيًا، ونسبته في أنه وحي من اللَّه هو محض افتراء وكذب، وأنه مقدس دعوى باطلة لا أساس لها من الصحة. وقد يظن الظان أنها حكت ذلك في باب النهر والتأديب والتبصر في عاقبة المجرمين، فالكتاب المقدس الذي حوى بين دفتيه عشرات النصوص القبيحة التي تمثل صورة لأدب الفراش والجنس المكشوف، كما تمتلئ بقصص العفن، مع تركيز على عنصر الجريمة، ثم قلَّ أن تجد عقوبة أو تحذيرًا على هذه الجريمة. فما الفائدة إذًا من ذكر هذا كله في كتاب يزعم النصارى واليهود أنه موحى به من اللَّه؟ ما الفائدة من ذكر عشر حالات من زنا المحارم في كتاب مقدس؟ والعجب أن كل هذه الحالات العشر تتعلق بالأنبياء وأبنائهم على حد زعمهم، ناهيك عن قصص الحب القذرة، فما الفائدة من ذكر كل هذه الإباحية المكشوفة (١). بل تتعجب عندما ترى نصًا صريحًا يأمر فيه الرب بالزنا، ففي (صموئيل الثاني ١٢/ ١١): هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا أُقِيمُ عَلَيْكَ الشَّرَّ مِنْ بَيْتِكَ، وَآخُذُ نِسَاءَكَ أَمَامَ عَيْنَيْكَ وَأُعْطِيهِنَّ لِقَرِيبِكَ، فَيَضْطَجعُ مَعَ نِسَائِكَ فِي عَيْنِ هذِهِ الشَّمْسِ. فلا غبار على أن يكون في مثل هذا الكتاب ما يساعد على الزنا وما يساعد على التهيج الجنسي. ونشيد الإنشاد أكبر دليل على ذلك، فهو من الأسفار المنسوبة إلى سليمان ﵇ على حد زعمهم. يقول ابن حزم: معناه شعر الأشعار وهو على الحقيقة هوس الأهواس لأنه كلام أحمق لا يعقل ولا يدري أحد منهم مراده إنما هو مرة يتغزل بمذكر ومرة يتغزل بمؤنث ومرة يأتي منه بلغم لزج بمنزلة ما يأتي به المصدوع والذي فسد دماغه وقد رأيت بعضهم يذهب إلى أنه رموز على الكيمياء وهذا وسواس آخر ظريف. . . هل في الملحدة أكثر من هذا وهل يضاف هذا الحمق إلى رجل معتدل فكيف إلى بني إسرائيل وهل هذا الإشراك صحيح وحاش للَّه أن يقول سليمان ﵇ هذا الكلام تاللَّه ما غبط أهل الإلحاد بإلحادهم إلا

стр. 5915

هذا ومثله ورأيت بعضهم يخرج هذا على أنه إنما أراد علم اللَّه تعالى. . . ولا يعجز من لا حياء له عن أن يقلب كل كلام إلى ما اشتهى بلا برهان ووصف الكلام عن موضعه ومعناه إلى معنى آخر لا يجوز إلا بدليل صحيح غير ممتنع المراد في اللغة (١). وتتعجب كل العجب عندما تسمع علماء النصارى يقولون كما جاء في التفسير التطبيقي: تزخر وسائل الإعلام الأجنبية الآن بقصص الغامرات الجنسية والعلاقات الجنسية بدون زواج، وأن الالتزام عفا عليه الزمن، والجنس الذي خلقه اللَّه وقال عنه أنه حسن، قد التوت به الأهواء وحولته إلى نشاط غير شرعي طارئ للإشباع الذاتي، وتحول الحب إلى شهوة، والعطاء إلى أخذ، والالتزام الدائم إلى شيء بلا قيود (٢). وسياق هذا الكلام سببه موضوع نشيد الإنشاد، والغرض منه أن يعرض لنا الرب الجنس الحسن الذي يكون بالزواج، وحتى تعلم مدى التلفيق والكذب ففي سفر نشيد الإنشاد الذي يحكي قصة عشق بين رجل وامرأة أن المرأة قالت: لَيْتَكَ كَأَخٍ لِي الرَّاضِعِ ثَدْيَيْ أُمِّي، فَأَجِدَكَ فِي الْخَارِجِ وَأُقَبِّلَكَ وَلَا يُخْزُونَنِي. ٢ وَأَقُودُكَ وَأَدْخُلُ بِكَ بَيْتَ أُمِّي، وَهِيَ تُعَلِّمُنِي، فَأَسْقِيكَ مِنَ الْخَمْرِ المَمْزُوجَةِ مِنْ سُلَافِ رُمَّانِي (نشيد الإنشاد: ٨/ ٢: ١). وحتى نعلم أنه عشق وليس زواج، وأنه دعوى للإباحية والشذوذ، وحتى لو كان زوجين، فإن صاحب الحياء والفطرة السليمة يستحي من أن يكون هذا الكلام بلسانه، فما بالك أنهم ينسبونه إلى رب العزة، وعلى لسان أحد أنبيائه فتقول بكل وقاحة (ليتك أخي) حتى لا تفتضح بهذا العشق، فهذه دعوى للشذوذ بين الأخوة، فكيف يكون قصة علاقة حميمة بين رجل وامرأة وقصة حب وود وزواج، وأن هذا هو الجنس والزواج الصحيح كما قصدهما اللَّه (٣).

стр. 5916

فما هو إلا كتابًا جنسيًا كسائر الكتب الجنسية التي تعرض قصصًا ومغامرات جنسية وهذه بعض النصوص في هذا السفر: (لِيُقَبِّلْنِي بِقُبْلَاتِ فَمِهِ، لأَنَّ حُبَّكَ أَطْيَبُ مِنَ الخَمْرِ - مَا أَجْمَلَ خَدَّيْكِ بِسُمُوطٍ، وَعُنُقَكِ بِقَلَائِدَ - صُرَّةُ المرِّ حَبِيبِي لِي. بَيْنَ ثَدْيَيَّ يَبِيتُ) هل هذا يليق بالكتاب المقدس، أين الحياء والفطرة، ثم تقول بعد ذلك: (ثَدْيَاكِ كَخِشْفَتَيْ ظَبْيَةٍ) ويقول أيضًا: (قَدْ دَخَلْتُ جَنَّتِي يَا أُخْتِي الْعَرُوسُ. قَطَفْتُ مُرِّي مَعَ طِيبِي. أَكَلْتُ شَهْدِي مَعَ عَسَلي. شَرِبْتُ خَمْرِي مَعَ لَبَنِي). أيها العاقلون باللَّه عليكم ما فائدة هذا الكلام إلا لاستثارة الشهوة، وهل هذا إلا لمخاطبة الضعفاء جنسيًا، ولعله ذلك فإن فطرة الإنسان قائمة فيها هذه الغريزة فلا شك أنه لمعالجة الضعف الجنسي عند البشر. ثم يعود المحبوب واصفًا محبوبته ويقول: مَا أَجْمَلَ رِجْلَيْكِ بِالنَّعْلَيْنِ يَا بِنْتَ الْكَرِيمِ! دَوَائِرُ فَخْذَيْكِ مِثْلُ الحَلِيِّ، صَنْعَةِ يَدَيْ صَنَّاعٍ. ٢ سُرَّتُكِ كَأْسٌ مُدَوَّرَةٌ، لَا يُعْوِزُهَا شَرَابٌ مَمْزُوجٌ. بَطْنُكِ صُبْرَةُ حِنْطَةٍ مُسَيَّجَةٌ بِالسَّوْسَنِ. ٣ ثَدْيَاكِ كَخَشْفَتَيْنِ، تَوْأَمَيْ ظَبْيَةٍ. ٤ عُنُقُكِ كَبُرْجٍ مِنْ عَاجٍ. عَيْنَاكِ كَالْبِرَكِ فِي حَشْبُونَ عِنْدَ بَابِ بَثِّ رَبِّيمَ. أَنْفُكِ كَبُرْج لُبْنَانَ النَّاظِرِ تُجَاهَ دِمَشْقَ. ٥ رَأْسُكِ عَلَيْكِ مِثْلُ الْكَرْمَلِ، وَشَعْرُ رَأْسِكِ كَأُرْجُوَانٍ. مَلِكٌ قَدْ أسِرَ بِالْخُصَلِ. ٦ مَا أَجْمَلَكِ وَمَا أَحْلَاكِ أَيَّتُهَا الحَبِيبَةُ بِاللَّذَّاتِ! ٧ قَامَتُكِ هذِهِ شَبِيهَةٌ بِالنَّخْلَةِ، وَثَدْيَاكِ بِالْعَنَاقِيدِ. ٨ قُلْتُ: "إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى النَّخْلَةِ وَأُمْسِكُ بِعُذُوقِهَا". وَتَكُونُ ثَدْيَاكِ كَعَنَاقِيدِ الْكَرْمِ، وَرَائِحَةُ أَنْفِكِ كَالتُّفَّاحِ، ٩ وَحَنَكُكِ كَأَجْوَدِ الْخَمْرِ. ويدعي منيس عبد النور أحد القساوسة ويقول: هذا السفر يصف مباهج الحياة الزوجية، ولا خطأ في الجنس الذي هو داخل إطار الزواج. ولو قرأ السفر فعلًا ما قال هذا الكلام، ويقول أيضًا: وقد بلغ من اعتزاز الكنيسة بهذا السفر أن قام القديس أوريجانوس في القرن الثالث الميلادي بتفسيره في عشرة مجلدات،

стр. 5917

ووجد في كل جملة من السفر معنى روحيًا. وفي القرن الثالث عشر كتب "برنارد أوف كليرفو" ٨٦ موعظة على آيات الإصحاحين الأول والثاني من هذا السفر (١). فلا عجب لهذا الكلام، فإن الكنيسة يوم اعتزت بهذا كانت الفضيحة والشذوذ والإباحية من داخلها، فتقول القديسة كثرين السينائية: "إنك أينما وليت وجهك - سواء نحو القساوسة أو الأساقفة أو غيرهم من رجال الدين أو الطوائف الدينية المختلفة، أو الأحبار من الطبقات الدنيا أو العليا، سواء كانوا صغارًا في السن أو كبارًا - لم تر إلا شرًا ورذيلة، تزكم أنفك رائحة الخطايا الآدمية البشعة. . إنهم كلهم ضيقوا العقل، شرهون، بخلاء. . تخلوا عن رعاية الأرواح. . اتخذوا بطونهم إلهًا لهم، يأكلون ويشربون في الولائم الصاخبة حيث يتمرغون في الأقذار ويقضون حياتهم في الفسق والفجور. ويصف ماستشيو الرهبان بأنهم: "خدم الشيطان، منغمسون في الفسق واللواط، والشره، وبيع الوظائف الدينية، والخروج على الدين، ويقر بأنه وجد رجال الجيش أرقى خلقًا من رجال الدين". ويذكر بورانت: سجلات الأديرة على عشرين مجلدًا من المحاكمات بسبب الاتصال الجنسي بين الرهبان والراهبات (٢). ولقد رأينا أكبر حالات الزنا تأتي من المتبتلين في الكنيسة من الرؤوس وحتى الحراس ولعل حياة البابا إسكندر السادس تصور مدى الفساد الذي استحوذ على حياة البابوات، فقد اتخذ له عشيقة موفورة الجمال صغيرة السن اغتصبها من خطيبها واحتفظ بها بعد ارتقائه كرسي البابوية، وإلى جانب ذلك فقد كان شديد الولع بالفتيات ويظل مشدوهًا بمنظر الفتيات شبه العاريات وهن يرقصن أمامه (٣).

стр. 5918

وهكذا تتضح حقيقة الكنيسة التي هي طارئة على المسيحية والتي تعتز بهذا النشيد الجنسي الذي أفضى إلى فساد رجال الدين فيها، وجعلهم في موقف حرج أمام العالم، فماذا يتعلم القارئ من نشيد الإنشاد، ففي مقدمة الآباء اليسوعيين: "لا يقرأ نشيد الإنشاد إلا القليل من المؤمنين، لأنه لا يلائمهم كثيرًا" (١). فنشيد الإنشاد لاشك هو مصدر إلهام لمن يسلك طريق الغزل الجنسي الفاضح والسؤال: هل يجرؤ الآباء بقراءة هذا الكلام في القداس أمام الرجال والنساء؟ (٢). بل ترى بكل جرأة من يدافع عن هذا السفر الجنسي الفاضح، فيرد منيس عبد النور قائلًا: أما عن أسلوب السفر وتسمية صاحب السؤال له أنه أدب مكشوف، فهو ظلم للكاتب، الذي عاش في عصر غير عصرنا، اعتاد أهل عصره على مثل هذه التعبيرات (٣). أي عصر هذا؟ ، عصر الإباحية والشذوذ والتفلت الأخلاقي، وعندما يفسرون هذا السفر تراهم متخبطين في التفسير، فيقولون: هناك ثلاث طرق لتفسير سفر نشيد الإنشاد: التفسير الحرفي: ويقول إن نشيد الإنشاد قصيدة حب بين الملك سليمان وزوجته، ولو أن المفسرين لا يعرفون أية زوجة قصد من بين زوجاته السبعمائة وسراريه الثلاثمائة (١ ملوك ١١: ٣)، ويقول بعضهم إنه قصد زوجته ابنة فرعون (١ ملوك ١١: ١)، ويقول غيرهم إنها فتاة بسيطة اسمها شولميث (نشيد ٦: ١٣). فالسفر في رأيهم قصيدة محبة لزوجة، تعلِّمنا قداسة الزواج ونقاوته وجماله. التفسير الرمزي: ويهدف للتخلُّص من الأوصاف البدنية للمرأة التي أحبها الملك. التفسير النبوي: وقد أدخله إلى الفكر الكنسي كلٌّ من أوريجانوس وهيبوبوليتس، ويقول إن السفر نبوَّة عن مجيء المسيح وإعلان محبته للكنيسة (٤).

стр. 5919

فلا شك أن هذا كله تخبط ولا يبرره إلا الهروب من هذه الفضائح الجنسية. وكما ورد في التفسير التطبيقي (أن الأسفار الإلهية تحتوى على العديد من الإرشادات المختصة بالعلاقة الجنسية) (١)، فهذه بعض الإرشادات التي هي في الواقع إباحية مطلقه وشيوع للفاحشة: في صموئيل الثاني وردت هذه الفضيحة: وَجَرَى بَعْدَ ذلِكَ أَنَّهُ كَانَ لأَبْشَالُومَ بْنِ دَاوُدَ أُخْتٌ جَمِيلَةٌ اسْمُهَا ثَامَارُ، فَأَحَبَّهَا أَمْنُونُ بْنُ دَاوُدَ. ٢ وَأُحْصِرَ أَمْنُونُ لِلسُّقْمِ مِنْ أَجْلِ ثَامَارَ أُخْتِهِ لأَنَّهَا كَانَتْ عَذْرَاءَ، وَعَسُرَ فِي عَيْنَيْ أَمْنُونَ أَنْ يَفْعَلَ لَهَا شَيْئًا. ٣ وَكَانَ لأَمْنُونَ صَاحِبٌ اسْمُهُ يُونَادَابُ بْنُ شِمْعَى أَخِي دَاوُدَ. وَكَانَ يُونَادَابُ رَجُلًا حَكِيمًا جدًّا. ٤ فَقَالَ لَهُ: "لمِاذَا يَا ابْنَ المُلِكِ أَنْتَ ضَعِيفٌ هكَذَا مِنْ صَبَاحٍ إِلَى صَبَاحٍ؟ أَمَا تُخْبِرُنِي؟ " فَقَالَ لَهُ أَمْنُونُ: "إِنِّي أُحِبُّ ثَامَارَ أُخْتَ أَبْشَالُومَ أَخِي". ٥ فَقَالَ يُونَادَابُ: "اضْطَجعْ عَلَى سَرِيرِكَ وَتَمَارَضْ. وَإِذَا جَاءَ أَبُوكَ لِيَرَاكَ فَقُلْ لَهُ: دَعْ ثَامَارَ أُخْتِي فَتَأْتِيَ وَتُطْعِمَنِي خُبْزًا، وَتَعْمَلَ أَمَامِي الطَّعَامَ لأَرَى فَآكُلَ مِنْ يَدِهَا". ٦ فَاضْطَجَعَ أَمْنُونُ وَتَمَارَضَ، فَجَاءَ الْمَلِكُ لِيَرَاهُ. فَقَالَ أَمْنُونُ لِلْمَلِكِ: "دَعْ ثَامَارَ أُخْتِي فَتَأْتِيَ وَتَصْنَعَ أَمَامِي كَعْكَتَيْنِ فَآكُلَ مِنْ يَدِهَا". ٧ فَأَرْسَلَ دَاوُدُ إِلَى ثَامَارَ إِلَى الْبَيْتِ قَائِلًا: "اذْهَبِي إِلَى بَيْتِ أَمْنُونَ أَخِيكِ وَاعْمَلِي لَهُ طَعَامًا". ٦ فَذَهَبَتْ ثَامَارُ إِلَى بَيْتِ أَمْنُونَ أَخِيهَا وَهُوَ مُضْطَجِعٌ. وَأَخَذَتِ الْعَجِينَ وعَجَنَتْ وَعَمِلَتْ كَعْكًا أَمَامَهُ وَخَبَزَتِ الْكَعْكَ، ٩ وَأَخَذَتِ المِقْلَاةَ وَسَكَبَتْ أَمَامَهُ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ. وَقَالَ أَمْنُونُ: "أَخْرِجُوا كُلَّ إِنْسَانٍ عَنِّي". فَخَرَجَ كُلُّ إِنْسَانٍ عَنْهُ. ١٠ ثُمَّ قَالَ أَمْنُونُ لِثَامَارَ: "ايتِي بِالطَّعَامِ إِلَى المِخْدَعِ فَآكُلَ مِنْ يَدِكِ". فَأَخَذَتْ ثَامَارُ الْكَعْكَ الَّذِي عَمِلَتْهُ وَأَتَتْ بِهِ أَمْنُونَ أَخَاهَا إِلَى المِخْدَعِ. ١١ وَقَدَّمَتْ لَهُ لِيَأْكُلَ، فَأَمْسَكَهَا وَقَالَ لَهَا: "تَعَالِي اضْطَجِعِي مَعِي يَا أُخْتِي". ١٢ فَقَالَتْ لَهُ: "لَا يَا أَخِي، لَا تُذِلَّنِي لأَنَّهُ لَا يُفْعَلُ

стр. 5920

هكَذَا فِي إِسْرَائِيلَ. لَا تَعْمَلْ هذِهِ الْقَبَاحَةَ. ١٣ أَمَّا أَنَا فَأَيْنَ أَذْهَبُ بِعَارِي؟ وَأَمَّا أَنْتَ فَتَكُونُ كَوَاحِدٍ مِنَ السُّفَهَاءِ فِي إِسْرَائِيلَ! وَالآنَ كَلِّمِ الْمَلِكَ لأَنَّهُ لَا يَمْنَعُنِي مِنْكَ". ١٤ فَلَمْ يَشَأْ أَنْ يَسْمَعَ لِصَوْتِهَا، بَلْ تَمَكَّنَ مِنْهَا وَقَهَرَهَا وَاضْطَجَعَ مَعَهَا. ١٥ ثُمَّ أَبْغَضَهَا أَمْنُونُ بُغْضَةً شَدِيدَةً جدًّا، حَتَّى إِنَّ الْبُغْضَةَ الَّتِي أَبْغَضَهَا إِيَّاهَا كَانَتْ أَشَدَّ مِنَ المَحَبَّةِ الَّتِي أَحَبَّهَا إِيَّاهَا. وَقَالَ لَهَا أَمْنُونُ: "قُومِي انْطَلِقِي". ١٦ فَقَالَتْ لَهُ: "لَا سَبَبَ! هذَا الشَّرُّ بِطَرْدِكَ إِيَّايَ هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ الَّذِي عَمِلْتَهُ بِي". فَلَمْ يَشَأْ أَنْ يَسْمَعَ لَهَا، ١٧ بَلْ دَعَا غُلَامَهُ الَّذِي كَانَ يَخْدِمُهُ وَقَالَ: "اطْرُدْ هذِهِ عَنِّي خَارِجًا وَأَقْفِلِ الْبَابَ وَرَاءَهَا". ١٨ وَكَانَ عَلَيْهَا ثَوْبٌ مُلوَّنٌ، لأَنَّ بَنَاتِ المَلِكِ الْعَذَارَى كُنَّ يَلْبَسْنَ جُبَّاتٍ مِثْلَ هذهِ. فَأَخْرَجَهَا خَادِمُهُ إِلَى الْخَارِجِ وَأَقْفَلَ الْبَابَ وَرَاءَهَا. ١٩ فَجَعَلَتْ ثَامَارُ رَمَادًا عَلَى رَأْسِهَا، وَمَزَّقَتِ الثَّوْبَ المُلَوَّنَ الَّذِي عَلَيْهَا، وَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى رَأْسِهَا وَكَانَتْ تَذْهَبُ صَارِخَةً. ٢٠ فَقَالَ لَهَا أَبْشَالُومُ أَخُوهَا: "هَلْ كَانَ أَمْنُونُ أَخُوكِ مَعَكِ؟ فَالآنَ يَا أُخْتِي اسْكُتِي. أَخُوكِ هُوَ. لَا تَضَعِي قَلْبَكِ عَلَى هذَا الأَمْرِ". فَأَقَامَتْ ثَامَارُ مُسْتَوْحِشَةً فِي بَيْتِ أَبْشَالُومَ أَخِيهَا. ٢١ وَلَمَّا سَمِعَ المَلِكُ دَاوُدُ بِجَمِيعِ هذِهِ الأُمُورِ اغْتَاظَ جدًّا. ٢٢ وَلَمْ يُكَلِّمْ أَبْشَالُومُ أَمْنُونَ بِشَرّ وَلَا بِخَيْرٍ، لأَنَّ أَبْشَالُومَ أَبْغَضَ أَمْنُونَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَذَلَّ ثَامَارَ أُخْتَهُ. صموئيل الثاني (١٣/ ١ - ٢٢). فهل يليق بالكتاب الذي هو من عند اللَّه أن يأتي بهذا التفصيل وهذه الإباحية المطلقة، بل تتعجب كل العجب حينما تسمع أن داود لما علم أغتاظ جدًّا ولم يفعل شيء وكذلك ابشالوم ما تكلم لا بشر ولا خير فما وجه الاستفادة من هذه الفضيحة إلا شيوع الفاحشة في المجتمعات والشذوذ والانحلال. وفي حزقيال (كان هذا الشذوذ بين أختين زانيتين): وَكَانَ إِلَيَّ كَلَامُ الرَّبِّ قَائِلًا: ٢ "يَا ابْنَ آدَمَ، كَانَ امْرَأَتَانِ ابْنَتَا أُمٍّ وَاحِدَةٍ، ٣ وَزَنَتَا بِمِصْرَ. فِي صِبَاهُمَا زَنَتَا. هُنَاكَ دُغْدِغَتْ ثُدِيُّهُمَا، وَهُنَاكَ تَزَغْزَغَتْ تَرَائِبُ عُذْرَتِهَما. ٤ وَاسْمُهُمَا: أُهُولَةُ الْكَبِيرَةُ، وَأُهُولِيبَةُ أُخْتُهَا. وَكَانَتَا لِي، وَوَلَدَتَا بَنِينَ وَبَنَاتٍ. وَاسْمَاهُمَا: السَّامِرَةُ "أُهُولَةُ"، وَأُورُشَلِيمُ "أُهُولِييَةُ". ٥ وَزَنَتْ أُهُولَةُ مِنْ تَحْتِي وَعَشِقَتْ
следующие страницы →