فما هو إلا كتابًا جنسيًا كسائر الكتب الجنسية التي تعرض قصصًا ومغامرات جنسية وهذه بعض النصوص في هذا السفر: (لِيُقَبِّلْنِي بِقُبْلَاتِ فَمِهِ، لأَنَّ حُبَّكَ أَطْيَبُ مِنَ الخَمْرِ - مَا أَجْمَلَ خَدَّيْكِ بِسُمُوطٍ، وَعُنُقَكِ بِقَلَائِدَ - صُرَّةُ المرِّ حَبِيبِي لِي. بَيْنَ ثَدْيَيَّ يَبِيتُ) هل هذا يليق بالكتاب المقدس، أين الحياء والفطرة، ثم تقول بعد ذلك: (ثَدْيَاكِ كَخِشْفَتَيْ ظَبْيَةٍ) ويقول أيضًا: (قَدْ دَخَلْتُ جَنَّتِي يَا أُخْتِي الْعَرُوسُ. قَطَفْتُ مُرِّي مَعَ طِيبِي. أَكَلْتُ شَهْدِي مَعَ عَسَلي. شَرِبْتُ خَمْرِي مَعَ لَبَنِي).
أيها العاقلون باللَّه عليكم ما فائدة هذا الكلام إلا لاستثارة الشهوة، وهل هذا إلا لمخاطبة الضعفاء جنسيًا، ولعله ذلك فإن فطرة الإنسان قائمة فيها هذه الغريزة فلا شك أنه لمعالجة الضعف الجنسي عند البشر.
ثم يعود المحبوب واصفًا محبوبته ويقول: مَا أَجْمَلَ رِجْلَيْكِ بِالنَّعْلَيْنِ يَا بِنْتَ الْكَرِيمِ! دَوَائِرُ فَخْذَيْكِ مِثْلُ الحَلِيِّ، صَنْعَةِ يَدَيْ صَنَّاعٍ. ٢ سُرَّتُكِ كَأْسٌ مُدَوَّرَةٌ، لَا يُعْوِزُهَا شَرَابٌ مَمْزُوجٌ. بَطْنُكِ صُبْرَةُ حِنْطَةٍ مُسَيَّجَةٌ بِالسَّوْسَنِ. ٣ ثَدْيَاكِ كَخَشْفَتَيْنِ، تَوْأَمَيْ ظَبْيَةٍ. ٤ عُنُقُكِ كَبُرْجٍ مِنْ عَاجٍ. عَيْنَاكِ كَالْبِرَكِ فِي حَشْبُونَ عِنْدَ بَابِ بَثِّ رَبِّيمَ. أَنْفُكِ كَبُرْج لُبْنَانَ النَّاظِرِ تُجَاهَ دِمَشْقَ. ٥ رَأْسُكِ عَلَيْكِ مِثْلُ الْكَرْمَلِ، وَشَعْرُ رَأْسِكِ كَأُرْجُوَانٍ. مَلِكٌ قَدْ أسِرَ بِالْخُصَلِ. ٦ مَا أَجْمَلَكِ وَمَا أَحْلَاكِ أَيَّتُهَا الحَبِيبَةُ بِاللَّذَّاتِ! ٧ قَامَتُكِ هذِهِ شَبِيهَةٌ بِالنَّخْلَةِ، وَثَدْيَاكِ بِالْعَنَاقِيدِ. ٨ قُلْتُ: "إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى النَّخْلَةِ وَأُمْسِكُ بِعُذُوقِهَا". وَتَكُونُ ثَدْيَاكِ كَعَنَاقِيدِ الْكَرْمِ، وَرَائِحَةُ أَنْفِكِ كَالتُّفَّاحِ، ٩ وَحَنَكُكِ كَأَجْوَدِ الْخَمْرِ.
ويدعي منيس عبد النور أحد القساوسة ويقول: هذا السفر يصف مباهج الحياة الزوجية، ولا خطأ في الجنس الذي هو داخل إطار الزواج.
ولو قرأ السفر فعلًا ما قال هذا الكلام، ويقول أيضًا: وقد بلغ من اعتزاز الكنيسة بهذا السفر أن قام القديس أوريجانوس في القرن الثالث الميلادي بتفسيره في عشرة مجلدات،
стр. 5917
ووجد في كل جملة من السفر معنى روحيًا. وفي القرن الثالث عشر كتب "برنارد أوف كليرفو" ٨٦ موعظة على آيات الإصحاحين الأول والثاني من هذا السفر (١).
فلا عجب لهذا الكلام، فإن الكنيسة يوم اعتزت بهذا كانت الفضيحة والشذوذ والإباحية من داخلها، فتقول القديسة كثرين السينائية: "إنك أينما وليت وجهك - سواء نحو القساوسة أو الأساقفة أو غيرهم من رجال الدين أو الطوائف الدينية المختلفة، أو الأحبار من الطبقات الدنيا أو العليا، سواء كانوا صغارًا في السن أو كبارًا - لم تر إلا شرًا ورذيلة، تزكم أنفك رائحة الخطايا الآدمية البشعة. . إنهم كلهم ضيقوا العقل، شرهون، بخلاء. . تخلوا عن رعاية الأرواح. . اتخذوا بطونهم إلهًا لهم، يأكلون ويشربون في الولائم الصاخبة حيث يتمرغون في الأقذار ويقضون حياتهم في الفسق والفجور.
ويصف ماستشيو الرهبان بأنهم: "خدم الشيطان، منغمسون في الفسق واللواط، والشره، وبيع الوظائف الدينية، والخروج على الدين، ويقر بأنه وجد رجال الجيش أرقى خلقًا من رجال الدين".
ويذكر بورانت: سجلات الأديرة على عشرين مجلدًا من المحاكمات بسبب الاتصال الجنسي بين الرهبان والراهبات (٢).
ولقد رأينا أكبر حالات الزنا تأتي من المتبتلين في الكنيسة من الرؤوس وحتى الحراس ولعل حياة البابا إسكندر السادس تصور مدى الفساد الذي استحوذ على حياة البابوات، فقد اتخذ له عشيقة موفورة الجمال صغيرة السن اغتصبها من خطيبها واحتفظ بها بعد ارتقائه كرسي البابوية، وإلى جانب ذلك فقد كان شديد الولع بالفتيات ويظل مشدوهًا بمنظر الفتيات شبه العاريات وهن يرقصن أمامه (٣).
стр. 5918
وهكذا تتضح حقيقة الكنيسة التي هي طارئة على المسيحية والتي تعتز بهذا النشيد الجنسي الذي أفضى إلى فساد رجال الدين فيها، وجعلهم في موقف حرج أمام العالم، فماذا يتعلم القارئ من نشيد الإنشاد، ففي مقدمة الآباء اليسوعيين: "لا يقرأ نشيد الإنشاد إلا القليل من المؤمنين، لأنه لا يلائمهم كثيرًا" (١).
فنشيد الإنشاد لاشك هو مصدر إلهام لمن يسلك طريق الغزل الجنسي الفاضح والسؤال: هل يجرؤ الآباء بقراءة هذا الكلام في القداس أمام الرجال والنساء؟ (٢).
بل ترى بكل جرأة من يدافع عن هذا السفر الجنسي الفاضح، فيرد منيس عبد النور قائلًا: أما عن أسلوب السفر وتسمية صاحب السؤال له أنه أدب مكشوف، فهو ظلم للكاتب، الذي عاش في عصر غير عصرنا، اعتاد أهل عصره على مثل هذه التعبيرات (٣).
أي عصر هذا؟ ، عصر الإباحية والشذوذ والتفلت الأخلاقي، وعندما يفسرون هذا السفر تراهم متخبطين في التفسير، فيقولون: هناك ثلاث طرق لتفسير سفر نشيد الإنشاد: التفسير الحرفي: ويقول إن نشيد الإنشاد قصيدة حب بين الملك سليمان وزوجته، ولو أن المفسرين لا يعرفون أية زوجة قصد من بين زوجاته السبعمائة وسراريه الثلاثمائة (١ ملوك ١١: ٣)، ويقول بعضهم إنه قصد زوجته ابنة فرعون (١ ملوك ١١: ١)، ويقول غيرهم إنها فتاة بسيطة اسمها شولميث (نشيد ٦: ١٣). فالسفر في رأيهم قصيدة محبة لزوجة، تعلِّمنا قداسة الزواج ونقاوته وجماله.
التفسير الرمزي: ويهدف للتخلُّص من الأوصاف البدنية للمرأة التي أحبها الملك.
التفسير النبوي: وقد أدخله إلى الفكر الكنسي كلٌّ من أوريجانوس وهيبوبوليتس، ويقول إن السفر نبوَّة عن مجيء المسيح وإعلان محبته للكنيسة (٤).
المبحث [*] الثاني: الرد على الشبهات
الشبهة الأولى: حد الزنا في الإسلام .
نص الشبهة:
جاء في سورة النور: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾.
والسؤال: هل إيقاع هذه العقوبة علنًا يصلح المخطئ ويطهر قلبه، ونسأل أيضًا: أليس الأجدر أن يعالج أمثال هؤلاء المذنبين بروح الوداعة والشفقة، والمسيحية لا تأمر بجلد المخطئ، بل بمفرده من الجماعة تخجيلًا له، ثم قبوله والترحيب به إذا ندم وأعلن توبته.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
الوجه الثاني: في العلة من نهي العباد من أن تأخذهم رأفة بالزناة.
الوجه الثالث: العلة من قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وفيه:
أولًا: في بيان كم هذه الطائفة التي تشهد الحد.
ثانيًا: في بيان العلة من حضور الطائفة.
الوجه الرابع: الحد ثابت في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال الطبري: أي: لا تأخذكم بالزاني والزانية أيها المؤمنون من أخذ الرأفة بهما، فقال بعضهم: هو ترك إقامة حدّ اللَّه عليهما، فأما إذا أقيم عليهما الحد فلم تأخذهم بهما رأفة في
стр. 5927
دين اللَّه، وقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ فتخفِّفوا الضرب عنهما، ولكن أوجعوهما ضربًا (١).
ثم قال: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا تأخذكم بهما رأفة في إقامة حدّ اللَّه عليهما الذي افترض عليكم إقامته عليهما.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب، لدلالة قول اللَّه بعده: "في دين اللَّه"، يعني في طاعة اللَّه التي أمركم بها. ومعلوم أن دين اللَّه الذي أمر به في الزانيين: إقامة الحد عليهما، على ما أمر من جلد كل واحد منهما مئة جلدة، مع أن الشدّة في الضرب لا حدّ لها يوقف عليه، وكل ضرب أوجع فهو شديد، وليس للذي يوجع في الشدة حدّ لا زيادة فيه فيؤمر به. وغير جائز وصفه جلّ ثناؤه بأنه أمر بما لا سبيل للمأمور به إلى معرفته، وإذا كان ذلك كذلك، فالذي للمأمورين إلى معرفته السبيل، هو عدد الجلد على ما أمر به، وذلك هو إقامة الحد على ما قلنا. وللعرب في الرأفة لغتان: الرأفة بتسكين الهمزة، والرآفة بمدها، كالسأمة والسآمة، والكأبة والكآبة. وكأن الرأفة المرّة الواحدة، والرآفة المصدر، كما قيل: ضؤل ضآلة مثل فعل فعالة، وقبح قباحة (٢).
стр. 5928
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ يقول: إن كنتم تصدّقون باللَّه ربكم وباليوم الآخر، وأنكم فيه مبعوثون لحشر القيامة، وللثواب والعقاب، فإن من كان بذلك مصدّقا، فإنه لا يخالف اللَّه في أمره ونهيه؛ خوف عقابه على معاصيه. وقوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: وليحضر جلد الزانيين البكرين وحدّهما إذا أقيم عليهما طائفة من المؤمنين. والعرب تسمي الواحد فما زاد: طائفة. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول: من أهل الإيمان باللَّه ورسوله (١).
وقال ابن كثير: وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: فافعلوا ذلك: أقيموا الحدود على من زنى، وشددوا عليه الضرب، ولكن ليس مبرِّحًا؛ ليرتدع هو ومن يصنع مثله بذلك. وقد جاء في المسند عن بعض الصحابة أنه قال: يا رسول اللَّه، إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال: "ولك في ذلك أجر".
وقوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: هذا فيه تنكيل للزانيين إذا جُلِدا بحضرة الناس، فإن ذلك يكون أبلغ في زجرهما، وأنجع في ردعهما، فإن في ذلك تقريعًا وتوبيخًا وفضيحة إذا كان الناس حضورًا (٢).
وقال السعدي: ونهانا تعالى أن تأخذنا رأفة (بهما) في دين اللَّه، تمنعنا من إقامة الحد عليهم، سواء رأفة طبيعية، أو لأجل قرابة أو صداقة أو غير ذلك، وأن الإيمان موجب لانتفاء هذه الرأفة المانعة من إقامة أمر اللَّه، فرحمته حقيقة، بإقامة حد اللَّه عليه، فنحن وإن رحمناه لجريان القدر عليه، فلا نرحمه من هذا الجانب، وأمر تعالى أن يحضر عذاب الزانيين طائفة، أي: جماعة من المؤمنين، ليثتهر ويحصل بذلك الخزي والارتداع، وليشاهدوا الحد
стр. 5929
فعلًا فإن مشاهدة أحكام الشرع بالفعل، مما يقوى بها العلم، ويستقر به الفهم، ويكون أقرب لإصابة الصواب، فلا يزاد فيه ولا ينقص، واللَّه أعلم (١).
الوجه الثاني: في العلة من نهي العباد عن أن تأخذهم رأفة بالزناة .
ذكر ابن القيم: أن اللَّه سبحانه خص حد الزنا من بين الحدود بثلاث خصائص، منها: أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه بحيث تمنعهم من إقامة الحد عليهم، فإنه سبحانه من رأفته بهم ورحمته بهم شرع هذه العقوبة فهو أرحم بكم منكم بهم ولم تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة فلا يمنعكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من الرأفة من إقامة أمره (٢).
تم تكلم عن الحكمة من تشريع هذه الخاصية فقال: وهذا وإن كان عامًا في سائر الحدود ولكن ذكر في حد الزنا خاصة لشدة الحاجة إلى ذكره فإن الناس لا يجدون في قلوبهم من الغلظة والقسوة على الزاني ما يجدونه على السارق والقاذف وشارب الخمر فقلوبهم ترحم الزاني أكثر مما ترحم! من أرباب الجرائم والوقائع والواقع مما بعد ذلك فنهوا أن تأخذهم هذه الرأفة وتحملهم على تعطيل حد اللَّه ، وسبب هذه الرحمة أن هذا ذنب يقع من الأشراف والأوساط والأراذل وفي النفوس أقوى الدواعي إليه والمشارك فيه كثير وأكثر أسبابه العشق، والقلوب مجبولة على رحمة العاشق وكثير من الناس يعد مساعدته طاعة وقربه، وإن كانت الصورة المعشوقة محرمة عليها ولا يستنكر هذا الأمر فهو مستقر عند من شاء اللَّه من أشباه الأنعام، ولقد حكى لنا من ذلك شيء كثيرًا كثرة عن ناقصي العقول والأديان كالخدم والنساء، وأيضًا فإن هذا ذنب غالب ما يقع مع التراضي من الجانين فلا يقع فيه من العدوان والظلم والاغتصاب ما تنفر النفوس منه. وفيها شهوة غالبة له فتصور ذلك لنفسها فتقوم بها رحمة تمنع
стр. 5930
إقامة الحد وهذا كله من ضعف الإيمان، وكمال الإيمان أن تقوم به قوة يقيم أمر اللَّه ورحمة يرحم بها المحدود فيكون موافقًا لربه ورحمته (١).
فإن من رحمة اللَّه على عباده إقامة الحد فلا يسقط الحد لعل ذلك تطهيرًا لهم ورحمة لهم.
قال أبو بكر الجزائري: لا تشفقوا عليهما فتعطلوا حَدَّ اللَّه تعالى وتحرموهما من التطهير بهذا الحد لأن الحدود كفارة لأصحابها (٢).
وقال السعدي: ونهانا تعالى أن تأخذنا رأفة بهما في دين اللَّه، تمنعنا من إقامة الحد عليهم، سواء رأفة طبيعية، أو لأجل قرابة أو صداقة أو غير ذلك، وأن الإيمان موجب لانتفاء هذه الرأفة المانعة من إقامة أمر اللَّه، فرحمته حقيقة، بإقامة حد اللَّه عليه، فنحن وإن رحمناه لجريان القدر عليه، فلا نرحمه من هذا الجانب (٣). فالحدود مقدَّرة من عند اللَّه .
وأورد القرطبي في معنى قريب لذلك من الحكمة والعلة من هذا الأمر فقال: نص اللَّه تعالى على عدد الجلد في الزنى والقذف، وثبت التوقيف في الخمر على ثمانين من فعل عمر في جميع الصحابة، فلا يجوز أن يتعدى الحد في ذلك كله (٤).
ثم نقل كلامًا لابن العربي في تهاون الناس والجرأة على المعاصي، فقال ابن العربي:
وَهَذَا مَا لَمْ يَتَتَابَعْ النَّاسُ فِي الشَّرِّ، وَلَا احْلَوْلَتْ لَهُمْ المُعَاصِي، حَتَّى يَتَّخِذُوهَا ضرَاوَةً (معناها: العادة) (٥)، وَيَعْطِفُ النَّاسُ عَلَيْهِمْ بِالْهَوَادَةِ، فَلَا يَتَنَاهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ؛ فَحِينَئِذٍ تَتَعَيَّنُ الشِّدَّةُ، وَيَزِيدُ الحَدُّ، لِأَجْلِ زِيَادَةِ الذَّنْبِ.
وَقَدْ أُتِيَ عُمَرُ بِسَكْرَانٍ فِي رَمَضَانَ، فَضَرَبَهُ مِائَةً: ثَمَانِينَ حَدُّ الْخَمْرِ، وَعِشْرِينَ لِهَتْكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ؛ فَهَكَذَا يَجِبُ أَنْ تَتَرَكَّبَ الْعُقُوبَاتُ عَلَى تَغْلِيظِ الجِنَايَاتِ، وَهَتْكِ الحُرُمَاتِ.
стр. 5931
وَقَدْ لَعِبَ رَجُلٌ بِصَبِيٍّ، فَضَرَبَهُ الْوَالِي ثَلَاثَمِائَةِ سَوْطٍ، فَلَمْ يُغَيِّرْ ذَلِكَ مَالِكًا حِينَ بَلَغَهُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَى زَمَانَنَا هَذَا بِهَتْكِ الْحُرُمَاتِ وَالِاسْتِهْتَارِ بِالْمَعَاصِي، وَالتَّظَاهُرِ بِالمَنَاكِرِ، وَبَيْعِ الحُدُودِ، وَاسْتِيفَاءِ الْعَبِيدِ لَهَا فِي مَنْصِبِ الْقُضَاةِ؟ ؛ لمَاتَ كَمِدًا، وَلَمْ يُجَالِسْ أَحَدًا؛ وَحَسْبُنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١).
فبيَّن لنا من هذا كله أن اللَّه أوقف هذه العقوبات ولم يجعل لأحد فيها شيئًا حتى لا تأخذهم رأفة في ذلك، لأن هذا دين اللَّه، ففيه الرحمة والتطهير والعبرة والاتعاظ.
قال ابن تيمية: نهَى تَعَالَى عَمَّا يَأْمُرُ بِهِ الشَّيْطَانُ فِي الْعُقُوبَاتِ عُمُومًا وَفِي أَمْرِ الْفَوَاحِشِ خُصُوصًا فَإِنَّ هَذَا الْبَابَ مَبْنَاهُ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالشَّهْوَةِ وَالرَّأْفَةِ الَّتِي يُزَيِّنُهَا الشَّيْطَانُ بِانْعِطَافِ الْقُلُوبِ عَلَى أَهْلِ الْفَوَاحِشِ وَالرَّأْفَةِ بِهِمْ حَتَّى يَدْخُلَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ بِسَبَبِ هَذِهِ الْآفَةِ فِي الدِّيَاثَةِ وَقِلَّةِ الْغَيْرَةِ إذَا رَأَى مَنْ يَهْوَى بَعْضُ المُتَّصِلِينَ بِهِ أَوْ يُعَاشِرُهُ عِشْرَةً مُنْكَرَةً أَوْ رَأَى لَهُ مَحَبَّةً أَوْ مَيْلًا وَصَبَابَةً وَعِشْقًا وَلَوْ كَانَ وَلَدُهُ رَأَفَ بِهِ وَظَنَّ أَنَّ هَذَا مِنْ رَحْمَةِ الْخَلْقِ وَلِينِ الْجَانِبِ بِهِمْ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ دِيَاثَةٌ وَمَهَانَةٌ وَعَدَمُ دِينٍ وَضَعْفُ إيمَانٍ وَإِعَانَةٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَتَرْكٌ لِلتَّنَاهِي عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ (٢).
الوجه الثالث: العلة من قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
أولًا: في بيان كم هذه الطائفة التي تشهد الحد .
ولأهل العلم أقوال في معنى (الطائفة):
أحدها: رجل واحد فما فوقه، وهو قول مجاهد.
الثاني: اثنان فأكثر، وهو قول عكرمة وعطاء، وبه أخذ المالكية.
الثالث: ثلاثة فأكثر، لأنه أقل الجمع، وهو قول الزهري.
الرابع: أربعة فأكثر بعدد شهود الزنى، وهو قول ابن عباس، وبه أخذ الشافعية.
стр. 5932
وقال الطبري: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: أقل ما ينبغي حضور ذلك من عدد المسلمين: الواحد فصاعدًا؛ وذلك أن اللَّه عمّ بقوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾ والطائفة: قد تقع عند العرب على الواحد فصاعدًا. فإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن اللَّه تعالى ذكره وضع دلالة على أن مراده من ذلك خاص من العدد، كان معلومًا أن حضور ما وقع عليه أدنى اسم الطائفة ذلك المحضر مخرج مقيم الحدّ مما أمره اللَّه به بقوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ غير أني وإن كان الأمر على ما وصفت، أستحب أن لا يقصر بعدد من يحضر ذلك الموضع عن أربعة أنفس عدد من تقبل شهادته على الزنا؛ لأن ذلك إذا كان كذلك، فلا خلاف بين الجمع أنه قد أدّى المقيم الحدّ ما عليه في ذلك، وهم فيما دون ذلك مختلفون (١).
وأيده الزمخشري حيث قال: وفضل قول ابن عباس، لأنّ الأربعة هي الجماعة التي يثبت بها هذا الحدّ والصحيح أن هذه الكبيرة من أمّهات الكبائر، ولهذا قرنها اللَّه بالشرك وقتل النفس في قوله: ﴿وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (الفرقان: ٦٨)، وقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ (الإسراء: ٣٢)، ولذلك وفّى اللَّه فيه عقد المائة بكماله، بخلاف حدّ القذف وشرب الخمر. وشرع فيه القتلة الهولة وهي الرجم، ونهى المؤمنين عن الرأفة على المجلود فيه. وأمر بشهادة الطائفة للتشهير، فوجب أن تكون طائفة يحصل بها التشهير، والواحد والاثنان ليسوا بتلك المثابة، واختصاصه المؤمنين لأن ذلك أفضح، والفاسق بين صلحاء قومه أخجل (٢).
стр. 5933
وقال الآلوسي: والحق أن المراد بالطائفة هنا جماعة يحصل بهم التشهير، والزجر وتختلف قلة وكثرة بحسب اختلاف الأماكن والأشخاص فرب شخص يحصل تشهيره وزجره بثلاثة وآخر لا يحصل تشهيره وزجره بعشرة، وللقائل بالأربعة هنا وجه وجيه كما لا يخفى (١).
وقال أبو بكر الجصاص: والأولى أن تكون الطائفة جماعة يستفيض الخبر بهما ويشيع فيرتدع الناس من مثله؛ لأن الحدود موضوعة للزجر والردع (٢).
ثانيًا: في بيان العلة من حضور الطائفة .
ذكر ابن القيم أيضًا أنه من خصائص حد الزنا: أنه سبحانه أمر أن يكون حدهما بمشهد من المؤمنين فلا يكون في خلوة حيث لا يراهما أحد وذلك أبلغ في مصلحة الحد وحكمة الزجر (٣).
قال ابن كثير: هذا فيه تنكيل للزانيين إذا جُلِدا بحضرة الناس، فإن ذلك يكون أبلغ في زجرهما، وأنجع في ردعهما، فإن في ذلك تقريعًا وتوبيخا وفضيحة إذا كان الناس حضورًا (٤).
وقال القرطبي: فيه قولان للعلماء أن المراد بحضور الجماعة، هل المقصود بها الأغلاط على الزناة والتوبيخ بحضرة الناس، وأن ذلك يدع المحدود، ومن شهده وحفره يتعظ به ويزدجر لأجله، ويشيع حديثه فيعتبر به من بعده، أو الدعاء لهما بالتوبة والرحمة (٥).
وقال الكاساني: وينبغي أن تقام الحدود كلها في ملأ من الناس لقوله ﵎: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والنص وإن ورد في حد الزنا لكن النص الوارد فيه يكون واردا في سائر الحدود دلالة لأن المقصود من الحدود كلها وهو زجر العامة وذلك لا يحصل إلا وأن تكون الإقامة على رأس العامة لأن الحضور ينزجرون بأنفسهم
стр. 5934
بالمعاينة والغيب ينزجرون بإخبار الحضور فيحصل الزجر للكل وكذا فيه منع الجلاد من المجاوزة عن الحد الذي جعل له لأنه لو جاوز لمنعه الناس عن المجاوزة وفيه أيضًا دفع التهمة والميل فلا يتهمه الناس أن يقيم الحد عليه بلا جرم سبق منه واللَّه تعالى الموفق (١).
وقال الماوردي: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾ يعني بالعذاب الحد يشهده عند الإقامة طائفة من المؤمنين ليكونوا زيادة في نكاله وبيِّنة على إقامة حده (٢).
وقال ابن العربي: وَفِقْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَدَّ الْمَحْدُودَ، وَمَنْ شَهِدَهُ وَحَضَرَهُ يَتَّعِظُ بِهِ وَيَزْدَجِرُ لِأَجْلِهِ، وَيَشِيعُ حَدِيثُهُ؛ فَيَعْتَبِرُ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ (٣).
وقال السعدي: وأمر تعالى أن يحضر عذاب الزانيين طائفة، أي: جماعة من المؤمنين، ليشتهر ويحصل بذلك الخزي والارتداع، وليشاهدوا الحد فعلا فإن مشاهدة أحكام الشرع بالفعل، مما يقوى بها العلم، ويستقر به الفهم، ويكون أقرب لإصابة الصواب، فلا يزاد فيه ولا ينقص (٤).
وقال ابن عاشور: أمر أن تحضر جماعة من المسلمين إقامة حد الزنا تحقيقًا لإقامة الحد وحذرًا من التساهل فيه فإن الإخفاء ذريعة للإنساء، فإذا لم يشهده المؤمنون فقد يتساءلون عن عدم إقامته فإذا تبين لهم إهماله فلا يعدم بينهم من يقوم بتغيير المنكر من تعطيل الحدود.
وفيه فائدة أخرى وهي أن من مقاصد الحدود مع عقوبة الجاني أن يرتدع غيره، وبحضور طائفة من المؤمنين يتعظ به الحاضرون ويزدجرون ويشيع الحديث فيه بنقل الحاضر إلى الغائب (٥).
الشبهة الثانية: لماذا جعل الإسلام الشهود أربعة في إثبات حد الزنا ؟
نص الشبهة: جاء في سورة النور ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (النور: ٤)، ونحن نسأل كيف يتسنى لأربعة أن يكونوا شهود الحادثة فيها دائما كتمان وسرية؟ وكيف يحكم بالجلد على ثلاثة شهود ولو رأوا بأعينهم ارتكاب الحادث، ولم يشهد الرابع؟ إن المطالبة بأربعة شهود أمر أقرب إلى المستحيل وتعجيز وتعطيل لتبرئة المذنب.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: في تفسير الآية .
الوجه الثاني: في الحكمة من وجود أربعة شهود، وأن هذا الحكم ثابت في التوراة والإنجيل.
الوجه الثالث: بيان معنى القذف وبيان حرمته وحده.
الوجه الرابع: الشهادة في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: في تفسير الآية.
يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (النور: ٤).
قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة هي الحرة البالغة العفيفة فإذا كان المقذوف رجلا فكذلك يجلد قاذفه أيضًا وليس في هذا نزاع بين العلماء فإن أقام القاذف بينة على صحة ما قاله درأ عنه الحد ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فأوجب على القاذف إذا لم
стр. 5938
يقم البينة على صحة ما قال ثلاثة أحكام: (أحدها) أن يجلد ثمانين جلدة (الثاني) أنه ترد شهادته أبدًا (الثالث) أن يكون فاسقًا ليس بعدل لا عند اللَّه ولا عند الناس (١).
وقال السعدي: لما عظم تعالى أمر الزاني بوجوب جلده، وكذا رجمه إن كان محصنا، وأنه لا تجوز مقارنته، ولا مخالطته على وجه لا يسلم فيه العبد من الشر، بين تعالى تعظيم الإقدام على الأعراض بالرمي بالزنا فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي: النساء الأحرار العفائف، وكذاك الرجال، لا فرق بين الأمرين، والمراد بالرمي الرمي بالزنا، بدليل السياق، ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا﴾ على ما رموا به ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ أي: رجال عدول، يشهدون بذلك صريحا، ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ بسوط متوسط، يؤلم فيه، ولا يبالغ بذلك حتى يتلفه، لأن القصد التأديب لا الإتلاف، وفي هذا تقدير حد القذف، ولكن بشرط أن يكون المقذوف كما قال تعالى محصنًا مؤمنًا، وأما قذف غير المحصن، فإنه يوجب التعزير. ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ أي: لهم عقوبة أخرى، وهو أن شهادة القاذف غير مقبولة، ولو حد على القذف، حتى يتوب كما يأتي، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة اللَّه، الذين قد كثر شرهم، وذلك لانتهاك ما حرم اللَّه، وانتهاك عرض أخيه، وتسليط الناس على الكلام بما تكلم به، وإزالة الأخوة التي عقدها اللَّه بين أهل الإيمان، ومحبة أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وهذا دليل على أن القذف من كبائر الذنوب (٢).
الوجه الثاني: في الحكمة من وجود أربعة شهود ، وأن هذا الحكم ثابت في التوراة والإنجيل .
الحكمة من وجود أربعة شهود:
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾، أي من المسلمين، فجعل اللَّه الشهادة على الزنا خاصة أربعة تغليظًا على المدعي وسترًا على العباد)،
стр. 5939
وقال أيضًا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾: الذي يفتقر إلى أربعة شهداء دون سائر الحقوق هو الزنا رحمة بعبادة وسترا لهم (١).
فصار شهادة الأربعة في غاية الحكمة لأمور:
أولًا: تغليظًا على المدعي وتضييقًا عليه .
فأي إنسان يمكن أن يدعي على آخر أنه زنا لعداوة صارت بينهما أو لأمر ما، حتى ينتقم منه. فكان بأربعة تعجيزًا للمدعي على الإتيان بأربعة فضلًا عن أنه لا يستطيع أن يأتي بواحد معه، فلا إفراط ولا تفريط. وتعجيزًا للألسنة في أن تخوض في أعراض العفيفات بتلك التهمة النكراء وحتى لا يكون المجتمع مهددًا بالانهيار والظن والشكوك، فيصبح الزوج شاك في زوجه وكل رجل شاك في أصله، فيكون فساد المجتمع وشيوع الفاحشة والرذيلة في أوساط الناس، فصار الأربعة شهود تعجيزًا لأهل الأهواء، وأصحاب القلوب المريضة في أن يتعرضوا للعفيفات الحرائر والشرفاء، فكان ذلك حفاظًا على شوكة المجتمع من كل خبيث.
ثانيًا: سترًا على العباد وأن اللَّه يتوب على من تاب .
وهذا باب له حتى يرجع ويتوب، ولعل اللَّه يتوب عليه، فجعل لنا الشرع باب الستر على أهل الحدود لقوله ﷺ : "يا هزال لو سترته بثوبك كان خيرًا لك" (٢).
قال ابن تيمية: وبين ﷺ أن الزنا من الكبائر وأن قذف المحصنات الغافلات من الكبائر وهو من نوع الكبائر إذ لم يأت عليه القاذف بأربعة شهداء وإن كان قد وقع فإنه أظهر ما يحب اللَّه أخفاه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (سورة النور: ١٩)، وفي الحديث الصحيح قال النبي ﷺ : "كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا ثم يصبح وقد ستره اللَّه عليه فيقول يا
стр. 5940
فلان عملت البارحة كذا وكذا بات يستره ربه ويصبح يكشف ستره" (١)، وقال: "من ابتلى من هذه القاذورة بشيء فليستتر بستر اللَّه فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب اللَّه" (٢).
ثالثًا: زجرًا للعاصي وتضييقًا عليه .
فالعاصي الذي يجاهر بالمعصية في أوساط الناس، كما هو واضح في أوساط الذين يتقممون الرذيلة ويحبون شيوع الفاحشة باسم الحرية، ينزجر عندما يعلم أن الشهود أربعة وليس أكثر من ذلك كأن يكون خمسة أو سبعة حتى لا يكون الإفراط، والإسلام لا يعاقب إلا المتبجحين والمتجرئين على فعل الفاحشة، وحتى لا تكون المجاهرة بالمعصية أمام الناس وحفاظًا على المجتمع من شيوع الفاحشة فيه، فلا إفراط ولا تفريط.
رابعًا: تعظيم حرمة المسلم .
قال السعدي: في قوله تعالى ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ وإن كانوا في أنفسهم قد تيقنوا ذلك، فإنهم كاذبون في حكم اللَّه، لأن اللَّه حرم عليهم التكلم بذلك، من دون أربعة شهود، ولهذا قال: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ولم يقل "فأولئك هم الكاذبون" وهذا كله، من تعظيم حرمة عرض المسلم، بحيث لا يجوز الإقدام على رميه، من دون نصاب الشهادة بالصدق (٣).
فيستهدف الإسلام حماية أعراض الناس، والمحافظة على سمعتهم، وصيانة كرامتهم، وهو لهذا يقطع ألسنة السوء ويسد الباب على الذين يلتمسون للبرآء العيب، فيمنع ضعاف النفوس من أن يجرحوا مشاعر الناس ويغلوا في أعراضهم، ويحظر أشد الحظر إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا حتى تتطهر الحياة من سريان هذا الشر فيها، فهو يحرم القذف تحريمًا قاطعًا، ويجعله كبيرة من كبائر الإثم والفواحش، ويوجب على القاذف ثمانين جلدة -رجلًا كان أو
стр. 5941
امرأةً- ويمنع من قبول شهادته، ويحكم عليه بالفسق واللعن والطرد من رحمة اللَّه، واستحقاق العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، اللهم إلا إذا ثبت صحة قوله بالأدلة التي لا يتطرق إليها الشك، وهي شهادة أربع شهداء بأن المقذوف تورط في الفاحشة (١).
خامسًا: حكمة تشريع حد القذف فيمن قذف غيره بالزنا دون من قذف بالكفر (٢).
أورد ابن القيم الحكمة من ذلك بقوله: وأما إيجاب حد الفرية على من قذف غيره بالزنا دون الكفر ففي غاية المناسبة فإن القاذف غيره بالزنا لا سبيل للناس إلى العلم بكذبه فجعل حد الفرية تكذيبًا له وتبرئة لعرض المقذوف وتعظيمًا لشأن هذه الفاحشة التي يجلد من رمى بها مسلما وأما من رمى غيره بالكفر فإن شاهد حال المسلم واطلاع المسلمين عليها كاف في تكذيبه ولا يلحقه من العار بكذبه عليه في ذلك ما يلحقه بكذبه عليه في الرمي بالفاحشة ولا سيما إن كان المقذوف امرأة فإن العار والمعرة التي تلحقها بقذفه بين أهلها وتشعب ظنون الناس وكونهم بين مصدق ومكذب لا يلحق مثله بالرمي بالكفر (٣).
فظهرت لنا الحكمة من تشريع حد القذف ومدارها على: عدم القدرة من المقذوف بنفي ما رمى به من الزنا فجعل حد القذف تكذيبًا للقاذف، وتبرئة للمقذوف، وتعظيمًا لشأن هذه الفاحشة التي تبهرج المجتمع، وتلطخه بالعار والعرة، ولا سبيل للمقذوف ظلمًا إلى نفي ما قذف به من الزنا إلا بمجرد التكذيب للقاذف، وهذا غير مقنع لنفوس البشر ولا يكون مذهبًا لتشعب ظنونهم فجعل اللَّه حد الفرية لكف هذه الآثام وحماية لمجتمع الإسلام من أن يزن بريبة أو يرمى بنقيصة، فتبقى أعراض المسلمين محترمة تحت
стр. 5942
ستر اللَّه ورحمته، الألسنة عنها مقفلة والظنون عنها محجمة وبذلك يكون الإسلام قد حفظ للمسلمين ضرورة من ضروريات معاشهم وقيام مدنيتهم وذلك بحفظ أعراضهم وصيانتها فأوجب حد القذف ثمانين جلدة للقاذف الكاذب الجاني بكذبه الزمن، على حرمة الأعراض تقويضًا لمعنوياتهم وإدخالًا لعنصر الفساد في مصلحة تعايشهم قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (النور: ٤) (١).
سادسًا: حكمة تشريع أربعة شهود في الزنا دون القتل بشاهدين فقط .
وقال ابن القيم في ذلك أيضًا: وأما اكتفاؤه في القتل بشاهدين دون الزنا ففي غاية الحكمة والمصلحة فإن الشارع احتاط للقصاص والدماء واحتاط لحد الزنا فلو لم يقبل في القتل إلا أربعة لضاعت الدماء وتواثب العادون وتجرؤوا على القتل وأما الزنا فإنه بالغ في ستره كما قدر اللَّه ستره فاجتمع على ستره شرع اللَّه وقدره فلم يقبل فيه إلا أربعة يصفون الفعل وصف مشاهدة ينتفي معها الاحتمال وكذلك في الإقرار لم يكتف بأقل من بأربع مرات حرصًا على ستر ما قدر اللَّه ستره وكره إظهاره والتكلم به وتوعد من يحب إشاعته في المؤمنين بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة (٢).
سابعًا: هذا الحكم ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن .
وتعديل الشهود بالأربعة في الزنا حكم ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ وقال هنا: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾. وروى أبو داود عن جابر بن عبد اللَّه قال: جاءت اليهود برجل وامرأة منهم قد زنيا فقال النبي ﷺ : "ائتوني بأعلم رجلين منكم" فأتوه
стр. 5943
بابني صوريا فنشدهما: "كيف تجدّان أمر هذين في التوراة"؟ قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رُجِما. قال: "فما يمنعكما أن ترجموهما"، قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل، فدعا رسول اللَّه ﷺ بالشهود، فجاؤوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول اللَّه ﷺ برجمهما (١).
الوجه [الرابع] [*]: بيان معنى القذف وبيان حرمته وحده، وفيه مسائل:
أولًا: في تعريف القذف وبيان حرمته .
تعريف القذف: في اللغة: أصل القذف رمي الشيء بقوة ثم استعمل في الرمي بالزنا ونحوه من المكرهات يقال قذف قذفا يقذف قذفا فهو قاذف وجمعه قذاف وقذقة كفساق وفسقة وكفار وكفرة (٢)، والقَذْف هاهنا رَمْيُ المرأَة بالزنا أَو ما كان في معناه وأَصله الرّمْيُ (٣).
القذف في الشرع: هو الرمي بوطء، أو نفي نسب، موجب للحد فيهما (٤).
الرمي بوطء: وهو الرمي بالزنا، أو لواط، أو الشهادة به عند عدم اكتمال الشهود، ونفي نسب وهو قذف يوجب الحد عند الجميع، وموجب للحد فيهما أي يتوفر فيها شروط القاذف والمقذوف به والمقذوف (٥).
حرمة القذف وأنه من أكبر الكبائر .
стр. 5944
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (النور: ٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ (النور ٢٤: ٢٣).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّه وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّه وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ" (١).
ثانيًا: في بيان حد القاذف .
تضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف: جلده ورد شهادته أبدًا وفسقه (٢).
وقدر الحد ثمانون إذا كان القاذف حرًا للآية والإجماع رجلًا كان أو امرأةً، ويشترط أن يكون بالغًا عاقلًا غير مكره لأن هذه مشترطة لكل حد (٣).
ثالثًا: في شروط يجب توافرها في القاذف والمقذوف به والمقذوف.
قال ابن العربي: وَشُرُوطُ الْقَذْفِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ تِسْعَةٌ: شَرْطَانِ فِي الْقَاذِفِ، وَشَرْطَانِ فِي الْمَقْذُوفِ بِهِ، وَخَمْسَةٌ فِي الْمَقْذُوفِ.
فَأَمَّا الشَّرْطَانِ اللَّذَانِ فِي الْقَاذِفِ: فَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ.
وَأَمَّا الشَّرْطَانِ فِي الشَّيْءِ الْمَقْذُوفِ مِنْهُ: فَهُوَ أَنْ يَقْذِفَهُ بِوَطْءٍ يَلْزَمُهُ فِيهِ الحَدُّ، وَهُوَ الزِّنَا أَوْ اللِّوَاطُ، أَوْ يَنْفِيهِ مِنْ أَبِيهِ، دُونَ سَائِرِ الْمَعَاصِي (٤).
стр. 5945
وَأَمَّا الْخَمْسُ الَّتِي فِي الْمَقْذُوفِ فَهِيَ: الْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْعِفَّةُ عَنْ الْفَاحِشَةِ الَّتِي رُمِيَ بِهَا كَانَ عَفِيفًا عَنْ غَيْرِهَا أَوْ لَا.
فَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ فِي الْقَاذِفِ؛ فَلأَنَّهُمَا أَصْلَا التَّكْلِيفِ؛ إذْ التَّكْلِيفُ سَاقِطٌ دُونَهُمَا، وَإِنَّمَا شَرَطْنَاهُمَا فِي الْمَقْذُوفِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي مَعَانِي الْإِحْصَانِ لِأَجْلِ أَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا وُضِعَ لِلزَّجْرِ عَنْ الْإِذَايَةِ بِالْمَعَرَّةِ الدَّاخِلَةِ عَلَى الْمَقْذُوفِ، وَلَا مَعَرَّةَ عَلَى مَنْ عَدِمَ الْعَقْلَ وَالْبُلُوغَ؛ إذْ لَا يُوصَفُ الْوَطْءُ فِيهِمَا وَلَا مِنْهُمَا بِأَنَّهُ زِنًا.
وَأَمَّا شُرُوطُ الْإِسْلَامِ فِيهِ؛ فَلأَنَّهُ مِنْ مَعَانِي الْإِحْصَانِ وَأَشْرَفِهَا، كَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ، وَلِأَنَّ عِرْضَ الْكَافِرَ لَا حُرْمَةَ لَهُ يَهْتِكُهَا الْقَذْفُ، كَالْفَاسِقِ المُعْلِنِ لَا حُرْمَةَ لِعِرْضِهِ؛ بَلْ هُوَ أَوْلَى لِزِيَادَةِ الْكُفْرِ عَلَى المُعْلِنِ بِالْفِسْقِ.
وَأَمَّا شَرَفُ الْعِفَّةِ؛ فَلأَنَّ الْمَعَرَّةَ لَاحِقَةٌ بِهِ، وَالْحُرْمَةُ ذَاهِبَةٌ، وَهِيَ مُرَادَةٌ هَاهُنَا إجْمَاعًا وَأَمَّا الحُرِّيَّةُ فَإِنَّمَا شَرَطْنَاهَا لِأَجْلِ نُقْصَانِ عِرْضِ الْعَبْدِ عَنْ عِرْضِ الْحُرِّ، بِدَلِيلِ نُقْصَانِ حُرْمَةِ دَمِهِ عَنْ دَمِه (١).
رابعًا [*]: بم يثبت حد القذف .
اتفق العلماء على أنه يثبت بالإقرار وشهادة عدليين (٢).
فيثبت حد القذف بأمرين، أو بأحدهما:
الأمر الأول: إقرار القاذف على نفسه.
والأمر الثاني: شهادة الشهود على أن القاذف قد قذف فلانًا من الناس.
خامسًا: حد القذف حماية للأعراض .
وفيه غاية الزجر عن الوقوع في أعراض الناس بالقذف، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (النور: ٤)، شرع حد القذف حماية للأعراض؛ وهذا الذي قذف محصنًا وعابه وألحق به عارًا، أو ألحق به عيبًا لا شك أنه قد
стр. 5946
ارتكب في حقه إثمًا وأنه قد ظلمه، والشرع قد حافظ على الناس بحماية أعراضهم بعدم الوقوع فيها، وذلك بإيجاب حد القذف.
وقال الشنقيطي: وقد جاء القرآن بالمحافظة على العرض بأقوم الطرق وأعدلها. فنهى المسلم عن أن يتكلم في أخيه بما يؤذيه، وأوجب عليه إن رماه بفرية حد القذف ثمانين جلدة. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ﴾ (الحجرات: ١٢)، فقبح جلَّ وعلا غيبة المسلم غاية التقبيح. بقوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (الحجرات: ١٢)، وقال: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الحجرات: ١١) (١).
فحد القذف فيه غاية الزجر عن الوقوع في أعراض الناس، وفيه زجر العاصي عن الرجوع إلى المعصية، ومنع غيره من الوقوع فيها، وفيه معنى الزجر لأنه مؤلم للقلب كما أن الجلد مؤلم للبدن وقد آذى المقذوف بلسانه فعوقب بإهدار منافعه جزاءً وفاقًا (٢).
وقال القرطبي: الحط إنما وضع للزجر عن الإذاية بالمضرة الداخلة على المقذوف، فصار بذلك حماية للأعراض وفيه غاية الزجر عن الوقوع في أعراض الناس بالقذف (٣).
الوجه الخامس: الشهادة في الكتاب المقدس .
في الكتاب المقدس نصوص صريحة وواضحة، في أنه لا يقبل في الشهادة أقل من اثنين بل أكثر من ذلك وإليك بعض النصوص:
كُلُّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا فَعَلَى فَمِ شُهُودٍ يُقْتَلُ الْقَاتِلُ. وَشَاهِدٌ وَاحِدٌ لَا يَشْهَدْ عَلَى نَفْسٍ لِلْمَوْتِ. (العدد ٣٥/ ٣٠).
стр. 5947
عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةِ شُهُودٍ يُقْتَلُ الَّذِي يُقْتَلُ. لَا يُقْتَلْ عَلَى فَمِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ. أَيْدِي الشُّهُودِ تَكُونُ عَلَيْهِ أَوَّلًا لِقَتْلِهِ، ثُمَّ أَيْدِي جَمِيعِ الشَّعْبِ أَخِيرًا، فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ وَسَطِكَ. (تثنية ١٧/ ٧: ٦).
لَا يَقُومُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى إِنْسَانٍ فِي ذَنْبٍ مَّا أَوْ خَطِيَّةٍ مَّا مِنْ جَمِيعِ الْخَطَايَا الَّتِي يُخْطِئُ بِهَا. عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ عَلَى فَمِ ثَلَاثَةِ شُهُودٍ يَقُومُ الأَمْرُ (تثنية ١٩: ١٥).
وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، فَخُذْ مَعَكَ أَيْضًا وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ، لِكَيْ تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ. (متى ١٦: ١٨).
هذهِ الْمَرَّةُ الثَّالِثَةُ آتِي إِلَيْكُمْ. "عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ وَثَلَاثَةٍ تَقُومُ كُلُّ كَلِمَةٍ (رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس ١: ١٣).
لَا تَقْبَلْ شِكَايَةً عَلَى شَيْخٍ إِلَّا عَلَى شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةِ شُهُودٍ. (رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس ٥: ١٩).
فهذه نصوص هذا الكتاب، فإن دل فيدل على أن الشهادة لا تقوم لأقل من اثنين، وهذا أقل الشهادات، والنصوص فحواها أنها تلزم بأكثر من اثنين إن أمكن.
وكما ورد في التفسير التطبيقي (أن وجود عدة شهود مانعًا من أن يقوم فرد واحد غاضب بتأدية شهادة زور)، فوجود أكثر من شاهد لا شك أنه من الحكمة حتى لا تكون التهم بقول واحد دون أن يعضد قوله بآخرين.
стр. 5948
الشبهة الثالثة: حذف آية الرجم .
نص الشبهة:
يقولون أن القرآن محرف وناقص، والدليل آية الرجم التي حذفت.
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: الدليل على أن حد الرجم ثابت بالقرآن، والسنة، والإجماع .
الوجه الثاني: بيان أنه منسوخ تلاوة، وبيان الحكمة من النسخ، وأن آية الرجم مما نُسخ تلاوته وبقي حكمه، والحكمة من نسخ تلاوتها.
الوجه الثالث: تحريف الكتاب المقدس باستشهاده بأسفار غير موجودة فيه.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: الدليل على أن حد الرجم ثابت بالقرآن والسنة والإجماع.
فقد دل كتاب اللَّه وسُنَّة رسوله ﷺ على حد الرجم للزاني المحصن، فمن الأدلة ما أثبتت الرجم عن رسول اللَّه ﷺ بقوله وفعله في أخبار تشبه التواتر، وأجمع عليه أصحاب الرسول ﷺ .
أولًا: من القرآن:
وقد أنزل اللَّه تعالى آية الرجم في كتابه، فنُسخت قراءتها وبقي حكمها، فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إِنَّ اللَّه قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ قَرَأَنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّه فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّه وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّه حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الاعْتِرَافُ (١).
أجمع الجمهور من فقهاء المسلمين أهل الفقه والأثر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا أن المحصن من الزناة حده الرجم (١)، سواء رجلًا أو امرأةً، وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار (٢).
الوجه الثاني: بيان أنه منسوخ تلاوة، وبيان الحكمة من النسخ، وأن آية الرجم مما نسخ تلاوته وبقى حكمه، والحكمة من نسخ تلاوتها .
أولًا: القرآن الكريم وضح لنا وردَّ على ذلك بأن هناك نسخ في القرآن لَحِكَمٍ بالغة فقال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قال ابن كثير: والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام اللَّه تعالى، لما له في ذلك من الحكم البالغة، وكلهم قال بوقوعه (٣).
وقال ابن الجوزي: اتفق جمهور علماء الأمم على جواز النسخ عقلًا وشرعًا (٤).
وقال الآمدي: وقد اتفق أهل الشرائع على جواز النسخ عقلًا وعلى وقوعه شرعًا (٥).
وقال ابن النجار: يجوز النسخ عقلًا باتفاق أهل الشرائع (٦).
وقال الشوكاني: النسخ جائز عقلًا واقع شرعًا من غير فرق بين كونه في الكتاب أو السنة، وقد حكى جماعة من أهل العلم اتفقاق أهل الشرائع عليه (٧).
ثانيًا: الحكمة من النسخ:
стр. 5951
قال الشافعي: إن اللَّه خلق الخلق لما سبق في علمه مما أراد بخلقهم وبهم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب (١). فحكمته قد تكون ظاهرة وقد تكون غير ذلك، فالأمر له سبحانه، وأوامر اللَّه ونواهيه مشتملة على الحكم والمصالح، فإذا انتهت الحكمة والمصلحة من الخطاب الأول وصارت في غيره، أمر جل وعلا بترك الأول الذي زالت حكمته، والأخذ بالخطاب الجديد المشتمل على الحكمة الآن (٢).
والنسخ في الشريعة فيه كثير من الحِكَم ومنها:
الرحمة والتخفيف على العباد:
قال الشافعي: وأنزل عليهم الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وفرض فيهم فرائض أثبتها وأخرى نسخها رحمة لخلقه بالتخفيف عنهم وبالتوسعة عليهم زيادة فيما ابتدأهم به من نعمه وأثابهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم جنته والنجاة من عذابه فعمتهم رحمته فيما أثبت ونسخ فله الحمد على نعمه (٣).
فمن أمثلة التخفيف عن العباد كما ذكر الطبري: كالذي كان على المؤمنين من فرض قيام الليل، ثم نسخ ذلك فوضع عنهم، فكان ذلك خيرًا لهم في عاجلهم، لسقوط عبء ذلك وثقل حمله عنهم (٤).
ومثل نسخ وجوب مصابرة المسلم عشرة من الكفار المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (الأنفال: ٦٥)، بمصابرة المسلم اثنين من
стр. 5952
الكفار المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (الأنفال: ٦٦) (١).
تكثير الأجر للمؤمنين:
وهذه الحكمة تتضح في نسخ الأخف بالأثقل، كنسخ التخيير بين الصوم والإطعام في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (البقرة: ١٨٤)، بتعيين إيجاب الصوم في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: ١٨٥) (٢).
وقال الطبري: فكان فرض صوم شهر كامل كل سنة، أثقل على الأبدان من صيام أيام معدودات. غير أن ذلك وإن كان كذلك، فالثواب عليه أجزل، والأجر عليه أكثر، لفضل مشقته على مكلفيه من صوم أيام معدودات، فذلك وإن كان على الأبدان أشق، فهو خير من الأول في الآجل لفضل ثوابه وعظم أجره، الذي لم يكن مثله لصوم الأيام المعدودات (٣).
الابتلاء والاختبار:
قال تعالى: ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.
قال الرازي: أي ليبلوهم بالنسخ حتى إذا قالوا فيه هو الحق من ربنا حكم لهم بثبات القدم في الدين وصحة اليقين بأن اللَّه حكيم فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب (٤).
وتتضح هذه الحكمة في نسخ الأمر قبل التمكن من فعله، وذلك مثل أمر اللَّه إبراهيم ﵇ أن يذبح ابنه ثم نسخ اللَّه عنه هذا الحكم بفدائه بذبح عظيم قبل أن يتمكن من الفعل، والحكمة من ذلك الابتلاء، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾ (٥).
стр. 5953
فالحكمة في الأمر الأول هو الابتلاء، وهل يتهيأ للامتثال ويظهر الطاعة فيما أمر به أو لا، فالابتلاء والاختبار ليظهر المؤمن فيفوز، والمنافق فيهلك ليميز اللَّه الخبيث من الطيب (١).
التدرج في التشريع وعدم مفاجأة المكلفين (٢):
وهذا التدرج لا شك أن يمهد للمكلفين الحكم دون مشقة أو نفور في النفوس، ويتضح ذلك في التدرج في تحريم الخمر، وكذلك في عقوبة الزنا فكانت في بداية الأمر الإمساك في البيوت، قال تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾.
قال القرطبي: هذه أول عقوبات الزناة، وكان هذا في ابتداء الإسلام (٣).
ثم نُسخ ذلك بوجوب جلد غير المحصنين ورجم المحصنين من الزناة. والحِكَم والمصالح في النسخ عديدة وكثيرة، فمصلحة العباد تقتضي ذلك، وأوامر اللَّه ونواهيه مشتملة على الحكم والمصالح، فإذا انتهت الحكمة والمصلحة من الخطاب الأول وصارت في غيره، أمر جل وعلا بترك الأول الذي زالت حكمته، والأخذ بالخطاب الجديد المشتمل على الحكمة الآن (٤).
وقيل الحكمة بشارة المؤمنين برفع الخدمة عنهم، وبأن رفع مؤنتها عنهم في الدنيا مؤذن برفعها في الجنة (٥).
ثالثًا: آية الرجم مما نسخ تلاوته وبقي حكمه (٦).
стр. 5954
النسخ عند العلماء يقع على ثلاثة أوجه:
أحدها: ما نُسخ حكمه وتلاوته.
الثاني: ما نُسخ تلاوته دون حكمه.
الثالث: ما نُسخ حكمه وبقيت تلاوته (١).
وآية الرجم مما نُسخ تلاوته وبقي حكمه.
قال ابن قدامة: وقد تظاهرت الأخبار بنسخ آية الرجم، وحكمها باق (٢).
قال ابن النجار: فهذا الحكم فيه باق، واللفظ مرتفع لرجم رسول اللَّه ﷺ ماعزًا والغامدية واليهوديين (٣).
وقال الكرمي: ما رُفع رسمه من غير بدل وبقي حكمه مجمعًا عليه نحو آية الرجم (٤).
وقال الغزالي: فقد تظاهرت الأخبار بنسخ تلاوة آية الرجم مع بقاء حكمها (٥).
ثانيًا: الحكمة من نسخ تلاوة آية الرجم وبقاء حكمها.
قال ابن الجوزي: إنما كان كذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به فيسرعون بأيسر شيء كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام والمنام أدنى طرق الوحي (٦).
فآية الرجم المقصود منها إثبات حكمها، لا التعبد بها، ولا تلاوتها، فأنزلت وقرأها الناس، وفهموا منها حكم الرجم، فلما تقرر ذلك في نفوسهم نسخ اللَّه تلاوتها، والتعبد بها، وأبقى حكمها الذي هو المقصود (٧).
стр. 5955
وقد أجاب الزرقاني أيضًا على الحكمة من ذلك، وذلك بشبهة قد أثيرت فقال: ندفع هذه الشبهة بجوابين:
أحدهما: أن نسخ الآية مع بقاء الحكم ليس مجردًا من الحكمة ولا خاليًا من الفائدة حتى يكون عبثًا، بل فيه فائدة أي فائدة وهي: حصر القرآن في دائرة محدودة تيسر على الأمة حفظه واستظهاره وتسهل على سواد الأمة التحقق فيه وعرفانه وذلك سور محكم وسياج منيع يحمي القرآن من أيدي المتلاعبين فيه بالزيادة أو النقص لأن الكلام إذا شاع وذاع وملأ البقاع ثم حاول أحد تحريفه سرعان ما يعرف وشد ما يقابل بالإنكار وبذلك يبقى الأصل سليما من التغيير والتبديل مصداقا لقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾.
والخلاصة أن حكمة اللَّه قضت أن تنزل بعض الآيات في أحكام شرعية عملية حتى إذا اشتهرت تلك الأحكام نسخ سبحانه هذه الآيات في تلاوتها فقط رجوعًا بالقرآن إلى سيرته من الإجمال وطردًا لعادته في عرض فروع الأحكام من الإقلال تيسيرًا لحفظه وضمانًا لصونه واللَّه يعلم وأنتم لا تعلمون.
ثانيهما: أنه على فرض عدم علمنا بحكمة ولا فائدة في هذا النوع من النسخ فإن عدم العلم بالشيء لا يصلح حجة على العلم بعدم ذلك الشيء وإلا فمتى كان الجهل طريقا من طرق العلم ثم إن الشأن في كل ما يصدر عن العليم الحكيم الرحمن الرحيم أن يصدر لحكمة أو لفائدة نؤمن بها وإن كنا لا نعلمها على التعيين وكم في الإسلام من أمور تعبدية استأثر اللَّه بعلم حكمتها أو أطلع عليها بعض خاصته من المقربين منه والمحبوبين لديه وفوق كل ذي علم عليم وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا.