قال الشافعي: إن اللَّه خلق الخلق لما سبق في علمه مما أراد بخلقهم وبهم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب (١). فحكمته قد تكون ظاهرة وقد تكون غير ذلك، فالأمر له سبحانه، وأوامر اللَّه ونواهيه مشتملة على الحكم والمصالح، فإذا انتهت الحكمة والمصلحة من الخطاب الأول وصارت في غيره، أمر جل وعلا بترك الأول الذي زالت حكمته، والأخذ بالخطاب الجديد المشتمل على الحكمة الآن (٢).
والنسخ في الشريعة فيه كثير من الحِكَم ومنها:
الرحمة والتخفيف على العباد:
قال الشافعي: وأنزل عليهم الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وفرض فيهم فرائض أثبتها وأخرى نسخها رحمة لخلقه بالتخفيف عنهم وبالتوسعة عليهم زيادة فيما ابتدأهم به من نعمه وأثابهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم جنته والنجاة من عذابه فعمتهم رحمته فيما أثبت ونسخ فله الحمد على نعمه (٣).
فمن أمثلة التخفيف عن العباد كما ذكر الطبري: كالذي كان على المؤمنين من فرض قيام الليل، ثم نسخ ذلك فوضع عنهم، فكان ذلك خيرًا لهم في عاجلهم، لسقوط عبء ذلك وثقل حمله عنهم (٤).
ومثل نسخ وجوب مصابرة المسلم عشرة من الكفار المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (الأنفال: ٦٥)، بمصابرة المسلم اثنين من
стр. 5952
الكفار المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (الأنفال: ٦٦) (١).
تكثير الأجر للمؤمنين:
وهذه الحكمة تتضح في نسخ الأخف بالأثقل، كنسخ التخيير بين الصوم والإطعام في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (البقرة: ١٨٤)، بتعيين إيجاب الصوم في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: ١٨٥) (٢).
وقال الطبري: فكان فرض صوم شهر كامل كل سنة، أثقل على الأبدان من صيام أيام معدودات. غير أن ذلك وإن كان كذلك، فالثواب عليه أجزل، والأجر عليه أكثر، لفضل مشقته على مكلفيه من صوم أيام معدودات، فذلك وإن كان على الأبدان أشق، فهو خير من الأول في الآجل لفضل ثوابه وعظم أجره، الذي لم يكن مثله لصوم الأيام المعدودات (٣).
الابتلاء والاختبار:
قال تعالى: ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.
قال الرازي: أي ليبلوهم بالنسخ حتى إذا قالوا فيه هو الحق من ربنا حكم لهم بثبات القدم في الدين وصحة اليقين بأن اللَّه حكيم فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب (٤).
وتتضح هذه الحكمة في نسخ الأمر قبل التمكن من فعله، وذلك مثل أمر اللَّه إبراهيم ﵇ أن يذبح ابنه ثم نسخ اللَّه عنه هذا الحكم بفدائه بذبح عظيم قبل أن يتمكن من الفعل، والحكمة من ذلك الابتلاء، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾ (٥).
стр. 5953
فالحكمة في الأمر الأول هو الابتلاء، وهل يتهيأ للامتثال ويظهر الطاعة فيما أمر به أو لا، فالابتلاء والاختبار ليظهر المؤمن فيفوز، والمنافق فيهلك ليميز اللَّه الخبيث من الطيب (١).
التدرج في التشريع وعدم مفاجأة المكلفين (٢):
وهذا التدرج لا شك أن يمهد للمكلفين الحكم دون مشقة أو نفور في النفوس، ويتضح ذلك في التدرج في تحريم الخمر، وكذلك في عقوبة الزنا فكانت في بداية الأمر الإمساك في البيوت، قال تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾.
قال القرطبي: هذه أول عقوبات الزناة، وكان هذا في ابتداء الإسلام (٣).
ثم نُسخ ذلك بوجوب جلد غير المحصنين ورجم المحصنين من الزناة. والحِكَم والمصالح في النسخ عديدة وكثيرة، فمصلحة العباد تقتضي ذلك، وأوامر اللَّه ونواهيه مشتملة على الحكم والمصالح، فإذا انتهت الحكمة والمصلحة من الخطاب الأول وصارت في غيره، أمر جل وعلا بترك الأول الذي زالت حكمته، والأخذ بالخطاب الجديد المشتمل على الحكمة الآن (٤).
وقيل الحكمة بشارة المؤمنين برفع الخدمة عنهم، وبأن رفع مؤنتها عنهم في الدنيا مؤذن برفعها في الجنة (٥).
ثالثًا: آية الرجم مما نسخ تلاوته وبقي حكمه (٦).
стр. 5954
النسخ عند العلماء يقع على ثلاثة أوجه:
أحدها: ما نُسخ حكمه وتلاوته.
الثاني: ما نُسخ تلاوته دون حكمه.
الثالث: ما نُسخ حكمه وبقيت تلاوته (١).
وآية الرجم مما نُسخ تلاوته وبقي حكمه.
قال ابن قدامة: وقد تظاهرت الأخبار بنسخ آية الرجم، وحكمها باق (٢).
قال ابن النجار: فهذا الحكم فيه باق، واللفظ مرتفع لرجم رسول اللَّه ﷺ ماعزًا والغامدية واليهوديين (٣).
وقال الكرمي: ما رُفع رسمه من غير بدل وبقي حكمه مجمعًا عليه نحو آية الرجم (٤).
وقال الغزالي: فقد تظاهرت الأخبار بنسخ تلاوة آية الرجم مع بقاء حكمها (٥).
ثانيًا: الحكمة من نسخ تلاوة آية الرجم وبقاء حكمها.
قال ابن الجوزي: إنما كان كذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به فيسرعون بأيسر شيء كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام والمنام أدنى طرق الوحي (٦).
فآية الرجم المقصود منها إثبات حكمها، لا التعبد بها، ولا تلاوتها، فأنزلت وقرأها الناس، وفهموا منها حكم الرجم، فلما تقرر ذلك في نفوسهم نسخ اللَّه تلاوتها، والتعبد بها، وأبقى حكمها الذي هو المقصود (٧).
стр. 5955
وقد أجاب الزرقاني أيضًا على الحكمة من ذلك، وذلك بشبهة قد أثيرت فقال: ندفع هذه الشبهة بجوابين:
أحدهما: أن نسخ الآية مع بقاء الحكم ليس مجردًا من الحكمة ولا خاليًا من الفائدة حتى يكون عبثًا، بل فيه فائدة أي فائدة وهي: حصر القرآن في دائرة محدودة تيسر على الأمة حفظه واستظهاره وتسهل على سواد الأمة التحقق فيه وعرفانه وذلك سور محكم وسياج منيع يحمي القرآن من أيدي المتلاعبين فيه بالزيادة أو النقص لأن الكلام إذا شاع وذاع وملأ البقاع ثم حاول أحد تحريفه سرعان ما يعرف وشد ما يقابل بالإنكار وبذلك يبقى الأصل سليما من التغيير والتبديل مصداقا لقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾.
والخلاصة أن حكمة اللَّه قضت أن تنزل بعض الآيات في أحكام شرعية عملية حتى إذا اشتهرت تلك الأحكام نسخ سبحانه هذه الآيات في تلاوتها فقط رجوعًا بالقرآن إلى سيرته من الإجمال وطردًا لعادته في عرض فروع الأحكام من الإقلال تيسيرًا لحفظه وضمانًا لصونه واللَّه يعلم وأنتم لا تعلمون.
ثانيهما: أنه على فرض عدم علمنا بحكمة ولا فائدة في هذا النوع من النسخ فإن عدم العلم بالشيء لا يصلح حجة على العلم بعدم ذلك الشيء وإلا فمتى كان الجهل طريقا من طرق العلم ثم إن الشأن في كل ما يصدر عن العليم الحكيم الرحمن الرحيم أن يصدر لحكمة أو لفائدة نؤمن بها وإن كنا لا نعلمها على التعيين وكم في الإسلام من أمور تعبدية استأثر اللَّه بعلم حكمتها أو أطلع عليها بعض خاصته من المقربين منه والمحبوبين لديه وفوق كل ذي علم عليم وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا.
стр. 5956
ولا بدع في هذا فرب البيت قد يأمر أطفاله بما لا يدركون فائدته لنقص عقولهم على حين أنه في الواقع مفيد وهم يأتمرون بأمره وإن كانوا لا يدركون فائدته والرئيس قد يأمر مرؤوسيه بما يعجزون عن إدراك سره وحكمته على حين أن له في الواقع سرًا وحكمة وهم ينفذون أمره وإن كانوا لا يفهمون سره وحكمته، كذلك شأن اللَّه مع خلقه فيما خفي عليهم من أسرار تشريعه وفيما لم يدركوا من فائدة نسخ التلاوة دون الحكم وللَّه المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم (١).
الوجه الثالث: تحريف الكتاب المقدس باستشهاده بأسفار غير موجودة فيه . (٢)
الكتاب المقدس جاء لنا بأسفار غير موجودة، ولا يدري أحد أين هذه الأسفار، وهل هي مفقودة أم حُذفت؟ ، فهذا دليل على التحريف بحذف كثير من الأسفار في الكتاب، وإليكم بعض الأسفار المحذوفة:
١ - سفر حروب الرب: لِذلِكَ يُقَالُ فِي كِتَابِ "حُرُوبِ الرَّبِّ": "وَاهِبٌ فِي سُوفَةَ وَأَوْدِيَةِ أَرْنُونَ. (العدد ٢١/ ١٤)، فأين هذا السفر؟
٢ - سفر ياشر: وذلك في موضعين:
فَدَامَتِ الشَّمْسُ وَوَقَفَ الْقَمَرُ حَتَّى انْتَقَمَ الشَّعْبُ مِنْ أَعْدَائِهِ. أَليْسَ هذَا مَكْتُوبًا فِي سِفْرِ يَاشَرَ؟ فَوَقَفَتِ الشَّمْسُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ وَلَمْ تَعْجَلْ لِلْغُرُوبِ نَحْوَ يَوْمٍ كَامِل. (يشوع ١٠/ ١٣).
وَقَالَ أَنْ يَتَعَلَّمَ بَنُو يَهُوذَا "نَشِيدَ الْقَوْسِ". هُوَذَا ذلِكَ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ يَاشَرَ (صموئيل الثاني ١/ ١٨)، فأين سفر ياشر؟ .
٣ - سفر أمور سليمان وَبَقِيَّةُ أُمُورِ سُلَيْمَانَ وَكُلُّ مَا صَنَعَ وَحِكْمَتُهُ أَمَا هِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي سِفْرِ أُمُورِ سُلَيْمَانَ؟ (الملوك الأول ١١/ ٤١).
стр. 5957
٤ - سفر مرثية إرميا على يوشيا: وَرَثَى إِرْمِيَا يُوشِيَّا. وَكَانَ جَمِيعُ المُغَنِّينَ وَالمُغَنِّيَاتِ يَنْدُبُونَ يُوشِيَّا فِي مَرَاثِيهِمْ إِلَى الْيَوْمِ، وَجَعَلُوهَا فَرِيضَةً عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَهَا هِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي الْمَرَاثِي. (أخبار الأيام الثاني ٣٥/ ٢٥) فأين هي؟
٥ - سفر أخبار ناثان النبي، وسفر نبوة أخيا الشليوني، وسفر رؤى يعدو الرائي: وَبَقِيَّةُ أُمُورِ سُلَيْمَانَ الأُولَى وَالأَخِيرَةِ، أَمَا هِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي أَخْبَارِ نَاثَانَ النَّبِيِّ، وَفِي نُبُوَّةِ أَخِيَّا الشِّيلُونيِّ، وَفِي رُؤَى يَعْدُو الرَّائِي عَلَى يَرُبْعَامَ بْنِ نَبَاطَ؟ (أخبار الأيام الثاني ٩/ ٢٩).
٦ - سفر أخبار جاد الرائي، وسفر أخبار صموئيل الرائي: وَأُمُورُ دَاوُدَ الْمَلِكِ الأُولَى وَالأَخِيرَةُ هِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي سِفْرِ أَخْبَارِ صَمُوئِيلَ الرَّائِي، وَأَخْبَارِ نَاثَانَ النَّبِيِّ، وَأَخْبَارِ جَادَ الرَائِي (أخبار الأيام الأول ٢٩/ ٢٩).
٧ - سفر أخبار الأيام لملوك يهوذا: وذلك في موضعين:
وبقية أمور أمون التي عمل أما هي مكتوبة في سفر أخبار الأيام لملوك يهوذا (الملوك الثاني ٢١/ ٢٥).
وبقية أمور يهوياقيم وكل ما عمل إما هي مكتوبة في سفر ملوك إسرائيل ويهوذا (الملوك الثاني ٥/ ٢٤).
٨ - سفر ملوك إسرائيل ويهوذا: وَبَقِيَّةُ أُمُورِ يُوثَامَ وَكُلُّ حُرُوبِهِ وَطُرُقِهِ، هَا هِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي سِفْرِ مُلُوكِ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا. (أخبار الأيام الثاني ٢٧/ ٧).
٩ - سفر أخبار شمعيا النبي وعدو الرائي: وَأُمُورُ رَحُبْعَامَ الأُولَى وَالأَخِيرَةُ، أَمَا هِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي أَخْبَارِ شَمْعِيَا النَّبِيِّ وَعِدُّو الرَّائِي عَنِ الانْتِسَابِ؟ وَكَانَتْ حُرُوبٌ بَيْنَ رَحُبْعَامَ وَيَرُبْعَامَ كُلَّ الأَيَّامِ. . (أخبار الأيام الثاني ١٢/ ١٥).
١٠ - سفر كتاب إشعياء بن آموص النبي: وَبَقِيَّةُ أُمُورِ عُزِّيَّا الأُولَى وَالأَخِيرَةُ كَتبَهَا إِشَعْيَاءُ بْنُ آمُوصَ النَّبِيُّ. . (أخبار الأيام الثاني ٢٦/ ٢٢).
стр. 5958
١١ - سفر أخبار الرائيين: وَصَلَاتُهُ وَالاسْتِجَابَةُ لَهُ، وَكُلُّ خَطَايَاهُ وَخِيَانَتُهُ وَالأَمَاكِنُ الَّتِي بَنَى فِيهَا مُرْتَفَعَاتٍ وَأَقَامَ سَوَارِيَ وَتمَاثِيلَ قَبْلَ تَوَاضُعِهِ، هَا هِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي أَخْبَارِ الرَّائِينَ. . (أخبار الأيام الثاني ٣٣/ ١٦). (١)
فهل هذه الأسفار سقطت من النسخ أم نسخت أم أزالها الأحبار والكهنة أي جواب عن هذه التساؤلات مر.
* * *
стр. 5959
الشبهه الرابعة: ادعاؤهم أن القرآن يحض على الزنا .
نص الشبهة:
يقولون: إن القرآن يحض على الزنا، والدليل على ذلك قوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ (هود: ٧٨).
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: تفسير قوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ .
الوجه الثانى: في بيان ﴿أَطْهَرُ لَكُمْ﴾.
الوجه الثالث: في بيان أفعل التفضيل، وأن أفعل التفضيل في الآية ليس على بابه.
الوجه الرابع: الإسلام أصَّل قاعدة سد الذرائع الموصلة للزنا.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: تفسير قوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾.
قال ابن كثير: وقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ يرشدهم إلى نسائهم، فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد للرجال والنساء، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدنيا والآخرة، كما قال لهم في الآية الأخرى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ (الشعراء: ١٦٥، ١٦٦)، وقوله في الآية الأخرى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠)﴾ (الحجر: ٧٠) أي: ألم ننهك عن ضيافة الرجال ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ (الحجر: ٧١، ٧٢)، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾، قال مجاهد: لم يكن بناته، ولكن كن من أمَّتِهِ، وكل نبي أبو أمَّتِه. وكذا روي عن قتادة، وغير واحد.
وقال ابن جُرَيْج: أمرهم أن يتزوجوا النساء، ولم يعرض عليهم سفاحًا، وقال سعيد بن جبير: يعني نساءهم، من بَنَاته، وهو أب لهم، ويقال في بعض القراءات (النبي أولى
стр. 5960
بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم). وكذا روي عن الربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم (١).
قال الطبري: يقول تعالى ذكره: قال لوط لقومه لما جاءوه يراودونه عن ضيفه: هؤلاء يا قوم بناتي -يعني نساء أمته- فانكحوهن فهنّ أطهر لكم (٢).
الوجه الثاني: في بيان ﴿أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ والمراد منها .
أولًا: معناها في اللغة:
قال ابن منظور: من أطهر لكم: أي أحل لكم (٣). والتطهر: التنزه عما لا يحل (٤). ومعناها أيضًا: من الطهر نقيض الحيض، ونقيض النجاسة، والجمع أطهار (٥).
ثانيًا: بيان معناها عند المفسرين:
قال الطبري: قال: أمرهم لوط بتزويج النساء وقال: (من أطهر لكم). وقال أيضًا: عن مجاهد قال: أمرهم أن يتزوجوا النساء، لم يعرضْ عليهم سفاحًا (٦).
وقال ابن كثير: قال ابن جُرَيْج: أمرهم أن يتزوجوا النساء، ولم يعرض عليهم سفاحًا (٧).
وقال الماوردي: أي أحل لكم بالنكاح الصحيح (٨).
وقال البغوي: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ يعني: بالتزويج (٩).
стр. 5961
وقال الرازي: ظاهر قوله: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ يقتضي كون العمل الذي يطلبونه طاهرًا ومعلوم أنه فاسد ولأنه لا طهارة في نكاح الرجل، بل هذا جار مجرى قولنا: اللَّه أكبر، والمراد أنه كبير ولقوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾ (الصافات: ٦٢) ولا خير فيها، ولما قال أبو سفيان: اعل أحدًا واعل هبل قال النبي ﷺ : "اللَّه أعلى وأجل" ولا مقاربة بين اللَّه وبين الصنم (١).
وقال القرطبي: ابتداء وخبر، أي أزوجكموهن، فهو أطهر لكم مما تريدون، أي أحل، والتطهر التنزه عما لا يحل (٢).
ومعنى أطهر: أنظف فعلًا. وقيل: أحل وأطهر بيتًا ليس أفعل التفضيل، إذ لا طهارة في إتيان الذكور (٣).
وقال الشوكاني: أي: تزوّجوهنّ، ودعوا ما تطلبونه من الفاحشة بأضيافي، أي: أحلّ وأنزه والتطهر: التنزه عما لا يحل (٤).
وقال ابن عاشور: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ﴾ أنهنّ حلال لكم يَحُلْنَ بينكم وبين الفاحشة، فاسم التفضيل مسلوب المفاضلة قصد به قوّة الطهارة (٥).
الوجه الثالث: في بيان أفعل التفضيل، وأن أفعل التفضيل في الآية ليس على بابه .
قال ابن هشام: واسم التفضيل وهو الصفة الدالة على المشاركة والزيادة كأكرم (٦).
ولأفعل إذا كان للتفصيل ثلاثة أحوال (٧):
стр. 5962
الأول: أن يكون معه. من نحو، زيد أفضل من عمرو. والثاني: أن تدخل عليه الألف واللام. نحو: زيد الأفضل. والثالث: أن يكون مضافًا. نحو: زيد أفضل القوم وعمرو أفضلكم (١).
ومما سبق يظهر أن اسم التفضيل إما أن يكون معرَّفًا بأل، أو الإضافة، أو خاليًا منهما وإذا كان اسم التفضيل غير معرف بأل وغير مضاف لزم أن يأتي بعده (بمن) جارة للمفضول، وإن حُذفت كان موضعها ظاهرًا، والآية كما هو واضح خارجة عن هذه الحالات الثلاث لاسم التفضيل، ولذا كان اسم التفضيل غير دال على معنى التفضيل، بل هو دال على مطلق الوصف والانفراد بالفعل، أي: الطهارة، وانفراد الزواج وإتيان النساء لأنها فطرة اللَّه عن غير ذلك مما حرمه.
وقد جاء اسم التفضيل بمعنى اسم الفاعل، أو الصفة المشبهة قياسًا عند المبرد، سماعًا عند غيره. وهو الأصح كما في البيت، فإنهما بمعنى صغير وكبير.
وهذا البيت أورده المبرد في الكامل عند شرح قول الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بني لنا ... بيتًا دعائمه أعز وأطول
стр. 5963
قال: وجائزٌ أن يكون التقدير: دعائمه عزيزة طويلة، كما قال الآخر:
قبحتم يا آل زيدٍ نفرا. . . . البيت
قال: يريد صغارًا وكبارًا.
وقال العكبري: وأما (أمْيَلُ) فهو أفعل بمعنى فاعل كما جاءَ أكبرُ بمعنى كبير وأَوْحَدُ بمعنى واحدٍ وليسَ المعنى أنّي أكثرُ مَيْلًا منكم (١).
فقد تستعمل للمنفرد بالفعل، كقول اللَّه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي﴾ (يونس: ٣٥)، وقال تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ (الأنعام: ٨١) وقال لوط: ﴿بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ (هود: ٧٨) أي من أدبار الرجال، ولا طهارة فيهم (٢).
وصيغة التفضيل قد ترد مرادًا بها مطلق الوصف، لا حصول التفضيل بين شيئين وصيغة التفضيل في الآيات المذكورة لمطلق الوصف لا للتفضيل، والآيات التي ذكر معلوم أنها لا يمكن أن تكون للتفضيل، لأن الأصنام لا نصيب لها من أحقِّيِّة الاتباع أصلًا في قوله: ﴿أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي﴾ (يونس: ٣٥) ولأن الكفار لا نصيب لهم في الأحقية بالأمن، ولأن أدبار الرجال لا نصيب لها في الطهارة (٣).
الوجه الرابع: الإسلام أصَّل قاعدة سد الذرائع الموصلة للزنا (٤).
وضع الإسلام وأصَّل قاعدة هامة وهي قاعدة سد الذرائع، فالقاعدة تبين أن أي شيء يؤدي إلى الحرام فهو حرام، وأن اللَّه إذا حرَّم شيء حرَّم أسبابه، وكما قال ابن القيم: فَإِذَا حَرَّمَ الرَّبُّ تَعَالَى شَيْئًا وَلَهُ طُرُقٌ وَوَسَائِلُ تُفْضِي إلَيْهِ فَإِنَّهُ يحرِّمُهَا وَيَمْنَعُ مِنْهَا، تَحْقِيقًا
стр. 5964
لِتَحْرِيمِهِ، وَتَثْبِيتًا لَهُ، وَمَنْعًا أَنْ يُقْرَبَ حِمَاهُ، وَلَوْ أَبَاحَ الْوَسائِلَ وَالذَّرَائِعَ المُفْضِيَةَ إلَيْهِ لَكَانَ ذَلِكَ نَقْضًا لِلتَّحْرِيمِ، وَإِغْرَاءً لِلنُّفُوسِ بِهِ، وَحِكْمَتُهُ تَعَالَى وَعِلْمُهُ يَأْبَى ذَلِكَ. وَبَابُ سَدِّ الذَّرَائِعِ أَحَدُ أَرْبَاعِ التَّكْلِيفِ؛ فَإِنَّهُ أَمْرٌ وَنَهْيٌ (١).
والأمثلة في الشريعة من سد الذرائع الموصلة إلى الزنا كثيرة وعديدة، فمنها:
- إقامة الحدود، وشهود طائفة من المؤمنين هذه الحدود.
- الأمر بغض البصر.
- نهي المرأة أن تسافر بغير محرم.
- تشريع الاستئذان.
- منع إشاعة الفاحشة ونشر الرذيلة.
- تحريم الاختلاط.
- إبطال أنواع من الأنكحة يتراضاها الزوجان.
فالأمثلة كثيرة وعديدة، وقد توسعنا في هذا الباب في مقدمة حد الزنا، باب: (سد الذرائع الموصلة إلى الزنا).
* * *
стр. 5965
١٤ - حديث امرأتي لا تمنع يد لامس .
نص الشبهة:
في الآية ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: ٣).
وفي الحديث: عن ابن عباس، وفيه: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إن امرأتي لا تمنع يد لامسٍ قال: "غَرِّبْها"، قال: أخاف أن تتبعها نفسي، قال: "فاستمتع بها".
فالآية الكريمة تدل على أن الزاني من المؤمنين لا ينكح إلا زانيةً أو مشركةً، وكذا الزانية بينما ظاهر الحديث يدل على أنه يجوز للرجل أن يستمر على نكاح من زنت وهي تحته، ويدل أيضًا على أن هذه المرأة لا تمتنع ممن يطلب منها الفاحشة.
الرد على هذه الشبهة من وجوهٍ:
الوجه الأول: تخريج الحديث، وبيان درجته .
الوجه الثاني: الفهم الصحيح للحديث على تقدير ثبوته.
الوجه الثالث: سبب نزول الآية.
الوجه الرابع: تفسير الآية.
الوجه الخامس: توجيهات العلماء وتوفيقهم بين الحديث والآية.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: تخريج الحديث، وبيان درجته.
حديث ابن عباس، وفيه: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إن امرأتي لا تمنع يد لامسٍ قال: "غَرِّبْها"، قال: أخاف أن تتبعها نفسي، قال: "فاستمتع بها".
стр. 5966
وفي روايةٍ عن ابن عباس أيضًا: جاء إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: إن عندي امرأةً هي من أحب الناس إليَّ، وهي لا تمنع يد لامس، قال: "طلقها"، قال: لا أصبر عنها، قال: "استمتع بها" (١)
стр. 5967
الوجه الثاني: الفهم الصحيح للحديث على تقدير ثبوته .
للعلماء في هذا الحديث عدةُ تأويلاتٍ:
• أن الحديث ضعيفٌ لا يثبت.
• أن المراد أن المرأة لا ترد من أراد منها الفاحشة.
• أن المرأة لا ترد من أراد منها شيئًا من مالها، أو من مال زوجها.
• أنها سهلة الأخلاق ليس فيها نفورٌ وحشمةٌ عن الأجانب لا أنها تأتي الفاحشة -وهو الراجح- واللَّه أعلم.
عقد ابن القيم فصلًا بعنوان (فتاوى إمام المفتين. . . في الطلاق) عن قول الرجل للرسول ﷺ : "إن امرأتي لا ترد يد لامسٍ" فقال: فعورض بهذا الحديث المتشابه الأحاديث المحكمة الصريحة في المنع من تزويج البغايا، واختلفت مسالك المحرمين لذلك فيه.
فقالت طائفةٌ: المراد باللامس ملتمس الصدقة، لا ملتمس الفاحشة.
وقالت طائفةٌ: بل هذا في الدوام غير مؤثرٍ، وإنما المانع ورود العقد على زانيةٍ. فهذا هو الحرام. وقالت طائفةٌ: بل هذا من التزام أخف المفسدتين لدفع أعلاهما.
فإنه لما أمر بمفارقتها خاف أن لا يصبر عنها فيواقعها حرامًا، فأمره حينئذٍ بإمساكها، إذ مواقعتها بعد عقد النكاح أقل فسادًا من مواقعتها بالسفاح.
وقالت طائفة: بل الحديث ضعيفٌ لا يثبت.
وقالت طائفةٌ: ليس في الحديث ما يدل على أنها زانيةٌ، وإنما فيه أنها لا تمتنع ممن لمسها أو وضع يده عليها أو نحو ذلك، فهي تعطي الليان لذلك، ولا يلزم أن تعطيه الفاحشة الكبرى، ولكن هذا لا يؤمن معه إجابتها لداعي الفاحشة، فأمره بفراقها تركًا لما يريبه إلى
стр. 5968
ما لا يريبه، فلما أخبره بأن نفسه تتبعها وأنه لا صبر له عنها رأى مصلحة إمساكها أرجح من مفارقتها لما يكره من عدم انقباضها عمن يلمسها، فأمره بإمساكها، وهذا لعله أرجح المسالك، واللَّه أعلم.
وباختصارٍ بليغٍ يبين أنه لا تعارض بين الآية والحديث فيقول: ولا يعارض ذلك حديث ابن عباسٍ قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: إن امرأتي لا تمنع يد لامسٍ قال: "غربها"، قال: أخاف أن تتبعها نفسي، قال: "فاستمتع بها".
وقال: فإنه في الاستمرار على نكاح الزوجة الزانية، والآية في ابتداء النكاح فيجوز للرجل أن يستمر على نكاح من زنت وهي تحته، ويحرم عليه أن يتزوج بالزانية. (١)
وذكر الصنعاني المسألة باختصارٍ وأن الاختلاف فيها على قولين:
الأول: أن معناه الفجور؛ وأنها لا تمنع من يريد منها الفاحشة. وهذا قول أبي عبيد، والخلال، والنسائي، وابن الأعرابي، والخطابي، واستدل به الرافعي على أنه لا يجب تطليق من فسقت بالزنا إذا كان الرجل لا يقدر على مفارقتها.
والثاني: أنها تبذر بمال زوجها، ولا تمنع أحدًا طلب منها شيئًا منه، وهذا قول أحمد والأصمعي ونقله عن علماء الإسلام، وأنكر ابن الجوزي على من ذهب إلى الأول. قال في النهاية: وهو أشبه بالحديث؛ لأن المعنى الأول يشكل على ظاهر قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، وإن كان في معنى الآية وجوهٌ كثيرةٌ:
قلت: الوجه الأول في غاية من البعد، بل لا يصح للآية، ولأنه ﷺ لا يأمر الرجل أن يكون ديوثًا فحمله على هذا لا يصح.
والثاني: بعيدٌ؛ لأن التبذير إن كان بمالها فمنعها ممكن، وإن كان من مال الزوج فكذلك ولا يوجب أمره بطلاقها على أنه لم يتعارف في اللغة أن يقال: فلان لا يرد يد لامس كناية عن الجود.
стр. 5969
فالأقرب المراد: أنها سهلة الأخلاق ليس فيها نفور وحشمة عن الأجانب لا أنها تأتي الفاحشة، وكثير من النساء والرجال بهذه المثابة مع البعد من الفاحشة، ولو أراد به أنها لا تمنع نفسها عن الوقاع من الأجانب لكان قاذفًا لها. (١)
وفي تعليق السندي على هذا الحديث ذاكرًا اختلاف العلماء في حكم النهي عن نكاح الزانية (وقد رجح كونه مكروهًا) قائلًا: قِيلَ: هُوَ نَهْيُ تَنْزِيهٍ، أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ وَعَلَيْهِ الجُمْهُور، وَقِيلَ: حَرَامٌ كَمَا هُوَ ظاهِرُ قَوْله: (وَهِيَ لَا تَمْنَع يَد لَامِسٍ) أَيْ: أَنَّهَا مُطَاوِعَةٌ لِمَنْ أَرَادَهَا، وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ الْفُجُورِ.
وَقِيل: بَلْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ بَذْلِها الطَّعَامَ، قِيلَ: وَهُوَ الْأَشْبَه، وَقَالَ أَحْمَد: لَمْ يَكُنْ لِيَأْمُرَهُ بِإِمْسَاكِهَا وَهِيَ تَفْجُر، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ المُرَادُ السَّخَاءَ لَقِيلَ: لَا تَرُدُّ يَدَ مُلْتَمِسٍ؛ إِذْ السَّائِل يُقَال لَهُ المُلْتَمِس لَا لَامِس، وَأَمَّا اللَّمْس فَهُوَ الْجِمَاعُ أَوْ بَعْضُ مُقَدَّمَاتِهِ، وَأَيْضًا السَّخَاء مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ فَلَا تَكُون المَرْأَةُ مُعَاقَبَةً لِأَجْلِهِ مُسْتَحِقَّةً لِلْفِرَاقِ فَإِنَّهَا إِمَّا أَنْ تُعْطِيَ من مَالِها أَوْ من مَالِ الزَّوْجِ، وَعَلَى الثَّانِي عَلَى الزَّوْج صَوْنُه وَحِفْظُه. وَعَدَمُ تَمْكِينهَا مِنْهُ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ الْأَمْرُ بِتَطْلِيقِهَا، وَقِيلَ: المُرَادُ أَنَّهَا تَتَلَذَّذُ بِمَنْ يَلْمِسهَا فَلَا تَرُدُّ يَده وَلَمْ يُرِدْ الْفَاحِشَةَ الْعُظْمَى، وَإِلَّا لَكَانَ بِذَلِكَ قَاذِفًا -وهو الراجح-، وَقِيلَ: الْأَقْرَبُ أَنَّ الزَّوْج عَلِمَ مِنْهَا أَنَّ أَحَدًا لَوْ أَرَادَ مِنْهَا السُّوء لمَا كَانَتْ هِيَ تَرُدّهُ لَا أَنَّهُ تَحَقَّقَ وُقُوعُ ذَلِكَ مِنْهَا بَلْ ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ بِقَرَائِن فَأَرْشَدَهُ الشَّارِع إِلَى مُفَارَقَتهَا إِحْتِيَاطًا فَلَمَّا عَلِمَ أنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى فِرَاقهَا لِمَحَبَّتِهِ لَهَا وَأنَّهُ لَا يَصْبِر عَلَى ذَلِكَ رَخَّصَ لَهُ فِي إِثْبَاتهَا لِأَنَّ مَحَبَتَه لَهَا مُحَقَّقَةٌ وَوُقُوعَ الْفَاحِشَة مِنْهَا مُتَوَهَّمٌ.
"اسْتَمْتِعْ بِهَا" أَيْ: كُنْ مَعَهَا قَدْرَ مَا تَقْضِي حَاجَتَك، ثُمَّ لَا دَلَالَة فِي الْحَدِيث عَلَى جَوَاز نِكَاح الزَّانِيَة إِبْتِدَاءً ضَرُورَة أَنَّ الْبَقَاء أَسْهَل مِنَ الِابْتِدَاء عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ مُحْتَمِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ. (٢)
стр. 5970
وفي توجيه ابن حجر للحديث أجمل القول في ذكر الاختلاف فقال: اختلف العلماء في معنى قوله: (لا ترد يد لامس):
فقيل: معناه الفجور، وأنها لا تمتنع ممن يطلب منها الفاحشة. وبهذا قال أبو عبيد، والخلال، والنسائي، وابن الأعرابي، والخطابي، والغزالي، والنووي وهو مقتضى استدلال الرافعي به هنا.
وقيل: معناه التبذير، وأنها لا تمنع أحدًا طلب منها شيئًا من مال زوجها. وبهذا قال أحمد، والأصمعي، ومحمد بن ناصرٍ، ونقله عن علماء الإسلام، وابن الجوزي، وأنكر على من ذهب إلى الأول.
وقال بعض حذاق المتأخرين: قوله ﷺ له: "أمسكها" معناه: أمسكها عن الزنا -أو عن التبذير إما بمراقبتها، أو بالاحتفاظ على المال، أو بكثرة جماعها.
ورجح القاضي أبو الطيب الأول بأن السخاء مندوبٌ إليه، فلا يكون موجبًا لقوله: "طلقها"، ولأن التبذير إن كان من مالها فلها التصرف فيه، وإن كان من ماله فعليه حفظه، ولا يوجب شيئًا من ذلك الأمر بطلاقها.
التأويل الراجح عند ابن حجر العسقلاني:
قيل: والظاهر أن قوله: (لا ترد يد لامس) أنها لا تمنع من يمد يده ليتلذذ بلمسها، ولو كان كنى به عن الجماع لعُدَّ قاذفًا، أو أن زوجها فهم من حالها أنها لا تمتنع ممن أراد منها الفاحشة لا أن ذلك وقع منها. (١) وهذا ما رجحه ابن القيم، والصنعاني، والسندي -كما سبق-.
الوجه الثالث: سبب نزول الآية .
عَنْ عُبَيْدِ اللَّه بْنِ الأَخْنَسِ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ -وَكَانَ رَجُلًا يَحْمِلُ الْأَسْرَى مِنْ مَكَّةَ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِمْ المَدِينَةَ- قَالَ: وَكَانَتْ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ بِمَكَّةَ يُقَالُ لَهَا عَنَاقٌ وَكَانَتْ صَدِيقَةً لَهُ، وَإِنَّهُ كَانَ وَعَدَ رَجُلًا مِنْ أُسَارَى
الصُّفَّةِ أَنْ يَتَزَوَّجُوهُنَّ، فَيَأْوُوا إلَى مَسَاكِنِهِنَّ، وَيَأْكُلُوا مِنْ طَعَامِهِنَّ وَكِسْوَتِهنَّ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ؛ قَالَهُ ابْنُ أَبِي صَالِحٍ وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَزَادَ: أَنَّهُنَّ كُنَّ يُدْعَيْنَ الجَهَنَّمِيَّاتُ، نِسْبَةً إلَى جَهَنَّمَ. . (١)
الوجه الرابع: تفسير الآية:
﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ﴾ يَتَزَوَّج -أو يطأ- ﴿إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ أَيْ: المُنَاسِب لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا ذُكِرَ ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ﴾ أَيْ نِكَاح الزَّوَانِي ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الْأَخْيَار. نَزَلَ ذَلِكَ لمَّا هُمْ فُقَرَاء المُهَاجِرِينَ أَنْ يَتَزَوَّجُوا بَغَايَا المُشْرِكِينَ وَهُنَّ مُوسِرَاتٌ لِيُنْفِقْنَ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ: التَّحْرِيم خَاصٌّ بِهِمْ، وَقِيلَ: عَامّ وَنُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾.
فالذين يرتكبون هذه الفعلة لا يرتكبونها وهم مؤمنون. إنما يكونون في حالةٍ نفسيةٍ بعيدةٍ عن الإيمان وعن مشاعر الإيمان. وبعد ارتكابها لا ترتضي النفس المؤمنة أن ترتبط في نكاحٍ مع نفسٍ خرجت عن الإيمان بتلك الفعلة البشعة؛ لأنها تنفر من هذا الرباط وتشمئز. حتى لقد ذهب الإمام أحمد إلى تحريم مثل هذا الرباط بين زانٍ وعفيفةٍ، وبين عفيفٍ وزانيةٍ؛ إلا أن تقع التوبة التي تطهر من ذلك الدنس المنفر. وعلى آية حالٍ، فالآية تفيد نفور طبع المؤمن من نكاح الزانية، ونفور طبع المؤمنة من نكاح الزاني، واستبعاد وقوع هذا الرباط بلفظ التحريم الدال على شدة الاستبعاد: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ وكذلك تفيد تقبيحًا لأمر الزاني أشدَّ تقبيحٍ ببيان أنه بعد أن رضي بالزنا لا يليق به أن ينكح العفيفة المؤمنة؛ فبينهما كما بين سهيلٍ والثريا، فترى هذه شاميةً إذا ما استقلت، وترى ذاك إذا ما استقل يمانيًا، وإنما يليق به أن ينكح زانيةً هي في ذلك طبقه ليوافق كما قيل شن طبقه، أو مشركةً هي أسوأ منه حالًا وأقبح أفعالًا، فـ ﴿لَا يَنْكِحُ﴾ خبرٌ مرادٌ منه: لا يليق به أن ينكح كما تقول: السلطان لا يكذب، أي لا يليق به أن
стр. 5973
يكذب. نزل فيه عدم لياقة الفعل منزلة عدمه وهو كثيرٌ في الكلام، ثم المراد اللياقة وعدم اللياقة من حيث الزنا فيكون فيه من تقبيح الزنا ما فيه. (١)
الوجه الخامس: توجيهات العلماء وتوفيقهم بين الحديث والآية:
بدايةً تكاد تتفق كلمة الفقهاء على أن الزاني المسلم والزانية المسلمة إذا تابا وأرادا الزواج جاز لهما ذلك، وأما إذا لم يتوبا فلا، أما المشرك فلا ينكح المسلمة بحال حتى ولو تاب من زناه ما دام باقيًا على كفره، وكذا المسلم لا ينكح المشركة بحالٍ حتى وإن تابت من زناها ما بقيت على شركها وهذا إجماع، وسيأتي توجيه ابن القيم للآية والحديث حيث خص الآية في ابتداء الزواج، وخص الحديث باستمراره فمنع الأول وأجاز الثاني، وقد اختلفوا هل الآية محكمةٌ أم منسوخةٌ؟ فمِن مؤيِّدٍ للأول ومن مؤيِّدٍ للثاني، وسيتضح ذلك من خلال نُقُول العلماء في التوفيق بين الآية والحديث.
أولًا: سبب الاختلاف:
قال ابن رشد الحفيد: وسبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ هل خرج مخرج الذم أو مخرج التحريم؟ وهل الإشارة في قوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى الزنا أو إلى النكاح؟ وإنما صار الجمهور لحمل الآية على الذم لا على التحريم لما جاء في الحديث: أن رجلًا قال للنبي ﷺ في زوجته: إنها لا ترد يد لامس فقال له النبي ﷺ : "طلقها"، فقال له: إني أحبها، فقال له: "فأمسكها"، وقال قوم أيضًا: إن الزنا يفسخ النكاح بِناءً على هذا الأصل. وبه قال الحسن (٢).
ثانيًا: توجيهات العلماء:
للعلماء في الآية عدة توجيهات:
стр. 5974
١ - أن الآية على معنى الخبر، أي: أن الزاني لا يزني إلا بزانية لا تستحل الزنا، أو مشركةٍ تستحل الزنا، والزانية لا يزني بها إلا زانٍ أو مشرك. وعلى هذا فمعنى النكاح في الآية: الوطء.
٢ - أن الزاني لا يليق به أن يتزوج إلا زانيةً مثله أو مشركةً، والزانية لا يليق بها أن تتزوج إلا بزانٍ مثلها أو مشركٍ -وهذا على سبيل الزجر والتقبيح، ولا يفهم منه جواز نكاح مسلمٍ أيًّا كان حاله بمشركةٍ، أو مسلمةٍ أيًّا كان حالها بمشركٍ.
٣ - أَنَّهَا مَخْصوصَةٌ فِي الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً مَحْدُودَةً، وَلَا يَنْكِحُ الزَّانِيَةَ المَحْدُودَةَ إلَّا زَانٍ.
٤ - أَنَّهُ عَامٌّ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الزَّانِيَةِ عَلَى الْعَفِيفِ، وَالْعَفِيفِ عَلَى الزَّانِيَةِ.
٥ - أن الآية منسوخةٌ بقول اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (النور: ٣٢) فدخلت الزانية في أيامى المسلمين، وبقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ. .﴾ (النساء: ٣).
وقد رجح أبو جعفر الطبري قول من عني بالنكاح الوطء فقال: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: عنى بالنكاح في هذا الموضع الوطء، وأن الآية نزلت في البغايا المشركات ذوات الرايات، وذلك لقيام الحجة على أن الزانية من المسلمات حرام على كل مشرك، وأن الزاني من المسلمين حرام عليه كل مشركة من عبدة الأوثان، فمعلوم إذ كان ذلك كذلك، أنه لم يُعْن بالآية أن الزاني من المؤمنين لا يعقد عقد نكاح على عفيفة من المسلمات، ولا ينكح إلا بزانية أو مشركة، وإذ كان ذلك كذلك، فبين أن معنى الآية: الزاني لا يزني إلا بزانية لا تستحلّ الزنا أو بمشركة تستحله. (١)
وارتضاه أيضًا ابن كثير فبين أن هذا خَبَر من اللَّه تعالى بأن الزاني لا يَطأ إلا زانية أو مشركة. أي: ولا يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية أو مشركة، لا ترى حرمة ذلك، وكذلك: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ﴾ أي: عاص بزناه، ﴿أَوْ مُشْرِكٌ﴾ لا يعتقد تحريمه.
стр. 5975
قال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي عَمَرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ﵄: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ قال: ليس هذا بالنكاح، إنما هو الجماع، لا يزني بها إلا زانٍ أو مشرك.
وهذا إسناد صحيح عنه. . وقال قتادة، ومقاتل بن حَيّان: حرم اللَّه على المؤمنين نكاح البغايا. (١)
وأما أبو السعود فقد رجح أن النكاح بمعنى العقد، وأنه حكمٌ مؤسَّسٌ على الغالبِ المُعتادِ جيءَ به لزجرِ المؤمنينَ عن نكاحِ الزَّواني بعدَ زجرِهم عن الزِّنا بهنَّ. . . وعدمِ التَّعرضِ في الجُملة الثَّانيةِ للمشركةِ للتنبيهِ على أنَّ مناطَ الزَّجرِ والتَّنفيرِ هو الزِّنا لا مجردُ الإشراكِ وإنَّما تعرَّضَ لها في الأُولى إشباعًا في التَّنفير عن الزَّانيةِ بنظمها في سلكِ المُشركةِ ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ﴾ أي نكاحُ الزَّواني ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ لما أنَّ فيهِ من التَّشبهِ بالفسقةِ والتَّعرضِ للتُّهمةِ والتَّسببِ لسوءِ القالةِ والطَّعنِ في النَّسبِ، واختلالِ أمرِ المعاشِ، وغيرِ ذلكَ من المفاسدِ ما لا يكادُ يليقُ بأحدٍ من الأداني والأراذلِ فضلًا عنِ المُؤمنينَ، ولذلكَ عبَّر عن التنزيهِ بالتَّحريمِ مُبالغةً في الزَّجرِ. وقيل: النَّفيُ بمعنى النَّهي وقد قُرىءَ بهِ. والتَّحريمُ على حقيقته والحكمُ إمَّا مخصوصٌ بسبب النُّزولِ أو منسوخٌ بقولهِ تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾، فإنَّه متناولٌ للمسافحاتِ. (٢)
وحول القول بالنسخ من عدمه يذكر أبو جعفر النحاس للعلماء في الآية أربعة أقوال:
الأول: منهم من قال: هي منسوخة.
الثاني: ومنهم من قال: النكاح هاهنا الوطء.
стр. 5976
الثالث: ومنهم من قال: الزاني هنا المجلود في الزنا لا ينكح إلا زانيةً مجلودةً في الزنا أو مشركةً وكذا الزانية.
الرابع: ومنهم من قال: هي الزانية التي تتكسب بزناها وتنفق على زوجها واحتج بأن الآية في ذلك أنزلت.
فممن قال: هي منسوخةٌ، سعيد بن المسيب. . . قال ابن عمر: إنها نسخت بالآية التي بعدها ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (النور: ٣٢)، فدخلت الزانية في أيامى المسلمين وهذا القول الذي عليه أكثر العلماء وأهل الفتيا. . . (١)
ونقل عن الشافعي قوله: القول فيها كما قال سعيد بن المسيب إن شاء اللَّه أنها منسوخة ثم قال: وهذا الحديث يجوز أن يكون منسوخًا كما نسخت الآية في قول سعيد بن المسيب، وانتهى به القول إلى اختياره قول الإمام الشافعي من كون الآية منسوخة. . (٢)
ولما تردد القول عند العلماء في هذه الآية بين النسخ وعدمه صحح ابن جزي قول من قال: إنه عني الوطء: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الآية: معناها ذم الزناة وتشنيع الزنا، وأنه لا يقع فيه إلا زان أو مشرك، ولا يوافقه عليه من النساء إلا زانية أو مشركة، وينكح على هذا بمعنى: يجامع. (٣)
ورجح ابن نجيم الحنفي المصري: أن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ منْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ عَلَى مَا قِيلَ بِدَلِيلِ الحدِيثِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّه: إنَّ امْرَأَتِي لَا تَدْفَعُ يَدَ لَامِسٍ، فَقَالَ ﵇: "طَلِّقْهَا"، فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّهَا وَهِيَ جَمِيلَة، فَقَالَ ﵇: "اسْتَمْتِعْ بِهَا"، وَفِي
стр. 5977
المُجْتَبَى مِنْ آخِرِ الحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ: لَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ تَطْلِيقُ الْفَاجِرَةِ وَلَا عَلَيْهَا تَسْرِيحُ الْفَاجِرِ إلَّا إذَا خَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّه فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَفَرَّقَا. (١)
وفي فتاوى ابن عليش: وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَيِّنَةٍ فِي نَفْسِهَا اسْتُحِبَّ لَهُ فِرَاقُهَا مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ إلَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِهَا نَفْسُهُ لِحَدِيثِ: (إنَّ زَوْجَتِي لَا تَرُدَّ يَدَ لَامِسٍ)، وَلَا يَأْمَنُ أَنْ تُلْحِقَ بِهِ وَلَدَ غَيْرِهِ. ونقل عن الأصمعي قوله في تأويل الحديث: إنَّمَا كَنَّى عَنْ بَذْلِهَا الطَّعَامَ، وَمَا يُدْخِلْهُ عَلَيْهَا لَا غَيْرُ. (٢)
وقال الإمام الشَّافِعِيُّ: فَالِاخْتِيَارُ لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يَنْكِحَ زَانِيَةً وَللْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَنْكِحَ زَانِيًا، فَإِنْ فَعَلَا فَلَيْسَ ذلك بِحَرَامٍ على وَاحِدٍ مِنْهُما لَيْسَتْ مَعْصِيَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا في نَفْسِهِ تُحَرِّمُ عليه الحَلَالَ إذَا أَتَاهُ، قال: وَكَذَلِكَ لو نَكَحَ امْرَأَةً لم يَعْلَمْ أنها زَنَتْ فَعَلِمَ قبل دُخُولِهَا عليه أنها زَنَتْ قبل نِكَاحِهِ أو بَعْدَهُ لم تَحْرُمْ عليه، ولم يَكُنْ له أَخْذُ صَدَاقِهِ منها وَلَا فَسْخُ نِكَاحِهَا، وكان له إنْ شَاءَ أَنْ يُمْسِكَ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُطَلِّقَ، وَكَذَلِكَ إنْ كان هو الذي وَجَدَتْهُ قد زَنَى قبل أَنْ يَنْكِحَهَا أو بعد ما نَكَحَهَا قبل الدُّخُولِ أو بَعْدَهُ فَلَا خِيَارَ لها في فِرَاقِهِ وَهِيَ زَوْجَتُهُ بِحَالِهَا وَلَا تَحْرُمُ عليه، وَسَوَاءٌ حُدَّ الزَّانِي مِنْهُمَا أو لم يُحَدَّ، أو قَامَتْ عليه بَيِّنَةٌ أو اعْتَرَفَ لَا يحرِّمُ زِنَا وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا زِنَاهُمَا، وَلَا مَعْصِيَةٌ من الْمَعَاصِي الحَلَالَ إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ دِينَاهُمَا بِشِرْكٍ وَإِيمَانٍ. . .
وقال أيضًا: أخبرنا سُفْيَانُ عن يحيى بن سَعِيدٍ عن سَعِيدِ بن المُسَيِّبِ أَنَّهُ قال: هِيَ مَنْسُوخَةٌ نَسَخَتْهَا ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ فَهِيَ من أَيَامَى المُسْلِمِينَ؛ فَهَذَا كما قال ابن المُسَيِّبِ إنْ شَاءَ اللَّه (يعني أنها منسوخة)، وَعَلَيْهِ دَلَائِلُ من الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. (٣)
واستطرد القرطبي في معنى الآية، وأن مقصد الآية تشنيع الزنا، وتبشيع أمره، وأنه محرمٌ على المؤمنين.
стр. 5978
ويريد بقوله: ﴿لَا يَنْكِحُ﴾ أي لا يطأ؛ فيكون النكاح بمعنى الجماع. فالمعنى: الزاني لا يطأ في وقت زناه إلا زانية من المسلمين، أو من هي أخس منها من المشركات. وقد روي عن ابن عباس وأصحابه أن النكاح في هذه الآية الوطء. وأنكر ذلك الزجاج وقال: لا يعرف النكاح في كتاب اللَّه تعالى إلا بمعنى التزويج. وليس كما قال، وفي القرآن: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (البقرة: ٢٣٠) وقد بينه النبي ﷺ أنه بمعنى الوطء، . . . فهذا قول.
أو: أنها نزلت في شأن بغي يقال لها عناق، وكانت صديقة مرثد، قال الخطابي: هذا خاص بهذه المرأة إذ كانت كافرة، فأما الزانية المسلمة فإن العقد عليها لا يفسخ.
أو: أنها مخصوصةٌ في رجلٍ من المسلمين أيضًا استأذن رسول اللَّه ﷺ في نكاح امرأةٍ يقال لها أم مهزول. . . ثم قال: في هذه الآية دليل على أن التزوج بالزانية صحيح. وإذا زنت زوجة الرجل لم يفسد النكاح وإذا زنى الزوج لم يفسد نكاحه مع زوجته، وهذا على أن الآية منسوخة. وقيل إنها محكمة. . .
ثم ذكر قول ابن خويز منداد: من كان معروفًا بالزنا أو بغيره من الفسوق معلنًا به فتزوج إلى أهل بيت ستر وغرهم من نفسه فلهم الخيار في البقاء معه أو فراقه، وذلك كعيب من العيوب؛ فأما من لم يشتهر بالفسق فلا.
ثم قال: قال قوم من المتقدمين: الآية محكمة غير منسوخة، وعند هؤلاء: من زنى فسد النكاح بينه وبين زوجته، وإذا زنت الزوجة فسد النكاح بينها وبين زوجها. وقال قوم من هؤلاء: لا ينفسخ النكاح بذلك، ولكن يؤمر الرجل بطلاقها إذا زنت، ولو أمسكها أثم، ولا يجوز التزوج بالزانية ولا من الزاني، بل لو ظهرت التوبة فحينئذ يجوز النكاح. (١)
стр. 5979
وخص الكيا الهراسي الآية بالبغايا فقال: فأقوى التأويلات أن الآية نزلت في بغايا الجاهلية، والمسلم ممنوعٌ من التزوج بهن، فإذا تُبنَ وأسلمن صح النكاح، وإذا ثبت ذلك، فلا يجب كونه منسوخًا. (١)
وقد رجح النووي قول إمامه الشافعي أن الآية منسوخة وأن من زنى بامرأة لم يحرم عليه نكاحها لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، وجمع بين الأحاديث المانعة والمبيحة قائلًا: ويمكن الجمع بين الأحاديث بأن المنع لمن كانت مستمرة في مزاولة البغاء أي والإباحة لمن تابت مبينًا أن المرأة غير العفيفة يستحب طلاقها مستدلًا بقول الرسول ﷺ للرجل: "طلقها". (٢)
ومجمل القول:
* أن الزاني لا يزني إلا بزانيةٍ أو مشركةٍ -أي لا يطاوعه إلا هذان الصنفان-، والزانية لا يزني بها إلا زانٍ أو مشركٌ (أي أن الآية على معنى الخبر).
* أو أن الزاني لا يليق به أن يتزوج إلا زانيةً مثله أو مشركةً، والزانية لا يليق بها أن تتزوج إلا بزانٍ مثلها أو مشركٍ -وهذا على سبيل الزجر والتقبيح، ولا يفهم منه جواز نكاح مسلمٍ أيًّا كان حاله بمشركةٍ، أو مسلمةٍ أَيًّا كان حالها بمشركٍ-.
* أو أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ فِي الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيةً مَحْدُودَةً، وَلَا يَنْكِحُ الزَّانِيَةَ المَحْدُودَةَ إلَّا زَانٍ. أو كانت على معنى التحريم -تحريم الزواج- ولم تنسخ.
* أو أَنَّهُ عَامٌّ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الزَّانِيَةِ عَلَى الْعَفِيفِ، وَالْعَفِيفِ عَلَى الزَّانِيَةِ.
* أن الآية منسوخةٌ بقول اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (النور: ٣٢)، فدخلت الزانية في أيامى المسلمين، وبقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ الآية (النساء: ٣).
стр. 5980
فلا تنافي بين معنى الآية والحديث: إذ لو كان معنى الحديث أن المرأة لا ترد من طلب منها الفاحشة -وهذا بعيد- فالتحريم يكون في ابتداء الزواج لا في استمراره -كما سبق-.
ولو كان معنى الحديث أنها سهلة الأخلاق ليس فيها نفورٌ وحشمةٌ عن الأجانب، وأنها لا تمنع من يمد يده ليتلذذ بلمسها -وهو الراجح- لا أنها تأتي الفاحشة، وكثيرٌ من النساء والرجال بهذه المثابة مع البعد من الفاحشة، فلا علاقة بين معنى الآية والحديث.
* * *
стр. 5981
١٥ - شبهة: الإسلام أباح اللواط .
نص الشبهة:
قالوا: إن الإسلام أحل اللواط واستدلوا بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (البقرة: ٢٢١) (أي: لا تتزوجوا).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (النساء: ١٢٧).
٣ - قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ (العنكبوت: ٢٩).
٤ - قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (آل عمران: ١٤).
٥ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ (النساء: ١٦).
٦ - ذكر القرآن لفعل قوم لوط.
والجواب على ذلك من وجوه
الوجه الأول: تحريم اللواط من القرآن العزيز .
الوجه الثاني: تحريم اللواط من السنة.
الوجه الثالث: إجماع الصحابة على قتل الفاعل والمفعول به دليل على حرمة اللواط.
الوجه الرابع: إجماع أهل العلم على تحريم اللواط.
الوجه الخامس: الإسلام جاء بسد الزريعة حتى لا يقع أمر اللواط.
الوجه السادس: عقوبة اللواط، وفي ذلك دليل علي الحرمة.
الوجه السابع: الأضرار التي تعود على اللائط من الناحية الطبية.
الوجه الثامن: ردود حول ما استدلوا به من الآيات.
الوجه التاسع: الشذوذ في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: تحريم اللواط من القرآن العزيز
الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (المؤمنون: ٥: ٧).
стр. 5982
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)﴾ (المعارج: ٢٩ - ٣١).
قال ابن كثير: أي: والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام، فلا يقعون فيما نهاهم اللَّه عنه من زنا أو لواط، ولا يقربون سوى أزواجهم التي أحلها اللَّه لهم، وما ملكت أيمانهم من السراري، ومن تعاطى ما أحله اللَّه له فلا لوم عليه ولا حرج؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أي: غير الأزواج والإماء، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أي: المعتدون (١).
قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ فسمى من نكح ما لا يحل عاديا، وأوجب عليه الحد لعدوانه، واللائط عاد قرآنًا ولغة، بدليل قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾، فوجب أن يقام الحد عليهم، وهذا ظاهر لا غبار عليه (٢).
الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾ (الأعراف: ٨٠: ٨٤). وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ
стр. 5983
(١٧٣)﴾ (الشعراء: ١٦٠: ١٧٣) وقال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (النمل: ٥٤: ٨٥). وقال تعالى: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ (هود: ٨٩).
قال ابن كثير: يخبر تعالى عن عبده لوط ﵇، أنه أنذر قومه نقمة اللَّه بهم، في فعلهم الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم، وهي إتيان الذكور دون الإناث، وذلك فاحشة عظيمة، استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، قال: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ (١).
قال الشوكاني: وَمَا أَحَقَّ مُرْتَكِبَ هَذِهِ الْجَرِيمَةِ وَمُقَارِفَ هَذِهِ الرَّذِيلَةِ الذَّمِيمَةِ؛ بِأَنْ يُعَاقَبَ عُقُوبَةً يَصِيرُ بِهَا عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وَيُعَذَّبَ تَعْذِيبًا يَكْسِرُ شَهْوةَ الْفَسَقَةِ المُتَمَرِّدِينَ، فَحَقِيقٌ بِمَنْ أَتَى بِفَاحِشَةِ قَوْمٍ مَا سَبَقَهُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالمِينَ؛ أَنْ يَصْلَى مِنْ الْعُقُوبَةِ بِمَا يَكُونُ فِي الشِّدَّةِ وَالشَّنَاعَةِ مُشَابِهًا لِعُقُوبَتِهِمْ؛ وَقَدْ خَسَفَ اللَّه تَعَالَى بِهِمْ وَاسْتَأْصَلَ بِذَلِكَ الْعَذَابِ بِكْرَهُمْ وَثَيِّبَهُمْ (٢).
قال الشيخ سيد سابق: إن جريمة اللواط من أكبر الجرائم، وهي من الفواحش المفسدة للخلق وللفطرة وللدين والدنيا، بل وللحياة نفسها، وقد عاقب اللَّه عليها بأقصى عقوبة؛ فخسف الأرض بقوم لوط، وأمطر عليهما حجارة من سجيل جزاء فعلتهم القذرة، وجعل ذلك قرآنا يتلى ليكون درسًا؛ قال اللَّه سبحانه: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ
стр. 5984
كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾ (الأعراف: ٨٠ - ٨٤)، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ (هود: ٧٧ - ٧٨) (١).
الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ (الأنعام: ١٢٠)
قال الشيخ محمد رشيد رضا: الإثم في اللغة القبيح الضار، وفي الشرع كل ما حرمه اللَّه تعالى؛ وهو لم يحرم على العباد إلا ما كان ضارًا بالأفراد في أنفسهم، أو أموالهم، أو عقولهم، أو أعراضهم أو دينهم أو ضارًا بالجماعات في مصالحهم السياسية أو الاجتماعية. (٢)
الدليل الرابع: سمى اللَّه اللواط بالفاحشة وقد حرم علينا الفواحش.
أنكر اللَّه على لسان سيدنا لوط هذه الفاحشة فقال: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ (الأعراف: ٨٠)، وقد حرم اللَّه علينا الفواحش قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (الأنعام: ١٥١).
وقد قال النبي ﷺ : "لا أحد أغير من اللَّه من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن" (٣).
وقد قال سعد بن عبادة: لو رأيت مع امرأتي رجلًا لضربته بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ فقال: "أتعجبون من غيرة سعد، فواللَّه لأنا أغير من سعد واللَّه أغير مني من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن". (٤)
стр. 5985
وقال أيضًا في قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (الأنعام: ١٥١)، أي لا تقربوا ما عظم قبحه من الأفعال والخصال؛ كالزنا واللواط وقذف المحصنات ونكاح الآباء، وكل منها سمي في التنزيل فاحشة فهو مما يثبت شدة قبحه شرعًا وعقلًا (١).
الوجه الثاني: تحريم اللواط من السنة .
عن ابن عباس ﵁: قال رسول اللَّه ﷺ : "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" (٢).
الوجه الثالث: إجماع الصحابة على قتل الفاعل والمفعول به دليل على حرمة اللواط .
قال ابن تيميه بعد ذكره لأحاديث النبي ﷺ : ولأن أصحاب النبي ﷺ اتفقوا على قتلهما. (٣)
وذكر هذا الإجماع ابن قدامة في المغني (٤)، ونقله ابن القيم عن ابن القصار وعن ابن تيمية. (٥)
الوجه الرابع: إجماع أهل العلم على تحريم اللواط .
نقل هذا الإجماع ابن قدامه في المغني فقال: أجمع أهل العلم على تحريم اللواط، وقد ذمه اللَّه في كتابه وعاب من فعله وذمه رسول اللَّه ﷺ . (٦)
وذكره القرطبي أيضًا في تفسيره فقال: واختلف العلماء فيما يجب على من فعل ذلك بعد إجماعهم على تحريمه. (٧)
الوجه الخامس: الإسلام جاء بسد الزريعة حتى لا يقع أمر اللواط .
١ - نهى النبي ﷺ أن ينظر الرجل إلى عورة الرجل، فما بالك باللواط؟ !
стр. 5986
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَة، وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ؛ وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ" (١).
قال النووي: فَفِيهِ تَحْرِيم نَظَر الرَّجُل إِلَى عَوْرَة الرَّجُل، وَالْمَرْأَة إِلَى عَوْرَة الْمَرْأَة، وَهَذَا لَا خِلَاف فِيهِ. وَأَمَّا قَوْلِهِ ﷺ : "وَلَا يُفْضِي الرَّجُل إِلَى الرَّجُل فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ"، وَكَذَلِكَ فِي الْمَرْأَة مَعَ الْمَرْأَة. فَهُوَ نَهْي تَحْرِيم إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا حَائِل، وَفِيهِ دَلِيل عَلَى تَحْرِيم لَمْسِ عَوْرَة غَيْره بِأَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنه كَانَ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
قلت: فهذا نص صريح في حرمة ما ذكر النبي ﷺ ؛ ومن باب أولى فاحشة اللواط.
٢ - الأمر بالتفرقة بين الأولاد في النوم:
حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع" (٣).
الوجه السادس: عقوبة اللواط؛ وفي ذلك دليل على الحرمة .
اختلف الفقهاء في عقوبة اللواط علي نحو ما يلى:
الاتجاه الأول: لا حد عليه؛ وإنما يعزر فاعله .
وهو مذهب أبي حنيفة، وابن حزم. (٤) وحجتهم في هذا ما يلي:
١ - أنه لم يرد في الشرع للواط عقوبة مقدرة، فصار فيه التعزير ليكف ضرره عن الناس.
وأجيب عليه: بأنه قد ثبت في السنة حد معين للواط، وقد ذكر غير واحد من أهل العلم إجماع الصحابة على قتل فاعله.
стр. 5987
ولذا قال ابن قدامة: (وقول من أسقط الحد عنه؛ يخالف النص والإجماع). (١)
٢ - استدلوا بحديث النبي ﷺ "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّه إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ" النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَارِقُ مِنْ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ". (٢)
وأجيب عليه بقول ابن عبد البر ﵀ حيث قال: وهذا حديث قيل في وقت، ثم نزل بعده إباحة دم الساعي بالفساد في الأرض، وقاطع السبيل، وعامل عمل قوم لوط، ومن شق عصى المسلمين، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "إِذَا بُويعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا" (٣)، وجاء النص فيمن عمل عمل قوم لوط (فاقتلوه).
وهذا من نحو قول اللَّه ﷻ ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ. .﴾ (الأنعام: ١٤٥). ثم حرم اللَّه بعد ذلك أشياء كثيرة في كتابه، أو على لسان نبيه، منها أن اللوطي زان، واللواط زنى وأقبح من الزنا، وباللَّه التوفيق. (٤)
قال الشوكاني معقبًا على من قال (لا حد عليه): وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْمذْهَبِ مِنْ المُخَالَفَةِ لِلْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي خُصُوصِ اللُّوطِيِّ؛ وَالْأَدِلَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الزَّانِي عَلَى الْعُمُومِ. (٥)
القول الثاني: أن عليه الحد .
وهذا ما عليه جمهور العلماء، لكنهم اختلفوا في نوعية الحد وصفة تطبيقه على قولين:
الأول: يحد حد الزنا فيفرق بين المحصن وغيره.
وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والحسن وقتادة والنخعي والثوري والأوزاعي والشافعي في قول له، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وصاحبا أبي حنيفة: (أبو يوسف ومحمد بن الحسن). (٦)
стр. 5988
واستدلوا بالآتي:
١ - حديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان". (١)
وأجيب عليه بأن الحديث لا يصح، فلا يحتج به.
٢ - قياس اللواط على الزنا؛ بجامع أن كلًا منهما إيلاج فرج محرم في فرج محرم شرعًا؛ فيكون اللائط والملوط به داخلين تحت عموم الأدلة الواردة في الزاني المحصن والبكر.
وأجيب عليه: بِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الْوَارِدَةَ بِقَتْلِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ مُطْلَقًا؛ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ أَدِلَّةِ الزِّنَا الْفَارِقَةِ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، عَلَى فَرْضِ شُمُولِهَا لِلُّوطِيِّ، وَمُبْطِلَةٌ لِلْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ عَلَى فَرْضِ عَدَمِ الشُّمُولِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فَاسِدَ الِاعْتِبَارِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ (٢).
ولذا قال الصنعاني: لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ الَّتِي جَمَعُوهَا عِلَّةٌ لإِلْحَاقِ اللِّوَاطِ بِالزِّنَى لَا دَلِيلَ عَلَى علتها (٣).
الثاني: يقتل حدًا علي كل حال محصنًا أو غير محصن؛ وهو مذهب مالك وإسحق وأبو ثور وأحمد في أصح الروايتين عنه، والشافعي في أحد قوليه، وصاحبا أبي حنيفة. (٤)، واستدلوا بالآتي:
стр. 5989
١ - حديث ابن عباس ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ" (١).
وهذا ليس فيه تفصيل لمن أحصن أو لم يحصن، فدل بعمومه على قتله مطلقًا.
٢ - الإجماع المنقول عن الصحابة على قتله، وإنما اختلفوا في صفة القتل.
وبعد هذا فقد تبين أن الذي يترجح أن اللوطي يقتل على كل حال سواء كان محصنًا أو غير محصن، والمختار أن يقتل بالرجم كما رآه الجمهور، وذلك للآتي:
١ - أن اللَّه تعالى سمي اللواط فاحشة، فقال تعالى ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (العنكبوت: ٢٨).
стр. 5990
وسمي سبحانه الزنا فاحشة؛ فقال ﷻ : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ (الإسراء: ٣٢). فيكون الحد على اللواط كالزنا بجامع ما بينهما من الوصف المشترك، غير أنه في اللواط القتل رجمًا في جميع الأحوال بالنص.
٢ - أن اللَّه تعالى عاقب قوم لوط بالرجم، قال سبحانه. . . ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢)﴾ (هود: ٨٢).
وهناك ثلاثة آراء أخرى للصحابة في كيفية قتل اللوطي، وهي:
١ - الرمي من أعلى بناء في البلد ثم يتبع بالحجارة، وهو مروي عن ابن عباس وأبي بكر (١).
٢ - يلقي عليه حائط، وهو مروي عن عمر وعثمان (٢).
٣ - إحراق اللوطي بالنار، وهو مروي عن أبي بكر وعلي (٣). (ولا يصح).
الوجه السابع: الأضرار التي تعود على اللائط من الناحية الطبية .
قال الشيخ محمد رشيد: وجملة القول في هذه الفاحشة أنها:
١ - جناية على الفطرة البشرية.
٢ - مفسدة للشبان بالإسراف في الشهوة، لأنها تنال بسهولة.