← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَة، وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ؛ وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ" (١). قال النووي: فَفِيهِ تَحْرِيم نَظَر الرَّجُل إِلَى عَوْرَة الرَّجُل، وَالْمَرْأَة إِلَى عَوْرَة الْمَرْأَة، وَهَذَا لَا خِلَاف فِيهِ. وَأَمَّا قَوْلِهِ ﷺ : "وَلَا يُفْضِي الرَّجُل إِلَى الرَّجُل فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ"، وَكَذَلِكَ فِي الْمَرْأَة مَعَ الْمَرْأَة. فَهُوَ نَهْي تَحْرِيم إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا حَائِل، وَفِيهِ دَلِيل عَلَى تَحْرِيم لَمْسِ عَوْرَة غَيْره بِأَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنه كَانَ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) قلت: فهذا نص صريح في حرمة ما ذكر النبي ﷺ ؛ ومن باب أولى فاحشة اللواط. ٢ - الأمر بالتفرقة بين الأولاد في النوم: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع" (٣). الوجه السادس: عقوبة اللواط؛ وفي ذلك دليل على الحرمة . اختلف الفقهاء في عقوبة اللواط علي نحو ما يلى: الاتجاه الأول: لا حد عليه؛ وإنما يعزر فاعله . وهو مذهب أبي حنيفة، وابن حزم. (٤) وحجتهم في هذا ما يلي: ١ - أنه لم يرد في الشرع للواط عقوبة مقدرة، فصار فيه التعزير ليكف ضرره عن الناس. وأجيب عليه: بأنه قد ثبت في السنة حد معين للواط، وقد ذكر غير واحد من أهل العلم إجماع الصحابة على قتل فاعله.

стр. 5987

ولذا قال ابن قدامة: (وقول من أسقط الحد عنه؛ يخالف النص والإجماع). (١) ٢ - استدلوا بحديث النبي ﷺ "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّه إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ" النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَارِقُ مِنْ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ". (٢) وأجيب عليه بقول ابن عبد البر ﵀ حيث قال: وهذا حديث قيل في وقت، ثم نزل بعده إباحة دم الساعي بالفساد في الأرض، وقاطع السبيل، وعامل عمل قوم لوط، ومن شق عصى المسلمين، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "إِذَا بُويعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا" (٣)، وجاء النص فيمن عمل عمل قوم لوط (فاقتلوه). وهذا من نحو قول اللَّه ﷻ ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ. .﴾ (الأنعام: ١٤٥). ثم حرم اللَّه بعد ذلك أشياء كثيرة في كتابه، أو على لسان نبيه، منها أن اللوطي زان، واللواط زنى وأقبح من الزنا، وباللَّه التوفيق. (٤) قال الشوكاني معقبًا على من قال (لا حد عليه): وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْمذْهَبِ مِنْ المُخَالَفَةِ لِلْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي خُصُوصِ اللُّوطِيِّ؛ وَالْأَدِلَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الزَّانِي عَلَى الْعُمُومِ. (٥) القول الثاني: أن عليه الحد . وهذا ما عليه جمهور العلماء، لكنهم اختلفوا في نوعية الحد وصفة تطبيقه على قولين: الأول: يحد حد الزنا فيفرق بين المحصن وغيره. وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والحسن وقتادة والنخعي والثوري والأوزاعي والشافعي في قول له، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وصاحبا أبي حنيفة: (أبو يوسف ومحمد بن الحسن). (٦)

стр. 5988

واستدلوا بالآتي: ١ - حديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان". (١) وأجيب عليه بأن الحديث لا يصح، فلا يحتج به. ٢ - قياس اللواط على الزنا؛ بجامع أن كلًا منهما إيلاج فرج محرم في فرج محرم شرعًا؛ فيكون اللائط والملوط به داخلين تحت عموم الأدلة الواردة في الزاني المحصن والبكر. وأجيب عليه: بِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الْوَارِدَةَ بِقَتْلِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ مُطْلَقًا؛ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ أَدِلَّةِ الزِّنَا الْفَارِقَةِ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، عَلَى فَرْضِ شُمُولِهَا لِلُّوطِيِّ، وَمُبْطِلَةٌ لِلْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ عَلَى فَرْضِ عَدَمِ الشُّمُولِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فَاسِدَ الِاعْتِبَارِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ (٢). ولذا قال الصنعاني: لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ الَّتِي جَمَعُوهَا عِلَّةٌ لإِلْحَاقِ اللِّوَاطِ بِالزِّنَى لَا دَلِيلَ عَلَى علتها (٣). الثاني: يقتل حدًا علي كل حال محصنًا أو غير محصن؛ وهو مذهب مالك وإسحق وأبو ثور وأحمد في أصح الروايتين عنه، والشافعي في أحد قوليه، وصاحبا أبي حنيفة. (٤)، واستدلوا بالآتي:

стр. 5989

١ - حديث ابن عباس ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ" (١). وهذا ليس فيه تفصيل لمن أحصن أو لم يحصن، فدل بعمومه على قتله مطلقًا. ٢ - الإجماع المنقول عن الصحابة على قتله، وإنما اختلفوا في صفة القتل. وبعد هذا فقد تبين أن الذي يترجح أن اللوطي يقتل على كل حال سواء كان محصنًا أو غير محصن، والمختار أن يقتل بالرجم كما رآه الجمهور، وذلك للآتي: ١ - أن اللَّه تعالى سمي اللواط فاحشة، فقال تعالى ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (العنكبوت: ٢٨).

стр. 5990

وسمي سبحانه الزنا فاحشة؛ فقال ﷻ : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ (الإسراء: ٣٢). فيكون الحد على اللواط كالزنا بجامع ما بينهما من الوصف المشترك، غير أنه في اللواط القتل رجمًا في جميع الأحوال بالنص. ٢ - أن اللَّه تعالى عاقب قوم لوط بالرجم، قال سبحانه. . . ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢)﴾ (هود: ٨٢). وهناك ثلاثة آراء أخرى للصحابة في كيفية قتل اللوطي، وهي: ١ - الرمي من أعلى بناء في البلد ثم يتبع بالحجارة، وهو مروي عن ابن عباس وأبي بكر (١). ٢ - يلقي عليه حائط، وهو مروي عن عمر وعثمان (٢). ٣ - إحراق اللوطي بالنار، وهو مروي عن أبي بكر وعلي (٣). (ولا يصح). الوجه السابع: الأضرار التي تعود على اللائط من الناحية الطبية . قال الشيخ محمد رشيد: وجملة القول في هذه الفاحشة أنها: ١ - جناية على الفطرة البشرية. ٢ - مفسدة للشبان بالإسراف في الشهوة، لأنها تنال بسهولة.

стр. 5991

٣ - مذلة للرجال بما يحدثه فيهم من داء المهانة. ٤ - مفسدة للنساء اللواتي تصرف أزواجهن عنهن حتى يقصروا فيما يجب عليهم من إحصانهن. ٥ - قلة النسل بفشوها؛ فإن من لوازمها الرغبة عن الزواج، والرغبة في إتيان الأزواج في غير مأتى الحرث. ٦ - أنها ذريعة للاستمناء ولإتيان البهائم، وهما معصيتان قبيحتان شديدتان الضرر في الأبدان والآداب، ومحرمتان كاللواط والزنا في جميع الأديان، وذلك مما يدل عليه قوله تعالى حكاية عن رسوله لوط ﵇: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ (الأعراف: ٨١). (١) قال الرازي: اعلم أن قبح هذا العمل كالأمر المقرر في الطباع، فلا حاجة فيه إلى تعديد الوجوه على التفصيل؛ ثم نقول موجبات القبح فيه كثيرة: أولها: أن أكثر الناس يحترزون عن حصول الولد، لأن حصوله يحمل الإنسان على طلب المال وإتعاب النفس في الكسب، إلا أنه تعالى جعل الوقاع سببًا لحصول اللذة العظيمة؛ حتى أن الإنسان بطلب تلك اللذة يقدم على الوقاع، وحينئذ يحصل الولد شاء أم أبى، وبهذا الطريق يبقى النسل ولا ينقطع النوع، فوضع اللذة في الوقاع، كشبه الإنسان الذي وضع الفخ لبعض الحيوانات؛ فإنه لا بد وأن يضع في ذلك الفخ شيئًا يشتهيه ذلك الحيوان حتى يصير سببًا لوقوعه في ذلك الفخ؛ فوضع اللذة في الوقاع يشبه وضع الشيء الذي يشتهيه الحيوان في الفخ، والمقصود منه إبقاء النوع الإنساني الذي هو أشرف الأنواع. إذا ثبت هذا فنقول: لو تمكن الإنسان من تحصيل تلك اللذة بطريق لا تفضي إلى الولد؛ لم تحصل الحكمة المطلوبة، ولأدى ذلك إلى انقطاع النسل؛ وذلك على خلاف حكم اللَّه؛ فوجب الحكم بتحريمه قطعًا؛ حتى تحصل تلك اللذة بالطريق المفضي إلى الولد.

стр. 5992

ثانيها: الاشتغال بمحض الشهوة تشبه بالبهيمة، وإذا كان الاشتغال بالشهوة يفيد فائدة أخرى سوى قضاء الشهوة؛ فليكن قضاء الشهوة من المرأة يفيد فائدة أخرى سوى قضاء الشهوة، وهو حصول الولد وإبقاء النوع الإنساني الذي هو أشرف الأنواع؛ فأما قضاء الشهوة من الذكر فإنه لا يفيد إلا مجرد قضاء الشهوة، فكان ذلك تشبهًا بالبهائم، وخروجًا عن الغريزة الإنسانية، فكان في غاية القبح. ثالثها: هب أن الفاعل يلتذ بذلك العمل؛ إلا أنه يبقى في إيجاب العار العظيم، والعيب الكامل بالمفعول على وجه لا يزول ذلك العيب عنه أبد الدهر، والعاقل لا يرضى لأجل لذة خسيسة منقضية في الحال؛ إيجاب العيب الدائم الباقي بالغير (١). تبيين أن الشرع حرم اللواط لمصلحة المسلم جسديًا ١ - اللواط يصرف الرغبة عن المرأة: من شأن اللواطة أن تصرف الرجل عن المرأة، وقد يبلغ به الأمر إلى حد العجز عن مباشرتها، وبذلك تتعطل أهم وظيفة من وظائف الزواج، وهي إيجاد النسل؛ ولو قدر لمثل هذا الرجل أن يتزوج، فإن زوجته تكون ضحية من الضحايا، فلا تظفر بالسكن، ولا بالمودة، ولا بالرحمة التي هي دستور الحياة الزوجية، فتقضي حياتها معذبة معلقة، لا هي متزوجة ولا مطلقة. ٢ - التأثير في الأعصاب: فإن هذه العادة تغزو النفس، وتؤثر في الأعصاب تأثيرا خاصا؛ أحد نتائجها الإصابة بالانعكاس النفسي في خلق الفرد؛ فيشعر في صميم فؤاده بأنه ما خلق ليكون رجلا، وينقلب الشعور إلى شذوذ؛ به ينعكس شعور اللائط انعكاسًا غريبًا؛ فيشعر بميل إلى بني جنسه، وتتجه أفكاره الخبيثة إلى أعضائهم التناسلية. ومن هذا تتبين العلة الحقيقية في إسراف بعض الشبان الساقطين في التزين وتقليدهم النساء في وضع المساحيق المختلفة على وجوههم، ومحاولتهم الظهور بمظهر الجمال بتحمير أصداغهم، وتزجيج حواجبهم،

стр. 5993

وتثنيهم في مشيتهم، إلى غير ذلك مما نشاهده جميعًا في كل مكان، وتقع عليه أبصارنا في كثير من الأحيان، ولقد أثبتت كتب الطب كثيرا من الوقائع الغريبة التي تتعلق بهذا الشذوذ؛ أضرب صفحا عن ذكرها، ولا يقتصر الأمر على إصابة اللائط بالانعكاس النفسي؛ بل هنالك ما تسببه هذه الفاحشة من إضعاف القوى النفسية الطبيعية في الشخص كذلك، وما تحدثه من جعله عرضة للإصابة بأمراض عصبية شاذة وعلل نفسية شائنة، تفقده لذة الحياة، وتسلبه صفة الإنسانية والرجولة، فتحيي فيه لوثات وراثية خاصة، وتظهر عليه آفات عصبية كامنة تبديها هذه الفاحشة، وتدعو إلى تسلطها عليه. ومثل هذه الآفات العصبية النفسية: الأمراض السادية، والماسوشية، والفيتشزم وغيرها. ٣ - التأثير على العقل: واللواط بجانب ذلك؛ يسبب اختلالًا كبيرًا في توازن عقل المرء، وارتباكًا عامًا في تفكيره، وركودا غريبا في تصوراته، وبلاهة واضحة في عقله، وضعفا شديدا في إرادته؛ وإن ذلك يرجع إلى قلة الإفرازات الداخلية التي تفرزها الغدة الدرقية، والغدد فوق الكلى، وغيرها مما يتأثر باللواط تأثرا مباشرا، فيضطرب عملها وتختل وظائفها. وإنك لتجد هنالك علاقة وثيقة بين (النيورستانيا) واللواط، وارتباطا غريبا بينهما، فيصاب اللائط بالبله والعبط وشرود الفكر وضياع العقل والرشاد. ٤ - السويداء: واللواط إما أن يكون سببًا في ظهور مرض السويداء؛ أو يغدو عاملًا قويًا على إظهاره وبعثه. ولقد وجد أن هذه الفاحشة وسيلة شديدة التأثير على هذا الداء؛ من حيث مضاعفتها له وزيادة تعقيدها لأعراضه؛ ويرجع ذلك للشذوذ الوظيفي لهذه الفاحشة المنكرة وسوء تأثيرها على أعصاب الجسم. ٥ - عدم كفاية اللواط:

стр. 5994

واللواط علة شاذة، وطريقة غير كافية لإشباع العاطفة الجنسية؛ وذلك لأنها بعيدة الأصل عن الملامسة الطبيعية، لا تقوم بإرضاء المجموع العصبي، شديدة الوطأة على الجهاز العضلي، سيئة التأثير على سائر أجزاء البدن. وإذا نظرنا إلى فسيولوجيا الجماع والوظيفة الطبيعية التي تؤديها الأعضاء التناسلية وقت المباشرة؛ ثم قارنا ذلك بما يحدث في اللواط؛ وجدنا الفرق بعيدا والبون بين الحالتين شاسعا، ناهيك بعدم صلاحية الموضع، وفقد ملاءمته للوضع الشاذ. ٦ - ارتخاء عضلات المستقيم وتمزقه: وإنك إذا نظرت إلى اللواط من ناحية أخرى؛ وجدته سببًا في تمزق المستقيم، وهتك أنسجته، وارتخاء عضلاته، وسقوط بعض أجزائه، وفقد السيطرة على المواد البرازية، وعدم استطاعة القبض عليها؛ ولذلك تجد الفاسقين دائمي التلوث بهذه المواد المتعفنة، بحيث تخرج منهم بغير إرادة أو شعور. ٧ - سوء الأخلاق: واللواط لوثة أخلاقية ومرض نفسي خطير، فتجد جميع من يتصفون به سيئي الخلق فاسدي الطباع، لا يكادون يميزون بين الفضائل والرذائل، ضعيفي الإرادة ليس لهم وجدّان يؤنبهم ولا ضمير يردعهم، لا يتحرج أحدهم، ولا يردعه راح نفسي عن السطو على الأطفال، والصغار واستعمال العنف، والشدة لإشباع عاطفته الفاسدة، والتجرؤ على ارتكاب الجرائم التي نسمع عنها كثيرا ونطالع أخبارها في الجرائد السيارة وفي غيرها، ونجد تفاصيل حوادثها في المحاكم وفي كتب الطب. ٨ - تأثير اللواط على الصحة العامة: واللواط فوق ما ذكرت يصيب مقترفيه بضيق الصدر ويرزؤهم بخفقان القلب، ويتركهم بحال من الضعف العام؛ يعرضهم للإصابة بشتى الأمراض ويجعلهم نهبة لمختلف العلل والأوصاب، ويضعف اللواط كذلك مراكز الإنزال الرئيسية في الجسم، ويعمل على القضاء على الحيوية المنوية فيه، ويؤثر على تركيب مواد المني؛ ثم ينتهي الأمر

стр. 5995

بعد قليل من الزمن بعدم القدرة على إيجاد النسل والإصابة بالعقم مما يحكم على اللائطين بالانقراض والزوال. (١) مما تقدم تتبين حكمة التشريع الإسلامي في تحريم اللواط. الوجه الثامن: ردود حول ما استدلوا به من الآيات . الرد على الشبهة في الآية الأولى: وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا. . .﴾ (البقرة: ٢٢١) فمعناها كما قال أهل التفسير: النهي هنا بضم التاء لولي الأمر؛ أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك. قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ أي لا تزوجوا المسلمة من المشرك، والقراء على ضم التاء ﴿تَنْكِحُوا﴾ (٢). قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾: أي لا تزوجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات. كما قال تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (الممتحنة: ١٠). (٣) قال الطبري: يعني تعالى ذكره بذلك أن اللَّه قد حرم على المؤمنات أن ينكحن مشركًا كائنًا من كان المشرك؛ من أي أصناف الشرك كان؛ فلا تُنكحونهن أيها المؤمنون منهم؛ فإن ذلك حرام عليكم. (٤) الرد على الشبهة في الآية الثانية: أما قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (النساء: ١٢٧)؛ فمعناها كما قال ابن كثير: والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها؛ فتارة يرغب في أن يتزوجها؛ فأمره اللَّه

стр. 5996

عز وجل أن يمهرها؛ أسوة أمثاها من النساء، فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء؛ فقد وسع اللَّه ، وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة. وتارة لا يكون للرجل فيها رغبة لِدَمَامَتِهَا عنده، أو في نفس الأمر، فنهاه اللَّه أن يُعضِلها عن الأزواج خشية أن يَشْركوه في ماله الذي بينه وبينها. (١) قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ في قوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾: هُوَ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ هُوَ وَليُّهَا وَوَارِثُهَا فَأَشْرَكَتْهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي الْعَذْق (٢)، فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا رَجُلًا فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ بِمَا شَرِكَتْهُ فَيَعْضُلُهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. (٣) الرد على الشبهة في الآية الثالثة: أما قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ (آل عمران: ١٤) فالمعنى الصحيح ما قاله المفسرون: قال الشيخ محمد رشيد: الشهوات جمع شهوة؛ وهي انفعال النفس بالشعور بالحاجة إلى ما تستلذه، والمراد هنا المشتهيات على طريق المبالغة، وهي شائعة الاستعمال، يقال هذا الطعام شهوة فلان؛ أي مشتهاه. (٤) قال الشوكاني: والشهوات جمع شهوة، وهي نزوع النفس إلى ما تريده، والمراد هنا: المشتهيات؛ عبر عنها بالشهوات؛ مبالغة في كونها مرغوبًا فيها، أو تحقيرًا لها؛ لكونها مسترذلة عند العقلاء من صفات الطبائع البهيمية. (٥)

стр. 5997

قال الآلوسي في قوله ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾: أي المشهيات، وجعلها نفس الشهوات إشارة إلى ما ركز في الطباع من محبتها والحرص عليها؛ حتى كأنهم يشتهون اشتهاءها كما قيل لمريض: ما تشتهي؟ فقال: أشتهي أن أشتهي، أو تنبيهًا على خستها؛ لأن الشهوات خسيسة عند الحكماء والعقلاء؛ ففي ذلك تنفير عنها وترغيب فيما عند اللَّه تعالى (١). قلت: فيكون المعنى: لكل إنسان مشتهى في هذه الأمور التي ذكرها رب العالمين؛ فالمشتهى من المرأة ما يطلب منها، والمشتهى من البنين من الذرية وغير ذلك، والمشتهى من القناطير المقنطرة من حب الاقتناء والثروة وغير ذلك؛ وهكذا ففي كل شهوة مشتهى فيما يتمناه الإنسان وإلا؛ فلو أن الشهوة واحدة في معناها الظاهر فكيف تكون بالنسبة للقناطير المقنطرة والحرث؛ وهذه الأمور التي ذكرها رب العالمين. الرد على الشبهة في الآية الرابعة: أما قوله : ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ. . .﴾ (العنكبوت: ٢٩)؛ فهذه الآية متعلقة بقصة لوط ﵇ ومعلوم -كما بينا- أن اللَّه أنكر عليهم، وعذبهم بسبب هذا الفعل؛ بل وتوعد من وقع في مثل ما وقعوا فيه فقال: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ (هود: ٨٣). قال ابن كثير: فيما يتعلق بالآية: يقول تعالى مخبرًا عن نبيه لوط ﵇، إنه أنكر على قومه سُوء صنيعهم، وما كانوا يفعلونه من قبيح الأعمال، في إتيانهم الذكران من العالمين، ولم يسبقهم إلى هذه الفعلة أحد من بني آدم قبلهم، وكانوا مع هذا يكفرون باللَّه، ويكذّبون رسوله ويخالفونه ويقطعون السبيل. (٢) الوجه التاسع: الشذوذ في الكتاب المقدس . الحب بين الرجال:

стр. 5998

صموائيل (١/ ٢٦): لَشَدَّ مَا تَضَايَقْتُ عَلَيْكَ يا أخي يُونَاثَانُ. كُنْتَ عَزِيزًا جدًّا عَلَيَّ، وَمَحَبَّتُكَ لِي كَانَتْ مَحَبَّةً عَجِيبَةً، أَرْوَعَ مِنْ مَحَبَّةِ النِّسَاءِ. قصة داود ويوناثان بن شاول الذي تنبأ وهو عريان . وقصة داود مع يوناثان ابن شاول قصة عجيبة فعلًا؛ تبدأ بعد أن قتل داود جليات الفلسطيني في الحرب؛ وداود هو ذلك الفتى الجميل أصفر الشعر جميل العينين؛ كما يصفه الكتاب المقدس في صموائيل الأول ١٦ عدد ١٢ هكذا: فَأَرْسَلَ وَأَتَى بِهِ. وَكَانَ أَشْقَرَ مَعَ حَلَاوَةِ الْعَيْنَيْنِ وَحَسَنَ الْمَنْظَرِ. فَقَالَ الرَّبُّ: "قُمِ امْسَحْهُ، لأَنَّ هذَا هُوَ". وداود أيضًا هو جد يسوع الذي يعبده النصارى؛ كما هو معلوم للجميع، وهو أبو سليمان، وسليمان هو ابن بثشبع زوجة أوريا الحثي التي اغتصبها داود من زوجها أوريا الحثي وقتل زوجها غدرًا في الحرب وأنجب منها من الزنى سليمان وبعد أن قتل داود جليات الفلسطيني؛ أُعجِب به شاول أبو يوناثان جدًّا خاصة أن داود كان يعمل عنده عازف على العود ثم أحبه يوناثان كثيرا فقال في صموائيل الأول ١٨ عدد ٥: ١ هكذا: وَكَانَ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلَامِ مَعَ شَاوُلَ أَنَّ نَفْسَ يُونَاثَانَ تَعَلَّقَتْ بِنَفْسِ دَاوُدَ، وَأَحَبَّهُ يُونَاثَانُ كَنَفْسِهِ. ٢ فَأَخَذَهُ شَاوُلُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَمْ يَدَعْهُ يَرْجعُ إِلَى بَيْتِ أَبِيهِ. ٣ وَقَطَعَ يُونَاثَانُ وَدَاوُدُ عَهْدًا لأَنَّهُ أَحَبَّهُ كَنَفْسِهِ. ٤ وَخَلَعَ يُونَاثَانُ الجُبَّةَ الَّتِي عَلَيْهِ وَأَعْطَاهَا لِدَاوُدَ مَعَ ثِيَابِهِ وَسَيْفِهِ وَقَوْسِهِ وَمِنْطَقَتِهِ. ولا أدري ما العهد الذي يقطعه رجلان مع بعضهما فيخلع أحدهما ملابسه بعد هذا العهد. حتى أن يوناثان قد حل منطقته التي يلف بها وسطه كما قرأت ولكن شاول بدأ يشعر بشيء ما تجاه داود فقرر أن يوقعه في فخ حتى يتخلص منه فيضع له العصا والجزرة كما يقول في نفس السفر ١٨ عدد ٢٠ - ٢١ هكذا: وَمِيكَالُ ابْنَةُ شَاوُلَ أَحَبَّتْ دَاوُدَ، فَأَخْبَرُوا شَاوُلَ، فَحَسُنَ الأَمْرُ فِي عَيْنَيْهِ. ٢١ وَقَالَ شَاوُلُ: "أُعْطيهِ إِيَّاهَا فَتَكُونُ لَهُ شَرَكًا وَتَكُونُ يَدُ الْفِلِسْطِينِيِّينَ عَلَيْهِ". وَقَالَ شَاوُلُ لِدَاوُدَ ثَانِيَةً: "تُصَاهِرُنِي الْيَوْمَ". وهكذا شعر الملك شاول بخطر داود على بيته فداود أصبح على علاقة بيوناثان وقد خلع له يوناثان ملابسه ثم إن أخت يوناثان ميكال قد أحبت داود فأصبح الولد وأخته يحبان داود

стр. 5999

فقرر شاول أن يتخلص منه كما قرأت وقرر أن يوقعه بين فكي الفلسطينيين ولا تنسى أن شاول هو نبي من الأنبياء بنص الكتاب المقدس ولكنه أراد أن يقتل داود فهو يشعر بخطره على آل بيته خاصة على ابنه يوناثان فماذا قال شاول في نفس السفر ١٨ عدد ٢٥ هكذا ٢٥: فَقَالَ شَاوُلُ: "هَكَذَا تَقُولُونَ لِدَاوُدَ: لَيْسَتْ مَسَرَّةُ الْمَلِكِ بِالْمَهْرِ، بَلْ بِمِئَةِ غُلْفَةٍ مِنَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ لِلانْتِقَامِ مِنْ أَعْدَاءِ الْمَلِكِ". وَكَانَ شَاوُلُ يَتَفَكَّرُ أَنْ يُوقِعَ دَاوُدَ بِيَدِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ. ولما أفلت داود من هذا الفخ ضج شاول جدًّا منه فأراد أن يختبر ابنه يوناثان صاحب العلاقة مع داود فقال له في الإصحاح التاسع عشر بنفس السفر ١٩ عدد ١ هكذا: وَكَلَّمَ شَاوُلُ يُونَاثَانَ ابْنَهُ وَجَمِيعَ عَبِيدِهِ أَنْ يَقْتُلُوا دَاوُدَ. ٢ وَأَمَّا يُونَاثَانُ بْنُ شَاوُلَ فَسُرَّ بِدَاوُدَ جدًّا. فَأَخْبَرَ يُونَاثَانُ دَاوُدَ ولكن يوناثان بالطبع كان مخلصًا جدًّا لداود نظرًا للعلاقة الحميمة التي بينهما فخان يوناثان أبيه نظرًا لحبه لداود وبلغ داود بالمؤامرة ضده هكذا: وَأَمَّا يُونَاثَانُ بْنُ شَاوُلَ فَسُرَّ بِدَاوُدَ جدًّا. فَأَخْبَرَ يُونَاثَانُ دَاوُدَ قَائِلًا: "شَاوُلُ أَبِي مُلْتَمِسٌ قَتْلَكَ، وَالآنَ فَاحْتَفِظْ عَلَى نَفْسِكَ إِلَى الصَّبَاحِ، وَأَقِمْ فِي خُفْيَةٍ وَاخْتَبِئْ. ٣ وَأَنَا أَخْرُجُ وَأَقِفُ بِجَانِبِ أَبِي فِي الْحَقْلِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ، وَأُكَلِّمُ أَبِي عَنْكَ، وَأَرَى مَاذَا يَصِيرُ وَأُخْبِرُكَ". ويبدوا أن العلاقة بين داود ويوناثان وصلت إلى مرحلة خطيرة فانظر ماذا يقول له يوناثان في الفقرة التالية مباشرة ٢٠ عدد ٤ هكذا: فَقَالَ يُونَاثَانُ لِدَاوُدَ: "مَهْمَا تَقُلْ نَفْسُكَ أَفْعَلْهُ لَكَ". مهما يخطر على بال داود فإن يوناثان مستعد أن يفعله له! ! ! لا عجب في ذلك لكن العجب أن يكون مكان الاختباء الذي يختاره داود هو الحقل يريد داود أن يلتقي بيوناثان في الحقل ليلًا فتأمل ما جاء في ٢٠ عدد هكذا: فَقَالَ دَاوُدُ لِيُونَاثَانَ: "هُوَذَا الشَّهْرُ غَدًا حِينَمَا أَجْلِسُ مَعَ الْمَلِكِ لِلأَكْلِ. وَلكِنْ أَرْسِلْنِي فَأَخْتَبِئَ فِي الْحَقْلِ إِلَى مَسَاءِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ.

стр. 6000

وقد وافقه يوناثان وطلب منه أن يخرجا للحقل معًا فيقول في ٢٠ عدد ١١ هكذا: فَقَالَ يُونَاثَانُ لِدَاوُدَ: "تَعَالَ نَخْرُجُ إِلَى الْحَقْلِ". فَخَرَجَا كِلَاهُمَا إِلَى الْحَقْلِ. المحبة واضحة أيها السادة فلا داعي أن نسيئ الظن ولكن كما قال يوناثان ٢٠ عدد ١٧ هكذا: ثُمَّ عَادَ يُونَاثَانُ وَاسْتَحْلَفَ دَاوُدَ بِمَحَبَّتِهِ لَهُ لأَنَّهُ أَحَبَّهُ مَحَبَّةَ نَفْسِهِ. وَقَالَ لَهُ يُونَاثَانُ: "غَدًا الشَّهْرُ، فَتُفْتَقَدُ لأَنَّ مَوْضِعَكَ يَكُونُ خَالِيًا. نعم سيفتقد يوناثان مكان داود فمكانه لا يعوضه أحد أبدًا، ولكن شاول أبو يوناثان قد اكتشف ما بين داود ويوناثان وأدرك حقيقة الأمر فكان قوله في شدة القسوة وإن أردت فقل في شدة الصراحة لقد قال لابنه يوناثان كلمات في نظر من كتبوا هذا الكتاب كلمات رائعة يترفع أي إنسان عفيف أن يذكرها أمام أحد فانظر ما قاله شاول النبي لابنه يوناثان بعد أن اكتشف ما بينه وبين داود النبي من علاقة يندى لها الجبين لقد قال له في الإصحاح ٢٠ عدد ٣٠ هكذا: فَحَمِيَ غَضَبُ شَاوُلَ عَلَى يُونَاثَانَ وَقَالَ لَهُ: "يَا ابْنَ الْمُتَعَوِّجَةِ الْمُتَمَرِّدَةِ، أَمَا عَلِمْتُ أَنَّكَ قَدِ اخْتَرْتَ ابْنَ يَسَّى لخِزْيِكَ وَخِزْي عَوْرَةِ أُمِّكَ؟ . وكفى بالعبارة السابقة شاهدًا على مستوى أسلوب الكتاب المقدس إن صح أن نسميه مقدسًا وعلى ما كان يفكر به شاول فعبر عنه بهذه العبارة. ولك أن تتابع أيضًا قصة الفتى الذي كان يسوع يحبه وكان دائم الاضطجاع على صدر يسوع فتابع هذه الفقرات: يوحنا ١٣ عدد ٢٣: وَكَانَ مُتَّكِئًا فِي حِضْنِ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنْ تَلَامِيذِهِ، كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ. فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَالَ عَنْهُ. ٢٥ فَاتَّكَأَ ذَاكَ عَلَى صَدْرِ يَسُوعَ وَقَالَ لَهُ: "يَا سَيِّدُ، مَنْ هُوَ؟ " يوحنا ٢١ عدد ٢٠: فَالْتَفَتَ بُطْرُسُ وَنَظَرَ التّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ يَتْبَعُهُ، وَهُوَ أَيْضًا الَّذِي اتَّكَأَ عَلَى صَدْرِهِ وَقْتَ الْعَشَاءِ، وَقَالَ: "يَا سَيِّدُ، مَنْ هُوَ الَّذِي يُسَلِّمُكَ؟ " ٢ ملوك ٤ عدد ٣٤: ثُمَّ صَعِدَ وَاضْطَجَعَ فَوْقَ الصَّبِيِّ وَوَضَعَ فَمَهُ عَلَى فَمِهِ، وَعَيْنَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ، وَيَدَيْهِ عَلَى يَدَيْهِ، وَتَمَدَّدَ عَلَيْهِ فَسَخُنَ جَسَدُ الْوَلَدِ. ٣٥ ثُمَّ عَادَ وَتَمَشَّى فِي الْبَيْتِ تَارَةً إِلَى هُنَا

стр. 6001

وَتَارَةً إِلَى هُنَاكَ، وَصَعِدَ وَتَمَدَّدَ عَلَيْهِ فَعَطَسَ الصَّبِيُّ سَبْعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ فَتَحَ الصَّبِيُّ عَيْنَيْهِ. واضطجاع الرجل مع الرجل رجس فلم توردون اضطجاع يسوع، لاويين ٢٠ عدد ١٣: وَإِذَا اضْطَجَعَ رَجُلٌ مَعَ ذَكَرٍ اضْطِجَاعَ امْرَأَةٍ، فَقَدْ فَعَلَا كِلَاهُمَا رِجْسًا. إِنَّهُمَا يُقْتَلَانِ. دَمُهُمَا عَلَيْهِمَا. لا أدري ما حكاية الاستاه (مؤخرة الإنسان) في الكتاب المدعو مقدس: ٢ صموائيل ١٠ عدد ٤: فَأَخَذَ حَانُونُ عَبِيدَ دَاوُدَ وَحَلَقَ لِحَاهُمْ وَقَصَّ ثِيَابَهُمْ مِنَ الْوَسَطِ عِنْدَ السَّوْءَةِ ثُمَّ أَطْلَقَهُمْ. إشعياء ٢٠ عدد ٤: هَكَذَا يَسُوقُ مَلِكُ أَشُّورَ سَبْيَ مِصْرَ وَجَلَاءَ كُوشَ، الْفِتْيَانَ وَالشُّيُوخَ، عُرَاةً وَحُفَاةً وَمَكْشُوفِي الأَسْتَاهِ خِزْيًا لمِصْرَ. بوعز وراعوث ونعمى (من أجداد يسوع الزناة كما يقولون) جاء في راعوث ٢ عدد ١٩ - ٢٣ هكذا: راعوث: ٢ عدد ١٩: فَقَالَتْ لَهَا حَمَاتُهَا: "أَيْنَ الْتَقَطْتِ الْيَوْمَ؟ وَأَيْنَ اشْتَغَلْتِ؟ لِيَكُنِ النَّاظِرُ إِلَيْكِ مُبَارَكًا". فَأَخْبَرَتْ حَمَاتَهَا بِالَّذِي اشْتَغَلَتْ مَعَهُ وَقَالَتِ: "اسْمُ الرَّجُلِ الَّذِي اشْتَغَلْتُ مَعَهُ الْيَوْمَ بُوعَزُ". ٢٠ فَقَالَتْ نُعْمِي لِكَنَّتِهَا: "مُبَارَكٌ هُوَ مِنَ الرَّبِّ لأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ الْمَعْرُوفَ مَعَ الأَحْيَاءِ وَالْمَوْتَى". ثُمَّ قَالَتْ لَهَا نُعْمِي: "الرَّجُلُ ذُو قَرَابَةٍ لَنَا. هُوَ ثَانِي وَلِيِّنَا". ٢١ فَقَالَتْ رَاعُوثُ المُوآبِيَّةُ: "إِنَّهُ قَالَ لِي أَيْضًا: لآزِمِي فِتْيَانِي حَتَّى يُكَمِّلُوا جَمِيعَ حَصَادِي". ٢٢ فَقَالَتْ نُعْمِي لِرَاعُوثَ كَنَّتِهَا: "إِنَّهُ حَسَنٌ يَا بِنْتِي أَنْ تَخْرُجِي مَعَ فَتَيَاتِهِ حَتَّى لَا يَقَعُوا بِكِ فِي حَقْلِ آخَرَ". ٢٣ فَلَازَمَتْ فَتَيَاتِ بُوعَزَ فِي الالْتِقَاطِ حَتَّى انْتَهَى حَصَادُ الشَّعِيرِ وَحَصَادُ الْحِنْطَةِ. وَسَكَنَتْ مَعَ حَمَاتِهَا. الإصحاح الثالث: راعوث: ٣ عدد ١: ١ وَقَالَتْ لَهَا نُعْمِي حَمَاتُهَا: "يَا بِنْتِي أَلَا أَلْتَمِسُ لَكِ رَاحَةً لِيَكُونَ لَكِ خَيْرٌ؟ ٢ فَالآنَ أَلَيْسَ بُوعَزُ ذَا قَرَابَةٍ لَنَا، الَّذِي كُنْتِ مَعَ فَتَيَاتِهِ؟ هَا هُوَ يُذَرِّي بَيْدَرَ الشَّعِيرِ اللَّيْلَةَ. ٣ فَاغْتَسِلِي وَتَدَهَّنِي وَالْبَسِي ثِيَابَكِ وَانْزِلِي إِلَى الْبَيْدَرِ، وَلكِنْ لَا تُعْرَفِي عِنْدَ الرَّجُلِ حَتَّى يَفْرَغَ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ. ٤ وَمَتَى اضْطَجَعَ فَاعْلَمِي الْمَكَانَ الَّذِي يَضْطَجعُ فِيهِ،

стр. 6002

وَادْخُلِي وَاكْشِفِي نَاحِيَةَ رِجْلَيْهِ وَاضْطَجِعِي، وَهُوَ يُخْبِرُكِ بِمَا تَعْمَلِينَ". ٥ فَقَالَتْ لَهَا: "كُلَّ مَا قُلْتِ أَصْنَعُ". ٦ فَنَزَلَتْ إِلَى الْبَيْدَرِ وَعَمِلَتْ حَسَبَ كُلِّ مَا أَمَرَتْهَا بِهِ حَمَاتُهَا. ٧ فَأَكَلَ بُوعَزُ وَشَرِبَ وَطَابَ قَلْبُهُ وَدَخَلَ لِيَضْطَجعَ فِي طَرَفِ الْعَرَمَةِ. فَدَخَلَتْ سِرًّا وَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ رِجْلَيْهِ وَاضْطَجَعَتْ. ٨ وَكَانَ عِنْدَ انْتِصَافِ اللَّيْلِ أَنَّ الرَّجُلَ اضْطَرَبَ، وَالْتَفَتَ وَإِذَا بِامْرَأَةٍ مُضْطَجِعَةٍ عِنْدَ رِجْلَيْهِ. ٩ فَقَالَ: "مَنْ أَنْتِ؟ " فَقَالَتْ: "أَنَا رَاعُوثُ أَمَتُكَ. فَابْسُطْ ذَيْلَ ثَوْبِكَ عَلَى أَمَتِكَ لأَنَّكَ وَلِيٌّ". ١٠ فَقَالَ: "إِنَّكِ مُبَارَكَةٌ مِنَ الرَّبِّ يَا بِنْتِي لأَنَّكِ قَدْ أَحْسَنْتِ مَعْرُوفَكِ فِي الأَخِيرِ أَكْثَرَ مِنَ الأَوَّلِ، إِذْ لَمْ تَسْعَيْ وَرَاءَ الشُّبَّانِ، فُقَرَاءَ كَانُوا أَوْ أَغْنِيَاءَ. ١١ وَالآنَ يَا بِنْتِي لَا تَخَافِي. كُلُّ مَا تَقُولِينَ أَفْعَلُ لَكِ، لأَنَّ جَمِيعَ أَبْوَابِ شَعْبِي تَعْلَمُ أَنَّكِ امْرَأَةٌ فَاضِلَةٌ. ١٢ وَالآنَ صَحِيحٌ أَنِّي وَلِيٌّ، وَلكِنْ يُوجَدُ وَلِيٌّ أَقْرَبُ مِنِّي. ١٣ بِيتِي اللَّيْلَةَ، وَيَكُونُ فِي الصَّبَاحِ أَنَّهُ إِنْ قَضَى لَكِ حَقَّ الْوَلِيِّ فَحَسَنًا. لِيَقْضِ. وَإِنْ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَقْضِيَ لَكِ حَقَّ الْوَلِيِّ، فَأَنَا أَقْضِي لَكِ. حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ. اضْطَجِعِي إِلَى الصَّبَاحِ". المرأة تحرض زوجة الابن على الزنا وفي سفر التكوين افتراء على نبي اللَّه نوح ﵇ ٩ (٢٠ - ٢٦): وَابْتَدَأَ نُوحٌ يَكُونُ فَلَّاحًا وَغَرَسَ كَرْمًا. ٢١ وَشَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ فَسَكِرَ وَتَعَرَّى دَاخِلَ خِبَائِهِ. ٢٢ فَأَبْصَرَ حَامٌ أَبُو كَنْعَانَ عَوْرَةَ أَبِيهِ، وَأَخْبَرَ أَخَوَيْهِ خَارِجًا. ٢٣ فَأَخَذَ سَامٌ وَيَافَثُ الرِّدَاءَ وَوَضَعَاهُ عَلَى أَكْتَافِهِمَا وَمَشَيَا إِلَى الْوَرَاءِ، وَسَتَرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا وَوَجْهَاهُمَا إِلَى الْوَرَاءِ. فَلَمْ يُبْصِرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا. ٢٤ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نُوحٌ مِنْ خَمْرِهِ، عَلِمَ مَا فَعَلَ بِهِ ابْنُهُ الصَّغِيرُ، ٢٥ فَقَالَ: "مَلْعُونٌ كَنْعَانُ! عَبْدَ الْعَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتِهِ". * * *

стр. 6003

١٦ - شبهة: الردة . نص الشبهة: ادعى المعارض قسوة الشريعة وإجبارها على معتقداتها، ودللوا على هذا ببعض الآيات والأحاديث النبوية. والرد على ذلك في مبحثين: المبحث الأول: مقدمة عن الردة في الإِسلام . المبحث الثاني: شبهات حول الردة، والرد عليها، ومنها: الشبهة الأولى: قتل المرتد يتعارض مع الآية ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. الشبهة الثانية: الإنسان لم يختر بإرادته أن يصبح مسلمًا، ليس إلا أنه وُلد في بيئة مسلمة، فلماذا يُطبَّق عليه حدّ الردة، أليس هذا تناقض مع حرية الاعتقاد المديني؟ . الشبهة الثالثة: حكم الردة يتعارض مع الآيات الدالة على عدم التعرض بالقتل للمرتدين. الشبهة الرابعة: يقولون بتضعيف حديث "من بدل دينه فاقتلوه". الشبهة الخامسة: حول حديث "من بدل دينه فاقتلوه". وإليك التفصيل المبحث الأول: مقدمة عن الردة في الإِسلام. ١ - تعريف الردة: الردة في اللغة: الرجوع عن الشيء إلى غيره، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١)﴾ (المائدة: ٢١). والرد: صرف الشيء ورجعه، والارتداد: الرجوع، ومنه (المرتد)، والردة بالكسر اسمٌ منه أي: الارتداد. (١) ٢ - الردة في الشرع: الرجوع عن الإِسلام إلى الكفر، ومنه الردة عن الإِسلام أي الرجوع عنه، وارتد فلان عن دينه إذا كفر بعد إسلامه، وهي أفحش الكفر، وأغلظه حكمًا؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ

стр. 6004

بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (المائدة: الآية ٥)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: ٢١٧). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ (النساء: ١٣٧). (١) ٣ - شروط صحة الردة: أولًا: العقل: فلا تصح ردة المجنون والصبي الذي لا يعقل، لأن العقل من شرائط الأهلية خصوصًا في الاعتقادات، فلا تصح ردتهما لقوله ﷺ "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق" (٢). ثانيًا: الاختيار أو الطواعية: فالمكره لا تصح ردته لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (النحل: ١٠٦)، وإن تلفظ بكلمة الكفر وهو أسير لم يحكم بردته، لأنه مكره. (٣) فمن أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان؛ فلا شيء عليه في الدنيا ولا في الآخرة (٤). ولا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز الإذن في التكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض إلا المكره إذا اطمأن قلبه بالإيمان (٥).

стр. 6005

٤ - حكم المرتد: عن عكرمة قال "أتى علي ﵁ بزنادقة فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول اللَّه ﷺ "لا تعذبوا بعذاب اللَّه"، ولقتلتهم لقول رسول اللَّه ﷺ "من بدل دينه فاقتلوه" (١). وعندما قدم معاذ بن جبل على أبي موسى في اليمن ألقى له وسادة؛ قال: أنزل، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًا فأسلم ثم تهود، قال: اجلس، قال: لا أجلس حتى يقتل قضاء اللَّه ورسوله -ثلاث مرات- فأمر به فقتل). (٢) قال النووي: فيه وجوب قتل المرتد، وقد أجمعوا على قتله. (٣) قال الصنعاني: الحديث دليل على أنه يجب قتل المرتد، وهو إجماع. (٤) وعن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ "لا يحل دم امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة" (٥). قال النووي في قوله: "المفارق لدينه التارك للجماعة": فهو عام في كل مرتد عن الإِسلام بأي ردة كانت؛ فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإِسلام. (٦) وقال ابن دقيق العبد: الردة سبب لإباحة دم المسلم بالإجماع. (٧) وقال السرخسي في المبسوط: وقتل المرتد على ردته مرويُّ عن علي، وابن مسعود، ومعاذ، وغيرهم من الصحابة ﵃، وهذا لأن المرتد بمنزلة مشركي العرب أو أغلظ منهم جناية (٨).

стр. 6006

وقال أيضًا: الْقَتْلَ جَزَاءٌ عَلَى الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْحَقِّ مِنْ أَعْظَمِ الْجَرَائِمِ، وَلِهَذَا كَانَ قَتْلُ الْمُرْتَدِّ مِنْ خَالِصِ حَقِّ اللَّه تَعَالَى، وَمَا يَكُونُ مِنْ خَالِصِ حَقِّ اللَّه فَهُوَ جَزَاءٌ. . .، والْجِنَايَةَ بِالرِّدَّةِ أَغْلَظُ مِنْ الْجِنَايَةِ بِالْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ، فَإِنَّ الْإِنْكَارَ بَعْدَ الْإِقْرَارِ أَغْلَظُ مِنْ الْإِصْرَارِ فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى الْإِنْكَارِ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ (١). وقال الكاساني في بدائع الصنائع: وكذا العرب لما ارتدت بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ أجمعت الصحابة ﵃ على قتلهم (٢). قال ابن قدامة: وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتدين؛ روى ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ ومعاذ وأبي موسى وابن عباس وخالد ﵃ وغيرهم، فلم ينكر فكان إجماعًا (٣). وقال ابن حزم: وصح أمر رسول اللَّه ﷺ بقتل من بدل دينه؛ فصرنا إلى ذلك (٤). وقال ابن تيمية: وقتل المرتد أوجب من قتل الكافر الأصلي والذمي إذا سب، فإنه يصير كافرًا محاربًا سابًا بعد عهدٍ متقدم، وقتل مثل هذا أغلظ (٥). ٥ - بيان من هو الزنديق والمنافق والساحر: أولًا: الزنديق: وهو القائل ببقاء الدهر، فارسيٌ معرب، وهو بالفارسية: زندكراي، يقول بدوام بقاء الدهر، والزندقة: الضيق، وقيل: الزنديق منه لأنه ضيق على نفسه. قال الأزهري: الزنديق معروف، وزندقته أنه لا يؤمن بالآخرة ووحدانية الخالق.

стр. 6007

وقال أحمد بن يحيى: ليس زنديق ولا فَرْزين من كلام العرب، ثم قال: ولكن البياذقة هم الرَجَّالةُ وقال: وليس في كلام العرب زنديق، وإنما تقول العرب: رجل زندق وزندقي إذا كان شديد البخل، فإذا أرادت العرب معنى ما تقوله العامة قالوا: ملحد ودهري، فإذا أرادوا معنى السن قالوا: دهري قال: وقال سيبويه: الهاء من زنادقة وفرازنة عوض من الياء في زنديق وفرزين، وأصله الزناديق. الجوهري: الزنديق من الثنوية: وهو معرب، والجمع الزنادقة، وقد تزندق والاسم زندقة (١). والزنديق بالكسر: من الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان، أو هو معرب زن دين أي: دين المرأة (٢). وقال ابن حجر: إن أصل الزنادقة أتباع ديصان، ثم ماني، ثم مزدك. . . .، وحاصل مقالتهم أن النور والظلمة قديمان، وأنهما امتزجا فحدث العالم كله منهما، فمن كان من أهل الشر فهو من الظلمة، ومن كان من أهل الخير فهو من النور، وأنه يجب السعي في تخليص النور من الظلمة فيلزم إزهاق كل نفس، وإلى ذلك أشار المتنبي حيث قال قصيدته المشهورة: فكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر أن المانوية تكذب وكان بهرام جد كسرى تحيل على ماني حتى حضر عنده وأظهر له أنه قبل مقالته ثم قتله، وقتل أصحابه؛ وبقيت منهم بقايا اتبعوا مزدك المذكور، وقام الإِسلام والزنديق يطلق على من يعتقد ذلك، وأظهر جماعة منهم الإِسلام خشية القتل؛ ومن ثم أطلق الاسم على كل من أسر الكفر وأظهر الإِسلام، حتى قال مالك: الزندقة ما كان عليه المنافقون، وكذا أطلق جماعة من الفقهاء الشافعية وغيرهم أن الزنديق هو الذي يظهر الإِسلام ويخفي الكفر، فإن أرادوا اشتراكهم في الحكم فهو كذلك، وإلا فأصلهم ما ذكرت. وقد قال النووي في لغات الروضة: الزنديق الذي لا ينتحل دينًا.

стр. 6008

وقال محمد بن معن في (التنقيب على المهذب): الزنادقة من الثنوية، يقولون ببقاء الدهر وبالتناسخ، قال: ومن الزنادقة الباطنية وهم قوم زعموا أن اللَّه خلق شيئًا؛ ثم خلق منه شيئًا آخر فدبر العالم بأسره ويسمونها العقل والنفس، وتارة العقل الأول والعقل الثاني، وهو من قول الثنوية في النور والظلمة إلا أنهم غيروا الاسمين، قال: ولهم مقالات سخيفة في النبوات وتحريف الآيات وفرائض العبادات؛ وقد قيل إن سبب تفسير الفقهاء الزنديق بما يفسر به المنافق قول الشافعي في المختصر: وأي كفر ارتد إليه مما يظهر أو يسر من الزندقة وغيرها ثم تاب سقط عنه القتل، وهذا لا يلزم منه اتحاد الزنديق والمنافق؛ بل كل زنديق منافق من غير عكس، وكان من أطلق عليه في الكتاب والسنة منافق؛ يظهر الإِسلام ويبطن عبادة الوثن أو اليهودية، وأما الثنوية فلا يحفظ أن أحدًا منهم أظهر الإِسلام في العهد النبوي واللَّه أعلم. (١) الفرق بين الزنديق وغيره من أصناف الكفار: قال العلامة ابن كمال باشا في رسالته: الزنديق في لسان العرب يطلق على من ينفي الباري تعالى، وعلى من يثبت الشريك، وعلى من ينكر حكمته والفرق بينه وبين المرتد العموم الوجهي؛ لأنه قد لا يكون مرتدًا؛ كما لو كان زنديقًا أصليًا غير منتقل عن دين الإِسلام، والمرتد قد لا يكون زنديقًا كما لو تنصر أو تهود، وقد يكون مسلمًا فيتزندق، وأما في اصطلاح الشرع فالفرق أظهر لاعتبارهم فيه إبطان الكفر والاعتراف بنبوة نبينا ﷺ . . .، والفرق بين الزنديق والمنافق والدهري والملحد مع الاشتراك في إبطان الكفر؛ أن المنافق غير معترف بنبوة نبينا ﷺ ، والدهري كذلك مع إنكاره إسناد الحوادث إلى الصانع المختار ، والملحد وهو من مال عن الشرع القويم إلى جهة من جهات الكفر من: ألحد في الدين؛ حاد وعدل، لا يشترط فيه الاعتراف بنبوة نبينا ﷺ ولا بوجود الصانع

стр. 6009

تعالى، وبهذا فارق الدهري أيضًا، ولا إضمار الكفر وبه فارق المنافق، ولا سبق الإِسلام، وبه فارق المرتد، فالملحد أوسع فرق الكفر حدًا أي هو أعم من الكل (١). وقال ابن قدامة: والزنديق هو الذي يظهر الإِسلام ويستتر بالكفر وهو المنافق؛ كان يسمى في عصر النبي ﷺ منافقًا ويسمى اليوم زنديقًا (٢). حكم الزنديق: إذا عثر عليه: قتل ولا يستتاب، ولا يقبل قوله في دعوى التوبة، إلا إذا جاء تائبًا قبل ظهور زندقته، وقال الشافعي وأبو حنيفة: تقبل توبته ولا يقتل. (٣) ثانيًا: المنافق: منه: نفق اليربوع تنفيقًا ونافق، أي دخل في نفقائه، ومنه اشتقاق المنافق في الدين، والنفاق بالكسر فعل المنافق. والنفاق: الدخول في الإِسلام من وجهٍ والخروج عنه من آخر، مشتق من نافقاء اليربوع، وقد نافق منافقة ونفاقًا، وقد تكرر في الحديث ذكر النفاق، وما تصرف منه اسمًا وفعلًا، وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، وهو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه، وإن كان أصله في اللغة معروفًا يقال: نافق ينافق منافقة ونفاقًا، وهو مأخوذ من النافقاء لا من النفق، وهو السرب الذي يستتر فيه لستره كفره. (٤) قال أبو عبيد: سمي المنافق منافقًا للنفق، وهو السرب في الأرض، وقيل: إنما سمي منافقًا لأنه نافق كاليربوع وهو دخوله نافقاءه: يقال: قد نفق به ونافق. (٥) وقال الجرجاني (النفاق): إظهار الإيمان باللسان، وكتمان الكفر بالقلب. (٦)

стр. 6010

وقال ابن رجب الحنبلي: النفاق في اللغة هو من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير وإبطان خلافه، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين: أحدهما: النفاق الأكبر، وهو أن يظهر الإنسان الإيمان باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول اللَّه ﷺ ، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، وأخبر أن أهله في الدرك الأسفل من النار، والثاني: النفاق الأصغر، وهو نفاق العمل، وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحه ويبطن ما يخالف ذلك (١). إجراء أحكام الإِسلام الظاهرة على المنافقين: والمنافقون تجرى عليهم في الظاهر أحكام الإِسلام، ولم يكن أحد من الطلقاء بعد الفتح يظهر المحادة للَّه ورسوله، بل يرث ويورث ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، وتجرى عليه أحكام الإِسلام التي تجرى على غيره (٢). حكم النفاق: فقد نطق القرآن بكفر المنافقين في غير موضع، وجعلهم أسوا حالًا من الكافرين، وأنهم في الدرك الأسفل من النار، وأنهم يوم القيامة يقولون للذين آمنوا ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ (الحديد: ١٣: ١٥). وأمر نبيه في آخر الأمر بأن لا يصلي على أحد منهم، وأخبر أن لن يغفر لهم، وأمره بجهادهم والإغلاظ عليهم، وأخبر أنهم إن لم ينتهوا ليغرين اللَّه نبيه بهم حتى يقتلوا في كل موضع (٣).

стр. 6011

ثالثًا: الساحر: قال الأزهري: السحر عمل تقرب فيه إلى الشيطان وبمعونةٍ منه، كل ذلك الأمر كينونة للسحر، ومن السحر الأخذة التي تأخذ العين حتى يظن أن الأمر كما يرى، وليس الأصل على ما يرى (١). وقال أيضًا: وأصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، فكأن الساحر لما أرى الباطل في صورة الحق، وخيل الشيء على غير حقيقته قد سحر الشيء عن وجهه أي صرفه، وقال الفراء في قوله تعالى ﴿. . . فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ (المؤمنون: ٨٩): معناه فأنى تصرفون، ومثله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أفك وسحر سواء (٢). وسحَرهْ: بمعنى خدعه، وكذلك إذا علله (٣). قال ابن قدامة: وهو عقد ورقى وكلام يتكلم به أو يكتبه أو يعمل شيئًا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له (٤). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال "اجتنبوا الموبقات: الشرك باللَّه، والسحر" (٥). وقال الراغب وغيره: (السحر يطلق على معان: أحدها ما لطف ودق، ومنه سحرت الصبي خادعته واستملته، وكل من استمال شيئًا فقد سحره، ومنه إطلاق الشعراء سحر العيون لاستمالتها النفوس، وقول الأطباء: الطبيعة ساحرة، ومنه قوله تعالى ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ (الحجر: ١٥) أي: مصرفون عن المعرفة، ومنه حديث: "إن من البيان لسحرًا" (٦). . . .، والثاني ما يقع بخداع وتخيلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ من

стр. 6012

صرف الأبصار عما يتعطاه بخفة يده، وإلى ذلك الإشارة بقوله ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ (الأعراف: ١١٦) (١). ونقل إمام الحرمين الإجماع على أن السحر لا يظهر إلا من فاسق، وأن الكرامة لا تظهر على فاسق، ونقل النووي في زيادات الروضة عن المتولي نحو ذلك (٢). حكم الساحر: فيقتل إذا عثر عليه، كالكافر (٣). ٦ - استتابة المرتدين وسماحة هذا الدين العظيم . لقد تقرر لدى جمهور الفقهاء أن استتابة المرتد واجبة قبل تنفيذ العقوبة (٤)، ويكفي الإِسلام تسامحًا في هذا المقام أن يقرر حق المرتد في الاستتابة وفي حوار يكشف شبهته، وأنه لا يقتل ما بقيت له شبهة لم يجب عنها جوابًا شافيًا يقطع حجته أو تعلته، لقد كان في فسحة من أمره أن يبقى على دينه أو معتقده قبل أن يدخل في الإِسلام مختارًا دون ما إكراه، أما وقد قبل باختياره الانتماء فقد أصبح مسئولًا -بحكم هذا الانتماء والاختيار- عن الإخلاص والوفاء لهذا الدين: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ (الزمر: ١٤) (٥). وكثيرًا ما تكون الردة نتيجة الشكوك والشبهات التي تساور النفس، وتزاحم الإيمان، ولا بد أن تتهيأ فرصة للتخلص من هذه الشبهات والشكوك، وأن تقدم الأدلة والبراهين

стр. 6013

التي تعيد الإيمان إلى القلب، واليقين إلى النفس، وتريح ما علق بالوجدان من ريب وشكوك، ومن ثم فمن الواجب أن يستتاب المرتد، ولو تكررت ردته، ويمهل فترة زمنية يراجع فيها نفسه، وتفند فيها وساوسه، وتناقش فيها أفكاره، فإن عدل عن موقفه بعد كشف شبهاته ورجع إلى الإِسلام، وأقر بالشهادتين، واعترف بما كان ينكره، وبرئ من كل دين يخالف الإِسلام، قبلت توبته وإلا أقيم عليه الحد (١). وما دام المشتبه صادق النية، مخلصًا للبحث متطلعًا لطلب الحق، فلا بد أن تزول الشبهة، فيرجع إلى الحق وقد سجل لنا تاريخ المسلمين أمثلة كثيرة وعديدة لذلك منها: حوار المأمون مع نصراني خرساني؛ أسلم ثم ارتد، فكان هذا الحوار: قال المأمون: أخبرني ما الذي أوحشك مما كنت به آنسًا من ديننا، فواللَّه لأن أستحييك بحق أحب إلى من أن أقتلك بحق، وقد صرت مسلمًا بعد أن كنت كافرًا، ثم عدت كافرًا بعد أن صرت مسلمًا، فإن وجدت عندنا دواءً لدائك تداويت به، وإن أخطأك الشفاء ونبا عليك الدواء كنت قد أبليت العذر في نفسك ولم تقصر في الاجتهاد لها، فإن قتلناك قتلناك في الشريعة، وترجع أنت نفسك إلى الاستبصار واليقين ولم تفرط في الدخول من باب الحزم. قال المرتد: أوحشتني منكم ما رأيت من الاختلاف في دينكم. قال المأمون: لنا اختلافان: أحدهما: كاختلافنا في الأذان، والتكبير في الجنائز، وصلاة العيدين والتشهد، والتسليم من الصلاة، ووجوه القراءات، واختلاف وجوه الفتيا، وما أشبه ذلك، وهذا ليس باختلاف، وإنما هو تخيير وتوسعة وتخفيف من السنة، فمن أذن مثنى وأقام مثنى لم يأثم ومن ربع لم يأثم. والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتاب اللَّه، وتأويل الحديث عن نبينا مع اجتماعنا على أصل التنزيل واتفاقنا على عين الخبر، فإن كان إنما أوحشك هذا فينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوراة والإنجيل متفقًا على تأويله كما يكون متفقًا على تنزيله، ولا يكون بين اليهود والنصارى اختلاف في شيء من التأويلات ولو شاء اللَّه

стр. 6014

أن ينزل كتبه مفسره، ويجعل كلام أنبيائه ورسله لا يختلف في تأويله لفعل، ولكنا لم نجد شيئًا من أمور الدين والدنيا وقع إلينا على الكفاية إلا مع طول البحث والتحصيل والنظر، ولو كان الأمر كذلك؛ لسقطت البلوى والمحن وذهب التفاضل والتباين، ولما عرف الحازم من العاجز، ولا الجاهل من العالم، وليس على هذا بنيت الدنيا. قال المرتد: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن المسيح عبد اللَّه وأن محمدًا لصادق، وأنك أمير المؤمنين (١)، فأقبل المأمون على أصحابه فقال: احفظوا عليه عرضه ولا تبروه في يومه ريثما يعتق إسلامه كيلا يقول عدوه أسلم رغبة، ولا تنسوا بعد نصيبكم من بره وتأنيسه ونصرته، والعائدة عليه (٢). فتأمل هذا الحوار الرائع، من رغبة الخليفة وحبه في بقائه حيًا، ولم يكن متعطشًا لسفك الدماء كما يدعي القوم، إنه حوار إنساني عظيم يدرس في معاقل حقوق الإنسان التي تخالف اسمها حوار فيه إظهار الحق وعدم التعطش للدماء، فيا له من دين ذي سماحة عظيمة ورحمة فائقة. ٧ - الحكمة من قتل المرتد: إن حفظ الدين والعقيدة من عبث العابثين هو مقصد لكل تشريع ولكل دين من الأديان لذلك كان قتل المرتد لحفظ هذا الدين ولأنه ترك الحق بعد معرفته، واعتدى على العقيدة التي هي أقوى أسباب الأمن (٣). وتعاقب الشريعة على الردة بالقتل، لأنها تقع ضد الدين الإِسلامي، وعليه يقوم النظام الاجتماعي للجماعة، فالتساهل في هذه الجريمة يؤدي إلى زعزعة هذا النظام، ومن ثم عوقب عليها بأشد العقوبات استئصالًا للمجرم من المجتمع، وحماية للنظام الاجتماعي من ناحية،

стр. 6015

ومنعًا للجريمة وزجرًا عنها من ناحية أخرى، ولا شك أن عقوبة القتل أقدر العقوبات على صرف الناس عن الجريمة، ومهما كانت العوامل الدافعة إلى الجريمة، فإن عقوبة القتل تولد غالبًا في نفس الإنسان من العوامل الصارفة عن الجريمة ما يكبت العوامل الدافعة إليها، ويمنع من ارتكاب الجريمة في أغلب الأحوال، وأكثر الدول اليوم تحمي نظامها الاجتماعي بأشد العقوبات التي تفرضها على من يخرج على هذا النظام أو يحاول هدمه أو إضعافه، وأول العقوبات التي تفرضها القوانين الوضعية لحماية النظام الاجتماعي، وهي عقوبة الإعدام أي: القتل، فالقوانين الوضعية اليوم تعاقب على الإخلال بالنظام الاجتماعي بنفس العقوبة التي وضعتها الشريعة لحماية النظام الاجتماعي الإِسلامي. (١) ولعلك تفكر في مسألة أن الإنسان إذا اتبع الحق، ودخل فيه واعتنق هذا الدين الوحيد الصحيح الذي أوجبه اللَّه، ثم نجيز له أن يتركه بكل سهولة في أي وقت يشاء، وينطق بعبارة الكفر التي تخرج منه؛ فيكفر باللَّه ورسوله وكتابه ودينه؛ ثم لا تحدث العقوبة الرادعة له؟ ! كيف سيكون تأثير ذلك عليه وعلى الداخلين الآخرين في الدين؟ ألا ترى أن ذلك يجعل الدين الصحيح الواجب اتباعه كأنه محل أو دكان يدخل فيه الشخص متى يشاء ويخرج متى يشاء؟ ! وربما يشجع غيره على ترك الحق، ثم هذا ليس شخصًا لم يعرف الحق، ولم يمارس ويتعبد، وإنما شخص عرف ومارس وأدى شعائر العبادة، فليست العقوبة أكبر مما يستحق، وإنما مثل هذا الحكم القوي لم يوضع إلا لشخص لم تعد لحياته فائدة، لأنه عرف الحق واتبع الدين، ثم تركه وتخلى عنه، فأي نفس أسوأ من نفس هذا الشخص؟ . (٢) وحد الردة يغلق بابًا خطرًا في وجه من يريدون إفساد الإِسلام من داخله أو التجسس عليه، وقد عانى الإِسلام كثيرًا ممن تبطنوا الكفر والتحقوا بالإِسلام، وإذا سلم بحق المجتمع في قتل البغاة والمحاربين، وهم لم يعلنوا كفرًا ولا ردة، فحق المجتمع في قتل من فارق دينه

стр. 6016

وترك جماعته متبرئًا منها معلنًا عداوته لها أظهر وأحق، ولا يجوز قياس الردة عن الإِسلام خاصة بترك العقيدة أو تغييرها من شخص ينتمي للدين أو مجتمع غير دين الإِسلام ومجتمعه. فمجتمعات العالم اليوم إما مجتمعات ملحدة رسميًا وواقعًا، وإما مجتمعات ملحدة واقعًا، وإن ظلت ترفع شعار دين من الأديان كشكل رسمي، وفي هذه الأخيرة ينظر إلى قضية الدين على أنها مسألة شخصية تمامًا، وهو موقف متفرع على موقف آخر يعتبر أصلًا، وهو الفصل بين الدين والدولة في تلك المجتمعات، ففي الإِسلام لا فرق بين رفض نظام الدولة والخروج عليه وتحديه، وبين الردة عن الإِسلام لأن نظام الدولة في مجتمع الإِسلام جزء من الإِسلام، أو هو التطبيق الزمني للإسلام في ذلك المجتمع، ورفض الإِسلام بالردة يعني ضمنًا رفض النظام المنبثق منه، لأن الإِسلام لا يفصل بين الدين والدولة، ومسألة الإيمان بالدين ليست مسألة شخصية في الإِسلام، وإنما هي مسألة فردية اجتماعية في آن واحد، ومن هنا لا يجوز السماح بالخيانة الوطنية، وهي أعظم جريمة في منطق قوانين الأرض قاطبة. (١) يقول الدكتور عبد الكريم زيدان: أما سبب عقوبة المرتد وجعلها القتل، فيرجع إلى أمرين خطيرين: الأول: أن المسلم بردته أخل بالتزامه؛ لأن المسلم بإسلامه يكون قد التزم أحكام الإِسلام وعقيدته، فإذا ارتد كان ذلك منه إخلالًا خطيرًا في أصل التزامه، ومن يخل بالتزامه عمدًا يعاقب، وقد تبلغ عقوبته الإعدام، ألا يرى أن من تعاقد مع الدولة لتوريد الطعام لأفراد الجيش ثم أخل بالتزامه عمدًا في حالة احتياج الجيش للأرزاق؛ أن جزاءه قد يصل إلى الإعدام! . الثاني: أن المرتد مع إخلاله بالتزامه يقوم بجريمة أخرى هي الاستهزاء بدين الدولة، والاستخفاف بعقيدة سكانها المسلمين، وتجريء لغيره من المنافقين ليظهروا نفاقهم،

стр. 6017

وتشكيك لضعاف العقيدة في عقيدتهم، وهذه كلها جرائم خطيرة يستحق معها المرتد استئصال روحه، وتخليص الناس من شره، وإنما قلنا: إن المرتد من يرتكب هذه الأمور لأنه لا يعرف ارتداده إلا بالتصريح، وإلا لو أخفى ردته لما عُرف (١). إن الارتداد ثم الإصرار عليه بعد كشف الشبهة التي يدعي أنها كانت سببًا فيه، وبعد إزالة كل الأسباب الداعية إليه لما يشكك في صدق إسلام هذا المرتد، ويجعل الظن بنفاقه ومحاولته الكيد للإسلام بالتشكيك فيه أمرًا مقبولًا ومعقولًا، وتصبح الردة هنا رفعًا كاملًا لقناع النفاق يضع صاحبه في وضع أشد على الإِسلام باعتبار نتائجه من وضع المحاربين وأهل البغي، وقد قص علينا القرآن الكريم من مواقف أهل الكتاب ما يؤكد هذه المعاني، يقول تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (آل عمران: ٧٢). (٢) فالرجوع عن الإيمان إلى الكفر يشبه الآفة التي تصيب المخ والقلب فتودي بالحياة، فكذلك الذي يقع في ظلمات الكفر بعد أن هدى إلى نور الإيمان تفسد روحه، ويسقم قلبه، فيذهب من نفسه أثر الأعمال الصالحة؛ فإذا كان مريض القلب والعقل يقضى عليه مرضه بالموت، فكذلك الارتداد عن الإِسلام، فساد في العقل، وفساد في الوجدّان، وفساد في السلوك يستلزم بتر هذا العضو ليسلم سائر المجتمع. إن حطة الأفكار أشد خطرًا على الأمة من فاتك المرض، إن سلامة الفكر واستقامة القلب هما الروح القوي الذي يحفظ على الأمة؛ آية أمة كيانها وبقاءها (٣). فالإِسلام مبني على العقل والمنطق، وقائم على الدليل والبرهان، وليس في عقيدته ولا شريعته ما يصادم فطرة الإنسان أو يقف حائلًا دون الوصول إلى كماله المادي والأدبي،

стр. 6018

ومن دخل فيه عرف حقيقته، وذاق حلاوته، فإذا خرج منه وارتد عنه بعد دخوله فيه وإدراكه له كان في الواقع خارجًا عن الحق والمنطق، ومتنكرًا للدليل والبرهان، وحائدًا عن العقل السليم، والفطرة المستقيمة، والإنسان حين يصل إلى هذا المستوى يكون قد ارتد إلى أقصى درجات الانحطاط، ووصل إلى الغاية من الانحدار والهبوط، ومثل هذا الإنسان لا ينبغي المحافظة على حياته، ولا الحرص على بقائه، لأن حياته ليست لها غاية كريمة ولا مقصد نبيل، هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن الإِسلام كمنهج عام للحياة، ونظام شامل للسلوك الإنساني لا غنى له من سياج يحميه وردع يقيه، فإن أي نظام لا قيام له إلا بالحماية والوقاية، والحفاظ عليه من كل ما يهز أركانه، ويزعزع بنيانه، ولا شيء أقوى في حماية النظام ووقايته من منع الخارجين عليه، لأن الخروج عليه يهدد كيانه، ويعرضه للسقوط والتداعي، إن الخروج على الإِسلام والارتداد عنه إنما هو ثورة عليه، والثورة عليه ليس لها من جزاء إلا الجزاء الذي اتفقت عليه القوانين الوضعية فيمن خرج على نظام الدولة وأوضاعها المقررة، إن أي إنسان سواء كان في الدولة الشيوعية أم الدول الرأسمالية، إذا خرج على نظام الدولة، فإنه يتهم بالخيانة العظمى ببلاده، والخيانة العظمى جزاؤها الإعدام للمرتدين؛ منطقي مع نفسه، ومتلاقٍ مع غيره من النظم. (١) المبحث الثاني: شبهات والرد عليها

стр. 6019

الشبهة الأولى: قتل المرتد يتعارض مع الآية ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ . يقولون: قتل المرتد يتعارض مع نص الآية: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٥٦) والرد من وجوه: الوجه الأول: تفسير الآية . الوجه الثاني: لا تناقض بين الآية وقتل المرتد. وإليك التفصيل الوجه الأول: تفسير الآية. يقول تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإِسلام، فإنه بيِّن واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحدًا على الدخول فيه، بل من هداه اللَّه للإسلام وشرح صدره، ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى اللَّه قلبه وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا. (١) لما بين اللَّه تعالى دلائل التوحيد بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر، أخبر بعد ذلك أنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر، إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه، وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء، إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: ٢٩)، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ٩٩). وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (الشعراء: ٣ - ٤) (٢).

стр. 6020

و ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ أي لا إكراه في الدخول فيه، لأن الإيمان إذعان وخضوع، ولا يكون ذلك بالإلزام والإكراه، وإنما يكون بالحجة والبرهان. وكفى بهذه الآية حجة على من زعم من أعداء الدين، بل من أوليائه، أن الإِسلام ما قام إلا والسيف ناصره، فكان يعرض على الناس، فإن قبلوه نجوا، وإن رفضوه حكم فيهم السيف حكمه، فهل كان السيف يعمل عمله في إكراه الناس على الإِسلام حين كان النبي ﷺ يصلي مستخفيًا، والمشركون يفتنون المسلمين بضروب من التعذيب، ولا يجدون زاجرًا حتى اضطر النبي وصحبه إلى الهجرة، أو كان ذلك الإكراه في المدينة بعد أن اعتز الإِسلام؟ اللهم لا هذا ولا ذاك، وقد نزلت هذه الآية في مبدأ هذه الغزوة، فإن غزوة بني النضير كانت في السنة الرابعة من الهجرة. هذا وقد كان معهودًا عند بعض الملل ولا سيما النصارى إكراه الناس على الدخول في دينهم، ثم أكد عدم الإكراه قوله: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ أي: قد ظهر أن هذا الدين الرشد والفلاح، وأن ما خالفه من الملل الأخرى غيّ وضلال (١). الوجه الثاني: لا تناقض بين الآية وقتل المرتد . وقد يتساءل البعض: أليست هذه العقوبة مناقضة للحرية الدينية التي أقرها الإِسلام بقوله تعالى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، ولقوله تعالى للنبي الأمين ﷺ ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾؟ . والجواب: أن الإكراه المنفي في الآيتين إنما هو الإكراه على الدخول في الإِسلام، والإِسلام يريد ممن يدخل فيه أن يكون مخلصًا في طلبه في الدخول فيه؛ مدركًا حقائقه ومزاياه، ولذلك قرن نفي الإكراه في الآية الأولى بقوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ

стр. 6021

عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ (البقرة: ٢٥٦)، فمن دخل في الإِسلام حرًّا مدركًا، عالمًا الغيّ من الرشد. فليس له من بعد أن ينفصم منه؛ لأنه لن يخرج منه ببينة صادقة وحجة مستقيمة، إنما هو الضلال والتضليل، فإذا حارب الإِسلام اتخاذ الأديان هزوًا ولعبًا وعبثًا وتضليلًا، فإنما يفعل ذلك لحماية حرية الفكر والرأي من هؤلاء العابثين (١). وهنا مظنة سؤال: لعل العصر بما يموج فيه من أخلاط الفكر يجعله أكثر إلحاحًا! أليست قضية الاعتقاد مسألة شخصية تمامًا بحيث لا يحق التدخل فيها؟ ، أليس القرآن نفسه يقرر هذا المبدأ الذي نستند إليه عندما نتحدث عن سماحة الإِسلام: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ (البقرة: ٢٥٦)! ونقول: بلى، جوابًا عن كل من السؤالين، ولكن هل ردة المرتد مسألة شخصية تمامًا لا تمس الجماعة التي كان يؤمن بدينها، فهل عقوبتها تتناقض مع مبدأ حرية العقيدة التي تقرره الآية؟ فرق بين موقفين: موقف يرفض فيه صاحبه من البداية -وهو غير مسلم- أن يدخل في الإِسلام، وموقف يرتد فيه صاحبه عن الإِسلام بعد أن دخل فيه. الموقف الأول يقر الإِسلام صاحبه، ويحمي حقه الكامل في البقاء على حاله التي هو عليها، بل في تغييرها إلى أي دين آخر يختاره غير الإِسلام، وهنا يتجسد المبدأ العظيم ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ تجسيدًا لا شبهة فيه. وإقرار الإِسلام لمثل هذا يحتسب له، ويشاد به من أهله. أما الموقف الآخر فليس كذلك، لم يعد موقفًا شخصيًا خالصًا، ولم يعد الأمر فيه قاصرًا في آثاره على صاحبه؛ لقد دخل في الإِسلام طوعًا، فلماذا ارتد عنه؟ إنه أبسط سؤال يترتب على ردته؟ ، وهو سؤال ينطوي على كثير من التشكيك في الإِسلام، وإلا ففيم دخل

стр. 6022

فيه راضيًا غير مكره ثم خرج منه؟ . ما أخرجه إلا اقتناع بعدم صلاحيته أو بأفضلية غيره عليه، فإذا كان المرتد ممن كانت لهم مكانة وموضع مرموق في الجماعة قويت الشبه واشتد التشكيك؟ . (١) الشبهة الثانية: يقولون: الإنسان لم يختر بإرادته أن يصبح مسلمًا، ليس إلا أنه وُلد في بيئة مسلمة، فلماذا يُطبَّق عليه حدّ الردة، أليس هذا تناقض مع حرية الاعتقاد المديني؟ . والرد على هذه الشبهة بالآتي: عن أبي هريرة ﵁: قال رسول اللَّه ﷺ "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ"، يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ واقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (الروم: ٣٠). (٢) قال ابن حجر: وأشهر الأقوال أن المراد بالفطرة الإِسلام، قال ابن عبد البر: وهو المعروف عند عامة السلف، وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الإِسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة في آخر حديث الباب: اقرؤوا إن شئتم ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، وبحديث عياض بن حمار عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم" (٣). وقد رواه غيره فزاد فيه (حنفاء مسلمين) (٤)، ورجحه بعض المتأخرين بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ لأنها إضافة مدح، وقد أمر نبيه بلزومها، فعلم أنها الإِسلام (٥).

стр. 6023

وقال النووي: وقيل معناه كل مولود يولد على معرفة اللَّه والإقرار به، فليس أحد يولد إلا وهو يقر بأن له صانعًا، وإن سماه بغير اسمه أو عبد معه غيره والأصح أن معناه أن كل مولود يولد متهيئًا للإسلام، فمن كان أبواه أو أحدهما مسلمًا؛ استمر على الإِسلام في أحكام الآخرة والدنيا، وإن كان أبواه كافرين جرى عليه حكمهما في أحكام الدنيا وهذا معنى (يهودانه وينصرانه ويمجسانه) أي يحكم له بحكمهما في الدنيا، فإن بلغ استمر عليه حكم الكفر ودينهما، فإن كانت سبقت له سعادة أسلم، وإلا مات على كفره (١). وأيضًا يهودانه: أي يهودان المولود بعد أن خلق على الفطرة تشبهًا بالبهيمة التي جُدعت بعد أن خلقت سليمة (٢). وقيل: معناه (أي الحديث) أن كل مولود يولد في مبدأ الخلقة على الفطرة؛ أي الجبلة السليمة، والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها لأن هذا الدين موجود حسنه في العقول، وإنما يعدل عنه من يعدل إلى غيره لآفة من آفات النشوء والتقليد، فلو سلم من تلك الآفات لم يعتقد غيره. . .، ثم يتمثل بأولاد اليهود والنصارى واتباعهم لآبائهم، والميل إلى أديانهم فيزلون بذلك عن الفطرة السليمة والمحجة المستقيمة (٣). وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (الروم: ٣٠). يقول ابن كثير: يقول تعالى: فسدد وجهك واستمر على الدين الذي شرعه اللَّه لك من الحنيفية ملة إبراهيم، التي هداك اللَّه لها، وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم

стр. 6024

فطرتك السليمة، التي فطر اللَّه الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره (١). ثم قال في قوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ معناه: أنه تعالى ساوى بين خلقه، كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة، لا يولد أحد إلا على ذلك، ولا تفاوت بين الناس في ذلك، ولهذا قال ابن عباس، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وابن زيد في قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لدين اللَّه. (٢) وقال البخاري: باب: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: لدين اللَّه، ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾: دين الأولين والفطرة: الإسلام. (٣) وأهل التأويل قد أجمعوا في تأويل قوله : ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ على أن قالوا: فطرة اللَّه دين الإِسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث: "اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ " (٤). ومن هذا يتضح أن أي مولود يولد فإنما يولد على الفطرة، وهو دين رب العالمين، دين الإِسلام، فلا سبيل للطعن بأنّه من غير اختياره لأن هذا هو الفطرة، وكل ما دون هذه الفطرة فهو منتكس، ليس له حظ في هذا الأمر العظيم، فإرادته هي فطرته، وغير ذلك فهو تبديل وتغيير لهذه الفطرة. وإذا نظرنا في دين النصارى؛ سنجد هذا التغيير واضحًا جليًّا بما يسمونه بالمعمودية، وهم يوجبون تعميد الأطفال، وذلك على حد قولهم أنها ضرورية للخلاص طبقًا لوضع

стр. 6025

السيد المسيح، وأنها هي الباب الأول ولا بد منها لدخول الإنسان ملكوت النعمة (١)، والدليل على ذلك من كتابهم، وإليكم النصوص: (فتقدم يسوع وكلمهم قائلًا: دفع إلى كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس). متى (٢٨/ ١٨، ١٩). (ربٌ واحد، إيمانٌ واحد، ومعمودية واحدة). الرسالة إلى أهل أفسس (٤/ ٥). (إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت اللَّه) يوحنا (٣/ ٥). (من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يدن) مرقس (١٦/ ١٦). (توبوا وليعتمد كل منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس) أعمال الرسل (٢/ ٣٨). فيفهم من هذه النصوص: أن من لا يعتمد لا يستحق الدخول في الملكوت، بل يدان على عدم تعميده، وهذه بعض النصوص وليست كلها، فالنصوص كثيرة على تغييرهم لفطرة البشرية التي فطروا عليها، وهذا يتضح في معنى الحديث "وأبواه ينصرانه"، فلماذا يجبر منهم من يريد أن يستعيد فطرته على البقاء في دين لم يكن لهم إرادة في اختياره منذ البداية؟ ! أليس هذا هو التناقض بعينه؟ الشبهة الثالثة: يقولون: أن حكم الردة خاطئ بشهادة القرآن ويستدلون بالآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: ٥٤)، وغيرها من الآيات. والرد عليها كالآتي: الوجه الأول: تفسير الآية .
следующие страницы →