← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ (البقرة: ٢٥٦)، فمن دخل في الإِسلام حرًّا مدركًا، عالمًا الغيّ من الرشد. فليس له من بعد أن ينفصم منه؛ لأنه لن يخرج منه ببينة صادقة وحجة مستقيمة، إنما هو الضلال والتضليل، فإذا حارب الإِسلام اتخاذ الأديان هزوًا ولعبًا وعبثًا وتضليلًا، فإنما يفعل ذلك لحماية حرية الفكر والرأي من هؤلاء العابثين (١). وهنا مظنة سؤال: لعل العصر بما يموج فيه من أخلاط الفكر يجعله أكثر إلحاحًا! أليست قضية الاعتقاد مسألة شخصية تمامًا بحيث لا يحق التدخل فيها؟ ، أليس القرآن نفسه يقرر هذا المبدأ الذي نستند إليه عندما نتحدث عن سماحة الإِسلام: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ (البقرة: ٢٥٦)! ونقول: بلى، جوابًا عن كل من السؤالين، ولكن هل ردة المرتد مسألة شخصية تمامًا لا تمس الجماعة التي كان يؤمن بدينها، فهل عقوبتها تتناقض مع مبدأ حرية العقيدة التي تقرره الآية؟ فرق بين موقفين: موقف يرفض فيه صاحبه من البداية -وهو غير مسلم- أن يدخل في الإِسلام، وموقف يرتد فيه صاحبه عن الإِسلام بعد أن دخل فيه. الموقف الأول يقر الإِسلام صاحبه، ويحمي حقه الكامل في البقاء على حاله التي هو عليها، بل في تغييرها إلى أي دين آخر يختاره غير الإِسلام، وهنا يتجسد المبدأ العظيم ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ تجسيدًا لا شبهة فيه. وإقرار الإِسلام لمثل هذا يحتسب له، ويشاد به من أهله. أما الموقف الآخر فليس كذلك، لم يعد موقفًا شخصيًا خالصًا، ولم يعد الأمر فيه قاصرًا في آثاره على صاحبه؛ لقد دخل في الإِسلام طوعًا، فلماذا ارتد عنه؟ إنه أبسط سؤال يترتب على ردته؟ ، وهو سؤال ينطوي على كثير من التشكيك في الإِسلام، وإلا ففيم دخل

стр. 6022

فيه راضيًا غير مكره ثم خرج منه؟ . ما أخرجه إلا اقتناع بعدم صلاحيته أو بأفضلية غيره عليه، فإذا كان المرتد ممن كانت لهم مكانة وموضع مرموق في الجماعة قويت الشبه واشتد التشكيك؟ . (١) الشبهة الثانية: يقولون: الإنسان لم يختر بإرادته أن يصبح مسلمًا، ليس إلا أنه وُلد في بيئة مسلمة، فلماذا يُطبَّق عليه حدّ الردة، أليس هذا تناقض مع حرية الاعتقاد المديني؟ . والرد على هذه الشبهة بالآتي: عن أبي هريرة ﵁: قال رسول اللَّه ﷺ "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ"، يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ واقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (الروم: ٣٠). (٢) قال ابن حجر: وأشهر الأقوال أن المراد بالفطرة الإِسلام، قال ابن عبد البر: وهو المعروف عند عامة السلف، وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الإِسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة في آخر حديث الباب: اقرؤوا إن شئتم ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، وبحديث عياض بن حمار عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم" (٣). وقد رواه غيره فزاد فيه (حنفاء مسلمين) (٤)، ورجحه بعض المتأخرين بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ لأنها إضافة مدح، وقد أمر نبيه بلزومها، فعلم أنها الإِسلام (٥).

стр. 6023

وقال النووي: وقيل معناه كل مولود يولد على معرفة اللَّه والإقرار به، فليس أحد يولد إلا وهو يقر بأن له صانعًا، وإن سماه بغير اسمه أو عبد معه غيره والأصح أن معناه أن كل مولود يولد متهيئًا للإسلام، فمن كان أبواه أو أحدهما مسلمًا؛ استمر على الإِسلام في أحكام الآخرة والدنيا، وإن كان أبواه كافرين جرى عليه حكمهما في أحكام الدنيا وهذا معنى (يهودانه وينصرانه ويمجسانه) أي يحكم له بحكمهما في الدنيا، فإن بلغ استمر عليه حكم الكفر ودينهما، فإن كانت سبقت له سعادة أسلم، وإلا مات على كفره (١). وأيضًا يهودانه: أي يهودان المولود بعد أن خلق على الفطرة تشبهًا بالبهيمة التي جُدعت بعد أن خلقت سليمة (٢). وقيل: معناه (أي الحديث) أن كل مولود يولد في مبدأ الخلقة على الفطرة؛ أي الجبلة السليمة، والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها لأن هذا الدين موجود حسنه في العقول، وإنما يعدل عنه من يعدل إلى غيره لآفة من آفات النشوء والتقليد، فلو سلم من تلك الآفات لم يعتقد غيره. . .، ثم يتمثل بأولاد اليهود والنصارى واتباعهم لآبائهم، والميل إلى أديانهم فيزلون بذلك عن الفطرة السليمة والمحجة المستقيمة (٣). وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (الروم: ٣٠). يقول ابن كثير: يقول تعالى: فسدد وجهك واستمر على الدين الذي شرعه اللَّه لك من الحنيفية ملة إبراهيم، التي هداك اللَّه لها، وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم

стр. 6024

فطرتك السليمة، التي فطر اللَّه الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره (١). ثم قال في قوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ معناه: أنه تعالى ساوى بين خلقه، كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة، لا يولد أحد إلا على ذلك، ولا تفاوت بين الناس في ذلك، ولهذا قال ابن عباس، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وابن زيد في قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي: لدين اللَّه. (٢) وقال البخاري: باب: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: لدين اللَّه، ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾: دين الأولين والفطرة: الإسلام. (٣) وأهل التأويل قد أجمعوا في تأويل قوله : ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ على أن قالوا: فطرة اللَّه دين الإِسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث: "اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ " (٤). ومن هذا يتضح أن أي مولود يولد فإنما يولد على الفطرة، وهو دين رب العالمين، دين الإِسلام، فلا سبيل للطعن بأنّه من غير اختياره لأن هذا هو الفطرة، وكل ما دون هذه الفطرة فهو منتكس، ليس له حظ في هذا الأمر العظيم، فإرادته هي فطرته، وغير ذلك فهو تبديل وتغيير لهذه الفطرة. وإذا نظرنا في دين النصارى؛ سنجد هذا التغيير واضحًا جليًّا بما يسمونه بالمعمودية، وهم يوجبون تعميد الأطفال، وذلك على حد قولهم أنها ضرورية للخلاص طبقًا لوضع

стр. 6025

السيد المسيح، وأنها هي الباب الأول ولا بد منها لدخول الإنسان ملكوت النعمة (١)، والدليل على ذلك من كتابهم، وإليكم النصوص: (فتقدم يسوع وكلمهم قائلًا: دفع إلى كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس). متى (٢٨/ ١٨، ١٩). (ربٌ واحد، إيمانٌ واحد، ومعمودية واحدة). الرسالة إلى أهل أفسس (٤/ ٥). (إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت اللَّه) يوحنا (٣/ ٥). (من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يدن) مرقس (١٦/ ١٦). (توبوا وليعتمد كل منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس) أعمال الرسل (٢/ ٣٨). فيفهم من هذه النصوص: أن من لا يعتمد لا يستحق الدخول في الملكوت، بل يدان على عدم تعميده، وهذه بعض النصوص وليست كلها، فالنصوص كثيرة على تغييرهم لفطرة البشرية التي فطروا عليها، وهذا يتضح في معنى الحديث "وأبواه ينصرانه"، فلماذا يجبر منهم من يريد أن يستعيد فطرته على البقاء في دين لم يكن لهم إرادة في اختياره منذ البداية؟ ! أليس هذا هو التناقض بعينه؟ الشبهة الثالثة: يقولون: أن حكم الردة خاطئ بشهادة القرآن ويستدلون بالآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: ٥٤)، وغيرها من الآيات. والرد عليها كالآتي: الوجه الأول: تفسير الآية .

стр. 6026

يقول تعالى ذكره للمؤمنين باللَّه وبرسوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: صدّقوا اللَّه ورسوله، وأقروا بما جاءهم به نبيهم محمد ﷺ ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾، يقول: من يرجع منكم عن دينه الحق الذي هو عليه اليوم، فيبدله ويغيره بدخوله في الكفر، إما في اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك من صنوف الكفر، فلن يضر اللَّه شيئًا، وسيأتي اللَّه بقوم يحبهم ويحبونه، يقول: فسوف يجيء اللَّه بقومٍ خير من الذين ارتدوا وأبدلوا دينهم يحبهم اللَّه ويحبون اللَّه، وكان هذا الوعيد من اللَّه لمن سبق في علمه أنه سيرتد بعد وفاة نبيه محمد ﷺ ، وكذلك وعده من وعد المؤمنين ما وعده في هذه الآية، لمن سبق له في علمه أنه لا يبدل ولا يغير دينه، ولا يرتد، فلما قبض اللَّه نبيه ﷺ ارتد أقوام من أهل الوبَرِ، وبعض أهل المَدَر، فأبدل اللَّه المؤمنين بخيرٍ منهم كما قال تعالى ذكره، ووفى للمؤمنين بوعده، وأنفذ فيمن ارتد منهم وعيده. (١) قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرًا عن قدرته العظيمة أن من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن اللَّه يستبدل به من هو خير لها منه، وأشد منعة وأقوم سبيلًا كم قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٨)، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ (النساء: ١٣٣)، وقال تعالى ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (إبراهيم: ١٩ - ٢٠) أي: بممتنع ولا صعب وقال تعالى هاهنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ (المائدة: ٥٤) أي: يرجع عن الحق إلى الباطل (٢). فأخبر تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة أنهم إن ارتد بعضهم؛ فإن اللَّه يأتي عوضًا عن ذلك بقوم من صفاتهم الذل للمؤمنين، والتواضع لهم ولين الجانب، والقسوة والشدة

стр. 6027

على الكافرين، وهذا من كمال صفات المؤمنين، وبهذا أمر اللَّه نبيه ﷺ ، فأمره بلين الجانب للمؤمنين، بقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ (الحجر: ٨٨). وقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٥)، وأمره بالقسوة على غيرهم بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (التوبة: ٧٣)، وأثنى تعالى على نبيه باللين للمؤمنين في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: ١٥٩) الآية، وصرح بأن ذلك المذكور من اللين للمؤمنين، والشدة على الكافرين، من صفات الرسول ﷺ وأصحابه ﵃، بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: ٢٩) (١). فهم للمؤمنين أذلة من محبتهم لهم، ونصحهم لهم، ولينهم ورفقهم ورأفتهم، ورحمتهم بهم وسهولة جانبهم، وقرب الشيء الذي يطلب منهم وعلى الكافرين باللَّه المعاندين لآياته المكذبين لرسله، أعزة: قد اجتمعت هممهم وعزائمهم على معاداتهم، وبذلوا جهدهم في كل سبب يحصل به الانتصار عليهم، قال تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: ٦٠)، وقال تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ فالغلظة والشدة على أعداء اللَّه مما يقرب العبد إلى اللَّه، ويوافق العبد ربه في سخطه عليهم، ولا تمنع الغلظة عليهم والشدة دعوتهم إلى الدين الإِسلامي بالتي هي أحسن، فتجتمع الغلظة عليهم، واللين في دعوتهم، وكلا الأمرين من مصلحتهم ونفعه عائد إليهم. (٢) ويقول الشيخ أبو بكر الجزائري: هذه الآية الكريمة تضمنت خبرًا من أخبار الغيب التي يخبر بها القرآن فتتم طبق ما أخبر به، فتكون آية أنه كلام اللَّه حقًا، وأن المنزل على رسوله صدقٌ؛ فقد أخبر تعالى أن من يرتد من المؤمنين سوف يأتي اللَّه بخير

стр. 6028

منه ممن يحبون اللَّه ويحبهم اللَّه تعالى رحماء بالمؤمنين أشداء على الكافرين يجاهدون في سبيل اللَّه ولا يخافون لوم من يلوم ولا عتاب من يعتب عليهم، وما إن مات الرسول ﷺ حتى ارتد فئات من أجلاف الأعراب ومنعوا الزكاة وقاتلهم أبو بكر الصديق مع الصحابة رضوان اللَّه عليهم حتى أخضعوهم للإسلام وحسن إسلامهم، فكان أبو بكر وأصحابه ممن وصف اللَّه تعالى؛ يحبون اللَّه ويحبهم اللَّه، يجاهدون في سبيله، ولا يخافون لومة لائم، وقد روى بل وصح "أن النبي ﷺ لما نزلت هذه الآية وتلاها ﷺ وأبو موسى الأشعري أمامه فأشار إليه وقال قوم هذا" (١) وفعلًا بعد وفاة الرسول جاء الأشعريون وظهرت الآية وتمت المعجزة وصدق اللَّه العظيم (٢). وهذه الآية الكريمة تدل على أن اللَّه هيأ للمرتدين من يقاومهم من المؤمنين المجاهدين الذين وصفهم اللَّه تعالى بما وصفهم في الآية مثل: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين، فأنقذوا الإِسلام من هذه الفتنة العظيمة ألا وهي فتنة الردة. وقد بوب الإمام البخاري باب -حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم- تحت كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، ثم أتى بآيات منها هذه الآية الكريمة، ثم أورد حديثًا فيه "أن عليًا أتى بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس؛ فقال لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول اللَّه ﷺ "لا تعذبوا بعذاب اللَّه"، ولقتلتهم لقول رسول اللَّه ﷺ "من بدل دينه فاقتلوه" (٣). وقال الشوكاني: والمراد بالقوم الذين وعد اللَّه سبحانه بالإتيان بهم؛ هم أبو بكر الصديق ﵁، وجيشه من الصحابة والتابعين الذين قاتل بهم أهل الردة، ثم كل من جاء بعدهم

стр. 6029

من المقاتلين للمرتدين في جميع الزمن، ثم وصف سبحانه هؤلاء القوم بهذه الأوصاف العظيمة المشتملة على غاية المدح ونهاية الثناء من كونهم يحبون اللَّه وهو يحبهم (١). وتفسير الآية يوضح هذا المعنى، وليس بحكم خاطئ قتل المرتد بهذه الآية، إنما هي دليل على الشروع في أحكام المرتدين، الذي جاءت به السنة ووضحت هذه الأحكام وبينت ذلك، وتفسير الآية بعيدٌ عن هذه الشبهة، بل عندما تنظر إلى كتب المفسرين نجد أن بعض المفسرين أتى وبين أن هناك طوائف ارتدت في حياة النبي ﷺ وبعد موته ﷺ ، فتولى أبو بكر وغيره من الصحابة قتالهم وتوالي المسلمون على ذلك، حتى يحفظوا شوكة الدين من دنس المعتدين والمارقين (٢). الشبهة الرابعة: يقولون بتضعيف حديث "من بدل دينه فاقتلوه ". تدور الشبهة حول تضعيف حديث "من بدل دينه فاقتلوه"، قالوا: فيه عكرمة مولى ابن عباس، وأنه متهم بالكذب على ابن عباس، وأنه كان من دعاة الخوارج والحرورية والإباضية ولا يحتج بحديثه. الرد على الشبهة من وجوه: الوجه الأول: ترجمة عكرمة وأقوال العلماء فيه . الوجه الثاني: ويشهد لحديث عكرمة شواهد وهي: الوجه الثالث: لم ينفرد عكرمة بالحديث، فقد تابعه أنس عن ابن عباس به. وإليك التفصيل الوجه الأول: ترجمة عكرمة وأقوال العلماء فيه. عكرمة البربري، أبو عبد اللَّه المدني مولى ابن عباس أصله من البربر، كان لحصين بن أبي الحر العنبري، فوهبه لابن عباس لما ولى البصرة لعلي. (٣)

стр. 6030

قال ابن حجر: ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: كان من علماء زمانه بالفقه والقرآن. . .، وقال: وعكرمة حمل عنا أهل العلم الحديث، والفقه في الأقاليم كلها ما أعلم أحدًا ذمه بشيء إلا بدعابة كانت فيه. (١) وقال ابن منده في صحيحه: أما حال عكرمة في نفسه فقد عدله أمة من نبلاء التابعين فمن بعدهم، وحدثوا عنه واحتجوا بمفاريده في الصفات والسنن والأحكام. روى عنه زهاء ثلاثمائة رجل من البلدان منهم زيادة على سبعين رجلًا من خيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلة لا تكاد توجد لكثير أحد من التابعين على أن من جرحه من الأئمة لم يمسك من الرواية عنه، ولم يستغنوا عن حديثه، وكان يتلقى حديثه بالقبول، ويحتج به قرنًا بعد قرن، وإمامًا بعد إمام إلى وقت الأئمة الأربعة الذين أخرجوا الصحيح وميزوا ثابته من سقيمة وخطأه من صوابه، وهم: البخاري ومسلم، وأبو داود، والنسائي، فأجمعوا على إخراج حديثه واحتجوا به على أن مسلمًا كان أسوأهم رأيًا فيه، وقد أخرج عنه مقرونًا وعدله بعدما جرحه. وقال أبو عبد اللَّه محمد بن نصر المروزي: قد أجمع عامة أهل العلم بالحديث على الاحتجاج بحديث عكرمة، واتفق على ذلك رؤساء أهل العلم بالحديث من أهل عصرنا منهم: أحمد بن حنبل، وابن راهوية، ويحيى بن معين، وأبو ثور، ولقد سألت إسحاق بن راهوية عن الاحتجاج بحديثه، فقال عكرمة عندنا إمام الدنيا تعجب من سؤالي إياه، وحدثنا غير واحد أنهم شهدوا يحيى بن معين، وسأله بعض الناس عن الاحتجاج بعكرمة، فأظهر التعجب. قال أبو عبد اللَّه: وعكرمة قد ثبتت عدالته بصحبة ابن عباس وملازمته إياه، وبأن غير واحد من العلماء قد رووا عنه وعدلوه قال: وكل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد

стр. 6031

حتى يبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه، وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وأبو عبد اللَّه الحاكم، وأبو عمر بن عبد البر: فيه نحوًا مما تقدم عن محمد بن نصر. (١) وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عكرمة فقال ثقة قلت يحتج بحديثه قال نعم إذا روى عنه الثقات، والذي أنكر عليه مالك إنما هو بسبب رأيه على أنه لم يثبت عنه من وجه قاطع أنه كان يرى ذلك، وإنما كان يوافق في بعض المسائل فنسبوه إليهم، وقد برأه أحمد والعجلي من ذلك، فقال في كتابه الثقات له (عكرمة مولى ابن عباس ﵃ مكي تابعي ثقة برئ مما يرميه الناس به من الحرورية) (٢)، وقال ابن جرير لو كان كل من ادعى عليه مذهبًا من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعى به، وسقطت عدالته وبطلت شهادته بذلك؛ للزم ترك أكثر محدثي الأمصار لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه (٣). وقال ابن حجر أيضًا: وإذ فرغنا من الجواب عما طعن عليه به، فلنذكر ثناء الناس عليه من أهل عصره وهلم جرا، قال محمد بن فضيل: عن عثمان بن حكيم كنت جالسًا مع أبي أمامة بن سهل بن حنيف إذ جاء عكرمة، فقال: يا أبا أمامة أذكرك اللَّه هل سمعت ابن عباس يقول ما حدثكم عني عكرمة فصدقوه، فإنه لم يكذب علي؟ ، فقال أبو أمامة: نعم، وهذا إسناد صحيح، وقال يزيد النحوي: عن عكرمة قال لي ابن عباس انطلق، فأفت الناس، وحكى البخاري عن عمرو بن دينار قال: أعطاني جابر بن زيد صحيفة فيها مسائل عن عكرمة فجعلت كأني أتباطأ، فانتزعها من يدي، وقال: هذا عكرمة مولى ابن عباس، هذا أعلم الناس، وقال الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب اللَّه من عكرمة (٤). وقال جرير عن مغيرة: قيل لسعيد بن جبير تعلم أحدًا أعلم منك قال: نعم، عكرمة (٥).

стр. 6032

وقال قتادة: كان أعلم التابعين أربعة؛ فذكره فيهم قال: وكان أعلمهم بالتفسير، وقال معمر عن أيوب: كنت أريد أن أرحل إلى عكرمة، فإني لفي سوق البصرة إذ قيل لي: هذا عكرمة فقمت إلى جنب حماره، فجعل الناس يسألونه وأنا أحفظ، وقال حماد بن زيد: قال لي أيوب لو لم يكن عندي ثقة لم أكتب عنه، وقال يحيى بن أيوب: سألني جريج؛ هل كتبتم عن عكرمة؟ قلت: لا، قال: فاتكم ثلث العلم، وقال حبيب بن الشهيد كنت عند عمرو بن دينار فقال: واللَّه ما رأيت مثل عكرمة قط، وقال سلام بن مسكين كان عكرمة من أعلم الناس بالتفسير، وقال سفيان الثوري خذوا التفسير من أربعة فبدأ به، وقال البخاري: ليس أحد من أصحابنا إلا احتج بعكرمة، وقال جعفر الطيالسي عن ابن معين إذا رأيت إنسانًا يقع في عكرمة فاتهمه على الإِسلام (١). وأما القول بأنه كان صاحب بدعة يدعوا إليها: قال ابن حجر: فأما البدعة فإن ثبتت عليه، فلا تضر حديثه؛ لأنه لم يكن داعية مع أنها لم تثبت عنه. (٢) الوجه الثاني: ويشهد لحديث عكرمة شواهد وهي: حديث أنس: أن عليًا أتى بناس من الزط يعبدون وثنًا، فأحرقهم، قال ابن عباس: إنما قال رسول اللَّه ﷺ "من بدل دينه فاقتلوه" (٣). وحديث الحسن مرفوعًا، قال: قال رسول اللَّه ﷺ "من بدل دينه فاقتلوه" (٤). - وحديث أبي هريرة ﵁ به (٥).

стр. 6033

- وحديث معاذ بن جبل ﵁ عن أبي بردة قال: (قدم على أبي موسى؛ معاذ بن جبل باليمن، فإذا رجل عنده، قال: ما هذا؟ قال: رجل كان يهوديًا فأسلم، ثم تهود، ونحن نريده على الإِسلام منذ قال: أحسبه شهرين؛ فقال: واللَّه لا أقعد حتى تضربوا عنقه فضربت عنقه، فقال: قضى اللَّه ورسوله "أن من رجع عن دينه فاقتلوه" أو قال "من بدل دينه فاقتلوه" (١). الوجه الثالث: لم ينفرد عكرمة بالحديث، فقد تابعه أنس عن ابن عباس به (٢). فالحديث ثابت عن رسول اللَّه ﷺ ولا مجال للطعن بعدما أوردنا شواهد لهذا الحديث من غير طريق ابن عباس ﵁، وكما ذكرنا لم ينفرد عكرمة بالحديث، هذا من جانب ومن جانب آخر هذا الحديث في أعلى كتب الصحيح ألا وهو صحيح البخاري، فيكفينا في ذلك سندًا ومتنًا. الشبهة الخامسة: حول حديث "من بدل دينه فاقتلوه ". قالوا: عموم الحديث يفيد شموله لكل من غير دينه، ومن ثم فإن اليهودي الذي يتنصر أو المسيحي الذي يعتنق الإِسلام يدخل تحت حكم الحديث فيجب قتله. الرد على الشبهة: قال تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩). قال ابن كثير: وهو إخبار من اللَّه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإِسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم اللَّه به في كل حين، حتى ختموا بمحمد ﷺ الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد ﷺ ، فمن لقي اللَّه بعد بعثته محمد ﷺ بدين غير شريعته، فليس بمتقبل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل

стр. 6034

عمران: ٨٥)، وقال في هذه الآية مخبرًا بانحصار الدين المتقبل عنده في الإِسلام ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١). قال البغوي: قال قتادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، والإقرار بما جاء من عند اللَّه تعالى، وهو دين اللَّه الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه، فلا يقبل غيره، ولا يجزى إلا به. (٢) وقال ابن القيم: يعني الذي جاء به محمد، وهو دين الأنبياء من أولهم إلى آخرهم ليس للَّه دين سواه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ (آل عمران: ٨٥). وقد دل قوله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ على أنه دين أنبيائه ورسله وأتباعهم من أولهم إلى آخرهم، وأنه لم يكن للَّه قط ولا يكون له دين سواه؛ قال أول الرسل ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (يونس: ٧٢)، وقال إبراهيم وإسماعيل ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً﴾ (البقرة: ١٢٨)، ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: ١٣٢) وقال يعقوب لبنيه عند الموت ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: ١٣٣)، وقال موسى لقومه ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (يونس: ٨٤)، وقال تعالى ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٥٢)، وقالت ملكة سبأ ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (النمل: ٤٤).

стр. 6035

فالإِسلام دين أهل السماوات ودين أهل التوحيد من أهل الأرض، لا يقبل اللَّه من أحد دينًا سواه فأديان أهل الأرض ستة: واحد للرحمن، وخمسة للشيطان، فدين الرحمن هو الإِسلام، والتي للشيطان: اليهودية والنصرانية والمجوسية والصابئة ودين المشركين. (١) قال النووي: قال الشافعي: فلم يزل ما حرم اللَّه تعالى علي بني إسرائيل من اليهود وغيرهم محرمًا من حين حرمه حتى بعث اللَّه محمدًا ﷺ ، ففرض الإيمان به، وأعلم خلقه أن دينه الإِسلام، الذي نسخ به كل دين قبله، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (آل عمران: ٦٤)، وأمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية إن لم يسلموا، وأنزل فيهم ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: ١٥٧). قال الشافعي: فلم يبق خلق يعقل منذ بعث اللَّه محمدًا ﷺ من جن ولا إنس بلغته دعوته إلا قامت عليه حجة اللَّه تعالى باتباع دينه (٢). فإن الدين هو الإِسلام، وهو ناسخ لكل دين، ولقد توالى رسل اللَّه جميعًا يدعون الناس إلى هذه الحقيقة الخالدة، وبهذا نفهم أن كل ما عداه من دين فهو باطل، لا يعتد به ولا ينظر إليه، وأن الإِسلام هو الأصل والذي يعتد به، ويكون من الأحكام والمعاملات، فعندما يقول رسول اللَّه ﷺ "من بدل دينه فاقتلوه" فنفهم من ذلك أنه دين الأنبياء والمرسلين، دين الفطرة، دين رب العالمين، دين الإِسلام.

стр. 6036

أما قولهم أن عموم الحديث يشمل من انتقل من الكفر إلى الإسلام، وهذا يدخل في عموم الخبر، والجواب: أن معنى (من بدل دينه) أي انتقل من الإِسلام لغيره بقول أو فعل مكفر وأصر (١). ومعناه أيضًا: أنه محمول على دين الإِسلام إذ هو الدين المعتبر شرعًا (٢). وقال السندي: المراد بالدين الحق وهذا ظاهر بالسوق، فلا يشمل عمومه من أسلم من الكفرة، ولا من انتقل منهم من ملة إلى ملة أخرى من ملل الكفر (٣). ومعنى من بدل قتل؛ معنى يدل على أن من بدل دينه الحق وهو الإِسلام لا من بدل غير الإِسلام وذلك أن من خرج من غير دين الإِسلام إلى غيره من الأديان، فإنما خرج من باطل إلى باطل، إنما يقتل على الخروج من الحق لأنه لم يكن على الدين الذي أوجب اللَّه عليه الجنة وعلى خلافه النار إنما كان على دين له النار إن أقام عليه قال اللَّه : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وقال اللَّه : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ وقال ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٤). وقال مالك: ولم يعن بذلك فيما نرى واللَّه أعلم من خرج من اليهودية إلى النصرانية ولا من النصرانية إلى اليهودية، ولا من يغير دينه من أهل الأديان كلها إلا الإِسلام، فمن خرج من الإِسلام إلى غيره وأظهر ذلك فذلك الذي عني به، واللَّه أعلم (٥). وعلى قول مالك هذا؛ جماعة من الفقهاء (٦).

стр. 6037

وقال الشوكاني: المراد من بدل دينه الذي هو دين الإِسلام؛ لأن الدين في الحقيقة هو دين الإِسلام، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، ويؤيده أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (١). وقد ورد في بعض طرق الحديث ما يدل على ذلك، فأخرج الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس رفعه: "من خالف دينه دين الإِسلام فاضربوا عنقه" (٢) (٣). فتغيير اليهودية إلى نصرانية، وتغيير النصرانية إلى يهودية؛ ليس هو المقصود بالتغيير، إنما المقصود هنا التغيير من الإِسلام إلى غيره، وإذا كان ثمة قياس، فإنه يكون لمن غير من دين إلى دين أسوأ منه، أو إلى غير دين كم انتقلت من اليهودية أو النصرانية إلى المجوسية أو غيرها، وإن كنا لا نرى محلًا لعمل القياس في هذا المجال لأن القياس لا يعمل في مجال العقوبات، والحديث خاص بعقوبة (٤). وبهذا كله يتضح أن العموم في هذا الحديث ليس مرادًا. وأخيرًا: حدّ الردة في كتاب النصارى . أولًا: في العهد القديم: (مَنْ ذَبَحَ لآلِهَةٍ غَيْرِ الرَّبِّ وَحْدَهُ، يُهْلَكُ) الخروج (٢٢: ٢٠). (وَإِذَا أَغْوَاكَ سِرًّا أَخُوكَ ابْنُ أُمِّكَ، أَوِ ابْنُكَ أَوِ ابْنَتُكَ أَوِ امْرَأَةُ حِضْنِكَ، أَوْ صَاحِبُكَ الَّذِي مِثْلُ نَفْسِكَ قَائِلًا: نَذْهَبُ وَنَعْبُدُ آلِهَةً أُخْرَى لَمْ تَعْرِفْهَا أَنْتَ وَلَا آبَاؤُكَ ٧ مِنْ آلِهَةِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ حَوْلَكَ، الْقَرِيبِينَ مِنْكَ أَوِ الْبَعِيدِينَ عَنْكَ، مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ إِلَى أَقْصَائِهَا، ٨ فَلَا تَرْضَ مِنْهُ وَلَا تَسْمَعْ لَهُ وَلَا تُشْفِقْ عَيْنُكَ عَلَيْهِ، وَلَا تَرِقَّ لَهُ وَلَا تَسْتُرْهُ، ٩ بَلْ قَتْلًا تَقْتُلُهُ. يَدُكَ تَكُونُ عَلَيْهِ أَوَّلًا لِقَتْلِهِ، ثُمَّ أَيْدِي جَمِيعِ الشَّعْبِ أَخِيرًا. ١٠ تَرْجُمُهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَ، لأَنَّهُ الْتَمَسَ أَنْ يُطَوِّحَكَ

стр. 6038

عَنِ الرَّبِّ إِلهِكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. ١١ فَيَسْمَعُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ وَيَخَافُونَ، وَلَا يَعُودُونَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ الشِّرِّيرِ فِي وَسَطِكَ) التثنية (١٣/ ١١: ٦). إله الكتاب المقدس يأمر بقتل عبدة العجل كما أخبرهم بذلك نبيه موسى ﵇: (فأطاع اللاويون أمر موسى. فقتل من الشعب في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف رجل. عندئذ قال موسى لللاويين "لقد كرستم اليوم أنفسكم لخدمة الرب، وقد كلف ذلك كل واحد منكم قتل أبيه أو أخيه، ولكن لينعم عليكم الرب في هذا اليوم ببركة) (الخروج ٣٢/ ٢٩: ٢٨). النبي أو صاحب الحلم لا يطاع في أمره بعبادة آلهة أخرى، وتكون عقوبته القتل، وإن كان صاحب معجزات عظيمة: إِذَا قَامَ فِي وَسَطِكَ نَبِيٌّ أَوْ حَالِمٌ حُلْمًا، وَأَعْطَاكَ آيَةً أَوْ أُعْجُوبَةً، ٢ وَلَوْ حَدَثَتِ الآيَةُ أَوِ الأُعْجُوبَةُ الَّتِي كَلَّمَكَ عَنْهَا قَائِلًا: لِنَذْهَبْ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَعْرِفْهَا وَنَعْبُدْهَا، ٣ فَلَا تَسْمَعْ لِكَلَامِ ذلِكَ النَّبِيِّ أَوِ الْحَالِمِ ذلِكَ الْحُلْمَ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ يَمْتَحِنُكُمْ لِكَيْ يَعْلَمَ هَلْ تُحِبُّونَ الرَّبَّ إِلهَكُمْ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَنْفُسِكُمْ. ٤ وَرَاءَ الرَّبِّ إِلهِكُمْ تَسِيرُونَ، وَإِيَّاهُ تَتَّقُونَ، وَوَصَايَاهُ تَحْفَظُونَ، وَصَوْتَهُ تَسْمَعُونَ، وَإِيَّاهُ تَعْبُدُونَ، وَبِهِ تَلْتَصِقُونَ. ٥ وَذلِكَ النَّبِيُّ أَوِ الْحَالِمُ ذلِكَ الْحُلْمَ يُقْتَلُ، لأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِالزَّيْغِ مِنْ وَرَاءِ الرَّبِّ إِلِهكُمُ الَّذِي أَخْرَجَكُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، وَفَدَاكُمْ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ، لِكَيْ يُطَوِّحَكُمْ عَنِ الطَّرِيقِ الَّتِي أَمَرَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ أَنْ تَسْلُكُوا فِيهَا. فَتَنْزِعُونَ الشَّرَّ مِنْ بَيْنِكُمْ. (التثنية (١٣/ ٥: ١). وهنا حدّ الردة ظاهرًا وجليًا: (إذا ارتكب بينكم، رجل أو امرأة، مقيم في إحدى مدنكم التي يورثكم إياها الرب إلهكم، الشر في عيني الرب متعديا عهده، ٢. فغوى وعبد آلهة أخرى وسجد لها أو للشمس أو للقمر أو لأي من كواكب السماء مما حظرته عليكم، ٣. وشاع خبره، فسمعتم به، وتحققتم بعد فحص دقيق أن ذلك الرجس اقترف في إسرائيل، ٤. فأخرجوا ذلك

стр. 6039

الرجل أو تلك المرأة، الذي ارتكب ذلك الإثم إلى خارج المدينة، وارجموه بالحجارة حتى يموت ٥. لا تقتله إلا بعد أن تقوم عليه شهادة اثنين أو ثلاثة ويحظر أن تقتل بموجب شهادة واحد فقط. ٦ ويكون الشهود هم أول من يرجمونه، ثم يتعاقب عليه الشعب. فتستأصلون عندئذ الشر من بينكم ٧.) التثنية (١٧/ ٧: ٢). ٦ - وفي سفر الملوك الأول: أن إيليا ذبح في وادي قيشون ٤٥٠ رجلًا من الذين كانوا يدعون نبوة البعل: (ثم قال إيليا للشعب: "أنا بقيت نبيًا للرب، وأنبياء البعل أربع مئة وخمسون رجلًا) الملوك الأول (١٨/ ٢٢). وعلى نهر قيشون كانت المذبحة (فقال إيليا: أمسكوا أنبياء البعل ولا يفلت رجل منهم، فأمسكوهم، فنزل بهم إيليا إلى نهر قيشون وذبحهم هناك) الملوك الأول (١٨/ ٤٠). حكم الردة في العهد الجديد: ورد في الرسالة إلى العبرانيين: (فَإِنَّهُ إِنْ أَخْطَأْنَا بِاخْتِيَارِنَا بَعْدَمَا أَخَذْنَا مَعْرِفَةَ الْحَقِّ، لَا تَبْقَى بَعْدُ ذَبِيحَةٌ عَنِ الْخَطَايَا، بَلْ قُبُولُ دَيْنُونَةٍ مُخِيفٌ، وَغَيْرَةُ نَارٍ عَتِيدَةٍ أَنْ تَأْكُلَ المُضَادِّينَ. مَنْ خَالَفَ نَامُوسَ مُوسَى فَعَلَى شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةِ شُهُودٍ يَمُوتُ بِدُونِ رَأْفَةٍ.) رسالة إلى العبرانيين (١٠/ ٢٨: ٢٦). * * *

стр. 6040

شبهات عن المرأة

стр. 6041

وفيها: ١ - شبهة: الختان. ٢ - شبهة: الحجاب. ٣ - شبهة: القوامة. ٤ - شبهة: خروج المرأة. ٥ - شبهة تعليم المرأة. ٦ - شبهة المساواة بين الرجل والمرأة. ٧ - شبهة: عمل المرأة. ٨ - شبهة: شخصية المرأة المسلمة. ٩ - شبهة: ضرب الزوجات. ١٠ - شبهة: كيد المرأة. ١١ - شبهة: صوت المرأة. ١٢ - شبهة: البغاء. ١٣ - شبهة: اشتراط الولي. ١٤ - شبهة: تعدد الزوجات. ١٥ - شبهة: نكاح الواهبة. ١٦ - شبهة: نكاح الكتابيات. ١٧ - شبهة: جماع المرأة في الحيض. ١٨ - شبهة: نكاح المرأة في دبرها. ١٩ - شبهة: زواج التحليل. ٢٠ - شبهة: نكاح المحارم.

стр. 6042

٢١ - شبهة: الاستمناء. ٢٢ - شبهة: السِّحاق. ٢٣ - شبهة: تبادل الزوجات. ٢٤ - شبهة: المستأجرة من الزنا. ٢٥ - شبهة: الطلاق. ٢٦ - شبهة: رضاع الكبير. ٢٧ - شبهة: شهادة المرأة نصف الرجل. ٢٨ - شبهة: الميراث. ٢٩ - شبهة: إمامة المرأة. ٣٠ - شبهة حول: نقصان عقل المرأة. ٣١ - شبهة حول: حديث الوصية بالنساء. ٣٢ - شبهة: لماذا أكثر أهل النار النساء؟ ٣٣ - شبهة حول: حديث كمل من الرجال كثير. ٣٤ - شبهة حول: حديث لولا حواء لم تخن أنثى زوجها. ٣٥ - شبهة حول: حديث كمل من الرجال كثير. ٣٦ - شبهات حول: أحاديث ضعيفة تحط من شأن المرأة. وإليك التفصيل

стр. 6043

مقدمة لم يعتبر الإِسلام المرأة جرثومة خبيثة كما اعتبرها الكثيرون، وإنما جعلها قسيمة للرجل في أمور كثيرة وعديدة، فخاطب اللَّه الرجل والمرأة على حدّ سواء، وساوى بينهما في الأصل البشري، والمولاة، وتكاليف الإيمان، وحسن المثوبة، وادِّخار الأجر، وارتقاء الدرجات العلى في الجنة. فالنساء والرجال في أصلهما البشرى سواء، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (النساء: ١). وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ (الحجرات: ١٣). وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ (الأعراف: ١٨٩). بل ترى أن خلق المرأة وجعلها زوجه من نعم اللَّه وآياته على الرجال، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ (الروم: ٢١). وقال تعالى ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ (النحل: ٧٢). وكذلك في المولاة سواء، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٧١).

стр. 6044

وكذلك في الإيمان، فإيمان النساء كإيمان الرجال، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا﴾ (الأحزاب: ٣٥). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (الممتحنة: ١٠). وأمر سبحانه نبيه ﷺ أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات على حدّ سواء، فقال : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (محمد: ١٩). وكذلك المساواة في مصيرهما وبحسب العمل يكون الجزاء، ولا أحد أفضل من الآخر لكون أن هذه أنثى وهذا ذكر، فقال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ (النجم: ٣٩: ٤١). وقال سبحانه: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (آل عمران: ١٩٥). وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: ٩٧). وتلك النصوص دليل على أن المرأة في الإِسلام لها شخصيتها، وكيانها المستقل، وهذه بعض النصوص، وسيأتي تفصيلها، ولقد اعتنى الإِسلام بالمرأة عناية فائقة، فالمرأة في الإِسلام مجتمعًا كاملًا، فإن صلحت واستقامت صلح المجتمع، وإن اعوجت كان الفساد في المجتمع. ولو نظرنا إلى مكانة المرأة قبل الإِسلام، بل وعند الأمم الأخرى التي لم تهتدي بنور الرسالات

стр. 6045

الإلهية، لعلمنا أن المرأة قد جُردت من جميع حقوقها، وإنسانيتها، وكيف حرَّر الإِسلام المرأة ورفع من شأنها، قال عمر بن الخطّاب ﵁: "وَاللَّه إِنْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّه فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ". (١) وتتعجب كل العجب عندما ترى وضع المرأة اليوم في ديار الكفار، فترى من الإذلال والمهانة، والمجون، والخلاعة، والابتذال، والاستغلال، في أقسى صورها، وما وصلت إليه من انحطاط أخلاقي، وانهيار اجتماعي، وتفكك أسرى (٢)، فتلك تعاليم حضارة الغرب، التي لا ينتج عنها إلا الفساد والإفساد، والنزول بالإنسان إلى درجة أقل من درجة الحيوان، وتعاليم الإِسلام، حرصت كل الحرص على إخراج المرأة في صورة يتشرف بها المجتمع، وجعلت من المرأة كيانًا مستقلًا، يخرج من وراءه أجيالًا يتحدث عنهم التاريخ، فكم أخرجت بطون الأمهات الفضليات المتربيات على تعاليم الإِسلام عظماء أشاعوا الخير والصلاح في الأرض، وجعلوا الأمن والآمان للبشرية. وبعد: فهذه مجموعة من الشبهات ألقاها بعض الحاقدين على الإِسلام والمسلمين يريدون بها -زعموا- تشكيك المسلمين في دينهم وتلبيس الأمور عليهم، فجمعنا من ذلك أهم ما يدندنون به ويروجون له، وقد رددنا عليهم بالحجة العلمية والعقلية ونقضنا قولهم من أقوالهم ومذاهبهم وأصولهم التي يعتمدون عليها، فلله الحمد والفضل، وقد رتبنا هذه الشبهات على أبواب الفقه. والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات.

стр. 6046

١ - شبهة: الختان نص الشبهة: ادعاؤهم أن ختان المرأة ليس عليه دليل؛ بل هو عادة سيئة، وفيه امتهان للمرأة واعتداء على حقوقها، وأن المرأة المختونة لا يوجد لديها أي شهوة ورغبة جنسية. وأنه يؤدي إلى إصابة النساء بالأمراض أثناء إجراء عملية الختان أو بعدها، بل يؤدي إلى الوفاة. والجواب عن هذه الشبهة من هذه الوجوه الوجه الأول: تعريف الختان. الوجه الثاني: الأدلة على مشروعية ختان المرأة. الوجه الثالث: الإجماع على مشروعية ختان الإناث. الوجه الرابع: الختان كان معروفًا قبل الإِسلام. الوجه الخامس: الأسباب الطبية لجراحة الختان. الوجه السادس: فوائد ختان المرأة. الوجه السابع: الأضرار الناتجة عن الختان تحدث نتيجة الممارسات الخاطئة على أيدي الجهال. الوجه الثامن: ختان المرأة ليس فيه امتهان لها واعتداء على حقوقها. الوجه التاسع: الختان لا يؤدي للبرود الجنسي عند المرأة. الوجه العاشر: التعب الذي تجده المرأة أثناء الختان يكون أقل من عمليات التجميل. الوجه الحادي عشر: الطريقة الصحيحة لختان المرأة من الناحية الشرعية والطبية. الوجه الثاني عشر: الختان في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل

стр. 6047

١ - شبهة: الختان الوجه الأول: تعريف الختان . الختان لغة: قال ابن منظور: ختن الغلام والجارية يختِنُهما ويختُنُهُما ختنًا. والاسم الختان والختانة، وهو مختون، وقيل: الختن للرجال والخفض للنساء. والختين: المختون الذكر والأنثى في ذلك سواء. والختانة: صناعة الخاتن. والختن: فعل الخاتن الغلام. والختان: ذلك الموضع كله وعلاجه، والختان: موضع القطع من نواة المرأة. قال أبو منصور: هو موضع القطع من الذكر والأنثى، وهما موضع القطع من ذكر الغلام وفرج الجارية، ويقال لقطعهما الإعذار والخفض. . . . وأصل الختن: القطع. (١) الختان شرعًا: قال النووي: وختان الرجل قطع الجلدة التي تغطي الحشفة حتى تنكشف جميع الحشفة ويقال لتلك الجلدة القلفة، وأما من المرأة فتقطع من اللحمة التي في أعلى الفرج فوق مخرج البول وتشبه تلك اللحمة عرف الديك فإذا قطعت بقي أصلها كالنواة ويكفي أن يقطع ما يقع عليه الاسم. (٢) الوجه الثاني: الأدلة على مشروعية ختان المرأة . قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٢٤).

стр. 6048

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قَالَ: ابْتَلَاهُ اللَّه بِالطَّهَارِةِ خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ، وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ، فِي الرَّأْسِ: قَصُّ الشَّارِبِ وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَالسِّوَاكُ وَفَرْقُ الرَّأْسِ، وَفِي الْجَسَدِ: تَقْلِيمُ الأَظْفَارِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَالْخِتَانُ وَنَتْفُ الإِبْطِ وَغَسْلُ مَكَانِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ بِالْمَاءِ (١). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: "اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ". (٢) قال ابن عاشور: ولأن دين إبراهيم هو أصل الحنيفية وانتشر بين العرب بدعوة إسماعيل إليه فهو أشهر الأديان بين العرب وكانوا على أثارة منه في الحج والختان والقرى والفتوة. ودين موسى هو أوسع الأديان السابقة في تشريع الأحكام وأما دين عيسى فلأنه الدين الذي سبق دين الإِسلام ولم يكن بينهما دين آخر وليتضمن التهيئة إلى دعوة اليهود والنصارى إلى دين الإِسلام. (٣) قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ (البقرة: ١٣٨) قال القرطبي: في قوله ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾: وروي عن مجاهد، والحسن، وأبي العالية، وقتادة: الصبغة الدين، وأصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في الماء، وهو الذي يسمونه المعمودية ويقولون: هذا تطهير لهم. وقال ابن عباس: هو أن النصارى كانوا إذا ولد لهم ولد فأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم يقال له ماء المعمودية، فصبغوه بذلك ليطهروا به مكان الختان، لأن الختان تطهير فإذا

стр. 6049

فعلوا ذلك قالوا: الآن صار نصرانيًا حقًا، فرد اللَّه تعالى ذلك عليهم بأن قال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أي: صبغة اللَّه أحسن صبغة وهي الإسلام، فسمي الدين صبغة استعارة ومجازًا من حيث تظهر أعماله، وسمته على المتدين، كما يظهر أثر الصبغ في الثوب. (١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ سَمِعْتُ النبي ﷺ يَقُول: "الْفِطْرَةُ خَمْسٌ الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الآبَاطِ". (٢) قال ابن القيم: والفطرة فطرتان: فطرة تتعلق بالقلب وهي: معرفة اللَّه ومحبته، وإيثاره على ما سواه. وفطرة عملية وهي: هذه الخصال. فالأولى: تزكي الروح وتطهر القلب، والثانية: تطهر البدن. وكل منهما تمد الأخرى وتقويها، وكان رأس فطرة البدن الختان (٣). عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: "سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلُ مَنْ أَنْتَ حِينَ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ . قَالَ: أنا يَوْمَئِذٍ مَخْتُونٌ. قَالَ: وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ" (٤). وهذه الأحاديث وإن كانت عامة أو أنها تتحدث عن الرجال فالحكم يشمل النساء أيضًا لأنه لم يرد دليل يخصصه للرجال فقط ومعلوم قول النبي ﷺ : "إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ". (٥) ومع هذا فقد جاءت الأحاديث تدل على مشروعية ختان الإناث منها: عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: "اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ رَهْطٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّونَ: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إِلَّا مِنْ الدَّفْقِ أَوْ مِنْ الْمَاءِ، وَقَالَ المُهَاجِرُونَ: بَلْ إِذَا خَالَطَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ. قَالَ. قَالَ أَبُو مُوسَى: فَأنا أَشْفِيكُمْ مِنْ ذَلِكَ. فَقُمْتُ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَأُذِنَ لِي، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّاهْ أَوْ يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلكِ عَنْ شَيْءٍ وَإِنِّي أَسْتَحْيِيكِ،

стр. 6050

فَقَالَتْ: لَا تَسْتَحْيِي أَنْ تَسْأَلنِي عَمَّا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ أُمَّكَ الَّتِي وَلَدَتْكَ فَإِنَّمَا أَنَا أُمُّكَ قُلْتُ فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ قَالَتْ عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ". (١) والشاهد في قولها: "وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ" والمراد ختان الرجل وختان المرأة. قال أحمد: وفي هذا أن النساء كن يختتن. (٢) عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَخْتِنُ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهَا النبي ﷺ : "لَا تنهكي فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْظَى لِلْمَرْأَةِ وَأَحَبُّ إِلَى الْبَعْلِ". (٣) وفي لفظ "إذا خفضت فأشمي ولا تنهكي، فإنه أسرى للوجه وأحظى للزوج". قال الألباني: واعلم أن ختن النساء كان معروفًا عند السلف خلافًا لما يظنه من لا علم عنده. (٤) فإليك بعض الآثار في ذلك: ١ - عن الحسن قال: "دعي عثمان بن أبي العاص إلى طعامه، فقيل: هل تدري ما هذا؟ هذا ختان جارية! فقال: هذا شيء ما كنا نراه على عهد رسول اللَّه ﷺ فأبى أن يأكل". (٥)

стр. 6051

٢ - عن أم المهاجر قالت: "سبيت وجواري من الروم، فعرض علينا عثمان الإسلام، فلم يسلم منا غيري وغير أخرى فقال: اخفضوهما وطهروهما، فكنت أخدم عثمان". (١) ٣ - عن أم علقمة "أن بنات أخي عائشة ختن، فقيل لعائشة: ألا ندعو لهن من يليهن؟ قالت: بلى، فأرسلت إلى عدي (٢)، فأتاهن، فمرت عائشة في البيت، فرأته يتغنى، ويحرك رأسه طربًا -وكان ذا شعر كثير- فقالت: أف شيطان! أخرجوه أخرجوه". (٣) وعليه فإن الحكم الشرعي يؤخذ من مصادره التي ذكرها العلماء، أما الطب فهو علم بشرى متطور. قال الشيخ جاد الحق: وإذ قد استبان مما تقدم أن ختان البنات من فطرة الإسلام، وطريقته على الوجه الذي بينه رسول اللَّه ﷺ ، فإنه لا يصح أن يترك توجيهه وتعليمه إلى قول غيره ولو كان طبيبًا؛ لأن الطب علم والعلم متطور تتحرك نظرته ونظرياته دائمًا". الوجه الثالث: الإجماع على مشروعية ختان الإناث . قال ابن هبيرة: اتفقوا على أن الختان في حق الرجال، والخفاض في حق الأنثى مشروع. (٤) قال ابن رجب: وختان المرأة مشروع بغير خلاف. (٥) قال ابن حزم: واتفقوا أن من ختن ابنه فقد أصاب، واتفقوا على إباحة الختان للنساء. (٦) فلم يختلف فقهاء المذاهب في مشروعية الختان للإناث، وإنما كان الاختلاف في درجة حكمه هل هو واجب أم سنة. (٧)

стр. 6052

ولم يقل أحد منهم قط بأنه عادة جاهلية وغير ذلك. الوجه الرابع: الختان كان معروفًا قبل الإسلام . الختان عند الفراعنة . هناك صورًا على المعابد وفيها أن رجلًا يأخذ بآلة ليزيل غلفة رجل آخر. وفي دائرة المعارف الكتابية (حرف الخاء: كلمة ختان): نظرية هيرودوت: يرجح هيرودوت -عند كلامه عن الختان عند قدماء المصريين- أن الدافع إليه كان دافعًا صحيًا، إلا أن تعليل نشأة الختان بأسباب غير دينية، إنما هو تجاهل لمكانة وأهمية الدين في حياة الإنسان البدائي. الختان عند اليهود ففي حديث عبد اللَّه بن عباس -في قصة هرقل مع أبي سفيان- "قَالَ ابْنُ النَّاظُورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا الْيَهُودُ، فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنِ مُلْكِكَ فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنْ الْيَهُودِ. . . . ". (١) الختان عند العرب . كان العرب في الجاهلية يختتنون لأنهم كانوا متمسكين بشريعة من شرائع إبراهيم، وليس الختان بعادة اخترعوها بل يعتبرونها عبادة يتعبدون بها، والإسلام عضد ذلك بضوابطه. قال الآلوسي: ومن يتتبع الأخبار يعلم أن العرب لم يزالوا على بقايا من دين إبراهيم ﵇ من الحج والختان وإيقاع الطلاق والغسل من الجنابة وتحريم ذوات المحارم بالقرابة والصهر وغير ذلك، وأن النبي ﷺ كان أحرص الناس على اتباع دين إبراهيم ﵇ وفي الصحيح أنه ﷺ كان أي قبل البعثة يتحنث بغار حراء وفسر التحنث بالتحنف أي اتباع الحنفية وهي دين إبراهيم ﵇. (٢)

стр. 6053

ففي حديث عبد اللَّه بن عباس -في قصة هرقل مع أبي سفيان- لما جاءه -هرقل- خبر الرسول ﷺ فأرسل يسأل عن حال هذا الرجل وعن العرب وفيه أنه قال: "أذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال: هم يختتنون، فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر. وفي قصة قتل وحشي لحمزة بن عبد المطلب وفيها "خَرَجَ سِبَاعٌ فَقَالَ: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟ ! قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيْهِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: يَا سِبَاعُ يَا ابْنَ أُمِّ أَنْمَارٍ مُقَطِّعَةِ الْبُظُورِ أَتُحَادُّ اللَّه وَرَسُولَهُ ﷺ ". (١) قوله: "يا ابن مقَطِّعة البُظُور" جمْع بَظْر وَدَعَاه بذلك لأنّ أمه كانت تَخْتِن النساء. (٢) وهذا يدل على أن ختان الإناث كان معروفًا عند العرب قديمًا. أضف إلى ذلك ما ذكره أهل اللغة في مادة (خ ت ن) من تعريف الختان. الوجه الخامس: الأسباب الطبية لجراحة الختان . ١ - أسباب عضوية . - حجم القلفة وزيادة طولها. - وجود التهابات بينها وبين البظر مما يؤدي إلى شدة حساسية البظر والألم عند لمسه. - تراكم اللخن مما يزيد من تكاثر البكتريا والتهابات الجهاز البولي الصاعد. - الالتصاقات التي تحدث نتيجة لهذه الالتهابات، والتي تؤدي إلى قفل المجرى البولي والتناسلي خاصة في الأطفال قبل سن البلوغ وفي مرحلة الكبر (نسبة لقلة هرمون الإستروجين). ٢ - أسباب جنسية . - قلة الارتواء الجنسي نسبة لضيق القلفة أو كبر حجمها وبعد البظر إلى داخل الجسم. - شدة الشبق الجنسي نتيجة للالتصاقات والحكة وكثرة الانشغال بالمنطقة وملامستها. ٣ - أسباب نفسية .

стр. 6054

البرود الجنسي، الهستريا، التبول اللاإرادي، بعض حالات الاكتئاب النفسي، حالة اللنمفومينيا (الهوس الجنسي). (١) الوجه السادس: فوائد ختان المرأة . لو اختلف العقلاء في الختان ثم اتضح لهم منافعه الجمة، وأضرار عدم الاختتان، فحري بهم أن يتفقوا على أهمية الختان، اتباعًا لسنة الأنبياء، ولأنه من شعائر الإسلام. فالبظر (هو النواة)، والجلدة التي عليه وهي التي تقطع في الختان، والتي شبهها الفقهاء بعرف الديك والمسماة بالقلفة، والتي تتجمع فيها مفرزات اللخن (مفرزات باطن القلفة) مثل ما يحدث في الذكر عندما تكون تلك القلفة مفرطة النمو. وأما ما يتم في مناطق من العالم من أخذ البظر بكامله، أو البظر مع الشفرين الصغيرين، أو حتى مع الشفرين الكبيرين أحيانًا، فهو مخالف للسنة ويؤدي إلى مضاعفات كثيرة. وهو الختان المعروف بالختان الفرعوني، وهو على وصفه، لا علاقة له مطلقًا بالختان الذي أمر به النبي ﷺ . لذا فإن الضجة المفتعلة ضد ختان البنات لا مبرر لها، لأن المضاعفات التي يتحدثون عنها ناتجة عن شيئين لا ثالث لهما: مخالفة السنة، وإجراء العملية من قبل الجاهلين قليلي الخبرة. وأما عن فوائد الختان: ١ - الخفاض أمر تعبدي فيفعل ويتحصل بأدنى شيء . (٢) قال ابن القيم: مع أنه لا ينكر أن يكون قطع هذه الجلدة علما على العبودية فإنك تجد قطع طرف الأذن وكي الجبهة ونحو ذلك في كثير من الرقيق علامة لرقهم وعبوديتهم حتى إذا أبق رد إلى مالكه بتلك العلامة فما ينكر أن يكون قطع هذا الطرف علما على عبودية صاحبه للَّه سبحانه حتى يعرف الناس أن من كان كذلك فهو من عبيد اللَّه الحنفاء فيكون الختان علما لهذه السنة التي لا أشرف منها. (٣)

стр. 6055

٢ - الختان أسرى للوجه . قال المناوي: قوله ﷺ : "فإنه أنضر للوجه" أي: أكثر لمائه ودمه، وأبهج لبريقه ولمعته. (١) وتعليل ذلك كما وضحه الأستاذ محمد محمد اللبان؛ أن الإشمام للنساء فيه إزالة لذلك الزائد الذي يمنع من نقاء دم الحيض والبول، ولا تصل به المياه المطهرة إلى الداخل، فتبقى رواسب وبقايا دماء الحيض والبول على جوانبه مما يؤدي إلى الروائح الكريهة ويفسد بتكوين البقايا نشاط دورة الشعيرات الدموية. (٢) ٣ - الختان أحظى عند الزوج . قال المناوي: قوله ﷺ : "وأحظى عند الزوج" ومن في معناه من كل واطئ كسيد الأمة يعني أحسن لجماعها عنده وأحب إليه وأشهى له لأن الخافضة إذا استأصلت جلدة الختان ضعفت شهوة المرأة فكرهت الجماع فقلت حظوتها عند حليلها كما أنها إذا تركتها بحالها فلم تأخذ منها شيئا بقيت غلمتها فقد لا تكتفي بجماع زوجها فتقع في الزنا فأخذ بعضها تعديل للشهوة والخلقة. (٣) ٤ - الختان نظافة وتزيين . قال ابن القيم: هذا مع ما في الختان من الطهارة والنظافة والتزيين وتحسين الخلقة وتعديل الشهوة التي إذا أفرطت ألحقت الإنسان بالحيوانات وإن عدمت بالكلية ألحقته بالجمادات فالختان يعدلها ولهذا تجد الأقلف من الرجال والقلفاء من النساء لا يشبع من الجماع، ولهذا يذم الرجل ويشتم ويعير بأنه ابن القلفاء إشارة الى غلمتها وأي زينة أحسن من أخذ ما طال وجاوز الحد من جلدة القلفة. (٤)

стр. 6056

وهذه النظافة والطهارة التي تترتب على الختان تمنع من تجمع الإفرازات الدهنية التي تكون سببًا في وجود رائحة كريهة، وسببًا في الالتهابات في هذه المنطقة وفى مجرى البول، والجهاز التناسلي، فضلًا عن أنها تسبب الإصابة بالأمراض الخبيثة. وقد ذكر الدكتور منير محمد فوزي، والدكتور حاتم سعد شلبي، والدكتور عادل حسن عبد الفتاح، والدكتور يحيى زايد في بحث لهم أن المسلمات أقل النساء إصابة بسرطان الفرج بسبب الختان وإزالة شعر العانة من خلال بعض المراجع الطبية الأجنبية والعربية. وفى نهاية البحث قالوا: وفى النهاية فإننا نؤكد أهمية اتباع سنة ختان الإناث، وسنة الاستحداد (إزالة شعر العانة)، وكذلك كل سنن الفطرة التي وردت في الحديث الشريف "خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط". . . كما نؤكد خطورة عدم الالتزام بها من الناحية الطبية. (١) ٥ - الختان يعدل الشهوة قال ابن تيمية: وَالمَقْصُودُ مِنْ خِتَانِ الْمَرْأَةِ تَعْدِيلُ شَهْوَتِهَا فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ قلفاء كَانَتْ مُغْتَلِمَةً شَدِيدَةَ الشَّهْوَةِ. وَلِهَذَا يُقَالُ فِي المُشَاتَمَةِ: يَا ابْنَ القلفاء فَإِنَّ القلفاء تَتَطَلَّعُ إلَى الرِّجَالِ أَكْثَرَ وَلِهَذَا يُوجَدُ مِنْ الْفَوَاحِشِ فِي نِسَاءِ التتر وَنِسَاءِ الْإِفْرِنْجِ مَا لَا يُوجَدُ فِي نِسَاءِ المُسْلِمِينَ وَإِذَا حَصَلَتْ المُبَالَغَةُ فِي الْخِتَانِ ضَعُفَتْ الشَّهْوَةُ فَلَا يَكْمُلُ مَقْصُودُ الرَّجُلِ فَإِذَا قُطِعَ مِنْ غَيْرِ مُبَالِغَةٍ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِاعْتِدَالِ. (٢) قال د/ أحمد خفاجى: وإذا كان الهدف من ختان الذكور هو تعديل الشهوة، ومنع الإفرازات الصادرة من الحشفة، فإن الختان للإناث مرتبط أساسًا بتقليل الشهوة أو تعديلها، فأكثر أعضاء الإناث استثارة البظر، ويأتي من بعده الشفران الصغيران ثم الكبيران، ولذلك فإن من يختنون البنات بإزالة كل هذه الأجزاء الحساسة إنما يظلمونهن،

стр. 6057

ويمنعونهن نعمة وهبها اللَّه لهن. بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى ما هو أخطر منه، حيث تصاب الأنثى -أحيانًا- بضيق في فتحة البول، أو في المهبل، ينتج عنه مشاكل بولية، أو مشاكل في الولادة بعد ذلك، ونحن نتفق كلية مع الذين يحاربون الختان بهذه الطريقة البشعة المشوهة للأنثى، أما إزالة جزء معين من البظر، فإنه تعديل لهذه الشهوة التي قد تؤذى الأنثى وترهقها، وتكون سببًا في عدم إشباعها من الطرق الطبيعية عن طريق زوجها، وحافزًا لها على تكملته من طرف أخرى. وقال د/ حامد الغوابي أيضًا في رده على من انتقده قائلًا: ثم يقول الزميل المحترم: إن للأنثى عضوًا حساسًا يسمى البظر، يقابل عضو الرجل من الوجهة التكوينية، وهو صغير يبلغ طوله ٣ سنتيمترات، وبه نسيج انتصابي اسفنجي، وهو حساس، وبطرفه حشفة (رأس) هي الأخرى جزء من نسيج انتصابي، وهأنذا أرى أن هذا الزميل المحترم قد ناقض نفسه بنفسه فإنه ذكر أن هذا العضو ينتصب كما ينتصب عضو الرجل، وإن كان في حدود ٣ سنتيمترات، إلا أنه قد يكون في بعض الحالات أكثر من ذلك، وإن كانت قليلة فكيف لرجل أن يختلط بزوجه وهى لها عضو كعضوه ينتصب كانتصابه أليس ذلك أدعى إلى استئصال جزء من هذا العضو كما جاء في حديث رسول اللَّه ﷺ ؟ وإذا كان قد نهى عن المساحقة بين البنات وهن بلا بظر ينتصب فكيف بهذه العادة بينهن وعندهن عضو ينتصب كما جاء في كلام الزميل المحترم. (١) ٦ - يمنع الروائح الكريهة ويعمل على انخفاض معدل التهابات المجارى البولية والتناسلية . الإفرازات الدهنية المنفرزة من (الشفرين الصغيرين) إن لم يقطعهما مع جزء من البظر في الختان تتجمع وتتزنخ ويكون لها رائحة غير مقبولة، وتحدث التهابات قد تمتد إلى المهبل، بل إلى قناة مجرى البول.

стр. 6058

قال د/ محمد على البار: وفيه -ختان الإناث- فوائد كبيرة: والختان في النساء سنة، ويقطع شيء من البظر، والبظر في المرأة يقابل القضيب في الرجل إلا أن حجمه صغير جدًّا ولا تخترقه قناة مجرى البول، وعلى البظر قلفة وإن كانت صغيرة، ولها عيوب القلفة في الرجل، إذ تتجمع فيها الإفرازات، وتنمو الميكروبات، والبظر عضو حساس جدًّا مثل حشفة القضيب، وهو عضو انتصابي كذلك، ولا شك أنه مما يزيد الغلمة والشبق، وذلك من دواعي الزنا إذا لم يتسنَّ الزواج، ومع هذا فقد أمر الرسول ﷺ الخاتنة أن تزيل شيئًا يسيرًا من البظر، ولا تخفض حتى لا تصاب المرأة بالبرود الجنسي، فقد روت أم عطية قوله ﷺ : "إذا ختنت فلا تنهكي، فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب للبعل"، وهكذا تتضح حكمة الختان في الرجال والنساء. . .، وتبدو ملة أبينا إبراهيم الذي سمانا المسلمين. . . والذي سَنَّ لنا الختان. . . تبدو ناصعة نقية تهتم للصغير كما تهتم بالكبير، والختان من المسائل التي تبدو هينة بسيطة. . . ولكن في طياته خير كثير. . .، وفى تركه أذى وشر مستطير. (١) كما قدم الدكتور البار إلى المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة بحثًا جاء فيه: إن ختان الأنثى أو خفضها الذي ورد في السنة له محاسن كثيرة ذكرها الباحثون في المؤتمر الطبي الإسلامي -عن الشريعة والقضايا الطبية المعاصرة- هذه الفوائد يمكن أن تلخص في: - ذهاب الغلمة والشبق (وتعني شدة الشهوة والانشغال بها والإفراط فيها)، وذهابهما يعني تعديل الشهوة عند المختونين من الرجال والنساء. - منع الروائح الكريهة الناتجة عن تراكم اللخن تحت القلفة. - انخفاض معدل التهابات المجاري البولية. - انخفاض معدل التهابات المجاري التناسلية. (٢) ٧ - أنه ألذ في الجماع وأسرع لمجئ شهوة الوقاع ومع وجودها يكون أبعد للشهوة وقد

стр. 6059

تكون الغرلة إذا طالت مكسلة عن الإنزال. وفي حاشية الطحاوي على المراقي: الختان للرجال سنة وللنساء مكرمة قال في المعراج: يعني مكرمة للرجال لأن جماع المختونة ألذ. (١) ٨ - أن خروج الماء الدافق من غير غلفة وانزعاجه أشد، فإن الغلفة إذا طالت ربما نقصت من انزعاجه وفترته، وإذا كان كذلك وخرج الماء فاترًا قد لا يقع في المحل الذي تنعقد فيه النطفة فلا ينعقد الولد، ويكون هذا كالعزل، ومقصود الشرع في الغالب تكثير النسل. الوجه السابع: الأضرار الناتجة عن الختان تحدث نتيجة الممارسات الخاطئة على أيدي الجهال . فقد قالوا: بأن الختان له أضرار كثيرة منها النزف، والتهاب في الجرح، والجهاز التناسلي ومجرى البول والمثانة، وحرمانها من ذروة اللذة الجنسية، وأن بعض حالات الطلاق كانت بسبب الختان. ويرد عليهم بأن كل هذه الآثار تكون إذا لم نتبع هدى رسول اللَّه ﷺ ، أو استخدمت أدوات غير نظيفة. فقد بين لنا رسول اللَّه ﷺ بأنه يؤخذ شيء ويترك المكان أشم وهذا أنظر للوجه وأحظى عند الزوج، فالخير كل الخير في اتباع هدى رسول اللَّه ﷺ ؛ لأنه شرع لنا ما فيه المصلحة في الدنيا والآخرة. قال د/ منير محمد فوزي: عندما سئل: ما رأيك في حالات الوفيات والنزيف وكافة الأضرار والمشاكل التي تنتج عن ختان البنات؟ قال: "لا أساس لكل ذلك من الواقع، فجميع هذه الأضرار والمشاكل تحدث نتيجة الممارسات الخاطئة للختان، وهي نفس المشاكل التي قد تحدث للذكور بالممارسة الخاطئة على أيدي الجهلاء، والدايات وحلاقي الصحة، فلو أن من يؤدي الختان يقوم به كما أمر رسول اللَّه ﷺ اتباعًا لحديثه الشريف "اخفضي ولا تنهكي" لما حدثت أية مشاكل إطلاقًا".

стр. 6060

وإذا كان قد توفى بعض الإناث أو حدثت التهابات أو حدث نزيف نتيجة الممارسة الخاطئة أو استخدام أدوات غير معقمة هل نمنع الختان مطلقًا من أجل هذا؟ أم نبحث عن الخطأ ونعالجه، ولماذا لم نمنع جميع العمليات الجراحية؛ لأنه قد مات البعض بسبب العمليات أو حدث لهم نزيف؟ لماذا لم يقل بهذا أحد من الأطباء؟ . يضاف إلى هذا أن عددًا من الأساتذة في الاجتماع والصحة النفسية قد أكدوا على أهمية ختان الإناث، وعدم حدوث أضرار من ورائه إذا أجرى بالطريقة السليمة. (١) الوجه الثامن: ختان المرأة ليس فيه امتهان لها واعتداء على حقوقها . ذلك لأن هدى رسول اللَّه ﷺ ليس فيه إلا المصلحة للإنسان في الدنيا والآخرة. قال ابن حجر -عند شرح حديث خمس من الفطرة-: "أن هذه الأشياء إذا فعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر اللَّه العباد عليها وحثهم عليها واستحبها لهم ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها صورة". (٢) فالختان به تشريف وتكميل للمرأة ليس امتهانًا ولا انتقاصًا لها. وقد رَدَّ د/ منير محمد فوزي على من يدعي أن الختان امتهان للمرأة وضياع لحقوقها فأحسن حيث قال: في جريدة الوطن تحت عنوان "أية حقوق يزعمونها؟ ": "تعليقًا على المقال الموضوعي الهادف الذي نشر في جريدتكم الموقرة بتاريخ ٣٠/ ٦/ ١٩٩٧ م للأستاذة نجوى طنطاوي تحت عنوان "فرمان أمريكي ممنوع ختان الإناث في مصر" فإننا تعليقًا على هذه الحملة التي تقوم بها بعض الجهات الأجنبية وبعض المنظمات المحلية منذ بضع سنوات والتي تستفز إلى أقصى الدرجات - المشاعر الدينية والقومية لكل مسلم ولكل مصري ونتوقف أمام الحقائق الآتية:
следующие страницы →