وكتبه ورسله وهو الإيمان بأنهم رسل الله، وسواء رؤيت أبدانهم أو لم تر فقد يراهم من لم يؤمن برسالتهم وقد يؤمن برسالتهم من لم يرهم.
والمقصود الإيمان برسالتهم لا بنفس صورهم حتى يقول القائل: آمنا بنبي ولم نره وقد يعلم من دلائل نبوته وأعلام رسالته من لم يره أكثر مما يعلمها من رآه (١).
الوجه الرابع: شهادة الكتاب المقدس على نفسه بالتحريف .
إليك أيها القارئ الشهادة بتحريف الكتاب المقدس من الكتاب المقدس نفسه:
أولًا: أن كاتب المزمور (٥٦: ٤) ينسب إلى داود ﵇ بأن أعداءه طوال اليوم يحرفون كلامه: مَاذَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصْنَعَ بِي الْبَشَرُ؟ يُحَرِّفُ أَعْدَائِي طَوَال الْيَوْمِ كَلَامِي.
ثانيًا: لقد اعترف كاتب سفر إرميا (٢٣: ١٣، ١٥، ١٦) بأن أنبياء أورشليم وأنبياء السامرة الكذبة حرفوا كلام الله عمدًا: فِي أَوْسَاطِ أَنْبِيَاءِ السَّامِرَةِ شَهِدْتُ أُمُورًا كَرِيهَةً، إِذْ تَنبَّأُوا بِاسْمِ الْبَعْلِ، وَأَضَلُّوا شَعْبِي إِسْرَائِيلَ. وَفِي أَوْسَاطِ أَنْبِيَاءِ أُورُشَلِيمَ رَأَيْتُ أُمُورًا مَهُولَةً: يَرْتَكِبُونَ الْفِسْقَ، وَيَسْلُكُونَ فِي الأَكَاذِيبِ، يُشَدِّدُونَ أَيْدِي فَاعِلي الإِثْمِ لِئَلَّا يَتُوبَ أَحَدٌ عَنْ شَرِّهِ ... لأَنَّهُ مِنْ أَنْبِيَاءِ أُورُشَلِيمَ شَاعَ الْكُفْرُ فِي كُلِّ أَرْجَاءِ الأَرْضِ.
ثالثًا: لقد اعترف كاتب سفر إرميا بأن اليهود حرفوا كلمة الله؛ لذلك فهو ينسب لإرميا في (٢٣: ٣٦) توبيخ النبي إرميا لليهود: أما وحي الرب فلا تذكروه بعد؛ لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه، إِذْ قَدْ حَرَّفْتُمْ كَلَامَ الإِلَهِ الحيِّ، الرَّبِّ الْقَدِيرِ، إِلِهنَا.
رابعًا: وكاتب سفر الملوك الأول (١٩: ٩) ينسب لإليا النبي حين هرب من سيف اليهود فيقول: وَقَال الرَّبُّ لإِيلِيَّا: "مَاذَا تَفْعَلُ هُنَا يَا إِيلِيَّا؟ " فَأَجَابَ: "غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ الإِلَهِ الْقَدِيرِ، لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَنَكَّرُوا لِعَهْدِكَ وَهَدَمُوا مَذَابِحَكَ وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ، وَبَقِيتُ وَحْدِي. وَهَا هُمْ يَبْغُونَ قَتْلِي أيضًا.
стр. 632
ويتسائل بعضهم الذين يتجاهلون الشواهد والأدلة الدالة على تحريف كتابهم المقدس قائلين: عندما يعطى الله الإنسان كتابا من عنده، فهل تظن أنه لا يستطيع المحافظة عليه من عبث البشر؟
نقول لهؤلاء الذين يتجاهلون الأدلة والشواهد الدالة على تحريف كتابهم المقدس: نعم، إن الله قادر على أن يحفظ كلمته ولكنه اختار أن يوكل حفظ كلمته إلى علماء وأحبار اليهود، ولم يتكفل هو بحفظها فقد ترك حفظ كلمته بيدهم فكان حفظ الكتاب أمرًا تكليفيًا، وحيث إنه أمرٌ تكليفيٌ فهو قابلٌ للطاعة والعصيان من قبل المكلفين، فالرب استحفظهم على كتابه ولم يتكفل هو بحفظه، وإليكم الأدلة من كتابكم المقدس على هذا:
جاء في سفر التثنية (٤: ٢) قول الرب: وَالآنَ أَصْغُوا يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الشَّرَائِعِ وَالأَحْكَامِ الَّتِي أُعَلِّمُهَا لَكُمْ لِتَعْمَلُوا بِهَا، فَتَحْيَوْا وَتَدْخُلُوا لِامْتِلَاكِ الأَرْضِ الَّتِي يُوَرِّثُهَا لَكُمُ الرَّبُّ إِلَهُكُمْ لَا تزيدوا عَلَى الكلام الذي أنا أوصيكم به، وَلَا تُنَقِّصُوا مِنهُ، لتحفظوا وصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها.
وجاء في سفر الأمثال (٣٠: ٥ - ٦): كل كلمة من الله نقية. ترس هو للمحتمين به. لا تزد على كلماته لئلا يوبخك فتكذّب.
وقد جاء في سفر الرؤيا (٢٢: ١٨) قول الكاتب: وَإِنَّنِي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا: إِنْ زَادَ أَحَدٌ شيئًا عَلَى مَا كُتِبَ فِيهِ، يَزِيدُ الله عليه الضربات، وَإِنْ حذف أَحَدٌ شيئًا مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ النُّبُوءَةِ هَذَا، يُسْقِطُ الله نَصِيبَهُ مِنْ شَجَرَةِ الحيَاةِ.
إن هذا النص تعبير واضح من الكاتب بأن الله لم يتكفل بحفظ هذا الكتاب؛ لأنه جعل عقوبة من زاد شيئًا كذا ... وعقوبة من حذف شيئًا كذا ... فهذا دليل واضح بأن الله لم يتكفل بحفظ الكتاب.
وفي هذا يقول الله عن التوراة التي كانت شريعة موسى ﵇، وشريعة الأنبياء من بعده حتى عيسى ﵇: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا
стр. 633
النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (المائدة: ٤٤).
ومعنى ﴿اسْتُحْفِظُوا﴾: أي أمروا بحفظه، فهناك حفظ، وهنا استحفاظ.
وإذا كان الأحبار والرهبان ممن جاء بعد لم يحفظوا؛ بل بدلوا وحرفوا، فليس معنى ذلك أن الله لم يقدر على حفظ كتابه - حاشا وكلا - ولكن المعنى: أن الله لم يتكفل بحفظه؛ بل جعل اليهود أمناء عليه.
ومن المعلوم أن هناك المئات من الرسل والانبياء جاؤوا بعد نوح ﵇ ولم يتكفل الرب بحفظ رسائلهم سواء كانت شفوية أو مكتوبة وإلا فأين هي؟ مثال ذلك: صحف ابراهيم التي ذكرت في القرآن الكريم فلا وجود لها اليوم.
وأخيرًا: فهل هناك أعظم من شهادة الكتاب المقدس على نفسه بالتحريف؟
فقل لي بربك أيكون الثناء والمدح على هذا المحرف؟ (١).
المبحث الثالث: وماذا عن البشارات التي توجد في الكتاب المقدس بنبوة رسول الإسلام محمد ﷺ -؟
البشارة الأولى: (أقِيمُ لَهُمْ نبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخوَتِهِمْ مِثلَكَ) .
بشارة بمحمد والوحي إليه.
في (التثنية ١٨/ ١٨: ٢١): قَال لِيَ الرَّبُّ: قَدْ أَحْسَنُوا فِي مَا تَكَلَّمُوا. ١٨ أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلَامِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ. ١٩ وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لَا يَسْمَعُ لِكَلَامِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ. ٢٠ وَأَمَّا النَّبِيُّ الَّذِي يُطغِي، فَيَتَكَلَّمُ بِاسْمِي كَلَامًا لَمْ أُوصِهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، أَوِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِاسْمِ آلِهَةٍ أُخْرَى، فَيَمُوتُ ذلِكَ النَّبِيُّ.
ومعنى النص أن موسى لما جمع بني إسرائيل ناحية الطور ليسمعوا صوت الله وهو يتحدث معه في جبل الطور (حوريب) حدث من هيبة الله وجلاله رعد وبرق ونار ودخان،
стр. 634
فخاف بنو إسرائيل، وقالوا لموسى: إذا أراد الله أن يكلمنا فيما بعد فليكن عن طريق نبي ونحن نسمع لهذا النبي ونطيع، فاستحسن الله منهم ووعدهم بنبي له يسمعون ويطيعون.
ولاحظ أن هذا النص هو الذي تشير إليه آية سورة الأعراف ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ... ﴾ (الأعراف: ١٥٧).
البشارة الثانية: (فَأنا أغِيرُهُمْ بمَا لَيْسَ شَعْبًا) .
وهي بشارة بأمة محمد، ففي (التثنية ٣٢/ ٢٢): هُمْ أَغَارُونِي بِمَا لَيْسَ إِلهًا، أَغَاظُونِي بِأَبَاطِيلِهِمْ. فَأَنَا أُغِيرُهُمْ بِمَا لَيْسَ شَعْبًا، بِأُمَّةٍ غَبِيَّةٍ أُغِيظُهُمْ.
والمقصود من الفقرة: أن بني إسرائيل أغضبوا الله تعالى بانحرافهم عن التوحيد وعبادتهم الأوثان، وأن الله سيغيظهم باصطفاء العرب الذين هم عندهم محقرون وجاهلون.
البشارة الثالثة: (الاستعلان من جبال فاران) .
وهي بشارة بنبوة محمد وبما يُوحى إليه: ففي (التثنية ٣٣/ ٢): جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سِينَاءَ، وَأَشْرَقَ لهمْ مِنْ سَعِيرَ، وَتَلأْلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ، وَأَتَى مِنْ رِبْوَاتِ الْقُدْسِ، وَعَنْ يَمِينِهِ نَارُ شَرِيعَةٍ لَهُمْ.
البشارة الرابعة: (البركة بإسماعيل) .
وهي بشارة بمحمد. ففي (التكوين ١٧/ ٢٠): وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ. هَا أَنَا أُبَارِكُهُ وَأُثْمِرُهُ وَأُكَثِّرُهُ كَثِيرًا جِدًّا. اِثْنَيْ عَشَرَ رَئِيسًا يَلِدُ، وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً.
وفي الطبعات القديمة ( ... وَأُكَثِّرُهُ جِدًّا جِدًّا ... )، وقد وردت هذه البشارة في عدة مواضع من سفر التكوين مما يقوي الاستدلال بها على نبوة محمد ويبعد الوهم عنها (١).
* * *
حُقُوق الطَّبْع مَحفوظة
الطَّبْعَةُ الأُولى
١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م
دَارُ إيلاف الدُّوَليَّة
لِلنَّشْرِ وَالتَّوزيع
(دار وقفية دعوية)
المدير العام: د/ فرحان بن عبيد الشمري
falaslmi@gmail.com
الإدارة: مجمع المخيال- هاتف: ٢٤٥٧٠٠٨٢ - ٩٦٩٩٩١٨٢ - الكويت.
الفرع الأول: الجهراء- مجمع الخير- الدور الأول مكتب ١٠ هاتف ٢٤٥٥٧٥٥٩
الفرع الثاني: حولي- شارع المثنى، هاتف وناسوخ: ٢٢٦٤١٧٩٧
رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: ١١٠٤٥/ ٢٠١٥ م
التوزيع داخل جمهورية مصر العربية:
دَارُ العِلمِ
للبحث العلمي وتحقيق التراث
لصاحبها: أحمد بن سليمان
ah.solaiman ١٩٧٠@gmail.com
ت: ٠١١٥٨٩٨٠٥٨٠
стр. 639
تابع شبهات العقيدة
٣ - الصلب والفداء
стр. 640
٣ - شبهة: ادعاؤهم أن تكفير الخطايا لا يكون إلا بالإيمان بالفداء والصلب .
مقدمة ونص الشبهة:
إن مما يلفت الانتباه إليه هو وجود كم كبير من الشبهات التي يلقيها النصارى للتشكيك في اعتقاد المسلمين بصلاح الأعمال الصالحة للتكفير عن الذنب، وقد وجدنا أن هذه الشبهات تُبنى على أمرين (نفي وإثبات).
نفي: الأعمال الصالحة باعتبارها أسباب للتكفير عن الذنب.
إثبات: أن صلب المسيح الإله كما يزعمون هو الوسيلة الوحيدة ليُكفر عن خطايا البشر وذنوبهم.
ولذا كان الرد متمثلًا في هذه الوجوه إجمالًا:
الوجه الأول: إبطال عقيدة الفداء والصلب كما في القرآن والسنة.
الوجه الثاني: إبطال الصلب والفداء في الكتاب القدس.
ويتكون هذا الوجه من أربعة أبواب:
الباب الأول: دعوى الخطية ولزوم الفداء والرد عليها، وينقسم إلى:
الفصل الأول: الرد على ادعاءات النصارى حول هذه العقيدة.
االفصل الثاني: الأدلة على بطلان عقيدة الفداء.
الباب الثاني: دعوى التجسد والرد عليها، وينقسم إلى:
الفصل الأول: عقيدة النصارى في التجسد وأقوالهم فيها.
الفصل الثاني: الرد على هذه الدعوى.
الباب الثالث: دعوى صلب المسيح من أجل الخلاص والرد عليها، وينقسم إلى:
الفصل الأول: أهمية الصلب عند النصارى.
الفصل الثاني: هل صلب المسيح أم لا؟ وما أدلتهم على ذلك؟
الفصل الثالث: الرد على دعوى الصلب، وينقسم إلى عدة مباحث:
المبحث الأول: تناقضات رواية قصة الصلب، وينقسم إلى عدة مطالب:
المطلب الأول: تناقض روايات مقدمة أحداث الصلب.
стр. 641
المطلب الثاني: تناقضات روايات قبل الصلب.
المطلب الثالث: تناقضات روايات أحداث الصلب.
المطلب الرابع: تفرد أحد الإنجيلين في الرواية.
المبحث الثاني: إبطال صلب المسيح بنبؤات التوراة (المزامير)، وينقسم إلى:
المطلب الأول: أهمية النبؤات في التوراة بالنسبة للنصارى.
المطلب الثاني: البحث في المزامير.
المبحث الثالث: هل مما جاء في سفر إشعيا نبؤة عن صلب المسيح؟
المبحث الرابع: إبطال وقوع الصلب تاريخيا.
المبحث الخامس: عدم تنبؤ المسيح بصلبه.
المبحث السادس: عدم وجود شهود على صلب المسيح.
المبحث السابع: من الذي مات على الصليب الإنسان أم الإله؟
المبحث الثامن: نجاة المسيح من الصلب، وينقسم إلى:
المطلب الأول: هل قبض اليهود على المسيح؟
االمطلب الثاني: كيف نجا المسيح من الصلب؟
الباب الرابع: دعوي قيامة المسيح من أجل الخلاص والرد عليها، وينقسم إلى:
الفصل الأول: أقوالهم في إثبات القيامة والرد عليها، وينقسم إلى:
المبحث الأول: أقوالهم في إثبات القيامة.
المبحث الثاني: الرد على هذه الأقوال.
االفصل الثاني: تناقضات روايات قصة القيامة.
الفصل الثالث: من الذي أقامه من الأموات؟
الوجه الثالث: بيان بطلان عقيدة الصلب والفداء عند النصارى فيما يُكفَّر به الذنب عقلًا ومنطقًا. وفيه فصول:
الفصل الأول: لماذا كل هذا التضخيم لذنب آدم ﵇؟
الوجه الأول: أبأكلة من شجرة يغضب الرب، ويحكم بالموت الأبدي على آدم وذريته؟
стр. 642
الوجه الثاني: كل هذا التصوير الظالم لحال آدم لكي يصبح لصلب المسيح مبررًا.
الوجه الثالث: أليس من العدل أن تتناسب العقوبة مع الذنب؟
الوجه الرابع: ألا يُعد تكرار العقوبة على العاصي ظلمًا؟
الوجه الخامس: إذا كان ذنب آدم احتاج لتجسد الإله والصلب، فما بال معاصي بني آدم الكثيرة كم تحتاج؟
الفصل الثاني: أليس في تقدير الله بوقوع آدم في الذنب كان لحكمة بليغة.
الوجه الأول: أليس قد قضى الله بأن يكون آدم خليفته في الأرض، وأخبر بذلك ملائكته قبل خلق آدم؟
الوجه الثاني: أليس في ابتلاء آدم بالذنب سبب لسعادته؟ فخرج من الجنة ليعود إليها على أحسن الأحوال؟ .
الوجه الثالث: لم يكن خروج آدم ﵇ من الجنة عقوبة، فقد تاب الله عليه.
الوجه الرابع: أليس قد عهد الله لآدم بأن يعود إلى الجنة هو وكل من اتبع هدى الله من ذريته؟ .
الفصل الثالث: كيف لا تكون توبة آدم مقبولة؟ (الرد على دعوى عدم قبول توبة آدم):
الوجه الأول: أليس قد أخبر الله بتوبة آدم، وليس عند النصارى في كتابهم المقدس ما ينفي هذه التوبة؟
الوجه الثاني: كيف يجوز أن يكون رسل الله في حبس الشيطان في جهنم؟
الوجه الثالث: أليس الإنسان ضعيفًا ومُعرَّضًا للخطأ، فماذا يفعل إذا أذنب؟
الوجه الرابع: أليس مكتوب في الإنجيل أن الله قد تاب على أهل نينوى والعشارين؟
الوجه الخامس: أليس من رحمة الله أن يفتح لعباده باب التوبة والغفران؟
الوجه السادس: أليست توبة الله على آدم موافقة للعقل والنقل؟
الفصل الرابع: كيف يحمل الإنسان إثم ذنب لم يرتكبه؟ (الرد على وراثة الذنب)
الوجه الأول: هل يعقل أن تتوارث الخطيئة؟
الوجه الثاني: أليس في ادعاء غضب الله على البشر بدون ذنب لم يرتكبوه وصفٌ له بالظلم؟
стр. 643
الوجه الثالث: أليس في تحميل البشر ذنبًا لم يرتكبوه ظلمًا لهم؟
الوجه الرابع: أليس منطق العقل يقضي بأن يتحمل كل إنسان نتيجة عمله؟
الوجه الخامس: نصوص التوراة والإنجيل تقضي بأن يتحمل كل إنسان نتيجة عمله.
الوجه السادس: أليس الهدف من توريث الخطيئة إيجاد مبررٍ لصلب المسيح وذبحه؟
الوجه السابع: الإسلام يقرر أن كل إنسان مُحاسب عن نفسه.
الفصل الخامس: كيف يكون في العفو عن المذنب تناقض بين العدل والرحمة الإلهية؟
الوجه الأول: بيان المقصود بالعدل، وبم تحقق العدل.
الوجه الثاني: ما الذي جعل الإله في مأزق بين العدل والرحمة؟
الوجه الثالث: مما هو الأليق بجلال الله: أن يعفو عن المذنب، أم يصلب الإله نفسه فداءً له؟
الوجه الرابع: أن دعوى أنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة فيها تجريد للإله من الرحمة.
الوجه الخامس: أليس حال المسيح عند الصلب ينفي أنه رضي بالصلب المزعوم؟
الوجه السادس: أليس في الإقرار بعقيدة الفداء دعوى للتحلل والشرور؟
الفصل السادس: هل لا يغفر الإله للبشر إلا بعد الحصول على ثمن لذلك؟
الوجه الأول: هل الله يحتاج إلى العوض حتى يغفر الذنب؟
الوجه الثاني: بطلان الزعم بأن المسيح وحده الفادي لأنه المبرَّأ من كل ذنب.
الوجه الثالث: هل يقبل العقل فكرة الاستعاضة التي يقوم عليها اعتقادكم؟
الفصل السابع: هل يعقل أن يتجسد الإله فيصبح إنسانًا ثم يصلب ويموت من أجل خطايا البشر؟
الوجه الأول: كيف حال الوجود والإله في اللحود؟ ومن دبَّر شئون الخلق في غيابه؟
الوجه الثاني: من هو أقدر على الخلاص اللاهوت أم الناسوت؟
الوجه الثالث: أليس من الجهل والضلال الادعاء بأن إله الخلق حل به الضرب والإذلال والصلب؟
الوجه الرابع: هل الإهانة التي حلت بالمصلوب لحقت الإله فإن ذلك لازم القول بالاتحاد؟
الوجه الخامس: هل يعقل أن يولد الإله من بشر، ويعيش مثل البشر يعتريه الآفات والأوجاع؟
стр. 644
الوجه السادس: هل يعقل أن يُصلب الناسوت بدون اللاهوت وهما متحدان؟
الوجه السابع: هل المصلوب إله أم إنسان، وكيف يعقل ذلك؟
الوجه الثامن: مما الفائدة من إرسال الرسل إذا كان الخلاص لا يتم إلا بصلب الإله؟
الوجه التاسع: إذا كان الناسوت مأخوذًا من مريم فلا بد أن تلحقه الخطية الموروثة الزعومة؟
الوجه العاشر: هل كان الإله المصلوب قادرًا على منع وقوع الصلب أم لا؟
الوجه الحادي عشر: أليس هروب الإله واستغاثته عند صلبه دليلًا على أن صلبه كان بدون اختياره؟
الوجه الثاني عشر: كيف يوقع الإله العقوبة على الذي هو إله مثله؟
الفصل الثامن: لماذا تأخر الصلب المزعوم للإله؟ وما هو موقف الذين ماتوا قبل صلب المسيح؟
الوجه الأول: كيف يُترك الأنبياء في الجحيم في حبس الشيطان قرونًا عديدة حتى يأتي المسيح ليُصلب؟
الوجه الثاني: هل ضاقت الأمور بالإله بحيث لم يجد وسيلة للتوفيق بين العدل والرحمة إلا الصلب؟
الوجه الثالث: كيف يكون أمر الصلب مخفيًا عن الأنبياء فلم يذكروه في كتبهم حتى أتى بولس بعد المسيح فذكره؟
الوجه الرابع: ما بال الذين ماتوا قبل مجيء المسيح كفارًا كانوا أم مؤمنين؟
الوجه الخامس: مما قولكم في الذين أخبر عنهم كتابكم المقدس بأنهم خلصوا بدون الحاجة للصلب المزعوم؟
الفصل التاسع: ماذا تحقق من الخلاص بالصلب المزعوم للإله؟
الوجه الأول: أي شيء تغير بوقوع الصلب المزعوم؟ وأي فتنة انطفأت؟ وأي آثام محُيت؟
الوجه الثاني: أي خلاص تم لكم وأنتم ما زلتم مطالبون بالتكاليف والحساب يوم القيامة؟
الوجه الثالث: هل رفع الصلب حكم الموت الذي كان على آدم وذريته كما تدعون؟
الوجه الرابع: هل بالصلب تم الخلاص أم لم يتم؟ وإذا كان قد تم فما فائدة أسرار
стр. 645
الكنيسة السبعة؟
الوجه الخامس: إذا كان الخلاص إنما هو عن خطيئة آدم فما بال الذنوب الأخرى لبني آدم كيف يتم الخلاص منها؟
الوجه السادس: لماذا سيكون حساب يوم الدينونة (القيامة) إذا كان الخلاص قد تم؟
الفصل العاشر: حقيقة الخلاص (الغفران) في الإسلام.
الوجه الأول: الخلاص بالإخلاص لله وترك الشرك وعبادة الله وحده واتباع نبيه محمد ﷺ .
الوجه الثاني: طريق الخلاص في تحقيق العبودية بالإيمان والتوبة الصادقة وفعل الأعمال الصالحة.
الوجه الثالث: الخلاص الحق لا علاقة له بالصلب، ولم يقل بالصلب أحد الأنبياء.
الوجه الرابع: الحق في أمر المسيح عيسى ﵇ بأنه عبد الله ورسوله، وبذلك يبطل الإنجيل.
الوجه الخامس: القول بألوهية المسيح وصلبه قول اخترعه بولس وعارضه تلاميذ المسيح.
الوجه السادس: الرسائل القانونية في الإنجيل تخبر أن طريق الخلاص بالإيمان والعمل الصالح.
الوجه السابع: أليس في طلب الخلاص بالإيمان بالله والعمل الصالح أنفع من الاتكال على قصة صلب الإله المزعومة التي لا يقبلها عقل؟
الوجه الرابع: كفارة الذنب عند المسلمين.
الوجه الخامس: شبهات متعلقة بالفداء والصلب والرد عليها وفيه شبهات:
الشبهة الأولى: الرد على تبريرات النصارى من قتل المسيح.
الشبهة الثانية: الرد على أن الأعمال الصالحة لا تفي حق الله فيما وقع فيه الإنسان من خطايا.
الشبهة الثالثة: أن التوبة ناقصة ولا تصلح لتكفير الذنب.
وإليك التفصيل
стр. 646
الوجه الأول: إبطال عقيدة الفداء والصلب كما في القرآن والسنة .
أولًا: الأدلة على النجاة من القتل والصلب:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: ١٥٧ - ١٥٨).
قال ابن كثير: قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: رأوا شبهه فظنوه إياه؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ يعني بذلك: من ادعى قتله من اليهود، ومن سَلَّمه من جهال النصارى، كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال وسُعُر. ولهذا قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أي: وما قتلوه متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين. (١)
واختار ابن جرير أن شبه عيسى ألقي على جميع أصحابه. (٢)
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (المائدة: ١١٠).
ومعنى كففتهم عنك أي: منعتهم - وأعجزتهم - عن إيذائك والنيل منك.
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾ (آل عمران: ٤٩).
فإذا كانت أعظم أو من أعظم معجزات المسيح ﵇ إحياء الموتى، فكيف يقضي الله
стр. 647
تعالى عليه أن يموت - بل أن يقتل - بهذه الطريقة البشعة؟ ! إن في ذلك لإهانةً له ﵇ وإبطالًا لمعجزته ... كما لو قَدَّرَ الله تعالى على موسى ﵇ أن يُسحَر مثلًا.
٤ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ (النساء: ١٥٩).
قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ يعني بعيسى ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعنى: قبل موت عيسى - يُوَجِّه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفية، دين إبراهيم ﵇، وعن ابن عباس: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: قبل موت عيسى ابن مريم.
وكذا قال أبو مالك والحسن وابن زيد وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد، وهذا القول هو الحق، كما سنبينه بعدُ بالدليل القاطع، إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان. (١)
وعن الحسن أيضًا قال: (قبل موت عيسى، إن الله رفع إليه عيسى (إليه) وهو باعثه قبل يوم القيامة مقامًا يؤمن به البر والفاجر). (٢)
ثانيًا - الأدلة على بطلان عقيدة الفداء:
قال الله تعالى على لسان المسيح ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ (المائدة: ١١٨)
فهذا يبين أن عيسى ﵇ لم يصلب من أجل أمته، فلو كان ذلك كذلك لشفع لأمته فإن قوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، يبين تبرؤه منهم، إذ لم يقل: فإني قد صلبت لأجلهم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ
стр. 648
كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (فاطر: ١٨).
أي لا تُعَذَّبُ نفسٌ بذنب نفسٍ أخرى، ولو كانت من أقرب الأقربين.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: ٤٦)، وقال الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: ٣٧).
فإذا كان الله تعالى قد تاب على آدم وزوجه ﵉ فما سبب صلب المسيح إذن؟ !
قال الله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: ٣٨ - ٣٩).
الآيات التي فيها مدح لبعض الأنبياء السابقين لعيسى ﵇ (نوح، وإدريس، وإبراهيم، وإسماعيل، وموسى، وهارون، .... ).
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ (هود: ٧٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (النحل: ١٢٠ - ١٢٢)، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (مريم: ٥١ - ٥٨).
وهذا ينقض عقيدة الفداء التي تقول: إن خطيئة آدم ظلت معلقةً في أعناق البشر جميعًا، وإن غضب الله ظل ملازمًا لهم حتى جاء المسيح فصلب فمات ففداهم وخلصهم من ذلك! ! .
الشفاعة يوم القيامة تبطل عقيدتهم في الفداء والصلب .
قال الله تعالى عن الملائكة المكرمين: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى
стр. 649
وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (الأنيياء: ٢٨)، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: ٢٥٥)، وقال سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ (طه: ١٠٩).
وعن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ" (١).
وعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْأنبِيَاءِ قَبْلي .... وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ". (٢)
ولو كانت عقيدة الفداء حقًّا لكفت وما احتجنا لشفاعة أحدٍ يوم القيامة:
قال الله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَال يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢) قَال اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه: ١٢٥ - ١٢٤).
وقد قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الفرقان: ٧٠).
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ (الأنفال: ٣٣).
في هذه الآية بين رب العالمين أنه لا سبيل للنجاة من العذاب إلا بأحد أمرين: وجود النبي ﷺ فينا، واستغفارنا ... ولم يذكر شيئًا عن صلب المسيح وفدائه ذنوب بني آدم.
قال الله تعالى: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ
стр. 650
بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ (المائدة: ١٨).
فتعذيب الله تعالى للنصارى بذنوبهم مناقض لا يدَّعونه من أن المسيح ﵇ صلب ليفديهم ويكفر خطاياهم.
ثالثًا: الأدلة على الوفاة والرفع:
قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (آل عمران: ٥٤ - ٥٥)، ﴿ .. وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: ١٥٧ - ١٥٨).
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)﴾ (الأنعام: ٦٠).
قال ابن كثير: قال مطر الوراق: متوفيك من الدنيا وليس بوفاة موت وكذا قال ابن جرير: توفيه هو رفعه. وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا: النوم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ (الأنعام: ٦٥) وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الزمر: ٤٢) وكان رسول الله ﷺ يقول - إذا قام من النوم -: "الحمْدُ لله الَّذِي أحْيَانَا بَعْدَمَا أمَاتَنَا وإلَيْهِ النُّشُورُ"، وقال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: برفعي إياك إلى السماء. وكذا قال الحسن.
رابعًا: الأدلة على النزول:
قال الله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ (طه: ٥٥).
فإذا كان المسيح ﵇ قد رُفِعَ إلى السماء وقد أخبر رب العالين أن مآل جميع البشر إلى
стр. 651
التراب دل هذا على ضرورة نزوله ﵇ يومًا ليموت ويدفن في الأرض.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [الزخرف: ٦١] وفي قراءة: (وإنه لعَلَمٌ ... ) الآية.
عن ابن عباسٍ ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ قال: خروج عيسى ابن مريم، وقال أيضًا: نزول عيسى بن مريم قبل يوم القيامة. وبه قال مجاهد وقتادة والضحاك. (١)
عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الِخْنْزِيرَ وَيَضَعَ الِجْزْيَةَ وَيَفِيضَ المْال حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) ثُمَّ يَقُوُل أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ ". (٢)
الوجه الثاني: إبطال الصلب والفداء في الكتاب المقدس
ويتكون هذا الوجه من أربعة أبواب:
الباب الأول: دعوى الخطية ولزوم الفداء والرد عليها، وينقسم إلى:
١ - التمهيد.
٢ - الفصل الأول: الرد على ادعاءات النصارى حول هذه العقيدة.
٢ - الفصل الثاني: الأدلة على بطلان عقيدة الفداء.
الباب الثاني: دعوى صلب المسيح من أجل الخلاص والرد عليها، وينقسم إلى:
تمهيد وفصول.
الفصل الأول: أهمية الصلب عند النصارى.
الفصل الثاني: هل صلب المسيح أم لا؟ وما أدلتهم على ذلك؟
الفصل الثالث: الرد على دعوى الصلب، وينقسم إلى عدة مباحث:
المبحث الأول: تناقضات رواية قصة الصلب، وينقسم إلى عدة مطالب:
стр. 652
المطلب الأول: تناقض روايات مقدمة أحداث الصلب.
المطلب الثاني: تناقضات روايات قبل الصلب.
المطلب الثالث: تناقضات روايات أحداث الصلب.
المطلب الرابع: تفرد أحد الإنجيلين في الرواية.
المبحث الثاني: إبطال صلب المسيح بنبؤات التوراة (المزامير)، وينقسم إلى:
المطلب الأول: أهمية النبؤات في التوراة بالنسبة للنصارى.
المطلب الثاني: البحث في المزامير.
المبحث الثالث: هل ما جاء في سفر إشعيا نبؤة عن صلب المسيح؟
المبحث الرابع: إبطال وقوع الصلب تاريخيًا.
المبحث الخامس: عدم تنبؤ المسيح بصلبه.
المبحث السادس: عدم وجود شهود على صلب المسيح.
المبحث الثامن: من الذي مات على الصليب الإنسان أم الإله؟
المبحث التاسع: نجاة المسيح من الصلب، وينقسم إلى:
المطلب الأول: هل قبض اليهود على المسيح؟
المطلب الثاني: كيف نجا المسيح من الصلب؟
الباب الثالث: دعوي قيامة المسيح من أجل الخلاص والرد عليها، وينقسم إلى:
الفصل الأول: أقوالهم في إثبات القيامة والرد عليها، وينقسم إلى:
المبحث الأول: أقوالهم في إثبات القيامة.
المبحث الثاني: الرد على هذه الأقوال.
الفصل الثاني: تناقضات روايات قصة القيامة.
الفصل الثالث: من الذي أقامه من الأموات؟
وأخيرًا: ما السبيل إلى النجاة؟
وإليك التفصيل
стр. 653
الباب الأول: دعوى الخطية ولزوم الفداء والرد عليها
وقبل أن نتحدث عن عملية الصلب ينبغي أن نناقش القضية من أصلها، إذ إن عملية الصلب تعتمد اعتمادًا كليًّا على فكرة الفداء، وسنحاول في هذا المبحث - بإذن الله تعالى - أن نثبت بالأدلة العلمية من الكتاب المقدس بطلان عقيدة الفداء والتي كانت الأساس الأوحد لعقيدة الصلب (١).
تمهيد:
١ - معنى كلمة (الخلاص) في الكتاب المقدس:
أطلقت هذه الكلمة في الكتاب المقدس بمعنى الإنقاذ والنجاة.
ففي قاموس الكتاب المقدس:
يراد بالخلاص في العهد القديم: النجاة من الشر أو الخطر. (٢)
أما في العهد الجديد فقد خلع عليه معنى آخر هو إنقاذ الخطاة بالإيمان بيسوع المسيح. (٣)
والمعنى الرئيسي - عندهم - هو الخلاص من خطيئة آدم التي ورَّثها لأبنائه والجنس البشري من بعده، والخلاص من الخطايا الأخرى التي يفعلها الإنسان في حياته.
فالخلاص من الخطيئة عندهم يشمل الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، بمعنى غفران الخطايا التي فعلها الإنسان في ماضيه، والتي يفعلها في حاضره، والتي سيفعلها في المستقبل. (٤)
يقول إلياس مقار: "الخلاص هو تحرير الإنسان الكامل من دين الخطية (٥)، ومرضها وسلطانها واستعبادها نفسًا وروحًا وجسدًا، والأخذ بيده حتى يقف أمام الله في كمال البر والقداسة والمجد والعزة والبهاء إلى أبد الآبدين. (٦)
стр. 654
٢ - معنى كلمة (فداء) عند النصارى:
وكلمة (فداء) قريبة في المعنى لكلمة (خلاص) ولذلك يراد بها في بعض الأحيان ما يراد بكلمة (خلاص).
في قاموس الكتاب المقدس: تشير لفظة "فداء" في العهد القديم في أغلب الأحيان إلى خلاص الجسد.
أما في العهد الجديد فتشير إلى الخلاص من الخطيئة ومن نتائجها. (١)
يقول أندرو وطسون: "يراد بالفداء كل بركات الخلاص المعلن في الكتاب المقدس للخطاة الهالكين". (٢)
وقد يراد بها أيضًا - عند النصارى - الفدية التي نال البشر بها الخلاص.
يقول القس صموئيل حبيب: "تستخدم كلمة الفداء أصلا لشخص يسترد أرضه التي وقعت في يد غيره فيشتريها لنفسه ثانية، فإذا رأي الله الإنسان قد باع نفسه للخطية وصار عبدًا لها، قدم نفسه في المسيح فداء للبشرية ثانية." (٣)
٣ - أصل عقيدة الفداء في التصور النصراني.
تبدأ هذه العقيدة - في التصور النصراني - من آدم ﵇. وهاك التفصيل:
١ - يعتقد النصارى أن الله خلق آدم على حالة الطهارة والبر والقداسة والنعمة (٤) ووضعه في جنة غرسها الله بيده" ٩ وَأَنْبَتَ الرَّبُّ الإِلهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ شَجَرَةٍ شَهِيَّةٍ لِلنَّظَرِ وَجَيِّدَةٍ لِلأَكْلِ" (تكوين ٢/ ٨).
٢ - وفي وسط هذه الجنة غرس الله شجرتين عجيبتين هما - كما يقول كلايد تارنر: شجرة الحياة التي جعلها الله لخلاص الإنسان من الموت لو لم يخطئ، وشجرة معرفة الخير
стр. 655
والشر التي جعلت لامتحان مقدار ولاء الإنسان لله. (١)
٣ - ثم بعد ذلك أوصى الله آدم بألا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر.
"عاش الإنسان (آدم) الحياة أسعد ما تكون الحياة، ولكي يحفظ له الرب هذه القامة الشامخة في السمة والترفع فإنه علمه بوصية ألا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر حتى لا يقع في المخالفة وتكون عقوبته الموت (لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ".) (تكوين ٢/ ١٧). وفي نفس الوقت أعطاه شجرة الحياة التي تثبته في مكانه من الحياة وقداسة الحق". (٢)
جاء في سفر التكوين عن هذا (١٥ وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا. ١٦ وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ قَائِلًا: "مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الجْنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلًا، ١٧ وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ) (تكوين ٢/ ١٨: ١٥).
٤ - ولكن آدم خالف وصية الله فأكل هو وحواء من شجرة معرفة الخير والشر، في نظرهم - وحينئذ - كما يقول سفر التكوين "٧ فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ." (٣/ ٧).
٥ - ونتيجة لهذه المعصية - كما يعتقد النصارى - فقد آدم حالة الكمال الأدبي الذي خلقه الله عليها وأصبح خاضعا لناموس الفساد وسلطان الخطية. (٣)
ويقول حبيب جرجس: "وكان من نتيجة مخالفتهما لعهد الله تعالى ما يأتي:
١ - سقطا من حال القداسة وحياة النعمة وفقدا الشركة مع الله.
٢ - صارا أسيرين للخطية والموت.
٣ - طردًا من الفردوس وخضعا للبلايا كالتعب والجوع والعطش والفقر والأمراض والشيخوخة.
٤ - فقدا ميراث الحياة الأبدية واستحقا غضب الله. (٤)
стр. 656
ويقول إلياس مقار: "وأجرة الخطية هي موت، وقد مات آدم وحواء في اللحظة التي سقطا فيها وانفصلا عن الله، لقد ماتا في الحال الموت الروحي والأدبي، ... ، بل لقد شعرا للمرة الأولى بأن غشية من الظلام استولت على عيونهما فلم يعودا يميزان بين الحق والباطل والنور والظلام، والجمال والقبح والخير والشر ... ". (١)
ونرد عليهم فنقول: هذا كلام مناقض تماما لما ورد في كتابكم، إذ كيف يمكن القول بأن آدم بعدما أكل من شجرة معرفة الخير والشر لم يعد يميز بين الخير والشر والحق والباطل؟ .
يقول سفر التكوين: "وَقَال الرَّبُّ الإِلهُ: "هُوَذَا الإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارفًا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَالآنَ لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ أَيْضًا وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى الأَبَدِ". ٢٣ فَأَخْرَجَهُ الرَّبُّ الإِلهُ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَ الأَرْضَ الَّتِي أُخِذَ مِنْهَا. ٢٤ فَطَرَدَ الإِنْسَانَ، وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ الْكَرُوبِيمَ، وَلَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ." (٣/ ٢٢ - ٢٤).
كيف يمكن بعد هذا أن نقول إنهما - أي آدم وحواء - أصبحا لا يفرقان بين الخير والشر والحق والباطل والنور والظلام؟
الفصل الأول: الرد على ادعاءات النصارى
أولًا: يدعي النصارى أن الخطية سبّبت الموت لآدم وحواء، وهذا ادعاء خاطئ.
ذلك أننا لو نظرنا في قصة مخالفة آدم وحواء لأمر الله تعالى وأكلهما من الشجرة والملابسات المصاحبة لها - في سفر التكوين - نجد أنه يمكن استنباط أن الإنسان خاضع للموت قبل أن يأكل من الشجرة، ذلك أن سفر التكوين يوضح لنا أن هناك شجرتين في الجنة التي سكن فيها آدم قبل نزوله إلى الأرض إحداهما تسمى شجرة الحياة وثمرها يمنح الإنسان - في نظر المسيحيين - الحياة الخالدة، فلو تناول الإنسان من هذه الشجرة - في نظرهم - لأصبح خالدا وعاش إلى الأبد بدليل قوله "وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ أَيْضًا وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى الأبَدِ"." (تكوين ٣/ ٢٢).
стр. 657
وحيث إن آدم وحواء لم يأكلا من هذه الشجرة التي تمنح الخلود فمعنى ذلك أنهما كانا معرضين للموت قبل المخالفة وبعدها.
هذا فضلًا عن أن الكتاب المقدس يببين أن آدم كان قابلًا للفناء والموت حتى قبل المخالفة وذلك لأنه من التراب، يقول سفر التكوين "لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ". (تكوين ٣/ ١٩).
ثانيًا: ويدعون أيضًا أن أكل آدم من الشجرة سبب له الفساد والبعد عن الله.
وهذا قول يفتقر إلى الحجة والبرهان، خاصة وأن سفر التكوين قد جاء فيه فقرة تدل على أن آدم وحواء تابا، والله قبل توبتهما، ذلك أنهما حين أكلا من الشجرة انفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان، واختبآ خوفا وخجلا من الله، ثم بعد ذلك يبين سفر التكوين أن الله صنع لآدم وحواء أقمصة من جلد وألبسهما، والتوبة تغفر الذنب وتكفره. يقول سفر الأعمال: "١٩ فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ" (أعمال ٣/ ١٩). (١)
ثالثا: يعتقد المسيحيون أن آدم وحواء لم يجلبا الدمار والهلاك والفساد على أنفسهما بعصيانهما فحسب، بل على كل ذريتهما أيضا؛ لأنهم أصبحوا ورثة لطبيعتهما الساقطة الآثمة. (٢)
يقول حبيب جرجس: "إن خطية آدم عمت جميع نسله وعادت بالويل والشقاء على سائر الجنس البشري، وصار محكوما عليهم بأن يولدوا أثمة وعبيدا للخطية والموت، وذلك لأن آدم لم يلدهم إلا وهو في حالة الإثم والمعصية والغضب، فبناء عليه كان جميع الجنس المتناسل منه بالطبيعة آثما ومخطئا وواقعا في المعصية ومعاقبا عليها كما عوقب آدم وزوجته من قبل، ولذلك حسبت المعصية عليهم كما حسبت عليه". (٣)
وأصبح الإنسان بموجب هذه الفكرة - عند المسيحيين - عاجزًا عن كل خير روحي. يقول الأب بولس إلياس اليسوعي: "إن سقطة الإنسان الأول كانت جسيمة أفقدته توازن قوة الروحية فأصيب بجراح بليغة وبنوع خاص في عاقلته وإرادته، فعاقلته
стр. 658
أصبحت محدودة القدرة تعجز عن إدراك الله كما في أول عهدها وشلت إرادته وأصبحت عاجزة عن صنع الخير والشر وحتى السعي إليه". (١)
وبناء عليه لا يستطيع الإنسان في - نظرهم - أن يخلص نفسه من هذا الفساد.
رابعًا: دعوى عدم التوفيق بين عدل الله ورحمته:
لقد وضع المسيحيون فكرتهم عن توارث الخطيئة على هيئة مأزق لله ، فباعتبار أن الإنسان في نظرهم غير مؤهل لأن يشق طريقه إلى الله لأنه متصف بالعجز لأن طبيعته فاسدة، فماذا يفعل الله في نظرهم إزاء هذا؟
والجواب: أن الله تعالى في نظرهم لا يستطيع أن يغفر هذه الخطية أو يعفو عنها.
وها هي بعض أقوالهم:
يقول إلياس مقار: "قد يقال: أليس من حق الله وسلطانه وهو صاحب السلطان الأعلى أن يعفو بكلمة عمن يريد أو يشاء؟ وهل يكون الله أقل من الملوك والرؤساء الذين يستطيعون بكلمة أن يعفو عن المجرمين والمحكوم عليهم بأقسى العقوبات؟
إنه قياس مع الفارق؛ لأن عفو الملوك الأرضيين أو الرؤساء إذا صح أنه نبيل أو عظيم إلا أنه على حساب العدالة في إطلاقها وكمالها ومجدها، وأنه إذا صح أن البشر لأنهم ناقصون يعفون أو يتساهلون بدافع من نقصهم أو ضعفهم عن العدالة المطلقة، فإن الله لا يمكن أن يعفو أو يتساهل قيد شعرة عن العدالة المطلقة، وأن القول إن الله قادر على العفو بمجرد كلمة وإن أحدًا لا يمكن أن يجرده أو يطلب إليه أن يتنازل عن السلطان عن هذا القول يفهم القدرة الإلهية فهما خاطئًا؛ لأن الله مع قدرته اللانهائية تُورد أشياء نقول بكل احترام وإجلال لا يقدر عليها". (٢)
ثم يقول: "يمكن أن نقول بملء اليقين إن الله لا يمكن أن يغفر الخطية بمجرد كلمة
стр. 659
إلهية تصدر منه؛ لأنه لا يقدر أن يكون غير عادل أو غير قدوس أو غير حق ... ومن ثم فإن المسيحية ترفض رفضًا باتًا تصور أن الله يعفو لمجرد العفو من غير جزاء كامل تحتمه العدالة الإلهية المطلقة". (١)
وإذا كان الله لا يستطيع أن يغفر الخطية، فماذا يفعل الله -في نظرهم- إزاء ذلك؟ يقول لبيب ميخائيل: "ماذا يفعل الله بذلك الإنسان الشرير الأثيم الذي أصبحت نفسه أمارة بالسوء؟ كيف يوفق جل شأنه بين عدله الذي يطالبه بتوقيع القصاص على الإنسان وهو قصاص رهيب أبدي عظيم يتناسب مع عدله وقداسته، وبين رحمته التي تطالبه بأن يصفح عن خطيئة الإنسان؟ " (٢).
كيف يوفق الله في نظرهم بين عدله ورحمته ؟
ويجيب عن هذا التساؤل نقولا يعقوب: ولما كان الله عادلًا فهو لا يترك مثقال ذرة، لذلك وجب علينا أن نسلم أن كل الخاطئين ضد الله لابد أن يقيموا في النار مخلدين عقابا لهم، فإذا تم هذا فأين رحمة الله؟ وإذا رحم الله هؤلاء الخطاة وغفر لهم ولم يعذبهم فأين عدله؟ . (٣)
يقول لبيب ميخائيل: "فالغفران الإلهي للإنسان الخاطئ يحتم أن يوفق الله بين عدله ورحمته، ذلك لأنه إذا غفر الله خطيئة الإنسان على أساس رحمته وحدها استهان الإنسان بعدالة الله ووصاياه، وأصبح فعل الخطية سهلا لديه، إذ يرى أن الله لم يتكلف شيئًا لمنحه غفرانه لخطاياه، وإذا نفذ الله في الإنسان حكمه ضد خطاياه على أساس عدله وحده لرأى الإنسانُ (اللهَ) إلهًا جبارًا منتقمًا، ولأصبح بتأثير إحساسه بقسوة الله عنيدًا قاسيًا، بليد الشعور، ولاستمر في عناده ومعاصيه حتى الهلاك". (٤)
وحتى تُحل هذه المعادلة الصعبة - في نظرهم - فلابد من وجود فادي عن الإنسان
стр. 660
يتحمل عنه وزر الخطيئة.
وهذا الفادي عندهم ليس مجرد إنسان كبقية الناس، ولذلك دبر الله - كما يعتقدون - طريقة الفداء بنفسه.
يقول إبراهيم لوقا: "إن المسيحية تعلم أن الله يجمع بين عدله ورحمته في تصرفه مع الإنسان عقب سقوطه، دبر طريقة فدائه بتجسد ابنه الحبيب وموته على الصليب نيابة عنا، وبهذا أخذ العدل حقه واكتملت رحمة الله فنال البشر العفو والغفران". (١)
والرد على هذه الشبهات فيما يلي في الفصل القادم.
الفصل الثاني: الأدلة على بطلان عقيدة الفداء من الكتاب المقدس .
أولا: لا يؤخذ الأبناء بجرائم الآباء .
ورد في حزقيال (١٨/ ٢٠) "٢٠ النَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ. الابْنُ لَا يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ، وَالأَبُ لَا يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الابْنِ. بِرُّ الْبَارِّ عَلَيْهِ يَكُونُ، وَشَرُّ الشِّرِّيرِ عَلَيْهِ يَكُونُ." ومثله ما جاء في التثنية (٢٤/ ١٦): "١٦ "لَا يُقْتَلُ الآبَاءُ عَنِ الأَوْلَادِ، وَلَا يُقْتَلُ الأَوْلَادُ عَنِ الآبَاءِ. كُلُّ إِنْسَانٍ بِخَطِيَّتِهِ يُقْتَلُ."، ومثله في رومية (٢/ ٦) " ٦ الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ." وكذلك ما ورد في سفر الخروج (٣٢/ ٣٠ - ٣٢) " ٣٠ وَكَانَ فِي الْغَدِ أَنَّ مُوسَى قَال لِلشَّعْبِ: "أَنْتُمْ قَدْ أَخْطَأْتُمْ خَطِيَّةً عَظِيمَةً، فَأَصْعَدُ الآنَ إِلَى الرَّبِّ لَعَلِّي أُكَفِّرُ خَطِيَّتَكُمْ". ٣١ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى الرَّبِّ، وَقَال: "آهِ، قَدْ أَخْطَأَ هذَا الشَّعْبُ خَطِيَّةً عَظِيمَةً وَصَنَعُوا لأَنْفُسِهِمْ آلِهَةً مِنْ ذَهَبٍ. وَالآنَ إِنْ غَفَرْتَ خَطِيَّتَهُمْ، وَإِلَّا فَامْحُنِي مِنْ كِتَابِكَ الَّذِي كَتَبْتَ". ٣٣ فَقَال الرَّبُّ لمُوسَى: "مَنْ أَخْطَأَ إِلَيَّ أَمْحُوهُ مِنْ كِتَابِي." وأيضا ما ورد في سفر التكوين (٤٤/ ١٧) من قول يوسف لإخوته عن شقيقه" الرَّجُلُ الَّذِي وُجِدَ الطَّاسُ فِي يَدِهِ هُوَ يَكُونُ لِي عَبْدًا، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَاصْعَدُوا بِسَلَامٍ إِلَى أَبِيكُمْ". "وكل ذلك يثبت أن خطيئة آدم لا تتعدى نفسه، ولا يقع إثمه على غيره، ولا يتحمل خطأه سواه.
ثانيًا: إذا كانت معصية آدم أوجبت تضحية الله، فما بالك بالفواحش والمنكرات التي نسبوها للأنبياء والمرسلين ؟
стр. 661
يقول المسيحيون إن في خطيئة آدم من القبح والفحش، ما أوجب اللعنة الإلهية عليه وعلى سائر نسله من بعده، ومن جملتهم الأنبياء والمرسلون، فإذا كانت خطيئة آدم، وهي أكله من الشجرة المحرمة أدت إلى تجسد الله، وتحمله العذاب دون البشر، فما بالك بالمنكرات والفواحش التي ارتكبها - على زعمهم - الأنبياء والرسل. ألا تدعو هذه المعاصي - ولا تعد معصية آدم بجانبها شيئا - أن يضحي الله بأقنوم آخر كفارة عنها؟
ولكي يتضح الأمر أكثر، أرى أن أذكر هنا بعض الأمثلة من الفواحش التي نسبوها للأنبياء والرسل، ليقيس القارئ عليها ما اقترفه آدم من نسيان، وأكله من الشجرة المحرمة:
(١) نوع يسحر ويكشف عورته ويلعن كنعان ظلما:
ورد في سفر التكوين (٩/ ٢٠ - ٢٧): "٢٠ وَابْتَدَأَ نُوحٌ يَكُونُ فَلَّاحًا وَغَرَسَ كَرْمًا. ٢١ وَشَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ فَسَكِرَ وَتَعَرَّى دَاخِلَ خِبَائِهِ. ٢٢ فَأَبْصَرَ حَامٌ أَبُو كَنْعَانَ عَوْرَةَ أَبِيهِ، وَأَخْبَرَ أَخَوَيْهِ خَارِجًا. ٢٣ فَأَخَذَ سَامٌ وَيَافَثُ الرِّدَاءَ وَوَضَعَاهُ عَلَى أَكْتَافِهِمَا وَمَشَيَا إِلَى الْوَرَاءِ، وَسَتَرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا وَوَجْهَاهُمَا إِلَى الْوَرَاءِ. فَلَمْ يُبْصِرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا. ٢٤ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نُوحٌ مِنْ خَمْرِهِ، عَلِمَ مَا فَعَلَ بِهِ ابْنُهُ الصَّغِيرُ، ٢٥ فَقَال: "مَلْعُونٌ كَنْعَانُ! عَبْدَ الْعَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتِهِ". ٢٦ وَقَال: "مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ سَامٍ. وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ. ٢٧ لِيَفْتَحِ الله لِيَافَثَ فَيَسْكُنَ فِي مَسَاكِنِ سَامٍ، وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ". اقرأ وتأمل! ! !
(٢) لوط يسكر ويزني بابنتيه:
أتجد فاحشة في الوجود أبشع من أن يزني الوالد بابنتيه، الكبيرة في الليلة الأولى والصغيرة في الليلة الثانية، اقرأ هذا النص في التكوين ١٩/ ٣٠ - ٣٨: "٣٠ وَصَعِدَ لُوطٌ مِنْ صُوغَرَ وَسَكَنَ فِي الْجَبَلِ، وَابْنَتَاهُ مَعَهُ، لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَسْكُنَ فِي صُوغَرَ. فَسَكَنَ فِي المُغَارَةِ هُوَ وَابْنَتَاهُ. ٣١ وَقَالتِ الْبِكْرُ لِلصَّغِيرَةِ: "أَبُونَا قَدْ شَاخَ، وَلَيْسَ فِي الأَرْضِ رَجُلٌ لِيَدْخُلَ عَلَيْنَا كَعَادَةِ كُلِّ الأَرْضِ. ٣٢ هَلُمَّ نَسْقِي أَبَانَا خَمْرًا وَنَضطَجعُ مَعَهُ، فَنُحْيِي مِنْ أَبِينَا نَسْلًا". ٣٣ فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَدَخَلَتِ الْبِكْرُ وَاضطَجَعَتْ مَعَ أَبِيهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضطِجَاعِهَا وَلَا بِقِيَامِهَا. ٣٤ وَحَدَثَ فِي الْغَدِ أَنَّ الْبِكْرَ قَالتْ لِلصَّغِيرَةِ: "إِنِّي قَدِ اضطَجَعْتُ الْبَارِحَةَ مَعَ أَبِي. نَسْقِيهِ خَمْرًا اللَّيْلَةَ أَيْضًا
стр. 662
فَادْخُلي اضْطَجِعِي مَعَهُ، فَنُحْيِيَ مِنْ أَبِينَا نَسْلًا". ٣٥ فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَيْضًا، وَقَامَتِ الصَّغِيرَةُ وَاضْطَجَعَتْ مَعَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا وَلَا بِقِيَامِهَا، ٣٦ فَحَبِلَتِ ابْنَتَا لُوطٍ مِنْ أَبِيهِمَا. فَوَلَدَتِ الْبِكْرُ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ "مُوآبَ"، وَهُوَ أَبُو الْمُوآبِيِّينَ إِلَى الْيَوْمِ. ٣٨ وَالصَّغِيرَةُ أَيْضًا وَلَدَتِ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ "بِنْ عَمِّي"، وَهُوَ أَبُو بَنِي عَمُّونَ إِلَى الْيَوْمِ."
(٢) موسى وهارون يخونان الله ولا يقدسانه ولا يصدقانه:
لقد روى النصارى في كتبهم أن الله تعالى عاقب موسى بالموت، وكذلك هارون من قبل؛ لأنهما خاناه ولم يقدساه ولم يصدقاه.
ويروون كذلك أن موسى طلب من الله أن يعفيه من الرسالة، وأنه رفضها، وأن هارون صنع عجلًا لبني إسرائيل ليعبدوه دون الخالق القهار. (١)(٤) داود يزني ويقتل بريئًا:
يتهم النصارى داود ﵇ بالزنا مع امرأة، وأنه أرسل زوجها إلى الحرب وأمر بقتله هناك.
وانظر التفصيل في (صموئيل الثاني ١١/ ١ - ٢٧) وغيره.
وهذا جزء قليل جدًّا مما ذكر في كتابهم من خطايا نسبوها للأنبياء.
ثالثا: قتل الناس إلههم وإهانته أكبر من معصية آدم:
ثم أنه لو جاز أن الله تعالى يطالب بني آدم بذنب أبيهم، فليس في صلب المسيح ما يمحو ذلك الذنب، بل إن في ذلك ما يضيف خطيئة أخرى، فسيطالب الجنس البشري بجريمة آبائه وإخوانه اليهود الذين قتلوا إلههم أو الأقنوم الثاني منه ظلمًا وعدوانًا.
وبهذا لا يمكن أن تساوي معصية آدم شيئا إذا قيست بمعصية الناس حين صلبوا ربهم، حين أتى إليهم، وقبل الهوان واللعن والعذاب من أجل خلاصهم.
رابعًا: المسيح يضن على امرأة بالمساعدة فهل يبذل حياته عن الناس ؟
روى متى (١٥/ ٢١ - ٢٨) عن المسيح فقال: "٢١ ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ مِنْ هُنَاكَ وَانْصَرَفَ إِلَى نَوَاحِي صُورَ وَصَيْدَاءَ. ٢٢ وَإِذَا امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّة خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيْهِ قَائِلَةً: "ارْحَمْنِي، يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ! اِبْنَتِي مَجْنُونَةٌ جِدًّا". ٢٣ فَلَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ. فَتَقَدَّمَ تَلَامِيذُهُ وَطَلَبُوا
стр. 663
إِلَيْهِ قَاِئلِينَ: "اصْرِفْهَا، لأَنَّهَا تَصِيحُ وَرَاءَنَا! " ٢٤ فَأَجَابَ وَقَال: "لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائيلَ الضَّالَّةِ". ٢٥ فَأَتَتْ وَسَجَدَتْ لَهُ قَائِلَةً: "يَا سَيِّدُ، أَعِنِّي! " ٢٦ فَأَجَابَ وَقَال: "لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلَاب". ٢٧ فَقَالتْ: "نَعَمْ، يَا سَيِّدُ! وَالْكِلَابُ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا! ". ٢٨ حِينَئِذٍ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَال لَهَا: "يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيَمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ". فَشُفِيَتِ ابْنَتُهَا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ."
فهل يقدم المسيح نفسه عن الناس، ويقبل القتل والصلب والإهانة من البشر، كل ذلك عن طيب خاطر، مع أنه ثبت في الإنجيل أنه ضن على المرأة بالمساعدة، وأنه قابلها بالتحقير والسباب، ولم يقبل مساعدتها إلا بعد هذه الشدة، ووساطة تلاميذه الذين طلبوا منه مساعدتها لا للخير، وإنما لأنهم أرادوا التخلص منها ومن صياحها؟ .
(وهذا بحسب ما ورد في الإنجيل وإلا فأنبياء الله تعالى هم أولى الناس بمكارم الأخلاق).
خامسا: تسليم النصارى بكون دعوى الكفارة لم تتحقق:
ويقولون إن الله تعالى قال لآدم "إن أكلت من هذه الشجرة موتا تموت" ويفسرون (موتًا تموت) بأن الله يعني أن يدخل آدم وذريته الجحيم، ولكن تفسيرهم هذا يؤخذ منه أن الله تعالى لم تنفذ إرادته؛ لأن الأقنوم الثاني - بزعمهم - نجاهم. بل إن الله تعالى لم تنفذ إرادته بعد ذلك كذلك، لأن معظم الناس لا يزالون لا يؤمنون بالفداء، وذلك - بحسب عقيدتهم - بسبب دخولهم الجحيم، فما معنى أن المسيح نجيَّ العالم من الخطيئة حتى استحقوا دخول الجنان؟ !
يقولون عن المسيح: "٢ وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالمِ أَيْضًا." (يوحنا الأولى ٢/ ٢)، فكيف يكون المسيح كفارة لكل العالم، مع أن في العالم ملايين من عبدة الأوثان واللادينيين، ويوجد في العالم كذلك الملايين من المسلمين الذين لا يؤمنون إلا بالتوحيد الحقيقي، وينزهون الله تعالى عما لا يليق به من الصفات التي ينسبها إليه المسيحيون، بل لِمَ يتوعدُ المسئَ والمخطئ والعاصي بالعذاب ويهدده بدخول النار؟
وإذا كان النصارى يقولون إنهم وحدهم الناجون، فلم يتحقق قول يوحنا إن المسيح كفارة عن العالم، وإذا قالوا بصدق قول يوحنا كذبوا حيث ادعوا هلاك غير النصراني، وكفر
стр. 664
كل فريق منهم الآخر، وحيث تعارض الدليلان، فلا اعتبار لهما. فلا كفارة على ذلك ولا فداء.
سادسا: عقيدة الفداء لا يقبلها العقل:
(أ) التفكير في الشر دون وقوعه لا يوجب العقاب.
فمجرد وجود الوازع إلى الشر في نفس الإنسان، بدون الوقوع فيه لا يوجب حكما بالمعصية، إنما المعصية هي الوقوع الفعلي فيها. ولقد جاء المسيح والعالم لا تزال فيه هذه الغريزة، ومضى المسيح والجنس البشري أشد شرًا مما كان.
(ب) لا يعذب الله ذاته:
إن الله لا يخلق لذاته العذاب الذي أعد للعاصين من عباده، فلقد خلق الله المحسن والمسئ، وأوجد الصالح والطالح، وأعد لأحدهما الثواب وللآخر العقاب، أم كان يجهل الله طبيعة خلقه، وأنه ما كان يقصد أنه يخلق فيهم الشر، وأنه فوجئ بالمعصية "٦ فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ. ٧ فَقَال الرَّبُّ: "أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ، الإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ السَّمَاءِ، لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ"." (سفر التكوين ٦/ ٦ - ٧).
(ج) لا ينقسم الله على ذاته:
قال المسيح للفريسيين حين زعموا أنه يخرج الشياطين بوساطة (بِعَلْذَبُول) رئيسهم "٢٦ فَإِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ يُخْرِجُ الشَّيْطَانَ فَقَدِ انْقَسَمَ عَلَى ذَاتِهِ." (متى ١٢/ ٢٦). ونقول نحن أيضًا" إن كان الله يصلب ويهين الله فقد انقسم على ذاته".
(د) هل يخطئ الإنسان فيتعذب خالقه؟
وإذا فرضنا أن الإنسان قد أخطأ لأنه ورث عن آدم المعصية، فما ذنب الله تعالى ليتعذب، ويهان، ويشتم، ويتفل عليه، ويتهكم به الناس، ويضرب، ويصلب، ويقتل قتلة الأشرار المجرمين؟ ! .
(هـ) هل فدى الله آدم ببعض آدم؟
وإذا قيل إن الله لم يتعذب، بل الذي تعذب هو ناسوت المسيح، قلنا إما أن يكون ناسوت المسيح جزءا من الله فيكون العذاب قد وقع على الله كما قدمنا، وهو غير جائز
стр. 665
عقلا، أو يكون ناسوت المسيح جزءا من آدم كسائر البشر الذي توالد منه، فيكون آدم قد فدى ببعضه، وأن يفدي الناس بأحد منهم يبطل عقيدة الفداء، ولا يكون هناك معنى لنزول الله أو لتجسده أو لقيامه بالكفارة، إذ إن عقيدة المسيحيين كما بينا لا تنص على كون الله انتقم من الناس في شخص أحدهم، أو قبل فداء واحد منهم عن الآخرين.
وإما أن يكون العذاب قد وقع على ناسوت المسيح ولاهوته، ولا يخرج حكم ذلك عما قدمنا، فيثبت بذلك بطلان جواز دعوى الفداء.
(و) يذبح الله الله فما دخل البشر؟ !
يقول النصارى (رؤيا ١٣/ ٨) أنه كان في الأزل، قبل وجود الكائنات، ثلاث وجودات أزلية، وهي: كائن، وخروف مذبوح، وروح القدس "أي الله والمسيح المصلوب والروح القدس" فمن ذبح الخروف غير أحد الكائنين الآخرين! فأية علاقة بين البشر وما تفعله الآلهة فيما بينهم؟ ! ! ! .
سابعًا: المسيح لم يدع أنه جاء ليخلص الناس من خطيئة آدم:
إن المسيح ﵇ وجميع الأنبياء والرسل قبله لم يذكروا لنا شيئا مطلقا عن هذا الذنب المغروس، وإلا فها هي التوراة بين أيديهم، وها هي الأناجيل التي يؤمنون بها، هاهي أمامهم ولم يذكر في أحدها أن بني آدم وصموا بذنب لم يقترفه أحدهم.
يقول المسيحيون: إن المسيح هو الله وأنه ما نزل في هذا العالم، وما انحط إلى مستوى البشر إلا ليخلص الناس من ذاك الذنب المزعوم، فإذا كان هذا هو السبب الوحيد الذي أرسل من أجله المسيح، فلم لم يقل عنه شيئا! ! ولم لم يبينه! !
لقد كان المسيح معلم الشعب، فإذا كان نزل للفداء فكان عليه أن يشرح ما جاء من أجله خاصة، وما كان هناك أدنى داع للتعليم والتهذيب والإرشاد إلى الطريق الذي يدخل الجنة، ما دام محض مجيئه يكفي لخلاصهم وخلاص العالم معهم. (١)
стр. 666
وأيضا: فقد كان واجب عيسى ﵇ الأساسي هو البشارة بملكوت الله، والمعزي أو إيليا الذي سيأتي من بعده.
وها هي النصوص على ذلك:
١ - ورد في لوقا (٤/ ٤٣): "٤٣ فَقَال لَهُمْ: "إِنَّهُ يَنْبَغِي لِي أَنْ أُبَشِّرَ الْمُدُنَ الأُخَرَ أَيْضًا بِمَلَكُوتِ الله، لأَنِّي لهِذَا قَدْ أُرْسِلْتُ". ٤٤ فَكَانَ يَكْرِزُ فِي مَجَامِعِ الْجَلِيلِ."
٢ - كما أوصى يسوع تلاميذه قائلا: "٧ وَفِيمَا أَنْتُمْ ذَاهِبُونَ اكْرِزُوا قَائِلِينَ: إِنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ." (متى ١٠/ ٧).
٣ - وورد في متى (١١/ ١٤): "١٤ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا، فَهذَا هُوَ إِيلِيَّا الْمُزمِعُ أَنْ يَأْتِيَ."
٤ - ورد في يوحنا (١٤/ ١٥ - ١٧): " "إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ، ١٦ وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ، ١٧ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الْعَالمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لَا يَرَاهُ وَلَا يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ." (١)
ومما سبق يتبين أن أساس عقيدة النصرانية يقوم على عدة أركان:
الأول: دعوى الخطية ولزوم الفداء (وقد سبق الكلام عنهما).
الثاني: دعوى تجسد ابن الله من أجل الخلاص.
الثالث: دعوى الصلب من أجل الخلاص.
الرابع: دعوى قيامة المسيح من أجل الخلاص.
الباب الثاني: الرد على دعوى تجسد ابن الله من أجل الخلاص
١ - عقيدة النصارى في التجسد وأقوالهم فيها والرد عليها .
يدعي النصارى أن الإنسان لا يستطيع أن يتحرر ويتخلص بنفسه من الطبيعة الخاطئة التي ورثها عن آدم - بناء على فكرتهم في توارث خطيئة آدم - وذلك لأنه خاطئ.
وها هي بعض أقوالهم في تقرير هذا المعنى:
стр. 667
يقول عوض سمعان: "فالإنسان لانتقال الطبيعة الخاطئة إليه بالوراثة وتسلطها على كيانه تبعًا لذلك لا يستطيع بمجهوده أن يتحرر منها أو يرتقي فوقها". (١)
"فالبشر جميعًا بما فيهم الأنبياء محتاجون إلى من يفديهم". (٢)
وهل يستطيع أن يقوم بهذه المهمة ملاك من الملائكة؟
والجواب هو أنه: لا يستطيع - في نظرهم - أن يقوم بمهمة الفداء أيضا ملاك.
ففي تاريخ الأمة القبطية" لم يكن باستطاعة إنسان أو ملاك أن يقوم بهذه الفدية لأن الإنسان خاطئ ولأن الملاك مخلوق". (٣)
كذلك لا يستطيع أي مخلوق آخر - في نظرهم - أن يقوم بالفداء.
يقول حبيب جرجس: "ولم يستطع إنسان ولا ملاك ولا خليقة أخرى أن تصلح الجنس البشري من فساده لأن ذلك ضرب من المحال" (٤).
ويقول حبيب جرجس: "وهذا الفادي ليس إنسانًا ولا ملاكًا ولا خليقة أخرى بل هو مخلصنا وفادينا ابن الله الوحيد ربنا يسوع المسيح". (٥)
ويقول عوض سمعان: "بما أنه لا يستطيع فدائنا إلا الله، وبما أنه ليس من المعقول أن يخلق الله شخصا نظيره؛ لأن المخلوق يكون محدثًا، والمحدث لا يكون مثل الأزلي إذن ليس هناك كائن غير الله يستطيع القيام بفدائنا والتكفير عنا." (٦)
ولكي يقوم ابن الله بالخلاص لابد وأن يتجسد ويظهر في صورة بشرية أي في ثوب الخطية حتى يستطيع الانتصار عليها بثوبها.
стр. 668
يقول القس صموئيل حبيب: "لذلك جاء يسوع في جسد الخطية ليفتدي الخطاة". (١)
ولكي يستطيع أن يموت على الصليب ويتحمل الخطايا والآثام كان ولابد أن يظهر في صورة الجسد القابل للموت.
يقول اثناسيوس الرسولي: "وإنه مستحيل أن يتحمل الكلمة الموت لأنه غير مائت، ولأنه ابن الآب لهذا أخذ لنفسه جسدا قابلا للموت حتى باتحاده بالكلمة الذي هو فوق الكل يكون جديرا أن يموت نيابة عن الكل." (٢)
٢ - الرد على هذه الدعوى
إذا كان كل أفراد الجنس البشري متصفين بالسقوط في الخطيئة نتيجة لعصيان آدم فكيف يكون المسيح بجسد بشري وهو غير خاطئ؟ ذلك أن المسيح ولد من مريم وهي واحدة من أفراد الجنس البشري الساقط - في نظرهم - الذي ورث الخطية عن آدم، فكيف يكون مبرأ من الخطية وهو قد ولد من جسد خاطئ؟ خاصة وأن الأناجيل تقول "١٧ هكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، ١٨ لَا تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، وَلَا شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا جَيِّدَةً." (متى ٧/ ١٧ - ١٨).
فالنسل الفاسد - في نظرهم - لا يستطيع أن يثمر نسلًا جيدًا.
فإذا كان المسيح - في نظرهم - قد ولد من جسد فاسد أو من نسل فاسد أو من طبيعة فاسدة فإن طبيعته كذلك فاسدة - هذا على اعتقادهم - أما نحن المسلمين فنعتقد في عيسى ﵇ أنه عبد الله ورسوله.
والجواب عند المسيحيين على مثل هذه الاعتراضات أن المسيح اتخذ جسدا مبرأ من الخطية؛ لأنه ابن الله المتجسد.
ونرد عليهم فنقول:
стр. 669
إنه على ذلك ليس من نسل آدم، والشرط عندكم أن يكون الفادي من نسل آدم حتى يستطيع أن يقوم بالفداء.
يقول أنسلموس اللاهوتي: "وبما أنه من آدم وحواء قد سرت الخطية إلى العالم فلا يقتضي أن يكفر عن خطايا العالم إلا هما بالذات أو واحد من نسلهما، ولما كانا هما غير قادرين على ذلك وجب أن يعمله واحد من ذريتهما". (١)
وتقول فرنسس يونغ: "الادعاءات الخاصة أن هناك طريقة واحدة لفهم موضوع الخلاص عن طريق المسيح لم تكن قط جزءا من قوانين الكنيسة المسيحية لا في الاعتقاد ولا في التعريف." (٢)
الباب الثالث: دعوى صلب المسيح من أجل الخلاص والرد عليها .
تمهيد:
يدعي المسيحيون أن المسيح ابن الله الذي تجسد وظهر في صورة بشرية كان ولابد أن يموت على الصليب حتى يستطيع أن يفدي البشرية ويخلصها من خطيئة آدم والخطايا الأخرى. يقول يوحنا "وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ." (يوحنا (١) ١/ ٧).
يقول إلياس مقار: "إنه لابد أن يدفع الثمن كاملا لرفع الخطية، وإلا لكان الأمر مجرد تمثيلية بعيدة عن الحقيقة والواقع، ومن ثم لم يكن صلب المسيح مجردًا عن دفاع عن مبدأ يؤثر الناس الموت على تركه واستشهاده من أجل عقيدة يتمسك بها صاحبها وإلا لما افترق موت المسيح عن موت الشهداء وأصحاب المبادئ والمثل، لكن موت المسيح كان كفارة وفداء عن العقوبة التي وقعت للجنس البشري كله بسقوط وخطية نائبه الأول (آدم) فالصليب هو رافع العقوبة والدين وشاف ومطهر من اللوثة والطبيعة الفاسدة." (٣)
من هنا كان الصلب في نظرهم هو مركز الدائرة وقطب الرحى الذي تدور عليه
стр. 670
النصرانية كلها، ولننظر أهمية الصلب وسفك الدماء عندهم من أجل الخلاص.
الفصل الأول: أهمية الصلب عند النصارى .
يدعي النصارى أن هناك ارتباطًا بين غفران الذنوب وسفك الدماء، وذلك أن أساس غفران الخطايا عندهم هو سفك الدماء. (١)
ففي الرسالة الموجهة إلى العبرانيين يقول الكاتب "٢٢ وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لَا تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ! " (عبرانيين ٩/ ٢٢).
ويقول بولس "الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ" (أفسس ١/ ٧).
يقول باركلي: "وهناك صلة بين الكفارة والذبيحة ففي ناموس العهد القديم كان المخطئ يقدم لله ذبيحة يهدف منها إلى جلب رضا الله وإزالة غضبه ورفع العقوبة عنه، لنفترض أن إنسانا أخطأ، فالخطية تفسد العلاقة بينه وبين الله، ولكي تعود العلاقة السليمة يقدم المخطئ ذبيحة." (٢)
يقول إنسطاسي شفيق" والذبائح كانت جزءا من عبادة الله التي وضعها منذ البدء وعلى ذلك نرى في الكتاب أن هابيل ونوحًا والآباء وإبراهيم وإسحاق ويعقوب قدموا الذبائح" (٣).
والمسيح ابن الله -في نظر المسيحيين- هو الذبيحة الحقيقة التي حصل بها الغفران والخلاص والفداء للبشرية.
يقول حبيب جرجس: "وكلمة الكفارة معناها في الأصل التغطية والستر أي أن خطايانا سترت بواسطة ذبيحة المسيح وكفارته من انتقام العدل الإلهي" (٤)
ويقول باركلي: "إن الذبائح الحيوانية فشلت في تحقيق هذا" ١٦ لأَنَّكَ لَا تُسَرُّ بِذَبِيحَةٍ وَإِلَّا فَكُنْتُ أُقَدِّمُهَا. بِمُحْرَقَةٍ لَا تَرْضَى." (مزمور ٥١/ ١٦).
"٦ بِمَ أَتَقَدَّمُ إِلَى الرَّبِّ وَأَنْحَنِي لِلإِلهِ الْعِليِّ؟ هَلْ أَتَقَدَّمُ بِمُحْرَقَاتٍ، بِعُجُول أَبْنَاءِ سَنَةٍ؟