والملابس الجميلة، ويظهرن قُرعًا جزاء ما كشفنه من شعورهن وتكوى أجسادهن بالنار لما أبدينه من جمالهن.
ويقول القس متى المسكين: (١)
كانت المرأة اليهودية مغطاة الرأس بحيث لا تظهر معالم وجهها على الإطلاق، حبيسة المنزل، تحت سلطان زوجها أو أبيها. ويؤكد ذلك ما قامت به رفقة زوجة إسحاق عندما قابلته لأول مرة: وَقَالَتْ لِلْعَبْدِ: "مَنْ هذَا الرَّجُلُ الْمَاشِي فِي الْحَقْلِ لِلِقَائِنَا؟ " فَقَالَ الْعَبْدُ: "هُوَ سَيِّدِي". فَأَخَذَتِ الْبُرْقُعَ وَتَغَطَّتْ. (التكوين ٢٤: ١٥، ١٦).
والحجاب مذكور في الإنجيل:
في رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس (١١/ ١٣ - ١٤)
قال: احْكُمُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: هَلْ يَلِيقُ بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُصَلِّيَ إِلَى اللَّه وَهِيَ غَيْرُ مُغَطَّاةٍ؟ ١٤ أَمْ لَيْسَتِ الطَّبِيعَةُ نَفْسُهَا تُعَلِّمُكُمْ أَنَّ الرَّجُلَ إِنْ كَانَ يُرْخِي شَعْرَهُ فَهُوَ عَيْبٌ لَهُ؟ ١٥ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ إِنْ كَانَتْ تُرْخِي شَعْرَهَا فَهُوَ مَجْدٌ لَهَا، لأَنَّ الشَّعْرَ قَدْ أُعْطِيَ لَهَا عِوَضَ بُرْقُعٍ.
ويقول أيضًا: احكموا في أنفسكم. هل يليق بالمرأة أن تصلي إلى اللَّه وهي غير مغطاة.
وكانت الكنيسة في القرون الوسطى تخصص جانبًا منها للنساء حتى لا يختلطن بالرجال.
قال الكونت هنري دي كاستري:
(ربَّما كان الإنجيل أكثر تدقيقًا في التشديد -يعني في الحجاب- ولكنه لا يعمل به إلا قوم خصهم اللَّه بمواهب الكمال) اهـ من كتاب (الإسلام خواطر وسوانح).
ليس للمسيحية لبس خاص للمرأة أي: له شروط خاصة، ولكن اللبس يشترط فيه الحشمة والوقار، ويلاحظ أن لبس الراهبات في المسيحية فيه بعض التشابه للبس المسلمات المفروض شرعًا، كما أن المسيحية لا تجيز أي أنواع الزينة للوجه، كما لا تجيز إجراء أي تعديلات في الوجه بالماكياج أو العمليات الجراحية.
стр. 6092
يقول بطرس داعيًا النساء بالحشمة: وَلَا تَكُنْ زِينَتُكُنَّ الزِّينَةَ الْخَارِجِيَّةَ، مِنْ ضَفْرِ الشَّعْرِ وَالتَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَلِبْسِ الثِّيَابِ، ٤ بَلْ إِنْسَانَ الْقَلْبِ الْخَفِيَّ فِي الْعَدِيمَةِ الْفَسَادِ، زِينَةَ الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ، الَّذِي هُوَ قُدَّامَ اللَّه كَثِيرُ الثَّمَنِ. ٥ فَإِنَّهُ هَكَذَا كَانَتْ قَدِيمًا النِّسَاءُ الْقِدِّيسَاتُ أَيْضًا المُتَوَكِّلَاتُ عَلَى اللَّه، يُزَيِّنَّ أَنْفُسَهُنَّ خَاضِعَاتٍ لِرِجَالهِنَّ، ٦ كَمَا كَانَتْ سَارَةُ تُطِيعُ إِبْرَاهِيمَ دَاعِيَةً إِيَّاهُ "سَيِّدَهَا". الَّتِي صرْتُنَّ أَوْلَادَهَا، صَانِعَاتٍ خَيْرًا، وَغَيْرَ خَائِفَاتٍ خَوْفًا الْبَتَّةَ. (بطرس ٣: ٣ - ٦).
كما يوصى بولس في تيموثاوس (٢: ٩ - ١٠): وَكَذلِكَ أَنَّ النِّسَاءَ يُزَيِّنَّ ذَوَاتِهِنَّ بِلِبَاسِ الْحِشْمَةِ، مَعَ وَرَعٍ وَتَعَقُّل، لَا بِضفَائِرَ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ لآلِئَ أَوْ مَلَابِسَ كَثِيرَةِ الثَّمَنِ، بَلْ كَمَا يَلِيقُ بِنِسَاءٍ مُتَعَاهِدَاتٍ بِتَقْوَى اللَّه بِأَعْمَال صَالِحَةٍ.
كما توصى التعاليم الدسقولية (١) بعدم التزين للغرباء: فإذا أردت أن تكوني مؤمنة وأن ترضي اللَّه أيتها المرأة لا تتزيني لترضي رجلًا غريبًا، ولا تشتهى أن تلبسى مقانع وثيابًا وأحقافًا، هذه التي تليق بالزانيات ليتبعك الذين هكذا يُصادون بهذه الأعمال.
المسيحية لا تؤمن بادعاء النساء: أن الزينة من أجل الزينة وتحذر من الفتنة الناتجة عنها: ولكن أيضًا تزينت فقط من أجل الزينة والجمال، فلن تفلتي من الحكم، غضب اللَّه والتشبه بالزانيات، لأنك من جهة هذا تلزمين آخر ليتبعك ويشتهيك فتحفظى لكيما لا تقعي في الخطيئة ولا أيضًا ينشكك آخرون لأجلك. (٢)
وتحرم المسيحية النظرة الحرام (متى ٥: ٢٨): إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ.
стр. 6093
وتحرم المسيحية الصوت العالي أو المتصنع للمرأة يقول بولس (١ كورنثوس ١١: ١١): ليصمت نساؤكم في الكنائس، لأن ليس مسموحًا أن يتكلمن، بل يخضعن كما يقول الناموس.
تغطية رأس المرأة من الاحترام والتقديس:
يقول بولس آمرًا النساء (١ كورنثوس ١١: ٦): (إِذِ الْمَرْأَةُ، إِنْ كَانَتْ لَا تَتَغَطَّى، فَلْيُقَصَّ شَعَرُهَا. وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُقَصَّ أَوْ تُحْلَقَ، فَلْتَتَغَطَّ.)؛ ولذلك كانت وصايا آباء المسيحيين عن الاحتشام حتى في الاحتفال بالعرس.
يقول يوحنا (١) في العظة رقم ٢ على الرسالة الأولى كورنثوس:
حتى يحذر المسيحيين مما قد يؤدي إليه حفل الزواج من إفساد للنقاوة الأخلاقية للمرأة المسيحية ويعرضها للخطر: (. . . ولكن عندما تجرى احتفالات الزفاف تحدث أشياء تدعوا للسخرية والضحك. . . فهناك رقص وصنوج وآلات للنفخ وأغنيات وكلمات هابطة وسكر حتى الثمالة ثم يتم تقديم كل تفاهات الشيطان).
ثم يوضح تأثير ذلك على العروس فيقول: (كيف لا توجه أقسى أنواع الإدانة لتلك العادات التي تجبر عذراء عاشت طوال حياتها داخل نطاق منزلها، وعُلمت دروس الحياء، منذ نعومة أظافرها، أن تتخلى فجأة عن حياتها تمامًا، لكي تتعلم أن تنزع برقع الحياء منذ بداية زواجها، وأن توضع وسط رجال شهوانيين أجلاف دنسين ومخنثين؟ )
وقد أوضح أنه لا ينقد الزواج ولكن ما يصاحبه من شرور فقال: أنتقدُ مجموعة الشرور المصاحبة لصحوة الزواج، وعمل الماكياج، وظلال العيون، وكل الأشياء غير الضرورية من هذا القبيل، حقًا فمنذ ذلك اليوم فإنها سوف تصبح مطمعًا للعشاق قبل أن تكن محط أنظار عريسها المقبل.
وفي يوم من الأيام حكمت الكنيسة الأرثوذكسية بحرمان المرأة حقها في المجتمع! فحظرت عليها حضور المآدب والحفلات، وألزمتها الحجاب صامتة صابرة، لا شأن لها
стр. 6094
إلا الطاعة للزوج، والقيام بالغزل والنسيج، وطهي الطعام، وإذا خرجت من بيتها خرجت مستورة الجسم من قمة رأسها إلى أخمص قدمها.
ولعله لهذا بقيت آثار البرقع والحجاب عند أهل الكتاب حتى يومنا هذا، وذلك واضح في زي راهبات النصارى، ودخول النصرانيات الكنيسة، وقد غطين رءوسهن بساتر، بل هن حتى اليوم في حفلات أعراسهن يغطين وجوههن بنقاب شفاف فلعله من بقايا دينهم.
الوجه الثاني: إثبات الحجاب في الحضارات القديمة .
إن كلَّ قارئ للتاريخ، فضلا عن أن يكون منقِّبًا في صفحاته ليعلم أن حجاب المرأة كان معروفًا قبل الإسلام بقرون عديدة.
١ - اليونان .
ففي الحضارة اليونانية قبل انهيارها كان الحجاب معروفًا للمرأة، وكان عفاف المرأة وتصونها من أغلى ما يعتز به المجتمع اليوناني قبل أن تنهار حضارته (١).
стр. 6095
وكان حجاب المرأة شائعًا في البيوتات العالية، بل كانوا يبنون بيوتهم على أساس الفصل التام بين الرجال والنساء، لكلِّ بيت ما يخصه.
ولما أخذت هذه الحضارة في الانهيار كان من بين أسباب انهيارها أن التقيد بالحجاب لم يعد معمولًا به، وإنما حل محله التبرج والفسوق حتى أصبحت العاهرات في مكانة مرموقة، وأصبحت بيوت العاهرات تقصد من سائر طبقات المجتمع، بل إن المومسات أصبحن خوادم للمعابد وسمي بغاؤهن بالبغاء المقدس.
٢ - الرومان .
وكان الرومان في بعض فترات حضارتهم يسنون القوانين التي تحرم على المرأة الظهور بالزينة في الطرقات، بل كان من قوانينهم قانون أوبيا الذي يحرم على المرأة المغالاة في الزينة حتى ولو كانت في البيت.
ثم تساهلت هذه الحضارة في حجاب المرأة وتركت للمرأة حبل التبرج على غاربه فكان الفسق والفجور، وكان ذلك إيذانًا بانهيار الحضارة فانهارت.
وكانت النساء الرومانيات مغاليات في الحجاب في العهد الأول للجمهورية، حتى إن القابلة كانت لا تخرج من دارها إلا مخفورة، ووجهها ملثم، وعليها رداء طويل يلامس كعبيها، وفوقه عباءة لا تبدي شيئًا من قوامها، ثم تغيرت الحال في عهد الإمبراطورية، حتى هالت بعض المصلحين، وهب ينذر بالخطر المحدق الذي سيلتهم كل شيء.
٣ - الفرس .
стр. 6096
كذلك عرف الفرس القدماء الحجاب، وعَدُّوا كشف المرأة أو الرجل عن شيء من جسده غير الوجه مظهرًا منافيًا للاحتشام والأدب، وكانت النساء يغطين أجسامهن من قمة الرأس إلى أخمص القدم، وبعد حكم دارا الأول كان احتجاب نساء الطبقة الراقية عن المجتمعات نظامًا ضروريًا مراعى، فصرن لا يجسرن على الخروج إلا في هوادج تغطيها الستائر، وحظر عليهن أن يخالطن الرجال في مجتمع خاص أو عام، بل لقد منعت المتزوجات من رؤية أدنى الرجال إليهن قرابة حتى الآباء والأخوة، ونشأ عن ذلك أننا لم نجد للنساء ذكرًا أو صورًا في النقوش أو التماثيل التي خلفتها إيران القديمة، أما الخليلات والمحظيات فكن على ضد ذلك، يتمتعن بحرية عظيمة؛ لأن المفروض فيهن أنهن يرفهن عن مواليهن وضيوفهم.
٤ - الهنود .
وشاع الحجاب عند الهنود أيضًا، حتى في عصر المهابراتة.
٥ - الأثينيون القدماء .
وعرفه الأثينيون القدماء، وقد ورد في الإلياذة قول هكتور: (لست أرضى الغار إذا اشتجرت النصول بين الطرواديين والطرواديات الطويلات النقاب) ومن هذا، ومن ذكر قناع إيقاب، وبرقع هيلانة، وبراقع النساء والربات، نعرف أن اليونانيات استعملن النقاب.
على أنه ما زال شائعًا إلى العصور الوسطى وما بعدها، وما زالت له آثار، ولم تغير منه النصرانية شيئًا، لذلك كان ذائعًا في الدولة البيزنطية، وإن لم يكن عامًا.
٦ - آشور القديمة .
وكذلك عُرف الحجاب في آشور القديمة. (١)
стр. 6097
٧ - العصر الجاهلي للعرب .
وعرف أيضًا في العصر الجاهلي للعرب. (١)
стр. 6098
الوجه الثالث: الفطرة السليمة التي خلق اللَّه عليها العباد تجعلهم يواروا عوراتهم
إن اللَّه خلق الناس على الفطرة، والفطرة السليمة تجعل الإنسان يواري عورته من غير حاجة إلى آيات أو أحاديث وبدون أوامر أو نواهٍ مثلما حدث مع أبينا آدم وأمُّنا حواء، حيث يقول اللَّه : ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ (طه: ١٢٠) فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما. حينما عصى سيدنا آدم وزوجته ربهما ظهر شؤم المعصية فظهرت عوراتهما فماذا صنعا بفطرتهما ﵉؟ يقول بعد الآيات السابقة موضحًا الإجابة على هذا السؤال: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ
стр. 6099
عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ (الأعراف: ٢٢).
أخذ كل منهما من ورق الجنة؛ ليستر به ما ظهر من عورته، وهكذا تكون الفطرة.
ويقول سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ (الأعراف: ٢٧).
فما حدث لآدم ﵇ مع عدوه إبليس نرى أن الحياء من التعري وانكشاف السوءة شيء مركوز في طبع الإنسان وفطرته، ويحكي اللَّه عن قصة بلقيس مع سيدنا سليمان ﵇ حينما دخلت الصرح وظنت أن به ماء ولم تكن تعرف أنه زجاج، فماذا فعلت قال تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ (النمل: ٤٤) والكشف عن الساق يدل على أن بلقيس كانت ترتدي ملابس طويلة وكانت محجبة، هذا على الرغم من أنها لم تسمع آيات ولا أحاديث، بل كانت كافرة، ولكن كانت ذات فطرة سليمة.
وكل هذه الآيات توحي بأهمية هذه المسألة وعمقها في الفطرة البشرية، فاللباس، وستر العورة: زينة للإنسان، وستر لعوراته الجسدية، كما أن التقوى لباس وستر لعوراته النفسية.
والفطرة السليمة تنفر من انكشاف سوءاخهما الجسدية والنفسية، وتحرص على سترها ومواراتها، والذين يحاولون تعرية الجسم من اللباس، وتعرية النفس من التقوى ومن الحياء من اللَّه، ثم من الناس. والذين يطلقون ألسنتهم، وأقلامهم، وأجهزة التوجيه والإعلام كلها لتأصيل هذه المحاولة -في شتى الصور والأساليب الخبيثة- هم الذين يريدون سلب الإنسان خصائص فطرته، وخصائص إنسانيته، التي بها صار إنسانًا متميزًا عن الحيوان.
قال ﵎: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ (الإسراء: ٧٠).
إن العري فطرة حيوانية، ولم تزل الحيوانات في انكشاف منذ خلقت، لم يتغير حالها
стр. 6100
يومًا، بعكس الإنسان الذي يصحَّ أن نَصِفَهُ بأنه حيوان مستور. وهذه الفطرة الحيوانية لا يميل الإنسان إليها إلا وهو يرتكس إلى مرتبة أدنى من مرتبة الإنسان.
إن رؤية العُرْي والتكشف جمالًا هو انتكاس في الذوق البشري قطعًا، ومؤشر واضح يبين انتشار التخلف في المجتمع البشري.
وحتى هؤلاء الذين يتشدقون بالتقدم المزعوم، يقولون:
إن الإنسان بدأ حياته على طريقة الحيوان عاريًا من كل ستر إلا شعره، ثم رأى أن يستر جسمه بأوراق الشجر، ثم بجلود الحيوانات، ثم جعل يترقى في مدارج الحضارة حتى اكتشف الإبرة، وابتدع وسيلة الحياكة، فاستكمل ستر جسمه.
وهكذا كانت نزعة التستر وليدة التقدم المدني، فكل زيادة في هذا التقدم كانت مؤدية إلى زيادة في توكيد الحشمة، وكل خلل في كمال الستر عنوان التخلف والرجعية.
وآية ذلك أن المتخلفين في أواسط أفريقيا عراة، وحين تشرق حضارة الإسلام في هذه المناطق، يكون أول مظاهر هذه الحضارة اكتساء العراة، وانتشالهم من وهدة التخلف، والتسامي بهم إلى مستوى الحضارة بمفهومها الإسلامي الذي يستهدف استنفاذ خصائص الإنسان وإبرازها.
الشبهة الثانية: الحجاب فيه كبت للطاقة الجنسية عند الشباب .
تقول هذه الشبهة: بأن الطاقة الجنسية في الإنسان طاقة كبيرة وخطيرة، وخطورتها تكمن في كبتها، وزيادة الضغط تولد الانفجار، وحجاب المرأة يغطي جمالها وبالتالي فإن الشباب يظلون في كبت جنسي يكاد أن ينفجر؛ أو ينفجر أحيانًا على شكل حوادث اغتصاب وغيرها، والعلاج لهذه المشكلة إنما يكمن في المرأة من هذا الحجاب؛ لكي ينفس الشباب الكبت الذي فيهم، وبالتالي يحدث التشبع لهذه الحاجة، فيقل طبقًا لذلك خطورة الانفجار بسبب الكبت والاختناق.
والرد على هذه الشبهة من هذه الوجوه:
الوجه الأول: حال المجتمع الذي نادى بالتبرج لإخراج الكبت النفسي عند الشباب .
стр. 6101
لو أن الحجاب يسبب الكبت الجنسي عند الشباب لكانت أمريكا والدول الأوربية وما شاكلها هي أقلّ الدول في العالم في حوادث الاغتصاب والتحرش في النساء وما شاكلها من الجرائم الأخلاقية.
ذلك لأن أمريكا والدول الأوربية قد أعطت هذا الجانب عناية كبيرة جدًّا بحجة الحرية الشخصية إلى درجة أنك ترى المجلات الخليعة تباع في كل مكان، وبرامج التلفزيون مليئة بالبرامج الخليعة والمثيرة جنسيًا، والمرأة هناك إذا ما أقبل الصيف فإنها تخلع ثيابها وتبقى بالمايوه؛ لتستحم على شاطئ البحر، فماذا كانت النتائج التي ترتبت على هذا الانفلات والإباحية، هل قلت حوادث الاغتصاب؟ وهل حدث التشبع الذي يتحدثون عنه؟ ! وهل حُميت المرأة من هذه الخطورة؟ !
في كتاب تصدره الفيدرالية في أمريكا يقول الكتاب: إنه تتم جريمة اغتصاب بالقوة، كل ستة دقائق في أمريكا، وهو يتحدث في سنة (١٩٨٨) ويعني بالقوة، أي تحت تأثير السلاح.
وفي نفس الكتاب يعرض لنا الإحصائية التالية:
في سنة ١٩٧٨ كانت عدد حالات الاغتصاب في أمريكا (٣٨٩.١٤٧) ألف حالة.
في سنة ١٩٧٩ كانت عدد حالات الاغتصاب في أمريكا (١٣٤.١٦٨) ألف حالة.
في سنة ١٩٨١ كانت عدد حالات الاغتصاب في أمريكا (٤٥.١٨٩) ألف حالة.
في سنة ١٩٨٣ كانت عدد حالات الاغتصاب في أمريكا (٦٩١.٢١١) ألف حالة.
في سنة ١٩٨٧ كانت عدد حالات الاغتصاب في أمريكا (٧٦٤.٢٢١) ألف حالة. (١)
وهذه الإحصائية وما يشابهها من أخبار موثقة تدل على ازدياد معدل الجريمة الجنسية في تلك البلاد ما هي إلا بمثابة تفسير عملي لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾ (الأحزاب: ٥٩).
стр. 6102
وهذه إحصائيات قديمة ونحن اليوم في عصر الانفتاح الإعلامي وانتشار شبكة الإنترنت في البيوت.
يقول الأستاذ محمد رشيد العويد: (١)
حين هاجم الداعون إلى التحرر -بل التحلل- من خلق العفة، قالوا: إنها -أي العفة- تسبب الكبت، والكبت يسبب العقد النفسية.
وحين يحاربون هذا الكبت، لينقذوا المجتمع منه، دفعوا المرأة إلى الخروج من بيتها سافرة بزينتها، ودعوا إلى الاختلاط، قالوا إن الاختلاط يجعل الأمور عادية، فلا ينظر الرجل إلى المرأة نظرة شهوة، فهي معه في كل مكان، في الشارع والعمل، وسيارة المواصلات العامة.
وصدق من صدق، فبعد أن كان من يدعو إلى هذا واحدًا أو اثنين، صاروا خمسة وستة، ثم صارت لهم مجلات وصحف وجمعيات، تحمل دعوتهم وتروج لها.
وتصدى لهم أهل الصلاح والتقوى، من الشيوخ والعلماء، حذروا من مغبة هذه الدعوات، وذكروهم بأنها تخالف شرع اللَّه، وكل ما خالف شرع اللَّه فهو باطل. . ولا يأتي بخير.
ومضى أهل الباطل في دعواتهم الفاسدة، يمدهم شياطين الإنس والجن، يمدونهم بما يعينهم على ما مضوا فيه، وذهبوا إليه، حتى مكنوهم مما أرادوا. . وكان ما كان من نتائج مفزعة، أيقظت من كان غافلًا، ونبهت من كان سادرًا، فبدأت دعوات الخير تقوى، وأصوات الحق ترتفع، وعادت ملايين المسلمات إلى دينهن، وحجابهن، قبل فوات الأوان. والصحوة الإسلامية ماضية إن شاء اللَّه، حتى يقوم المجتمع الإسلامي كما أراده اللَّه.
ونريد هنا، أن نبين لدعاة الباطل أي كارثة كانوا يسوقون إليها مجتمعاتنا، وأي غابية رهيبة كانت ستؤول إليها. . لولا لطف اللَّه وعنايته. سنجبلهم إلى المجتمع الغربي الذي انطلقت، أول ما انطلقت، دعواتهم فيه، فمنه صدرت نظريات فرويد في رد كل شيء إلى الجنس،
стр. 6103
والكبت الجنسي، ومنه -من الغرب- انطلقت دعوات الحرية الجنسية، والاختلاط، والتحلل. . فهل نجحوا في تهذيب المشاعر، وتلطيف الغريزة الجنسية، كما كانوا يزعمون؟ ! .
الاختلاط عندهم في المدارس والجامعات، في المؤسسات والشركات، في المحال والمنتديات. والمرأة عندهم تخرج كما تشاء، وتلبس ما تشاء، تستر ما تشاء وتكشف ما تشاء. والقانون لا يحاسبها إذا زنت ما دامت راضية، كما لا يحاسب الشاب كذلك. اليس هذا ما أرادوه؟
حسن. النتيجة التي أرادوها لهذا، وهي تلطيف المشاعر الجنسية، لم تتحقق! بل العكس، اكتسبت طبيعة حيوانية بشعة في صورة: الاغتصاب في الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من نصف مليون عملية اغتصاب سنويًا.
وفي مدينة لوس أنجلوس -التي أصبحت تشتهر بأنها عاصمة حوادث الاغتصاب في العالم- تشير الإحصائيات إلى أن واحدة من كل ثلاث فتيات في سن ١٤ عامًا معرضة للاغتصاب في تلك المدينة. وفي عام واحد أدخل إلى غرف الطوارئ، في مستشفيات المدينة، ٣٦٤٦ ضحية اغتصاب أي: عشر حوادث اغتصاب كل يوم في مدينة واحدة!
لقد بلغت الحالة ذروتها من السوء إلى حد دفع لحاكم ولاية كاليفورنيا أن يعلن في حديث تلفزيوني حربًا لمدة عشر سنوات بكلفة خمسة مليارات دولار لمكافحة الجريمة.
وقال: إن مستوى الخوف، ودرجة العنف البشعة ضد الصغار والكبار على حد سواء، أوجدت جوًا من شأنه تعويض حقنا الأساسي في أن نكون أحرارًا في مجتمعنا.
وتأملوا عبارته الأخيرة: (أن نكون أحرارًا في مجتمعنا)، فهذا هو المفهوم الحقيقي للحرية، فحين أكون آمنًا فأنا على قدرٍ كبيرٍ من الحرية، أما حين تكون زوجتي وابنتي وأختي مهددات بالاغتصاب، فأي حرية هذه؟ !
ولننتقل إلى أوروبا، لنقرأ في ملفات الأمن عن بعض حوادث الاغتصاب، إنهم يقولون: إن مرتكبي جرائم الاغتصاب كثيرًا ما يكونون أناسًا عاديين سنحت لهم الفرصة فلجؤوا إلى الاغتصاب، أي: أنهم لم يكونوا ليغتصبوا لو لم تكن المرأة قريبة منهم.
стр. 6104
واقرأوا هذه الأمثلة كما يوردها تقرير من البوليس الفرنسي:
(. . . المغتصبون ليسوا دائمًا من الشاذين أو المتخلفين عقليًا، ومن هنا يزداد حجم الرعب في أوساط النساء من كل الأعمار، حتى أولئك اللواتي تجاوزن سن الأربعين. وتزداد معه حيرة علماء النفس وعلماء الاجتماع أو خبراء الجريمة خصوصًا.
وهم يأخذون -كعينة- ذلك المواطن في مدينة غرينوبل (٣٧ سنة) فهو أب لتسعة أولاد، ومع ذلك اشتهر في سجلات البوليس كمدمن على الاغتصاب فقد ارتكب في عام ١٩٦٧ م أربعين حادث اغتصاب منها أربعة حوادث في يوم واحد، وجميع المغتصبين أناس عاديون لا يشكون أي مرض، ومع ذلك استطابوا الجنس القهري، وكأنه أصبح موضة العصر، تُرى هل هم كثير والعدد أولئك المجرمون بالمغامرة؟ .
تجيب كوليت دومار غريبة المحامية المتخصصة في جرائم الاغتصاب بقولها: لم يعد هناك حالات استثنائية. . إن الأمر يكاد يكون موجة واسعة الانتشار.
والبوليس الفرنسي يلاحق آلافًا من مرتكبي جرائم الاغتصاب كل عام، ولكنه لا يلقي القبض في النهاية إلا على نسبة ضئيلة، كذلك فإن ثماني فتيات من كل عشر فتيات يرفضن الادعاء المغتصب. وهناك تقرير مبدئي يقول: إن عدد النساء المغتصبات في فرنسا كل عام أكثر من مائة ألف امرأة.
وهناك أزمة غطاء أمني إزاء ترويع النساء وخطفهن والاعتداء عليهن. فقد تقدمت الفتاة الباريسية (سيلفي) إلى قسم البوليس في المنطقة السابعة من باريس بشكوى ضد مجهول اعتدى عليها بقوة السلاح، وبدلًا من أن يقول لها المفوض: أعطينا أوصافه ودعي الأمر لنا، إذا به يواجهها قائلًا: أنت السابعة منذ الصباح. . فتشي بنفسك عن مهاجمك. . وعندئذ نتدخل! !
هذا هو الاغتصاب في الغرب. . إحدى الثمار الفجة الرمة. . لخروج المرأة من بيتها، سافرة متبرجة، يراها كل الرجال.
стр. 6105
فأين مزاعم الزاعمين بأن الاختلاط يخفف من حدة الغرائز الجنسية، أين دعاوى المدعين بأن خروج المرأة من بيتها يهذب الشهوات الجنسية. .؟ !
وهذا معناه أن المتبرجة التي أبدت مفاتنها وأبرزتها لكل غاد ورائح معرضة للأذى من قبل ذئاب البشر؛ لأنها بذلك تثير الشهوات الكامنة، أما المتحجبة فإنها تخفي تلك المفاتن والزينة فلا يرى منها إلا الكف والوجه في قول، وفي قول آخر: لا يرى منها شيء سوى العين، فأي شهوة تثيرها تلك المتحجبة، وأي غريزة تحركها تلك المتغطية. واللَّه شرع الحجاب ليكون حماية للمرأة من الأذى؛ لأنه يعلم بأن التبرج دعوة إلى زيادة الجرائم الجنسية بما يحرك من الغرائز الساكنة.
وأمام الذين يصرون بعد ذلك على تلك الشبهة، ويعتقدون صوابها أربع حقائق وهي:
الحقيقة الأولى: أن الإحصائيات تكذبهم.
الحقيقة الثانية: أن الغريزة الجنسية موجودة في الرجال والنساء، وهي سر إلهي أودعه اللَّه في الرجل والمرأة لحكم كثيرة منها: استمرار النسل، ولنا أن نتخيل لو لم توجد هذه الغريزة، ثم يطلب من الرجال أن يتصرفوا طبيعيًا أمام مناظر التكشف والتعري دونما اعتبار لوجود تلك الغريزة.
الحقيقة الثالثة: أن الذي يثير الرجل هو رؤيته لمفاتن المرأة سواء وجهها أو باقي مواضع الإثارة فيها، ولا يمكن أن يصادم الفطرة التي خلقه اللَّه عليها فتخبو شهوته عند رؤية ما يثير.
الحقيقة الرابعة: إن الذي يدَّعي أنه يمكن معالجة الكبت الجنسي بإشاعة مناظر التبرج والتعري ليحدث التشبع، فإنه بذلك يصل إلى نتيجتين:
الأولى: أن هؤلاء الرجال الذين لا تثيرهم الشهوات والعورات البادية، من فئة المخصيين، فانقطعت شهوتهم فما عادوا يشعرون بشيء من ذلك الأمر.
стр. 6106
الثانية: أن هؤلاء الرجال الذين لا تثيرهم العورات الظاهرة من الذين أصابهم مرض البرود الجنسي.
فهل الذين يدعون صدق تلك الشبهة يريدون من رجال أمتنا أن يكونوا ضمن إحدى هاتين الطائفتين من الرجال؟ ؟ ! (١)
الوجه الثاني: كيف واجه الإسلام المشاكل الجنسية عند الشباب ؟ (٢)
هدف الإسلام الأساسي في علاج المشكلة الجنسية هو مبدأ سد الذرائع، ومبدأ الوقاية خير من العلاج، منعًا للإثارة المؤدية إلى الفساد، لقد حرَّم الإسلام التكشف وإظهار الزينة والاختلاط، كل ذلك حفاظًا على نظافة الأسرة المسلمة من أن ينحدر بعض أفرادها في بؤرة الفساد؛ وأقول: بعضها لا كلها؛ لأن مقاومة البعض ضعيفة أمام المغريات والمثيرات وإن الإسلام حين وضع هذه القاعدة كان حريصًا على أن لا تشذ حتى ولو أسرة واحدة؛ لكي يبقى المسلمون جميعهم مثالا في الاستقامة والنصاعة والسمو والشرف والنقاء؛ لأن وجود بؤر الفساد في المجتمع الإسلامي إنما هو نذير بانتشار الفساد وعمومه.
يقول سيد قطب: إن الميل الفطري بين الرجل والمرأة، ميل عميق في التكوين الحيوي؛ لأن اللَّه قد ناط به امتداد الحياة على هذه الأرض، وتحقيق الخلافة لهذا الإنسان فيها وهو ميل دائم يسكن فترة ثم يعود، وإثارته في كل حين تزيد عراقته وتدفع به إلى الإفضاء المادي للحصول على الراحة فالنظرة تثير والضحكة تثير، والحركة تثير والدعابة تثير والنبرة المعبرة عن هذا الميل تثير، والطريق المأمون هو تقليل هذه المثيرات بحيث يبقى هذا الميل في حدود طبيعته، هذا هو المنهج الذي اختاره الإِسلام مع تهذيب الطبع وشغل الطاقة البشرية بهموم أخرى في الحياة. غير تلبية دافع اللحم والدم، فلا تكون هذه التلبية هي المنفذ الوحيد! . (٣)
стр. 6107
لقد أصاب سيد قطب رحمه اللَّه تعالى في وصفه لهذا الميل قال الرسول ﷺ : "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء وإن فتنة بني إسرائيل كانت من النساء". (١)
ذلك لأن الميل الجنسي بين الرجل والمرأة من فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها، فكما أن فطرة الطعام ضرورية للحياة والنماء فكذلك فطرة الجنس ضرورية لبقاء النوع واستمرار الحياة.
هذا الشد والجذب إلى الطعام وإلى الجنس لا يتوقف بعد تناوله أو ممارسته، فهو يحرك هاتين الشهوتين بعد زمن طال أم قصر فيشعر الإنسان بالرغبة إليهما كلما حركهما منظر الطعام أو النساء.
ولا تهدأ هذه الرغبة بكثرة الاختلاط كما يدعي المخالطون، فكما لا تهدأ الرغبة إلى الطعام بالنظر إليه حين يجوع الإنسان، كذلك لا تهدأ الرغبة إلى الجنس باعتياد النظر إليه، وكما تثير رائحة الطعام الذكية شهوة الإنسان الشبع إلى الطعام وإن أخره عن تناوله الشبع كذلك يثير تكشف المرأة رغبة الرجل إليها، وإن منعه من هذا اللقاء الحياء والأخلاق والدين وكلما كانت عوامل الإثارة قوية كالبسمة الجذابة والحركة المثيرة ومنظر اللحم المكشوف والثوب المحجم الشفاف، كلما كان الاندفاع قويًا والإقدام على مخالفة القيم والاستعداد لارتكاب الفاحشة ممكنًا، وصدق اللَّه العظيم حين وصف موقف سيدنا يوسف من امرأة العزيز فقال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (يوسف: ٣٣)، ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ (يوسف: ٥٣).
وفي أحد أقوال المفسرين أنه من قول يوسف ﵇، والاختلاط إما أن يؤدي إلى إثارة شهوة الجنسين وزيادة حدتها، فيتحول الاتصال إلى فوضى لا ضابط لها، كما هو الأمر في أوربا وروسيا، وفي كل مجتمعات الخلط، وإما أن يؤدي هذا الاختلاط والابتذال إلى التآلف بين الجنسين فينتهي إلى البرود الجنسي وهذان أمران أحلاهما مر.
стр. 6108
الشبهة الثالثة: اتكالهم على أن العبرة بالأخلاق وليس بالثياب .
قالوا: إن تربية المرأة تنبع من الباطن، فالفتاة التي تربت ونشئت على الأخلاق الفاضلة لن يشرد بها عن الفضيلة شكل الثوب الذي ترتديه، كما أن الفتاة التي نشأت على الانحراف وربيت بعيدة عن الفضيلة، لن تكسبها الفضيلة جلباب سابغ ترتديه، أو خمار تديره على أطراف وجهها أو حتى نقاب تسدله عليه، وربما ضربوا أمثلة وهمية أو صحيحة بفتيات متحجبات وربما متنقبات، ضبطن بأعمال وسلوكيات شائنة.
الجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه:
الوجه الأول: كلام حق أريد به باطل .
نقول: صحيح أن التربية تنبع من الباطن، ولا تلتصق عن طريق ثياب من الخارج، وما كان لشكل الثياب أو نوعها أن يقوم يومًا ما مقام التربية ومناهجها.
ولكن من الذي قال لكم، من علماء الشريعة الإسلامية: إن الحجاب إنما شرع ليكون ضابط خلق وأداة تربية سلوكية للفتاة، أو في أي مصدر من مصادر الشريعة الإسلامية عثرتم على نص يؤكد ذلك؟
إن هذا الافتراض الوهمي الذي لا يوجد أي سند له، ينطبق على المثل العربي القائل: زنَّاه فحده. (١)
الوجه الثاني: من الحكم التي شرع من أجلها الحجاب إخفاء المثيرات الجنسية والمفاتن الغريزية عند الشباب .
إن الحكمة الباعثة على مشروعية الحجاب تتمثل في ذلك البيان المنطقي الذي أتينا عليه مفصلًا، والذي لا مجال لإدخال أي ريبة فيه، وقد ذكرها القرآن في نص جامع مركز، وهو قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (الأحزاب: ٥٩).
﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ تلك هي الحكمة، هل قرأتموها ووقفتم بأدنى تدبر عندها؟
стр. 6109
الحكمة أن تختفي المثيرات الجنسية والمفاتن الغريزية عن أبصار الرائين والناظرين إليها من الرجال، فلا يستثيرهم منها شيء إلى أي تحرش أو إيذاء، ولا يبصروا من الفتاة أو المرأة إلا شريكة معهم في الخدمات الإنسانية، وبذل الجهود الاجتماعية المتنوعة، ما دام المجال الذي يتم فيه التلاقي بينهما مجالًا اجتماعيًا يتداعى فيه الجميع إلى التعاون في بناء المجتمع وإقامة دعائمه الحضارية.
أي أن الحكمة من الحجاب ليست إعانة المرأة بواسطته على الانضباط بالأخلاق الفاضلة، ولكن الحكمة منه إعانة الرجال الناظرين إليها على هذا الانضباط ذاته، وعلى أن ينظروا إليها ويتعاونوا معها إنسانةٌ مثلهم ذات مقومات علمية وثقافية وقدرات اجتماعية، لا على أنها كتلة من المهيجات الغريزية.
الوجه الثالث: ليس عيبًا في الحجاب حينما تتستر واحدة فيه لفعل الفواحش .
نفترض أن في النساء اللائى يمارسن السلوكيات الشائنة، من قد تستر وراء مظهر الحشمة أو الحجاب، ولكن فهل هذا يستوجب -بحكم المنطق- ازدراء الحشمة ومقاومة الحجاب الشرعي؟ !
إن كان الأمر كذلك، فمظاهر السفور والإغراء أولى إذًا بالمقاومة والازدراء، لأن المنحرفات اللائى يجنحن في انحرافهن إلى عرض زينتهن ومفاتنهن، أضعاف المنحرفات اللائى يتسترن في بعض الأحيان بمظهر الحشمة والتستر.
ومع ذلك، فالعجيب أن الحشمة وحدها هي التي توضع من قبل هؤلاء الناس في قفص الاتهام، وتبقى المثيرات والمهيجات التي تعلن عن نفسها، مبرأة عن أي تسبب لتهييج الرجال وإضعاف الوازع الخلقي في نفوسهم، فضلًا عن أن يشار إليها بأي من أصابع الاتهام! ! . (١)
стр. 6110
ولابد من الإشارة هنا إلى أن عفة الفتاة حقيقة كامنة في ذاتها، وليست غطاء يلقى ويسدل على جسمها، وما كان للثياب أن تنسج لصاحبها عفة مفقودة أو تخلق له استقامة معدومة. وما شرع اللَّه حجاب المرأة ليخلق لها هذه العفة والطهارة في أخلاقها، وإنما شرعه محافظة على عفة الرجال الذين قد تقع أبصارهم على مفاتنها، ولو كان المأمول في الحجاب أن يكون -كما يتوهم البعض- مجرد تصعيد لخلق الفتاة وعفتها، إذن لأجازت الشريعة الإسلامية أن تبرز الفتاة المحصنة الخلوقة عارية أمام الرجال كلهم، في أبهى مظاهر الفتنة والجمال (١).
وقد تبين أيضًا أن شرعة الحجاب لا تهدف إلى خلق الفضيلة في كيان الفتاة، أو المرأة المتحجبة. في من عاقل إلا ويعلم أن الثياب والأردية لم تكن يومًا ما لتغني عن أعمال التربية، والتنشئة الفاضلة.
ولكنه إنما شرع حماية لنفوس الرجال الناظرين إليها أن لا تستثيرهم الغرائز، فتحجبهم عن عقلانية المرأة وعن جهودها معهم في الفكر والعلم والبناء، ولكي لا يتيهوا عن مستوى أدبها وشعرها، منحطين إلى ما قد رأوه بأعين غرائزهم، من جمال شعرها، والمثير من زينتها وشكلها.
الشبهة الرابعة: الحجاب مظهر غير حضاري وعائق عن تقدم المرأة .
يقولون: إن شكل الحجاب الخارجي من مظاهر التخلف في المجتمعات، وهو مظهر غير حضاري، ويرددون مثل هذه الألفاظ الإسلام كبل المرأة بأثقال الحجاب. .! الإسلام فرض على المرأة التخلف عندما ألزمها بالحجاب. . تقدم المرأة وتحررها رهن بتحررها من قيود الحجاب. . إلخ.
والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه:
الوجه الأول: التقدم لا يقاس بالمظاهر الخارجية .
стр. 6111
إن التقدم لا يقاس بالمظاهر الخارجية، مثل اللباس والبناء والدواب، والزخارف وغيرها من الأمور الظاهرية، والذي يقيس تقدم المجتمعات بهذه المظاهر الخارجية، فإنه فاقد للموضوعية والمنطق.
والحضارة كلمة تطلق على مجموع الأخلاق والسلوك والقيم لأمة من الأمم، أما المظاهر الخارجية فلا علاقة لها بالحضارة، بل هي من المدنية.
يقول د/ جلال الدين عبد الرحمن: ومما يلزم تغييره جذريًا، ويجب على الأمة أن تبتره من مجتمعاتها سفور المرأة وتبرجها في الطرقات، وكشف عوراتها للناس بدون حياء، غير مكترثة بالأخلاق، ولا متعظة بالأموات، ولا متأثرة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: ٥٩)، وإذا سألناهن عما دفع بهن إلى هذا -زعمت صويحبات يوسف- أن المدنية والمصلحة تقضي أن تتطور المرأة، ولا تتخلف عن ركب الحضارة.
بئست الحضارة هذه التي حطت من قيمة المرأة، بل جعلتها سلعة رخيصة يعف عليها الذباب، تعافها النفوس الأبية، وتنهشها الكلاب الضارية.
ولتحقيق ما أقول فلنستحضر في فكرنا ما نشاهده في الطرقات مما يتعرض له من المعاكسات، وما نراه في مكاتب الموظفين والموظفات، وما يتبادلونه من عبارات تجردت من الحياء، وأصبحت وباء تفر منه الحيية، وتسعد به الخبيثة الدنية، وصدق شوقي إذ يقول:
خدعوها بقولهم حسناء والغواني يغرهن الثناء. (١)
الوجه الثاني: ما هي علاقة الحجاب بالتقدم ؟
والجواب الذي يمليه الفكر الموضوعي المتحرر من الأسبقيات، هو أنه لا تبدو أي علاقة بين الحجاب الذي شرعه اللَّه وبين التخلف، كما أنه لا توجد أي علاقة بينه وبين التقدم، فلم يكن يومًا ما شكل الثوب الذي ترتديه المرأة، أو نظامه، طولًا وقصرًا، أو
стр. 6112
عرضًا واتساعًا، ذا أثر في توجهها العقلي أو نشاطها الإنساني، ومنذ أقدم العصور إلى اليوم كانت البلاد والمجتمعات الإنسانية ذات تقاليد متنوعة ومختلفة جدًّا في هندسة الثياب وأشكالها، بالنسبة لكل من الرجال والنساء معًا، في سمعنا وما سمع أحد، أن تنوع الثياب هذا لعب دورًا في تفاوت تلك الأمم والجماعات في حظوظ التقدم العلمي والحضاري.
إن الثياب التي ترتديها الهنود، رجالًا ونساء، ذات طابع فريد من نوعه، والثياب التقليدية العريقة التي ترتديها نساء اليابان، كانت ولا تزال ذات طابع فريد مختلف، كما أن الثياب التي تستريح إليها الأوربيات والأمريكيات، هي الأخرى ذات طابع مختلف، ولم يشعر أي من هذه الأمم بأن هذا التنوع الكبير في موديلات الثياب، ينبغي أن ينتج عنه تنوع مماثل في درجة التقدم، والحضارات التي سادت يومًا ما، كالحضارة الساسانية والبيزنطية والإسلامية وغيرها، لم تقف عند شيء اسمه مشكلة الثياب، ولم تناقش فيها، بل لم تشعر بها.
فمن أين جاءت ومتى ولدت هذه الحقيقة التي لا علم للعالم كله ولا لتاريخه بها؟
وفي عمق بلادنا العربية: كالشام ومصر، نساء متحجبات، بلغن الذروة في اختصاصات علمية متنوعة، وساهمن إلى أقصى الحد في الأنشطة والخدمات الاجتماعية المتنوعة، فهل أهدرت حشمتهن التي استجبن فيها لحكم اللَّه ، كل ما قد شهد لهن به مجتمعاتهن من الامتياز العلمي والسبق الحضاري والنشاط الاجتماعي، فتحولن في لحظة سحرية عجيبة إلى جاهلات رجعيات متخلفات؟ ! .
كما تبين أن الحجاب بحدوده الشرعية المعروفة، لم يكن يومًا ما عشرة في طريق تقدم، أو عائقًا عن الوصول إلى أعلى قمم العلم والمعرفة.
الشبهة الخامسة: الحجاب فيه حرمان المرأة من إظهار زينتها، وتقييد لحريتها الشخصية .
والجواب على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: وهل حَرَّم الإسلام على المرأة الزينة ؟
هل تقبل المرأة أن تكون سلعة رخيصة يعاينها الجميع، الخسيس والكريم؛ وهل تقبل أن تسلم جسدها لعيون الذئاب البشرية؟
стр. 6113
وهل تقبل أن تكون رخيصة إلى هذه الدرجة؟
والإسلام لا يحرم المرأة من أن تتزين أمام زوجها، وإنما حرم أن تتزين للرجال الأجانب لشيء يرجع إلى مصلحتها أولًا، وهذا يتضح جليًا في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ (الأحزاب: ٥٩).
فهنا يأمر اللَّه نبيه بأن يأمر أزواجه وبناته وكل النساء المؤمنات بأن يتحجبن ويرتدين الملابس الطويلة الواسعة؛ لأن ذلك أحرى أن يعرف أنهن شريفات عفيفات فلا يؤذيهن أحد، لا بكلمة ولا بنظرة، ولا غير ذلك.
الوجه الثاني: حال المرأة المتبرجة والمحجبة وسط مجتمعها .
فانظر إلى الشباب الذي يقف في الطرقات يتربص الفتيات إذا مرت فتاة متبرجة من أمامه يوجه إليها الغمز واللمز، وإذا مرت فتاة محجبة على الهيئة التي أمرها اللَّه بها، فإن هذا الشباب يتوقف تلقائيًا عن المعاكسة أو المضايقة حتى تمر هذه الفتاة التي حفظت اللَّه في نفسها فحفظها من غيرها.
يقول الشيخ الشعراوي: سألتني صحفية إنجليزية لماذا يمنع الدين الإسلامي المرأة من أن ترتدي ما تشاء؟ لماذا يقيد حريتها في أن تختار ثيابها، وترتدي ما تحب، أليست هذه حرية شخصية للمرأة؟
قلت: قبل أن أجيب على هذا السؤال، لابد أن نتفق على نقطة هامة، هي أنه ليس لإنسان يعيش في مجتمع ما يسمى بالحرية المطلقة، فلابد أن تكون حريته حرية نسبية لا تعتدي على حريات الآخرين، وبعيدًا عن مخالفة الدين وتعاليمه.
هل تستطيعين أنت أن تفعلي ما تريدين؟ إذا أردت أن تمشي في الطريق العام بدون ملابس على الإطلاق، فهل يمكنك ذلك بدعوى أنك حرة تفعلين ما تشائين؟ !
стр. 6114
إذا أردت أن تستمعي إلى موسيقي عالية بعد منتصف الليل، فهل تستطيعين أن تستمعي إلى الراديو في أعلى صوت؟ أو إذا أردت أن تصلحي شيئًا في منزلك والناس نيام فهل تستطيعين إحضار النجار أو النقاش ليفعل ما يشاء؟ . .
هل تستطيعين أن تتركي سيارتك وسط الطريق، أو في مكان ممنوع فيه الانتظار، لأنك حرة، ومن حريتك أن تضعي سيارتك في المكان الذي تريدينه؟ بل هل تستطيعين أن تتجاوزي بسيارتك السرعة المسموح بها، وهل تستطيعين أن ترتكبي فعلًا فاضحًا أمام الناس؛ لأن ذلك من حريتك؟ . .
وأستطيع أن أمضى إلى ألوف الأمثلة؛ لأنه لا يوجد شيء اسمه الحرية المطلقة في أي مجتمع، ولكنها حرية نسبية، تعطيك من التصرف الذي تريدينه ما ليس فيه اعتداء على حرية الآخرين، فإذا حدث اعتداء على هذه الحرية، فإن المجتمع يتدخل؛ ليوقفك عند حدك قائلًا: هذا ليس من حريتك؛ لأنك اعتديت على حرية الآخرين.
الطريق الوحيد لكي تتمتعي بالحرية المطلقة، هو أن تذهبي إلى مكان لا يعيش فيه أحد، مكان تعيشين فيه وحدك دون أن يكون فيه آخرون، حينئذ تستطيعين أن تتمتعي بحريتك كما تشائين، في دام لا يوجد أحد حولك، ولا أحد من الناس يراك، إنك تستطيعين أن تفعلي ما تشائين.
هذا بعيد عن منطق الدين، وبعيد عن منهج السماء، فإذا كان هذا هو منطق الحياة في الكون. فكيف تريدين من منهج اللَّه أن يخلق مجتمعًا من الفوضى الذي يضيع فيه كل شيء؟ .
يقول اللَّه في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾ (الأحزاب: ٥٩).
ويقول : ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (النور: ٣١) هذا هو حكم اللَّه بالنسبة للمرأة، وهو إخفاء الزينة التي تلفت الأنظار.
стр. 6115
وبداية أحب أن أقول: إن من اختار الدين فعليه أن يقبل أحكام هذا الدين، حتى ولو كانت هذه الأحكام تقيد حريته في: افعل ولا تفعل؛ لأن تقييد الحرية هنا هو لخير الإنسان وليس شرًا له.
إن هذه الأحكام جاءت من اللَّه تعالى وهو أعلم بنا من أنفسنا فإذا كانت تقيد حركتنا. فهي تعطينا الخير، وتذهب عنا السوء، فلا يوجد دين بلا منهج إلا أن يحاول الإنسان أن يرضي غريزة التدين فيه، وفي نفس الوقت يفعل ما يشاء فيعبد الأصنام أو الشمس، أو غير ذلك مما لا يقيده بمنهج في الحياة، يخلص نفسه من تعاليم اللَّه ليفعل ما يشاء، وفي هذه الحالة يكون قد كفر والعياذ باللَّه؛ لأنه لا يريد منهجًا سماويًا يقيد حريته.
والمرأة التي تتضرر من الحجاب بزعم أنه يقيد من حريتها بستر ما أمر اللَّه من مفاتنها، عليها ألَّا تعترض على منح هذه الحرية لغيرها فإن أباحت لنفسها أن تتزين وتكشف عن مفاتنها؛ لتجذب إنسانًا وتفتنه، فعليها ألا تعترض على قيام غيرها بكشف زينتها ومفاتنها لتجذب زوج هذه المرأة أو ابنها. (١)
الوجه الثالث: هدف الإسلام من منع إبداء زينة المرأة .
إن الهدف هو صيانة المجتمع كله من الفتنة، وإبقاء للاستقرار والأمن بالنسبة للمرأة، حتى لا يخرج زوجها من بيته وهي لا تعلم هل ستفتنه امرأة أخرى فيتزوجها، أم أنه سيعود إلى بيته؟ .
إن اللَّه ﷻ قد وضع من القواعد والضوابط ما يمنع الفتنة للمرأة والرجل حفاظًا لاستقرار الأسرة وأمنها وأمانها، وحرم أي شيء يمكن أن تكون فيه فتنة من امرأة لرجل غريب عنها، ولذلك حرم إبداء الزينة إلا لمحارم المرأة، حرمه اللَّه في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ
стр. 6116
التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ (النور: ٣١).
وهؤلاء الذين ذكرهم اللَّه ﵎ في هذه الآية الكريمة، هم من محارم المرأة التي لا تحرص على إبداء زينتها أمامهم. . وحتى إذا فعلت. . فإن هذه الزينة لا تثير في نفوسهم أية شهوة. . إما لأنهم لم يبلغوا السن التي يحسون فيها بالشهوة، وإما أنهم تعدوا هذه المرحلة تمامًا، بل إن اللَّه حرَّم على النساء أن يضربن بأرجلهن كنوعٍ من التحايل؛ لإظهار الزينة التي أخفتها الثياب، وذلك بتعمد اهتزاز الجسم؛ لتظهر مفاتنه، وقال الحقُّ ﷻ ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ (النور: ٣١).
كل هذا قد يفهمه البعض على أنه تقييد لحرية المرأة، ولكنه في الحقيقة حماية لها.
لو أن اللَّه لم يفرض الحجاب، لكان على المرأة أن تطالب به؛ لأنه أكبر تأمين لها ولحياتها، ذلك أن نضارة المرأة موقوتة، وفترة جمالها -لو حسبناها- فلن تزيد على خمسة عشر عامًا، ثم بعد ذلك تبدأ في الذبول. هب أن امرأة بدأت في الذبول، وزوجها ما زال محتفظًا بنضارته قادرًا على الزواج، وخرج إلى الشارع، ووجد فتاة في مقتبل العمر، وفي أتم نضارتها، وقد كشفت عن زينتها، ماذا سيحدث؟
إما أن يفتن بهذه الفتاه، ويترك زوجته ويتزوجها، وإما أنه عندما يعود إلى المنزل يلحظ الفرق الكبير بين امرأته، وبين هذه الفتاه، فيزهد في زوجته، ويبدأ في الانصراف عنها.
لكن لو حجبت النساء مفاتنهن عن الرجال. . لصارت كل منهن آمنة من فقدان زوجها، ومن تغير نفسه من ناحية زوجته. . ولظلت محتفظة بحبه لها وإقباله عليها. . لماذا؟ لأن الجمال نمو. . والنمو في المخلوقات والنبات والحيوان والإنسان لا يدركه المتتبع له. . ولذلك تجد الرجل وله ولد ينظر إليه كل يوم. . فلا يمكن أن يلحظ أنه يكبر. .
стр. 6117
ولكن لو غاب عنه شهرًا. . يتجمع نمو الشهر كله وهو بعيد عنه. . وعندما يعود يحس بأنه قد كبر.
والفلاح مثلًا إذا جلس بجوار الزرع. . لا يلحظ نموه ولا يراه. . فإذا غاب عنه فترة لاحظ هذا النمو. .
الرجل مع زوجته كذلك. فهو عندما يتزوجها وهي عروس تكون في أبهى زينتها ونضارتها، لكن لأنه يراها كل يوم، فإنه لا يلحظ فيها أي تغيير. . وتكبر وتذهب نضارتها وجمالها من أمامه شيئًا فشيئًا، دون أن يلاحظ هذا الذبول. . بل تظل في عينيه هي نفس العروس الجميلة التي زفت إليه. .
ولكن إذا رأى امرأة غيرها. . أصغر منها ولا تزال في قمة نضارتها. . بدأت المقارنة وأحس بالتغيير. . وأثر ذلك في نفسه.
ولذلك ونحن نرى أمهاتنا بعد أن كبرن وملأت وجوههن التجاعيد. . لا نشعر بهذا. . بل نجد في أمهاتنا نضارة لا نشبع من النظر إليها.
فإذا كان اللَّه قد حجب المرأة من أن تستلفت الأنظار إليها بالكشف عن زينتها. . وهو قد حجب غيرها ممن هن أصغر وأجمل، وأكثر نضارة من أن يستلفتن أنظار زوجها فيعرض عنها.
يقول اللَّه في كتابه العزيز: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور: ٣٠، ٣١)
لماذا حرِّمت النظرة بين الرجل والمرأة؟ . . ولم تُحرَّم بالنسبة لباقي مخلوقات الكون؟ ! . . لأن النظرة هي بداية النزوع بالنسبة للرجل والمرأة. . وما دامت النظرة قد بدأت. . فأنت لا تستطيع أن تتحكم في نفسك. . بالنسبة لما يمكن أن يحدث بعد ذلك. .
стр. 6118
النظرة قد أوجدت تغيرًا يقودك إلى المعصية. . ولذلك نجد مثلًا عندما حرم اللَّه على آدم وحواء أن يأكلا من الشجرة المحرمة في الجنة. . لم يقل لهما لا تأكلا من هذه الشجر. . بل قال ﷻ : ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ (البقرة: ٣٥).
لماذا لم يقل اللَّه : لا تأكلا من هذه الشجرة. . لأنه أراد أن يحميهما من إغراء المعصية. . فلو أنه قال لهما: لا تأكلا من هذه الشجرة. . ربما جلسا إلى جوارها. . فأغراهما لون ثمارها أو شكل هذه الثمار. . أو الرائحة المنبعثة منها. . ولذلك قال لهما سبحانه ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ ليقيهما الإغراء الذي يمكن أن يوقعهما في المعصية. .
وكما يقول رسول اللَّه ﷺ : "فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ". (١)
إذن فتحريم النظر بين الرجل والمرأة. . حماية لكليهما، واللَّه يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: ٥٣).
على أننا لابد أن نلتفت إلى حقيقة هامة. . هي أن اللَّه يريد أن تعتدل الموازين في كونه، ويريد للعقل الذي ميز اللَّه به الإنسان أن يعطي حرية الاختيار دون أية مؤثرات، حتى تستقيم الأمور في الكون، وإظهار المرأة لمفاتنها يجعل الميزان يختل لماذا؟ .
لأن المرأة إذا تَعمَّدت إغراء رجل غريب بزينتها، والكشف عن جسدها. . تتدخل في عمل العقل؛ لأنه في هذه الحالة قد يتخذ قرارًا ويعلم أنه باطل؛ لينال من هذه المرأة أو يرضيها. . وكلنا يعلم تأثير النساء في الصفقات التي تحدث في العالم كله، وكيف أنهن يتخذن كوسيلة للأغراء؛ ليقضى الإنسان بغير الحق، ويختل ميزان الحكم.
стр. 6119
كل هذا موجود في شركات عالمية كبيرة تستخدم إغراء المرأة؛ لتتم أعمالًا وصفقات مشبوهة، ما كانت لتتم لو أن الميزان كان معتدلًا. . والعقل هو الحكم الوحيد في هذه المسائل من أمور الدنيا.
الوجه الرابع: لماذا لا تحترم حرية المحجبة في اختيار الحجاب ؟
إذا كان من يدعو إلى السفور ينطلق من دعوى الحرية؛ فلماذا لا يحترم حرية المحجبة في اختيار الحجاب؟
لقد ردت على هؤلاء امرأة غير مسلمة، وحجتهم بالمنطق نفسه، منطق حرية الاختيار، إنها الروائية الفرنسية أنى أرنو تقول -معلقة على منع طالبات مسلمات في فرنسا من دخول المدارس وهن محجبات-:
أرى أن الحجاب وسيلة تؤكد بواسطته المسلمات هويتهن الثقافية، وهو أمر يجب أن يحترم؛ لأن منعه خرق للحرية الشخصية، صحيح أن المدارس الفرنسية علمانية، لكن هذه مسألة حرية شخصية، فهناك فرنسيات مسيحيات يأتين إلى المدارس بملابس دينية دون أن يحتج أحد.
وترد على هؤلاء أيضًا رئيسة اتحاد التلميذات في فرنسا كورين سيلر وسنها (١٧) سنة، فتقول: إن الكبار هم الذين يصنعون هذه المشاكل، ولقد سمعنا كثيرًا من ردود الفعل المتخلفة، إن كل شيء بسيط بالنسبة إلينا أن تلبس فتاة الإيشارب أو الحجاب ليس مشكلة في مدرستنا فتاتان ترتديان الحجاب منذ سنتين، دون أن يثير ذلك أي مشكلات، كما أن الطالبات اليهوديات اللاتي يتغيبن يوم السبت ينقلن بعد ذلك الدروس.
وكان قريبًا من هذا موقف وزير التعليم الفرنسي ليونيل جوسبان الذي أكد على ضرورة احترام آراء الآخرين. وكذلك ميشيل رو كار رئيس الوزراء الدي يدعو إلى ضرورة احترام حرية الآخرين وآرائهم.
وفي بريطانيا. . تكررت المعركة نفسها؛ حين أقدم رئيس إدارة إحدى المدارس في لندن؛ على طرد طالبتين مسلمتين بريطانيتين من أصل باكستاني من المدرسة، بسبب إصرارهما على ارتداء الزي الشرعي الإسلامي. وتلقفت الصحافة والإذاعة ومحطات
стр. 6120
التلفزة الخبر، في إن مضت أيام قليلة حتى سيطرت معركة الزي الشرعي الإسلامي على الساحة السياسية والإعلامية والدينية في بريطانيا.
وسارع والد الطالبتين -وهو من مشاهير أطباء العيون الاختصاصيين في لندن- إلى رفع عدة شكاوى إلى الهيئات التي تدافع عن حقوق الإنسان، وإلى الهيئات التي تحارب التفرقة العرقية والعنصرية مطالبًا بإلغاء قرار رئيس إدارة المدرسة البريطانية، باعتباره قرارًا ينتهك الحرية الشخصية وحرية العقيدة، وباعتباره قرارًا يحمل رائحة التمييز العرقي والعنصري كون الطالبتين من أصل أسيوي.
ولم تأخذ معركة الزي الشرعي الإسلامي وقتًا طويلًا، إذ سرعان ما اضطر رئيس إدارة المدرسة أمام ضعف حججه ومبرراته، إلى التراجع عن قراره، وسمح للطالبتين بالعودة إلى المدرسة وهما تلتزمان بالزي الشرعي الإسلامي.
ونقلت محطات الإذاعة والتلفزة خبر عودة الطالبتين إلى المدرسة بالبث الحي المباشر، وشاهد ملايين البريطانيين عدة مئات من الطالبات البريطانيات يرحبن بالأناشيد والتصفيق بعودة الطالبتين المسلمتين إلى المدرسة، وشاهد الملايين أيضًا الأب وهو يحتضن ابنتيه قبل أن تدلفا إلى داخل المدرسة وقد انهمرت دموع الفرح من عينيه وعيني ابنتيه فرحًا بالنصر الذي حققه اللَّه لهما في معركتهما من أجل الالتزام بطاعة اللَّه ، وإطاعة أحكام شريعته.
وهكذا تنتصر المحجبات في فرنسا وإنكلترا، حيث الحرية الشخصية مصونة، بينما يمنع الحجاب في بعض أقطار المسلمين في الوقت الذي لا يُمنع فيه التكشف، بل العري!
يقول د/ عبد الكبير العلوي المدغري: فأين أدبيات الحرية الشخصية وأين حقوق الإنسان المعلن عنها في التصريح العالمي في حقوق الإنسان والتي تتصدر دساتير الدول المتمدنة؟ ! وأين المراقبة التي يمارسها منظمة العفو الدولية على الدول والحكومات لغرض احترام حقوق الإنسان، وهي ترى وتسمع حكومة فرنسا تطرد الفتيات المسلمات
стр. 6121
المحجبات من المدارس والجامعات، وترى وتسمع المحاكم هناك وهنالك تصدر الأحكام والقرارات بالطرد، بدعوى أن الحجاب يتعارض مع مبدأ علمانية الدولة؟ !
هل بلغ الخزي بهذا العالم المادي العلماني هذه الدرجة التي تسمح لضمائر القضاة بحرمان إنسان من نور العلم والمعرفة وطرده من مدرسته أو جامعته بسبب أنه اختار أن يضمع منديلًا على رأسه؟ ! هل هذه هي الحضارة الغربية والمدنية الغربية والثقافة؟ !
لقد كان الإسلام يبسط سلطانه على إمبراطورية عظيمة تمتد من شرق آسيا إلى غرب إفريقيا وجنوب أوروبا، وكانت الشريعة هي دستور تلك الإمبراطورية، وما سمعنا أن المسلمين منعوا المسيحيين أو اليهود من ارتداء ملابسهم المميزة، سواء في معاهد العلم أو في الشارع بدعوى تعارض تلك الأزياء مع المبادئ التي تقوم عليها الدولة:
إن هذه القرارات التي اتخذها القضاء، سواء في فرنسا أو في تركيا أو في بلد علماني آخر، تعتبر مظهرًا من مظاهر إفلاس الفكر اللائكي، وصورة من صور انحطاطه وأنه فكر متطرف وبعيد كل البعد عن الموضوعية. (١)
* * *
стр. 6122
٣ - شبهة: القوامة
نص الشبهة: لماذا جعلت القوامة بيد الرجل؟ أليس هذا يضاد ما تدعونه من تسوية الإسلام بين الرجل والمرأة؟
والرد عليها من وجوه
والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه:
الوجه الأول: قوامة الرجل على المرأة ليست قضية إهانة كرامة؛ إنما هي قضية تميز واختصاص.
الوجه الثاني: لماذا كانت القوامة للرجال؟
الوجه الثالث: الفروق بين الرجل والمرأة.
الوجه الرابع: قوامة الرجل على المرأة لا تعني أن ذات الرجل أفضل من ذات المرأة.
الوجه الخامس: المرأة العاقلة لا يسعدها أن تتساوى مع الرجل في القوامة.
الوجه السادس: القوامة في الإسلام بلغت بالمرأة أعلى مكانة تدليل وتشريف وإعزاز.
الوجه السابع: المرأة تسكن في ظل قوامة الرجل.
الوجه الثامن: أهمية القائد لأي تجمع بشري.
الوجه التاسع: وشهد شاهد من أهلها.
الوجه العاشر: القوامة في اليهودية والمسيحية فهي تسلط أي الرياسة بالضغط والإكراه.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: قوامة الرجل على المرأة ليس قضية إهانة كرامة، إنما هي قضية تمييز واختصاص .
قضية قوامة الرجل على المرأة ليست قضية إهانة كرامة كما يتصور بعض الناس، إنما هي قضية تميز واختصاص ليس في حد ذاته منقصًا من شأن من يتصف به، فالمهندس يتخصص في بناء البيوت، والطبيب يعالج الأبدان والنفوس، والمدرس يعلم العلم، ويفتح العقول على ميادين التفكير، والمجتمع محتاج لكل منهم -ولغيرهم- غير مستغن عنهم، ولا يكون تخصص أي منهم فيما تخصص فيه حاملًا على احتقاره، أو الغض منه.
стр. 6123
الوجه الثاني: لماذا كانت القوامة للرجال ؟
١ - الرجل أقرب إلى تحكيم النظر العقلي في الأمور .
الواقع ومشاهدات الحياة كلها تدل على أن الرجل أقرب إلى تحكيم النظر العقلي في الأمور منه إلى الاستجابة للعاطفة، أما المرأة فهي على وجه العموم أقرب في معظم حالاتها إلى الاستجابة للعاطفة ومتطلباتها، وأيضًا فإن المرأة تعتريها حالات خاصة من الحمل والحيض، والولادة، وسن اليأس تتسبب عنها متاعب صحية ونفسية تنتهي بها إلى أنواع من عدم الاستقرار المزاجي والنفسي، تكون فيها بعيدة شيئًا ما عن النظرة العقلية المتوازنة الهادئة إلى الأمور، وحتى في غير هذه الحالات الخاصة أقرب من الرجل إلى تحكيم المشاعر والأحاسيس العاطفية في الأمور، ومشاهدات الحياة المتروية تدلنا في وضوح على أن ثقافة المرأة وحصولها على أعلى الشهادات العلمية في مختلف التخصصات لا ينقض هذه الحقيقة، ولا ينسخ طبيعة الأنثى في المرأة، في تزال هي هي طبيبة كانت، أم مهندسة، أم عالمة، أم قانونية أم أستاذة. (١)
يقول د/ أحمد شلبي: على أن قوامة الرجل يلزم أن تكون قوامة رحيمة يتعاون فيها مع الزوجة ويرفق بها ويلزم كذلك أن تكون عادلة، فليس له أن يطلب من زوجته مطلبًا غير عادل قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾، ثم إن الإسلام أعطى المرأة الحق في التدخل في اختيار زوجها وبهذا تشترك المرأة في اختيار القيم عليها، ولها أن تلاحظ فيه المقدرة على القوامة الرشيدة.
إننا جميعًا لا نشك أن أفراد الأسرة إذا شعروا في جنح ليل مظلم بلصٍّ يتسوَّر الدار، أو يعبث برتاج الباب، هبَّ الزوج الأب؛ ليقف في وجه الخطر الداهم، وقبعت الزوجة الأم في زاوية مظلمة آمنة من الدار. وكذلك الأمر إذا طرق الدار طارق سوء، أو اقتحمها عدو، أو طالب ثأر. وقد تجد ما يشذ عن هذه القاعدة، ولكن الشَّاذ لا حكم له.
стр. 6124
من أجل هذا حرر الإسلام المرأة من مسئولية العمل في الوقت الذي لم يمنعها من ممارسته. حررها من مسئوليته لكي لا تقع تحت ضرورات العمل الذي يستعبدها. ولم يمنعها من ممارسته، لكي تملك السبيل إلى معيشة أرْفَه مع قدرتها على اختيار الأنسب والأليق، ومع امتلاكها للانضباط بما يقتضيه سُلَّم الأولويات، من تقديم مهام رعاية الأسرة في الداخل على رغبات العمل والكدح من أجل الرزق في الخارج.
وهكذا، فإن قول اللَّه تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (النساء: ٣٤) إخبار عن واقع يفرض نفسه، أكثر من أن يكون تقريرًا لحكم مفروض.
أما هناك في المجتمعات الغربية، فقد حُمِّلت المرأة مسئولية الكدح من أجل توفير رزقها، فاستعبدها العمل والجهد المضني، ثم لم تنل بعد خضوعها لهذه الضريبة الفادحة، القوامة التي ظلت بيد الرجل. . كل ما قد حصل، هو أن بنيان الأسرة تهاوى وتحوَّل إلى حطام في غمار تسابق الزوجين إلى الكدح من أجل الرزق وتوفير لقمة العيش، وبقي الزوج مع ذلك هو المهيمن والمتنفذ! (١).
ونعود إلى المحور الذي انطلقنا منه، وهو بيان أن القوامة التي أخبر عنها بيان اللَّه ، قوامة إدارة ورعاية، لا قوامة تسلط وتحكم، ومصدر اختيار الرجل لها أفضلية صلاحيته لها من جانب، وتحمله لمسئولية الإنفاق من جانب آخر. والنظام العالمي يقول: من ينفق يشرف (٢)(٣).
٢ - قوامة الرجل على المرأة بأن يتولى الإنفاق عليها .
حصر علماء النفس في الولايات المتحدة المخاوف الرئيسة التي تشغل بال المرأة الأمريكية.
ومن أهم هذه المخاوف: الخوف من الفقر فالكثيرات يخشين ألا يتمكن من تأمين ضروريات الحياة، كالطعام والملبس والمأوى. كما أن المرأة الأمريكية تخاف ألا تتمكن من إعالة نفسها عندما تشيخ فتضطر للاستعانة بالحكومة.
ويقول الدكتور هارفي روبن: إن النساء يخشين الفقر أكثر من الرجال.
وتخاف المرأة الأمريكية من أن يرفضها من تحبه، فالزوجات اللواتي أنفقن السنوات من أعمارهن لتربية أطفالهن، يتحسسن حساسية خاصة من أن يتعرضن للرفض أو الهجر. كما أن النساء الكبيرات اللواتي يطلقن بعد ٣٥ سنة من الزواج مثلًا ليست لهن وسيلة لكي يَعُلْنَ أنفسهن.
ثم يأتي خوفها من فقدان الصحة، فهي تخشى من أن ضياع صحتها سيجعلها تبدو كبيرة هرمة. . فضلًا عن أن فقدان صحتها سيحرمها من القدرة على رعاية أفراد عائلتها.
وأخيرًا يأتى الخوف من خسارة استحسان المجتمع. . فبعض النساء في -رأى الدكتور روبن- يشعرن بضرورة انتمائهن إلى المجتمع. . ويبذلن الكثير من الجهد حتى يكن مقبولات اجتماعيًا. . إلى درجة أن ينتهي بهن الأمر إلى أن يسيطر عليهن القلق وتظل حياتهن غير متوازنة.
يقول الدكتور روبن بأن المرأة يمكنها أن تعوض عن فقدان جمالها بأن تصبح طاهية جيدة، أو ربة منزل مدبرة، أو أمًا مثاليةً.
وينصح الأطباء المرأة بأن تقلل من اعتمادها على آراء الآخرين، فعلى الرغم من أن معظم الناس يحتاجون إلى استحسان الآخرين. . إلا أنهم ليسوا بحاجة إلى استحسان كل إنسان.
ألا توافقين على أن المرأة المسلمة لا تشكو من هذه المخاوف جميعها؛ فخوف الفقر
стр. 6127
وعدم تأمين ضروريات الحياة؛ بعيد عن المرأة المسلمة التي يتحمل مسؤولية الإنفاق عليها زوجها أو أبوها أو أخوها أو ابنها مهما بلغت من العمر.
يقول الشيخ على الطنطاوي: حدثني الأستاذ بهجت البيطار، أنه كان يتكلم عن المرأة المسلمة، في إحدى محاضراته في أمريكا، وذكر فيها استقلال المرأة المسلمة في شئون المال، لا ولاية عليها في مالها لزوجها ولا لأبيها، وأنها إن كانت معسرة كلف بنفقتها أبوها أو أخوها، فإن لم يكن لها أب أو أخ، فأي واحد من أقربائها الذين يرثونها، ولو كان ابن عم عمها، وأن هذه النفقة تستمر إلى أن تتزوج، أو يكون لها مال، وأنها إن تزوجت كلف زوجها بنفقتها، ولو كانت تملك مليونًا وكان زوجها عاملًا. إلى غير ذلك مما نعرفه نحن ويجهلونه هم عنا.
فقامت سيدة أمريكية من الأدبيات المشهورات وقالت: إذا كانت المرأة عندكم على ما تقول، فخذوني أعيش عندكم ستة أشهر ثم اقتلوني.
وعجب من مقالها، وسألها عن حالها، فشرحت له حالها، وحال البنات هناك، فإذا المرأة الأمريكية تبدو حرة وهي مقيدة، وترى معززة وهي مهانة. إنهم يعظمونها في التوافه ويحقرونها في جسيمات الأمور.
يمسكون بيدها عند النزول من السيارة، ويقدمونها قبلهم عند الدخول للزيارة، وربما قاموا لها في الزحام لتقعد، أو فسحوا لها في الطريق لتمر.
ولكنهم في مقابلة ذلك يسيئون إليها إساءات لا تحتمل. إذا بلغت البنت هناك سن الرشد، قبض أبوها يده في وجهها، وقال لها: اذهبي فتكسبي وكلي، فلا شيء لك عندي بعد اليوم.
فتذهب المسكينة تخوض غمرة الحياة وحجها، ولا يبالون أعاشت بجدها أم بجسدها؟ ولا يسألون هل أكلت خبزها بيديها أم بثدييها؟ وليس هذا في أمريكا وحدها، بل هو شأن القوم في ديارهم كلها.
الوجه الثالث: الفروق بين الرجل والمرأة .
لقد أشارت الدراسات الطبية والنفسية والاجتماعية إلى جوانب الاختلاف والفروق بين الرجل والمرأة، وهذه الفروق تنقسم إلى ثلاثة أقسام.
стр. 6128
١ - فروق جسمية.
٢ - فروق عقلية.
٣ - فروق وجدانية.
١ - الفروق الجسمية بين النوعين:
يؤكد العلماء أن جميع الفروق بين النوعين من الناحية الجسمية تنتج عن الاختلاف في الوحدة الأساسية لتكوين الجسم وهي الخلية، وفي ذلك يقول ألكساس كاريل:
إن الأمور التي تفرق بين الرجل والمرأة لا تحدد في الأشكال الخاصة بأعضائهما الجنسية والرحم والحمل، وهي لا تحدد أيضًا في اختلاف طرق تعليمهما، بل إن هذه الفوارق هي ذات طبيعة أساسية، من اختلاف نوع الأنسجة في جسم كليهما، كما أن المرأة تختلف عن المرء كليًا، في المادة الكيماوية التي تفرز من مبيض الرحم داخل جسمها، والذين ينادون بمساواة الجنس اللطيف بالرجل يجهلون هذه الفوارق الأساسية، فيدعون أنه لابد أن يكون لهما نوع واحد من التعليم والمسؤوليات والوظائف. ولكن المرأة في الواقع تختلف عن الرجل كل الاختلاف، فكل خلية من جسمها تحمل طابعًا أنثويًا، وهكذا تكون أعضاؤها المختلفة، بل وأكثر من ذلك هذه هي حال نظامها العصبي (كاريل، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م، ص ٩٣).
وقد توصل العلماء إلى كثير من الفروق بين النوعين نشير إلى أهمها فيما يلي:
من حيث الشكل:
بنية المرأة أدق من بنية الرجل، وجسمها مزود بأجزاء تساعدها على الحمل والرضاعة، وهناك فروق ظاهرة تبرز في شكل الأعضاء التناسلية. ومن حيث الوزن: يزيد الذكور على الإناث عند الولادة بنحو ٥٠%، ويظل هذا الفارق واضحًا حتى سن الحادية عشرة، حيث ينقص ليصبح الذكور في حوالي الرابعة عشرة أقلّ وزنًا من الإناث بنحو ١٥% ثم يستعيد الذكور وزنهم عند الخامسة أو السادسة عشرة وفي العشرين يتفوق وزن الذكور وزنهم عند الخامسة عشرة أو السادسة عشرة وفي العشرين يتفوق وزن
стр. 6129
الذكور على الإناث بنحو ٢٠%. ومن حيث الطول: الذكور أطول من الإناث منذ الولادة وحتى سن الحادية عشرة بنحو ٢%، وفيما بين الحادية عشرة والرابعة عشرة، ينعكس الأمر لتصبح البنات أطول حتى حوالي السابعة عشرة حيث يأخذ طول الذكور في الازدياد، ويستمر حتى حوالي العشرين، حيث يزداد نمو الذكور بنحو ١٠%.
ومن حيث حجم المخ:
متوسط حجم مخ الرجال أكبر قليلًا من متوسط حجم مخ الإناث، كذلك فإن الجزء المتعلق بالعاطفة لدى الإناث أكبر، في حين أن الجزء المتعلق بالتفكير أكبر لدى الذكور. ومن حيث الطاقة الحيوية: فهي لدى الذكور أشد وأقوى.
وذلك على النحو التالي:
في السادسة بنحو ٧%.
في العاشرة من ١٠ - ١٢%.
في العشرين بنحو ٣٥%.
ومن حيث قوة العضلات:
يتفوق الذكور على الإناث في مختلف مراحل العمر، فمثلًا قوة ضغط اليد اليمنى عند الولد أقوى من البنت بنسبة ١٠% في سن السابعة، وتنمو عندهما تدريجيًا إلى أن تتوقف عند البنت في السادسة عشر، بينما تستمر عند الولد حتى سن التاسعة عشر، ويبلغ معدل التفوق ما بين ٥٥ - ٦٥%، ومثل ذلك يلاحظ في عضلات الظهر والأرجل. ومن حيث البلوغ: ترجع كثير من الفوارق الجسمية مباشرة إلى عامل النضج والبلوغ، وغالبًا ما تبلغ الإناث قبل الذكور بحوالي سنة مما ينتج عنه تطورات سريعة لديهن. وتتعرض الفتيات في فترة البلوغ إلى مجهودات عصبية قد تجعلهن أقل قابلية للعمل، ويمكن أن تحد بعض الشيء من انتباههن العقلي، وهناك فروق أخرى من أبرزها:
- صوت المرأة أكثر لطفًا ونعومة من الرجل.
стр. 6130
- مقاومة المرأة لغالبية الأمراض أكثر من مقاومة الرجل.
- المرأة أسرع من الرجل في العجز عن الإنجاب.
- أعصاب المرأة أقل قوة من الرجل.
- قدرة المرأة على تحمل الألم أكبر من الرجل.
- عمر المرأة أطول من عمر الرجل بحسب الإحصاءات الحديثة.
- عدد الكريات الحمراء لديها أقل.
- قدرتها على التنفس أضعف.
٢ - الفروق العقلية بين النوعين:
تشير الدراسات إلى أن المرأة ليست أقلّ ذكاء من الرجل، لكن ذلك لا ينفي وجود فروق عقلية أخرى لا تظهر في العمليات العقلية المعقدة، وإنما تظهر في العمليات العقلية البسيطة، من بينها أن البنين يدركون الأفكار والآراء قبل إدراك الأشخاص الذين تصدر عنهم تلك الأفكار، في حين تنصرف عناية البنات إلى الأشخاص بالدرجة الأولى. ولذلك نجد اهتمام الإناث ينصبّ على الأشكال الظاهرة بصورة مباشرة، في حين ينصرف اهتمام الذكور إلى ما هو أبعد وأكثر عقمًا.
ويؤكد كثير من العلماء وجود فروق كبيرة في النمو اللغوي بين الذكور والإناث، فالإناث يتفوقن في الثالثة ثم يلحق بهن الصبيان فيما بين الثالثة والحادية عشرة، حيث تستعيد الإناث تفوقهن. وقد أكدت نتائج إحدى الدراسات تفوق الإناث من أفراد العينة على الذكور مدى الحياة.
كما أوضحت دراسة أجريت حديثًا، أن الفروق اللغوية بين الذكور والإناث ترجع إلى أن هناك فوارق متميزة في التعامل مع الأمور اللغوية من قبل دماغ كل منهما، فالرجل يستخدم الجانب الأيسر فقط من الدماغ للتعامل مع المسائل اللغوية، في حين تستخدم النساء الجانبين، لذلك فهم