← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

٢ - قوامة الرجل على المرأة بأن يتولى الإنفاق عليها . حصر علماء النفس في الولايات المتحدة المخاوف الرئيسة التي تشغل بال المرأة الأمريكية. ومن أهم هذه المخاوف: الخوف من الفقر فالكثيرات يخشين ألا يتمكن من تأمين ضروريات الحياة، كالطعام والملبس والمأوى. كما أن المرأة الأمريكية تخاف ألا تتمكن من إعالة نفسها عندما تشيخ فتضطر للاستعانة بالحكومة. ويقول الدكتور هارفي روبن: إن النساء يخشين الفقر أكثر من الرجال. وتخاف المرأة الأمريكية من أن يرفضها من تحبه، فالزوجات اللواتي أنفقن السنوات من أعمارهن لتربية أطفالهن، يتحسسن حساسية خاصة من أن يتعرضن للرفض أو الهجر. كما أن النساء الكبيرات اللواتي يطلقن بعد ٣٥ سنة من الزواج مثلًا ليست لهن وسيلة لكي يَعُلْنَ أنفسهن. ثم يأتي خوفها من فقدان الصحة، فهي تخشى من أن ضياع صحتها سيجعلها تبدو كبيرة هرمة. . فضلًا عن أن فقدان صحتها سيحرمها من القدرة على رعاية أفراد عائلتها. وأخيرًا يأتى الخوف من خسارة استحسان المجتمع. . فبعض النساء في -رأى الدكتور روبن- يشعرن بضرورة انتمائهن إلى المجتمع. . ويبذلن الكثير من الجهد حتى يكن مقبولات اجتماعيًا. . إلى درجة أن ينتهي بهن الأمر إلى أن يسيطر عليهن القلق وتظل حياتهن غير متوازنة. يقول الدكتور روبن بأن المرأة يمكنها أن تعوض عن فقدان جمالها بأن تصبح طاهية جيدة، أو ربة منزل مدبرة، أو أمًا مثاليةً. وينصح الأطباء المرأة بأن تقلل من اعتمادها على آراء الآخرين، فعلى الرغم من أن معظم الناس يحتاجون إلى استحسان الآخرين. . إلا أنهم ليسوا بحاجة إلى استحسان كل إنسان. ألا توافقين على أن المرأة المسلمة لا تشكو من هذه المخاوف جميعها؛ فخوف الفقر

стр. 6127

وعدم تأمين ضروريات الحياة؛ بعيد عن المرأة المسلمة التي يتحمل مسؤولية الإنفاق عليها زوجها أو أبوها أو أخوها أو ابنها مهما بلغت من العمر. يقول الشيخ على الطنطاوي: حدثني الأستاذ بهجت البيطار، أنه كان يتكلم عن المرأة المسلمة، في إحدى محاضراته في أمريكا، وذكر فيها استقلال المرأة المسلمة في شئون المال، لا ولاية عليها في مالها لزوجها ولا لأبيها، وأنها إن كانت معسرة كلف بنفقتها أبوها أو أخوها، فإن لم يكن لها أب أو أخ، فأي واحد من أقربائها الذين يرثونها، ولو كان ابن عم عمها، وأن هذه النفقة تستمر إلى أن تتزوج، أو يكون لها مال، وأنها إن تزوجت كلف زوجها بنفقتها، ولو كانت تملك مليونًا وكان زوجها عاملًا. إلى غير ذلك مما نعرفه نحن ويجهلونه هم عنا. فقامت سيدة أمريكية من الأدبيات المشهورات وقالت: إذا كانت المرأة عندكم على ما تقول، فخذوني أعيش عندكم ستة أشهر ثم اقتلوني. وعجب من مقالها، وسألها عن حالها، فشرحت له حالها، وحال البنات هناك، فإذا المرأة الأمريكية تبدو حرة وهي مقيدة، وترى معززة وهي مهانة. إنهم يعظمونها في التوافه ويحقرونها في جسيمات الأمور. يمسكون بيدها عند النزول من السيارة، ويقدمونها قبلهم عند الدخول للزيارة، وربما قاموا لها في الزحام لتقعد، أو فسحوا لها في الطريق لتمر. ولكنهم في مقابلة ذلك يسيئون إليها إساءات لا تحتمل. إذا بلغت البنت هناك سن الرشد، قبض أبوها يده في وجهها، وقال لها: اذهبي فتكسبي وكلي، فلا شيء لك عندي بعد اليوم. فتذهب المسكينة تخوض غمرة الحياة وحجها، ولا يبالون أعاشت بجدها أم بجسدها؟ ولا يسألون هل أكلت خبزها بيديها أم بثدييها؟ وليس هذا في أمريكا وحدها، بل هو شأن القوم في ديارهم كلها. الوجه الثالث: الفروق بين الرجل والمرأة . لقد أشارت الدراسات الطبية والنفسية والاجتماعية إلى جوانب الاختلاف والفروق بين الرجل والمرأة، وهذه الفروق تنقسم إلى ثلاثة أقسام.

стр. 6128

١ - فروق جسمية. ٢ - فروق عقلية. ٣ - فروق وجدانية. ١ - الفروق الجسمية بين النوعين: يؤكد العلماء أن جميع الفروق بين النوعين من الناحية الجسمية تنتج عن الاختلاف في الوحدة الأساسية لتكوين الجسم وهي الخلية، وفي ذلك يقول ألكساس كاريل: إن الأمور التي تفرق بين الرجل والمرأة لا تحدد في الأشكال الخاصة بأعضائهما الجنسية والرحم والحمل، وهي لا تحدد أيضًا في اختلاف طرق تعليمهما، بل إن هذه الفوارق هي ذات طبيعة أساسية، من اختلاف نوع الأنسجة في جسم كليهما، كما أن المرأة تختلف عن المرء كليًا، في المادة الكيماوية التي تفرز من مبيض الرحم داخل جسمها، والذين ينادون بمساواة الجنس اللطيف بالرجل يجهلون هذه الفوارق الأساسية، فيدعون أنه لابد أن يكون لهما نوع واحد من التعليم والمسؤوليات والوظائف. ولكن المرأة في الواقع تختلف عن الرجل كل الاختلاف، فكل خلية من جسمها تحمل طابعًا أنثويًا، وهكذا تكون أعضاؤها المختلفة، بل وأكثر من ذلك هذه هي حال نظامها العصبي (كاريل، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م، ص ٩٣). وقد توصل العلماء إلى كثير من الفروق بين النوعين نشير إلى أهمها فيما يلي: من حيث الشكل: بنية المرأة أدق من بنية الرجل، وجسمها مزود بأجزاء تساعدها على الحمل والرضاعة، وهناك فروق ظاهرة تبرز في شكل الأعضاء التناسلية. ومن حيث الوزن: يزيد الذكور على الإناث عند الولادة بنحو ٥٠%، ويظل هذا الفارق واضحًا حتى سن الحادية عشرة، حيث ينقص ليصبح الذكور في حوالي الرابعة عشرة أقلّ وزنًا من الإناث بنحو ١٥% ثم يستعيد الذكور وزنهم عند الخامسة أو السادسة عشرة وفي العشرين يتفوق وزن الذكور وزنهم عند الخامسة عشرة أو السادسة عشرة وفي العشرين يتفوق وزن

стр. 6129

الذكور على الإناث بنحو ٢٠%. ومن حيث الطول: الذكور أطول من الإناث منذ الولادة وحتى سن الحادية عشرة بنحو ٢%، وفيما بين الحادية عشرة والرابعة عشرة، ينعكس الأمر لتصبح البنات أطول حتى حوالي السابعة عشرة حيث يأخذ طول الذكور في الازدياد، ويستمر حتى حوالي العشرين، حيث يزداد نمو الذكور بنحو ١٠%. ومن حيث حجم المخ: متوسط حجم مخ الرجال أكبر قليلًا من متوسط حجم مخ الإناث، كذلك فإن الجزء المتعلق بالعاطفة لدى الإناث أكبر، في حين أن الجزء المتعلق بالتفكير أكبر لدى الذكور. ومن حيث الطاقة الحيوية: فهي لدى الذكور أشد وأقوى. وذلك على النحو التالي: في السادسة بنحو ٧%. في العاشرة من ١٠ - ١٢%. في العشرين بنحو ٣٥%. ومن حيث قوة العضلات: يتفوق الذكور على الإناث في مختلف مراحل العمر، فمثلًا قوة ضغط اليد اليمنى عند الولد أقوى من البنت بنسبة ١٠% في سن السابعة، وتنمو عندهما تدريجيًا إلى أن تتوقف عند البنت في السادسة عشر، بينما تستمر عند الولد حتى سن التاسعة عشر، ويبلغ معدل التفوق ما بين ٥٥ - ٦٥%، ومثل ذلك يلاحظ في عضلات الظهر والأرجل. ومن حيث البلوغ: ترجع كثير من الفوارق الجسمية مباشرة إلى عامل النضج والبلوغ، وغالبًا ما تبلغ الإناث قبل الذكور بحوالي سنة مما ينتج عنه تطورات سريعة لديهن. وتتعرض الفتيات في فترة البلوغ إلى مجهودات عصبية قد تجعلهن أقل قابلية للعمل، ويمكن أن تحد بعض الشيء من انتباههن العقلي، وهناك فروق أخرى من أبرزها: - صوت المرأة أكثر لطفًا ونعومة من الرجل.

стр. 6130

- مقاومة المرأة لغالبية الأمراض أكثر من مقاومة الرجل. - المرأة أسرع من الرجل في العجز عن الإنجاب. - أعصاب المرأة أقل قوة من الرجل. - قدرة المرأة على تحمل الألم أكبر من الرجل. - عمر المرأة أطول من عمر الرجل بحسب الإحصاءات الحديثة. - عدد الكريات الحمراء لديها أقل. - قدرتها على التنفس أضعف. ٢ - الفروق العقلية بين النوعين: تشير الدراسات إلى أن المرأة ليست أقلّ ذكاء من الرجل، لكن ذلك لا ينفي وجود فروق عقلية أخرى لا تظهر في العمليات العقلية المعقدة، وإنما تظهر في العمليات العقلية البسيطة، من بينها أن البنين يدركون الأفكار والآراء قبل إدراك الأشخاص الذين تصدر عنهم تلك الأفكار، في حين تنصرف عناية البنات إلى الأشخاص بالدرجة الأولى. ولذلك نجد اهتمام الإناث ينصبّ على الأشكال الظاهرة بصورة مباشرة، في حين ينصرف اهتمام الذكور إلى ما هو أبعد وأكثر عقمًا. ويؤكد كثير من العلماء وجود فروق كبيرة في النمو اللغوي بين الذكور والإناث، فالإناث يتفوقن في الثالثة ثم يلحق بهن الصبيان فيما بين الثالثة والحادية عشرة، حيث تستعيد الإناث تفوقهن. وقد أكدت نتائج إحدى الدراسات تفوق الإناث من أفراد العينة على الذكور مدى الحياة. كما أوضحت دراسة أجريت حديثًا، أن الفروق اللغوية بين الذكور والإناث ترجع إلى أن هناك فوارق متميزة في التعامل مع الأمور اللغوية من قبل دماغ كل منهما، فالرجل يستخدم الجانب الأيسر فقط من الدماغ للتعامل مع المسائل اللغوية، في حين تستخدم النساء الجانبين، لذلك فهم

стр. 6131

أكثر إتقانًا في الأداء (١). كما أظهرت الملاحظات على جميع الأطفال العاديين والموهوبين وضعاف العقول، أن الإناث يبدأن في الكلام قبل الذكور، وأنه في جميع المراحل العمرية تكون نسبة الإصابة باضطرابات الكلام أو التأخر في القراءة أقلّ عند البنات. وقد وجد أنه في مرحلة المراهقة تظهر الإناث تفوقًا على الذكور في اختبارات المهارة اليدوية والرشاقة، في حين يتفوق الذكور في القدرة الميكانيكية. ٣ - الفروق الوجدانية بين النوعين: يعد ضبط هذه الفروق أكثر صعوبة من تحديد الفروق الجسمية والعقلية، وما توصل إليه الدارسون هنا يتعلق بما أمكنه ملاحظته من ظواهر، قد تبطلها المقارنات ونتائج الاستقصاء. ومن أهل الفوارق الوجدانية التي لاحظها العلماء: ١ - المرأة أكثر انفعالًا وأكثر هيجانًا من الرجل. ٢ - المرأة أقل ثباتًا من الناحية العاطفية. ٣ - المرأة أكثر خوفًا من الرجل. ٤ - المرأة أكثر رقة وسريعة التوسل بالبكاء والحيلة أحيانًا. ٥ - تميل المرأة بشدة إلى التزين بعكس الرجل. ٦ - المرأة ألسن من الرجل. ٧ - المرأة أكثر قدرة على الصمود أمام متاعب الحياة اليومية من الرجل. ٨ - تحجم المرأة عن استخدام العنف ضد الآخرين وضد نفسها، ولذلك تنخفض نسبة الانتحار بين النساء. ٩ - إحساسات الرجل مطبوعة بالحاجة، بينما إحساسات المرأة مطبوعة بالإثارة.

стр. 6132

١٠ - الرجل يجد في أعماقه رغبة في اقتحام الأخطار، في حين تحرص المرأة على الابتعاد عنها. ١١ - المرأة لا تجد حرجًا في طلب المساعدة من الآخرين، في حين يحب الرجل الاعتماد على نفسه ولا يلجأ إلى طلب المساعدة إلا عند الضرورة التي يعجز فيها عن تحمل المسؤولية. ١٢ - عادة ما يتميز الذكور منذ الصغر بالقلق والعناد والإصرار، في حين تستسلم الإناث لتيار الحياة السهلة حتى وهن رُضَّع. ١٣ - الذكور أكثر ميلًا للعدوان، ويظهر ذلك مبكرًا جدًّا. وتشير الدراسات إلى أن الذكور يصرفون من وقتهم في العدوان ضعف الوقت الذي تصرفه البنات فيه. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ (الروم: ٢١) ولو نظرنا إلى الحضارة الحديثة التي يمر بها المسلمون، وقارنا بين نظرتها للمرأة ونظرة الإسلام إليها لوجدنا البون شاسعًا جدًّا. فالإسلام ينظر إلى كل من الرجل والمرأة باعتبارهما متكاملان، ويشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (آل عمران: ١٩٥). في حين تنظر الحضارة الحديثة إليهما على أن كلًا منهما صورة طبق الأصل للآخر. والإسلام يقضي باختلاف دوائر عمل كل من النوعين، في حين ترى الحضارة الحديثة أن مجال عملهما واحد (١). إن القوامة للرجل على المرأة في الإسلام ليست معناها سيطرة الرجل على المرأة. يقول أ/ محمد رشيد العويد: يخطئ كثير من الناس في فهم قوله تعالى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾ (النساء: ٣٤) فليس من هدف القوامة السيطرة على المرأة سيطرة تنمحي معها شخصيتها في البيت أو المجال الإنساني؛ لأن

стр. 6133

هذا الفهم خاطئ من غير شك وآية ذلك أن المرأة في الشريعة، تتمتع تمتعًا ملحوظًا بحقوقها كاملة من غير نقصان، سواء أكانت متزوجة أم غير متزوجة، فهي حرة في حقوقها المدنية، بعد بلوغها سن الرشد، إذ لها الرأي في كثير من المجالات المالية كالبيع والشراء وهلم جرّا. والمرأة المتزوجة مستقلة الاستقلال كله عن زوجها في مالها وثروتها، ولا يحق له أن يتصرف في مالها دون رضاها. في حين أن المرأة في القوانين الحديثة عند الأمم كفرنسا، مغلولة في كثير من الحقوق المدنية. وتنص المادة ٢١٧ من القانون المدني الفرنسي على أن المرأة المتزوجة لا يجوز لها أن تنقل ملكيتها إلا بالاشتراك مع زوجها. ولو تدبرت المرأة -أية امرأة- نظرة الشريعة إليها والمكانة التي يرفعها إليها لما رضيت بغير الإسلام منظمًا لشؤونها وعلاقاتها بغيرها في المجتمع والحياة. ولو عرض وضع المرأة في الإسلام على النساء الغربيات وأحسن العرض، لقامت الغربيات هناك بمظاهرات تطالب بالحقوق التي منحها الإسلام للمرأة. الوجه الرابع: قوامة الرجل على المرأة لا تعني أن ذات الرجل أفضل من ذات المرأة . وقضية قوامة الرجل على المرأة لا تعني أن ذات الرجل أفضل من ذات المرأة، فالذي يُختار أميرًا، أو رئيسًا من القوم، ليس بالضرورة أفضلهم وأعلاهم مرتبة عند اللَّه . يقول ابن تيمية: فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص، فربَّ حبشي أفضل عند اللَّه من جمهور قريش. (١) ويقول في موضع آخر: فهذا الأصل يوجب أن يكون جنس الحاضرة أفضل من جنس البادية، وإن كان بعض أعيان البادية أفضل من أكثر الحاضرة. (٢) فالقوامة ليست عنوانًا على أفضلية ذاتية عند اللَّه ، يتميز بها الأمير أو المدير، وإنما ينبغي أن تكون عنوانًا على كفاءة يتمتع بها القائم بأعباء هذه المسئولية.

стр. 6134

ففهم الأفضلية الذاتية للرجال على النساء، مما يتناقض بشكل حاد مع صريح كتاب اللَّه في نصوص كثيرةٍ منه، فاللَّه يقرر ويؤكد أن النساء والرجال متساوون في ميزان القرب من اللَّه، وإنما يفاوت بين درجاتهم في ذلك تفاوت أعمالهم الصالحة التي يقومون بها ابتغاء مرضاة اللَّه ، فهو يقول: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (آل عمران: ١٩٥). ويقول أيضًا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ (النحل: ٩٧)، ويقول : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ (النساء: ١٢٤)، ويقول في تفصيل وبيان لا يقبل الريب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ (الأحزاب: ٣٥). ثم إنَّ البيان الإلهي يعود فيزيد هذه الحقيقة تأكيدًا، إذ يبرزها فيما يشبه الصياغة المحددة القانونية، فيقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ (الحجرات: ١٣). قد أسقط قرار اللَّه فوارق الذكورة والأنوثة واختلاف الأقوام والقبائل وتمايز ما بين الشعوب المتنوعة، عن الاعتبار في ميزان القرب إلى اللَّه أو البعد عنه، بعبارة محددة حاسمة، بعد أن أثبت هذه الحقيقة ذاتها بأساليب متنوعة شتى في الآيات السابقة. فهل من الممكن بعد هذا، تفسير الأفضلية في قوله ، في آية القوامة ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (النساء: ٣٤) أي: بأفضلية الرجل من حيث إنه رجل على المرأة من

стр. 6135

حيث إنها امرأة؟ بل هل يتسنى، حتى مع شيء من التّحمل، الجنوح إلى هذا التفسير الذي تقف منه هذه النصوص القرآنية التي أوردناها، موقف النقيض من النقيض؟ ! . فمصدر هذه القوامة لا يتمثل في أفضلية ذات الرجل عند اللَّه على ذات المرأة، وإنما مصدرها الأفضلية المصلحية الآتية من توافق إمكانات الرجل ووظيفته الإنفاقية، مع ما تحتاج إليه الأسرة في مجال الرعاية والسهر على مصالحها الخطيرة. كما أن إسناد مهام رعاية الطفولة المتمثلة في الحضانة والرضاعة وجزء كبير تستقل به المرأة عن الرجل في التربية، ليس مصدره أفضلية ذاتية للمرأة على الرجل، وإنما مصدرها الأفضلية المصلحية ذاتها التي تتجلى في توافق إمكانات المرأة مع هذه المهام. بل ربَّ رجل أسندت إليه مهامُّ هذه القوامة، وهو من أفسق الناس وأبعدهم عن رضا اللَّه ، ورب امرأة عاشت في ظل هذه القوامة، وهي من أفضل الناس صلاحًا وأسماهم مكانة عند اللَّه. والذين أدركوا معنى النظام وقيمته في الحياة الإنسانية، ونُشِّئوا في ظلال النظام يعلمون هذه الحقيقة، ويتعاملون مع مؤيداتها في سائر تقلبات الحياة. وفي إيجاز شديد نقول لهؤلاء: إن القوامة للزوج على زوجته في ظل نظام الزواج الإسلامي ليست تسلطًا ولا اعتسافًا، وإنما هي أسلوب رشيد في الإدارة والتوجيه، ولو تجاوز أحد الأزواج هذا الأسلوب فتسلط واعتسف لكان مخالفًا لمنهج الإسلام ومفتاتًا على حق الزوجة وعاصيًا للَّه سبحانه، إذ لا يحق له أن يظلم أو يجور؛ لأن اللَّه سبحانه حرم ذلك على الناس جميعًا كما حرمه على نفسه. الوجه الخامس: المرأة العاقلة لا يسعدها أن تتساوى مع الرجل في القوامة . شواهد الحياة كلها تدل -عند التحقق- على أنه قد لا يسعد المرأة سعادة حقيقية أن تتساوى بالرجل في كل شيء، بل إنني لأقول -عن تجربة ومشاهدة-: إن سعادتها الحقيقية تكمن في أن تراعي وجوه اختلافها عن الرجل فسيكولوجيا، وبيولوجيًا، وفسيولوجيًا، ولا تكمن في أي خروج على هذه الأوجه، أو تجاهل لها. وأشير إشارات سريعة -

стр. 6136

لأسباب معروفة- إلى ما هو مشاهد ثابت من غلبة الاكتئاب المرضي، والرغبة في الانتحار -بل الإقدام عليه أحيانًا- وغلبة الشقاء النفسي، والفشل في الحياة الخاصة على كثير من المتزعمات لما يطلق عليه حركات المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، في مقابل السعادة الحقيقية التي تجنيها المرأة المتوافقة في حياتها مع طبيعة الأنثى بكل صفاتها، وأبرزها ما تختلف فيه مع الرجل من تكوين نفسي، وعضوي. يقول GA.adfieid في كتابه علم النفس والأخلاق: وغريزة الخضوع تقوى أحيانًا فيجد صاحبها لذة في أن يكون متسلطًا عليه، ويحتمل لذلك الألم بغبطة، وهذه الغريزة شائعة بين النساء وإن لم يعرفنها، ومن أجلها اشتهرت بالقدرة على احتمال الألم أكثر من الرجل، والزوجة من هذا النوع تزداد إعجابًا بزوجها كلما ضربها وقسا عليها. ولا شيء يحزن بعض النساء مثل الزوج الذي يكون رقيق دائمًا، لا يثور أبدًا على الرغم من تحديهن، ولا يعرف شقاء هذه العيشة إلا النسوة اللاتي جربن الحياة مع زوج من هذا الطراز. وقريب من هذا الاتجاه، رأى الأستاذ محمد زكي عبد القادر الذي يقول فيه: المرأة تحب الرجل العصي. تحب أن تصطدم إرادتها بإرادته، تحب الصراع للظفر، ولكنها تغضب وتملأ الدنيا صياحًا، وفي قرارة نفسها حلاوة الضعف أمام قوة الرجل. وكتبت كاتبة أمريكية وهي تقول: إذا كانت لي ابنة لأوصيتها بأنه لا ينبغي لها أن تعد نفسها مساوية لزوجها في المقام والمنزلة، ولو أحبها زوجها حبًا جمًا واحترمها، إن هناك نساء يعملن في المصانع ومصالح الحكومات، وربما يكسبن من عملهن عائدات تعادل عائدات أزواجهن، ومع ذلك عليهن أن يقدرن محبة أزواجهن، فلا تزعمن أنهن أصبحن مثل أزواجهن في مقام العمل. صحيح إن بعض النساء نلن في المنزلة العلمية والفكرية ما ناله الرجال في المقام، ومع ذلك فإن ادعاء الانفراد والأنانية لا يجوز أبدًا للنساء.

стр. 6137

عندما زار وفد المغتربين العرب سورية جرت محادثة صحفية بين أحد الصحفيين في دمشق، وإحدى المغتربات حول المرأة، فكان مما قالته المغتربة عن الحياة في الغرب، وعن المرأة فيها، بعد أن تنهدت ألمًا وحرقة: ليت رحلتنا تدوم، أو ليت البقاء يكتب لي هنا، وأشارت بيدها إلى البعيد وتابعت: هناك. . حيث، بعيدًا، بعيدًا. . حركة وضجيج، ومادة، وسرعة، وتعايش غير إنساني، كل إنسان يريد أن يفهم الدنيا كسبًا، وأن ينتهبها لذة، وأن يسيطر عليها نفوذًا، وما أصعب الحياة الصاخبة، وما أحلى أن يعيش الإنسان في حدود إنسانيته، يفعل ما يرى أنه بحاجة إليه نابعًا من ذاته، ويعمل ما يريد؛ لأن المجتمع أراد، ويتحمس لما لا يحسن؛ لأن المجموعة متحمسة، ويخالف ضميره ومزاجه ومبادئه في كثير من الأحيان، لأن سنة السرعة والحركة تفرض عليه هذا، ولا يستطيع الهرب أو الانطلاق من السلسة التي تطوقه. ثم تابعت حديثها بلغة عربية غير سليمة، ولكنها مفهومة تجيب على سؤال الصحفي حين سألها عن المرأة. وهل هي متزوجة؛ فأجابت: لم أتزوج بعد، لأنني لم أجد الزوج الذي يقدس المرأة ويميزها، ويقدمها على نفسه ويعرف قدرها كالزوج العربي، هناك يعامل الزوج زوجته على قدم المساواة مع أي جار أو صديق! إنها شيء في حياته يجوز الاستغناء عنه، وفي أحسن الحالات يجوز أن يتساوى معه، أما هنا فالزوجة والمرأة بشكل عام، مفضلة، مدللة، محترمة المكانة يسعى الرجل لإسعادها قبل أن يسعد نفسه، وعندما قال الصحفي الدمشقي للمغتربة: إن النساء هنا لا يرضين عن هذه المعاملة، إنهن يطالبن بالمساواة مع الرجل. . ضحكت المغتربة ساخرة، وقالت: لو ذهبن إلى أمريكا وأذعن ما يطالبن به هنا لضحكت كل النساء الأميركيات من هذه المطالب. . إن المرأة الأمريكية تحسد المرأة العربية، وتتمنى حياة زوجية كحياتها. وهذه فرانسواز ساغان المستشرقة الفرنسية تقول:

стр. 6138

أيتها المرأة الشرقية إن الذين ينادون باسمك ويدعون إلى مساواتك بالرجل إنهم يضحكون عليك وقد ضحكوا علينا من قبلك! ! جاء في جريدة المنار (٦/ ١٤٩) ما تستحسنه المرأة في الرجل: القي هذا الموضوع على كثيرات من نخبة الكاتبات الأنكليزيات فكتبت سارة يولى تقول: إن المرأة تعجب بشجاعة الرجل واستقلاله وتود أن يكون زوجها متسلطًا عليها ولقد كان ذلك شأنها منذ العصور الغابرة وإن كان العمران الحاضر قد ساوى في الحقوق، لكن الاعجاب بقوة الرجل لا يزال ديدن المرأة ولذلك تراها تعجب بالجنود؛ لأنهم يمثلون القوة البدنية وبخدمة الدين؛ لأن لهم سلطة أدبية ودينية. يقول د/ عبد اللَّه مبارك الخاطر: إن نسيت فلن أنسى خلال إقامتي في ديار الغرب صورتين متناقضتين غاية التناقض لامرأة مشهورة تعمل في المحاماة. الصورة الأولى: توفرت في هذه المرأة الصفات التالية: قوة البنية، ذرابة اللسان، الحماسة لما تؤمن به وتعتقده، النشاط الدائب: فمره تقرأ مقالاتها في الصحف، ومرة أخرى تسمعها تتحدث في التلفاز، وتقارع فحول الرجال الحجة بالحجة. . . ومرة ثالثة تستمع إليها في المحاكم تدافع عن القضية التي نذرت نفسها من أجلها. قد يظن القارئ الكريم أنها محامية لشركة من الشركات أو لمؤسسة من المؤسسات. لا يا أخي. إن عملها الوحيد الدفاع عن حقوق المرأة ومساواتها بالرجل، ولهذا تجد عندها إحصائيات عجيبة عن الوزارات والمؤسسات والشركات وعن نسبة الرجال والنساء في كل منها. . وكم أرغمت هذه الجهة أو تلك على قبول عدد من النساء وفصل الزيادة من الرجال. . وكم ربحت الحكم ضد شركات أقدمت على تسريح مجموعة من النساء بسبب عدم الحاجة إليهن. كانت هذه المرأة ذائعة الصيت، ولها مكانة كبيرة في المجتمع الغربي، كما كانت مثالًا يحتذى به للنساء، بل وللرجال الذين ينادون بالمساواة المطلقة بين الجنسين.

стр. 6139

الصورة الثانية: صورة هذه المرأة وهي مريضة، وقد حوّلها طبيبها الخاص إلى قسم الطوارئ في مستشفى الأمراض النفسية الذي كنت أعمل به. وقد شاهدت بعيني مشهدًا يختلف تمامًا عن المشهد الذي يراه الناس على شاشة التلفاز أو في قاعة المحكمة: شاهدت امرأة ضعيفة منهارة محطمة تشعر أنها تعيش وحدها في هذه الدنيا، ليس لها ابن ولا زوج ولا أخ ولا والد. . أما النساء فيعرفنها محامية قوية تدافع عن حقوقهن، ولا حاجة لهن بها إذا كانت مريضة في المستشفى، أو مقعدة في بيتها، أو في مأوى العجزة. . كنت أعرف مشكلتها قبل أن أسألها، ومع ذلك سألتها حيث لا بد من سؤال المريض والاهتمام بكل ما يقوله. . قلت لها: ما مرضك وبماذا تشعرين؟ فأجابت: أريد رجلًا يشاركني الحياة ويقول لي: لا! ! . . لقد مللت الحياة التي عشتها، والعمل الذي اخترته. هذا مرضها أنقله بأمانة ودقة. . وقد قصت بواجبي وأعطيتها العلاج اللازم للمصاب بحالة الاكتئاب، ولكنني أشعر بأنها لن تشفى من هذا المرض؛ لأنها لن تجد رجلًا عاقلًا يغامر بحياته وعقله ويتزوجها، وإذا وجدت فسوف يكون من أشباه الرجال ولن يقول لها: لا! ! ومثل هذا الرجل لا يحل مشكلتها، ومن جهة ثانية، فلو شفيت من مرضها وعادت إلى عملها السابق، فسوف تعيد سيرتها الأولى؛ لأن أمثالها يبحثن عن الشهرة، والطبع عندهن يغلب التطبع. . فهي تريد أن يتحدث الناس عنها مهما كانت النتائج. أرأيتم المرأة عندما تصطدم مع الفطرة التي فطر اللَّه الناس عليها؟ ! . قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ (الروم: ٣٠). وهذا رد أراه مفحمًا لكل ناعق بمثل هذا القول. وهناك رد آخر هو أن الأسرة وهي الوحدة الأساسية في بناء المجتمع، وهي في الوقت نفسه مكونة من أكثر من فرد، وعملها الذي تقوم به في دعم المجتمع وقيمه وآدابه يقوم بها

стр. 6140

أكثر من واحد -الزوج والزوجة والأبناء- فلابد من إدارة لهذه الأسرة تكون مقاليدها في يد أحد أفراد هذه الأسرة، لا في يد واحد من خارجها. فبيد من تكون هذه الإدارة أو القوامة؟ أتكون لمن هيأه اللَّه وفطره على أن يقوم بأعباء هذه القوامة، وهو الرجل؟ أم تكون لغير من هيئ وفطر على ذلك، وهي المرأة؟ إن الفروق الحادة بين الرجل والمرأة في هذا المجال لا تنقص من قدر المرأة وإنما هي حكمة اللَّه وبالغ حكمته، وإلا لاعتبرنا أن تهيئة المرأة للحمل والولادة ينقص من قدر الرجل؛ لأنه لا يستطيع ذلك، ولا قائل بذلك من العقلاء. والمقياس الدقيق في ذلك والتعليل المقبول لهذه القوامة التي أعطاها للرجل على زوجته هو ما جاءفي قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (النساء: ٣٤). وهذا التفضيل داخل في قوانين الفطرة التي فطر اللَّه الناس عليها، فقد فطر الرجال والنساء على أن يميل كل جنس منهما إلى الجنس الآخر، وجعل هذا الميل المنتهي أخيرًا بالزواج الشرعي سببًا في العمران، وإنشاء التمدن ونمو الحياة، وإن البداية الصحيحة لذلك هي تكوين الأسرة وما يجب أن يحاط به الأطفال من حب وحنان وحضانة. وإن من قوانين الفاطر -لكي يحفظ الكل طرف حقه ويلزمه بواجبه- أن جعل القوامة للرجل على المرأة، وأعد جسده وعقله وقدراته كلها على أن تحمل أعباء تأمين احتياجات الحياة لأسرته، في حين لم تفطر المرأة على ذلك، بل هي تتعرض لحالة مرضية في كل شهر تمتد من ثلاثة أيام إلى خمسة عشر يومًا، تصيبها -كما يرى علماء الأحياء- بتبلد في الحس، وتكاسل في الأعضاء، وتراجع لقوة التركيز، ونقص في الذكاء، وضعف في الأعصاب، وإذا كان هذا في فترة الحيض في بالنا بفترة الحمل والولادة والإرضاع؟ هل يمكن مع هذه الفطرة أن تكون القوامة لها على البيت؟

стр. 6141

نعم يوافق الإسلام على أن يتقاسم الرجل مع المرأة ما يستطيع أن يقوم به من عمل في البيت، معاونة منه لأهله وتأدبًا بأدب الإسلام الذي أوضح لنا أن رسولنا وقدوتنا ﷺ كان في خدمة أهله. ذلك هو المفهوم الصحيح للقوامة أن يحمل الرجل أعباء البيت من الخارج سعيًا وكذا، وأن يعين في أعبائه الداخلية تعاونًا وخدمة، وكل ما عدا هذا الفهم مما قد يشاهد عند بعض الأزواج إنما هو انحراف عن المنهج ومعصية للَّه ورسوله ﷺ وقعود عن واجب، أو استبداد بسلطة قد تؤدي إلى أبغض الحلال إلى اللَّه، وهو الطلاق. وإن من نافلة القول التأكيد على أن أعداء الإسلام يخلطون عامدين بين المنهج والناس المنفذين له، ويحسبون أخطاء الناس على المنهج نفسه، وهو قياس فاسد المقدمات فاسد النتائج، ممعن في المغالطة والتضليل. وإن الزعم بأن المرأة في الغرب تنعم بنظام زواج حسن يمكن أن يحاكى، زعم باطل شجع عليه رؤية الانحناءات أمام المرأة وتقبيل يدها من الأجانب عنها، وتلك قشرة رقيقة تخفي تحتها من امتهان المرأة ما لا يعرفه إلا الذين عاشوا هناك ورأوا مفردات الحياة الزوجية عن قرب، وعرفوا ما تحت القشرة. إن امتهان المرأة هناك على الرغم من تلك اللامعة الخالية بلغ حد إلزامها بالعمل في المصانع والمناجم أو تموت جوعًا، وبلغ أن الزوج ليس مطالبًا بالإنفاق على زوجته وأولاده، بل إن الزوجين إذا تناولا الطعام خارج البيت -وكثيرًا ما يفعلان- دفع كل منهما ثمن طعامه من حسابه الخاص! . إن بعض النساء الغربيات يطالبن اليوم بالتخلي عما حصلت عليه المرأة من مميزات؛ لتعود إلى بيتها تجد رجلًا قوامًا على زوجه وبيته؛ لتتفرغ هي لتربية أبنائها والعناية بهم. وليس هنا مجال الحديث عن هذه الأخطاء فنحن لا نكتب في تاريخ نظام الزواج عند الغربيين، ولكننا نكتفي بأن نقول:

стр. 6142

إن علامة فشل هذا النظام الغربي في الزواج هي: شيوع الفاحشة وإقرار الزنا بالقانون ما دام برضا الطرفين. وتدهور العلاقة الزوجية إلى حد أن يكون الجسم للزوج، والقلب والحب لرجل آخر، بل الجسم كذلك لرجلين أو أكثر. وتخلص الرجل من واجبات النفقة على الزوجة والبيت. وإهدار حقوق الزوجة المادية والمعنوية كما أوضحنا ذلك من قبل. وما أصاب الأبناء من قلق واضطراب. وما أصاب المجتمع من تدهور أخلاقي خطير. وانعكاسات ذلك كله على بقاء كثرة غالبة من غير زواج. الوجه السادس: القوامة في الإسلام بلغت بالمرأة أعلى مكانة تدليل وتشريف وإعزاز . القوامة في الإسلام تعني حق الطاعة الواجبة على الزوجة تجاه زوجها، وهي طاعة عَطاء وبذل متبادل بلا منافسة ولا شحناء، فالرجل هو القائد والمرأة مركز القيادة، دون إخلال بإنسانيتها أو كرامتها، بل إن هدف القائد رفعة المرأة سواء كانت كزوجة أو ابنة أو أم، فعليه حق العناء ولها حق الرفاهية والإعزاز، فإدارة دفة الحياة لا تصلح بقائدين متساويين، والرجل في قيادته ليس له حق الاستبداد والاستعلاء، ولكن عليه مشاورة المرأة فيما يخص الأسرة من قرارات. وحق القوامة في الإسلام فيه كامل حماية المرأة مما يواجهها من أخطار تمس الشرف أو الكرامة أو الكبرياء، فهي جوهرة مصونة لا يعبث بها أي طامح أو طامع، فإن احتاجت التقويم والإرشاد فهناك ضمانات لعدم إهانتها أو مس كبريائها، وإن شهدت كان لها حق شهادة مع مراعاة طبيعتها كامرأة بلا نقصان في أهليتها، وإن وليت أمرًا فلا بد أن يكون في حدود إمكانياتها وطاقاتها وطبيعتها حتى تفلح فيه، ولها حرية امتلاك الأموال والتصرف فيها، وحرية مفارقة الزوج إن رغبت في ذلك بالخلع فإرادتها في الإسلام كاملة، وكرامتها مصونة وهي المشاركة للرجل في شتى مناحى الحياة، وهي السكن والمودة والرحمة.

стр. 6143

الوجه السابع: المرأة تسكن في ظل قوامته . حاولوا كثيرًا أن يمسخوا فطرة المرأة، ويزعموا أنها لا تطيق قوامة الرجل؛ ولا تميل إلى طاعته، وزينوا لها الخروج من تحت كنفه. وقالوا: إن هذا تحرير لها، وعتق لشخصيتها في طلاق لطاقاتها المدفونة. وجاءت الدراسات السيكولوجية الحديثة لتبطل دعاواهم، وتفند مزاعمهم، وتؤكد أن المرأة ترتاح إلى طاعة الرجل وتطمئن في العيش تحت قيادته وحمايته. يعرض بييرداكو في كتابه (المرأة بحث في سيكولوجية الأعماق) بعض الأمثلة على ما أسماه الثنائية المتكاملة، فيقول: قالت لي إحدى النساء: لو كنت تعلم كم يتقن زوجي فرض الطاعة بنظرة واحدة! أحبه لأنني أشعر بلذة في خضوعي إلى سلطانه. وقالت أخرى: الحقيقة أنني أرتاح عندما يرفع صوته، وأتظاهر أنني أتمرد، ولكنني لا أعتقد بأي كلمة أقولها عن تمردي. وقالت ثالثة: زوجي كثيرًا وهو نصف جاد ونصف غاضب، فأتحول عندئذ إلى بنت صغيرة كل الصغر وأشعر أنني محبوبة مثل بنت صغيرة. وقالت رابعة: أشعر أنني ضائعة منذ أن يتغيب زوجي برهة، إنني أحتاج إلى حضوره الذي يوحي بالطمأنينة. . . حاجة كبيرة. وقالت خامسة: إنني بحاجة إلى أن يكون معي باستمرار، على بعد خطوتين مني، وأن يحكي لي ويحبني، وأن يكون بحاجة إليّ. هكذا ينطلق صوت فطرة المرأة قويًا، واضحًا صريحًا مباشرًا، ليرد على ما حاولوا خنقه، أو تزييف نبراته. والشهادات التي أوردها بييرداكو في كتابه، نذر يسير جدًّا من آلاف الشهادات التي تزخر بها كتب مذكرات الشهيرات، والمقابلات التي تجري معهن، إضافة إلى مئات الدراسات والاستطلاعات التي تجريها المؤسسات والجامعات ومراكز البحوث.

стр. 6144

ولا شك في أن عرض جميع هذه الشهادات يحتاج كتابًا مستقلًا، وأكتفي هنا بعرض إحدى نتائج استطلاع أجرته مجلة وومان المرأة البريطانية، حيث ذكرت ٩٠% من النساء أنهن لا يرغبن مشاهدة أزواجهن يبكون أمام الناس. . . إن البكاء ضعف، والرجل ينبغي عليه ألا يضعف. واعترضت ٩٢% من النساء على استعمال الرجل للأقراط، وامرأة واحدة فقط من كل عشرين امرأة كانت مرتاحة للشعر المستعار، إذا استعمله زوجها. وقالت إحدى قارئات المجلة: إن كثيرًا من المجوهرات التي يتحلى بها الرجل تعني أنه مغرور بنفسه، وأنه رجل غامض ومحير. وكانت الإجابة المثالية التي حظيت بإجماع المشاركات في الاستطلاع: إنني أريد رجلًا يبدو فعلًا رجلًا، وربما أتمنى الموت إذا رأيت زوجي يستعمل أدوات المكياج ويحمل حقيبة يد، أو يلبس المشد. لا تريد المرأة إذن أن يكون الرجل شبيهًا بالمرأة، بل تريده رجلًا قويًا، تحتمي في قوته، وتأمن في حمايته، وتسكن في ظل قوامته. الوجه الثامن: أهمية القائد لأي تجمع بشره . ومما لا ينازع فيه عاقل أن الأسرة تجمع بين الجنسين، ومن مقتضى أمور الحياة أن كل تجمع لابد له من قائد ورئيس من بين أفراده؛ ليتولى مهام إصدار القرارات والإشراف على تنفيذها، ومهما تكن درجة الشورى والديمقراطية في التجمع فلا غنى له في النهاية عن القائد والرئيس الذي يوازن بين المشورات والآراء المعروضة عليه ليصدر من بينها قراره التنفيذي، فليست الشورى والديمقراطية في أعلى صور تحققها بمغنية عن منصب الزعيم القائد. وقد حرص الإسلام على أن تكون روح النظام هي السائدة في المجتمع كله بسائر مرافقه، وفي كل الأحوال والظروف. وإنما يسود النظام في المجتمع بهيمنة ضوابط المسئولية فيه. ولن تُترجَم المسؤولية الفعلية إلا بوجود الأمير الذي إليه تعود مسئولية

стр. 6145

الإدارة والإشراف. وحيث كان الأمر كذلك فإنه فيما يتصل بالأسرة كتجمع، فلا بد أنها محتاجة لقيادة، إما أن تكون من الرجال، وإما أن تكون من النساء. واللَّه يخبرنا أن جنس الرجل هو المهيأ بما أودعه اللَّه فيه من صفات لهذه القيادة، وأيضًا بما أوجبه التشريع من أن تكون النفقات المالية عليه، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء: ٣٤)، ومعنى هذه الدرجةِ أن اللَّه قد خلق الرجل على فطرة وطبيعة يكون فيها هو المهيأ لقيادة الأسرة، وتولي تصريف أمور الحياة التي تجمع بينهما، ومن ثم فقد أوجب عليه الإنفاق المالي في أمور المعيشة. الوجه التاسع: وشهد شاهد من أهلها . قد لا تعرف المرأة في باريس أو لندن أو نيويورك أو موسكو حقيقة الإكرام الذي تناله المرأة المسلمة في الشرق؛ لأنها بعيدة عنها، فإذا ما نقلت وسائل الإعلام بعض الأخبار عنها، فإنها تنقل صورة مشوهة لا تمثل الحقيقة. لكنها -أي المرأة الغربية- إذا سافرت إلى الشرق المسلم، واقتربت من المرأة فيه، أدركت الحقيقة الغائبة عنها؛ ولمست بنفسها السعادة التي تعيش فيها المسلمة، السعادة المحرومة منها في المجتمع الغربي. وهذا ما حدث للمحامية الفرنسية كريستين التي يروي لنا قصتها وينقل لنا حكايتها، ياسر عبد ربه في مجلة ياسمين. عبر قرنين، خاضت المرأة الفرنسية معركة ضارية مع الرجل والدولة والقوانين. فقد وجدت أن الرجل يحتل المراكز الحكومية فطالبت بمساواتها معه، ثم وجدت أن الرجل يعمل ويكسب في جميع الحقوق التجارية والاقتصادية والسياسية فرفعت صوتها وكافحت وناضلت مطالبة بالمساواة. ثم وجدت أن الرجل استعمل الطائرة والسيارة فصرخت في وجهه قائلة: ولماذا لا أقود أنا الطائرة والسيارة؟

стр. 6146

الحكومات الفرنسية أعطت للمرأة الفرنسية بالتدريج كل ما طالبت به. والمرأة اليوم تعيش بفرنسا في ظل قوانين تساويها تمامًا بالرجل حيث لم تعد وظيفة ما حكرًا على الرجل وحده، بل أصبحت المرأة تطالب بالمنصب نفسه وقد حصلت عليه بالفعل. فالمرء يجد أن المرأة الفرنسية أصبحت وزيرة، ونائبة في البرلمان، وضابطة في البوليس، وقاضية في المحاكم، وسائقة للتاكسي، وفلاحة في المزرعة، وشرطية توقف المخالفين من الرجال أو النساء وتكتب بحقهم مخالفة مالية. . . . فهل حققت المرأة الفرنسية سعادتها؟ كريستين فتاة فرنسية ولدت في باريس من أب باريسي وأم من مدينة مرسيليا، ولأنها البنت البكر فقد اعتنى بها الأهل حتى أخذت حظها من الثقافة ونالت شهادتها الجامعية في كلية الحقوق بنجاح، وكان عليها أن تعمل في مكتب أحد المحامين وترافع حتى يحق لها أن تعمل وحدها وفي مكتب خاص بها. تقول كريستين: أستيقظ في السادسة صباحًا حيث يبتدئ عملي في التاسعة، فأخذ حمامي وأشرب قهوتي على عجل ثم أهرول من المنزل حتى محطة المترو التي تنقلني عبر ست وعشرين محطة إلى مركز عملي. والرحلة تستغرق أكثر من ساعة، وحين أصل إلى الكتب يكون أستاذي -تقصد المحامي الذي تعمل عنده- لم يصل بعد، فأقرأ الصحف وأتسلى بسماع أخبار المترفين من الناس حتى يحضر الأستاذ الذي يكون كعادته متجهم الوجه، فيوجه لي الأوامر، فأتوجه إلى هذه المحكمة أو تلك لأرافع في قضية لا يهمني من سيربحها -واستطرادًا من يخسرها-، عند الظهر أتوجه إلى أي مطعم شعبي فأزدرد بعض لقيمات دون أية لذة في الطعام، وأعود بعدها للمكتب لأدرس بعض القضايا التي يكلفني بها الأستاذ، وفي المساء أعود لأتسلق المترو في رحلة الست وعشرين محطة وأتحمل هذا السكير الذي يدعوني للعشاء أو ذلك الذي يطرح علي أسئلة غبية بقصد مغازلتي ولابد من أن أجيب رغم معرفتي المسبقة بنواياه.

стр. 6147

أصل إلى البيت متعبة فأشاهد برامج التلفزيون دون أن يشدني أي موضوع منها ثم أتناول طعام العشاء ثم. . آه من ثم. . ثم أنام. في الصباح يعود المشهد ذاته حتى تأتي عطلة الأسبوع وهي يومان فماذا أصنع؟ في البيت شغل أيضًا وهو شغل شاق. ففي يوم السبت لا بد من شراء الأغراض للبيت، أي مؤونة الأسبوع وترتيب بعض الأغراض. ويوم الأحد لا بد من أن أغسل ثيابي التي اتسخت طوال الأسبوع ولا بد من كنس البيت وتنظيفه، والعمل في حديقة المنزل فهذه شجرة يجب تهذيب غصونها وتلك وردة تحتاج إلى سماد خاص وهذه غرسة جديدة آن وقت غرسها، وهذه الحديقة التي أعتني بها لا أرى فيها الشجرة حين تثمر ولا الوردة حين تشرق ولا الزنبقة حين تنبت، فالحياة تضطرني دومًا للركض وأتساءل لماذا؟ فلا أجد جوابًا. انظر في المرآة فأجد أنني جميلة لكن رجلًا لم يحضر ليخطبني أو يتزوجني، ثم أعطيه كل ما تملكه الأنثى من حب ورعاية وحنان. فأنا أعرف أن الرجل يريد في النهاية أن يتزوج من أنثى تملك مواصفات الأنثى في الرقة والنعومة، وأنا كفتاة عاملة فقد افتقدت كل هذه المؤهلات. صحيح أنني أكسب بعض المال؛ لكن هل المال وحده يعطي السعادة؟ في السنة الماضية -تقول كريستين- حصلت على إجازة وعزمت على أن أزور بلدان المشرق العربي، بعض الصديقات نصحنني بألا أقوم بهذه المغامرة غير المضمونة النتائج! كيف تذهبين لبلدان متخلفة، لا تزال المرأة فيها جارية عند الرجل والرجل هو سيد البيت وسيدها؟ هكذا قلن لي واستطردن: بل كيف تذهبين إلى بلدان لا تعرف المرأة فيها أي حق من حقوقها بل هي لا ترى إلا من خلال الرجل حتى في عينيها؛ لكنني -تقول كريستين- كنت قد قررت ولأنني قررت فقد ذهبت. سبعة أسابيع قضيتها في زيارة كل من بيروت ودمشق وعمان وبغداد وها أنذا أعود إلى باريس فماذا وجدت؟ وجدت رجلًا يذهب إلى عمله في الصباح ويتعب ويشقى ويعمل حتى إذا كان المساء عاد إلى زوجته ومعه خبز ومع الخبز حب وعطف ورعاية لها

стр. 6148

ولصغاره، الأنثى في تلك البلاد لا عمل لها إلا تربية جيل والعناية بالرجل الذي تحب، أو على الأقل بالرجل الذي كان قدرها. . . في الشرق تنام المرأة وتحلم وتحقق ما تريد؛ فالرجل قد وفر لها خبزًا وحبًا وراحة ورفاهية، وفي بلادنا حيث ناضلت المرأة من أجل المساواة فماذا حققت؟ انظر إلى المرأة في غرب أوروبا فلا ترى أمامك إلا سلعة. فالرجل يقول لها: انهضي لكسب خبزك، فأنت قد طلبت المساواة ومادمت أعمل فلا بد أن تشاركيني بالعمل لنكسب خبزنا معًا. ومع الكد والتعب والعمل لكسب الخبز تنسى المرأة أنوثتها وينسى الرجل شريكته في الحياة وتبقى الحياة بلا معنى ولا هدف. المرأة في الغرب مضطرة للعمل لكسب خبزها حتى في بيت أهلها أو بيت زوجها. المرأة في الغرب ربما كسبت المساواة ولكنها خسرت أنوثتها. الوجه العاشر: القوامة في اليهودية والمسيحية تسلط بالضغط والإكراه . وقد آمنت التوراة بضرورة قوامة الرجل على المرأة حيث فشلت المرأة في أن تكون المعين والمساعد للرجل في الجنة، فتسببت في إخراجه منها، ولذلك فله حق القيادة والرئاسة والإدارة في الدنيا والتي وصفت بلفظ ثقيل المعنى والمفهوم وهو التسلط، أي الرياسة بضغط وإكراه، وكان من حق الوالد على ابنته أن يبيعها لسداد ديونه. ومن حق الزوج على زوجته اللواط معها بدون رغبتها ومن حق الأب تزويج ابنته بدون أخذ رأى أمها. وكان من آثار هذا التسلط: عدم احتفاظ المرأة باسم عائلتها إذا تزوجت من عائلة أخرى. عدم الحق في مباشرة إدارة الأموال إلا بوصاية زوجها. وقد لخصت الموسوعة اليهودية العلاقة بين الرجل والمرأة فقالت: الرجل سيد على المرأة، وأنها ملك له، وإن كانت تستشار بعض الوقت.

стр. 6149

وتؤمن المسيحية بأن العدل هو خضوع المرأة للرجل؛ لأن المساواة في الكرامة تجلب الصراع، والمرأة لا تستحقها، لأنها أساءت استخدام السلطة في الجنة فخرجت منها هي وزوجها، وعبر بولس عن خضوع المرأة للرجل وجعله كالعبادة تمامًا حيث قال: ٢٢ أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ، ٢٣ لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ المَرْأَةِ كَمَا أَنَّ المَسِيحَ أَيْضًا رَأْسُ الْكَنِيسَةِ. أفسس ٥: ٢٢، ٢٣. كما يقول: رأس المرأة هو الرجل. كورنثوس ١١: ٣. ونتج عن هذا التسلط عدة أحكام مجحفة بالمرأة منها: أ - لا ينبغي أن تكون المرأة معلمة للرجل. ب - الصمت في الكنيسة وعدم الكلام نهائيًا. جـ - تحريم عملها كداعية دينية أو العمل الكهنوتي بالكنيسة. د - عدم حقها في الاستقلال بذمتها المالية ومزاولة أعمال التجارة والتصرفات المالية. * * *

стр. 6150

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام تأليف أحمد بن سليمان أيوب ونخبة من الباحثين فكرة وإشراف د. سليمان الدريع المجلد الحادي عشر تابع: شبهات عن المرأة دار إيلاف الدولية للنشر والتوزيع

стр. 6151

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 6152

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام (١١)

стр. 6153

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م دار إيلاف الدولية للنشر والتوزيع (دار وقفية دعوية) المدير العام: د/ فرحان بن عبيد الشمري falaslmi@gmail.com الإدارة: مجمع المخيال - هاتف: ٢٤٥٧٠٠٨٢ - ٩٦٩٩٩١٨٢ - الكويت. الفرع الأول: الجهراء - مجمع الخير - الدور الأول مكتب ١٠ هاتف ٢٤٥٥٧٥٥٩ الفرع الثاني: حولي - شارع المثنى، هاتف وناسوخ: ٢٢٦٤١٧٩٧ رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: ١١٠٤٥/ ٢٠١٥ م التوزيع داخل جمهورية مصر العربية: دار العلم للبحث العلمي وتحقيق التراث لصاحبها: أحمد بن سليمان ah.solaiman ١٩٧٠@gmail.com ت: ٠١١٥٨٩٨٠٥٨٠

стр. 6154

تابع شبهات عن المرأة

стр. 6155

٤ - شبهة: خروج المرأة . نص الشبهة: لقد حلا لأعداء اللَّه أن يصوروا للمرأة أن الإسلام يريدها سجينة، وأن سجانها الغليظ هو الرجل، الذي يمسك بالمفتاح، يتحكم كيف يشاء، إن شاء سمح بالنور أو سمح بالهواء، وإن لم يشأ لم يسمح! ونسوق على سبيل المثال لا الحصر، تلك الفقرة التي ذكرها المؤرخ بنتر pinter مصورًا مركز المرأة الغربية في عصر الإقطاع، ثم مقارنته لها بمركز معاصرتها المسلمة، يقول بنتر: "مركز المرأة في المجتمع الإقطاعي كان بالغ التعقيد، فطالما أنها كانت لا تستطيع أن تمارس القتال، فإنها كانت قاصرًا في العرف الإقطاعي، كانت دائمًا تحت وصاية رجل، فقبل أن تتزوج تكون تحت وصاية والدها، بعد ذلك تصبح تحت وصاية زوجها، وعندما يموت تصبح تحت وصاية سيده أو أكبر أبنائها، لم يكن للمرأة أية حقوق قبل زوجها، وهي بشخصها وممتلكاتها كانت خاضعة تمامًا لسيطرته، وبينما حاولت الكنيسة تقييد وحشية الأزواج تجاه زوجاتهم بتحديد حجم العصا التي يضربونهن بها، إلا أن لمستها هذه لم تحسن وضع المرأة، فقد كانت مصدر كل شر وإثم وخطيئة حواء، تسببت في طرد الرجل من الجنة، وهي نفسها كانت الوعاء الذي يتراكم فيه الإثم، علاوة على ذلك فإن الكنيسة أصرت على خضوع الزوجة لزوجها وكان الزوج بالنسبة لزوجته مثل اللَّه بالنسبة له، ولكن قبل أن نتحسر على مركز المرأة في الفترة المبكرة من العصر الإقطاعي، يجب أن نقارن مركزها مع مركز مثيلتها في المجتمعات المعاصرة، فالمرأة المسلمة كانت سجينة في الحريم تحت المراقبة المستمرة للخدم". هكذا زعم بنتر أن المرأة المسلمة حبيسة الجدران تحت المراقبة المستمرة لها. والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: بيان ما ورد في الشرع مما يدل على خروج المرأة. الوجه الثاني: الآداب التي تلتزم بها المرأة عند خروجها. الوجه الثالث: حال المرأة في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل

стр. 6156

الوجه الأول: بيان ما ورد في الشرع مما يدل على خروج المرأة . أولًا: خروج المرأة للصلاة: ١ - للصلوات المفروضة وللمرأة أن تخرج إلى المسجد للصلاة فيه، دلَّت على ذلك الأحاديث الآتية: ١ - عن ابْن عُمَرَ قَالَ: "كَانَتْ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ تَشْهَدُ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ فِي المَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهَا: لِمَ تَخْرُجِينَ وَقَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيَغَارُ؟ قَالَتْ: وَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِي؟ قَالَ: يَمْنَعُهُ قَوْلُ رسول اللَّه ﷺ : "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّه مَسَاجِدَ اللَّه". (١) ٢ - عن عائشة قالت: "كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول اللَّه ﷺ صلاة الفجر مُتَلَفِّعَاتٍ بمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ ينقلبن إِلَى بُيُوتِهِنَّ حين يقضين الصلاة لا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ من الغلس" (٢). ٣ - عن عَائِشَةَ قَالَتْ: "أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بالعتمة حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ النبي ﷺ ، فَقَالَ: "مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ غَيْرُكُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَلَا يُصلَّى يَوْمَئِذٍ إِلَّا بِالمَدِينَةِ" وَكَانُوا يُصَلُّونَ العتمة فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ" (٣). ٤ - عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّه قالت: قَالَ لنا رَسُولُ اللَّه ﷺ : "وَإِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْعِشَاءَ فَلَا تطيب تلك الليلة" (٤). وجه الدلالة من الأحاديث: دلت هذه الأحاديث على أن النبي ﷺ قد أذن للنساء مطلقًا في الخروج إلى المسجد لأداء الصلوات فيه في جماعة، وأن النساء كن يشهدن الصلوات في المسجد، ولا فرق في ذلك بين الشابات منهن والعجائز؛ لعموم النساء في هذه الأحاديث. قال ابن رجب الحنبلي: والمراد هاهنا من ذلك: أن النساء كنَّ يشهدن الصلاة خلف رسول اللَّه ﷺ في المسجد، ومعهن صبيانُهُنَّ، وأن النبى ﷺ كان يعلم ذلك ويراعي في

стр. 6157

صلاته حالهن، ويؤثر ما يهوَّن عليهن، ويجتنب ما يشقُّ عليهن، وذلك دليل على أن حضورهن الجماعة معه غير مكروه، ولولا ذلك لنهاهنَّ عن الحضور معه للصلاة. اهـ. (١) وقال القرطبى: ولا تمنع -أي المرأة- أيضًا من الصلاة في المساجد ما لم يخف عليها الفتنة. (٢) قال ابن هبيرة: والذي أرى حضورهن الجماعات، وأنهن يكن في آخر الصفوف من الرجال على ما جاء في الأحاديث، ومضى عليه زمن المصطفى ﷺ والصدر الأول غير مكروه بل مسنون، وأن من علل كراهية ذلك تخوف الافتتان، فإن ذلك مردود عليه بالحج. (٣) وقال الشوكانى: وفي الحديث أنه لا بأس بحضور النساء الجماعة في المسجد. (٤) ٢ - خروج المرأة لصلاة الجمعة . ويجوز خروج المرأة لصلاة الجمعة (٥)، وذلك: لعموم قول النبي ﷺ : "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّه مَسَاجِدَ اللَّه". وعن عَبدِ اللَّه بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ، عَنْ بِنْتٍ لِحَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: مَا حَفِظْتُ ﴿ق﴾ إِلَّا مِنْ فِي رسول اللَّه ﷺ يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ. (٦) فدل هذا الحديث على أن النساء كن يحضرن صلاة الجمعة في عهد النبي ﷺ . ٣ - خروج المرأة إلى المسجد لصلاة النوافل: يجوز للمرأة الخروج إلى المسجد لصلاة النوافل كالتراويح وغير ذلك، دلَّ على ذلك ما روي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ فَقَالَ: "مَا هَذَا الْحَبْلُ؟ "قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا، حُلُّوهُ

стр. 6158

لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ. فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُد (١) ". ٤ - استحباب خروج المرأة لصلاة العيدين يستحب خروج المرأة لصلاة العيدين دلَّ على ذلك ما يلي: ١ - عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ جَوَارِيَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ يَوْمَ الْعِيدِ، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ، فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَأَتَيْتُهَا فَحَدَّثَتْ أَنَّ زَوْجَ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً، فَكَانَتْ أُخْتُهَا مَعَهُ فِي سِتِّ غَزَوَاتٍ، فَقَالَتْ: فَكُنَّا نَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى وَنُدَاوِي الْكَلْمَى (٢)، فَقَالَتْ يَا رسول اللَّه: أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ؟ فَقَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا فَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ" قَالَتْ حَفْصَةُ: فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ أَتَيْتُهَا، فَسَأَلْتُهَا أَسَمِعْتِ فِي كَذَا وَكَذَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، بِأَبِي، وَقَلَّمَا ذَكَرَتْ النَّبِيَّ ﷺ إِلَّا قَالَتْ: بِأَبِي، قَالَ: "لِيَخْرُج الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ (٣)، -أَوْ قَالَ- الْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ وَالْحُيَّضُ وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ المُصَلَّى وَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ (٤) "قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهَا ألْحُيَّضُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَلَيْسَ الْحَائِضُ تَشْهَدُ عَرَفَاتٍ وَتَشْهَدُ كَذَا وَتَشْهَدُ كَذَا؟ ". وجه الدلالة من الحديث: قال ابن رجب الحنبلى: وفي الحديث أَمْرُ النساء بالخروج حتى شوابُّهنَّ وذوات الخدور منهن (٥). وقال الخطابي: أمر جميع النساء بحضور المصلى يوم العيد لتصلي من ليس لها عذر، وتصل بركة الدعاء إلى من لها عذر. (٦)

стр. 6159

وقال العينى: وفيه خروج النساء أيضًا، وسواءٌ فيه الطاهرات والحْيِّض كما جاء في الحديث. (١) ٢ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه ﵁ قَالَ: "قَامَ النَّبِي ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَصَلَّى، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ، فَأَتَى النِّسَاءَ فَذَكَّرَهُنَّ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ، وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ يُلْقِينَ النِّسَاءُ فيه الصدقة" (٢). وعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ قال: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: أشَهِدْتَ الْخُرُوجَ مَعَ رسول اللَّه ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْلَا مَكَانِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ حتى أتَى الْعَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بالصَّدقَةِ، فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه فِي ثَوبِ بِلَالٍ، ثُمَّ أَتَى هُوَ وَبِلَالٌ بيته (٣). وجه الدلالة من الحديثين: أفاد هذان الحديثان أن النساء في عهد النبي ﷺ كن يحضرن صلاة العيد، وأن النبي ﷺ كان يعظهن بعد أن يعظ الرجال. قال المهلب: فيه جواز خروج النساء الطاهرات والحُيَّض إلى العيدين وشهود الجماعات، ويعتزل الحُيَّض المصلى، ويكنَّ فيمن يدعو، ويُؤَمِّنَّ؛ رجاء بركة المشهد الكريم. (٤) وقال ابن بطال: وهذا يدل على تأكيد خروج النساء إلى العيدين؛ لأنه إذا أمرت أن تلبس من لا جلباب لها، فمن لها جلباب أولى أن تخرج وتشهد دعوة المؤمنين رجاء بركة ذلك اليوم. (٥) وقال ابن قدامة: ولا بأس بخروج النساء يوم العيد إلى المصَلى، وقال ابن حامد: يستحب ذلك، ثم أورد جملة آثار وأقوال، وقال: وإنما يستحب لهن الخروج غير متطيبات، ولا يلبسن ثوب شهرة، ولا زينة، ولا يخرجن في ثياب البذلة، لقول رسول اللَّه ﷺ :

стр. 6160

وليخرجن تفلات، ولا يخالطن الرجال، بل يكنَّ ناحية منهم. (١) ٥ - خروج المرأة لصلاة الكسوف: عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّهَا قَالَتْ: أتَيْتُ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ -فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا هِيَ قَائمَةٌ تُصَلِّي فَقُلْتُ مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا إلى السَّمَاءِ، وَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّه. فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ، أَيْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ (٢)، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي مَاءً، فَلَمَّا انْصَرَفَ رسول اللَّه ﷺ حَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الجنَّةَ وَالنَّارَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ" قَالَتْ أَسْمَاءُ: يُؤْتَى أَحَدُكُمْ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَوْ المُوقِنُ: لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ، فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ اللَّه جَاءَنَا بالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا، فَيُقالُ لَهُ: نَمْ صَالِحًا فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لمُؤْمِنًا وَأَمَّا المُنَافِقُ أَوْ المُرْتَابُ لَا أَدْرِي أَيتهما قَالَتْ أَسْمَاءُ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُوُلونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ" (٣). وفي رواية (٤): كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَفَزِعَ، فَأَخْطَأَ بِدِرْعٍ حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَتْ: فَقَضَيْتُ حَاجَتِي، ثُمَّ جِئْتُ وَدَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَرَأَيْتُ رسول اللَّه ﷺ قَائِمًا فَقُمْتُ مَعَهُ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ حَتَّى رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ أَجْلِسَ، ثُمَّ أَلْتَفِتُ إِلَى الْمَرْأَةِ الضَّعِيفَةِ فَأَقُولُ: هَذِهِ أَضْعَفُ مِنِّي فَأَقُومُ، فَرَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقِيَامَ حَتَّى لَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ خُيِّلَ إِلَيهِ أنَّهُ لَمْ يَرْكَع. قلت: وفي الحديث دليل على جواز خروج المرأة لصلاة الكسوف، وقد بوَّب البخاري

стр. 6161

على الحديث بقوله: باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف. قال الحافظ: أشار بهذه الترجمة إلى ردِّ قول من منع ذلك، وقال: يصلين فرادى. (١) وقال ابن حزم: ويصليها -أي: صلاة الكسوف- والنساء والمنفرد والمسافر. اهـ (٢) ثانيًا: خروج المرأة للقيام على خدمة المسجد: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ أَوْ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ (٣) المَسْجِدَ -وفي رواية للبخاري: ولا أراه إلا امرأة- فَمَاتَ فَسَأَل النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ فَقَالُوا، مَاتَ. قَالَ: "أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ؟ دُلُّونِي عَلَى قَبرِهِ -أَوْ قَالَ- قَبْرِهَا" - فَأتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا (٤). قال ابن حجر: فيه صحة تبرع تلك المرأة بإقامة نفسها لخدمة المسجد لتقرير النبي ﷺ لها على ذلك. ثالثًا: خروج المرأة إلى المسجد للاعتكاف فيه ويجوز للمرأة أن تخرج إلى المسجد للاعتكاف فيه، ودليل ذلك ما يلي: ١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ "إنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَعْتكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّه، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ" (٥). ٢ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ ذكر أن يَعْتكِفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، فَاسْتَأْذَنَتْه عَائِشَةُ فَأَذِنَ لَهَا، وسألت حَفْصَةُ عَائِشَةَ أن تستأذن لها، ففعلت، فَلما رَأَتْ ذلك زَيْنَبُ بنت جَحْشٍ أمرت ببناء، فبني لها، قالت: وكان رسول اللَّه ﷺ إذا صلى انصرف إلى

стр. 6162

بنائه فأبصر الأبنية، فقال: ما هذا؟ قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب، فقال رسول اللَّه: آلبرَّ أَرَدْنَ بهذا (١)؟ ما أنا بِمعتَكِفٍ. فرجع، فلما أفطر اعْتكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّال. (٢) وجه الدلالة من الحديثين: أفاد هذان الحديثان أن نساء النبي ﷺ كنَّ يعتكفن في المسجد، وقد أذن لهن رسول اللَّه ﷺ في الاعتكاف فيه فدلَّ ذلك على جواز خروج المرأة إلى المسجد للاعتكاف فيه. رابعًا: خروج المرأة لزيارة القبور: يستحب خروج المرأة لزيارة القبور للأحاديث الآتية: ١ - عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رسول اللَّه ﷺ : "نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ النَّبِيذِ إِلا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا" (٣). ٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "زار النبي ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي تَعَالَى عَلَى أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَاسْتَأْذَنْتُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لِي فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ بِالْمَوْتِ" (٤). وجه الدلالة من الحديثين: قال الشيخ الألبانى: عموم قوله ﷺ : "فزوروا القبور" فيدخل فيه النساء، وبيانه أن النبي ﷺ لما نهى عن زيارة القبور في أول الأمر، فلا شك أن النهي كان شاملًا للرجال والنساء معًا، فلما قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور" كان مفهومًا أنه كان يعني الجنسين، ضرورة أنه يخبرهم عما كان في أول الأمر من نهي الجنسين، فإذا كان الأمر كذلك

стр. 6163

كان لزامًا أن الخطاب في الجملة الثانية من الحديث، وهو قوله: "فزروها" إنما أراد به الجنسين أيضًا، ويؤيده أن الخطاب في بقية الأفعال المذكورة في زيادة مسلم في حديث بريدة المتقدم آنفًا: "وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَن النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا" أقول: فالخطاب في جميع هذه الأفعال موجه إلى الجنسين قطعًا، كما هو الشأن في الخطاب الأول "كنت نهيتكم" فإذا قيل بأن الخطاب في "فزوروها" خاص بالرجال، اختل نظام الكلام وذهبت طراوته؛ الأمر الذي لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم، ومن هو أفصح من نطق بالضاد ﷺ ويزيده تأييدًا. . . مشاركتهن الرجال في العلة التي من أجلها شُرعت زيارة القبور، فإنها ترقرق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة. اهـ. (١) ٣ - عن أنَس بْن مَالِكٍ قال: مَرَّ النبي ﷺ بامرأة وَهِيَ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: "اتَّقِي اللَّه وَاصْبِرِي" فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لم تصب مُصِيبَتِي، ولم تعرفه، (٢) فقيل لها: أنه النبي ﷺ ، فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقَالَ: "إِنَّما الصَّبْرَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى" (٣). وجه الدلالة: قال الحافظ: وموضع الدلالة منه أنه ﷺ لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حجة. (٤)

стр. 6164

وقال العيني: وفيه جواز زيارة القبور مطلقًا، سواء كان الزائر رجلًا أو امرأة. . لعدم الفصل في ذلك (١). وقال ابن بطال: وفي هذا الحديث دليل على جواز زيارة القبور؛ لأن ذلك لو كان لا يجوز لما ترك. (٢) وقال أيضًا: لما ترك ﷺ بيان ذلك، ولأنكر على المرأة جلوسها عند القبر (٣). وحديث أنس في هذا الباب يشهد لصحة أحاديث الإباحة؛ لأن النبي ﷺ إما عرض على المرأة الباكية الصبر ورغبها فيه، ولم ينكر عليها جلوسها عنده، ولأنهاها عن زيارته؛ لأنه ﷺ لا يترك أحدًا يستبيح ما لا يجوز بحضرته ولا ينهاه؛ لأن اللَّه -تعالى- فرض عليه التبليغ والبيان لأمته. حالات يحرم فيها خروج المرأة لزيارة القبور . قال الشيخ مصطفى العدوي: ١ - إذا عُلم من حال النساء أنهن -بذهابهن إلى القبور- يصحن وينحن ويعددن على الأموات، ويفعلن البدعة والمحرمات، فتحرم حينئذٍ زيارتهن للقبور، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ٢ - إذا عُلم من أحوالهن كذلك أنهن يذهبن إلى قبور بعض ما يطلقون عليهم الصالحين أو أولياء، يلتمسون عندهم تفريج الكربات، وقضاء الحاجات، وكشف الغمات، فهذا شرك، وتحرم عندئذٍ الزيارة بلا شك. ٣ - إذا ذهبت النساء متبرجات متعطرات، فكذلك يحرم خروجهن.

стр. 6165

٤ - إذا خصصت النساء يومًا لزيارة القبور فيه - كما يحدث من تخصيص أيام الجمع والأعياد ونحو ذلك، فهذا من البدع التي ما أنزل اللَّه بها من سلطان، وفقنا اللَّه لاتباع كتابه وسنة نبيه ﷺ . (١) خامسًا: خروج المرأة لأداء الحج أو العمرة: لا خلاف بين الفقهاء في أن للمرأة أن تخرج لأداء حجة الفريضة أو الحج المنذور، أو لقضاء الحج أو حج التطوع، وأن لها أن تخرج لأداء العمرة إذا كانت تخرج لذلك مع محرم أو زوج، دلَّ على ذلك الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب: فقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران: ٩٧). وقال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (البقرة: ١٩٦). وأما السنة: فروى البخاري، ومسلم عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج وصوم رمضان". وأما الإجماع: فقال النووي: وأجمعوا على أن الحج يجب على المرأة إذا استطاعت، ولم نتوسع في هذا الباب؛ لكونه معلومًا لدى جميع المسلمين. (٢) فهذه الأدلة دلت على وجوب الحج على المكلفين رجالًا كانوا أو نساء. خروج المرأة لأداء الشهادة: يجب على المرأة الخروج لأداء الشهادة إذا تحملتها، وذلك للأدلة الآتية: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (البقرة: ٢٨٣). ٢ - قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ (النساء: ١٣٥).
следующие страницы →