← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

على الحديث بقوله: باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف. قال الحافظ: أشار بهذه الترجمة إلى ردِّ قول من منع ذلك، وقال: يصلين فرادى. (١) وقال ابن حزم: ويصليها -أي: صلاة الكسوف- والنساء والمنفرد والمسافر. اهـ (٢) ثانيًا: خروج المرأة للقيام على خدمة المسجد: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ أَوْ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ (٣) المَسْجِدَ -وفي رواية للبخاري: ولا أراه إلا امرأة- فَمَاتَ فَسَأَل النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ فَقَالُوا، مَاتَ. قَالَ: "أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ؟ دُلُّونِي عَلَى قَبرِهِ -أَوْ قَالَ- قَبْرِهَا" - فَأتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا (٤). قال ابن حجر: فيه صحة تبرع تلك المرأة بإقامة نفسها لخدمة المسجد لتقرير النبي ﷺ لها على ذلك. ثالثًا: خروج المرأة إلى المسجد للاعتكاف فيه ويجوز للمرأة أن تخرج إلى المسجد للاعتكاف فيه، ودليل ذلك ما يلي: ١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ "إنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَعْتكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّه، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ" (٥). ٢ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ ذكر أن يَعْتكِفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، فَاسْتَأْذَنَتْه عَائِشَةُ فَأَذِنَ لَهَا، وسألت حَفْصَةُ عَائِشَةَ أن تستأذن لها، ففعلت، فَلما رَأَتْ ذلك زَيْنَبُ بنت جَحْشٍ أمرت ببناء، فبني لها، قالت: وكان رسول اللَّه ﷺ إذا صلى انصرف إلى

стр. 6162

بنائه فأبصر الأبنية، فقال: ما هذا؟ قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب، فقال رسول اللَّه: آلبرَّ أَرَدْنَ بهذا (١)؟ ما أنا بِمعتَكِفٍ. فرجع، فلما أفطر اعْتكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّال. (٢) وجه الدلالة من الحديثين: أفاد هذان الحديثان أن نساء النبي ﷺ كنَّ يعتكفن في المسجد، وقد أذن لهن رسول اللَّه ﷺ في الاعتكاف فيه فدلَّ ذلك على جواز خروج المرأة إلى المسجد للاعتكاف فيه. رابعًا: خروج المرأة لزيارة القبور: يستحب خروج المرأة لزيارة القبور للأحاديث الآتية: ١ - عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رسول اللَّه ﷺ : "نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ النَّبِيذِ إِلا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا" (٣). ٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "زار النبي ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي تَعَالَى عَلَى أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَاسْتَأْذَنْتُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لِي فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ بِالْمَوْتِ" (٤). وجه الدلالة من الحديثين: قال الشيخ الألبانى: عموم قوله ﷺ : "فزوروا القبور" فيدخل فيه النساء، وبيانه أن النبي ﷺ لما نهى عن زيارة القبور في أول الأمر، فلا شك أن النهي كان شاملًا للرجال والنساء معًا، فلما قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور" كان مفهومًا أنه كان يعني الجنسين، ضرورة أنه يخبرهم عما كان في أول الأمر من نهي الجنسين، فإذا كان الأمر كذلك

стр. 6163

كان لزامًا أن الخطاب في الجملة الثانية من الحديث، وهو قوله: "فزروها" إنما أراد به الجنسين أيضًا، ويؤيده أن الخطاب في بقية الأفعال المذكورة في زيادة مسلم في حديث بريدة المتقدم آنفًا: "وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَن النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا" أقول: فالخطاب في جميع هذه الأفعال موجه إلى الجنسين قطعًا، كما هو الشأن في الخطاب الأول "كنت نهيتكم" فإذا قيل بأن الخطاب في "فزوروها" خاص بالرجال، اختل نظام الكلام وذهبت طراوته؛ الأمر الذي لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم، ومن هو أفصح من نطق بالضاد ﷺ ويزيده تأييدًا. . . مشاركتهن الرجال في العلة التي من أجلها شُرعت زيارة القبور، فإنها ترقرق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة. اهـ. (١) ٣ - عن أنَس بْن مَالِكٍ قال: مَرَّ النبي ﷺ بامرأة وَهِيَ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: "اتَّقِي اللَّه وَاصْبِرِي" فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لم تصب مُصِيبَتِي، ولم تعرفه، (٢) فقيل لها: أنه النبي ﷺ ، فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقَالَ: "إِنَّما الصَّبْرَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى" (٣). وجه الدلالة: قال الحافظ: وموضع الدلالة منه أنه ﷺ لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حجة. (٤)

стр. 6164

وقال العيني: وفيه جواز زيارة القبور مطلقًا، سواء كان الزائر رجلًا أو امرأة. . لعدم الفصل في ذلك (١). وقال ابن بطال: وفي هذا الحديث دليل على جواز زيارة القبور؛ لأن ذلك لو كان لا يجوز لما ترك. (٢) وقال أيضًا: لما ترك ﷺ بيان ذلك، ولأنكر على المرأة جلوسها عند القبر (٣). وحديث أنس في هذا الباب يشهد لصحة أحاديث الإباحة؛ لأن النبي ﷺ إما عرض على المرأة الباكية الصبر ورغبها فيه، ولم ينكر عليها جلوسها عنده، ولأنهاها عن زيارته؛ لأنه ﷺ لا يترك أحدًا يستبيح ما لا يجوز بحضرته ولا ينهاه؛ لأن اللَّه -تعالى- فرض عليه التبليغ والبيان لأمته. حالات يحرم فيها خروج المرأة لزيارة القبور . قال الشيخ مصطفى العدوي: ١ - إذا عُلم من حال النساء أنهن -بذهابهن إلى القبور- يصحن وينحن ويعددن على الأموات، ويفعلن البدعة والمحرمات، فتحرم حينئذٍ زيارتهن للقبور، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ٢ - إذا عُلم من أحوالهن كذلك أنهن يذهبن إلى قبور بعض ما يطلقون عليهم الصالحين أو أولياء، يلتمسون عندهم تفريج الكربات، وقضاء الحاجات، وكشف الغمات، فهذا شرك، وتحرم عندئذٍ الزيارة بلا شك. ٣ - إذا ذهبت النساء متبرجات متعطرات، فكذلك يحرم خروجهن.

стр. 6165

٤ - إذا خصصت النساء يومًا لزيارة القبور فيه - كما يحدث من تخصيص أيام الجمع والأعياد ونحو ذلك، فهذا من البدع التي ما أنزل اللَّه بها من سلطان، وفقنا اللَّه لاتباع كتابه وسنة نبيه ﷺ . (١) خامسًا: خروج المرأة لأداء الحج أو العمرة: لا خلاف بين الفقهاء في أن للمرأة أن تخرج لأداء حجة الفريضة أو الحج المنذور، أو لقضاء الحج أو حج التطوع، وأن لها أن تخرج لأداء العمرة إذا كانت تخرج لذلك مع محرم أو زوج، دلَّ على ذلك الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب: فقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران: ٩٧). وقال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (البقرة: ١٩٦). وأما السنة: فروى البخاري، ومسلم عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج وصوم رمضان". وأما الإجماع: فقال النووي: وأجمعوا على أن الحج يجب على المرأة إذا استطاعت، ولم نتوسع في هذا الباب؛ لكونه معلومًا لدى جميع المسلمين. (٢) فهذه الأدلة دلت على وجوب الحج على المكلفين رجالًا كانوا أو نساء. خروج المرأة لأداء الشهادة: يجب على المرأة الخروج لأداء الشهادة إذا تحملتها، وذلك للأدلة الآتية: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (البقرة: ٢٨٣). ٢ - قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ (النساء: ١٣٥).

стр. 6166

٣ - قال جل شأنه: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾. فهذه الآيات قد دلت على وجوب أداء الشهادة، والقيام بها بالعدل سواء من الرجال أو النساء. وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إذا استأذنت المرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها" (١). قال العينى: وإذا كان حق عليهن أن يأذنوا فيما هو مطلق لهن الخروج فيه، فالإذن لهن فيما هو فرض عليهن أو يندب الخروج إليه أولى، كخروجهن لأداء شهادة. اهـ. (٢) سادسًا: خروج المرأة للجهاد: وكان النساء في عهد النبي ﷺ يخرجن مع النبي ﷺ وصحابته للجهاد فيقمن بأعمال تتناسب مع طبيعتهن، ومن هذه الأعمال: ١ - سقي العطشى . عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهزَمَ النَّاسُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ، وإنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِن تَنْقُزَانِ (٣) الْقِرَبَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: تَنْقُلَانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا، ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلَآنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ (٤). ٢ - مداواة الجرحى . عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رسول اللَّه ﷺ ، يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مِن الْأَنْصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا، فَيَسْقِينَ الْمَاءَ، وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى (٥).

стр. 6167

عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قال: كَانَ رسول اللَّه ﷺ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ، وَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ، فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى، وَيُحْذَيْنَ (١) مِنْ الْغَنِيمَةِ (٢). ٣ - رد القتلى والجرحى . عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ، قَالَتْ: كُنَّا نغزو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فنَسْقِي القوم، ونخدمهم، وَنَرُدُّ الْجَرْحَى والْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ (٣). ٤ - خياطة القرب . عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ قال: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَسَمَ مُرُوطًا بَيْنَ نِسَاءٍ مِنْ نِسَاءِ الْمَدِينَةِ، فَبَقِيَ مِرْطٌ جَيِّدٌ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَعْطِ هَذَا ابْنَةَ رسول اللَّه ﷺ الَّتِي عِنْدَكَ يُرِيدُونَ -أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَليٍّ-، فَقَالَ عُمَرُ: أُمُّ سَلِيطٍ أَحَقُّ. وَأُمُّ سَلِيطٍ مِنْ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ بَايَعَ رسول اللَّه ﷺ ، قَالَ عُمَرُ: فَإِنَّهَا كَانَتْ تَزْفِرُ لَنَا الْقِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ (٤). ٥ - القيام على المرضى . عن حفصة بنت سيرين عن امرأة من الأنصار: أن زوج أختها غزا مع النبي ﷺ ثنتى عشرة غزوة، فكانت أختها معه في ست غزوات، قالت: فكنا نقوم على المرضى (٥). ٦ - صنع الطعام . عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ: قَالَتْ: غَزَوْتُ مَعَ رسول اللَّه ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ؛ أَخْلُفُهُمْ فِي رِحَالهِمْ، وَأَصْنَعُ لَهُمْ الطَّعَامَ (٦). حكم خروج المرأة للجهاد

стр. 6168

لا يجب على المرأة الخروج إلى الجهاد، إذا كان الكفار ببلادهم غير قاصدين بلدة من بلاد المسلمين، وذلك لما رُوي عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رسول اللَّه، نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: "لَا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ، حَجٌّ مَبْرُورٌ" (١). فأفاد هذا الحديث أن المرأة لا يجب عليها القتال في سبيل اللَّه؛ إذ لم يأذن رسول اللَّه ﷺ لعائشة في الخروج إليه. وأما إذا دخل الكفار بلدة من بلاد المسلمين، فذهب الفقهاء إلى أنه يتعين على المرأة في هذه الحالة الجهاد، بحسب قدرتهن. واللَّه أعلم. سابعًا: خروج المرأة لقضاء حوائجها الضرورية يجوز خروج المرأة للبيع والابتياع، وطلب حقها عند القاضي، وحضور خصومة هي طرف فيها، ونحو ذلك من حوائجها التي يقضي العرف خروج مثلها لها، وإن لم يأذن لها الزوج في ذلك إن كانت ذات زوج، دلَّ على ذلك ما يلي: ١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَمَا ضُرِبَ عَلَيْهَا الحِجَابُ، لِتَقْضِيَ حَاجَتَهَا، وَكَانَتْ امْرَأَةً جَسِيمَةً (٢) تَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْمًا لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا (٣)، فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ واللَّه مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ؟ قَالَتْ: فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً، ورسولَ اللَّه ﷺ في بَيْتِي، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفى يَدِهِ عَرْقٌ (٤) فَدَخَلَتْ، فَقَالَتْ: يَا رسول اللَّه إِنِّي خَرَجْتُ لبعض حاجتي، فَقَالَ لِي عُمَرُ كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ: فَأوحى اللَّه إِلَيْهِ، ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ، وَإِنَّ الْعَرْقَ في يَدِهِ مَا وَضَعَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ (٥).

стр. 6169

٢ - وفي حديث الإفك قالت عَائِشَةَ ﵂: خَرَجْتُ بعدما نَقَهْتُ، فَخَرَجتُ مَعَي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ (١) وَهو متبرَّزُنَا، وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ (٢) قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التبرز قِبَلَ الْغَائِطِ، فَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ (٣). ٣ - عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وَمَا لَهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ، وَلَا مَمْلُوكٍ، وَلَا شَيْءٍ غَيْرَ نَاضِحٍ، وَغَيْرَ فَرَسِهِ، فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ، وَأَسْتَقِي الْمَاءَ، وَأَخْرِزُ غَرْبَهُ وَأَعْجِنُ، وَلَمْ أَكُنْ أَحْسِنُ أَخْبِزُ، وَكَانَ يَخْبِزُ جَارَاتٌ لِي مِن الْأَنْصَارِ وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ، وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ -الَّتِي أَقْطَعَهُ رسول اللَّه ﷺ عَلَى رَأْسِي، وَهِيَ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ، فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي، فَلَقِيتُ رسول اللَّه ﷺ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِن الْأَنْصَارِ فَدَعَانِي، ثُمَّ قَالَ: "إخْ إخْ"؛ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ، وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيْرَتَهُ -وَكَانَ أَغْيَرَ النَّاسِ- فَعَرَفَ رسول اللَّه ﷺ أَنِّي قَدْ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى، فَجِئْتُ الزُّبَيْرَ، فَقُلْتُ: لَقِيَنِي رسول اللَّه ﷺ وَعَلَى رَأْسِي النَّوَى وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَنَاخَ لِأَرْكَبَ، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ، فَقَالَ: "وَاللَّه لَحَمْلُكِ النَّوَى كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ، قَالَتْ حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ تَكْفِينِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ، فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي (٤).

стр. 6170

٤ - عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ، فَقَالَتْ: يَا رسول اللَّه، إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ: يَا أُمَّ فُلَانٍ، انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ؛ فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا (١). ٥ - عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْت أَبِي طَالِبٍ، قالت: ذَهَبْتُ إِلَى رسول اللَّه ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ. قالت: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ " فَقُلْتُ: أنا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: "مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ" فَلَمّا فَرَغَ منْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رسول اللَّه! زَعَمَ ابْنُ أُمِّي: أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ. فَقَالَ رسول اللَّه ﷺ : "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ" قَالَتْ: أُمُّ هَانِئٍ وَذَاكَ ضُحًى (٢). ومن ذلك أيضًا خروج المعتدة البائن والمتوفى عنها زوجها لحاجتها: عَنْ جَابِر بْنْ عَبْدِ اللَّه ﵁ قال: طُلِّقَتْ خَالَتِي، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا، فزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ فأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "بلَى فَجُدِّي نَخْلَكِ، فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي، أَوْ تَفْعِلي مَعْرُوفًا" (٣). قال النووي: هذا الحديث دليل لخروج المعتدة البائن للحاجة. (٤) ثامنًا: خروج المرأة لزيارة والديها وأقاربها وتخرج المرأة لصلة أرحامها، فقد حث الإسلام على صلة الأرحام. وتستأذن المرأةُ زوجها لزيارة والديها وعيادتهما في مرضيهما وتعزيتهما في موت قريب، وكذلك تستأذنه في زيارة محارمها. ففي حديث الإفك استأذنت عائشة النبي ﷺ لزيارة والديها، وفيه: قُلْتُ: أتَأذَنْ لِي أن آتي أَبَوَيَّ؟ قَالَتْ: وَأنا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَتَيقْنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، فَأَذِنَ لِي رسول اللَّه ﷺ ، فجئت

стр. 6171

أَبَوَيَّ (١). . . الحديث. قال الحافظ: وفيه توقف أن خروج المرأة من بيتها على إذن زوجها ولو كانت إلى بيت أبويها. فإن أذن لها الزوج جاز لها الخروج، وأما إذا لم يأذن لها زوجها، فقد اختلف الفقهاء، فمنهم من أجاز زيارتها وإن لم يأذن لها، ومنهم من منع زيارتها، والذي يظهر لي -واللَّه أعلم- أنه يجوز زيارتها لوالديها وأقاربها وإن لم يأذن لها زوجها، ويستدل لذلك بالكتاب والسنة. (٢) أما الكتاب: ١ - فقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (النساء: ٣٦). ٢ - وقال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: ٢٣ - ٢٤). ٣ - وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ (لقمان: ١٤). ووجه الدلالة من هذه الآيات: أن اللَّه أمر ببر الوالدين والإحسان إليهما، ومصاحبتهما في الدنيا معروفًا، وليس من البر والإحسان والمصاحبة بالمعروف الامتناع عن زيارتهما، أو عيادتهما في مرضهما. وأما السنة فهي: ١ - عَنْ عَبْدِ اللَّه بن مسعود ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّه؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّه" (٣).

стр. 6172

٢ - عَن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إِنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ" (١). ٣ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ ثَلَاثًا، قَالُوا: بَلَى، يَا رسول اللَّه! قَالَ "الْإِشْرَاكُ بِاللَّه، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ" (٢). ٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قَالَ: "مَنْ أحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ (٣) لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ له فِي أَثَرِهِ (٤)، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" (٥)، (٦). وجه الدلالة من الأحاديث: حثّت هذه الأحاديث الشريفة على بر الوالدين وصلتهم حتى لو كانا مشركين، وبينت أيضًا أَن مِنْ أكبر الكبائر عند اللَّه عقوق الوالدين، ومن قبيل عقوقهما الامتناع عن زيارتهما، أو خدمتهما، أو تمريضهما عند حاجتهما إلى ذلك. وقد حثت أيضًا الأحاديث الشريفة على صلة الأرحام، وبينت أن من قطع رحمه فإنه لا يدخل الجنة؛ فدلَّ ذلك كله على جواز خروج المرأة لصلة والديها، وأقاربها، وإن لم يأذن لها زوجها. ٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَمَا ضُرِبَ الْحِجَابُ لحَاجَتهَا، وَكَانَتْ امْرَأَةً جَسِيمَةً تَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْمًا، لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا، فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ، أما وَاللَّه مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ؟ قَالَتْ: فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً، ورسول اللَّه ﷺ فِي بَيْتِي، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفِي يَدِهِ عَرْقٌ، فَدَخَلَتْ، فَقَالَتْ: يَا رسول اللَّه، إِنِّي خَرَجْتُ

стр. 6173

لبعض حاجتي، فَقَالَ لِي عُمَرُ كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ: فَأُوحِيَ إِلَيْهِ، ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ، وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ (١). قال النووي: وفي الحديث جواز خروج المرأة من بيت زوجها لقضاء حاجة الإنسان إلى الموضع المعتاد لذلك بغير استئذان الزوج، لأنه مما أذن فيه الشرع (٢). ٨ - وفي حديث الإفك قالت عَائِشَةُ ﵂: خَرَجْتُ بعدما نَقَهْتُ، فَخَرَجْت مَعَي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ، وَهو متبرَّزُنَا، وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التبرز قِبَلَ الْغَائِطِ، فَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ (٣). قال الحافظ: فيه توجه المرأة لقضاء حاجتها وحدها وبغير إذن خاص من زوجها (٤). قال ابن بطال: وفائدة هذا الباب أنه يجوز التصرف للنساء فيما بهن الحاجة إليه؛ لأن اللَّه أذن لهن في الخروج إلى البراز بعد نزول الحجاب، فلما جاز لهن ذلك؟ جاز لهن الخروج إلى غيره من مصالحهن، أو صلة أرحامهن التي أوجبها اللَّه عليهن، وقد أمر الرسول ﷺ النساء بالخروج إلى العيدين. (٥) ٩ - عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إذَا استأذنت امرأة أحَدِكُمْ إلَى المَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا" (٦). قال ابن عبد البر: وإذا لم يكن للرجل أن يمنع امرأته المسجد إذا استأذنته في الخروج إليه، كان أوكد أن يجب عليه أن لا يمنعها الخروج لزيارة من في زيارته صلة لرحمها (٧).

стр. 6174

قال ابن بطال: قال الطبري: في إطلاقه لهن الخروج إلى المساجد -وذلك إباحة لا ندب ولا فرض- دليل أن نظير ذلك الإذن لهن في كل ما كان مطلقًا الخروج فيه، نحو عيادة إحداهن بعض أهلها، وشهودها أعياد المسلمين، أو زيارة قبر ميت لها، وإذا كان حقًّا عليهم أن يأذنوا لهن فيما هو مطلق الخروج فيه؛ فالإذن لهن فيما هو فرض عليهن أو ندب الخروج إليه أولى كخروجهن لأداء شهادة لزمتهن، أو لتعرف أسباب دينهن، أو لأداء فرض الحج وشبهه من الفرائض، أو لزيارة أمهاتهن وآبائهن وذوي محارمهن. (١) فلهذه الأدلة يجوز للمرأة أن تخرج لصلة رحمها، وليس للزوج منعها، لكن قد يقول قائل: إن طاعة الزوج واجبة، فكيف تخرج بغير إذنه؟ قلنا: إنما الطاعة في المعروف، وليس من المعروف أن يمنع الزوج زوجته من زيارة أقاربها، لأن الإسلام حث على صلة الرحم كما سبق. وقد يعترض آخر على ذلك فيقول: قد روي عن أنس أن رجلًا انطلق غازيًا في سبيل اللَّه وأمر امرأته أن لا تخرج من بيتها، فاشتكى أبوها فأرسلت إلى النبي ﷺ تسأله وتستخيره وتستأمره، فأرسل إليها النبي ﷺ : اتقي اللَّه وأطيعي زوجك، قال: فشهد النبي ﷺ أباها قال: فلما دفنه أرسل إليها يقرؤها السلام، وقال: إن اللَّه قد غفر لأبيك بطواعيتك زوجك (٢). وعليه فيجوز للزوجة الخروج لزيارة رحمها، وليس للزوج منعها، وليس معنى ذلك أن تكثر الزوجة من زيارة أقاربها مهملةً في ذلك شئون بيتها، فالزوجة راعية في بيتها، وهي مسئولة عن رعيتها، فينبغي أن تكون زيارتها لأقاربها بالمعروف. قال ابن رشد: وسُئل مالك عن المرأة يغيب عنها زوجها، فيمرض أخوها أو أمها أو أختها، فتريد أن تأتيهم تعودهم، ولم يأذن لها زوجها حين خرج؟

стр. 6175

قال: لا بأس أن تأتيهم، وإن لم يأذن لها حين خرج. قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأنه لو كان حاضرًا فأراد أن يمنعها من ذلك لم يكن ذلك له، فليس على المرأة واجبًا أن تستأذن زوجها إلا فيما له أن يمنعها منه (١). تاسعًا: خروج المرأة لطلب الدعاء من الصالحين الأحياء وكانت المرأة في عهد النبي ﷺ تخرج إليه لطلب الدعاء منه، سواء لنفسها أو لولدها. دلَّ على ذلك ما يلي: ١ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أتَت النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّه لِي. قَالَ: إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّه أَنْ يُعَافِيَكِ، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّه لِي أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا (٢). ٢ - عَن السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رسول اللَّه ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رسول اللَّه إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَقَع (٣)، فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النبوةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ (٤)، (٥). ٣ - عَنْ أَسْمَاءَ ﵂، أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِ اللَّه بْنِ الزُّبَيْرِ. قَالَتْ: فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ (٦)، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلْتُ بِقُبَاءٍ، فَوَلَدْتُهُ بِقبَاءٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَوَضَعْتُهُ فِي حجْرِهِ، ثُمَّ

стр. 6176

دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ رسول اللَّه، ثُمَّ حَنَّكَهُ (١) بِتَمْرَةٍ، ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ. (٢) ٤ - عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لم يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رسول اللَّه ﷺ ، فَأَجْلَسَهُ رسول اللَّه فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ (٣). ٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "أتَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ بِصَبِيٍّ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّه! ادْعُ اللَّه لَهُ فَلَقَدْ دَفَنْتُ ثَلَاثَةً، قَالَ: دَفَنْتِ ثَلَاثَةً؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: لَقَد احْتَظَرْتِ بِحِظَارٍ (٤) شَدِيدٍ مِنْ النَّارِ" (٥). عاشرًا: خروج المرأة لزياة جاراتها وصديقاتها وللمرأة أن تخرج لزيارة الجيران والأصدقاء من النساء، دلَّ على ذلك ما يلي: ١ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْهَا -أي الركعتين بعد العصر- ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ مِن الْأَنْصَارِ (٦). ورد في "فتح الباري" وفيه -أي الحديث- زيارة النساء المرأة ولو كان زوجها عندها. ٢ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه ﵁ قال: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ مُبَشِّرٍ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ: "لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّه مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا" قَالَتْ: بَلَى، يَا رسول اللَّه! فَانْتَهَرَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "قَدْ قَالَ اللَّه : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ " (٧).

стр. 6177

٣ - عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: من هَذِهِ، قَالَتْ: فُلَانَةُ، تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا، قَالَ: "مَهْ (١)! عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ (٢)، فَوَاللَّه لَا يَمَلُّ اللَّه حَتَّى تَمَلُّوا" (٣). ٤ - وعنها أيضًا: في حديث الإفك قالت فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرًا، والناس يُفيضُون في قول أصحاب الإفك، قَالَتْ: وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ ولَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ حتى إني لأظن أنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي. فَبَيْنَمَا أبواي جَالِسَانِ عِنْدِي، وَأَنَا أَبْكِي، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِن الْأَنْصَارِ، فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي. قَالَتْ: فبينا نحن على ذلك، دخل رسول اللَّه ﷺ علينا فسلم، ثم جلس. وفي رواية للبخاري: فحمد اللَّه وأثنى عليه ثُمَّ قَالَ: "أما بعد. . . يَا عَائِشَةُ، إن كنت قارفت سوءًا أو ظلمت فتوبي إلى اللَّه، فإن اللَّه يقبل التوبة من عباده" قالت: وقد جاءت امرأة من الأنصار فهي جالسة بالباب، فقلت: ألا تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئًا! (٤). ٥ - عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: وَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَنَا، عَلَى حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ زَائِرَةً. وَقَدْ كَانَتْ هَاجَرَتْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِيمَنْ هَاجَرَ. فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى حَفْصَةَ وَأَسْمَاءُ عِنْدَهَا، فَقَالَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَسْمَاءَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيس. قال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم (٥). فهذه الأحاديث دلت على أن المرأة في عهد النبي ﷺ كانت تخرج لزيارة جيرانها وصديقاتها من النساء. الحادي عشر: خروج المرأة لعيادة الرجل إذا أمنت الفتنة

стр. 6178

عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رسول اللَّه ﷺ الْمَدِينَةَ، وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ، وَبِلَالٌ. قَالَتْ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا. فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ! كَيْفَ تَجِدُكَ؟ وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَتْ: فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الحُمَّى يَقُولُ: كُلُّ امْرِئٍ مصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أَقْلَعَ عَنْهُ يَقُولُ: أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ (١) قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجِئْتُ رسول اللَّه ﷺ ، فَأَخْبرتُهُ، فَقَالَ: اللهم حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا، فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ (٢). وقد أورد البخاري في كتاب المرضى في صحيحه باب (عيادة النساء الرجال)، قال: "وعادت أم الدرداء رجلًا من الأنصار". (٣) قلت: وفي الحديث دلالة على جواز عيادة النساء الرجال بالشرط المذكور آنفًا، وذلك لأن عائشة ﵂، عادت بلالًا، وهو أجنبي كما هو معروف. الثاني عشر: خروج المرأة للعرس: ويجوز للمرأة أن تخرج للعرس، ودليل ذلك ما يلي: ١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: أَبْصَرَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءً وَصِبْيَانًا مُقْبِلِينَ مِنْ عُرْسٍ، فَقَامَ مُمْتَنًّا (٤)، فَقَالَ: اللهم أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ (٥). ٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ،

стр. 6179

فَنَزَلْنَا فِي بَنِي الْحَارِث بْنِ خَزْرَجٍ، فَوُعِكْتُ (١)، فَتَمَرَّقَ شَعَرِي (٢) فَوَفَى جُمَيْمَةً (٣)، فَأَتَتْنِي أُمِّي أُمُّ رُومَانَ، وَإِنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ (٤)، وَمَعِي صَوَاحِبُ لِي، فَصَرَخَتْ بِي، فَأَتَيْتُهَا لَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي، فَأَخَذَتْ بِيَدِي حَتَّى أَوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ وَإِنِّي لَأُنْهِجُ، حَتَّى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي، ثُمَّ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي وَرَأْسِي، ثُمَّ أَدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِن الْأَنْصَارِ فِي الْبَيْتِ، فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ (٥). فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ، فَأَصْلَحْنَ مِنْ شَأْنِي فَلَمْ يَرُعْنِي (٦) إِلَّا رسول اللَّه ﷺ ضُحًى فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ (٧). ٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا زَفَّتْ امْرَأَةً إِلَى رَجُلٍ مِن الْأَنْصَارِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّه ﷺ : يَا عَائِشَةُ! مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ، فَإِنَّ الْأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمْ اللهوُ. (٨) وجه الدلالة من الأحاديث: أفادت هذه الأحاديث أن النساء في عهد النبي ﷺ ، كن يذهبن إلى الأفراح، ولم ينكر النبي ﷺ عليهن، فدل هذا على جواز خروج المرأة؛ لشهود العرس، سواء كان عرس أقاربهن، أو غيرهم. الثالث عشر: خروج المرأة ليلًا: عَنْ عَليِّ بْنُ الْحُسَيْنِ ﵄ أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ! أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا: جَاءَتْ إِلَى رسول اللَّه ﷺ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ

стр. 6180

سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهَا يَقْلِبُهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ المَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ، مَرَّ رَجُلَانِ مِن الْأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رسول اللَّه ﷺ ، فَقَالَ لَهما النَّبِيُّ ﷺ : "عَلَى رِسْلِكُمَا. إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ" فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّه، يَا اللَّه! وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِن الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا". (١) الرابع عشر: خروج النفساء قال الشيخ ابن باز: النفساء كغيرها من النساء لا حرج عليها من مغادرة بيتها للحاجة، فإن لم يكن حاجة، فالأفضل لجميع النساء لزوم البيوت، لقول اللَّه سبحانه: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (الأحزاب: ٣٣). (٢) الوجه الثاني: الآداب التي تلتزم بها المرأة عند خروجها فلا شك أن ما سبق يدل على أن المرأة في الإسلام ليست حبيسة الجدران، كما يزعم بذلك المفترون على الإسلام، فالمرأة في الإسلام تخرج من بيتها لحاجتها، إلا أن هناك آدابًا لابدَّ للمرأة أن تراعيها عند خروجها، وهذه الآداب هي: ١ - أن تلتزم بالحجاب . لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (الأحزاب: ٥٩). وقال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (النور: ٣١). فينبغي عند خروجها أن تكون حالتها على وفق ما يقتضيه الشرع، وما يلزم به من العفة، والتستر الذي ينافي التبرج والسفور. ٢ - أن تلتزم الحياء في مشيتها . قال تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ (القصص: ٢٥). ٣ - ألا تمس طيبًا:

стр. 6181

وذلك لما روي عن زينب امرأة عبد اللَّه، قالت: قال لنا رسول اللَّه ﷺ : "إذا شهدت إحداكن المسجد، فلا تمس طيبًا" (١). ٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسول اللَّه ﷺ : "أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة" (٢). قال ابن حزم: ولا يحل لهن أن يخرجن متطيبات. وهذا التحريم محله إذا كانت ستمر في طريقها على الرجال، أما إذا كان خروجها لمجمع النساء، ولا تمر في الطريق على الرجال، ففي هذه الحالة يجوز لها أن تمس من الطيب والعطور (٣). قال الشيخ ابن باز: يجوز للمرأة -أي التطيب- إذا كان خروجها لمجمع نسائي، ولا تمر في الطريق على الرجال، أما خروجها بالطيب في الأسواق التي فيها الرجال فلا يجوز؛ لقول النبي ﷺ : "أيُّما امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا، فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ" ولأحاديث أخرى وردت في ذلك، ولأن خروجها بالطيب في طريق الرجال ومجامع الرجال كالمساجد من أسباب الفتنة بها. (٤) وقال الشيخ ابن عثيمين: خروج المرأة متطيبة إلى السوق مُحرَّم لما في ذلك من الفتنة، أما إذا كانت المرأة ستركب في السيارة، ولا يظهر ريحها إلا لمن يحل له أن تظهر الريح عنده، وستنزل فورًا بدون أن يكون هناك رجال حول المدرسة، فهذا لا بأس به؛ لأنه ليس في هذا محذور، فهي في سيارتها كأنها في بيتها. (٥) ٤ - أن تترك مزاحمة الرجال .

стр. 6182

وقد دلَّ على ذلك ما روي عن هند بنت الحارث "أن أم سلمة زوج النبي ﷺ أخبرتها، أن النساء في عهد رسول اللَّه ﷺ ، كن إذا سلمن من المكتوبة، قمن وثبت رسول اللَّه ﷺ ومن صلى من الرجال ما شاء اللَّه، فإذا قام رسول اللَّه ﷺ قام الرجال". ومما سبق يتبين لمن عنده ذرة من إنصاف أن المرأة في الإسلام ليست حبيسة، كما يدعي البعض، فقائل هذا القول، لا يخرج حاله عن وصفين فهو: إما جاهل بأحكام الإسلام، وإما حاقد للإسلام. الوجه الثالث: حال المرأة في الكتاب المقدس عليها أن تلزم بيتها وتخضع لزوجها: يتحدث بولس عن واجبات النساء قائلًا: مُتَعَقِّلَاتٍ، عَفِيفَاتٍ، مُلَازِمَاتٍ بُيُوتَهُنَّ، صَالِحَاتٍ، خَاضِعَاتٍ لِرِجَالهِنَّ، لِكَيْ لَا يُجَدَّفَ عَلَى كَلِمَةِ اللَّه (تيطس ٢: ٥). هذا ولا يحل للمرأة في الكنيسة القبطية أن تكون حاضرة بتاتا أثناء قيام الكاهن بإعداد القربان المقدس. هذا القربان لا يقوم بإعداده سوى كاهن أو راهب بعد غروب الشمس عشية السبت السابق للقداس ولا يحل للمرأة الحائض أن تتناول من هذا القربان المقدس بل ولا أن تدخل الكنيسة كما هو معروف ومتبع لديهم، وقد نقل ابن العسال في المجموع الصفوي نص القانون الصادر في مجمع نيقية في ذلك وهو: (لا تدخل الحائض الكنيسة ولا تتقرب إلى أن تنقضي أيام حيضتها ولو كانت من نساء الملوك وإن تعدى على ذلك كاهن فليسقط) (ومن الأمور المحرمة على المرأة المسيحية هي دخولها للهيكل عامةً، وهذا المنع كان ضمن القوانين التي صدرت في المجمع الثامن في اللاذقية وقد أصدر هذا المجمع ٥٩ قانونًا من بينها تحريم دخول النساء الهيكل، كما هو مذكور في كتاب (مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة) للعالم النصراني ابن كبر من علماء القرن الرابع عشر - الجزء الأول - ولا ندري كيف يتفق كل هذا مع قولهم إنه لا ذكر أو أنثى في المسيح بل الجميع واحد وبالمسيح وللمسيح؟ ! وأخيرًا ننقل لك -عزيزي القارىء- ما ذكره المفسر المسيحي -وليم باركلي- عن المرأة ومنزلتها بحسب النظرة اليهودية فيقول: بحسب الناموس اليهودي كانت المرأة تعتبر أقل من الرجل بكثير. فقد خلقت من ضلع من أضلاع آدم (تكوين ٢: ٢٢ و ٢٣)،

стр. 6183

وخلقت لأجل الرجل لتكون معينًا له ورفيقًا (تكوين ٢: ١٨). ويصور التلمود، تفسيرًا لذلك، فيقول والكلام للمفسر المسيحي وليم باركلي: إن اللَّه لم يخلق المرأة من رأس الرجل لئلا تتكبر وتتفاخر عليه ولا من عينه لئلا تحقد وتحسد، ولا من يده لئلا تصبح طماعة جشعة، ولا من قدمه لئلا تصبح مجرد جسم هائم على وجهه، ولكنه خلقها من ضلع من أضلاعه. والضلع دائمًا مغطى، ولذلك فالتواضع ينبغي أن يكون صفتها الأولى". ومن الحقائق التعسة أن المرأة بحسب الناموس اليهودي كانت تعتبر شيئًا، وجزءًا من ممتلكات زوجها، له عليها السلطان الكامل وحق التصرف المطلق. وفي السنهدريم مثلًا، لم يكن للنساء أي حق في المشاركة في العبادة، ولكنهن كن يعزلن تمامًا عن الرجال في رواق خاص يغلق عليهن في أي جزء من المبنى. ولم يكن يخطر بالبال، بحسب الناموس والتقليد اليهودي، أن النساء يمكن أن يطالبن بأي نوع من المساوة مع الرجال. وفي (١ كورنثوس ١٠ - ١١) نجد عبارة غريبة وهي أن النساء يجب أن تتغطي "من أجل الملائكة". ولسنا نستطيع أن نحدد ما تعنيه هذه العبارة على وجه التأكيد، ولكن من المحتمل جدًّا أنها تحمل المعنى عينه الذي ورد في القصة القديمة الغريبة الواردة في (تكوين ٦: ٢١) التي تحكي لنا كيف وقع الملائكة في شرك فتنة النساء الحسنات وهكذا أخطأوا. فربما تكون الفكرة أن السيدة غير المغطاة تكون تجربة وفخًّا حتى بالنسبة للملائكة، لأن تقليدًا تلموديًا قديمًا يقول إن الذي أغوى الملائكة كان جمال شعر النساء الطويل. (١) * * *

стр. 6184

٥ - شبهة: تعليم المرأة . نص الشبهة: يموه بعض المغرضين ويزعم بعض الجاهلين، أن الإسلام لا يشجع على تعليم المرأة، وأنه يفضّل أن تبقى جاهلة أو أقرب إلى الجهل، وأن نبي الإسلام قال: "لا تعلمونهن الكتابة" هكذا زعموا وهكذا افتروا على الإسلام. والجواب على ذلك من وجوه: الوجه الأول: الحديث لا يصح فلا يجوز الاحتجاج به. الوجه الثاني: على فرض صحة الحديث فهو محمول على ترتب تعليمها فسادًا يضر بها وبالمجتمع. الوجه الثالث: حرص الإسلام على تعلم وتعليم المرأة. الوجه الرابع: أن الإسلام حثَّ على طلب العلم وما فُرق في ذلك بين رجل وامرأة. الوجه الخامس: أن النساء كنَّ في عهد النبي ﷺ يخرجن؛ ليسألن عن الحكم في نوازل وقعت لهن، وقد أقرهن رسول اللَّه ﷺ على الخروج لمثل ذلك؛ فدل هذا على جواز خروج المرأة لطلب العلم. الوجه السادس: أن فقهاء المسلمين قالوا بوجوب تعلم المرأة. الوجه السابع: طلب العلم حق للمرأة كما هو حق للرجل وهذه هي المساواة بين الرجل والمرأة التي حافظ عليها الإسلام. الوجه الثامن: المسئولية التي كلفت بها المرأة المسلمة تستوجب عليها أن تكون طالبة علم. الوجه التاسع: تاريخ تعليم وتعلم المرأة المسلمة في ظل الحضارة الإسلامية. الوجه العاشر: تاريخ غير المسلمين في مسألة تعليم المرأة عبر عصورهم. الوجه الحادي عشر: ماذا عن تعليم المرأة في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل

стр. 6185

الوجه الأول: الحديث لا يصح فلا يجوز الاحتجاج به . أى حديث: لا تعلموهن الكتابة ولا تسكنوهن الغرف. (١) قال شمس الحق آبادى: وأحاديث النهى عن الكتابة كلها من الأباطيل والموضوعات إلى أن قال: وخلاصة الكلام أنه لا ريب في جواز تعليم الكتابة للنساء البالغات المشتهيات بواسطة النساء الأخريات أو بواسطة محارمهن، أما البنات غير البالغات وغير المشتهيات فيتعلمن ممن شئن. وليست الكتابة سببًا للافتتان لأنها إن كانت سببًا للفتنة لما أباحها الشارع، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (مريم: ٦٤)، والتي تصاب بفتنة إنما تصاب بأمر غير الكتاب. قال الشيخ عبد اللَّه بن زيد آل محمود: أما ما يذكر من نهى النساء عن الكتابة فإن الحديث مكذوب على رسول اللَّه ﷺ ، وقد حقق العلماء بطلانه فسقط الاحتجاج به. وقول الحق هو أن المرأة كالرجل في تعلم الكتابة والقراءة والمطالعة في كتب الدين والأخلاق وقوانين الصحة والتدبير وتربية العيال ومبادئ العلوم والفنون، من العقائد الصحيحة والتفاسير والسير والتاريخ وكتب الحديث والفقه، كان هذا حسن في حقها،

стр. 6186

تخرج به عن حضيض جهلها، ولا يجادل في حسنه عاقل، مع الالتزام بالحشمة والصيانة وعدم الاختلاط بالرجال الأجانب. الوجه الثاني: على فرض صحة الحديث فهو محمول على ترتب تعليمها فسادًا يضر بها وبالمجتمع . قال الشوكاني: فالنهي عن تعليم الكتابة في هذا الحديث محمول على من يخشى من تعليمها الفساد (١). قال القرطبي: كذلك تعليم الكتابة ربما كان سببا للفتنة وذلك إذا علمت الكتابة كتبت إلى من تهوى والكتابة عين من العيون بها يبصر الشاهد الغائب والخط هو آثار يده وفي ذلك تعبير عن الضمير بما لا ينطلق به اللسان فهو أبلغ من اللسان فأحب رسول اللَّه ﷺ أن ينقطع عنهن أسباب الفتنة تحصينا لهن وطهارة لقلوبهن (٢). الوجه الثالث: حرص الإسلام على تعلم وتعليم المرأة . إن الإسلام حرص كل الحرص على تعليم المرأة ما تكون به عنصر صلاح وإصلاح في مجتمع إسلامي متطور إلى الكمال، متقدم إلى القوة والمجد، آمن مطمئن سعيد. ولتحقيق هذا الهدف حرص على اشتراكها في المجامع الإسلامية العامة الكبرى منها والصغرى، فأذن لها بحضور صلاة الجماعة، وأن تشهد صلاة الجمعة وخطبتها. ورغبها في أن تشهد صلاة العيد وخطبتها حتى ولو كانت في حالة العذر المانع لها من أداء الصلاة، وأمرها بالحج والعمرة. وحثها على حضور مجالس العلم. وخاطب اللَّه النساء بمثل ما خاطب به الرجال، وجعلهن مندرجات في عموم خطاب الرجال في معظم الأحوال حرصًا على تعليمهن وتثقيفهن وتعريفهن أمور دينهن ومشاركتهن في القضايا العامة.

стр. 6187

وقد كان الرسول ﷺ يخصص للنساء أيامًا يجتمعن فيها، ويعلمهن مما علمه اللَّه، إضافة إلى الأيام التي يحضرن فيها مع الرجال، ليتزودن من العلم ما يخصهن ويتعلق بشؤونهن مما ينفردن به عن الرجال بمقتضى تكوينهن الجسدي والنفسي. إن أول ما بدئ به من الوحي قول اللَّه لرسوله محمد ﷺ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ (العلق: ١ - ٥)، ولقد بدأ الوحي بالأمر بالقراءة؛ لأنها أهم وسائل تثبيت المعرفة ومتابعة حلقاتها، والقراءة إنما تكون بعد الكتابة، ومن أجل ذلك أظهر اللَّه منته على عباده إذ علم بالقلم، فعلم الإنسان -كل الإنسان بشطريه الذكر والأنثى- ما لم يعلم. وهذه الدعوة التي دعا اللَّه بها الإنسان إلى العلم منذ اللحظات الأولى التي بدأ بها إنزال تعاليم الإسلام أكبر برهان يدل على التسوية التامة بين شطري الإنسان الذكر والأنثى في ميدان دعوتهما إلى العلم والمعرفة. الوجه الرابع: أن الإسلام حثَّ على طلب العلم وما فرق في ذلك بين رجل وامرأة . قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: ١١)، وقال سبحانه: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: ٩)، وقال : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: ١١٤)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (سورة البقرة: ٢٦٩)، وقال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ (آل عمران: ١٨)، وقال النبي ﷺ : "من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين". وقال ﷺ : "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، وقال ﷺ : "نضر اللَّه امرأ سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها كما سمعها". وكل هذه النصوص عامة، يدخل فيها الرجال والنساء.

стр. 6188

الوجه الخامس: أن النساء كنَّ في عهد النبي ﷺ يخرجن؛ ليسألن عن الحكم في نوازل وقعت لهن، وقد أقرهن رسول اللَّه ﷺ على الخروج لمثل ذلك؛ فدل هذا على جواز خروج المرأة لطلب العلم . وها هي بعض الأحاديث الدالة على ذلك: ١ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قال: قَالَتْ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ (١)، فَاجْعَلْ لَنَا (٢) يوْمًا مِنْ نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لهُنَّ: "مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِن النَّارِ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: وَاثْنَتَيْنِ" (٣). قال الحافظ: وفي الحديث ما كان عليه نساء الصحابة من الحرص على تعلم أمور الدين. (٤) ٢ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رسول اللَّه ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رسول اللَّه! إِنَّ اللَّه لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ (٥)، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا

стр. 6189

رَأَتْ الْمَاءَ" (١) فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ -تَعْنِي وَجْهَهَا- وَقَالَتْ: يَا رسول اللَّه! أَوَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ قَالَ: "نَعَمْ تَرِبَتْ يَمِينُكِ فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟ " (٢). ٣ - عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِن الْمَحِيضِ، فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، قَالَ: "خُذِي فِرْصَةً (٣) مِنْ مَسْكٍ فتَطَهَّرِي بِهَا" قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ: "تَطَهَّرِي بِهَا" قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: "سُبْحَانَ اللَّه تَطَهَّرِي" فَاجْتَبَذْتُها إِلَيَّ، فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ. (٤) (٥) ٤ - عن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ؛ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فقَالت: يَا نَبيَّ اللَّه! لَيْسَ لي شيء إلا مَا أدْخَلَ عَليَّ الزُّبَيْرُ، فَهَلْ عَلَي جُنَاحٌ أنْ أَرْضَخَ (٦) مِمَّا يُدْخلُ عَلَي؟ فَقَالَ: "ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ، وَلا تُوعِي (٧) فَيُوعِيَ اللَّه عَلَيْكِ. (٨) ٥ - عَنْ أَسْمَاءَ قَالت: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ لِي ضَرَّةً (٩)، فَهَلْ عَلىَّ جُنَاحٌ أَنْ أَتَشَبَّعَ مِنْ مَالِ زَوْجِي بِمَا لَمْ يُعْطِنِي؟ فَقَالَ رسول اللَّه ﷺ : "المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ" (١٠) (١١).

стр. 6190

٦ - عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ (١) وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْه (٢)، فَقَالَ: وَاللَّه مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَتْ رسول اللَّه ﷺ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ" فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ (٣) فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: "تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ (٤) فَآذِنِينِي" (٥) قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رسول اللَّه ﷺ : "أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ (٦)، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ (٧) لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ"، فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: "انْكِحِي أُسَامَةَ"، فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللَّه فِيهِ خَيْرًا وَاغْتبَطْتُ (٨) (٩). ٧ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّه بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَاهُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ الْأَرْقَمِ الزُّهْرِيِّ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيَّةِ، فَيَسْأَلَهَا عَنْ حَدِيثِهَا، وَعَمَّا قَالَ لَهَا رسول اللَّه ﷺ حِينَ اسْتَفْتَتْهُ، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّه إِلَى عَبْدِ اللَّه بْنِ عُتْبَةَ يُخْبِرُهُ: أَنَّ سُبَيْعَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ وَهُوَ فِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ

стр. 6191

وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا (١) تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ مُتَجَمِّلَةً! لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النِّكَاحَ؟ إِنَّكِ وَاللَّه، مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي (٢) حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رسول اللَّه ﷺ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي وَأَمَرَني بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لِي. (٣). ٨ - عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رسول اللَّه ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُ رسول اللَّه ﷺ ، قُلْتُ: إن أمي قدمت وَهِيَ رَاغِبَةٌ (٤): أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، صِلي أُمَّكِ (٥). ٩ - عَنْ سعد بن أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رسول اللَّه ﷺ ، وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يسألنه وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ، فَلمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رسول اللَّه ﷺ ، وَرسول اللَّه ﷺ يَضْحَكُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللَّه سِنَّكَ يَا رسول اللَّه بأبي أنت وأمِّي، فَقَالَ: "عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ تبَادَرْنَ الْحِجَابَ" فقَالَ: أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ يَا رسول اللَّه، ثُمَّ أقبل عليهنَّ فقَالَ يا عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ! أتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رسول اللَّه ﷺ ! قُلْنَ: نَعَمْ، إنكَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رسول اللَّه ﷺ ، قَالَ رسول اللَّه ﷺ : "إيه يا ابن الخطاب، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا (٦) غَيْرَ فَجِّكَ" (٧).

стр. 6192

الوجه السادس: أن فقهاء المسلمين قالوا بوجوب تعلم المرأة، وها هي بعض أقوالهم شاهدة على ذلك . قال ابن حزم: ويجب عليهن -أي النساء- النفار للتفقه في الدين كوجوبه على الرجال، وفرض عليهن كلهن معرفة أحكام الطهارة، والصلاة، والصيام، وما يحل، وما يحرم: من المآكل، والمشارب، والملابس كالرجال، ولا فرق، وأن يُعَلمن الأقوال والأعمال، إما بأنفسهن، وإما بالإباحة لهن لقاء من يعلمهن، وفرض على الإمام أن يأخذ الناس بذلك (١). وقال ابن الجوزي: المرأة شخص مُكَلف كالرجل، فيجب عليها طلب علم الواجبات عليها؛ لتكون من أدائها على يقين، فإن كان لها أب، أو أخ، أو زوج، أو محرم يعلمها الفرائض، ويُعرِّفها كيف تؤدي الواجبات، كفاها ذلك، وإن لم يكن؛ سألت وتعلمت، فإن قدرت على امرأة تعلم ذلك تعرفت منها، وإلا تعلمت من الأشياخ، وذوي الأسنان من غير خلوة بها، وتقتصر على قدر اللازم، ومتى حدثت لها حادثة في دينها سألت عنها، ولم تستح، فإن اللَّه لا يستحي من الحق. (٢) وقال الغزالى: فإن كان الرجل قائمًا بتعليمها، فليس لها الخروج لسؤال العلماء، وإن قَصُرَ علم الرجل، ولكنه ناب عنها في السؤال، فأخبرها بجواب المفتي، فليس لها الخروج، فإن لم يكن ذلك، فلها الخروج للسؤال، بل عليها ذلك، ويعصى الرجل بمنعها، ومهما تعلمت من الفرائض، فليس لها أن تخرج إلى مجلس ذكر، ولا إلى تعلم فضل -أي علم زائد عما يجب- إلا برضاه. (٣) الوجه السابع: طلب العلم حق للمرأة كما هو حق للرجل وهذه هي المساواة بين الرجل والمرأة التي حافظ عليها الإسلام .

стр. 6193

قال الألبانى: والحق أن الكتابة والقراءة، نعمة من نعم اللَّه ﵎ على البشر كما يشير إلى ذلك قوله : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ (العلق: ١ - ٥)، وهي كسائر النعم التي امتن اللَّه بها عليهم وأراد منهم استعمالها في طاعته، فإذا وجد فيهم من يستعملها في غير مرضاته، فليس ذلك بالذي يخرجها عن كونها نعمة من نعمه، كنعمة البصر والسمع والكلام وغيرها، فكذلك الكتابة والقراءة، فلا ينبغي للآباء أن يحرموا بناتهم من تعلمها شريطة العناية بتربيتهن على الأخلاق الإسلامية، كما هو الواجب عليهم بالنسبة لأولادهم الذكور أيضًا، فلا فرق في هذا بين الذكور والإناث. والأصل في ذلك أن كل ما يجب للذكور وجب للإناث، وما يجوز لهم جاز لهن ولا فرق، كما يشير إلى ذلك قوله ﷺ : "إنما النساء شقائق الرجال"، فلا يجوز التفريق إلا بنص يدل عليه، وهو مفقود فيما نحن فيه، بل النص على خلافه، وعلى وفق الأصل، وهو هذا الحديث الصحيح، فتشبث به ولا ترض به بديلًا، ولا تصغ إلى من قال: ما للنساء وللكتابة والعمالة والخطابة ... هذا لنا ولهن منا أن يبتن على جنابة! فإن فيه هضما لحق النساء وتحقيرا لهن، وهن كما عرفت شقائق الرجال. نسأل اللَّه تعالى أن يرزقنا الإنصاف والاعتدال في الأمور كلها (١). يقول د/ على عبد الواحد وافي: يسوي الإسلام بين الرجل والمرأة في حق التعلم والثقافة. فقد أعطى المرأة الحق نفسه الذي أعطاه الرجل في هذه الشئون. فأباح لها أن تحصل على ما تشاء الحصول عليه من علم وأدب وثقافة وتهذيب، بل إنه ليوجب عليها ذلك في الحدود اللازمة لوقوفها على أمور دينها وحسن قيامها بوظائفها في الحياة.

стр. 6194

ولا يفرق الإسلام في حق التعلم والثقافة بين الحرة والأمة، بل إن الرسول ﷺ لم يحث على تعليم الحرة ولم يرغب في تثقيفها بمقدار ما حث على تعليم الأمة ورغب في تثقيفها وتأديبها. فقد روى البخاري في "صحيحه" عن أبي بردة عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أيما رجل كانت عنده وليدة -أي جارية- فعلمها فأحسن تعليمها. وأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران". وقد ضرب الرسول ﷺ أروع مثل في تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في حق التعلم والثقافة وفي حرصه على تعليم المرأة وتثقيفها بما فعله مع زوجه حفصة أم المؤمنين. فقد روت كتب السنة والتاريخ أن الشفاء العدوية، وهي سيدة من بني عدى رهط عمر بن الخطاب، كانت كاتبة في الجاهلية، وكانت تعلم الفتيات، وأن حفصة بنت عمر أخذت عنها القراءة والكتابة قبل زواجها بالرسول ﷺ . ولما تزوجها ﷺ طلب إلى الشفاء العدوية أن تتابع تثقيفها وأن تعلمها تحسين الخط وتزيينه كما علمتها أصل الكتابة. عن الشفاء بنت عبد اللَّه قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ وأنا عند حفصة، فقال لي: "ألا تعلمين هذه رُقية النملة كما علمتها الكتابة"، ويقصد برقية النملة تحسين الخط وتزيينه (١) (٢). ومن هذا يظهر أن الإسلام قد هيأ للنساء على العموم فرصًا للتربية الراقية من انتهزنها منهن بلغن أعلى المراتب التي قدر للرجال بلوغها، فلم يكن السبب في الجهل الذي كان فاشيًا بين النساء المسلمات في الجيل الماضي راجعًا إلى النظم التربوية في الإسلام، وإنما كان

стр. 6195

السبب في ذلك انحراف المسلمين عما سنه الإسلام من نظم في شئون التربية والتعليم. وإذا كانت الأمم الإسلامية قد اتجهت في العصر الحاضر إلى تربية البنت وتثقيفها، فإنها بذلك لم تأت بدعًا من العمل في تاريخها، وإنما أحيت سنة صالحة سنها النبي ﷺ وأخذ بها الخلفاء والأمراء من بعده. الوجه الثامن: المسئولية التي كلفت بها المرأة المسلمة تستوجب عليها أن تكون طالبة علم . يقول ابن حزم: ويجبر الإمام أزواج النساء وسادات الأرقاء على تعليمهن ما ذكرنا -يعني الطهارة والصلاة والصيام وما يحل وما يحرم من المآكل والمشارب والملابس والفروج والدماء والأقوال والأعمال- إما بأنفسهم وأما بالإباحة لهم لقاء من يعلمهن، وفرض على الإمام أن يأخذ الناس بذلك، وأن يرتب أقواما لتعليم الجهال (١). هذا هو الحد الأدني الذي ينبغي توفيره في التعليم، والمسئول عن كفالة حق التعليم للفرد رجلا كان أو امرأة، حرا كان أو عبدًا هي الدولة. وأكثر من هذا، فقد جعل الإسلام للمرأة الحق في أن تخرج طلبا للعلم الذي يجب عليها أن تعلمه أن كانت جاهلة ولم يعلمها زوجها، ذلك أن الإسلام كلف المرأة ببعض المسئوليات، ودعاها في الوقت نفسه إلى طلب العلم؛ لتتمكن من القيام بمسئولياتها على خير ما يرام. ومن أوائل ما دعا الإسلام المرأة كلف المرأة ببعض المسئوليات، ودعاها في الوقت نفسه إلى طلب العلم لتتمكن من القيام بمسئولياتها على خير ما يرام. ومن أوائل ما دعا الإسلام المرأة إلى معرفته هو الحلال والحرام في سائر التصرفات. ومعرفة العقائد والعبادات والأخلاق الفاضلة وتهذيب النفوس. وقد أمر اللَّه المؤمنين والمؤمنات معا أن يقوا أنفسهم وأهليهم النار فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا﴾ (التحريم: ٦) ولا يمكن أن يقوم الرجل أو المرأة بالوقاية ما لم يكن كلاهما قد تعلم كي يستطيع وقاية نفسه وغيره. وحكم

стр. 6196

الذين آمنوا في هذه الآية تشمل المؤمنين والمؤمنات معًا. لقد قال ﷺ : "والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها" (١)، فكيف تستطيع المرأة إدارة شئون منزلها إذا كانت جاهلة؟ ، وكيف تستطيع أن توجه طفلها توجيها سليما صائبا هادفا إذا لم تكن عارفة مطلعة على التعاليم الإسلامية؟ . وقد مهد الإسلام السبيل لطلب العلم، وجعل من واجب الحكومة الإسلامية أن تقوم بالإنفاق على الأولاد ذكورا وإناثا إذا ضاقت بآبائهم سبل الحياة، وكانوا فقراء عاجزين عن الإنفاق على تعليم أولادهم وبناتهم. إن الإسلام لم يمنع المرأة من تعليم شتى العلوم والفنون، ولم يحرم هذه العلوم عليها، ولكن المصلحة العامة -مصلحة الأمة- تقضي بأن تمارس المرأة بعض هذه العلوم دون البعض كالتدريس والتطبيب والتمريض وما شابه ذلك مما ينسجم وطبيعة تكونها ومقتضيات وظيفتها كأم. . . والإسلام يراعي دائما وأبدا مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة. الوجه التاسع: تاريخ تعليم وتعلم المرأة المسلمة في ظل الحضارة الإسلامية . كان تاريخًا مشرفًا في العلم والتعلم وقد برزت المرأة المسلمة في كثير من مجالات العلم في ظل حضارة الإسلام، والتاريخ الإسلامي حافل بأخبار النساء اللاتي بلغن منه العلم درجة رفيعة ومكانة عالية. يقول الدكتور/ علي عبد الحليم: فإذا كانت تلك هي الأصول الثابتة في تعلّم المرأة المسلمة؛ وتعليمها لتمارس حياتها وواجبها في الدعوة إلى اللَّه، وهذا هو موقف الإسلام من تعلم المرأة وتعليمها، فمن أين جاءت تلك التهمة أو الفرية التي تزعم أن المرأة المسلمة غارقة في الجهل والتخلف؟ ومن أين جاءت المفتريات التي تزعم أن الإسلام قد حرم المرأة المسلمة من التعلم والتعليم، ومنعها من الخروج من البيت لتعلم أو لغيره؟ (٢).

стр. 6197

إن هذه الفرية رددها الحاقدون على الإسلام، من بعض المستشرقين والمبشرين والمستعمرين، على أمل أن تنطلي الخدعة على المسلمين، فتظل المرأة جاهلة غير متعلمة، لكي يحرموا الأسرة المسلمة من أم متعلمة واعية واسعة الثقافة، تحسن تربية أبنائها، وتنشئهم على القيم والمبادئ الإسلامية الرفيعة. إن هؤلاء الأعداء نظروا إلى المرأة المسلمة في فترة كان العالم الإسلامي فيها في أسوأ حالاته، مقهورًا بأعدائه، متراجعًا عن حضارته، متخليًا عن أخلاق دينه وآدابه، محكومًا بمنهج فرضه عليه عدوه، فكان لابد أن يصيب المرأة المسلمة من هذا نصيب، كما كان لابد أن يحال بينها وبين التعليم والتعلم بسبب سياسة الأعداء للإسلام والمسلمين، فلما حدث هذا بسببهم قالوا: إن المرأة المسلمة جاهلة، وغير متحضرة، وأن هذا الجهل وذلك التراجع الحضاري راجع إلى أسباب دينية وتقاليد إسلامية! إن مقولتهم تلك من أكذب الكذب على الإسلام؛ لأنه دين العلم والثقافة والمعرفة، الدين الذي كان أول ما نزل من كتابه على الرسول الخاتم ﷺ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ (العلق: ١ - ٥). أي دين مجد القراءة والكتابة والعلم والتعلم والثقافة، كهذا الدين؟ أي دين جعل طلب العلم أو التعلم فريضة على كل مسلم ومسلمة؟ إن تاريخ ومكانة المرأة المسلمة في ظل الحضارة الإسلامية، وقبل أن يقع العالم الإسلامي في براثن أعدائه من شرق وغرب، كان تاريخًا مشرفًا في العلم والتعلم والتعليم، إن المرأة المسلمة برزت في مجالات العلم وبخاصة العلوم الإسلامية حتى بلغ بعضهن في تلك العلوم شأوا بعيدًا، إن الإسلام لم يكتفِ بأن يجيز للمرأة أن تتعلم ما شاءت من علوم الدين والدنيا، بل أوجب عليها ذلك كما أوجبه على الرجل، وقد كانت النساء على عهد النبي ﷺ يتعلمن كالرجال، بل كان الرسول ﷺ قد حدد لهن موعدًا يحضرن فيه للعلم والتعلم، كما ورد ذلك في سنة النبي ﷺ ، وسيرته.

стр. 6198

وكان بعض أزواجه ﷺ كأم المؤمنين عائشة ﵂ يؤخذ عنها العلم، وكانت بذلك تُعلِّم عددًا من الرجال الذين كانوا يتوجهون إليها بالسؤال عن حال رسول اللَّه ﷺ ، وهديه، كما كانت تعلم عددًا لا بأس به من النساء، وكان لبعض زوجات النبي ﷺ معرفة بكثير من قضايا التفسير لبعض آيات القرآن الكريم، وكثير من مسائل الفقه. إن الإسلامَ حرَّض النساء على طلب العلم والتعلم كما أسلفنا، وبعد عهد الرسول ﷺ كان لبعض النساء المسلمات قدم راسخة في العلم، ولم يكن عددُهن قليلًا في أي قرن من القرون التي كانت الحضارة الإسلامية فيها مزدهرة. وسوف أدلل على هذا بما يلي: ١ - ذكر الحافظ ابن عساكر (٤٤٩ - ٥٧١ هـ) المؤرخ المحدث الرحالة أن عدد شيوخه وأساتذته من النساء كان بضعًا وثمانين امرأة، فهل كان هؤلاء هن المتعلمات وحدهن؟ وله معجم سماه "معجم النسوان". ٢ - وذكر الحافظ الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨ هـ) المؤرخ المحدث المحقق، وله مؤلفات عديدة في رواة الحديث النبوي، وقد قال عن روايات الحديث من النساء: وما علمت من النساء من اتهمت، ولا من تركوها. أي: لم يتهم أحد من المحدثين الذين رووا عن النساء إحداهن بما يطعن في روايتها، ولم يتركوا الرواية عن واحدة منهن، لفقدها شروط حمل الحديث وروايته. وقد روى الإمام البخاري عددًا من الأحاديث النبوية في صحيحه عن بعض النساء من راويات الحديث. وكان ممن عَلَّم الإمام الشافعي، وابن خلكان، وأبا حيان بعضُ النساء، كما حكى هؤلاء الأعلام ذلك بأنفسهم. فقد ذكر ابن خلكان أن أستاذته أم المؤيد زينب بنت الشعري أخذتِ العلم من كبار العلماء وروته عنهم، وقد منحوها إجازة علمية في ذلك، ثم يقول ابن خلكان بعد ذلك: إنها منحته إجازة علمية كتبتها له سنة ٦١٠ هـ".

стр. 6199

وكان من النساء المسلمات من اشتغلن بالفقه والتدريس، ومنهن من اشتغلن بالطب والسياسة والاجتماع، والكثرة الكاثرة منهن اشتغلن بالتدريس، وكان عدد لا بأس به منهن قد انقطعن لتدريس العلوم الدينية. وقد اشتُهر عدد كبير منهن في معظم مجالات العلم، يلتمس في كتب الطبقات مثل: "طبقات المحدثين"، "طبقات الأدباء"، "طبقات الأطباء" وغيرها، كما يلتمس في الكتب الموسعة، ولا نستطيع هنا أن نذكر مسردًا بأسمائهن، حتى لا نخرج عن سمت الكتاب. اهـ. يقول الأستاذ إبراهيم النعمة: هكذا غرس الإسلام في نفس المرأة المسلمة خطب الجمع والعيدين وهي من وسائل التعليم والتربية وتهذيب النفوس. فقد أمر الرسول ﷺ أن تخرج البنات البالغات، أو اللائي قاربن المحيض واللائي تكون في حالة الحيض في عيدي الفطر والأضحى؛ ليتعلمن ما ينفعهن من تعاليم الإسلام (١). فكانت هذه الأحاديث وغيرها دروسا قيمة ألقاها رسول اللَّه ﷺ على ذلك المجتمع الذي غرق في ازدراء المرأة إلى الأذقان. . وقد أثمرت دروسه تلك، وآتت نتائج طيبة حيث أقبلت النساء في صدر الإسلام على رواية الحديث إقبالا عظيمًا، حتى أتى ابن سعد في الجزء الذي عقده من طبقاته لرواية الحديث من النساء على سبعمائة امرأة روين عن رسول اللَّه ﷺ أو عن بعض أصحابه. وترجم ابن حجر في كتابه "الإصابة في تمييز الصحابة" لثلاثة وأربعين وخمسمائة وألف من المحدثات، وشهد لهن بالعلم ووثقهن. وقد كتب كثير من العلماء الأوائل عن مراكز بعض النساء العلمية كالخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" والنووي في "تهذيب الأسماء واللغات" والسخاوي في "الضوء اللامع". . . إلخ، ونبغ في التاريخ الإسلامي عالمات خلد التاريخ ذكرهن، فكانت السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂ عالمة جليلة، تحدث الناس، وتصحح للصحابة وتفتيهم، بل

стр. 6200

وتستدرك على فتاواهم وأقوالهم، حتى ألف الإمام بدر الدين الزركشي كتابا سماه "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة". وكانت السيدة فاطمة بنت الشيخ علاء الدين السمرقندي مثلًا من آلاف الأمثلة التي يزخر بها تاريخنا الإسلامي، فقد درست العلوم والفنون حتى صارت الفتوى تخرج من بيت والدها وعليها خطها وخط والدها، فلما تزوج الشيخ علاء الدين الكاساني صارت الفتوى تخرج وعليها خطها وخط أبيها وخط زوجها. بل كانت ترد زوجها إلى الصواب إذا أخطأ وهو من هو في العلم، هو الذي شرح تحفة الشيخ السمرقندي حتى قيل: شرح تحفته وزوجه ابنته. ومن العالمات اللائي خلد التاريخ ذكرهن: أم الواحد: ستيتة بنت القاضي الحسين بن إسماعيل الضبي المحاملي التي كانت من أحفظ الناس للفقه الشافعي. وكانت تحدث ويكتب عنها الحديث، وكانت تفتي من العلماء. توفيت سنة ٣٧٧ هـ. وكانت أم الفتح بنت القاضي أبي بكر أحمد بن كامل بن خلف بن شجرة من أعلم زمانها. كانت تتسم بتمسكها الشديد بتعاليم الإسلام، وكانت عاقلة رزينة حصيفة. أخذ عنها كثير من العلماء كثيرًا من العلوم توفيت سنة ٣٩٠ هـ. وكانت زينب بنت عبد الرحمن الشعري عالمة جليلة. وقد أخذ عنها أعيان العلماء رواية وإجازة. وممن أجازها الحافظ أبو الحسن الفارسي، وأبو القاسم الزمخشري صاحب تفسير "الكشاف" وقد أجازت هي ابن خلكان وكان صغيرًا؛ تشجيعًا له. أما كريمة بنت أحمد المروزي، فكانت من أعلم الناس بالحديث بمكة، وقد قرأ عليها الخطيب البغدادي "صحيح البخاري". وكانت عنيدة جدة أبي الخير التيناني الأقطع تجلس للتدريس فيجلس أمامها خمسمائة تلميذ من الرجال والنساء. وقل مثل ذلك عن الشيخة شهدة التي كانت تلقب بـ (فخر النساء). ونفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسين بن علي. . . إلخ.
следующие страницы →