الذين آمنوا في هذه الآية تشمل المؤمنين والمؤمنات معًا.
لقد قال ﷺ : "والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها" (١)، فكيف تستطيع المرأة إدارة شئون منزلها إذا كانت جاهلة؟ ، وكيف تستطيع أن توجه طفلها توجيها سليما صائبا هادفا إذا لم تكن عارفة مطلعة على التعاليم الإسلامية؟ .
وقد مهد الإسلام السبيل لطلب العلم، وجعل من واجب الحكومة الإسلامية أن تقوم بالإنفاق على الأولاد ذكورا وإناثا إذا ضاقت بآبائهم سبل الحياة، وكانوا فقراء عاجزين عن الإنفاق على تعليم أولادهم وبناتهم. إن الإسلام لم يمنع المرأة من تعليم شتى العلوم والفنون، ولم يحرم هذه العلوم عليها، ولكن المصلحة العامة -مصلحة الأمة- تقضي بأن تمارس المرأة بعض هذه العلوم دون البعض كالتدريس والتطبيب والتمريض وما شابه ذلك مما ينسجم وطبيعة تكونها ومقتضيات وظيفتها كأم. . . والإسلام يراعي دائما وأبدا مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة.
الوجه التاسع: تاريخ تعليم وتعلم المرأة المسلمة في ظل الحضارة الإسلامية .
كان تاريخًا مشرفًا في العلم والتعلم وقد برزت المرأة المسلمة في كثير من مجالات العلم في ظل حضارة الإسلام، والتاريخ الإسلامي حافل بأخبار النساء اللاتي بلغن منه العلم درجة رفيعة ومكانة عالية.
يقول الدكتور/ علي عبد الحليم: فإذا كانت تلك هي الأصول الثابتة في تعلّم المرأة المسلمة؛ وتعليمها لتمارس حياتها وواجبها في الدعوة إلى اللَّه، وهذا هو موقف الإسلام من تعلم المرأة وتعليمها، فمن أين جاءت تلك التهمة أو الفرية التي تزعم أن المرأة المسلمة غارقة في الجهل والتخلف؟ ومن أين جاءت المفتريات التي تزعم أن الإسلام قد حرم المرأة المسلمة من التعلم والتعليم، ومنعها من الخروج من البيت لتعلم أو لغيره؟ (٢).
стр. 6197
إن هذه الفرية رددها الحاقدون على الإسلام، من بعض المستشرقين والمبشرين والمستعمرين، على أمل أن تنطلي الخدعة على المسلمين، فتظل المرأة جاهلة غير متعلمة، لكي يحرموا الأسرة المسلمة من أم متعلمة واعية واسعة الثقافة، تحسن تربية أبنائها، وتنشئهم على القيم والمبادئ الإسلامية الرفيعة.
إن هؤلاء الأعداء نظروا إلى المرأة المسلمة في فترة كان العالم الإسلامي فيها في أسوأ حالاته، مقهورًا بأعدائه، متراجعًا عن حضارته، متخليًا عن أخلاق دينه وآدابه، محكومًا بمنهج فرضه عليه عدوه، فكان لابد أن يصيب المرأة المسلمة من هذا نصيب، كما كان لابد أن يحال بينها وبين التعليم والتعلم بسبب سياسة الأعداء للإسلام والمسلمين، فلما حدث هذا بسببهم قالوا: إن المرأة المسلمة جاهلة، وغير متحضرة، وأن هذا الجهل وذلك التراجع الحضاري راجع إلى أسباب دينية وتقاليد إسلامية!
إن مقولتهم تلك من أكذب الكذب على الإسلام؛ لأنه دين العلم والثقافة والمعرفة، الدين الذي كان أول ما نزل من كتابه على الرسول الخاتم ﷺ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ (العلق: ١ - ٥).
أي دين مجد القراءة والكتابة والعلم والتعلم والثقافة، كهذا الدين؟ أي دين جعل طلب العلم أو التعلم فريضة على كل مسلم ومسلمة؟
إن تاريخ ومكانة المرأة المسلمة في ظل الحضارة الإسلامية، وقبل أن يقع العالم الإسلامي في براثن أعدائه من شرق وغرب، كان تاريخًا مشرفًا في العلم والتعلم والتعليم، إن المرأة المسلمة برزت في مجالات العلم وبخاصة العلوم الإسلامية حتى بلغ بعضهن في تلك العلوم شأوا بعيدًا، إن الإسلام لم يكتفِ بأن يجيز للمرأة أن تتعلم ما شاءت من علوم الدين والدنيا، بل أوجب عليها ذلك كما أوجبه على الرجل، وقد كانت النساء على عهد النبي ﷺ يتعلمن كالرجال، بل كان الرسول ﷺ قد حدد لهن موعدًا يحضرن فيه للعلم والتعلم، كما ورد ذلك في سنة النبي ﷺ ، وسيرته.
стр. 6198
وكان بعض أزواجه ﷺ كأم المؤمنين عائشة ﵂ يؤخذ عنها العلم، وكانت بذلك تُعلِّم عددًا من الرجال الذين كانوا يتوجهون إليها بالسؤال عن حال رسول اللَّه ﷺ ، وهديه، كما كانت تعلم عددًا لا بأس به من النساء، وكان لبعض زوجات النبي ﷺ معرفة بكثير من قضايا التفسير لبعض آيات القرآن الكريم، وكثير من مسائل الفقه.
إن الإسلامَ حرَّض النساء على طلب العلم والتعلم كما أسلفنا، وبعد عهد الرسول ﷺ كان لبعض النساء المسلمات قدم راسخة في العلم، ولم يكن عددُهن قليلًا في أي قرن من القرون التي كانت الحضارة الإسلامية فيها مزدهرة.
وسوف أدلل على هذا بما يلي:
١ - ذكر الحافظ ابن عساكر (٤٤٩ - ٥٧١ هـ) المؤرخ المحدث الرحالة أن عدد شيوخه وأساتذته من النساء كان بضعًا وثمانين امرأة، فهل كان هؤلاء هن المتعلمات وحدهن؟ وله معجم سماه "معجم النسوان".
٢ - وذكر الحافظ الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨ هـ) المؤرخ المحدث المحقق، وله مؤلفات عديدة في رواة الحديث النبوي، وقد قال عن روايات الحديث من النساء: وما علمت من النساء من اتهمت، ولا من تركوها. أي: لم يتهم أحد من المحدثين الذين رووا عن النساء إحداهن بما يطعن في روايتها، ولم يتركوا الرواية عن واحدة منهن، لفقدها شروط حمل الحديث وروايته.
وقد روى الإمام البخاري عددًا من الأحاديث النبوية في صحيحه عن بعض النساء من راويات الحديث.
وكان ممن عَلَّم الإمام الشافعي، وابن خلكان، وأبا حيان بعضُ النساء، كما حكى هؤلاء الأعلام ذلك بأنفسهم.
فقد ذكر ابن خلكان أن أستاذته أم المؤيد زينب بنت الشعري أخذتِ العلم من كبار العلماء وروته عنهم، وقد منحوها إجازة علمية في ذلك، ثم يقول ابن خلكان بعد ذلك: إنها منحته إجازة علمية كتبتها له سنة ٦١٠ هـ".
стр. 6199
وكان من النساء المسلمات من اشتغلن بالفقه والتدريس، ومنهن من اشتغلن بالطب والسياسة والاجتماع، والكثرة الكاثرة منهن اشتغلن بالتدريس، وكان عدد لا بأس به منهن قد انقطعن لتدريس العلوم الدينية.
وقد اشتُهر عدد كبير منهن في معظم مجالات العلم، يلتمس في كتب الطبقات مثل: "طبقات المحدثين"، "طبقات الأدباء"، "طبقات الأطباء" وغيرها، كما يلتمس في الكتب الموسعة، ولا نستطيع هنا أن نذكر مسردًا بأسمائهن، حتى لا نخرج عن سمت الكتاب. اهـ.
يقول الأستاذ إبراهيم النعمة: هكذا غرس الإسلام في نفس المرأة المسلمة خطب الجمع والعيدين وهي من وسائل التعليم والتربية وتهذيب النفوس. فقد أمر الرسول ﷺ أن تخرج البنات البالغات، أو اللائي قاربن المحيض واللائي تكون في حالة الحيض في عيدي الفطر والأضحى؛ ليتعلمن ما ينفعهن من تعاليم الإسلام (١).
فكانت هذه الأحاديث وغيرها دروسا قيمة ألقاها رسول اللَّه ﷺ على ذلك المجتمع الذي غرق في ازدراء المرأة إلى الأذقان. . وقد أثمرت دروسه تلك، وآتت نتائج طيبة حيث أقبلت النساء في صدر الإسلام على رواية الحديث إقبالا عظيمًا، حتى أتى ابن سعد في الجزء الذي عقده من طبقاته لرواية الحديث من النساء على سبعمائة امرأة روين عن رسول اللَّه ﷺ أو عن بعض أصحابه. وترجم ابن حجر في كتابه "الإصابة في تمييز الصحابة" لثلاثة وأربعين وخمسمائة وألف من المحدثات، وشهد لهن بالعلم ووثقهن.
وقد كتب كثير من العلماء الأوائل عن مراكز بعض النساء العلمية كالخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" والنووي في "تهذيب الأسماء واللغات" والسخاوي في "الضوء اللامع". . . إلخ، ونبغ في التاريخ الإسلامي عالمات خلد التاريخ ذكرهن، فكانت السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂ عالمة جليلة، تحدث الناس، وتصحح للصحابة وتفتيهم، بل
стр. 6200
وتستدرك على فتاواهم وأقوالهم، حتى ألف الإمام بدر الدين الزركشي كتابا سماه "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة".
وكانت السيدة فاطمة بنت الشيخ علاء الدين السمرقندي مثلًا من آلاف الأمثلة التي يزخر بها تاريخنا الإسلامي، فقد درست العلوم والفنون حتى صارت الفتوى تخرج من بيت والدها وعليها خطها وخط والدها، فلما تزوج الشيخ علاء الدين الكاساني صارت الفتوى تخرج وعليها خطها وخط أبيها وخط زوجها. بل كانت ترد زوجها إلى الصواب إذا أخطأ وهو من هو في العلم، هو الذي شرح تحفة الشيخ السمرقندي حتى قيل: شرح تحفته وزوجه ابنته.
ومن العالمات اللائي خلد التاريخ ذكرهن: أم الواحد: ستيتة بنت القاضي الحسين بن إسماعيل الضبي المحاملي التي كانت من أحفظ الناس للفقه الشافعي. وكانت تحدث ويكتب عنها الحديث، وكانت تفتي من العلماء. توفيت سنة ٣٧٧ هـ.
وكانت أم الفتح بنت القاضي أبي بكر أحمد بن كامل بن خلف بن شجرة من أعلم زمانها. كانت تتسم بتمسكها الشديد بتعاليم الإسلام، وكانت عاقلة رزينة حصيفة. أخذ عنها كثير من العلماء كثيرًا من العلوم توفيت سنة ٣٩٠ هـ.
وكانت زينب بنت عبد الرحمن الشعري عالمة جليلة. وقد أخذ عنها أعيان العلماء رواية وإجازة. وممن أجازها الحافظ أبو الحسن الفارسي، وأبو القاسم الزمخشري صاحب تفسير "الكشاف" وقد أجازت هي ابن خلكان وكان صغيرًا؛ تشجيعًا له.
أما كريمة بنت أحمد المروزي، فكانت من أعلم الناس بالحديث بمكة، وقد قرأ عليها الخطيب البغدادي "صحيح البخاري".
وكانت عنيدة جدة أبي الخير التيناني الأقطع تجلس للتدريس فيجلس أمامها خمسمائة تلميذ من الرجال والنساء. وقل مثل ذلك عن الشيخة شهدة التي كانت تلقب بـ (فخر النساء). ونفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسين بن علي. . . إلخ.
стр. 6201
ويكفينا أن نذكر في هذا المقام أن ابن عساكر عد أساتذته الذين أخذ عنهم، فكان منهم إحدى وثمانون امرأة كما قال ياقوت في "معجم الأدباء".
وذكر عبد الواحد المراكشي أنه كان بالربض الشرقي في قرطبة ١٧٠ امرأة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي علمًا بأن عدد أرباض -أحياء- مدينة قرطبة واحد وعشرون ربضًا كما يقول المقري في "نفح الطيب".
وكان لبعض الشواعر أثر كبير في الإسلام منهن ليلى الأخيلية، وحميدة بنت النعمان، وسكينة بنت الحسين التي كانت تنقد الشعراء في قصائدهم وتكون حكما بينهم. وبدانية مولاة أبي المطرف عبد الرحمن بن غلبون التي كانت تحفظ الكامل للمبرد والنوادر لأبي علي الفارسي وتشرحهما، ومريم بنت أبي يعقوب الأنصاري التي من شعرها حين كبرت:
وما يرتجى من بنت سبعين حجة ... وسبع، كنسج العنكبوت المهلهل
تدب دبيب الطفل تسعى إلى العصا ... ويمشي بها مشي الأسير المكبل
وقل مثل هذا عن رابعة العدوية، وزبيدة أم جعفر زوجة الرشيد، وحفصة بنت الحاج الدكوني، وتقية أم علي بنت أبي الفرج. . . وقد ألف السيوطي كتابا قيما في أشعار النساء عنوانه: "نزهة الجلساء في أشعار النساء".
هذه أمثلة أقل من القليل، تدلنا على مكانة المرأة العلمية في العصر الإسلامي، ومشاركتها في شتى العلوم والفنون، فقد كان كثير من النساء أساتذة للرجال، يدرسونهم، ثم يجيزونهم. ونجد في الإجازات العلمية أسماء عدد من النساء اللاتي أجزن الرجال. وإذا كان التاريخ لم ينقل إلينا أخبار كثير منهن، فإن من ذكرهن شاهد على المنزلة العلمية الكبيرة التي وصلت إليها المرأة المسلمة، وفي الوقت الذي كانت المرأة في أوربا تباع وتشترى، وقد سموها رجسا وجعلوها من سقط المتاع وقالوا عنها: إنها كائن لا نفس له، بل كانوا يبيعون زوجاتهم ويأخذون جميع أموالهن. يقول سان بونا فنتور من رجال
стр. 6202
الكنيسة إلى تلاميذه: إذا رأيتم امرأة فلا تحسبوا أنكم ترون كائنًا بشريًا، بل ولا كائنا وحشيا، وإنما الذي ترون هو الشيطان بذاته، والذي تسمعون هو صفير الثعبان.
ويقول: ترتوليان من أقطاب المسيحية عن المرأة: إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان. وإنها دافعة بالمرء إلى الشجرة الممنوعة، ناقضة لقانون اللَّه، ومشوهة لصورة اللَّه -أي الرجل-.
وقد اعترف كثير من المستشرقين المنصفين والمستشرقات بالمنزلة العالية التي كانت تتبوأها المرأة المسلمة.
يقول بعض الذين أرخوا الحكم الثاني في الأندلس: إن نساء ذلك الزمن الذي كان للعلم والأدب شأن عظيم فيه ببلاد الأندلس كن محبات للدرس في خدورهن، وكان الكثير منهن يتميزن بدماثتهن ومعارفهن، وكان قصر الخليفة يضم لبنى، أي هذه الفتاة الجميلة العالمة بالنحو والشعر والحساب وسائر العلوم والكاتبة البارعة التي كان الخليفة يعتمد عليها في كتابة رسائله الخاصة، والتي لم يكن في القصر مثلها دقة تفكير وعذوبة قريض، كما كان يضم أيضًا فاطمة التي كانت تكتب بإتقان نادر وتنسخ كتبا للخليفة، ويعجب جميع العلماء برسائلها، وتملك مجموعة ثمينة من كتب الفن والعلوم.
وتقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه: وسار الركب وشاهد الناس سيدات يدرسن القانون والشرع، ويلقين المحاضرات في المساجد ويفسرن أحكام الدين فكانت السيدة تنهي دراستها على يد كبار العلماء ثم تنهي دراستها على يد كبار العلماء ثم تنال منهم تصريحًا لتدرس هي بنفسها ما تعلمه، فتصبح الأستاذة الشيخة. كما لمعت من بينهن أديبات وشاعرات. والناس لا ترى في ذلك غضاضة أو خروجًا على التقليد.
على أن أحدًا لا يستطيع أن يجد نصًا واحدًا في كتاب اللَّه ولا في سنة رسوله ولا في أقوال سلفنا الصالح يحرم تعليم البنات أو النساء، بل وجدنا على العكس نصوصًا كثيرة
стр. 6203
تحث وتحض على طلب العلم، فالمرأة المسلمة بفضل من كانت مثالًا مشرفًا في ظل حضارة الإسلام، ويصف شوقي أمير الشعراء ذلك فيقول:
هذا رسول اللَّه لم ... ينقص حقوق المؤمناتِ
العلم كان شريعة ... لنسائه المتفقِّهات
رُضنَ التجارة والسياسة ... والشئون الأخريات
ولقد عَلَتْ ببنَاته ... لُجَجُ العلوم الزخرات
كانت سكَيْنَةُ تملأ الد ... نيا وتهزأ بالرُّواةِ
روتِ الحديث وفسَّرتْ ... آي الكتاب البَيِّناتِ
الوجه العاشر: تاريخ غير المسلمين في مسألة تعليم المرأة عبر عصورهم .
ويظهر سمو المبادئ الإسلامية -التي ذكرناها- بالموازنة بينها وبين ما تقرره الشرائع الأخرى في هذه الشئون.
فقوانين أثينا مثلًا، التي يعدها المؤرخون أكثر القوانين ديمقراطية في العصور القديمة، لا تتيح فرصة التعلم والثقافة إلا للأحرار من ذكور اليونان، بينما توصدها إيصادًا تامًّا أمام النساء. وقد عبر عن وجهة نظرهم هذه أصدق تعبير، وصاغها في صورة نظرية علمية كبير فلاسفتهم أرسطو، إذ يقرر في كتابه "السياسة" أن الطبيعة لم تزود النساء بأي استعداد عقلي يعتد به، ولذلك يجب أن تقتصر تربيتهن على شئون تدبير المنزل والحضانة والأمومة. ولم يكن أرسطو في ذلك معبرًا عن رأيه الشخصي، وإنما كان مسجلًا لما كان يجرى عليه العمل في دولة أثينا التي يعدون نظامها أرقى نظام ديمقراطي في الأمم السابقة للإسلام. ولذلك حينما قرر أفلاطون في مدينته الخيالية "الجمهورية" مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في حق اقحلم والثقافة والاضطلاع بمختلف الوظائف، كانت آراؤه موضع تهكم وسخرية من مفكري أثينا فلاسفتها وشعرائها، حتى أن أرستوفان عميد شعراء الكوميديا في ذلك العصر وقف تمثيليتين اثنتين من ثمثيلياته على السخرية بهذه الآراء، وهما "برلمان النساء" و"بلوتوس".
стр. 6204
وقد ظلت الأمم الأوربية في العصور الحديثة نفسها تنكر على المرأة حق التعلم والثقافة حتى القرن التاسع عشر الميلادي.
وقد عبر عن ذلك أصدق تعبير في منتصف القرن السابع عشر الميلادي شاعر فرنسا موليير Moliere (١٦٢٢ - ١٦٧٣) إذ يقول في مسرحيته: "النساء المتحذلقات" Les Femmes Savantes على لسان أحد أبطالها: إنه لا يليق بامرأة، لعدة اعتبارات، أن تضيع وقتها في التعلم والثقافة، فوظائفها الأساسية التي ينبغي أن تستأثر بكل جهودها وفلسفتها لا تتجاوز تربية الأولاد وشئون التدبير المنزلي، والسهر على حاجة أفراد الأسرة، والاقتصاد في نفقات البيت.
وفي أواخر القرن السابع عشر الميلادي ظهرت أصوات ضعيفة تنادي بتعليم المرأة في حدود ضيقة كل الضيق، وكان على رأس المنادين بذلك العلامة الفرنسي فينلون Fenelon (١٦٥١ - ١٧٥١) في كتابه الذي ظهر سنة ١٦٨٠ تحت عنوان: "تربية البنات" L`Education des Filles ولكن هذه الأصوات -مع شدة تحفظها وتواضعها فيما نادت به- لم تلق استجابة يعتد بها من معظم الأمم الأوربية في ذلك العهد.
بل لقد ظلت التيارات المعادية لتعليم المرأة مسيطرة على أوربا الحديثة حتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. وإليكم مثلًا عاهل بروسيا بسمارك Bimarck (١٨١٥ - ١٨٨٩) الذي حدد للمرأة الألمانية ثلاث مجالات لنشاطها لا تخرج عنها، وهي: تربية أطفالها؛ وشئون مطبخها، وأداء شعائرها الدينية في الكنيسة. ويطلق الألمان على هذه الوظائف اسم "الكافات الثلاث"؛ لأن كل وظيفة منها يبدأ اسمها في الألمانية بحرف "كاف" (drei k: kinder, kuch, kirch).
إن المرأة الأوربية هي التي كانت غارقة في الجهل، لا في العصور الوسطى-عندهم- وحدها، ولكن إلى وقت قريب لا يزيد عن قرن ونصف قرن إلى الوراء من وقتنا هذا - والعصور الوسطى عندهم عصور الظلام والتخلف كما وصفوها هم، توازي عندنا معشر
стр. 6205
المسلمين عصور التقدم والرقي العلمي والفني، والتفوق في مختلف مجالات الحضارة الإنسانية.
إن الحضارة الأوربية في تلك القرون كانت تعتبر المرأة جزءًا من المتاع الذي يتلهى به الرجال عندما يريدون، دون زواج مشروع، ودون حقوق في كثير من الأحيان.
إن المرأة الأوربية حُرمت في ظل هذه الحضارة من كثير من حقوقها، حيث لم تكن ترث، ولا تملك، ولا تحتفظ باسم أبيها وعائلتها، وإنما تحمل اسم زوجها، وكانت عند الزوج كالأمة، حتى إنه كان يأمرها فلا تملك غير الطاعة، حتى في الأمور التي لا تقبلها الفطرة السوية.
ولم يكن هذا مكان المرأة، ولا تلك مكانتها في عصورهم الوسطى فحسب، ولكنه استمر إلى وقت قريب إلى قرن ونصف قرن من زماننا هذا -العقد الأخير من القرن العشرين- وعلى سبيل المثال لا الحصر:
فإن الإنجليز كانوا يعتبرون تعليم المرأة سبة تشمئز منها النساء قبل الرجال. فلما كانت "اليصابات بلا كويل" تتعلم في جامعة جنيف سنة ١٨٤٩ م -وهي أول طبيبة في العالم- كانت النسوة المقيمات معها يقاطعنها، ويأبين أن يكلمنها، ويزوين ذيولهن عن طريقها احتقارًا لها، كأنهن متحرزات من نجاسة يتقين مَسَّها.
وإن الأمريكان عندما اجتهد بعضهم في إقامة معهد يعلم النساء الطب في مدينة "فلادلفيا" الأمريكية، أعلنت الجماعة الطبية بالمدينة أنها تصادر كل طبيب يقبل أن يعلم بهذا المعهد، وتصادر كل من يستشير أولئك الأطباء.
وإن الألمان هم الذين تنسب إليهم الكلمة التالية: إن خزائن ملابس المرأة هي مكتبتها، وأن الفرنسيين هم أصحاب فكرة أن المرأة يجب أن تحبس بين جدران أربعة (١).
стр. 6206
الوجه الحادي عشر: ماذا عن تعليم المرأة في الكتاب المقدس .
١ كورنثوس ١٤: ٣٤ "لِتَصْمُتْ نِسَاؤُكُمْ في الْكَنَائِسِ لأَنَّهُ لَيْسَ مَأْذُونًا لَهُنَّ أَنْ يَتَكَلَّمْنَ بَلْ يَخْضَعْنَ كَمَا يَقُولُ النَّامُوسُ أَيْضًا. وَلَكِنْ إِنْ كُنَّ يُرِدْنَ أَنْ يَتَعَلَّمْنَ شَيْئًا فَلْيَسْأَلْنَ رِجَالَهُنَّ في الْبَيْتِ لأَنَّهُ قَبِيح بِالنِّسَاءِ أَنْ تَتَكَلَّمَ في كَنِيسَةٍ".
وفي الترجمة الكاثوليكية هكذا النص: "ولْتَصمُتِ النِّسَاءُ في الجَماعات، شَأنَها في جَميعِ كَنائِسِ القِدِّيسين، فإِنَّه لا يُؤذَنُ لَهُنَّ بِالتَّكلُّم. وعلَيهنَّ أَن يَخضَعْنَ كما تَقولُ الشَّريعةُ أَيضًا. فإِن رَغِبْنَ في تَعَلُّمِ شَيء، فلْيَسأَلْنَ أَزواجَهُنَّ في البَيت، لأَنَّه مِن غَير اللَّائِقِ لِلمَرأةِ أَن تَتَكلَّمَ في الجَماعة".
والمقصود بعبارة: "كما تقول الشريعة" أو "كما يقول الناموس" هو ما جاء في (تكوين ٣: ١٦) من أن الرب جعل الرجل متسلطًا على المرأة فقال: "وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: تَكْثِيرا أكَثّرُ اتْعَابَ حَبَلِكِ. بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أوْلادًا. وَإلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ". أي يتسلط عليك.
وعبارة: "شَأنَها في جَميعِ كَنائِسِ القِدِّيسين". تفيد عمومية الطلب خلافًا لما ذهب إليه البعض من أن هذه الأوامر هي للمؤمنين في كورنثوس فقط.
وفي ١ تيموثاوس ٢: ١٢ - ١٤: "وَلَكِنْ لَسْتُ آذَنُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعَلِّمَ وَلَا تَتَسَلَّطَ عَلَى الرَّجُلِ، بَلْ تَكُونُ في سُكُوتٍ، لأَنَّ آدَمَ جُبِلَ أَوَّلًا ثُمَّ حَوَّاءُ، وَآدَمُ لَمْ يُغْوَ لَكِنَّ الْمَرْأَةَ أُغْوِيَتْ فَحَصَلَتْ في التَّعَدِّي".
في هذا النص يؤكد بولس على سكوت المرأة وخضوعها وعدم قيامها بالتعليم لعدة أساب:
١) لأن آدم جبل أولا ثم حواء أي السيادة للرجل وليس للمرأة.
٢) لأن المرأة أغويت أولا من قبل الشيطان، فالمرأة تستطيع بمشاعرها أن تعلم تعاليم خاطئة إذ تستطيع استمالة الرجال أيضًا وهذا ما حدث في كنيسة ثياتيرا (رؤيا يوحنا ٢٠: ٢) وكما حدث مع ألن هوايت نبيّة السبتيين.
٣) لأن مجال المرأة هو في تعليم أولادها في البيت أو في مدارس الأحد (التعليم المسيحي للأطفال) ١ تيموثاوس ١٥: ٢.
стр. 6207
ويأكد المفسر المسيحي متى هنري هذا المعنى في تفسيره لما جاء في ١ كورنثوس ١٤: ٣٤ فيقول: هنا يلزم الرسول النساء بالآتي:
١) أن يصمتن في الاجتماعات العامة، إذ لا يجب أن يسألن عن أي معلومة في الكنيسة بل يسألن أزواجهن في البيت. ويعد هذا حقيقته إشارة إلى أن النساء كن يصلين ويتنبأن أحيانًا في اجتماعات الكنيسة (١ كو ١١: ٥). ولكنه هنا يمنعهن عن أي عمل عام، حيث إنه غير مسموح لهن أن يتكلمن في الكنيسة (عدد ٣٤)، كما لا يجب السماح لهن بأن يعلمن في الجماعة، ولا حتى يسألن أسئلة في الكنيسة، بل يتعلمن في صمت.
أما إذا واجهتهن الصعوبات "فليسألن رجالهن في البيت". وكما أن واجب المراة أن تتعلم في خضوع، فمن واجب الرجل أيضًا أن يمارس سلطانه، بأن يكون قادرًا على تعليمها، فإن كان قبيحًا بها أن تتكلم في الكنيسة، حيث يجب أن تصمت، فقبيح بالرجل أن يصمت حينما يكون من واجبه أن يتكلم، عندما تسأله في البيت.
٢) يختم الرسول بأنه قبيح بالمرأة أن تتكلم في الكنيسة فالقباحة أو العار هنا انعكاس غير مريح للذهن على شيء تم فعله بدون لياقة، وأي شيء لا يليق أكثر من أن تترك المرأة مكانها، إذ أنها خلقت لتخضع للرجل، وعليها الاحتفاظ بمكانها وترضى به.
يقول الدكتور كامبل:
في الكتاب المقدس ستة وستون سفرًا جميعها كتبت بواسطة رجال. واللَّه لم يختر امرأة واحدة لكتابة جزء واحد من فصول هذا الكتاب. كذلك لم يسمح لامرأة من سبط لاوي أن تتقلد كهنوتية للخدمة في خيمة الاجتماع أو في الهيكل في العهد القديم. أيضًا لم يختر الرب امرأة واحدة بين الإثني عشر رسولًا الذين كانوا جميعًا رجالًا. وبالإضافة إلى هؤلاء الإثني عشر أرسل الرب سبعين آخرين ولم نسمع عن أي منهم كان من النساء. وفي أعمال ٦ انتخب سبعة رجال مشهودًا لهم ومملوئين من الروح القدس والحكمة لأجل خدمة الموائد وحاجات الأرامل وليس بينهم امرأة واحدة.
стр. 6208
وفي ١ كورنثوس ١٥ ذكر شهود كثيرون لتثبيت قيامة الرب وسميت أسماء رجال كثيرين ليس من بينهم اسم امرأة واحدة. وهذا له معناه الخصوصي، لأن مريم وهي أول من رأي الرب المقام والتي أرسلت منه بأول بشارة عن القيامة، ولكن حذف اسمها ضمن قائمة الشهود، أليس هذا دليلًا قويًا على أن الكتاب لا يعطي المرأة مكانًا في الشهادة العلنية؟
وفي الكنيسة الأولى ذكر عن إقامة أساقفة وشمامسة وشيوخ على التفصيل الوارد في رسالتي تيموثاوس الأولى ورسالة تيطس وجميع هؤلاء كانوا رجالًا ليس بينهم امرأة واحدة. كما أننا لا نقرأ عن امرأة مبشرة أو راعية أو معلمة بالمعنى العام المعروف في العهد الجديد. كذلك ولا امرأة واحدة ورد اسمها بين من صنعوا المعجزات العلنية. وفي رؤيا ١١ نقرأ عن شاهدين نبيين من الرجال، وليست نبيتين، ولا نبي ونبية، بل اثنين من الرجال.
المرأة ليست مجد اللَّه وهي دون الرجل ! !
قال بولس في رسالته الأولى إلى كورنثوس (١١: ٣ - ٩): "وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ كُلِّ رَجُلٍ هُوَ الْمَسِيحُ. وَأَمَّا رَأْسُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ. وَرَأْسُ الْمَسِيحِ هُوَ اللَّه. . . . الرَّجُلَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ لِكَوْنِهِ صُورَةَ اللَّه وَمَجْدَهُ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَهِيَ مَجْدُ الرَّجُلِ. لأَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مِنَ الْمَرْأَةِ بَلِ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ. وَلأَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ أَجْلِ الْمَرْأَةِ بَلِ الْمَرْأَةُ مِنْ أَجْلِ الرَّجُلِ".
* * *
стр. 6209
٦ - شبهة: المساواة بين الرجل والمرأة .
نص الشبهة:
يفتري البعض كذبًا وزورًا أن الإسلام فضّل الرجل على المرأة ولم يسو بينهما وفى هذا ظلم بيّن للمرأة.
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: الأمور التي جعل فيها الرجل والمرأة على قدم المساواة .
الوجه الثاني: لماذا خص الإسلام الرجال ببعض الأمور عن المرأة؟ .
الوجه الثالث: ليست المساواة في كل الأحيان من العدالة.
الوجه الرابع: المساواة التي يدعو إليها الغرب مساواة زائفة.
الوجه الخامس: عدم المساواة بين الرجل والمرأة عند غير المسلمين.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: الأمور التي جعل فيها الرجل والمرأة على قدم المساواة.
١ - التساوي في أصل الخلق:
يقرر القرآن الكريم أن المرأة خلقت من نفس الرجل، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا. . .﴾ (النساء: ١)، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (الأعراف: ١٨٩)، وقال سبحانه: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (الزمر: ٦).
ومعنى هذا أن المرأة لم تخلق من شيء مغاير لما خلق منه الرجل، بل خلقت منه، وأيضًا فإن هناك مساواة بين الرجال والنساء في أن كلًا منهما تولد عن المخلوقين اللذين خلقهما اللَّه آدم ﵇ وزوجه.
أ- فهي أخت الرجل؛ إذ تنسب وإياه إلى أب واحد، وأم واحدة، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى. .﴾ (الحجرات: ١٣) ينادي الجميع بكلمة ﴿النَّاسُ﴾ معلنًا أنه خلقهم من أب واحد، وأم واحدة ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى. . .﴾ ولفظ ﴿النَّاسُ﴾
стр. 6210
في اللغة يشمل أفراد الإنسان كافة رجالًا ونساء، فهو على هذا يقرر الأخوة -أخوة النسب- بين الرجل والمرأة؛ إذ خلقهما من ﴿ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾، فكل منهما شقيق الآخر، ورسوله ﷺ يقرر هذه الحقيقة بقوله: "إنما النساء شقائق الرجال". . وأخوة النسب على هذا النحو تقتضي المساواة فيه؛ إذ لا يكون أحد الشقيقين أوفر حظًا في النسبة إلى أبويه من الآخر، فالمرأة على هذا مساوية للرجل في النسبة إلى الأبوين، لا تزيد فيها عنه ولا تنقص. وهي إنسان مثله مساوية في الإنسانية.
وذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: ١)، وشاهدنا يتعلق من هذه الآية الكريمة بثلاث جمل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ فهو إذ يُنادي الجميع بكلمة (النَّاسُ) يختلف عن سابقه في المراد بالنداء، فهو هنا يطلب إليهم أن يتقوا ربهم، وهناك يخبرهم بخصائص روحية في النفس، ولا صلة لها بتة بما بين الأفراد من روابط النسب، وعلائق اللحم والدم: فإذا نودي (النَّاسُ) أن يتقوا ربهم، فالنداء متوجه إليهم باعتبار خصوصية الإنسانية فيهم، تلك الخصوصية التي تجعلهم نوعًا قائمًا بذاته بين (أنواع) كائنات هذه الأرض. . . وبما أن المرأة داخلة مع الرجل في مفهوم كلمة الناس-على ما قدمناه- فهي مخاطبة معه بتكاليف التقوى، أي: أن الخطاب متوجه إليها باعتبار خصوصية الإنسانية فيها، فهي -إذًا- إنسان كما هو إنسان.
والجملة الثانية: مما يتعلق به مرادنا قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ فإن دلالة هذا القول على النسبة الروحية أوضح وأوكد من دلالتها على قوة النسب الحسي الذي لا بد فيه من نفسين اثنتين (نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) ولا سيما أن النفس في اللغة تدلُّ على الروح، وعلى الصفات المعنوية للمرأة، ولا تقتصر دلالتها على شخص الإنسان الظاهر للحس.
والجملة الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ فإنها مع سابقتيها تسهم في توكيد
стр. 6211
الدلالة على وحدة المعنى الإنساني، ذلك أن الجملة السابقة ترد الجميع إلى نفس واحدة هي نفس آدم ﵇ أما هذه الجملة فتنفرد بتقرير نسبة الزوجة أم الجميع حواء ﵍ إلى نفس المصدر الروحي الذي نسب إليها بنوها، فالأبناء -إذًا- وأمهم داخلون في التقويم الإنساني المستمد من خصائص تلك النفس الواحدة، ونعتقد أن ليس ثمة نص في قديم أو حديث عالج -في إيجاز وإعجاز- تقرير إنسانية المرأة من جميع النواحي، وبأبعد الأعماق أصالة وبمختلف طرق التقدير والتعبير على مثل ما نجد في ذلك النظم القدسي الكريم ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾.
٢ - التساوي في الجزاء الأخروي:
لقد ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في الجزاء الأخروي، فالرجل إذا عمل صالحًا في دنياه فإنه يثاب عليه في الآخرة، وأمَّا إذا عمل غير ذلك فإنه يحاسب عليه أيضًا.
وكذلك الحال بالنسبة للمرأة، فهي مساوية للرجل تمامًا في ذلك دونما أي فارق بينهما في ذلك، دل على ذلك ما يلي: قال سبحانه: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ (آل عمران: ١٩٥). وقال : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ (النساء: ١٢٤)، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ (التوبة: ٧٢)، وقال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ (النحل: ٩٧)، وقال : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ
٣١)، قال جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٨)، وقال ﷻ : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: ٢)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٤).
والإجماع منعقد دون خلاف على تساوى الرجال والنساء في هذا الحكم بالنسبة للقاذفين والمقذوفين، كذلك ساوت الشريعة بينهما في الدماء، وقررت أن يقتل الرجل بالمرأة، قال جل وعلا: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٧٩).
وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ (البقرة: ١٧٨).
وهذه الآية تبين حكم النوع، إذا قتل نوعه، ولم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر، فهي محكمة، وفيها إجمال يبينه قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة: ٤٥).
ومما له مغزاه في هذا المقام أن اللَّه تعالى أشرك حواء مع آدم ﵉ فيما خاطبه به، وأمره ونهاه. . فحين أمره أن يسكن الجنة، ونهاه أن يأكل من الشجرة، وجَّه إليهما الخطاب معًا: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا
стр. 6214
تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ (البقرة: ٣٥) وحين أنكر -سبحانه- ما كان من مخالفة أمره، وجه الإنكار إليهما معًا: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ (١).
٤ - التساوي في الحقوق المادية:
أكد الإسلام احترام شخصية المرأة المعنوية، وَسَوَّاها بالرجل في أهلية الوجوب والأداء، وأثبث لها حقها في التصرف، ومباشرة جميع العقود: كحق البيع، وحق الشراء، وحق الدائن، وحق الدين، وحق الراهن، وحق المرتهن، كذلك حق الوكالة، والإجارة، والاتجار في المال الخاص، وما إلى ذلك، وكل هذه الحقوق المدنية واجبة النفاذ.
стр. 6215
ولقد أطلق الإسلام للمرأة حرية التصرف في هذه الأمور بالشكل الذي تريده، دون أية قيود تقيد حريتها في التصرف، سوى القيد الذي يقيد الرجل نفسه فيها، ألا وهو قيد المبدأ العام: أن لا تصدم الحرية بالحق، أو الخير.
فلها أن تملك الضياع، والدور، وسائر أصناف المال بكافة أسباب التملك، ولها أن تمارس التجارة، وسائر تصرفات الكسب المباح، ولها أن تضمن غيرها، وأن يضمنها غيرها، وأن تهب الهبات، وأن توصي لمن تشاء من غير ورثتها، وأن تخاصم غيرها إلى القضاء لها أن تفعل ذلك ونحوه بنفسها، أو بمن توكله عنها باختيارها.
ويعلق الإمام محمد عبده على ذلك بقوله: هذه الدرجة التي رفع اللَّه النساء إليها لم يرفعهن إليها دين سابق، ولا شريعة من الشرائع، بل لم تصل إليها أمة من أمم قبل الإسلام ولا بعده، وهذه الأمم الأوربية التي كان من تقدمها في الحضارة أن بالغت في احترام النساء، وتكريمهن، وعنيت بتربيتهن، وتعليمهن الفنون والعلوم، لا تزال دون هذه الدرجة التي رفع الإسلام النساء إليها، ولا تزال قوانين بعضها تمنع المرأة من حق التصرف في مالها بدون إذن زوجها، وغير ذلك من الحقوق التي منحتها إياها الشريعة الإسلامية من نحو ثلاثة عشر قرنًا ونصف قرن، وقد كان النساء في أوربا منذ خمسين سنة بمنزلة الأرقاء في كل شيء، كما كن في عهد الجاهلية عند العرب، بل أسوأ حالًا. . إلى أن قال: (وقد صار هؤلاء الإفرنج الذين قصرت مدنيتهم عن شريعتنا في إعلاء شأن النساء ويفخرون علينا، بل يرموننا بالجهل في معاملة النساء، ويزعم الجاهلون منهم أن ما نحن عليه هو أثر ديننا (١).
ومن المعلوم أن الأمم القديمة لم تكن تعترف للمرأة بأي أهلية، ومن ثم فلم تكن تتمتع بأي من الحقوق المدنية. . وإذا كانت تلك الأمم ترى أن الرجل هو المالك لشخص المرأة، وأن بوسعه أن يفعل بها ما يشاء، فإنَّ من الطبيعي أن ترى أن العبد أو المستعبد، وما ملكت يداه ملك لسيده.
стр. 6216
لقد كانت الهند البرهمية، والصين، والجرمان، وبرابرة أوروبة، لا يملِّكون المرأة ولا يورِّثونها. وجرت اليونان على منوالهم، فلم تورِّث البنات إلا عندما لا يوجد ذكور. أما الشريعة الرومانية فقد اختلفت معاملتها للمرأة كما قلنا ما بين مدٍّ وجزرٍ. بل بقيت هذه النظرة إلى المرأة مهيمنة حتى على كثير من المدنيات الحديثة إلى عهد قريب.
أما الإسلام الذي هو امتداد للرسالات السماوية السابقة، فقد جاء مؤكدًا استقلالية المرأة عن الرجل في حقوقها المدنية المختلفة، معلنًا عن حريتها التامة في التصرف بأموالها دون وصاية من أحد عليها ما دامت رشيدة متحررة عن عوامل الحجر والوصاية، بل معلنًا عن تمتعها بكل ما يتمتع به الرجل من حقوق معنوية كحق الإجارة والضَّمان ونحوهما (١).
٥ - التساوي في حق الحياة:
وصف القرآن الكريم حال الرجل في الجاهلية عندما كانت تلد زوجه "أنثى" حيث يقول: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾ (النحل: ٥٨، ٥٩).
وقد دُفنت قبل الإسلام في رمال صحراء شبه الجزيرة العربية من الإناث ما لا يعلم عددهن إلا اللَّه تعالى، حيث كان الأب الجاهلي يرى الأنثى تأكل ولا تقاتل عن القبيلة، ويراها مصدرًا لجلب العار له حين تؤسر من العدو فيفترشها آسِرُها عَنْوَة واقتدارًا أو طواعية واختيارًا، فيعير الأب وقبيلته بها.
وحين أتى الإسلام ونزل قوله تعالى - مستنكرًا فعْل الجاهلية الشنيع: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (التكوير: ٨، ٩) أدرك الذين هداهم اللَّه إلى نور الإسلام كم كانوا ظالمين لبناتهم.
وقد نزل القرآن الكريم مشددًا النهي عن قتل الأولاد حيث قال تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (الأنعام: ١٥١)، وقال تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا
стр. 6217
أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ (الإسراء: ٣١).
وقال ابن كثير: وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم -كما سولت لهم الشياطين ذلك- فكانوا يئدون البنات خشية العار، وربما قتلوا بعض الذكور خيفة الافتقار، ولهذا جاء في "الصحيحين" من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قلت: يا رسول اللَّه، أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل للَّه ندًّا وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك (١).
وهكذا سوى الإسلام بين الذكر والأنثى في حق الحياة، وحرم التعدي على هذا الحق، وجعله من أكبر الذنوب التي لا تتفق مع تكريم اللَّه تعالى للإنسان (٢).
٦ - التساوي في الحرية:
وفي نطاق حق الحرية، لم يفرق الإسلام بين الرجل والمرأة في شيء من الجوانب المختلفة مما يشمله هذا الحق. كالحرية السياسية والفكرية والدينية وحرية العمل. بل ضمن لكل منهما من ذلك ما قد ضمنه للآخر.
فلكل فرد عاقل رشيد، رجلًا كان أو امرأة، أن يشترك في إدارة شئون الدولة وأن يراقب سيرها وينقد أعمالها.
وقد فرغ الفقهاء من بيان أن مجلس الشورى في أنظمة الحكم الإسلامي يجوز أن يضم نساء مسلمات يساهمن في عرض المشورة والتنبه إلى المصالح، دون أن يُرَاعى في ذلك شيء أكثر من الشروط العامة التي يجب أن تتوفر في أعضاء هذا المجلس، رجالًا ونساءً، من البصيرة النافذة والعلم الكافي والإخلاص للأمة. (٣)
٧ - التساوي في الأخوة:
стр. 6218
لقد شرع اللَّه للمؤمنين شِرعة الإِخاء بقوله جل شأنه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ١٠)، فلم يكن يفرق بين المسلمة والمسلم، ولا بين المسلم والمسلمة، وكذلك استنَّ رسول اللَّه ﷺ سنة المساواة بقوله: "المسلم أخو المسلم". (١)
مزَّق الإسلام حجب الفوارق بين النساء كما مزقها بين الرجال، فتطامنت الرءوس، وتساوت النفوس، فلم يكن بين المرأة والمرأة إلا الخير تتقدم به، أو العمل الصالح تسبق إليه، فأما أن تُدِلَّ بعَرَض طارف، أو تعتز بحسب قديم فذلك ما لا يقدمها أُنملة، ولا يغني عنها من اللَّه شيئًا.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول اللَّه ﷺ حين أنزل اللَّه : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ (الشعراء: ٢١٤) قال: "يا معشر قريش! -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من اللَّه شيئًا، يا بني عبد مناف! لا أغني عنكم من اللَّه شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من اللَّه شيئًا، ويا صفيةُ عمةَ رسول اللَّه، لا أغني عنكِ من اللَّه شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئتِ من مالي، لا أغني عنكِ من اللَّه شيئًا" (٢)، ولا أدل على ما نقول من: حديث فاطمة بنت الأسود المخزومية -وهي امرأة من ذوات الشرف والحسب في قريش- وَهَنت نفسها، فسرقت، فقامت عليها البينة، فوجب عليها الحد فأَهَمَّ ذلك قريشًا، فقالوا: من يكلم رسول اللَّه ﷺ ؟ ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبُّ رسول اللَّه ﷺ ، فكلَّم رسول اللَّه ﷺ ، فتلوَّن وجه رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "أتشفع في حَدٍّ من حدود اللَّه؟ "فقال أسامة: استغفر لي يا رسول اللَّه، فلما كان بالعشي، قام فاختطب، فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد: فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم اللَّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (٣)، ثم أمر ﷺ بتلك المرأة التي سرقت،
стр. 6219
فقُطِعَتْ يَدُها. قالت عائشة ﵂ فحسنت توبتها بعدُ وتزوجت، وكانت تأتي بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول اللَّه ﷺ .
ومن ذلك أن اللَّه ذم سخرية بعض النساء من بعض، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا﴾ يسخر ﴿نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ﴾ المسخور بهن ﴿خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ (الحجرات: ١١)، يعني: من الساخرات بهن.
٨ - التساوي في الذمة
فللمرأة ذمة تامة كذمة الرجل سواء بسواء، تجير بها من تشاء من الناس، ومن ثم فلا يحلُّ لحاكم، أو قاضٍ، أو أي من الناس أن يخرق جوارها. . ولا يلغي حق هذا الجوار ما دام مستمرًا إلا شيء واحد، هو أن يصدر حكم قضائي بتجريم الشخص المجار، وإخضاعه للعقاب الشرعي المتعلق بجريمته.
وتطبيقًا لهذا الحكم قال رسول اللَّه ﷺ لأم هانىء أخت علي بن أبي طالب ﵄ وقد جاءت تشكو إليه أنها أجارت رجلًا من المشركين زعم ابن أمها -أي: على ﵁ أنه قاتله: "قد أجَرنا من أجرتِ يا أم هانىء" (١).
وفي حين قرر الإسلام ذلك، كان يثار في مجامع النصارى من التساؤل:
هل للمرأة روح أو خلود؟ وهل هي من جملة البشر؟ وهل تصح منها العبادة؟
وأين هذا مما عند الهندوك من أن المرأة "لا تكلف بأمر من أمور الدين قط، ويكفيها لسعادتها في الدنيا والآخرة، أن تطيع زوجها، وتقدسه كما تقدس اللَّه، ولو كان عاريًا من كل فضيلة، وكان يميل إلى غيرها".
كما ورد بالنص في كتاب "الهندوس المقدس" (منوسمرتي) ويقول معربه الأستاذ/ إحسان حقي -وقد قارنه بكتب الديانات السماوية الثلاث- إن حال المرأة في
стр. 6220
هذا هو نفس حالها في الديانتين اليهودية، والنصرانية.
وإذا كان الحق المطابق لإنسانية المرأة يقتضي تقرير هذه الحقوق لها، فهل من الحق والعدل اطراد هذا الأصل متجاهلًا أنوثتها، إن تجاهل فارق النوع ظلم ينتهي إلى تفريط، يعود على المرأة نفسها بالظلم، وعلى المجتمع بالفساد، من حيث زعمنا الرغبة في الصلاح والإنصاف.
الوجه الثاني: ليست المساواة في كل الأحيان من العدالة .
يقول الشيخ محمد أبو زهرة:
ليست المساواة دائمًا هي العدالة، بل المساواة في كثير من الأحيان هي الظلم المبين والصراح، فالمساواة إذا لم تلاحظ فيها الطبيعة لكل عمل، ومن يكون له أهلًا، ومن لا يكون له أهلًا تكون ظالمة. فهل يتساوى ذو المرة القوى في ميدان الجهاد مع الضعيف في بدنه. . فكيف يدعون إلى المساواة من غير تفرقة بين نوع ونوع، إن الواجبات الأصلية والحقوق الأصلية للجميع متساوية؛ فحق حماية النفس للجميع على سواء، وحق الكرامة الإنسانية على سواء، وحق الحرية في دائرة الحق والواجب للجميع على سواء، أما الحقوق الأخرى كحق الوظائف، ونحوها فقد يكون فيها الظلم؛ لعدم النظر إلى الكفاية، وعدم النظر إلى الفطرة والطبيعة، وعدم النظر إلى التكوين الجسمي، وعدم النظر إلى تآلف المجتمع وتضافر أجزائه وتجميع عناصره مؤتلفة غير متدابرة فإن الجسم الهندسي السليم يقتضي في تكوينه أن يكون بعض أبعاده أطول من الآخر، وأن تكون عناصره متداخلة ولو كان يستعان به في بعضها أقل من العنصر الأخر، بل إن ذلك شأن كل مزيج مؤتلف حتى يكون المزيج النافع، ويكون ذا قوة فعالة، وذا كون قائم بذاته.
وكذلك المجتمع يتكون من رجل وأنثي، ولا يمكن أن يكون منهما شكل هندسي، ومزيج فعال إذا تساوت الأضلاع وتساوت مقادير العناصر، إنما يتكون ذلك المؤتلف إذا أخذ من كل بقدر ما يتم به التنسيق، ويتوافق فيه التأليف. لأن اللَّه تعالى لم يسوِ بينهما في أصل التكوين في الجسم والعاطفة والنوازع الإنسانية ولكن سوي فقط بين ما عليها من
стр. 6221
واجبات وما لها من حقوق ممكنة من أداء الواجبات ولذا قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ (البقرة: ٢٢٨).
إننا لا نعارض في تعليم المرأة مطلقًا، ولا نعارض في عملها، ولكن على أنه ليس هو وظيفتها في هذا الوجود الإنساني، بل إنه يكون أمرًا عارضًا استوجبته طبيعة الحياة الاجتماعية في عصرنا، وسنة المعاونة بين الرجل والمرأة؛ ليؤدي الرجل واجبه على أنه ليس حقًا عليها، بل هو تبرع منها.
الوجه الثالث: لماذا خص الإسلام الرجل بأمور عن المرأة ؟
خصَّ الإسلام الرجل عن المرأة بأمور، كما في القوامة، والشهادة، ورياسة الدولة، والميراث. .، وقد يتساءل البعض: إذا كان الإسلام قد اعتبر إنسانية المرأة مساوية لإنسانية الرجل، في باله فضَّل الرجل عليها في بعض المواقف والأحوال، كما في الشهادة، والميراث، والدية، وقوامة المنزل، ورياسة الدولة، وبعض الأحكام الجزئية الأخرى؟
والواقع أن تمييز الرجل عن المرأة في هذه الأحكام، ليس لأن جنس الرجل أكرم عند اللَّه، وأقرب إليه من جنس المرأة. فإن أكرم الناس عند اللَّه أتقاهم -رجلًا كان أو امرأة- كما قال تعالى في كتابه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣) ولكن هذا التمييز اقتضته الوظيفة التي خصصتها الفطرة السليمة لكل من الرجل والمرأة.
الوجه الرابع: المساواة التي يدعو إليها الغرب مساواة زائفة .
بريجيدا أولف هامر قاضية سويدية، طافت عواصم الشرق الأوسط وقراه. حاولت أن تدرس لحساب الأمم المتحدة مشكلات المرأة الشرقية العربية على الطبيعة.
ترى هذه القاضية أن المرأة الشرقية، في قطاعات كثيرة وبارزة من البلاد العربية، أكثر حرية من المرأة السويدية؛ لأن الحرية كما تقول بريجيدا، هي: أن يكون للإنسان عالمه الخاص المستقبل، على العكس من حال المرأة السويدية التي ليس لها عالم لا يشاركها فيه الرجل.
وتضيف بريجيدا: إن حرية المرأة الغربية حرية وهمية، لأنها لم تمنح المرأة - في الحقيقة المساواة بالرجل إلا بعد أن جردتها من صفاتها الأنثوية، وحريتها الأنثوية، وحقوقها الأنثوية؛ لتجعل منها كائنًا أقرب إلى الرجل، إنها حرية الغني الذي سعى للمساواة
стр. 6222
بالفقراء وحرية ساكن الجنة الذي سعى للنزول إلى الأرض.
هذا ما قالته هذه القاضية السويدية، وهي تقارن بين الحرية الوهمية للمرأة الغربية والحرية الحقيقية المرأة الشرقية. فكيف يمكن أن نقول: إن المرأة الغربية تمتلك الحرية؟ وهي أسيرة لقمة العيش، أسيرة الشقاء المقصور على الرجال، الشقاء الذي يسلب المرأة صفاتها الأنثوية، ويجعلها كائنًا أقرب إلى الرجل؟ .
جاء في مجلة الوعي الإسلامي تحت عنوان (لا مساواة لا عدالة لا تكافؤ):
هذه صرخة المرأة في المجتمعات الغربية كما جاء في الدراسة التي نشرتها صحيفة العرب القطرية بتاريخ ١١ من يونية ١٩٨٠ م وقالت: إن الكونجرس الأمريكي ليس به إلا ١٧ امرأة. وواحدة في مجلس الشيوخ الأمريكي - وفي فرنسا ١٨ نائبة من أصل ٤٩١ وفي سويسرا ثلث النساء حرمن من التصويب.
وفي أمريكا: لا تتمتع المرأة في الولايات المتحدة بمساواتها مع الرجل حتى من الناحية الشكلية -وهذا الحكم أطلقته اللجنة الأمريكية للحقوق المدنية- وتؤكد هذه اللجنة أن القوانين السارية في الولايات المتحدة - تقنن الظلم الذي تتعرض له النساء الأمريكيات عبر إعطائها امتيازات للرجل على المرأة أكثر من ٨٠٠ فصل ومادة من هذه القوانين السائدة.
وقالت الدراسة: ومنذ نصف قرن لم يبت في مصير التعديل السابع والعشرين للدستور الذي ينص على المساواة أمام القانون بغض النظر عن الجنس - وذلك لأن التعديل يحتاج إلى موافقة ٣٨ ولاية من الخمسين وحتى الآن لم يوافق على هذا التعديل سوى ٣٥ ولاية.
كان أجر المرأة في عام ١٩٥٩ هو ٩.٦٣%، من أصل أجر الرجل الحاصل على نفس المؤهل، وفي عام ١٩٧٨ انخفض إلى ٩.٥٨%. وقالت مجلة بنش: إن واقع المرأة الأمريكية هو الأجر المنخفض وظروف العمل الصعبة والتمييز المهني وقلة مؤسسات تربية الأطفال.
في إيطاليا: تحصل المرأة على أجر يقل عن الرجل بـ ٣٠%.
وفي فرنسا: يصل الفرق إلى ٣٣%.
стр. 6223
وفي اليابان: يصل إلى ٤٠%.
وفي سويسرا: نشرت اللجنة الاتحادية السويسرية تقريرًا حول وضع المرأة قالت فيه:
إن ثلث النساء السويسريات محرومات حتى الآن -لأسباب مختلفة- من حق التصويت في انتخابات هيئة الإدارة المحلية وأن قضية مساواة المرأة بالرجل في سويسرا ما زالت دون حل.
وفي أمريكا: لا تشغل المرأة سوى ٥% من الوظائف المنتجة وبصورة أساسية في هيئات السلطة المحلية -إذ يبلغ عددهن حوالي ٣.٥٩% من السكان، و ٢.٥٣% من الناخبين ومن أصل ٥٥٤٧ مقعدًا في برلمان السوق المشتركة التسعة يوجد ٣٥٧ نائبة أي أقل من ٦% من البرلمانيين - بينما تقترب نسبة النساء في هذه البلدان من ٥٢%.
والبرلمان الياباني ليس به إلا ٣% من النساء من أعضاء البرلمان.
البطالة: وتقول الدراسة إن البطالة تنتشر في صفوف النساء في أمريكا أكثر بمرة ونصف المرة من انتشارها في صفوف الرجال - وتبلغ نسبة النساء اللواتي يعشن تحت مستوى الفقر المتعارف عليه ٦٣% من الأمريكيين.
وفي أمريكا كانت نسبة الفتيات خلال عام ٧٦/ ٧٧ الدراسي من طالبات الجامعة على النظام الآتي: من طالبات الطب ٢٥% ومن طالبات الهندسة ٦% ومن طالبات الحقوق ٢٠% ومن طالبات الفيزياء ١% ومن العاملات المؤهلات فنيا ٣%.
وتقول مجلة واس نيوزاندود ولد ريبورت: إن ٨٠% من الأمريكيات العاملات يتقاضين رواتب متدنية قياسا إلى رواتب الرجال.
وفي فرنسا: كثير من المعاهد العليا والمدارس المهنية الفرنسية مغلقة في وجه الفتيات ولا يدرس في المعاهد التجارية الفرنسية سوى ٧٠ طالبة من مجمل ٥٢٠٠ وفي معهد الإلكترونات والأجهزة الإلكترونية يدرس به ٦٢ طالبة من أصل ٢٦٠٠ ونسبة المهندسات ٨.١% والطبيبات ٦% والفنيات ١١%.
стр. 6224
في اليابان: لا تزيد نسبة من يلتحقن بالمعاهد العليا هناك عن ١٠% ممن انهين الدراسة الثانوية -أما فرص الحصول على عمل بعد الدراسة الثانوية فهي قليلة- وفي عام ١٩٧٩ لم يحصل سوى ٢٠% من خريجات المعاهد العليا والكليات التي تستمر مدة الدراسة فيها سنتين على عمل، وتشكل النساء ٨% من المدرسين في المعاهد، ١٠% من الأطباء.
ونسبة النساء اللاتي يتمتعن بعضوية النقابات الأمريكية في تناقص مستمر - فقد كانت النسبة ١٧% في عام ١٩٥٠ وأصبحت ٥.١٢% في عام ١٩٧٨ والأمريكيات غير النقابيات محرومات عمليا من الحماية القانونية ومن المعاش التقاعدي والإجازات السنوية والإجازات المرضية المدفوعة الأجر - وأجور هذه الفئة من النساء تقل بنسبة ٢٥% عن النساء النقابيات مما يزيد من متاعب المرأة العاملة في المجتمعات الغربية - ومما يزيد من متاعب المرأة عدم وجود مؤسسات لتربية الأطفال والأمومة أو ضمانات لأجازات الحمل والولادات المدفوعة الأجر - وفي هذا الصدد ذكرت مجلة بوليتكل افريزر الأمريكية مثلًا: إن مؤسسات حضانة الأطفال في الولايات المتحدة لا تتسع لأكثر من مليون طفل وهذا رقم متواضع للغاية.
هموم المرأة الأمريكية:
وقد نشرت صحيفة الأهرام القاهرية بتاريخ ١٢/ ٧/ ١٩٨٠ دراسة تحت عنوان هموم المرأة الأمريكية قالت فيها: تقول جلوريا ستاتيم رئيسه تحرير مجلة مز:
إن هذه القضية أساسية؛ لأنها تمس آدمية المرأة - ولا بد أن يتحرر جسد المرأة كأساس للتحرر السياسي وهذه القضايا هي:
الاعتداء على الفتيات والنساء وضرب الزوجات والاضطهاد بسبب الجنس والعنف داخل العائلة والإجهاض -ولكن ليس معنى هذا أن المرأة الأمريكية تركت جانبا بقية القضايا وفي مقدمتها المساواة في الأجر- فمن الثابت حسب إحصاءات مكتب العمل أن المرأة التي تقوم بنفس العمل -عمل الرجل- تحصل على أجر يوازي ٦٣% من أجره فقط ومنها فرص التدريب والتقدم المهني.
стр. 6225
ومنها الأمن والأمان في وظيفة - فالمرأة نظرا لحداثة عهدها بالعمل هي آخر من يعين وأول من يفصل.
ومنها الاضطهاد بسبب الجنس.
ومنها دور الحضانة - فإحصاءات ١٩٧٨ تقول: إن ٨.٥ مليون امرأة أي ٤٤% من مجموع قوى العمل النسائية لديهن طفل واحد على الأقل في سن ما قبل الدارسة - وذلك مقابل ٣٠% سنة ١٩٧٠ وهذا يعني أنه مطلوب ٨.٥ مليون مكان على الأقل في دور الحضانة - بينما المتاح هو مليون مكان فقط.
الأرقام تقول، وماذا تقول الأرقام عن المرأة؟
إن الأرقام تقول: إنه من بين ٤٤١ مهنة وعمل ووظيفة، فإن المرأة لا تعمل سوى عشرين نوعًا.
وأن النساء اللاتي يمكن القول بأنهن وصلن إلى مراكز مرموقة لا تزيد نسبتهن عن ٢: ٣ والمعيار هنا هو ألا يقل المرتب عن ١٥ ألف دولار.
والمرأة في مجموعها لا تحصل على أجر متساو مع الرجل وتتحمل أعباء أكثر من طاقتها فهي تعمل في البيت بالإضافة إلى ٨ ساعات يوميًا.
قضايا أخرى:
وتستمر الدراسة قائلة: إن قضايا ضرب الزوجات وإساءة معاملتهن أصبحت تمثل المكان الأول في قضايا الطلاق وبلاغات الشرطة -فضلًا عن أن الزوجة تستمد رخصها الاقتصادي من زوجها- بمعنى أنه بمجرد طلاقها تفقد حقها في أن يكون لها وضع اقتصادي يسمح لها أن تبتاع بالتقسيط وهي قضية أساسية في أمريكا.
بالإضافة إلى أن عمل الزوجة -وبخاصة في الريف- لا يعتبر عملًا إنتاجيًا اقتصاديًا لها - إذ يخضع نصيبها في الميراث الضريبة التركات بعكس زوجها المعترف بدوره الانتاجي فميراثه من زوجته لا يخضع للضريبة - والمرأة الأمريكية بعد زواجها تدفع ضرائب دخل بنسبة أعلى
стр. 6226
من غير المتزوجة - ولذلك فقد بدأ عدد من الأزواج ينفصلون بالطلاق عندما يقترب موعد تقديم الإقرار الضريبي ثم يتزوجون من جديد بعد تقديم الإقرار الضريبي.
جاء في جريدة اليمامة العدد ١٤٤٣ بتاريخ ١٥/ ٢/ ١٩٩٧ م ما يلي:
الفرنسيات يعترفن: نحن ألعوبة بيد الرجل ولا نتساوي معه !
ربما تتساوى المرأة مع الرجل في السويد على مستوى السياسة ولكنها لا تزال تنظف المنزل وتعد الطعام وتعنى بالأطفال أكثر بكثير من الرجال. كما أن دائرة نفوذها ضيقة أو لا تملك نفوذا على الإطلاق في عالم المال والأعمال.
تشيد الأمم المتحدة بالسويد كواحدة من أكثر الدول تحقيقًا للمساواة بين الجنسين في العالم ورائدة للحقوق مثل حق الإجهاض والحصول على فترة راحة لعناية بالطفل.
ولكن في الحقيقة يتعين عليها أن تقطع شوطًا طويلا لتحقيق مساواة فعلية وفقا لإحصاءات ودراسات حديثة.
الوجه الخامس: مقارنة بين الإسلام وغيره في شأن المساواة بين الرجل والمرأة .
أولا: في التوراة
إن من يطالع التوراة والتلمود (١) يجد فيهما أنهما تفرقة بين الرجل والمرأة في أمور العبادة ومن هذه الفوارق ما يلي: -
١ - لا يصح صلاة الجماعة عند اليهود إلا بحضور عشرة من الرجال على الأقل أو عشرة من الأولاد الذين زادت أعمارهم عن الثلاث عشرة سنة بينما لا تصح الجماعة مهما كان العدد من النساء كذلك لا تكمل صلاة الجماعة بهن (٢).
٢ - الذكور مفضلون في الحصول على جزء من لحم القرابين بما يخص شريعة التقدمة وهي تخصيص جزء من اللحوم المقدمة كقرابين الأكل الذكور من الناس دون النساء وقد جاء في سفر اللاويين بخصوص ذلك التفضيل بين الذكور والنساء ما يأتي (يقدم بنو
стр. 6227
هارون أمام الرب إلى قدام المذابح، والباقي منها يأكله هارون وبنوه فطيرا يؤكل في مكان مقدس في دار خيمة الاجتماع يأكلونه، . . .، كل ذكر من بني هارون يأكل منها فريضة دهرية في أجيالكم) وجاء أيضًا عن ذبيحة الخطيئة أو ذبيحة الإثم (وكل ذكر من الكهنة يأكل منها في مكان مقدس تؤكل. إنها قدس أقداس) (١) (اللاويين ٦، ٧).
٣ - موقف المرأة من النذر: لا تتساوى المرأة اليهودية مع الرجل في الحل من الخطيئة وجاء في سفر اللاويين ما يأتي "فإذا نذر رجل نذرًا للرب أو قسمًا أن يلزم فلا ينقض كلامه حسب كل ما خرج من فمه يفعل، وأما المرأة فإذا نذرت نذرًا للرب والتزمت بلازم في بيت أبيها في صباها وسمع أبوها نذرها واللازم الذي ألزمت نفسها به تثبت وإن نهاها أبوها يوم سمعة فكل نذورها ولوازمها لا تثبت.
"وإن كانت لزوج ونذرها عليها أو نطق شفتيها الذي ألزمت نفسها بها وسمع زوجها فإن سكت في يوم سمعه تثبت نذورها ولوازمها وإن نهاها رجلها في يوم سمعه فسخ نذرها الذي عليها ونطق شفتيها الذي ألزمت نفسها به والرب يصفح عنها" (اللاويين ٣٠: ٢ - ٨).
فالمرأة دائمًا لها ولى أمر نهى في وصاية أبيها في صباها وفي وصاية زوجها وبإمكان أي من أبيها وزوجها أن يحلها من نذرها وهو صاحب الكلمة العليا عليها. (٢)
٤ - مدة نجاسة المرأة إذا ولدت بنتا ضعفها إذا ولدت ذكرًا عندما تضع الأم ولدا تكون مدة النجاسة أربعين يوما أما إذا وضعت بنتا فمدة النجاسة ثمانون يومًا كما في التوراة إذا تقول: "وكلم الرب موسى قائلًا كلم بني إسرائيل قائلًا: إذا حبلت امرأة وولدت ذكرًا تكون نجسة سبعة أيام كما في أيام طمث علتها تكون نجسة وفي اليوم الثامن يختن لحم غرلته ثم تقيم ثلاثة وثلاثين يوما في دم تطهيرها كل شيء مقدس لا تمس وإلى المقدس لا تجيء حتى تكتمل أيام طهرها. وإن ولدت أنثى تكون نجسة أسبوعين كما في
стр. 6228
طمثها ثم تقيم ستة وستين يومًا في دم تطهيرها". (١)
٥ - للزوج أن يرث زوجته وليس لها أن ترثه.
٦ - قيمة نذر البنت نصف قيمة نذر الولد.
٧ - لم يكن مسموحًا للمرأة دراسة التوراة (٢) "وكان استبعاد المرأة من دراسة التوراة هو رأى الأغلبية وكان "إليزر" يقول بأن من يعلم ابنته التوراة فإنه يعلمها الفسق والدعارة، إلا أنه كان هناك اتفاق عام على أن المرأة ليست مضطرة إلى دراسة التوراة نتيجة لذلك تعلمها القليل من النساء.
وتقول دائرة المعارف اليهودية عن الحالة الشرعية والمشاركة الدينية للمرأة "ثم الاعتراف بحالة المرأة باعتبارها كائن إنسائى، وكان صاحب الثور يدفع نفس الغرامة إذا قتل حيوانه رجلًا أو امرأة أو طفلًا، وقد أعطى اهتمام خاص للضرر الذي كانت تعانية المرأة الحامل أثناء مشاجرة الرجال، وكان هناك اعتراف أيضًا بالفرق بين الرجل والمرأة، وكانت الحجات السنوية الثلاث مفروضة على الرجل فقط، ولكن الرجال غالبًا ما اصطحبوا زوجاتهم، وكان الاحتفال باجتماع العام السابع يتطلب حضور النساء والأطفال، ولكن قدرة المرأة على التراتيل الدينية كانت مقيدة، وتكون صالحة فقط ومسموح بها إذا كان كافلها الأب، والزوج لم يتدخل.
وعلى ذلك لم تكن المساواة بين الرجل والمرأة من الناحية الدينية مطلقة أو عادلة، فكانت المرأة مهضومة الحق، حتى إن الكثير من العلماء اعتبرها مصدرًا للغواية والإغراء وسبب كل شر، لدرجة أن كتاب الصلوات الرسمي جاء فيه "بوركت يا إلهي يا من لم تخلقني امرأة".
ثانيًا: في الإنجيل
وهناك فروق جوهرية بين الرجل والمرأة في الإنجيل في أمور العبادة منها:
أ - الصلاة: الصلاة مفروضة على الرجل والمرأة، فالصلاة مفروضة عليهما معًا
стр. 6229
والتكريم للرجل في هيئة الأداء.
"فأريد أن يصلي الرجال في كل مكان رافعين أيادي طاهرة دون غضب ولا جدّال، وكذلك النساء يزين ذواتهن بلباس الحشمة مع ورع وتعقل لا بضفائر أو ذهب" (تيموثاوس ٢: ٨).
ومع ذلك فقد أعطى الرجال ميزة تكريم وهي: "فإن الرجل لا ينبغى أن يغطى رأسه لكونه صورة اللَّه ومجده. . . "
وعن المرأة يقول بولس. (كورنثوس ١١: ٧، ٥).
"وأما كل من تصلى أو تتنبأ ورأسها غير مغطى فتشين رأسها".
والفقرات توضح أن كشف رأس الرجل لأنه أفضل من المرأة حيث إنه صورة اللَّه ومجده، وتغطية رأس المرأة ليس بهدف الحشمة ولكن لأنها أقل من الرجل.
ب - تعليم الرجال:
يقول بولس (كورنثوس ١١: ٧، ٥).
(١٢) لست أسمح للمرأة أن تعلم ولا تتسلط على الرجل، بل عليها أن تلزم السكوت (١٣) ذلك لأن آدم كون أولًا، ثم حواء (١٤) ولم يكن آدم هو الذي انخدع "بمكر الشيطان"، بل المرأة انخدعت فوقعت في المعصية" (تيموثاوس ٢: ١٤).
فها هو بولس يوضح سبب عدم السماح للمرأة في أن تكون مُعلمة، وهو أنها حاولت تعليم آدم فضلت وأضلته.
جـ - العمل كرجال دين "قسوس ":
يقول القديس إبيفانيوس أسقف قبرص: لم يحدث قط أن اختيرت امرأة لتكون "صاحبة درجة" بين القسوس والأساقفة، ولكن قد يقول واحد إنه كانت توجد أربع عزارى، بنات فيلبس المبشر كن يتنبأن، هذا صحيح؛ ولكن لم يقمن بممارسة الكهنوت، وأنه حقًا توجد في الكنيسة درجة الشماسات، ولكن غير مسموح لهن أن يعملن كقسوس،
стр. 6230
أو يقمن بأي عمل له علاقة بهذه الوظيفة. (١)
كما يحرم عليها السؤال الديني في الكنيسة:
يقول بولس عن ذلك: ولكن إن كن يردن أن يتعلمن شيئًا فليسألن رجالهن في البيت، لأنه قبيح بالنساء أن يتكلمن في كنيسة" (كورنثوس ١٤: ٣٥).
د - آداب حضور الكنيسة:
ممنوع الكلام للمرأة في الكنيسة: " (٣٤) ليصمت نساؤكم في الكنائس لأنه ليس مأذونًا أن يتكلمن، بل يخضعن كما يقول الناموس (٢) " (كورنثوس ١٤: ٣٤).
وبالطبع طالما هناك صمت كامل فلا مجال للتعليم أو التعلم. ". . . ولكن إن كن يردن أن يتعلمن شيئًا فليسألن أزواجهن في البيت، لأنه قبيح بالنساء أن يتكلمن في كنيسة" والمسيحية ترى أن صوت المرأة عورة ولا ينبغي لها الكلام وسط جماعة حتى لمن تنبأن (٣) من نساء يقول "أوريجانوس". (٤)
"إن بنات فيلبس كن يتنبأن (أ. ع ٢١: ٩)، غير أنهن لم يكن يتكلمن وسط الجماعة. . . وإن دبورة كانت نبية (القضاة ٤: ٤) وكذلك مريم أخت هارون كانت تقود تسبيح النساء، ماسكة الدف في يديها (خروج ١٥: ٢٠ - ٢١) ولكننا لا نرى دبورة (٥) تكلم الشعب كما فعل أشعياء وأرمياء".
وعلى ذلك بالرغم من تساوي الرجل والمرأة في العبادة وجزاء الأعمال إلا أن المرأة أقل منه درجة فغير مسموح لها تعليم الرجل أو التعلم داخل الكنيسة أو العمل كقسيسة.
стр. 6231
هذا وقد سئل البابا شنودة عن عمل المرأة في الدعوة أو الكنيسة المسيحية فجاء في ذلك (١).
س - عينتم قداستكم بعض النساء في عضوية مجلس شماسة الكنيسة، في تفسيركم لهذا، بينما خدمة الشماسية قاصرة على الرجال فقط؟
الإجابة: إن خدمة المذبح وأسرار الكنيسة، هي القاصرة على الرجال ولكن توجد خدمة شماسية للنساء، خارج خدمة المذبح، ولقب الشماسات، وعمل الشماسات، ورد كثيرا في الدستولين (٢) وفي قوانين الرسل، وفي قوانين الكنيسة وقوانين الآباء والكبار. النساء في كنيستنا بعيدات عن ممارسة الكهنوت (٣)، ولكن خدمة الكنيسة ليست عملًا كهنوتيًا، إنها خدمة في أعمال مالية وإدارية، يمكن أن تقوم بها المرأة. والدسقولية ذكرت خدمة الشماسية في الباب الرابع فقالت: "وشماسة المرأة، فلتكن جليلة عندكم".
إذن عمل المرأة المصرح به في الكنيسة هو العمل الإداري والمالي والخدمة، وليس العمل الروحي، ويرجع ذلك لأنه لا يجب رفع صوت المرأة في الكنيسة.
لِتَصْمُتْ نِسَاؤُكُمْ فِي الْكَنَائِسِ، لأَنَّهُ لَيْسَ مَأْذُونًا لَهُنَّ أَنْ يَتَكَلَّمْنَ، بَلْ يَخْضَعْنَ كَمَا يَقُولُ النَّامُوسُ أَيْضًا. ٣٥ وَلكِنْ إِنْ كُنَّ يُرِدْنَ أَنْ يَتَعَلَّمْنَ شَيْئًا، فَلْيَسْأَلْنَ رِجَالَهُنَّ فِي الْبَيْتِ، لأَنَّهُ قَبِيحٌ بِالنِّسَاءِ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي كَنِيسَةٍ. (١ كورنثوس ١٤: ٣٤، ٣٥).
كما لا يجب على المرأة تعليم الرجل: وَلكِنْ لَسْتُ آذَنُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعَلِّمَ وَلَا تَتَسَلَّطَ عَلَى الرَّجُلِ، بَلْ تَكُونُ فِي سُكُوتٍ (١ تيموثاوس ٢: ١٢).
ولذلك عارض كثير من علماء المسيحية ما أفرزته مؤتمرات المرأة من مطالب وقوانين للمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة.
ثالثًا: في الإسلام
стр. 6232
لقد ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في أمور العبادات والجزاء الأخروي بينما ميزَّت اليهودية والنصرانية الرجل على المرأة في ذلك يتضح لنا ذلك من خلال النقاط التالية:
١ - في صلاة الجماعة في اليهودية لا تصح الصلاة بالنساء فقط أو بإكمال نصاب الجماعة وهو عشرة رجال، من النساء. وهذا لا نظير له في الإسلام.
٢ - ضرورة إذن المرأة من وليها حتى تنذر نذرًا للَّه، وذلك ليس في الإسلام، كما أن قيمة نذر البنت نصف نذر الرجل.
٣ - نجاسة المرأة إذا ولدت ولدًا "النفاس" لمدة ٤٠ يومًا، وإذا ولدت بنتًا ٨٠ يومًا، وليس ذلك في الإسلام.
٤ - ليس للمرأة دراسة التوراة، أما في الإسلام فللمرأة دراسة القرآن الكريم وحفظه وتجويده وتفسيره.
٥ - ليس للمرأة في المسيحية أن تعلم الرجل، أما في الإسلام فيجوز ذلك وكم من أئمة تعلموا على يد نساء، ونسبة كبيرة من الأحاديث النبوية روتها نساء.
٦ - ليس للمرأة في المسيحية الكلام في الكنيسة حتى للسؤال الديني، أما في الإسلام، فللمرأة أن تسأل في المسجد وغيره، وهناك امرأة صححت فتوى للفاروق عمر، وهي بشأن مهر المرأة، ورَدَّته في المسجد.
٧ - ليس للمرأة في المسيحية الدعوة إلى اللَّه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أما الإسلام فلا يمنع ذلك بل يشجع عليه.
وعلى ذلك نستطيع القول: إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي أعلى شأن المرأة دينيًا ولم يُنقص من قدرها شيئًا. (١)
* * *
стр. 6233
٧ - شبهة: عمل المرأة .
نص الشبهة:
ينادي دائمًا المعترضون على شريعة الإسلام بوجوب عمل المرأة خارج بيتها، ويزعمون أن الإسلام سلبها حريتها حيث حرمها من هذا الأمر، ويستدلون على ذلك بالآتي:
١ - إنَّ الغرب وهو أكثر منا تقدمًا ورقيًا في مضمار الحضارة قد سبقنا إلى تشغيل المرأة، فإذا أردنا الرقي مثله فلنحذُ حذوه في كل شيء، فإن الحضارة لا تتجزأ.
٢ - إن المرأة نصف المجتمع، وإبقاؤها في البيت بلا عمل تعطيل لهذا النصف، وضرر على الاقتصاد القومي، فمصلحة المجتمع تقضي بعمل المرأة.
٣ - ومصلحة الأُسرة كذلك تقضي بعملها، فإنَّ تكاليف الحياة قد تزايدت في هذا العصر، وعمل المرأة يزيد من دخل الأُسرة، ويعاون الرجل على أعباء المعيشة، وخصوصًا في البيئات المحدودة الدخل.
٤ - ومصلحة المرأة نفسها تدعو إلى العمل، فإنَّ الاحتكاك بالناس، وبالحياة وبالمجتمع خارج البيت يصقل شخصيتها، ويمدها بخبرات وتجارب، ما كان لها أن تحصل عليها داخل الجدران الأربعة.
٥ - كما أنَّ العمل سلاح في يدها ضد عوادي الزمن فقد يموت أبوها أو يُطلقِّها زوجها، أو يهملها أولادها، فلا تذلها الفاقة والحاجة، ولا سيما في زمن غلبت فيه الأنانية، وشاع فيه العقوق، وقطيعة الأرحام، وقول كل امرئ: نفسي نفسي.
٦ - إن اشتغال المرأة يزيد في الثروة القومية للبلاد، ومن ثمَّ تخسر البلاد كثيرًا بقصر عمل المرأة على أعمال البيت، عدا ما فيه من تعويد على الكسل وقتل وقتها بما لا يفيد، ويتندر بعضهم بسمن النساء في بلادنا سمنًا لا يوجد مثيله في البلاد الغربية التي يشتغل فيها نساؤها.
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: لا مانع من عمل المرأة. . . ولكن!
الوجه الثاني: المرأة في الغرب تختلف عن الشرق.
стр. 6234
الوجه الثالث: أيهما أولًا أسرتها أم وظيفتها؟
الوجه الرابع: أعظم عمل للمرأة أن ترعى أولادها.
الوجه الخامس: فطرة المرأة هي الفيصل في الأمر.
الوجه السادس: مصلحة المرأة وسعادتها تكمن في بيتها.
الوجه السابع: الآثار المترتبة على عمل المرأة. وإهمالها بيتها.
الوجه الثامن: عمل المرأة زاد نسبة البطالة.
الوجه التاسع: الإنسان ليس آلة لا روح فيها.
الوجه العاشر: شكوى الغرب من عمل المرأة.
الوجه الحادي عشر: ومع عمل المرأة لم تتحقق المساواة.
الوجه الثاني عشر: الضرر الصحي على المرأة.
الوجه الثالث عشر: وهل سلمت المرأة في عملها من الذئاب البشرية.
الوجه الرابع عشر: خروج المرأة إلى العمل أدى إلى ضعف مستوى التعليم لدى الأطفال.
الوجه الخامس عشر: طبيعة الرجل لا تؤيد خروج المرأة للعمل.
الوجه السادس عشر: خروج المرأة للعمل يؤدي إلى انتشار الإباحية ويهدد الحياة الزوجية.
الوجه السابع عشر: كلٌ مُيسَّر لما خلق له.
الوجه الثامن عشر: مهما فعلت فهي أم.
الوجه التاسع عشر: وكما قال الإسلام قالت التوراة والإنجيل.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: لا مانع من عمل المرأة. . . ولكن !
أولًا: لا خلاف بين أهل العلم في جواز خروج المرأة للعمل .
فالمرأة إنسان، كالرجل، هي منه وهو منها، كما قال القرآن: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (النساء: ٢٥) والإنسان كائن حي من طبيعته أن يفكر ويعمل، وإلا لم يكن إنسانًا.
стр. 6235
واللَّه إنما خلق الناس ليعملوا، بل ما خلقهم إلا ليبلوهم أيهم أحسن عملًا، فالمرأة مكلفة كالرجل بالعمل، وبالعمل الأحسن على وجه الخصوص، وهي مثابة عليه كالرجل من اللَّه، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ (آل عمران: ١٩٥) وهي مثابة على عملها الحسن في الآخرة ومكافأة عليه في الدنيا أيضًا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (النحل: ٩٧).
والمرأة أيضًا -كما يقال دائمًا- نصف المجتمع الإنساني، ولا يتصور من الإسلام أن يعطل نصف مجتمعه، ويحكم عليه بالجمود أو الشلل، فيأخذ من الحياة ولا يعطيها، ويستهلك من طيباتها، ولا ينتج لها شيئًا.
على أن عمل المرأة الأول والأعظم الذي لا ينازعها فيه منازع، ولا ينافسها فيه منافس، هو تربية الأجيال، الذي هيأها اللَّه له بدنيًا، ونفسيًا، ويجب ألا يشغلها عن هذه الرسالة الجليلة شاغل مادي أو أدبي مهما كان؛ فإن أحدًا لا يستطيع أن يقوم مقام المرأة في هذا العمل الكبير، الذي عليه يتوقف مستقبل الأمة، وبه تتكون أعظم ثرواتها، وهي الثروة البشرية.
ورحم اللَّه شاعر النيل حافظ إبراهيم حين قال:
الأم مدرسة إذا أعددتها ... أعددت شعبًا طيب الأعراق
ومثل ذلك عملها في رعاية بيتها، وإسعاد زوجها، وتكوين أسرة سعيدة، قائمة على السكون والمودة والرحمة، وقد ورد: إن حسن تبعل المرأة لزوجها يعد جهادًا في سبيل اللَّه.
وهذا لا يعني أن عمل المرأة خارج بيتها محرم شرعًا، فليس لأحد أن يحرم بغير نص شرعي صحيح الثبوت، صريح الدلالة، والأصل في الأشياء والتصرفات العادية الإباحة كما هو معلوم.