هذا وقد سئل البابا شنودة عن عمل المرأة في الدعوة أو الكنيسة المسيحية فجاء في ذلك (١).
س - عينتم قداستكم بعض النساء في عضوية مجلس شماسة الكنيسة، في تفسيركم لهذا، بينما خدمة الشماسية قاصرة على الرجال فقط؟
الإجابة: إن خدمة المذبح وأسرار الكنيسة، هي القاصرة على الرجال ولكن توجد خدمة شماسية للنساء، خارج خدمة المذبح، ولقب الشماسات، وعمل الشماسات، ورد كثيرا في الدستولين (٢) وفي قوانين الرسل، وفي قوانين الكنيسة وقوانين الآباء والكبار. النساء في كنيستنا بعيدات عن ممارسة الكهنوت (٣)، ولكن خدمة الكنيسة ليست عملًا كهنوتيًا، إنها خدمة في أعمال مالية وإدارية، يمكن أن تقوم بها المرأة. والدسقولية ذكرت خدمة الشماسية في الباب الرابع فقالت: "وشماسة المرأة، فلتكن جليلة عندكم".
إذن عمل المرأة المصرح به في الكنيسة هو العمل الإداري والمالي والخدمة، وليس العمل الروحي، ويرجع ذلك لأنه لا يجب رفع صوت المرأة في الكنيسة.
لِتَصْمُتْ نِسَاؤُكُمْ فِي الْكَنَائِسِ، لأَنَّهُ لَيْسَ مَأْذُونًا لَهُنَّ أَنْ يَتَكَلَّمْنَ، بَلْ يَخْضَعْنَ كَمَا يَقُولُ النَّامُوسُ أَيْضًا. ٣٥ وَلكِنْ إِنْ كُنَّ يُرِدْنَ أَنْ يَتَعَلَّمْنَ شَيْئًا، فَلْيَسْأَلْنَ رِجَالَهُنَّ فِي الْبَيْتِ، لأَنَّهُ قَبِيحٌ بِالنِّسَاءِ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي كَنِيسَةٍ. (١ كورنثوس ١٤: ٣٤، ٣٥).
كما لا يجب على المرأة تعليم الرجل: وَلكِنْ لَسْتُ آذَنُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعَلِّمَ وَلَا تَتَسَلَّطَ عَلَى الرَّجُلِ، بَلْ تَكُونُ فِي سُكُوتٍ (١ تيموثاوس ٢: ١٢).
ولذلك عارض كثير من علماء المسيحية ما أفرزته مؤتمرات المرأة من مطالب وقوانين للمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة.
ثالثًا: في الإسلام
стр. 6232
لقد ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في أمور العبادات والجزاء الأخروي بينما ميزَّت اليهودية والنصرانية الرجل على المرأة في ذلك يتضح لنا ذلك من خلال النقاط التالية:
١ - في صلاة الجماعة في اليهودية لا تصح الصلاة بالنساء فقط أو بإكمال نصاب الجماعة وهو عشرة رجال، من النساء. وهذا لا نظير له في الإسلام.
٢ - ضرورة إذن المرأة من وليها حتى تنذر نذرًا للَّه، وذلك ليس في الإسلام، كما أن قيمة نذر البنت نصف نذر الرجل.
٣ - نجاسة المرأة إذا ولدت ولدًا "النفاس" لمدة ٤٠ يومًا، وإذا ولدت بنتًا ٨٠ يومًا، وليس ذلك في الإسلام.
٤ - ليس للمرأة دراسة التوراة، أما في الإسلام فللمرأة دراسة القرآن الكريم وحفظه وتجويده وتفسيره.
٥ - ليس للمرأة في المسيحية أن تعلم الرجل، أما في الإسلام فيجوز ذلك وكم من أئمة تعلموا على يد نساء، ونسبة كبيرة من الأحاديث النبوية روتها نساء.
٦ - ليس للمرأة في المسيحية الكلام في الكنيسة حتى للسؤال الديني، أما في الإسلام، فللمرأة أن تسأل في المسجد وغيره، وهناك امرأة صححت فتوى للفاروق عمر، وهي بشأن مهر المرأة، ورَدَّته في المسجد.
٧ - ليس للمرأة في المسيحية الدعوة إلى اللَّه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أما الإسلام فلا يمنع ذلك بل يشجع عليه.
وعلى ذلك نستطيع القول: إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي أعلى شأن المرأة دينيًا ولم يُنقص من قدرها شيئًا. (١)
* * *
стр. 6233
٧ - شبهة: عمل المرأة .
نص الشبهة:
ينادي دائمًا المعترضون على شريعة الإسلام بوجوب عمل المرأة خارج بيتها، ويزعمون أن الإسلام سلبها حريتها حيث حرمها من هذا الأمر، ويستدلون على ذلك بالآتي:
١ - إنَّ الغرب وهو أكثر منا تقدمًا ورقيًا في مضمار الحضارة قد سبقنا إلى تشغيل المرأة، فإذا أردنا الرقي مثله فلنحذُ حذوه في كل شيء، فإن الحضارة لا تتجزأ.
٢ - إن المرأة نصف المجتمع، وإبقاؤها في البيت بلا عمل تعطيل لهذا النصف، وضرر على الاقتصاد القومي، فمصلحة المجتمع تقضي بعمل المرأة.
٣ - ومصلحة الأُسرة كذلك تقضي بعملها، فإنَّ تكاليف الحياة قد تزايدت في هذا العصر، وعمل المرأة يزيد من دخل الأُسرة، ويعاون الرجل على أعباء المعيشة، وخصوصًا في البيئات المحدودة الدخل.
٤ - ومصلحة المرأة نفسها تدعو إلى العمل، فإنَّ الاحتكاك بالناس، وبالحياة وبالمجتمع خارج البيت يصقل شخصيتها، ويمدها بخبرات وتجارب، ما كان لها أن تحصل عليها داخل الجدران الأربعة.
٥ - كما أنَّ العمل سلاح في يدها ضد عوادي الزمن فقد يموت أبوها أو يُطلقِّها زوجها، أو يهملها أولادها، فلا تذلها الفاقة والحاجة، ولا سيما في زمن غلبت فيه الأنانية، وشاع فيه العقوق، وقطيعة الأرحام، وقول كل امرئ: نفسي نفسي.
٦ - إن اشتغال المرأة يزيد في الثروة القومية للبلاد، ومن ثمَّ تخسر البلاد كثيرًا بقصر عمل المرأة على أعمال البيت، عدا ما فيه من تعويد على الكسل وقتل وقتها بما لا يفيد، ويتندر بعضهم بسمن النساء في بلادنا سمنًا لا يوجد مثيله في البلاد الغربية التي يشتغل فيها نساؤها.
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: لا مانع من عمل المرأة. . . ولكن!
الوجه الثاني: المرأة في الغرب تختلف عن الشرق.
стр. 6234
الوجه الثالث: أيهما أولًا أسرتها أم وظيفتها؟
الوجه الرابع: أعظم عمل للمرأة أن ترعى أولادها.
الوجه الخامس: فطرة المرأة هي الفيصل في الأمر.
الوجه السادس: مصلحة المرأة وسعادتها تكمن في بيتها.
الوجه السابع: الآثار المترتبة على عمل المرأة. وإهمالها بيتها.
الوجه الثامن: عمل المرأة زاد نسبة البطالة.
الوجه التاسع: الإنسان ليس آلة لا روح فيها.
الوجه العاشر: شكوى الغرب من عمل المرأة.
الوجه الحادي عشر: ومع عمل المرأة لم تتحقق المساواة.
الوجه الثاني عشر: الضرر الصحي على المرأة.
الوجه الثالث عشر: وهل سلمت المرأة في عملها من الذئاب البشرية.
الوجه الرابع عشر: خروج المرأة إلى العمل أدى إلى ضعف مستوى التعليم لدى الأطفال.
الوجه الخامس عشر: طبيعة الرجل لا تؤيد خروج المرأة للعمل.
الوجه السادس عشر: خروج المرأة للعمل يؤدي إلى انتشار الإباحية ويهدد الحياة الزوجية.
الوجه السابع عشر: كلٌ مُيسَّر لما خلق له.
الوجه الثامن عشر: مهما فعلت فهي أم.
الوجه التاسع عشر: وكما قال الإسلام قالت التوراة والإنجيل.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: لا مانع من عمل المرأة. . . ولكن !
أولًا: لا خلاف بين أهل العلم في جواز خروج المرأة للعمل .
فالمرأة إنسان، كالرجل، هي منه وهو منها، كما قال القرآن: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (النساء: ٢٥) والإنسان كائن حي من طبيعته أن يفكر ويعمل، وإلا لم يكن إنسانًا.
стр. 6235
واللَّه إنما خلق الناس ليعملوا، بل ما خلقهم إلا ليبلوهم أيهم أحسن عملًا، فالمرأة مكلفة كالرجل بالعمل، وبالعمل الأحسن على وجه الخصوص، وهي مثابة عليه كالرجل من اللَّه، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ (آل عمران: ١٩٥) وهي مثابة على عملها الحسن في الآخرة ومكافأة عليه في الدنيا أيضًا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (النحل: ٩٧).
والمرأة أيضًا -كما يقال دائمًا- نصف المجتمع الإنساني، ولا يتصور من الإسلام أن يعطل نصف مجتمعه، ويحكم عليه بالجمود أو الشلل، فيأخذ من الحياة ولا يعطيها، ويستهلك من طيباتها، ولا ينتج لها شيئًا.
على أن عمل المرأة الأول والأعظم الذي لا ينازعها فيه منازع، ولا ينافسها فيه منافس، هو تربية الأجيال، الذي هيأها اللَّه له بدنيًا، ونفسيًا، ويجب ألا يشغلها عن هذه الرسالة الجليلة شاغل مادي أو أدبي مهما كان؛ فإن أحدًا لا يستطيع أن يقوم مقام المرأة في هذا العمل الكبير، الذي عليه يتوقف مستقبل الأمة، وبه تتكون أعظم ثرواتها، وهي الثروة البشرية.
ورحم اللَّه شاعر النيل حافظ إبراهيم حين قال:
الأم مدرسة إذا أعددتها ... أعددت شعبًا طيب الأعراق
ومثل ذلك عملها في رعاية بيتها، وإسعاد زوجها، وتكوين أسرة سعيدة، قائمة على السكون والمودة والرحمة، وقد ورد: إن حسن تبعل المرأة لزوجها يعد جهادًا في سبيل اللَّه.
وهذا لا يعني أن عمل المرأة خارج بيتها محرم شرعًا، فليس لأحد أن يحرم بغير نص شرعي صحيح الثبوت، صريح الدلالة، والأصل في الأشياء والتصرفات العادية الإباحة كما هو معلوم.
стр. 6236
وعلى هذا الأساس نقول: إن عمل المرأة في ذاته جائز، وقد يكون مطلوبًا طلب استحباب، أو طلب وجوب، إذا احتاجت إليه: كأن تكون أرملة أو مطلقة ولا مورد لها ولا عائل، وهي قادرة على نوع من الكسب يكفيها ذلَّ السؤال أو المنة.
وقد تكون الأسرة هي التي تحتاج إلى عملها كأن تعاون زوجها، أو تربي أولادها، أو إخوتها الصغار، أو تساعد أباها في شيخوخته، كما في قصة ابنتي الشيخ الكبير التي ذكرها القرآن الكريم في سورة القصص وكانتا تقومان على غنم أبيهما: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣)﴾ (القصص ٢٣).
وكما ورد أن أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين كانت تساعد زوجها الزبير بن العوام في سياسة فرسه، ودق النوى لناضحه، حتى إنها لتحمله على رأسها من حائط له -أي بستان- على مسافة من المدينة (١).
وقد يكون المجتمع نفسه في حاجة إلى عمل المرأة كما في تطبيب النساء، وتمريضهن، وتعليم البنات، ونحو ذلك من كل ما يختص بالمرأة، فالأولى أن تتعامل المرأة مع امرأة مثلها، لا مع رجل.
وقبول الرجل في بعض الأحوال يكون من باب الضرورة التي ينبغي أن تقدر بقدرها، ولا تصبح قاعدة ثابتة. (٢)
يقول د/ صابر أحمد طه: إن قولهم: إن الإسلام يرفض عمل المرأة عارٍ من الصحة؛ لأنه لم يرد نص في القرآن الكريم ولا في سنة النبي ﷺ يحرم عمل المرأة، كلُّ ما هنالك أن الإسلام لم يفرض العمل على المرأة، ولم يلزمها به، بل جعله واجبًا على الرجال وفرضًا لازمًا منذ بداية الخليقة، يدل على ذلك ما جاء في القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ
стр. 6237
قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ (طه: ١١٦، ١١٧)، فإفراد "فتشقى" بعد التثنية في "فلا يخرجنكما" دليل على أن الرجل وحده هو المسئول عن تدبير شئون الأسرة مع العلم بأن هذا القول ليس خاصًا بالإسلام وحده، فقد أقرته الرسالات السماوية السابقة جاء في سفر التكوين (وقال لآدم -أي قال اللَّه تعالى لآدم- لأنك سمعت لقول امرأتك وأكلت من الشجرة التي أوصيتك قائلًا: لا تأكل منها، ملعونة الأرض بسببك، بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك وشوكًا وحسكًا تنبت لك، وتأكل عشب الحقل بعرق وجهك، تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها).
ويُفهم من هذا النص أن اليهودية والنصرانية تبعًا لها تجعلان العمل واجبًا على الرجل؛ لأن اللَّه ألزم آدم به في قوله: (بعرق وجهك).
إذًا فالرسالات السماوية الصحيحة اتفقت على أن الرجل هو المكلف بالعمل وبالتالي بالإنفاق على المرأة؛ لما يمتاز بالخشونة وقوة العضلة والجلد والصبر، أما المرأة فلها عمل آخر وهو تربية الأطفال وهو عمل شاق تدركه كل أم تبغي الفلاح لأطفالها.
أما إذا لم تجد المرأة من يعولها من زوج أو أقرباء، ولم يقم بيت المال بواجبه نحوها، أجاز لها الإسلام أن تعمل؛ لتعول نفسها، أو لتعول أبوين مريضين أو كبيرين، أو لتعين زوجها الذي أقعده المرض عن اكتساب رزقه (١).
يقول د/ البوطي: وإن الشريعة الإسلامية لا تحرم على المرأة ممارسة أي وظيفة أو القيام بأي عمل تستطيع النهوض به على وجهه، ولا تضيق عليها من ذلك إلا بالقدر الذي يستدعيه القيام بواجبات أخرى كلفها الشارع بها، كما تستحق المرأة من الأجر على العمل الذي تتقنه، مثل ما يستحقه الرجل دون أي تفريق، فما يسمى بأجر المثل لا دخل للذكورة والأنوثة فيه تحديدًا، إذا كان العمل سليمًا ومتقنًا (٢).
стр. 6238
ثانيًا: شروط خروج المرأة للعمل:
وهناك شروط يجب على المرأة أن تلتزم بها، كي تخرج للعمل:
١ - أن يكون خروجها للعمل بإذن الزوج، فالزوجة لا يجوز لها الخروج من منزل الزوجية والعمل بأي عمل كان إلا بإذن زوجها.
قال ابن نجيم:
وللزوج أن يمنع القابلة والغاسلة من الخروج، لأن في الخروج إضرارًا به، وهي محبوسة لحقه، وحقه مقدم على فرض الكفاية.
٢ - أن يكون العمل في ذاته مشروعًا، بمعنى ألا يكون عملها حرامًا في نفسه أو مفضيًا إلى ارتكاب حرام، كالتي تعمل خادمًا لرجل عزب، أو سكرتيرة خاصة لمدير تقتضي وظيفتها أن يخلو بها وتخلو به، أو راقصة تثير الشهوات والغرائز الدنيا، أو عاملة في "بار" تقدم الخمر التي لعن رسول اللَّه ﷺ ساقيها وحاملها وبائعها، أو مضيفة في طائرة يوجب عليها عملها تقديم المسكرات والسفر البعيد بغير محرم، بما يلزمه من المبيت وحدها في بلاد الغربة، أو غير ذلك من الأعمال التي حرمها الإسلام على النساء خاصة، أو على الرجال والنساء جميعًا.
٣ - أن تلتزم أدب المرأة المسلمة إذا خرجت من بيتها في الزي والمشي والكلام والحركة: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (النور: ٣١) ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ (النور: ٣١) ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (الأحزاب: ٣٢).
٤ - ألا يكون عملها على حساب واجبات أخرى لا يجوز إهمالها، كواجبها نحو زوجها وأولادها، وهو واجبها الأول وعملها الأساسي.
إن الإسلام لا يحرم على المرأة العمل إلا أنه يفضل لها أن تتفرغ لرعاية بيتها ما دامت لا
стр. 6239
تحتاج إلى العمل (١).
الوجه الثاني: المرأة في الغرب تختلف عن الشرق .
إن المرأة في الغرب هناك مضطرة للعمل اضطرارًا لعدة أسباب منها:
أولًا: إن المرأة عندهم هي التي تهيئ بيت الزوجية فلابدَّ لها أن تعمل وتجمع المال حتى تقدمه مهرًا لمن يريد الزواج بها، وكلما كان مالها أكثر كانت رغبة الرجال فيها أكثر.
ثانيًا: إن الأب هناك غير مكلف بالإنفاق على ابنته إذا بلغت الثامنة عشر من عمرها لذا فهو يجبرها على أن تجد لها عملًا إذا بلغت ذلك السن، فكثيرًا ما يكلفها دفع أجرة الغرفة التي تسكنها في بيت أبيها فضلًا عن أجرة غسل الثياب وكيها.
ثالثًا: إن الناس هناك يحيون لشهواتهم فهم يريدون المرأة في كل مكان فأخرجوها من بيتها؛ لتكون معهم. . . ولهم. . ألا ترين كيف يسخرونها لشهواتهم الدنيئة في الأفلام الهابطة والصور العارية والإعلانات.
رابعًا: إن البخل والأنانية شديدان عندهم، فهم لا يقبلون أن ينفقوا في زعمهم على من يعمل أعمالًا بسيطة وهم لا يرون تربية الأولاد أمرًا هامًا ومهما لأنهم لا يبالون بدين ولا تربية.
يقول د. محمد علي البار: وقد لا يدرك القارئ أن على الفتاة إذا بلغت سن السادسة عشرة أن تغادر منزل والديها وتبحث عن عمل؛ لأن الوالدين لا يستطيعون الإِنفاق عليها بعد هذه السن، وإن عليها أن تعيش من دخلها، وهذه إحدى دلائل المساواة في المجتمع الأمريكي والأوربي حيث تطرد الفتاة من منزل أمها وأبيها بعد سن تتراوح ما بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة تمامًا كما يطرد الفتى، ويقال لكليهما: الآن انتهى دورنا عليكما أن تبحثا عن عمل تعيشان منه، ولا شأن لنا بكما، تفضلا اخرجا من المنزل، أو يمكنكما البقاء بشرط دفع أجرة السكن والأكل! ! ولا غرابة بعد ذلك أن نرى الأولاد عندما يكبرون يكيلون لآبائهم وأمهاتهم الصاع صاعين. . فيموت الأب أو الأم دون أن يدري عنه أحد
стр. 6240
في غرفة باردة. . حتى يبدأ الجيران في الشك فيطلبون الشرطة التي تفتح الباب عنوة لتجد المسن قد توفي منذ أيام (١).
يقول د. القرضاوي: وقد ذكر أستاذنا/ محمد يوسف ﵀ في كتابه: "الإسلام وحاجة الإنسانية إليه" أثناء حديثه عن عناية الإسلام بالأُسرة قال: ولعل من الخير أن أذكر هنا أني حين إقامتي بفرنسا كانت تخدم الأُسرة التي نزلتُ في بيتها فترة من الزمن فتاة يظهر عليها مخايل كرم الأصل، فسألت ربَّ البيت: لماذا تخدم هذه الفتاة؟ أليس لها قريب يجنبها هذا العمل، ويوفر لها ما تقيم به حياتها؟ فكان جوابها: إنها من أُسرة طيبة في البلدة، وعمها غني موفور الغِنَى، ولكنه لا يعني بها ولا يهتم بأمرها. فسألت: لماذا لا ترفع الأمر للقضاء، ليحكم لها عليه بالنفقة؟ فدهشت السيدة من هذا القول، وعرَّفتني أن ذلك لا يجوز لها قانونًا. وحينئذٍ أفهمتها حكم الإسلام في هذه الناحية، فقالت: ومَن لنا بمثل هذا التشريع؟ لو أنَّ هذا جائز قانونًا عندنا لما وجدتَ فتاة أو سيدة تخرج من بيتها للعمل في شركة أو مصنع أو معمل أو ديوان من دواوين الحكومة، يعني: أن خوفهن من الجوع والضياع هو الذي دفع تلك الجيوش من النساء إلى العمل بحكم الضرورة.
ويقول د/ نور الدين عتر: أمَّا الإسلام فقد كرم المرأة تكريمًا لا يوجد في أي نظام سواه، ورحم ضعفها أن تجبر على خوض غمار الحياة، تقديرًا لمهمتها، وهي صنع المجتمع، بتربية النشء على قيم الأمومة الإنسانية، التي هي ضرورية لنشأة الإنسان سوي الأخلاق، سوي النفس، مستقيم التفكير، سليم البنية، فهي إذًا مصدر للتنمية بأنواعها الاجتماعية والخلقية والاقتصادية، لذلك لم يفرض عليها أن تعمل لكسب المال، بل ألزم نفقتها على أبيها، أو ابنها أو زوجها، ممن تلزمه نفقتها، كما هو مفصل في باب النفقات في كتب الفقه، وبالتالي فإنه لا يجوز للأب أن يُلْزِم ابنته أن تعمل لكسب المال، إلا إذا كان فقيرًا، ولا يجوز للزوج أن يلزم امرأته أن تعمل لكسب المال، وهكذا تتمتع المرأة في الإسلام بحظ أكبر من
стр. 6241
حظ الرجل، كما أن الشرع الإسلامي كفل حماية المرأة أن تكون مهينةً مبتذلةً تحمل هم العيش والكد؛ لكسب لقمة الغذاء، لكي تتوفر على هذه المُهمَّة. (١)
الوجه الثالث: أيهما أولًا أسرتها أم وظيفتها ؟
إن الأعمال الوظيفية والمهنية عندما تتزاحم بحكم المتطلبات الأسرية والاجتماعية، فلا مناص من اتباع ما يقتضيه سلم الأولويات، في تفضيل الأهم، فما دونه، فما دونه، من حيث رعاية الضروريات ثم الحاجيات ثم التحسينات من مصالح المجتمع.
إن المرأة المتزوجة التي أنجبت أطفالًا، يلاحقها المجتمع بطائفة من الأعمال الكثيرة، التي لا تقدر في الأغلب على النهوض بها كلها، فهي ملاحقة برعاية زوجها وتوفير مقومات إسعاده، وهي ملاحقة في الوقت ذاته برعاية أطفالها وتربيتهم، كما أنها بحكم ثقافتها واختصاصها العلمي الذي تتمتع به، مدعوة إلى أن تساهم في خدمة مجتمعها من خلال وظيفة تعليمية في إحدى المدارس، وقد تكون ذات نشاط اجتماعي فهي مدعوة بحكم مزيتها هذه إلى أن تبذل من نشاطها هذا ما تساهم به في رعاية مجتمعها وحل بعض مشكلاته.
إن الوقت لا يسعفها في النهوض بسائر هذه المهام والوظائف، وهي كلُّها جيدة ومفيدة، فما الحل الذي يجب المصير إليه؟ .
ليس ثمة حل منطقي سليم، إلا اللجوء إلى ما تقتضيه رعاية سُلَّم الأولويات.
وسلم الأولويات يقول، فيما يقرره سائر علماء الاجتماع: إن نهوض الزوجة الأم بمسئولية رعاية زوجها وتربية أولادها والعمل على تنشئتهم النشأة الصالحة، يرقى إلى مستوى الضروريات من مصالح المجتمع.
ذلك لأن صلاح الأسرة هو الأساس الأول لصلاح المجتمع، فإذا فسدت الأسرة، وعصفت بها رياح الفوضى والإهمال، فإن سائر الأنشطة العلمية والثقافية، يتبعها سائر القوى والمدخرات الاقتصادية، لا يمكن أن يحل محل الأسرة في إقامة المجتمع على نهج
стр. 6242
سوي إنَّ المجتمع كان ولا يزال هو التابع لحال الأسرة وما هي عليه من صلاح وفساد، ولم يثبت عكس ذلك في وقت من الأوقات.
وانطلاقًا من هذا الواقع، فإذا لم تتمكن الزوجة الأم، من الجمع بين النهوض بمهام الأسرة، والأنشطة الثقافية والاجتماعية الأخرى، فإن عليها فيما يقضي به اتباع سلم الأولويات - أن توفر وقتها للنهوض بالضروري الذي هو السهر على رعاية الأسرة، وإن اقتضى ذلك التضحية بوظائف وأعمال أخرى.
ويزداد الحق في هذا الذي نقوله وضوحًا، عندما تجد الزوجة نفسها مندفعة إلى الوظيفة أو العمل، لمجرد طمع في وجاهة اجتماعية، أو لمجرد رغبة في التمتع بمزيد من المال. إنها في هذه الحالة تغامر بدون شك بحياتها الزوجية أو بالسعادة التي ينبغي أن تشيع بينها وبين زوجها، كما تغامر بما قد يكون أهم من ذلك، ألا وهو رعاية الأولاد والتفرغ لحسن تربيتهم، في سبيل هوى من الأهواء العابرة، وابتغاء متعة سرعان ما تتحول إلى أعباء ثقيلة من المغارم. (١)
في بحث علمي نفسي نشرت جريدة أخبار اليوم القاهرية ١١/ ٤/ ١٩٨٧ م ما يلي: لقد حصلت المرأة في العالم على بعض المناصب العليا، ولكن إذا أحصينا عدد الرجال والنساء بالنسبة لهذه الوظائف نجد الرجل يحتل ٩٠% إن لم يكن أكثر، ويقول علماء النفس: إن عدم تولي المرأة المناصب الكبيرة، بنسبة متساوية مع الرجل، لم يكن بسبب عدم جهدها، أو قلة ذكائها، وإنما هناك عوامل أخرى تتحكم في حياتها وطبيعتها، فهي مطالبة بأعمال المنزل، وهي التي تعني بأفراد العائلة كلها، والمرأة إذا أعطت كل الوقت لعملها، فهي تشعر بالذنب في داخلها، ذلك أنه حين يكون المنزل غير مرتب فإنها تشعر بالذنب في داخلها، فهي تحس أن المنزل هو عنوانها، ومهما علت في المناصب فإن المنزل مملكتها، وذلك بعكس الرجل، والمرأة لا تشعر بالراحة إذا تركت أولادها وزوجها بدون طعام،
стр. 6243
لذلك هي تحب أن تشرف على منزلها بنفسها، والمرأة لا تحب أن يكون لها في بيتها مكتب خاص، بخلاف الرجل. والمرأة لا تحب أن تنجح هي بقدر ما تحب أن ينجح زوجها وأولادها، وأن تصنع النجاح لهم، ولا يوجد لنا جواب يفسر هذه الطبيعة أكثر من أنها هي الطبيعة التي ولدت مع المرأة. . . ".
الوجه الرابع: أعظم عمل للمرأة أن ترعى أولادها .
الأمومة هي أعظم عمل للمرأة. إن عمل المرأة الأول والأعظم الذي لا ينازعها فيه منازع، ولا ينافسها فيه منافس، هو تربية الأجيال، والذي هيأها اللَّه له بدنيًّا، ونفسيًا، ويجب ألا يشغلها عن هذه الرسالة الجليلة شاغل مادي أو أدبي مهما كان، فإنَّ أحدًا لا يستطيع أن يقوم مقام المرأة في هذا العمل الكبير، الذي عليه يتوقف مستقبل الأمة، وبه تتكوَّن أعظم ثرواتها، وهي الثروة البَشرية. (١)
يقول د/ نور الدين: قد أثبتت الدراسات العلمية الحديثة في أوربا وأمريكيا أهمية الأم أهمية ضرورية إلى أبعد حد في نشأة الطفل صحيح البدن تام النمو، سليم العقل، سوي النفس والسلوك.
فقد أجريت دراسة على مجموعة من الأطفال متنوعة: مجموعة ترعاها مربية، ومجموعة أطفال ترعاهم أمهاتهم، ووضع الجميع في ظروف متماثلة، وقد لاحظوا بعد مدة سنتين من المراقبة أن الأطفال المحرومين من عطف الأم وحنانها لم ينجحوا في تعلم الكلام ولا المشي، ولا تناول الطعام بمفردهم، بينما نجح الآخرون الذين تحيطهم عواطف أمهاتهم في ذلك، ثم كان الأشد من ذلك والأمرُّ أنه لم تقع أي حادثة وفاة بين الأطفال الذين ترعاهم أمهاتهم بينما مات من الآخرين (٣٧%) سبع وثلاثون بالمائة في مدة السنوات الخمس، التي استغرقتها التجربة.
стр. 6244
هذا فضلًا عن التخلف النفسي، الذي يكون أشد من تخلف النمو الجسدي، فالإجرام والعنف العصبي والتعقيد النفسي والتصرفات الاجتماعية، الشاذة وغيرها من اضطرابات السلوك يمكن تفسيرها جميعًا بالحرمان الذي يكون قد عاناه الشخص وهو صغير في فترة طفولته (١).
ويقول الشيخ الشعراوي: وعمل المرأة يوجد في البيت فراغًا كبيرًا، وإذا كانوا يقولون أن المرأة هي نصف المجتمع فكيف لا تعمل؟ . . نقول: إن عمل المرأة قد أفسد المجتمع كله وليس نصفه، فالطفل محتاج إلى أمه احتياجًا كبيرًا، فعندما يولد هو محتاج إلى لبن الأم.
إن العالم كله الآن يصرخ بالعودة إلى الرضاعة الطبيعية بعد أن عرفوا معنى أن يرضع الابن من ثدي أمه. إن هذا أمر هام جدًّا بالنسبة للتكوين النفسي للطفل. وإن تفرغ الأم لطفلها، يجعل الطفل يحس بالأمن والأمان طوال حياته، وقد يستطيع الأب أن يأتي لطفله بعشرين خادمة، ولكنه لن يستطيع أن يأتي له بقلب أم واحدة ترضعه حنان الأمومة؛ ذلك أن الابن وهو يرضع لبن الأم يصبح جزءًا منها (٢).
الوجه الخامس: فطرة المرأة هي الفيصل في الأمر .
فطرة المرأة تفضل الزواج والنجاح فيه عن النجاح في العمل، ذكرت محررة باب مع المرأة في أهرام ٢١/ ١٢/ ١٩٦٠ م تحت عنوان: الإحصائيات أثبتت أن المرأة تفضل النجاح في زواجها عن النجاح في عملها ما يلي:
في ألمانيا أجريت إحصائيات ضخمة بين السيدات اللاتي يمتلكن المراكز الكبيرة في الشركات والمصالح، وسئلت كل واحدة: هل تفضل نجاحها في العمل؟ أم نجاحها في الحياة الزوجية؟
стр. 6245
ومن الغريب جدًّا أن الإجابات كانت واحدة بدون استثناء! فقد أجابت كل سيدة متزوجة بأنها تفضل النجاح في حياتها الزوجية على النجاح في عملها، وأنها مستعدة للتضحية بعملها ومركزها الكبير، ولا يمكن أن تضحي ببيتها وزوجها وأولادها.
وأجابت مجموعة كبيرة من السيدات المتزوجات: بأنهن كن يفضلن الزواج، مع البقاء في مراكز صغيرة جدًّا، وتقاضي مرتبات ضئيلة جدًّا من الوصول إلى هذِه المراكز المرموقة بدون زواج، فقد تبين لهن أن النجاح في العمل لم يعطهن الاستقرار والسعادة الحقيقية التي تتمناها كل واحدة لنفسها! .
وفي ألمانيا قامت إحدى الهيئات باستفتاء شمل عدة آلاف من البنين والبينات في سن الرابعة عشرة، وكان السؤال الذي وجه إلى هؤلاء جميعًا: ما أهم أمل تتمنى تحقيقه في مستقبل حياتك، كانت نتيجة الاستفتاء كالتالي: ٨٢% من البنين أملهم النجاح في العمل ٨٤% من البنات أملهن النجاح في تكوين أسرة.
وفي هذا المقام أسوق اعتراف أستاذة جامعية، نالت من العلم والشهرة ما عَزَّ على كثير من الرجال، نشرته صحيفة "الأهرام" في ٢٩/ ٥/ ١٩٦١.
أستاذة جامعية في إنجلترا، وقفت هذا الأسبوع أمام مئات من طلبتها وطالباتها، تلقي خطبة الوداع بمناسبة استقالتها من التدريس، قالت الأستاذة: ها أنا قد بلغت الستين من عمري، وصلت فيها إلى أعلى المراكز، نجحت، وتقدمت في كلِّ سنة من سنوات عمري، وحققت عملًا كبيرًا في المجتمع كلُّ دقيقة في يومي كانت تأتي على بالربح.
حصلت على شهرة كبيرة، وعلى مال كثير، أتيحت لي الفرصة أن أزور العالم كله، ولكن هل أنا سعيدة الآن؟ بعد انشغالي في التدريس والتعليم، والسفر والشهرة، أن أفعل ما هو أهم من ذلك كله، بالنسجة للمرأة نسيت أن أتزوج وأن أنجب أطفالًا، وأن أستقر، إنني لم أتذكر ذلك إلا عندما جئت لأقدم استقالتي! شعرت في هذِه اللحظة أنني لم أفعل شيئًا في حياتي، وأن كل الجهد الذي بذلته طوال هذِه السنوات قد ضاع هباء، سوف
стр. 6246
أستقيل، وسيمر عام، أو اثنان على استقالتي، وبعدها ينساني الجميع، في غمرة انشغالكم بالحياة. ولكن لو كنت تزوجت، وكونت أسرة كبيرة لتركت أثرًا كبيرًا، وأحسن في الحياة. إن وظيفة المرأة هي أن تتزوج، وتكوِّن أسرة، وأي مجهود تبذله غير ذلك لا قيمة له في حياتها بالذات، إنني أنصح كل طالبة أن تضع هذِه المهام أولًا في اعتبارها، وبعدها تفكر في العمل والشهرة! !
وتقول أ/ عزيزة عباس عصفور: تعليقًا على قرار أصدره وزير العدل المصري بتعيين بعض النساء حقوقيات - في نيابات الأحداث:
"لو كانت الخطوة التي خطاها وزير العدل بتعيين "الحقوقيات" في نيابات الأحداث كسبًا للمرأة لكنت أول من تدعو اللَّه أن يبارك للمرأة فيها، أما وإني ممن خرجتهن كلية الحقوق في الأفواج الأولى، وزاولتُ المحاماة أكثر من عشر سنين، وبلوت فيها حلاوتها ومرارتها معًا، فإنني أعلن بصراحة أن النيابة والمحاماة معًا تتنافيان مع طبيعة المرأة وتتعارضان مع مصلحتها، وأعلن إشفاقي على البقية الباقية من فتياتنا المثقفات اللاتي مازلن بخير أن يجربن هذِه التجربة المريرة المضنية، وأهيب بهن أن ينجون بأنفسهن من عاقبة لا يدركن مرارتها إلا بعد أن يقعن فيها، ويهدمن بأيديهن صرح سعادتهن، لقد تحطمت أعصابنا -نحن المحاميات- من إرهاق المهنة وعنائها، ومن محاربتنا للطبيعة وتنكبنا طريق الواقع، بماذا تكون العاقبة إذا خضعت النائبة لطبيعتها واستجابت لحقها في الحياة فتزوجت ورزقت أطفالًا، فاقتلعتها من بينهم طبيعة التحقيقات والانتقالات والمعاينات، وتركت زوجها قعيد الدار يربي الأولاد، ويرضع الصغار، وهي في الخارج تدور في كلِّ مكان كأنها رجل الشارع يهجر بيته آناء الليل وأطراف النهار، وماذا تصنع إذا عينت في بلاد نائية عن أهلها، وليس بها مكان للسكن غير استراحة الموظفين، هل تبيت ليلتها مع زملائها مع الرجال؟ إن الدين والأخلاق والعرف الحميد تحتم أن تعيش المرأة
стр. 6247
بعيدة عن مواطن الفتنة والإغراء والزلل، واختلاطها على هذِه الصورة يعرضها لخطر محقق وضرر مؤكد، ويضع سيرتها في ألسن الناس تلوكها بالمذمة والمسبة والعار.
إن رسالة المرأة في الحياة لها جلالها وقدسيتها التي لا تعادلها حقوق تمنحها ولا امتيازات تعطاها وإن كثرت".
ثم تقول: "ولقروية ساذجة في حجرها طفل أفضل للأمة وأنفع للبلاد من ألف نائبة وألف محامية، وحكمة اللَّه فيكن أن تكنَّ أمهات" (١).
الوجه السادس: مصلحة المرأة وسعادتها تكمن في بيتها
إنَّ سعادة الأسرة ليست في مجرد زيادة الدَخْل، الذي يُنفَق معظمه في أدوات الزينة، وثياب الخروج، وتكاليف الحياة المختلطة، التي تقوم على التكلف والتصنع وسباق الأزياء، و"الموضات" وما إلى ذلك، ويقابل هذه الزيادة في الدَخْل حرمان البيت من السكينة والأُنس، الذي تشيعه المرأة في جو الأسرة، أما المرأة العاملة فهي مكدودة الجسم، مرهفة الأعصاب، وهي نفسها في حاجة إلى مَنْ يروِّح عنها، وفاقد الشيء لا يعطيه.
إنَّ مصلحة المرأة ليست في إخراجها عن فطرتها واختصاصها وإلزامها أن تعمل عمل الذَّكر، وقد خلقها اللَّه أُنثى، فهذا كذب على المرأة وعلى الواقع، وقد تفقد المرأة من هذا الصنف أُنوثتها بالتدريج، حتى أطلق عليها بعض الكُتَّاب "الجنس الثالث"، وهذا ما اعترف به كثير من النساء من ذوات الشجاعة الأدبية. (٢)
ونشرت جريدة الأهرام تحت عنوان "مع المرأة" وتحررها سيدة:
إنهم في إنجلترا طعنوا في المرأة العاملة في أنوثتها، بعد أن عجزوا عن ردها عن العمل، وأقاموا استفتاء بين عدد كبير من الرجال في مختلف الطبقات؛ لمعرفة رأيهم في أهم الصفات التي تعبر عن أنوثة المرأة وادعوا أن نتيجة الاستفتاء كانت كالآتي:
стр. 6248
١ - طبقة العمال قالت: إن الأنوثة تبرز في الفتاة التي تتدلل وتمتنع في نفس الوقت، فتفر من الرجل إن قرب منها، وإذا ابتعد عنها عادت من نفسها قبل ضياع الفرصة!
٢ - واتفق الفنانون على أن الفتاة الهادئة، هي الأكثر أنوثة؛ لأنها توحي بالضعف، والضعف هو الأنوثة.
٣ - أما الموظفون والطلبة الجامعيون الذين هم أكثر احتكاكًا بالمرأة، فقد اتفقوا على أن الأنوثة لا تتمتع بها إلا المرأة التي تجلس في بيتها، حيث ترعى أولادها بنفسها، وتقوم بجميع أعمال المنزل، أما المرأة العاملة فهي مجردة نهائيًا من الأنوثة، وكان هذا رأي الأغلبية هناك.
ثم قالت المحررة نفسها في باب "مع المرأة" في عدد آخر:
محاولة هدم المرأة انتقلت هذا الأسبوع من إنجلترا إلى أمريكا، فقد اجتمع أعضاء الكونجرس الأمريكي لمناقشة موضوع منع الأم التي لديها أطفال من الاشتغال مهما كلفها ذلك.
قال عضو منهم في تبريره للمنع: إن اشتغال الأمهات يسبب مشكلات اجتماعية واقتصادية لا حصر لها.
وقال آخر: إن اللَّه عندما منح المرأة ميزة إنجاب الأولاد لم يطلب منها أن تتركهم لتعمل في الخارج، بل جعل في البقاء في المنزل لرعاية هؤلاء الأطفال.
وقال ثالث: إن المرأة تستطيع أن تخدم الدولة حقًا، إذا بقيت في البيت الذي هو كيان الأسرة.
وقال رابع: إنه لمن الواجب اتخاذ قرار سريع بمنع المرأة التي لديها أطفال دون الثامنة من العمل.
وقال خامس: إن الأم كالفيتامين، إذا حرم الأولاد منها، مرضوا وماتوا، واتفقوا في النهاية على السماح للمرأة بالتعليم حتى تفيد أولادها مستقبلًا، أما العمل فلا.
ثم أخذت هذه المحررة تهاجم هذه الآراء، وتزعم أنها ليست أكثر من غيره من الرجل لمنافسة المرأة له في العمل.
وأعلنت في عدد آخر من الأهرام هزيمتها في مهاجمة القائلين بمنع المرأة من العمل فقالت: يبدو أنني سأكف عن مرافعتي بعد أن تبينت أني خسرت القضية بهذا الجواب
стр. 6249
الذي وصلني من واحدة منا، صاحبته سيدة، تشغل مركزًا محترمًا، وتعمل من خمس وعشرين سنة! تقول لي بالحرف الواحد:
"إما أنك تخدعين نفسك، وإما أنك ما زلت في أول سنوات العمل، إن الرجال على حق فيما يقولون. . فالمرأة العاملة تفقد أنوثتها فعلًا بالعمل، وقد يدهشك أنني أتمنى بعد أن أمضيت مدة طويلة في العمل المضني -وأشعر أن غيري كثيرات يشاركني هذا التمني- أن لا أخرج من بيتي، وأن لا أترك أولادي صباح كل يوم لأذهب إلى مكتبي، ولكنني أعمل وأشقى، لأفقد أنوثتي فعلًا على سبيل العند (العناد) إنني مثلك أخشى أن يقول الرجال إننا تراجعنا عن ميدان العمل وفشلنا، ولذلك فأنا وغيري نضحي بأنفسنا؛ لكي نغيظ الرجال، قولي الحقيقة: إن المرأة مهما تقدمت في عملها، فهي لا تحب أن تصبح رجلًا، بل تتمنى أن تتمتع بأنوثتها إلى أقصى حد، حالة واحدة تتمنى فيها المرأة أن تعمل، عندما يكبِّر الأولاد، ويذهب كل منهم إلى حال سبيله، وفي هذه الحالة تستشعر رغبة شديدة في العمل؛ إذ لم يعد هناك ما يذكرها بأنوثتها، إنها تعود إلى العمل بإحساس الرجل لا بإحساس المرأة". (١)
الوجه السابع: الآثار المترتبة على عمل المرأة. وإهمالها بيتها
أثبتت الدراسات العلمية إلى أن وجود الطفل في دور الحضانة أو تركه في البيت مع مربية أو خادمة، لها مخاطر ومضاعفات نفسية في حياة الطفل؛ وذلك لأن الأسرة هي محضن الطفولة وسكن الإنسان مهما امتد به العمر، وهو حين يفتقدها فإنه يصاب بالخلل ويضطرب توازنه، فكيف يكون إذًا! إذا عاش طفولته وحيدًا أو بعيدًا عن دفء الأسرة واستقرارها وعطائها من الحب والرعاية والاهتمام والضبط، تلك المعاني التي لابد منها في تربية الطفل وإعداده للحياة إنسانًا صالحًا فاضلًا.
стр. 6250
فالطفل في سنواته الأولى في حاجة ماسة وضرورية إلى الأب والأم، أو أحدهما على الأقل؛ ليشعر بالأمن، والطمأنينة، والحب، تلك الأرضية الصلبة والوحيدة لتشكيل أنماط سلوكه وتفاعلاته ونشاطاته مع المحيط بشكل سوي سليم، وكل ما عدا هذه القاعدة من الأمن تبع له والأمن المقصود هنا يشكله الحب والحنان والاهتمام الذي يقدمه الأبوان أو أحدهما أو الكفل لهذا الطفل الذي يقع في حيز مسئوليتهم.
إن خروج الأم من البيت إلى العمل، وترك الأسرة للخادمة أو لحياة الفوضى والعشوائية يقضي على الأمن الذي ينشده أفراد الأسرة كبيرهم وصغيرهم والأطفال بالدرجة الأولى، إن المرأةَ خلقت؛ لتكون سكنًا وأمنًا وطمأنينة لأسرتها ومن يحيط بها من ذويها، وأي إعراض أو تنكر لهذا من المرأة يكون إعراضًا عن منهج اللَّه ؛ لأن مثل تلك الفلسفات التي تجعل من المرأة رجلًا يصارع الحياة، تحمل الخراب والدمار للإنسانية، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ (البقرة: ٢٠٥).
لقد أظهرت الدراسات فروقًا واضحة بين أبناء العاملات وغير العاملات، إذ وجد أن الميول العدوانية والجناحية موجودة بنسبة أكبر بين أبناء العاملات، وهي بنسبة أقل بين أبناء العاملات لوقت قصير، وبنسبة أقل بين أبناء غير العاملات على الإطلاق.
وقد حدد علماء النفس العوامل الضارة في تشكيل نفسية الطفل بسبب الأم، يقول (ستيفاني): إن اشتغال الأم خارج المنزل، أو ولادة طفل جديد يستحوذ على اهتمامها ووقتها، والتغير في المحيط والبيئة للطفل بما في ذلك الأشخاص، كلها تشكل عوامل اضطرابات في التكيف الطبيعي للطفل.
وتبدو هذه الظاهرة في عمل الأم أكثر وضوحًا حين يكون رب الأسرة -الأب- مفقودًا فيها بوفاة أو طلاق أو سفر؛ ذلك أن الأم هنا سوف تقوم بدور الأب لتترك البيت فترات طويلة مما يعد عاملًا من عوامل انحراف الطفولة ويظهر هذا في أحياء الطبقات
стр. 6251
الفقيرة وأحياء الزنوج في المجتمعات الأمريكية حيث تكون الأم هي ربة البيت والساعي في طلب الرزق.
الوجه الثامن: عمل المرأة زاد نسبة البطالة .
إنَّ اشتغال المرأة يؤثر على الحياة الاقتصادية تأثيرًا سيئًا، باعتبار أن اشتغالها في مزاحمة الرجل في ميدان نشاطه الطبيعي، مما يؤدي إلى نشر البطالة في صفوف الرجال، كما وقع في بلادنا منذ أخذت المرأة طريقها إلى وظائف الدولة فقد أصبح عدد كبير من حملة الشهادات الثانوية والعليا عاطلين عن العمل يملئون المقاهي، ويقرعون أبواب الحكومة طلبًا للوظائف، بينما تحتل أمكنتهم فتيات لا يحملن غالبًا مثل مؤهلاتهم وكفاءاتهم.
ومثل ذلك يقع الآن في أمريكا فقد أدت مزاحمة المرأة للرجل إلى بطالة متفشية في الرجال تزداد يومًا بعد يوم، وسترى في الملاحق ما يؤيد هذا.
إذا ثبت أن اشتغال المرأة يؤدي إلى بطالة الرجل، كان من المحتمل أن يكون هذا الرجل الذي زاحمته زوجها أو أباها أو أخاها، فأي ربح اقتصادي للأسرة، إذا كان اشتغال المرأة يؤدي إلى بطالة عميدها والمكلف بالإنفاق عليها؟ . (١)
يقول أ/ محمد رشيد العويد: في إحدى الجامعات الأمريكية طرحت محاضرة عن البطالة شارك فيها عدد من الطلبة في تقديم حلول مختلفة، منهم من قال: إن افتتاح مزيد من المصانع والمشاريع يمكنه أن يستوعب العاطلين عن العمل أو أكثرهم، ومنهم من قال: إن تأميم جميع الشركات والمصانع وجعلها تابعة للدولة يوفر فرصًا للعمل حين تقوم الدولة بتوزيع العمل وتنظيمه. وبعضهم رأى الحل في تخفيض ساعات العمل وزيادة أيام الإجازة الأسبوعية، مما يقتضي تعيين مزيد من العاملين لإنجاز العمل.
كان بين الطلبة مسلم من الكويت، يستمع إلى ما يطرحه زملاؤه من حلول لمشكلة البطالة. رفع يده بعد أن أنهى من أراد من زملائه تقديم الحلول. دعاه الأستاذ المحاضر
стр. 6252
لعرض رأيه في الحلول المناسبة لمشكلة البطالة، توجه الطالب الكويتي إلى اللوح ورسم ثلاث دوائر، كتب داخل إحداها "رجال عاملون" وفي الأخرى "نساء عاملات" وفي الثالثة "رجال عاطلون".
وصار يشرح فيقول: الحل هو في أن ينتقل "الرجال العاطلون" إلى دائرة "النساء العاملات" وتنتقل "النساء العاملات" إلى بيتوهن؛ لتربية أطفالهن ورعاية أزواجهن، وأضاف الطالب: وبهذا نكون قد ألغينا البطالة وحفظنا المجتمع من أمراض خطيرة معظمها ناتج عن تصدع الأسر وغياب الأمهات عن البيوت! ! ختم الطالب شرحه البسيط الواضح. والموجز بقوله: يبقى أن أذكر أن هذا الحل قرره الإسلام قبل أربعة عشر قرنًا.
نعم أكثر من اثنى عشر مليون عاطل عن العمل في أوروبا الغربية وحدها، مئات آلاف الجرائم التي ترتكب فيها سنويًا، يمكن أن تتراجع تراجعًا كبيرًا إذا ضمنا عودة المرأة إلى بيتها (١).
الوجه التاسع: الإنسان ليس آلة لا روح فيها .
إنَّ مصالح الشعوب لا تقاس دائمًا بالمقياس المادي البحت، فلو فرضنا أن اشتغال المرأة يزيد من الثروة القومية، إلا أنه من المؤكد أن الأمة تخسر بذلك خسارة معنوية واجتماعية لا تقدر، تلك هي خسارتها بانسجام الأسرة وتماسكها، إن الغرب خسر كثيرًا باشتغال المرأة، حيث إنها صرح الأسرة، وفسدت أخلاق الأولاد، فأي الخسارتين أبلغ ضررًا في الأمة؟ الخسارة المادية! أم الخسارة الاجتماعية؟ .
إن الذين يلحون على ضرورة اشتغال المرأة خارج بيتها؛ لتكسب البلاد نتيجة عمل المرأة، لا يبالون بما تخسره البلاد من تفكك الأسرة، وفقدان الرقابة والرعاية على تربية أبنائها وبناتها، ومثل هؤلاء يتبنون فلسفة مادية بحتة -وهذا ما تفعله الشيوعية تمامًا- ولكن المجتمع لا تتم سعادته إذا نظر إلى القيم الأخلاقية والروحية والعائلية نظرة ثانوية أو نظرة ازدراء، ومجتمعنا
стр. 6253
مجتمع متدين تسير سلوكه المبادئ الأخلاقية التي جاءت بها أديانه، فلا يمكن أبدًا أن ينظر إلى الأسرة بالمنظار الذي تنظر به الشيوعية والحضارة الغربية المادية إليها، وإلا كان ذلك خرابًا للمجتمع في نظر أديانه ومبادئه ومثله الخلقية، ورسالته الإنسانية.
إن النظر إلى كل فرد في المجتمع كآلة منتجة لا تهتم الدولة إلا بزيادة إنتاجها، هو رجوع بالإنسان إلى الوراء. . إلى عهود الرق والعبودية والسخرة. . وهذا ما لا ترضاه الإنسانية الكريمة في إنسان مجتمعنا المتدين الراقي بعواطفه وأخلاقه ومثله العليا.
على أن النظرة المادية لا تنطبق على واقع حياتنا وحياة المجتمعات الأخرى حتى في الشيوعية نفسها، فهناك -في كل مجتمع- فئات معطلة عن الإنتاج المادي، فالجيوش والموظفون لا يزيدون في ثروة الأمة المادية، وقد رضيت كل الأمم بأن يتفرغ الجيش لحماية البلاد، دون أن تلزمه بالعمل والكسب، فهل يقال: إن هذا تعطيل للثروة البشرية يؤدي إلى انخفاض الثروة القومية في البلاد؟ أم إن هؤلاء المنادين باشتغال المرأة خارج بيتها يوافقون على حرمان الأمة من جهود أفراد الجيش الاقتصادية في سبيل مصلحة أعلى وأثمن من المنفعة الاقتصادية؟ وإذا كان كذلك، فهل يكون التفرغ لشئون الأسرة أقل فائدة للأمة من تفرغ الجيش لحماية البلاد؟ أم يريدون أن ترهق المرأة بالعملين معًا؟
إن حياة الناس -أي ناس كانوا- ليست كلها تحسب بحساب الربح ولخسارة المادية، فالكرم والشهامة والتضحية والوفاء وبذل العون للآخرين كل ذلك خسران مادي، ولكنه ربح عظيم لا يتخلى عنه الناس الشرفاء الذين يعتزون بكرامتهم الإنسانية.
وليست صيانة الأسرة، ورعاية الطفولة، وتربية الأولاد بأقل شأنًا في نظر الإنسان الراقي المعتز بإنسانيته من تلك القيم الأخلاقية التي لا تقاس بالمقياس المادي البحت.
وأخيرًا فإن خوض الأمة معارك الدفاع عن حياتها، أو انتزاع استقلالها من أيدي المغتصبين، ترحب به كل أمة، بل لا تستطيع أي أمة كانت أن تفعل غيره، فكم تلحق بالأمة من خسائر مادية وبشرية في سبيل الدفاع المشروع؟ وهل يجرؤ أحد على أن يدعو
стр. 6254
الأمة إلى تسريح جيشها، وعدم شراء الأسلحة والذخائر أو صنعها، وعدم مقاومة المغيرين المعتدين بحجة أن في ذاك كله خسائر مادية، وإضرارًا بالإنتاج القومي والثروة العامة في البلاد؟
ثم أي معنى لقول من يقول: إن وجود المرأة في البيت يعودها الكسل ولذلك تسمن نساؤنا أكثر من الغربيين، إن مثل هؤلاء لا يعرفون متاعب البيت وأعماله، وكيف تشكو المرأة من عنائه، فما يمسي المساء إلا وهي منهوكة القوى تروح عن نفسها بالاجتماع إلى جاراتها وصديقاتها.
والبنت ما دامت في المدرسة فهي تلقى العلم فلا يجوز إرهاقها بالعمل معه وإذا انتهت من المدرسة لا تمكث في بيت أبيها وأمها إلا بمقدار ما تتهيأ للانتقال إلى بيت الزوجية، فهي في هذه الحالة تتلقى دروسًا عملية عن أمها في إدارة البيت وأعماله وشئونه، فلا يجوز مع ذلك إرهاقها بالعمل خارج البيت.
إن الذي أؤكده في الموضوع أن أعمال المرأة في البيت -بنتًا كانت أم زوجة- لا تقل عن أعمالها خارج البيت مشقة وعناء. وكثيرًا ما تكون أكثر مشقة وإرهاقًا.
أما ما يزعمون من سمن المرأة الشرقية، فهذه نكتة لا تستحق المناقشة لولا أننا سمعناها كثيرًا من هؤلاء المتحمسين لعمل المرأة خارج بيتها، ذلك أن السمن والنحافة تابعان لنظام التغذية، ومما لا ينكر أن نظامنا في الطعام يؤدي إلى السمنة في الرجل والمرأة على السواء، بل الملاحظ أن السمن عند الرجال في الغرب كما شاهدنا ذلك، ويؤكد هذا أن الأعراب المقيمين في الصحراء قل أن يوجد فيهم السمين، ولقد لاحظت في إحدى المرات التي أديت فيها فريضة الحج، وقد حضره من مختلف أنحاء الجزيرة العربية ما يبلغ نحوًا من ثلاثمائة ألف بدوي، لاحظت حينئذٍ أنه قل أن يوجد بينهم سمين، بل إني لم أر في هذا العدد الضخم سمينًا واحدًا قط.
فالقضية تابعة لنظام التغذية ونوع الغذاء لا إلى الراحة أو التعب (١).
стр. 6255
الوجه العاشر: شكوى الغرب من عمل المرأة
إنَّ الغرب الذي يقتدون به أصبح اليوم يشكو من عمل المرأة وما جرَّه من آثار، وأصبحت المرأة نفسها هناك تشكو من هذا البلاء، الذي لم يكن لها فيه خيار، وها هي أقوال عقلاء الغرب في عمل الغرب تدلك على ذلك:
قال الفيلسوف الملحد "برتراند راسل": إن الأسرة انحلت باستخدام المرأة في الأعمال العامة، وأظهر الاختيار أن المرأة تتمرد على تقاليد الأخلاق المألوفة وتأبى أن تظل وفية للرجل إذا تحررت اقتصاديًا.
بل إن "هتلر" و"موسوليني" أخذا يقدمان جوائز مغرية للنساء اللاتي يتركن أعمالهن خارج البيت ليعدن إلى بيوتهن يعملن فيها، فهل من مذكر؟ .
يقول الدكتور "سوليفان": "إن السبب الحقيقي في جميع مفاسد أوربا وفي انحلالها بهذه السرعة، هو إهمال النساء للشئون العائلية المنزلية، ومزاولتهن الوظائف والأعمال اللائقة بالرجال في المصانع المعامل المكاتب جنبًا إلى جنب".
ونشرت جريدة "أخبار اليوم" القاهرية: أن حركة قوية في بريطانيا الآن تطالب ببقاء النساء في منازلهن، وعدم خروجهن إلى ميادين العمل، ويقول زعماء هذه الحركة: إن اشتغال المرأة خارج بيتها هو المسئول عن تعاسة الأطفال وانحراف الأحداث، وعن إصابة الأزواج بالعقد النفسية؛ لأنهم يشعرون بإذلال كبريائهم عندما يرون الشيكات بأيدي زوجاتهم، ويؤكدون أن خروج المرأة إلى العمل يصيب الزوج بالقرحة المعدية بسبب تناوله الأطعمة المحفوظة بصورة دائمة.
وقالت الكاتبة الإنجليزية "اللادي كوك": إن الاختلاط يألفه الرجال؛ ولهذا طمعت المرأة بما يخالف فطرتها وعلى قدر كثرة الاختلاط تكون كثرة أولاد الزنا، وههنا البلاء العظيم على المرأة إلى أن قالت: علموهن الابتعاد عن الرجال، أخبروهن بعاقبة الكيد الكامن لهن بالمرصاد.
стр. 6256
وقالت الدكتورة "إيدالين": إن سبب الأزمات العائلية في أمريكا، وسر كثرة الجرائم في المجتمع، هو أن الزوجة تركت بيتها؛ لتضاعف دخل الأسرة، فزاد الدخل وانخفض مستوى الأخلاق، ثم قالت: إن التجارب أثبتت أن عودة المرأة إلى الحريم هو الطريقة الوحيدة لإنقاذ الجيل الجديد من التدهور الذي يسير فيه.
قال البروفسور دكتور "كلين" رئيس أطباء المستشفى الحكومي للنساء في مؤتمر للأطباء قال: إن في الجمهورية الاتحادية الألمانية اليوم حوالي سبعة ملايين من النساء العاملات، وهذا أكثر من ثلث المجموع من عدد العمال، إن أكثر من ثلث النساء متزوجات، ومعظمهن عندهن طفل أو أكثر من الذين لا يزالون في سن الطفولة تحت سن السابعة، وهؤلاء الأطفال بحاجة خاصة إلى عناية الأم، إن هذا العبء المثلث على تلك النساء هو السبب الوحيد الذي يؤدي إلى تدهور حالتهن الصحية التي بدورها تؤدي إلى تدهور الطفولة، ومن ثم المجتمع العام.
ثم من الذي قال: إن عمل المرأة في بيتها هو تقشير البطاطس وغسل الصحون؟ لو كان الأمر كذلك لأغنى عنها أي طباخ أو طباخة؟ ! أهكذا تُسفهون برسالة المرأة إلى هذا الحد؟ هل الخطر الذي تعترفون به على الأسرة والمجتمع، هو عدم وجود امرأة في البيت تقشر البطاطس، وتغسل الصحون؟ أم هو عدم وجود زوجة تشرف على البيت، وأم تعني بتربية الأطفال؟ !
ثم أي عاقل يعرف خطورة رسالة المرأة في البيت، يعتبر تفرغها لأداء هذا الواجب سجنًا؟ فلم لا نقول: إن الموظف الممنوع من ترك وظيفته ليعمل ويكتسب يعتبر في ديوانه في الوظيفة سجينًا؟ ! .
الروس يدعون لبقاء المرأة في بيتها:
ومما يزيد الأمر إيضاحًا: أن روسيا معقل الشيوعية وموطن النظرة العارمة الداعية لخروج المرأة للعمل قد رجع سكانها عن نظرتهم السابقة، ففي استطلاع للرأي أجراه
стр. 6257
معهد الرأي ونشرت نتائجه وكالة "إيتار تاس" الروسية للأنباء في السادس من مارس (٢٠٠٠) تبين ما يلي:
(٤٧%) من الروس يرون أنَّ المرأة يجب أن لا تعمل إذا كان وضعها المالي أو وضع شريكها يسمحان بذلك.
(٥.٤٦%) من الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع أن النساء يجب أن يَبْقَينَ في المنزل، إذا كان الشريك قادرًا على تأمين احتياجاتهن.
(٣٧%) فقط هم الذين أيَّدُوا حقَّ المرأة في العمل (١).
الفرنسيات: ملَلْنا المساواة مع الرجال، والجري وراء مترو المواصلات! !
أجرت مجلة (ماري كير) في فرنسا استفتاءَ للفتيات الفرنسيات من جميع الأعمار والمستويات الاجتماعية والثقافية، وكان عنوان الاستفتاء: "وداعًا عَصرَ الحُرِّيَّة، وأهلًا عصرَ الحَريم".
وشمل الاستفتاءُ مليونين ونصف المليون من النساء الفتيات المنخرطات في مجالات العمل، وكذا المستقرات في البيوت.
وكانت النتيجة أنَّ (٩٠%) من النساء يُفَضَّلْنَ البقاء في المنزل وعدم الخروج للعمل، وقُلْنَ: لقد مَلَلْنَا المساواة مع الرجل.
مَلَلْنَا حياة التوتُّر، ليلَ نهار.
مَلَلْنَا الاستيقاظ عند الفجر للجري وراء المترو.
مَلَلْنَا الحياة الزوجية التي لا يَرى الزوجُ فيها زوجتَه إلا عند النوم.
مَلَلْنَا الحياة التي لا ترى فيها الأُمُ أطفالَها إلا عند مائدة الطعام (٢).
الوجه الحادي عشر: ومع عمل المرأة لم تتحقق المساواة .
стр. 6258
انتفاء المساواة بين المرأة والرجل في العمل، على الرغم من أنها -المساواة- أحد الشعارات التي شدوا المرأة من خلالها؛ لتعمل في أعمال الرجال، لقد أعطوها أجرًا أقل من الرجل، وما زالوا يعطونها أجرًا أقل.
وقرأنا في الإحصاءات أن الرجال يأخذون رواتب بنسبة ٣٤ في المائة من رواتب النساء، ولم يفتحوا أمامها جميع الأعمال، فقد قرأنا أيضًا أنه على الرغم من (٤٥٥) مهنة تمَّ إحصاؤها فقد لوحظ أن النساء يتواجدن بكثافة في قرابة ٢٠ مهنة فقط، ولم يوفروا لها أعمالًا مستقرة، فقد قرأنا أن العمل بدوام جزئي مخصص للنساء؛ إذ يشمل نسبة تصل إلى ٢٥ في المائة بينما لا تصل نسبته عند الرجال إلى أكثر من ٢ في المائة فقط.
وأردؤها مرفهة لهم، شاغلة لأوقاتهم، ولهذا ارتفعت نسبة المشتغلات في فنون المنوعات إلى ٤١ في المائة، ولم تتجاوز نسبة ٦ في المائة في أعداد النواب ومديري الإدارات (١).
استقلت المرأة اجتماعيًا، أجل، ولكنها دفعت ثمنًا غاليًا كما جاء في كتاب: "المعهد الوطني الفرنسي":
١ - وحدة.
٢ - مسئوليات في العمل أكثر من الرجال.
٣ - أجور أقل.
٤ - أقساط من الراحة أقل.
الوجه الثاني عشر: الضرر الصحي على المرأة .
إن خروج المرأة إلى العمل أدَّى إلى ضعفها صحيًّا حيث أظهرت أحدث الدراسات الأمريكية أن دخول المرأة ميدان العمل كان له تأثير كبير على توازنها النفسي، فالملاحظ أن نسبة كبيرة من النساء العاملات يعانين التوتر والقلق الناتج عن المسئوليات الكبيرة الملقاة على عاتقهن، والموزعة ما بين المنزل والزوج والأولاد والعمل، فقد سجلت الإحصائيات الأخيرة
стр. 6259
أن ٧٦% من نسبة الأدوية المهدئة تصرف للنساء العاملات، كما كان من نتيجة هذا التوتر ارتفاع نسبة تدخين السجائر بين النساء (١)، وكلنا يعلم أضرار التدخين على الصحة وغيرها.
وجاء في جريدة الأهرام (١) أيضًا: لقد أصبحت نسبة عدد النساء المهددات بالإصابة بأمراض القلب تزداد يومًا بعد يوم -هذا ما يصرح به أخصائيو أمراض القلب في العالم فبعد أن كانت من الأمراض التي يتعرض لها الرجال بنسبة أكبر أصبح اليوم يتعرض لها الجنسان بنفس النسبة، وقد أرجعت المحررة مرفت عثمان السبب في ذلك إلى تعرض النساء لنفس الانفعالات والظروف التي يتعرض لها الرجال الناتجة عن متطلبات العمل.
ويؤكد ذلك ما قاله الدكتور أحمد مصطفى عيسى، أستاذ أمراض القلب بجامعة الأزهر، أن إصابة القلب من تصلب الشرايين وإصابات الذبحة، كانت مقصورة على الرجال في الخمسينيات، أمَّا المرأة فكانت لا تُصاب بهذه الأمراض؛ لأنها في حماية طبيعية نتيجة وجود هرمون الإستروجين، وهذا الهرمون يمنع تراكم الدهنيات وتصلب الشرايين لدرجة أن بعض الرجال كانوا يعالجون بهذا الهرمون الأنثوي؛ لإنقاذهم من مضاعفات تصلب الشرايين، وتراكم ثلاثيات الجلسرين التي تسبب الإصابة بالذبحة الصدرية.
ولكن بعد أن دخلت المرأة مجال العمل وأصبحت تتعرض لعوامل التوتر والضغوط النفسية نتيجة لمشاكل الحياة الحديثة، بالإضافة إلى تحملها مسئولية العمل في المنزل أصبح هذا الهرمون لا يستطيع أن يحميها فأصيبت المرأة بالذبحة الصدرية، وتصلب الشرايين وضغط الدم وغير ذلك.
تقول طبيبة نمساوية: كنا نظن أن انخفاض نسبة الولادات بين العاملات ترجع لحرص المرأة العاملة على التخفيف من أعباء الحياة في الحمل والولادة والرضاع تحت ضغط الحاجة إلى الاستقرار في العمل، ولكن ظهر من الإحصائيات إن هذا النقص يرجع إلى عقم استعصى علاجه، ويرجع علماء الأحياء سبب ذلك إلى قانون طبيعي معروف وهو أن الوظيفية تخلق
стр. 6260
العضو، وهذا يعني أن وظيفة الأمومة خلقت خصائص مميزة للأنوثة، وإنها لابد أن تضمر تدريجيًا بانصراف المرأة عن وظيفة الأمومة بسبب اندماجها مع عالم الرجال.
وأيضًا إن نسبة كبيرة من العاملات يعانين من التوتر والقلق الناجمين عن المسئوليات الكبيرة الملقاة على عاتقهن والموزعة بين المنزل والأولاد والعمل.
كشفت دراسة أجرتها إحدى المتخصصات السعوديات (د. أسماء الحسين) وجاء فيها (٥٧%) من النساء السعوديات العاملات يعانين من الاكتئاب، بسبب توتر العلاقات الزوجية (١).
الوجه الثالث عشر: وهل سلمت المرأة في عملها من الذئاب البشرية .
إن المنادين بوجوب خروج المرأة للعمل لم يوفروا لها الحماية من الابتزاز الجنسي في العمل.
نشرت مجلة النيوزويك الأمريكية في عددها الصادر في ١٧ مارس ١٩٨٠ تحقيقًا عامًا بعنوان: Abusing sex at the office" سوء استخدام الجنس في المكاتب"، وبعنوان فرعي: sexual Harrassment the boss dirty little fringe benefit, is out of the closet, and its illegal
" إن مضايقة الرئيس لمرؤوسيه جنسيًّا أمر قد خرج عن دورة المياه -أي عن السرية- وأصبح غير قانوني".
وتقول المحامية جوديت كيرتز من فرانسسكو: إن النساء بدأن يدركن أن هذه المضايقات الجنسية نوع من التفرقة بين الجنسين وليست أمرًا يسيرًا (and its not o.k) إن الزيادة في الشكاوى من المضايقات الجنسية في العمل توازي الزيادة في عدد العاملات في الولايات المتحدة، ومع هذا فلا تزال المرأة في مجال العمل مرءوسة برجل في أغلب الحالات، وأكثر العاملات هن سكرتيرات، أو كاتبات على الآلة الكاتبة، أو بائعات في المتاجر والحوانيت والمراكز التجارية - السوبر ماركت - أو نادلات - جرسونات - وفي كل
стр. 6261
تلك الأحوال يكون رئيسها المباشر رجلًا تعمل من أجله ولحسابه، وله سلطة عليها، ويملك أن يرفع أجرها أو يخفضه، ويمكن أن يرقيها في وظيفتها أو يطردها منها، وعليها أن ترضيه؛ لتبقى في وظيفتها، ولتترقى فيها، وليزداد أجرها، ومن ضمن تلك الترضية السكوت على اعتداءاته الجنسية أو موافقته عليها.
وتقول الأستاذة جاكلين بولس من جامعة جورجيا: ليس الدافع إلى هذه المضايقات هو الرغبة الجنسية الجامحة لدى الرجل، فإنه يستطيع بكل سهولة ويسر قضاءها كيفما أراد، ولكنها الرغبة العارمة في إظهار القوة. نعم، إن هذه المضايقات الجنسية تشبه إلى حد كبير حالات الاغتصاب التي انتشرت في الولايات المتحدة انتشارًا ذريعًا، والتي ليس دافعها الرغبة الجنسية؛ إذ الجنس متوفر لمن أراد وبدون أي كلفة، ولكن دافعها الحقيقي هو حب السيطرة وإظهار القوة.
وتقول كيرين سويفيجن رئيسة معهد النساء العاملات في نيويورك: إن المضايقات الجنسية لا تقتصر على الاعتداء الجسدي بل إن الكلام البذيء والنكت الفاضحة تشكل نوعًا من الاعتداء على المرأة الحساسة، وليس كل النساء يستطعن تحمل هذا الكلام البذيء والنكت الفاضحة، فكم من واحدة أصيبت بالأمراض الجسدية مثل الصداع والقيء وعدم النوم وفقدان الشهية؛ نتيجة لهذا الوضع السيئ التي تضطر فيه المرأة العاملة إلى سماع هذه الاعتداءات الجنسية الكلامية؟ !
وكم من واحدة اضطرت إلى أخذ الحبوب المهدئة، لتستطيع الذهاب إلى العمل كل صباح وسماع تلك الأسطوانة الممجوجة من الغزل البذيء؟ ! .
ولقد اضطرت بعض النساء الحساسات إلى ترك أعمالهن بسبب هذا الاعتداء الكلامي، وقالت أحد السكرتيرات اللائي اضطررن للاستقالة من وظيفتها في أتلانتا بالولايات المتحدة؛ نتيجة لهذه البذاءة الكلامية: إنهم يعرونك من كرامتك.
стр. 6262
وتعلق المجلة أخيرًا: إن القانون لا يستطيع أن يقوم بأي عمل إزاء هذا العدوان الكلامي، بل لا يوجد قانون فيدرالي حتى الآن يمنع المضايقات الجنسية البدنية فضلًا عن الكلامية، وولاية ويسكنسون هي الوحيدة حتى الآن التي تعتبر المضايقات الجنسية نوعًا من التفرقة بين الجنسين، وتستمر المجلة في تعليقها قائلة:
وحتى لو صدر قانون بمنع المضايقات الجنسية في العمل فإنه من الصعب إثباته قانونيًا، ولا بدَّ من البراهين والأدلة، وحتى البراهين المكتوبة قد لا تعتبر دليلًا على المضايقات الجنسية، فقد حدث أن السكرتيرة كاتي بيتر في مدرسة نيوجرسي احتملت كثيرًا مضايقات رئيسها الجنسية؛ لأنها لا تستطيع أن تقدم دليلًا ماديًا على شكواها، وفي ذات مرة ترك رئيسها ورقة بخطِّ يده كاتبًا عليها صفات السكرتيرة الجيدة:
"يجب أن يكون مظهرها جميلًا وجسمها رشيقًا ومستعدة للذهاب إلى الفراش مع رئيسها ورضاؤها أكيد" وعندما اشتكت إلى إدارة التعليم رئيسها المحترم مدير المدرسة أهملت شكواها، وأخيرًا قدمت شكواها إلى المحكمة فكسبت القضية، وحكمت لها المحكمة بتعويض قدره ١٤٠٠٠ دولار وتوبيخ المدير (نعم، توبيخ المدير فقط! ).
وأخيرًا أصدر المجلس الفيدرالي قرارًا يمنع الترقية في العمل على أساس الخدمات الجنسية التي تقدمها الموظفات لرؤسائهم وينبغي أن تكون الترقية على أساس العمل وحده ولا يدخل في العمل أي خدمات جنسية سواء كانت في محل العمل أم في خارجه! !
الوجه الرابع عشر: خروج المرأة إلى العمل أدى إلى ضعف مستوى التعليم لدى الأطفال .
يقول الأستاذ/ محمد عثمان عقال:
مجلة "بلين تروث" (the blain truth) مجلة تبشيرية تنصيرية، تصدر بسبع لغات ويوزع منها ٢٠ مليون نسخة شهريًا مجانًا، وقد ورد في عدد أكتوبر ١٩٨٧ منها مقال حول انحطاط المستوى التعليمي في الغرب تحت عنوان: "أعيدوا دور الوالدين في التعليم". وقد وجدنا من المفيد ترجمة هذا المقال؛ لما فيه من حقائق تحتاج إلى معرفة.
المدارس العليا تخرج جهلة وأشباه متعلمين!
стр. 6263
شباب لا يستطيعون قراءة صحيفة أو كتابة رسالة مفهومة إلا بصعوبة بالغة! ماذا يحدث في مدارس اليوم؟ !
مثال واحد يوضح المشكلة. .
طلبة الولايات المتحدة وضعوا صحراء سيناء في فيتنام!
بعضهم الآخر قال: إن رئيس وزراء كندا السابق "بيير ترودو" كان لاعب هوكي من مدينة مونتريال!
فهل هناك أية غرابة إذا كان أولياء الأمور والمربون قلقين من نوعية ومستوى التعليم لدى الشباب؟
وقد كشفت إحصائيات أخرى أجريت في أمريكا في صفوف طلبة في سن السابعة عشرة، قام بها "المعهد القومي لتقويم التقدم التعليمي" عن حقائق مرة:
ثلثان منهم لم يستطيعوا تحديد تاريخ الحرب الأهلية في أمريكا في الفترة ما بين ١٨٥٠ - ١٩٠٠ م.
وثلث آخر كانوا يجهلون أن كولومبس أبحر للعالم الجديد قبل ١٧٥٠ م، ثم إن إحصائية أخرى أكثر حداثة وجدت أن ٢٠% من طلبة أمريكا لا يستطيعون تحديد موضع أمريكا من خريطة العالم!
وكما قال مدير المعهد القومي للدراسات الجغرافية في الولايات المتحدة وفي أسلوب مفعم بالمرارة: نحن الآن قد وصلنا إلى حد أن "جوني" ليس عاجزًا عن القراءة فحسب بل إنه لا يعرف حتى موضع قدميه!
والأغرب من هذا أن كثيرًا من طلبة المعاهد في أمريكا - ممن هم في سن التاسعة عشر يجهلون من هي الأطراف المتصارعة في الحرب العالمية الثانية.
وهذا الجهل ليس محصورًا في الولايات المتحدة فقط؛ ففي دراية ١٥ - ١٩ عامًا لا يستطيعون فهم تعليمات إنذار الحريق البسيطة، وأن ٤٤% منهم غير قادرين على حل رموز
стр. 6264
جداول الحافلات ووسائل الانتقال، هذا وعلى الرغم من إدخال بعض التحسينات الطفيفة على نظام التعليم؛ فإن المشاكل الأساسية لا تزال قائمة (١).
الوجه الخامس عشر: طبيعة الرجل لا تؤيد خروج المرأة للعمل .
الرجال الذين يزعمون أنهم يؤيدون عمل المرأة مع الرجال كم تبلغ نسبتهم من مجموع الرجال؟ ، ثم هل هم جادون صادقون في تأييدهم هذا؟
في كتاب صدر في الولايات المتحدة الأمريكية اسمه "كيف يشعر الرجل إزاء مطالبة المرأة بالمساواة والسلطة" وهو من تأليف أنتوني استراكان في هذا الكتاب دراسة تشير إلى أن ٨٨% من الرجال الأمريكان يقولون: إنهم لا يمانعون أن تعمل زوجاتهم أو أخواتهم وأمهاتهم ولكن بعد استجواب هؤلاء الرجال بدقة تبين أن الذين يؤيدون فعلًا عمل المرأة على قدم المساواة مع الرجل لا يتجاوزون ٥: ١٠% (٢).
الوجه السادس عشر: خروج المرأة للعمل يؤدي إلى انتشار الإباحية ويهدد الحياة الزوجية .
هذا ما أيده مقال نشر في مجلة ستيرن حيث جاء فيه ما يلي (٣):
في ألمانيا ما يقرب من أربعة ملايين امرأة عاملة غير متزوجة، لهن في محل عملهن علاقة مباشرة بأرباب العمل وبالزملاء، وفي أكثر الحالات يضطررن لأن يكن لطيفات جدًّا مع رجال يكرهنهم ولا يطقن التحدث إليهم، في الوقت الذي لا يستطعن أن يخبرن الرجل الذي يحببنه أنهن يحببنه.
جميع الأنوار مطفأة في البناء الضخم في مدينة ميونيخ. . وقت العمل انتهى. . ولكننا نرى في أحدى النوافذ في طابق من الطوابق العليا ضوءًا منبعثًا منها فنظن أن ذلك العمل إضافي، ولكن رؤساء العمل هم الذين يعلمون حقيقة هذا الأمر.
أن أحد مفتشي الأعمال في مدينة ميونيخ يقول بهذا الصدد: في هذه الساعات الإضافية لا تدفع "الفابريكة" أجرة عمل منتج وإنما أجرة مغامرة غرامية فحسب؛ لأن ساعات
стр. 6265
العمل الإضافية هي أحسن فرصة يستطيع فيها الرئيس أو المسئول عن العمال والعاملات أن يكون معهن تقاربًا في نطاق ضيق. . هنالك يعترف الرؤساء لسكرتيراتهم الجميلات بالوضع الذي تمر به حياتهم الزوجية والجحيم الذي يعيشون فيه مع زوجاتهم، ويحاول الرؤساء العزاب أن يتخلصوا من ملل ليلة بمغامرة غرامية من هذا النوع.
وفي استفتاء أجري مع كثير من العاملات كان الجواب كما يلي:
لا يفكر الرجال في هذا الصدد إلا بمغامرة عاطفية عابرة، ولا يفكرون في الحب الحقيقي، والقضية لا تتعدى سوى مساء وليلة واحدة، وقد تمتد إلى عدة ليال، ولا تتوقع الفتاة أكثر من هذا، وحتى تصل المرأة إلى هذه الحقيقة لابد لها أن تمر بكثير من الخيبة ومرارة غدر الرجال، ومع كل هذا فإن ٧.٣ مليون من هؤلاء العاملات غير المتزوجات يعتقدن حتى الآن بأن مكان العمل هو خير وسيلة للزواج.
وقد وجه لكثير منهن سؤال هو: لماذا تعملين؟ فكان جواب الأكثرية: لأني يجب أن أكسب لأعيش، ولأني آمل، إلى جانب هذا، بأن أحصل على الرجل الذي يتزوجني.
وقد وجه لهن سؤال آخر: لماذا تريدين التعرف على الرجل خاصة في مكان العمل؟
فكان جواب العدد الأكبر منهن:
١ - لأني أستطيع أن أعرفه على حقيقته أثناء العمل اليومي، ولأني أعرف حقيقة دخله تمامًا وما هي الفرص التي تتاح له لزيادة دخله ومناصبه.
٢ - ولا يمكن أيضًا لأحد الطرفين أن يقول للآخر أننا تزوجنا قبل أن يعرف بعضنا الآخر معرفة جيدة.
الوجه السابع عشر: كلٌ ميَسَّر لما خلق له .
لقد أثبتت العلوم الطبية والاجتماعية أن الحضانات أو الخادمات والمربيات لا تكون بديلًا عن الأم، وقد سبق بيان ذلك، لكن ربما يقول قائل: لماذا لا يكون الأب هو الذي يتولى شئون البيت وتربية الأولاد والزوجة هي التي تتولى العمل خارج البيت لاسيما إذا كان دخلها المادي أعلى من دخل زوجها؟
стр. 6266
نقول لهذا القائل: إن طبيعة الرجل لا تصلح لهذا العمل.
ولعل هذه القصة التي جاءت في مجلة الوطن تظهر لنا ذلك بوضوح حيث جاء فيها ما يلي:
"كانت تختلف عن النساء اللواتي ينادين بتحرير المرأة، فقد كانت تؤمن بما تقول، وتقرن القول بالعمل!
أقنعت زوجها بأن مكانه في البيت، وأنها هي رب الأسرة وعليها إعالتها والإنفاق عليها. واقتنع الزوج المسكين، وقدم استقالته من التدريس ووضع حول عنقه سترة العمل المنزلية، انصرف للكنس والغسيل، والطبخ، وتربية أطفالهما الأربعة.
وذات يوم ضاق الرجل ذرعًا، فقد رفضت الطفلة "ماريش" أن تتناول زجاجة الحليب، ولم تنفع معها كل خبرته وتجاربه في تربية الأطفال.
لاعبها، وهمهم في أذنها بكل ما وعته ذاكرته من أهازيج. ثم هددها بأنه سيشكوها لـ "ماما" ولكن عبثًا.
وثار "بايرون إيفانز" فصفع ماريش، فبكت وأهاجه بكاؤها، فدق رأسها في الطاولة، ثم أمسكها وقذف بها أرضًا بكل ما يملك من قوة.
وسكتت "ماريش" سكتت إلى الأبد وهدأت ثورة بايرون، فنزع السترة المنزلية وتناول الهاتف وأبلغ زوجته بما فعل، وقال لها: أنه تحول من أب مثالي في لحظة غضب إلى أب قاتل.
وعادت "دوت" إلى منزلها، وذهب "بايرون" إلى السجن، ولم تنفع دموع الزوجة في إقناع قاضي مقاطعة "بيتربورو" البريطانية بتعديل القانون.
قالت له: إنها تعتبر نفسها شريكة في الجرم، وتوسَّلت إليه أن يعيده إليها؛ رأفة بأطفالها.
وحكم عليه القاضي بالسجن المؤبد وهو أقصى عقوبة في القانون لأب قاتل.
لقد خسرت حركة تحرير النساء امرأة واحدة، ولكن الأمهات كسبن أمًّا واحدة اقتنعت بأن مكانها هو إلى جانب أطفالها، فذلك هو واجبها، ونضالها الحقيقي، وحريتها الأساسية.
стр. 6267
يقول البروفسور الألماني المعروف في جامعة برلين رودولف باوماشن "إن المرأة قادرة على تحمل الإرهاق والصدمات النفسية أكثر من الرجل" وأضاف استنادًا إلى نتائج سلسلة من التجارب الطبية والعلمية أن جسم المرأة يتفاعل بسرعة عنيفة وسريعة مع حالات الإرهاق النفسي ويفرز كميات كبيرة من هرمونات الإرهاق كمادة الأدرينالين والنورادنالين وأسيدات دهنية متحركة.
إلا أن هذه الهرمونات تتقلص بسرعة كبيرة لدى المرأة بعد الإرهاق أو الانفعال النفسي.
واستخلص البروفسور من هذه التجارب أن المرأة تنفعل بصورة أسرع من الرجل إلا أنها تهدأ بنفس السرعة.
وخلافًا لذلك فإن جسم الرجل يفرز هذه الهرمونات الناجمة عن الإرهاق بشكل بطيء مما يجعلها تستقر لفترة أطول في الدورة الدموية.
من هنا فإن الإرهاق يفعل مفعوله أكثر على الرجال بالمقارنة مع النساء كما أكد البرفسور البرليني أن أسيدات الإرهاق التي يفرزها جسم الرجل تتألف من مواد مؤثرة سلبيًا على الدورة الدموية مما يزيد من خطر الجلطة الدموية في القلب لدى الرجال نتيجة للإرهاق الجسدي والنفسي.
هل رأيت حواء هذه القوة التي حباك اللَّه إياها؟
ولكن لماذا خلق اللَّه سبحانه المرأة أقدر من الرجل على تحمل الإرهاق والصدمات النفسية؟ ، وإذا أردنا أن نجيب والإجابة لأن اللَّه سبحانه خلق المرأة لمهام، وخلق الرجل لمهام أخرى، والمهام التي خلق اللَّه تعالى المرأة لها تتطلب منها هذه القدرة الأكبر على تحمل الإرهاق والصدمات النفسية.
التعامل مع الطفل، والصبر على العناية المستمرة به، وتلبيه طلباته المتكررة والمختلفة، أمور تحتاج إلى مثل هذه القدرة المتوفرة لدى المرأة أكثر من الرجل.
стр. 6268
معايشة الأطفال طويلًا -ويعلم هذا جيدًا معلمو المرحلتين الابتدائية والمتوسطة- سبب في إثارات متعددة للانفعالات النفسية، الانفعالات التي تهدأ سريعًا لدى المرأة بينما يستمر أثرها طويلًا على الرجل.
ومن هنا نجد أن المرأة أصبر في تربية الأطفال من الرجل.
ولعل في القصة التي ذكرناها آنفًا خير دليل.
فالزوج لم يكن يملك هذه القدرة على احتمال بكاء طفلته بينما كانت الزوجة -الأم- تمتلكها.
فلا شك أن الطفلة بكت مرارًا، ولكن أمها لم تكن ليصل ضيقها بها إلى حد أن تدق رأسها بالطاولة ثم تلقى بها على الأرض.
وتأملوا صورة أبسط في المقارنة.
هل وجدتم أمًّا تضيق ليلًا بطفلها أو طفلتها، فتغادر الغرفة إلى غرفة أخرى؛ لتواصل نومها تاركة طفلها يبكى؟ !
إننا نجد كثيرًا من الآباء يضيقون ببكاء أطفالهم ليلًا، فيغادرون إلى غرف أخرى، ليوصلوا نومهم فيها (١).
الوجه الثامن عشر: مهما فعلت فهي أم .
مهما شاركت المرأة في العمل السياسي، وتقلدت في مناصب الحكم، فإنها لا تستطيع أن تتجرد من عواطفها، ولا يمكنها أن تتخلى عن أنوثتها، ولهذا فإننا كثيرًا ما نجدها إلى هذه الأنوثة وهي في أوج مجدها السياسي وتتغلب عليها عاطفتها وهي مسئولة سياسية تقتضي منها هذه المسئولية أن تكون عقلانية لا تخضع لعاطفتها.
هذه رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر يُفقد ابنها في صحراء شمال إفريقيا بينما كان في جولة هناك، فتظهر على شاشات التلفزيون وهي تبكى، وتظل في حالة انهيار تام، تعتذر بسببها عن ممارسة عملها كرئيسة للوزراء حتى عثروا على ابنها المفقود.
стр. 6269
وأنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند الراحلة، كانت عند ذكر ابنها سانجاي الذي قتل في حادث طائرة تعود امرأة ضعيفة وأمًّا مثل سائر الأمهات الثكالى، فألم الفراق مازال ينزف في فؤادها، فقد كان سانجاي نقطة الضعف الكبرى في حياتها عملت في سبيله المستحيل وكادت تفقد مكانتها السياسية عندما خذلها الناخبون في الانتخابات.
وغاندي أيضًا مثل سائر النساء تهتم بمظهرها وتحرص على شكلها تقول: عندما تعلو إبرة الميزان عن سبعة وخمسين كيلو غرامًا أمتنع مدة أربع وعشرين ساعة.
وهي كما تصفها إحدى الصحف شأنها شأن كل امرأة في العالم، تكن إلى حياة الأسرة وتتلهف إلى الاجتماعات الأسرية، وتترقب بشوق السهرات برفقة ابنها راجاي وزوجته سونيا وولديهما.
وإذا كانت شهادة تاتشر وشهادة غاندي لم تأتيا على لسانيهما صراحة وإنما نطقت بهما حالهما فإن غيرهما من النساء الشهيرات يعلن شهادتهن في صراحة واضحة لا تحتاج إلى تعليق أو بيان.
أجاثا كريستي الكاتبة الإنجليزية الشهيرة وصاحبة أشهر القصص والمسرحيات البوليسية تقول في كتاب صدر عن حياتها في عام ١٩٧٨ م "العام الذي توفيت فيه".
"إن المرأة الحديثة مغفلة؛ لأن مكانة المرأة في المجتمع تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، نحن النساء نتصرف تصرفًا أحمقًا؛ لأننا بذلنا الجهد الكبير خلال السنوات الماضيات للحصول على حق العمل والمساواة في العمل مع الرجل.
والرجال هم غير أغبياء شجعونا على ذلك معلنين أنه لا مانع مطلقًا من أن تعمل الزوجة وتضاعف دخل الزوج.
إنه من المحزن أننا أصبحنا اليوم -بعد أن أثبتنا نحن النساء أننا الجنس اللطيف الضعيف- نتساوى في الجهد والعرق الذي كان من نصيب الرجل وحده.
لقد كانت المرأة في الماضي تعمل في الحقل، وفي المنزل من أجل إرضاء الرجل ونجحت المرأة بعد ذلك في إقناع الرجل أن مكانها في المنزل، وأن ضعفها الجسماني لا
стр. 6270
يسمح لها بالجهد والنضال، كما أقنعت الرجل أنها في حاجة دائمة لعطفه وحنانه، طالبة منه تدليلها وإرضاءها دائمًا.
وفي عهد الملكة فكتوريا، كانت المرأة في أسعد حالاتها، وما يقال عكس ذلك كانت المرأة في هذا العهد تحترم الرجل ورجولته ومسئوليته تجاه منزله العائلي، واضطرت المرأة إلى الاعتراف بتفوق الرجل حتى لا تهينه أو تجرح كرامته.
كانت الحياة سعيدة عندما كان الرجل سيد البيت والمسئول الأول عن رفاهية الأسرة، أما اليوم فالمرأة تطالب بحريتها، وحصلت على حريتها وأصبحت مضطرة إلى العمل المضني ولتنافس الرجل في جميع الميادين وبذلك فقدت سعادتها المنزلية، وفقدت أنوثتها التي كانت تسحر الرجل في الماضي".
شهادة واضحة، من امرأة أديبة، مثقفة، عرفها كثيرون من خلال روايتها البوليسية تصف المرأة الحديثة بأنها مغفلة، فقدت أنوثتها وسعادتها المنزلية.
ماذا يعني هذا؟ ألا يعني من جهة مقابلة أن المرأة التي لزمت بيتها واحتفظت بأنوثتها وألقت بعبء العمل خارج المنزل على زوجها، امرأة عاقلة (١).
الوجه التاسع عشر: وكما قال الإسلام قالت التوراة والإنجيل .
إن الديانة اليهودية والنصرانية ترى أن أهم عمل للمرأة هو رعاية البيت:
جاء في التوراة عن طبيعة عمل آدم وحواء في الدنيا كعقاب عن المعصية: وقال لآدم: لأنك أذعنت لقول امرأتك وأكلت من الشجرة التي نهيتك عنها، فالأرض ملعونة بسببك بالمشقة تقتات منها طوال عمرك. . . يعرق جبينك وتكسب عيشك حتى تعود إلى الأرض، ومن تراب أخذت وإلى تراب تعود (التكوين ٣: ١٧ - ١٩).
إذن كُتب على آدم الشقاء والكد والتعب والعمل حتى الموت، أما عن المرأة ثم قال للمرأة: أكثر تكثيرًا أوجاع مخاضك فتنجبين بالآلام أولادًا، وإلى زوجك يكون اشتياقك