← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

نقول لهذا القائل: إن طبيعة الرجل لا تصلح لهذا العمل. ولعل هذه القصة التي جاءت في مجلة الوطن تظهر لنا ذلك بوضوح حيث جاء فيها ما يلي: "كانت تختلف عن النساء اللواتي ينادين بتحرير المرأة، فقد كانت تؤمن بما تقول، وتقرن القول بالعمل! أقنعت زوجها بأن مكانه في البيت، وأنها هي رب الأسرة وعليها إعالتها والإنفاق عليها. واقتنع الزوج المسكين، وقدم استقالته من التدريس ووضع حول عنقه سترة العمل المنزلية، انصرف للكنس والغسيل، والطبخ، وتربية أطفالهما الأربعة. وذات يوم ضاق الرجل ذرعًا، فقد رفضت الطفلة "ماريش" أن تتناول زجاجة الحليب، ولم تنفع معها كل خبرته وتجاربه في تربية الأطفال. لاعبها، وهمهم في أذنها بكل ما وعته ذاكرته من أهازيج. ثم هددها بأنه سيشكوها لـ "ماما" ولكن عبثًا. وثار "بايرون إيفانز" فصفع ماريش، فبكت وأهاجه بكاؤها، فدق رأسها في الطاولة، ثم أمسكها وقذف بها أرضًا بكل ما يملك من قوة. وسكتت "ماريش" سكتت إلى الأبد وهدأت ثورة بايرون، فنزع السترة المنزلية وتناول الهاتف وأبلغ زوجته بما فعل، وقال لها: أنه تحول من أب مثالي في لحظة غضب إلى أب قاتل. وعادت "دوت" إلى منزلها، وذهب "بايرون" إلى السجن، ولم تنفع دموع الزوجة في إقناع قاضي مقاطعة "بيتربورو" البريطانية بتعديل القانون. قالت له: إنها تعتبر نفسها شريكة في الجرم، وتوسَّلت إليه أن يعيده إليها؛ رأفة بأطفالها. وحكم عليه القاضي بالسجن المؤبد وهو أقصى عقوبة في القانون لأب قاتل. لقد خسرت حركة تحرير النساء امرأة واحدة، ولكن الأمهات كسبن أمًّا واحدة اقتنعت بأن مكانها هو إلى جانب أطفالها، فذلك هو واجبها، ونضالها الحقيقي، وحريتها الأساسية.

стр. 6267

يقول البروفسور الألماني المعروف في جامعة برلين رودولف باوماشن "إن المرأة قادرة على تحمل الإرهاق والصدمات النفسية أكثر من الرجل" وأضاف استنادًا إلى نتائج سلسلة من التجارب الطبية والعلمية أن جسم المرأة يتفاعل بسرعة عنيفة وسريعة مع حالات الإرهاق النفسي ويفرز كميات كبيرة من هرمونات الإرهاق كمادة الأدرينالين والنورادنالين وأسيدات دهنية متحركة. إلا أن هذه الهرمونات تتقلص بسرعة كبيرة لدى المرأة بعد الإرهاق أو الانفعال النفسي. واستخلص البروفسور من هذه التجارب أن المرأة تنفعل بصورة أسرع من الرجل إلا أنها تهدأ بنفس السرعة. وخلافًا لذلك فإن جسم الرجل يفرز هذه الهرمونات الناجمة عن الإرهاق بشكل بطيء مما يجعلها تستقر لفترة أطول في الدورة الدموية. من هنا فإن الإرهاق يفعل مفعوله أكثر على الرجال بالمقارنة مع النساء كما أكد البرفسور البرليني أن أسيدات الإرهاق التي يفرزها جسم الرجل تتألف من مواد مؤثرة سلبيًا على الدورة الدموية مما يزيد من خطر الجلطة الدموية في القلب لدى الرجال نتيجة للإرهاق الجسدي والنفسي. هل رأيت حواء هذه القوة التي حباك اللَّه إياها؟ ولكن لماذا خلق اللَّه سبحانه المرأة أقدر من الرجل على تحمل الإرهاق والصدمات النفسية؟ ، وإذا أردنا أن نجيب والإجابة لأن اللَّه سبحانه خلق المرأة لمهام، وخلق الرجل لمهام أخرى، والمهام التي خلق اللَّه تعالى المرأة لها تتطلب منها هذه القدرة الأكبر على تحمل الإرهاق والصدمات النفسية. التعامل مع الطفل، والصبر على العناية المستمرة به، وتلبيه طلباته المتكررة والمختلفة، أمور تحتاج إلى مثل هذه القدرة المتوفرة لدى المرأة أكثر من الرجل.

стр. 6268

معايشة الأطفال طويلًا -ويعلم هذا جيدًا معلمو المرحلتين الابتدائية والمتوسطة- سبب في إثارات متعددة للانفعالات النفسية، الانفعالات التي تهدأ سريعًا لدى المرأة بينما يستمر أثرها طويلًا على الرجل. ومن هنا نجد أن المرأة أصبر في تربية الأطفال من الرجل. ولعل في القصة التي ذكرناها آنفًا خير دليل. فالزوج لم يكن يملك هذه القدرة على احتمال بكاء طفلته بينما كانت الزوجة -الأم- تمتلكها. فلا شك أن الطفلة بكت مرارًا، ولكن أمها لم تكن ليصل ضيقها بها إلى حد أن تدق رأسها بالطاولة ثم تلقى بها على الأرض. وتأملوا صورة أبسط في المقارنة. هل وجدتم أمًّا تضيق ليلًا بطفلها أو طفلتها، فتغادر الغرفة إلى غرفة أخرى؛ لتواصل نومها تاركة طفلها يبكى؟ ! إننا نجد كثيرًا من الآباء يضيقون ببكاء أطفالهم ليلًا، فيغادرون إلى غرف أخرى، ليوصلوا نومهم فيها (١). الوجه الثامن عشر: مهما فعلت فهي أم . مهما شاركت المرأة في العمل السياسي، وتقلدت في مناصب الحكم، فإنها لا تستطيع أن تتجرد من عواطفها، ولا يمكنها أن تتخلى عن أنوثتها، ولهذا فإننا كثيرًا ما نجدها إلى هذه الأنوثة وهي في أوج مجدها السياسي وتتغلب عليها عاطفتها وهي مسئولة سياسية تقتضي منها هذه المسئولية أن تكون عقلانية لا تخضع لعاطفتها. هذه رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر يُفقد ابنها في صحراء شمال إفريقيا بينما كان في جولة هناك، فتظهر على شاشات التلفزيون وهي تبكى، وتظل في حالة انهيار تام، تعتذر بسببها عن ممارسة عملها كرئيسة للوزراء حتى عثروا على ابنها المفقود.

стр. 6269

وأنديرا غاندي رئيسة وزراء الهند الراحلة، كانت عند ذكر ابنها سانجاي الذي قتل في حادث طائرة تعود امرأة ضعيفة وأمًّا مثل سائر الأمهات الثكالى، فألم الفراق مازال ينزف في فؤادها، فقد كان سانجاي نقطة الضعف الكبرى في حياتها عملت في سبيله المستحيل وكادت تفقد مكانتها السياسية عندما خذلها الناخبون في الانتخابات. وغاندي أيضًا مثل سائر النساء تهتم بمظهرها وتحرص على شكلها تقول: عندما تعلو إبرة الميزان عن سبعة وخمسين كيلو غرامًا أمتنع مدة أربع وعشرين ساعة. وهي كما تصفها إحدى الصحف شأنها شأن كل امرأة في العالم، تكن إلى حياة الأسرة وتتلهف إلى الاجتماعات الأسرية، وتترقب بشوق السهرات برفقة ابنها راجاي وزوجته سونيا وولديهما. وإذا كانت شهادة تاتشر وشهادة غاندي لم تأتيا على لسانيهما صراحة وإنما نطقت بهما حالهما فإن غيرهما من النساء الشهيرات يعلن شهادتهن في صراحة واضحة لا تحتاج إلى تعليق أو بيان. أجاثا كريستي الكاتبة الإنجليزية الشهيرة وصاحبة أشهر القصص والمسرحيات البوليسية تقول في كتاب صدر عن حياتها في عام ١٩٧٨ م "العام الذي توفيت فيه". "إن المرأة الحديثة مغفلة؛ لأن مكانة المرأة في المجتمع تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، نحن النساء نتصرف تصرفًا أحمقًا؛ لأننا بذلنا الجهد الكبير خلال السنوات الماضيات للحصول على حق العمل والمساواة في العمل مع الرجل. والرجال هم غير أغبياء شجعونا على ذلك معلنين أنه لا مانع مطلقًا من أن تعمل الزوجة وتضاعف دخل الزوج. إنه من المحزن أننا أصبحنا اليوم -بعد أن أثبتنا نحن النساء أننا الجنس اللطيف الضعيف- نتساوى في الجهد والعرق الذي كان من نصيب الرجل وحده. لقد كانت المرأة في الماضي تعمل في الحقل، وفي المنزل من أجل إرضاء الرجل ونجحت المرأة بعد ذلك في إقناع الرجل أن مكانها في المنزل، وأن ضعفها الجسماني لا

стр. 6270

يسمح لها بالجهد والنضال، كما أقنعت الرجل أنها في حاجة دائمة لعطفه وحنانه، طالبة منه تدليلها وإرضاءها دائمًا. وفي عهد الملكة فكتوريا، كانت المرأة في أسعد حالاتها، وما يقال عكس ذلك كانت المرأة في هذا العهد تحترم الرجل ورجولته ومسئوليته تجاه منزله العائلي، واضطرت المرأة إلى الاعتراف بتفوق الرجل حتى لا تهينه أو تجرح كرامته. كانت الحياة سعيدة عندما كان الرجل سيد البيت والمسئول الأول عن رفاهية الأسرة، أما اليوم فالمرأة تطالب بحريتها، وحصلت على حريتها وأصبحت مضطرة إلى العمل المضني ولتنافس الرجل في جميع الميادين وبذلك فقدت سعادتها المنزلية، وفقدت أنوثتها التي كانت تسحر الرجل في الماضي". شهادة واضحة، من امرأة أديبة، مثقفة، عرفها كثيرون من خلال روايتها البوليسية تصف المرأة الحديثة بأنها مغفلة، فقدت أنوثتها وسعادتها المنزلية. ماذا يعني هذا؟ ألا يعني من جهة مقابلة أن المرأة التي لزمت بيتها واحتفظت بأنوثتها وألقت بعبء العمل خارج المنزل على زوجها، امرأة عاقلة (١). الوجه التاسع عشر: وكما قال الإسلام قالت التوراة والإنجيل . إن الديانة اليهودية والنصرانية ترى أن أهم عمل للمرأة هو رعاية البيت: جاء في التوراة عن طبيعة عمل آدم وحواء في الدنيا كعقاب عن المعصية: وقال لآدم: لأنك أذعنت لقول امرأتك وأكلت من الشجرة التي نهيتك عنها، فالأرض ملعونة بسببك بالمشقة تقتات منها طوال عمرك. . . يعرق جبينك وتكسب عيشك حتى تعود إلى الأرض، ومن تراب أخذت وإلى تراب تعود (التكوين ٣: ١٧ - ١٩). إذن كُتب على آدم الشقاء والكد والتعب والعمل حتى الموت، أما عن المرأة ثم قال للمرأة: أكثر تكثيرًا أوجاع مخاضك فتنجبين بالآلام أولادًا، وإلى زوجك يكون اشتياقك

стр. 6271

وهو يتسلط عليك" (التكوين ٣: ١٦). إذن مهمة المرأة الأساسية هي الزوجة أم الأولاد وسكن آدم، ويؤكد بولس هذه النظرية فيقول ناصحا كبار السنن من النساء بتدريب الشابات على حسن التبعل لأزواجهن وتربية أولادهن. كذلك أن تكون العجائز ذوات سيرة موافقة للقداس، وغير نمامات ولا مدمنات للخمر، بل معلمات لما هو صالح لكي يدربن الشابات على أن يكن محبات لأزواجهن ولأولادهن متعقلات عفيفات مهتمات بشئون بيوتهن صالحات خاضعات لأزواجهن. . . " (تيطس ٢: ٣ - ٥). وعن طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة تقول الموسوعة اليهودية: "في علم الأجناس البشرية في التوراة، كان السبب الأول في وجود الجنسين هو الحاجة للتكاثر، فالكائن البشري ولد من امرأة، وكانت العلاقة الزوجية أكثر ودًا وحميمة من تلك العلاقة بين الوالد والمولود، وكانت الوظيفة الرئيسية للمرأة هي حمل الأطفال، وكانت الزوجة الجيدة والأم الجيدة تتمتع بالمديح من زوجها وأولادها، وكان عدم إنجاب الأطفال سببًا في التوبيخ والمعاناة الشخصية". ومن آراء كبار علماء المسيحية في ذلك يوحنا ذهبي الفم الذي يقول: ". . . إن للزوجة هدفا واحدًا فقط، أن تحرس الممتلكات التي جمعناها وأن تراقب الدخل، وأن تهتم بأهل المنزل، ولهذا السبب أعطاها لك اللَّه وبالإضافة لأمور أخرى معينة لك، إن حياتنا تدور في حيزين: شئون عامة، وأمور خاصة، وكلاهما مرتب من قبل اللَّه، فالمرأة متروك لها الإشراف على شئون المنزل، وأما الرجل فعليه الإشراف على كل شئون الدولة والتجارة، وتحقيق العدالة والحكم والشئون العسكرية وكل المهام الأخرى، فالمرأة لا تستطيع أن ترشق حربة، ولا أن تطلق سهمًا، ولكنها تستطيع أن تمسك بفلكة المغزل، وتنسج على النول، وتقوم بكل الأعباء المنزلية بصورة صحيحة، وهي لا تستطيع أن تعبر عن رأيها في مجتمع تشريعي، ولكن يمكن أن تعبر عن رأيها في البيت، وفي الأغلب فهي أكثر إلماما

стр. 6272

بشئون المنزل من زوجها، وهي لا تستطيع أن تدبر شئون الدولة جيدًا، ولكنها تستطيع أن تربي الأطفال تربية صحيحة، والأطفال هم ثروتنا الرئيسية. وهذه الأمور لا يمكن أن يؤديها بنجاح الزوج، ولو تولاها هو بنفسه حتى وإن بذل جهودًا مكثفة في ذلك". إذن الديانة والنصرانية ترى أن مهمة المرأة الأولى وعملها الأساسي التي خلقت من أجله هو زوجة مستقرة بمنزل زوجها وما يتبع ذلك من مهام ومسئوليات وأعباء جسام، لا يستطيعها رجل، إلا أن اليهودية والمسيحية ترى أن هذا عقاب من اللَّه لها؛ لأنها أول من عصى أمر اللَّه وأكل الشجرة المحرمة ثم أغوت زوجها، فهي بداية كل خطأ ومنتهى كل خطيئة، وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: "تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلَادًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ". (التكوين ٣: ١٦). أما الإسلام فلم يوصم المرأة بذنب ارتكاب المعصية الأولى، ولكنه اعتبرها شريكة للرجل فيها: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ (البقرة: ٣٦)، ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ (الأعراف: ٢٣). إن التزام المرأة بالسكن في البيت وإدارته ليس نتيجة لعقابها من اللَّه أو امتهانها والحط من قيمتها، ولكنه في مفهوم الإسلام إعزاز وتكريم يتناسب مع طبيعتها والهدف من خلقها (١). وهذا التعريف في حقيقة الأمر أول من يتلظى به ويتضرر هو النساء، وذلك لما فيه من الإغفال الكبير لأنواع المعاناة التي يقاسينها والوظائف الكبرى التي يقدمنها بالنظر إلى طبائعهن الفسيولوجية والبيولوجية والسيكولوجية، والمهام الاجتماعية الجبلية التي يتولينها، ثم بعد كل هذا لا تحسب لهن هذه الأعمال، ولا يعترف لهن بالفضل في القيام بها، فأين المساواة المدعاة والمزعومة؟ ! !

стр. 6273

ولهذا فإن التعريف الصحيح للعمل ينبغي أن يرتكز على مدى ما يكون للشخص من الإنتاج الذي يعود عليه وعلى مجتمعه ومن حوله بالخير والنماء. وإذا ما أردنا الإجابة على التساؤل السابق فإن ذلك يكون بالنظر في المحصلة النهائية للإيجابيات والسلبيات الناشئة عن عمل المرأة في المنزل أو في خارجه. فإذا كانت الإيجابيات المحصلة جراء عمل المرأة خارج منزلها هي الغالبة فإنها تكون حينئذٍ امرأة عاملة منتجة غير عاطلة. وأما إذا كانت السلبيات هي الغالبة فإنها تكون حينئذٍ امرأة موظفة، ولكنها عاطلة، أو في حكم العاطلة، لأن العمل لابد له من نتيجة إيجابية تنتفع بها المرأة وتنتفع أسرتها ومجتمعها، وإلا كان عدمه هو الأفضل. وقل مثل ذلك في عمل المرأة في بيتها، فإن كانت منتجة من خلال إدراتها له وتصريفا لشئونه ومتابعتها لأهل البيت ورعايتهم، والعناية بهم، فذلك هو العمل والإنتاج. وأما إن كانت تمضي شطر أوقاتها بالنوم والشطر الآخر بالخروج للأسواق وغيرها مما لا تستدعيه الحاجة لتضيع بذلك مسئولياتها وتكلها للخادمات والمربيات، فتلك العطالة والبطالة. ويقول د. مصطفى السباعي: حين كنت في لندن عام ١٩٥٦ سألني أحد الأساتذة الإنجليز: ما هو موقف الإسلام من الحضارة الغربية؟ فأجبته: نأخذ أحسن ما فيها، ونترك أسوأ ما فيها. قال: إن هذا غير ممكن، فالحضارة لا تتجزأ، وسأضرب لك مثلًا: إننا في أوربا منذ بدأ عندنا عصر التصنيع بدأ تفكك الأسرة؛ لأن المرأة صارت تشتغل في المعامل، وهذا أمر لابد منه، ومن هنا تفككت الأسرة؟ فأجبته بأن تفكك الأسرة عندكم ليس راجعًا في رأيي إلى التصنيع، بل ناشئ من إخراج المرأة من بيتها، وأنتم الغربيين أخرجتموها لباعثين: الأول نفسي: وهو رغبتكم في أن تروا المرأة بجانبكم في دواوين الدولة، والثاني مادي أناني: وهو أنكم لا تريدون أن

стр. 6274

تتحملوا نفقات المرأة من بنت أو زوجة أو أم، فأجبرتموها على العمل؛ لتعيل نفسها بنفسها، فاضطرت لمغادرة البيت، ومن هنا تفككت الأسرة عندكم. قال: وأنتم ماذا تفعلون في مثل هذه المشكلة؟ قلت: إن نظام النفقات في الإسلام يجبر الأب على الإنفاق على بنته حتى تتزوج، فإذا تزوجت كانت نفقتها ونفقة أولادها على الزوج وحده، فإذا مات زوجها ولم يكن لها مال ولا ولد، فنفقتها على والدها وهكذا، إنها لا تجد نفسها في فترة من فترات حياتها في الغالب محتاجة إلى أن تدخل المعمل لتأكل وتعيش. وهنا قال صاحبي متعجبًا: نحن الغربيين لا نستطيع أن نتحمل مثل هذه التضحيات! وأذكر أننا حين كنا على ظهر الباخرة من ميناء (دوفر) بإنجلترا إلى ميناء (أوستن) في بلجيكا في تلك الرحلة العلمية، التقينا بفتاة إيطالية تدرس الحقوق في جامعة (أكسفورد) وتحدثنا عن المرأة المسلمة، وكيف تعيش وما هي حقوقها في الإسلام، وكيف وفر الإسلام لها كل مظاهر الاحترام حين أعفاها من مؤنة العمل لتعيش، بل جعلها تتفرغ لأداء رسالتها كزوجة وأم وربة بيت، وبعد أن أفضنا في هذا الحديث وقارنا بين حال المرأة في الإسلام وبين حالها في الحضارة الغربية، قالت الفتاة بكل بساطة ووضوح: إنني أغبط المرأة المسلمة وأتمنى أن لو كنت مولودة في بلادكم؟ وهنا اغتنمت هذه الفرصة فقلت لها، هل ستحاولين أن تطلبي إلى المرأة الغربية العودة إلى البيت وأن يقوم الرجل بواجبه نحوها؟ قالت: هيهات! لقد فات الأوان! إن المرأة الغربية بعد أن اعتادت حرية الخروج من البيت وغشيان المجتمعات، يصعب عليها جدًّا أن تعتاد حياة البيت بعد هذا، ولو أني أعتقد في ذلك سعادة لا توازيها سعادة. (١) * * *

стр. 6275

٨ - شبهة: شخصية المرأة المسلمة . نص الشبهة: لقد صور البعض أن المرأة في الإسلام ليست لها شخصية مستقلة، وإن شئت فقل شخصية سلبية ليس لها أي دور في مجتمعها بخلاف المرأة الأخرى لها أدوار كبيرة في وسط مجتمعها. والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: إثبات شخصيتها في الهجرة إلى اللَّه تعالى . الوجه الثاني: إثبات شخصيتها في الجهاد . الوجه الثالث: إثبات شخصيتها في الأمور السياسية. الوجه الرابع: إثبات شخصيتها في العلم وفى تعليم الرجال. الوجه الخامس: إثبات شخصيتها في بيتها. الوجه السادس: إثبات شخصيتها في أمور متفرقة. الوجه السابع: ماذا عن شخصية المرأة في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: إثبات شخصيتها في الهجرة إلى اللَّه تعالى. ١ - المرأة المسلمة شاركت الرجل في الهجرة إلى الحبشة: عن أبي موسى قال: وقد كانت أسماء بنت عميس هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر (١). ٢ - المرأة المسلمة شاركت الرجل في الهجرة إلى المدينة: عن مروان، والمسور بن مخرمة ﵄: قالا جاءت المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول اللَّه ﷺ يومئذٍ -أي خلال هدنة الحديبية- وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم، فلم يرجعها إليهم. (٢) الوجه الثاني: إثبات شخصيتها في الجهاد. شاركت المرأة المسلمة في الجهاد؛ دفاعًا عن الإسلام:

стр. 6276

١ - عن الرُّبِّيع بنت مُعوِّذ، قالت: كنا نغزو مع النبي ﷺ ، فنسقي القوم ونخدمهم، ونداوي الجرحى، ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة. ٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: . . . قال رسول اللَّه ﷺ : "ناس من أمتي عرضوا على غزاة في سبيل اللَّه يركبون ثبج هذا البحر ملوكًا على الأسرَّة. فقالت أم حرام: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه أن يجعلني منهم فدعا لها. . . . (١). إعلان المرأة الولاء لرسول للَّه ﷺ وهو إمام المسلمين: ٣ - عن عائشة ﵂ قالت: جاءت هند بنت عتبة فقالت: يا رسول اللَّه، ما كان على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إليَّ أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إليَّ أن يعزوا من أهل خبائك. قال: "وأيضًا والذي نفسي بيده" (٢). الوجه الثالث: إثبات شخصيتها في الأمور السياسية . لقد شاركت المرأة المسلمة في الأمور السياسية، وذلك بالرأي والمشورة والمعارضة أيضًا، ونشر الوعي السياسي، وهذا ما سيتضح لنا من النماذج الآتية: أم سلمة تستجيب لنداء إمام المسلمين وهو على المنبر: عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ رَافِعٍ قَالَ: كَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ تُحَدِّثُ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ وَهِيَ تَمْتَشِطُ: "أَيُّهَا النَّاسُ" فَقَالَتْ لِمَاشِطَتِهَا: كُفِّي رَأْسِي. وفي رواية: فَقُلْتُ لِلْجَارِيَةِ: اسْتَأْخِرِي عَنِّي. قَالَتْ: إِنَّمَا دَعَا الرجال ولم يدع النساء، فقلت: إني من الناس. (٣) أم سلمة تنصت إلى خطبة إمام المسلمين يوم النفير إلى بني قريظة:

стр. 6277

عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ، فَجَعَلَ يحدِّثُ، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمِّ سَلَمَةَ: "مَنْ هَذَا"؟ أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ: قَالَتْ: هَذَا دِحْيَةُ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: ايْمُ اللَّه مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ، حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ نَبِيِّ اللَّه ﷺ : يُخْبِرُ عن جِبْرِيلَ. (١) فاطمة بنت قيس تلبي الدعوة لاجتماع عام مع إمام المسلمين: عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قالت: فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي، منادي رسول اللَّه ﷺ ينادي: الصلاة جامعة فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول اللَّه ﷺ ، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم. وفي رواية: فانطلقت فيمن انطلق من الناس، فكنت في الصف المقدم من النساء، وهو يلي المؤخر من الرجال فلما قضى رسول اللَّه ﷺ صلاته جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: ، ثم قال: "ليلزم كل إنسان مصلاة" ثم قال: "أتدرون لم جمعتكم؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "إني واللَّه ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة". (٢) زينب بنت المهاجر يشغلها مستقبل الأمة المسلمة: عن قيس بن أبي حازم قال: "دخل أبو بكر على امرأة من أحمس، يقال لها: زينب بنت المهاجر، فرآها لا تكلَّمُ. فقال: ما لها لا تَكلَّم؟ قالوا: حَجَّتْ مُصْمِتَةً. قال لها: تكلَّمي، فإن هذا لا يحل. هذا من عمل الجاهلية. فتكلمت، فقالت: من أنت؟ قال: امرؤ من المهاجرين. قالت: أي المهاجرين؟ قال: من قريش. قالت: من أي قريش أنت؟ قال: إنك لسئول، أنا أبو بكر. قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء اللَّه به بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم. قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رءوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى، قال: فهم أولئك على الناس" (٣). عائشة تتحرى أحوال أحد الأمراء:

стр. 6278

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ، قَالَ: "أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَتْ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ. فَقَالَتْ: كَيْفَ كَانَ صَاحِبُكُمْ لَكُمْ فِي غَزَاتِكُمْ هَذِه؟ فَقَالَ: مَا نَقَمْنَا مِنْهُ شَيْئًا؛ إِنْ كَانَ لَيَمُوتُ لِلرَّجُلِ مِنَّا الْبَعِيرُ فَيُعْطِيهِ الْبَعِيرَ، وَالْعَبْدُ فَيُعْطِيهِ الْعبد، ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة. . . " (١). أم سلمة تشير على رسول اللَّه ﷺ يوم الحديبية: عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ -يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ- قَالَا: خَرَجَ رسول اللَّه زمن الحديبية، . . .، فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: هَاتِ اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا. فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ الْكَاتِبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" فَقَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ فَوَاللَّه مَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَلَكِنْ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللهم كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ، فَقَالَ المُسْلِمُونَ: وَاللَّه لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اكتب باسمك اللهم". . . فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ" فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّه لَا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً، وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنْ الْعَامِ المُقْبِلِ. فَكَتَبَ. فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَددته إلينا. قال المسلمون: سبحان اللَّه! كيف يُرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ . قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّه ﷺ ، فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّه حَقًّا؟ قَالَ: "بَلَى" قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ، وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: "بَلَى" قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذن؟ قَالَ: "إِنِّي رسول اللَّه وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهُوَ نَاصِرِي" قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: "بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ؟ "قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: "فإنك آتيه ومطوف به". . . فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَاب قَالَ رسول اللَّه ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا" قَالَ: فَوَاللَّه مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنْ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّه، أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ، ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ

стр. 6279

بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا. . " (١). أم سُليم تشير على رسول اللَّه ﷺ يوم حنين: عن أنس ﵁ أن أم سُليم. . . يوم حنين. . . قَالَتْ: يَا رسول اللَّه! اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنَا مِن الطُّلَقَاءِ انْهَزَمُوا بِكَ، فَقَالَ رسول اللَّه ﷺ : "يَا أُمَّ سُلَيْمٍ! إِنَّ رسول اللَّه قَدْ كَفَى وَأَحْسَنَ" (٢). حفصة تشير على أخيها عبد اللَّه بعد طعن عمر بن الخطاب في المسجد: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: دخلت على حفصة فقالت: أعلمت أن أباك غير مستخلف (٣)؟ قال: قلت: ما كان ليفعل. قالت: إنه فاعل، قال: فحلفت أني أكلمه في ذلك، فسكتُّ حتى غدوتُ ولم أكلمه. قال: فكنت كأنها أحمل بيميني جبلًا، حتى رجعت فدخلت عليه فسألني عن حال الناس، وأنا أخبره. قال: ثم قلت له: إني سمعت الناس يقولون مقالة فآليت (٤) أن أقولها لك، زعموا أنك غير مستخلف، وإنه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم، ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيع (٥)، فرعاية الناس أشد. قال: فوافقه قولي فوضع رأسه ساعة، ثم رفعه إلى فقال: إن اللَّه يحفظ دينه، وإني لئن لَا أَسْتَخْلِفْ فَإِنْ رسول اللَّه ﷺ لم يسْتَخْلِف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف. قال: فواللَّه ما هو إلا أن ذكر رسول اللَّه ﷺ ، وأَبَا بَكْرٍ، فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول اللَّه ﷺ أحدًا، وأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ (٦). حفصة تشير على أخيها عبد اللَّه يوم التحكيم بين علي ومعاوية:

стр. 6280

عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ وَنَسْوَاتُهَا (١) تَنْطُفُ (٢)، قُلْتُ: قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ مَا تَرَيْنَ (٣)، فَلَمْ يُجْعَلْ لِي مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ، فَقَالَتْ: الْحَقْ، فَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ فِي احْتِبَاسِكَ عَنْهُمْ فُرْقَةٌ. فَلَمْ تَدَعْهُ حَتَّى ذَهَبَ (٤). المرأة تنشر الوعي بالهدي النبوي في الحكم: عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زوج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ أنَّه قَالَ: "إنه يستعمل عليكم أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ (٥)، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ (٦) " قَالُوا: يا رسول اللَّه! أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: "لَا، مَا صَلَّوْا" (٧). عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ الحصَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُهَا تَقُولُ: حَجَجْتُ مَعَ رسول اللَّه ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، قَالَتْ: فَقَالَ رسول اللَّه ﷺ قَوْلًا كَثِيرًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْد مُجَدَّعٌ -حَسِبْتُهَا قَالَتْ أَسْوَدُ- يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّه فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا" (٨).

стр. 6281

عن عبيد اللَّه بن القبطية قال: دخل الحارث بن أبي ربيعة، وعبد اللَّه بن صفوان، وأنا معهما على أم سلمة -أم المؤمنين- فسألاها عن الجيش الذي يخسف به -وكان ذلك في أيام الزبير- فقالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "يعوذ عائذ بالبيت، فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم" فقلت: يا رسول اللَّه فكيف بمن كان كارهًا؟ قال: "يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته" (١). أم الدرداء تنكر على عبد الملك بن مروان بعض سلوكه: عن زيد بن أسلم، أن عبد الملك بن مروان بعث إلى أم الدرداء بأنجاد من عنده، فلما أن كان ذات ليلة قام عبد الملك من الليل، فدعا خادمه، فكأنه أبطأ عليه، فلعنه، فلما أصبح، قالت له أم الدرداء: سمعتك الليلة لعنت خادمك حين دعوته، فقالت: سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يكون اللعانون شفعاء، ولا شهداء يوم القيامة" (٢). المرأة كانت تخرج للصلح بين المسلمين: عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ زِيَادٍ الْأَسَدِيِّ قَالَ: لمَّا سَارَ طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَائِشَةُ إِلَى الْبَصْرَةِ بَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَحَسَنَ بْنَ عَليٍّ، فَقَدِمَا عَلَيْنَا الْكُوفَةَ، فَصَعِدَا الْمِنْبَرَ. فَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَليٍّ فَوْقَ الْمِنْبَرِ فِي أَعْلَاهُ، وَقَامَ عَمَّار أَسْفَلَ مِنْ الْحَسَنِ. فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ فَسَمِعْتُ عَمَّارًا يَقُولُ: إِنَّ عَائِشَةَ قَدْ سَارَتْ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَوَاللَّه إِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللَّه ﵎ ابْتَلَاكُمْ لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُونَ أَمْ هِيَ (٣). وهذه أسماء تواجه أحد الطغاة بالنصح والتأنيب: عَنْ أَبِي نَوْفَلٍ قال: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّه بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى عَقَبَةِ (٤)، الْمَدِينَةِ (مصلوبًا) قَالَ: فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ تَمُرُّ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ، حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّه بْنُ عُمَرَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا

стр. 6282

خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ. أَمَا وَاللَّه لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا. أَمَا وَاللَّه لَقَدْ كُنْتُ أَنْهاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّه إن كُنْتَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ، أَمَا وَاللَّه لَأُمَّةٌ أَنْتَ أَشَرُّهَا لَأُمَّةُ خَيْرٍ. ثُمَّ نَفَذ عَبْدُ اللَّه بْنُ عُمَرَ. فَبَلَغَ الحْجَّاجَ مَوْقِفُ عَبْدِ اللَّه وَقَوْلُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأُنْزِلَ عَنْ جِذْعِهِ (١)، فَأُلْقِيَ فِي قبورِ الْيَهُودِ، ثُمَّ أَرْسَلَ لأُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ، فَأَعَادَ عَلَيْهَا الرَّسُولَ: لَتَأْتِيَنِّي أَوْ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ مَنْ يَسْحَبُكِ بِقُرُونِكِ (٢) قَالَ: فَأَبَتْ، وَقَالَتْ: وَاللَّه لَا آتِيكَ حَتَّى تَبْعثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي بِقُرُونِي. قَالَ: فَقَالَ: أَرُونِي سِبْتَيَّ (٣)، فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ (٤)، حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتنِي صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللَّه؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ، وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُوُل لَهُ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ! أَنَا وَاللَّه ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ (٥). أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رسول اللَّه ﷺ ، وَطَعَام أَبِي بَكْرٍ مِنْ الدَّوَابِّ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ. أَمَا إِنَّ رسول اللَّه ﷺ حدَّثَنَا أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا (٦)، فَأَمَّا الْكَذَّابُ (٧)، فَرَأَيْنَاهُ. وَأَمَّا المُبِيرُ، فَلَا إِخَالُكَ (٨) إِلَّا إِيَّاهُ. قَالَ: فَقَامَ عَنْهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا" (٩). وهكذا وقفت امرأة مسلمة موقف المعارضة من حاكم ظالم، وهو في عنفوان طغيانه، غير هيابة، ولا وجلة، وقرعته بكلمات كان لها وقع أشد من وقع السياط. الوجه الرابع: إثبات شخصيتها في العلم وفى تعليم الرجال .

стр. 6283

١ - الرجال يطلبون تعلم السنة من أمهات المؤمنين: عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي يسألون عن عبادة النبي ﷺ . . . " (١). عن ثمامة -يعني ابن حزن القشيري- قال: لقيت عائشة فسألتها عن النبيذ، فدعت عائشة جارية حبشية فقالت: سل هذه فإنها كانت تنبذ لرسول اللَّه. (٢) عن عبد اللَّه بن صفوان قال: أخبرتني حفصة، أنها سمعت النبي ﷺ يقول: "ليؤمن هذا البيت جيش يغزونه. . . (٣). ٢ - النساء يحاورن الرجال في أمور العلم: عن أم الفضل بنت الحارث أن ناسًا تماروا (٤) عندها يوم عرفة في صوم النبي ﷺ فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت له بقدح لبن، وهو واقف على بعيره فشربه" (٥). قال ابن حجر: وفي الحديث من الفوائد. . المناظرة في العلم بين الرجال والنساء. أسماء بنت عميس تحاور عمر بن الخطاب، ثم رسول اللَّه ﷺ ، ثم تروي قصة الحوار لرفاق الهجرة، وذلك دون حضور زوجها، وربما حضر المرحلة الأخيرة فحسب: قال عمر لأسماء: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق باللَّه منكم. فغضبت، وقالت: كلا، واللَّه كنتم مع رسول اللَّه ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار البعداء البغضاء بالحبشة، وذلك في اللَّه وفي رسوله ﷺ ، وايم اللَّه لا أطعم طعامًا، ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت لرسول اللَّه ﷺ . . . فقال لها رسول اللَّه ﷺ : ". . . ليس بأحق بي منكم، وله

стр. 6284

ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان" قالت: فلقد رأيت أبا موسى، وأصحاب السفينة يأتوني أرسالًا يسألوني عن هذا الحديث (١). أم يعقوب تحاور عبد اللَّه بن مسعود: عَنْ عبد اللَّه بن مسعود قَالَ: "لَعَنَ اللَّه الْوَاشِمَاتِ (٢)، وَالمُوتَشِمَاتِ (٣)، وَالمُتنَمِّصاتِ (٤)، وَالمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ (٥)، المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّه". فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ (وكانت تقرأ القرآن)، فَجَاءَتْ فَقَالَتْ: إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ! ، فَقَالَ: وَمَا لِي لا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رسول اللَّه ﷺ ومَنْ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّه؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ. قَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، أَمَا قَرَأْتِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (الحشر: ٧) قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ. قَالَتْ: فَإِنِّي أَرَى أَهْلَكَ يَفْعَلُونَهُ. قَالَ: فَاذْهَبِي فَانْظُرِي، فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ، فَلَمْ تَرَ مِنْ حَاجَتِهَا شَيْئًا، فَقَالَ: لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ مَا جَامَعْتُهَا" (٦). ٣ - النساء يطالبن الرسول ﷺ بمزيد من فرص التعليم: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قال: قَالَتْ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: "مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنْ النَّارِ" فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: "وَاثْنَتَيْنِ" (٧).

стр. 6285

قال ابن حجر: وفي الحديث ما كان عليه نساء الصحابة من الحرص على تعلم أمور الدين. حقًا إنه حرص بالغ من النساء؛ لم يكتفين بمشاركة الرجال في سماع أحاديث الرسول ﷺ ، في المسجد، فأردن أن يكون لهن حديث خاص بهن، ثم إنه تقرير من الرسول ﷺ لهن على هذا الحرص، واستجابة كريمة وسريعة لمطلب النساء. سبيعة بنت الحارث تعرف كيف تتحرى لتصل إلى اليقين: عن سبيعة بنت الحارث الأسلمية. . . أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، وَهُوَ فِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِيَ حَامِل، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا تجَمَّلَتْ لِلْخُطَابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ -رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّار- فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ تجملت للخطاب، تَرْجِينَ النِّكَاحَ؟ فَإِنَّكِ وَاللَّه، مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمّا قَالَ لِي ذَلِكَ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رسول اللَّه ﷺ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي وَأَمَرَني بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لِي (١). قال ابن حجر: وفي قصة سبيعة من الفوائد. . ما كان في سبيعة من الشهامة، والفطنة حيث ترددت فيما أفتاها به حتى حملها ذلك على استيضاح الحكم من الشارع، وهكذا ينبغي لمن ارتاب في فتوى المفتي أو الحاكم في مواضع الاجتهاد، أن يبحث عن النص في تلك المسألة، وفيها من الفوائد أيضًا. . . مباشرة المرأة السؤال عما ينزل بها، ولو كان مما يستحي النساء من مثله. الوجه الخامس: إثبات شخصيتها في بيتها . المرأة ترد زوجها إلى المعروف: عن ابن عباس ﵁ قال: قال عمر ﵁: فبينا أنا في أمر أتأمره، إذ قالت امرأتي: لو صنعت كذا وكذا، قال: فقلت لها: ما لك ولما هاهنا؟ فيما تكلفك في أمر أريده؟ فقالت: عجبًا لك يا ابن

стр. 6286

الخطاب! ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول اللَّه ﷺ حتى يظل يومه غضبان، فقام عمر، فأخذ رداءه مكانه حتى دخل على حفصة، فقال لها: يا بنية! إنك لتراجعين رسول اللَّه ﷺ ، حتى يظل يومه غضبان؟ فقالت حفصة: واللَّه، إنا لنراجعه. فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة اللَّه، وغضب رسوله ﷺ ، يا بنية! لا يغزنك هذه التي أعجبها حسنها، حب رسول اللَّه ﷺ إياها -يريد عائشة-، قال: ثم خرجت حتى دخلت على أم سلمة؛ لقرابتي منها، فكلمتها، فقالت أم سلمة: عجبًا لك يا ابن الخطاب! دخلت في كل شيء حتى تبغي أن تدخل بين رسول اللَّه ﷺ وأزواجه؟ ! فأخذتني واللَّه، أخذًا كسرتني عن بعض ما أجد" (١). وفي رواية مسلم، قال عمر: فدخلت على عائشة، فقلت: يا بنت أبي بكر! أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: ما لي، ومالك يا ابن الخطاب عليك بعيبتك. نهي الإسلام أولياء الأمور عضل مولياتهم . عن الحسن: أن معقل بن يسار كانت أخته تحت رجل فطلقها، ثم خلى عنه حتى انقضت عدتها، ثم خطبها، فَحَمِىَ معقل من ذلك آنفًا فقال: خَلِّي عنها، وهو يقدر عليها، ثم يخطبها! فحال بينه وبينها وفي رواية: كان الرجل لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فأنزل اللَّه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (البقرة: ٢٣٢)؛ فدعاه رسول اللَّه ﷺ فقرأ عليه، فترك الحميَّة، واستقاد لأمر اللَّه. (٢) المرأة المسلمة تتصرف في مالها، بدون إذنِ من زوجها . ميمونة تعتق جاريتها بدون علم زوجها: عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا أَعْتَقتْ وَلِيدَةً (٣)، وَلَمْ

стр. 6287

تَسْتَأْذِنْ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فيهِ، قَالَتْ أَشَعَرْتَ يَا رسول اللَّه أَنِّي أَعْتَقْتُ وَليدَتِي؟ قَالَ: "أَوَفَعَلْتِ؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: "أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ" (١). أسماء بنت أبي بكر تتصدق بثمن جاريتها دون علم زوجها: عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: كُنْتُ أَخْدُمُ الزُّبَيْرَ خِدْمَةَ الْبَيْتِ، وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ وَكُنْتُ أَسُوسُهُ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْخِدْمَةِ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ سِيَاسَةِ الْفَرَسِ. كُنْتُ أَحْتَشُّ لَهُ، وَأَقُومُ عَلَيْهِ، وَأَسُوسُهُ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّهَا أَصَابَتْ خَادِمًا، جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ سَبْيٌ (٢)، فَأَعْطَاهَا خَادِمًا. قَالَتْ: كَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ، فَأَلْقَتْ عَنِّي مَئُونَتَهُ، فَجَاءَنِي رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أُمَّ عبد اللَّه! إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ، قَالَتْ: إِنِّي إِنْ رَخَّصْتُ لَكَ أَبَى ذَاكَ الزُّبَيْرُ، فتَعَالَ، فَاطْلُبْ إِلَيَّ، وَالزُّبَيْرُ شَاهِدٌ، فَجَاءَ فَقَالَ: يَا أُمَّ عبد اللَّه! إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ: فَقَالَتْ مَا لَكَ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا دَارِي؟ فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ: مَا لَكِ أَنْ تَمْنَعِي رَجُلًا فَقِيرًا يَبِيعُ؟ فَكَانَ يَبِيعُ إِلَى أَنْ كَسَبَ فَبِعْتُهُ الْجَارَيةَ، فَدَخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ وَثَمَنُهَا فِي حَجْرِي، فَقَالَ: هَبِيهَا لِي، قَالَتْ: إِنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهَا" (٣). المرأة المسلمة تهدي باسمها، لا باسم زوجها . أم سليم بنت ملحان تهدى رسول اللَّه ﷺ يوم عرسه، وذلك باسمها لا باسم زوجها: قالت أم سليم: يا أنس اذهب بهذا إلى رسول اللَّه ﷺ فقل: بعثت بهذا إليك أمي وهي تقرئك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليل يا رسول اللَّه. . . " (٤). المرأة تتمسك بحقها في مفارقة الزوج: زوجة ثابت بن قيس -حين كرهت زوجها- تتمسك بحقها في مفارقته: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ، إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رسول اللَّه! مَا أَنْقِمُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ، وَلَا خُلُقٍ. إِلَّا أَنِّي أَخَافُ الْكُفْرَ، فَقَالَ رسول اللَّه ﷺ : "فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ" فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَرَدَّتْ عَلَيْهِ وَأَمَرَه فَفَارَقَهَا (٥).

стр. 6288

الوجه السادس: إثبات شخصيتها في أمور متفرقة . أم هانىء تجير محاربًا، وتشكو أخاها المعترض: عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، قالت: ذهبت إلى رسول اللَّه ﷺ عام الفتح. . . فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. . . فَقَالَ: "مرحبًا بأم هانىء. . . " فقُلْتُ: يَا رسول اللَّه! زَعَمَ ابْنُ أُمِّي -ابن أبي طالب-: أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانُ ابْنُ هُبَيْرَةَ. فَقَالَ رسول اللَّه ﷺ : "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ" (١). حفصة بنت عمر تستدرك على عبد اللَّه بن عمر: عَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَقِيَ ابْنُ عُمَرَ ابْنَ صَائِدٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ قَوْلًا أَغْضَبَهُ، فَانْتَفَخَ حَتَّى مَلَأَ السِّكَّةَ، فَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى حَفْصَةَ وَقَدْ بَلَغَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّه، مَا أَرَدْتَ مِن ابْنِ صَائِدٍ! أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رسول اللَّه ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ غَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا" (٢). عاتكة بنت زيد تتمسك بحقها في شهود الجماعة: عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ ابن الخطاب تَشْهَدُ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَالْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهَا: لِمَ تَخْرُجِينَ؟ وَقَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيَغَارُ؟ قَالَتْ: وَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِي؟ قَالَ: يَمْنَعُهُ قَوْلُ رسول اللَّه ﷺ : "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّه مَسَاجِدَ اللَّه" (٣). مبايعة المرأة المسلمة النبي ﷺ -: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ (الممتحنة: ١٢). الرجال يحتكمون عند اختلافهم إلى النساء: عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: تُفْتِي أَنْ تَصْدُرَ الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ

стр. 6289

يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِمَّا لَا، فَسَلْ فُلَانَةَ الأَنْصَارَّيةَ، هَلْ أَمَرَهَا بِذَلِكَ رسول اللَّه ﷺ ؟ قَالَ: فَرَجَعَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: مَا أَرَاكَ إِلَّا صَدَقْتَ (١). عن أبي سلمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس، وأبو هريرة جالس عنده، فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة، فقال ابن عباس: آخر الأجلين. قلت: قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي -يعني أبا سلمة-، فأرسل ابن عباس غلامه كريبًا إلى أم سلمة يسألها فقالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية، وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت فأنكحها رسول اللَّه ﷺ ، وكان أبو السنابل فيمن خطبها (٢). المرأة تختار أكرم الرجال، وتعرض نفسها عليه: عن سهل بن سعد: أن امرأة جاءت رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه جئت لأهب لك نفسي. . . فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئًا جلست. . . " (٣). وعن ثابت البناني قال: كنت عند أنس، وعنده ابنة له، قال أنس: جاءت امرأة إلى رسول اللَّه ﷺ تعرض عليه نفسها، قالت: يا رسول اللَّه! ألك بي حاجة؟ فقالت بنت أنس: ما أقل حياءها واسوأتاه واسوأتاه. قال: هي خير منك؛ رغبت في النبي ﷺ ، فعرضت عليه نفسها (٤). الوجه السابع: ماذا عن شخصية المرأة في الكتاب المقدس ؟ . لقد كان بولس (شاول) -مؤسس المسيحية الحالية- يعتبر النساء أقل منزلة من الرجال، فهو القائل في الرسالة الأولى إلى كورنثوس (١٤/ ٣٥: ٣٤): لِتَصْمُتْ نِسَاؤُكُمْ فِي الْكَنَائِسِ، لأَنَّهُ لَيْسَ مَأْذُونًا لَهُنَّ أَنْ يَتَكَلَّمْنَ، بَلْ يَخْضَعْنَ كَمَا يَقُولُ النَّامُوسُ أَيْضًا. وَلكِنْ إِنْ كُنَّ يُرِدْنَ أَنْ يَتَعَلَّمْنَ شَيْئًا، فَلْيَسْأَلْنَ رِجَالَهُنَّ فِي الْبَيْتِ، لأَنَّهُ قَبِيحٌ بِالنِّسَاءِ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي كَنِيسَةٍ.

стр. 6290

وفي الترجمة الكاثوليكية هكذا النص: ولتصمت النساء في الجماعات، شأنها في جميع كنائس القديسين، فإنه لا يؤذن لهن بالتكلم. وعليهن أن يخضعن كما تقول الشريعة أيضًا فإن رغبن في تعلم شيء، فليسألن أزواجهن في البيت، لأنه من غير اللائق للمرأة أن تتكلم في الجماعة" والمقصود بعبارة: "كما تقول الشريعة" أو "كما يقول الناموس" هو ما جاء في تكوين ٣: ١٦ من أن الرب جعل الرجل متسلطًا على المرأة فقال: "وقال للمرأة: تكثيرًا أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولادًا، وإلي رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك "أي يتسلط عليك". وعبارة: (شأنها في جميع كنائس القديسين) تفيد عمومية الطلب خلافًا لما ذهب إليه البعض من أن هذه الأوامر هي للمؤمنين في كورنثوس فقط. . وقد كتب بولس أيضًا قائلًا في ١ تيموثاوس ٢: ١٢ - ١٤: لست آذن للمرأة أن تعلّم ولا تتسلط على الرجل بل تكون في سكوت، لأن آدم جُبلَ أولًا ثم حواء، وآدم لم يُغوَ، لكن المرأة أُغويَت فحصلت في التعد. في هذا النص يؤكد بولس على سكوت المرأة وخضوعها وعدم قيامها بالتعليم لعدة أسباب: أولًا: لأن آدم جبل أولًا ثم حواء أي السيادة للرجل وليس للمرأة. ثانيًا: لأن المرأة أغويت أولًا من قبل الشيطان (١ تيموثاوس ١٤: ٢) فالمرأة تستطيع بمشاعرها أن تعلم تعاليم خاطئة إذ تستطيع استمالة الرجال أيضًا وهذا ما حدث في كنيسة ثياتيرا (رؤيا يوحنا ٢: ٢٠) وكما حدث مع ألن هوايت نبيّة السبتيين. ثالثًا: لأن مجال المرأة هو في تعليم أولادها في البيت أو في مدارس الأحد (التعليم المسيحي للأطفال) ١ تيموثاوس ١٥: ٢. ويأكد المفسر المسيحي متى هنري هذا المعنى في تفسيره لما جاء في ١ كورنثوس ١٤: ٣٤ فيقول: هنا يلزم الرسول النساء بالآتي: ١ - أن يصمتن في الاجتماعات العامة، إذ لا يجب أن يسألن عن أي معلومة في الكنيسة بل يسألن أزواجهن في البيت. ويعد هذا حقيقته إشارة إلى أن النساء كن يصلين ويتنبأن

стр. 6291

أحيانًا في اجتماعات الكنيسة (١ كو ١١: ٥). ولكنه هنا يمنعهن عن أي عمل عام، حيث إنه غير مسموح لهن أن يتكلمن في الكنيسة (عدد ٣٤)، كما لا يجب السماح لهن بأن يعلمن في الجماعة، ولا حتى يسألن أسئلة في الكنيسة، بل يتعلمن في صمت. أما إذا واجهتهن الصعوبات "فليسألن رجالهن في البيت" وكما أن واجب المرأة أن تتعلم في خضوع، فمن واجب الرجل أيضًا أن يمارس سلطانه، بأن يكون قادرًا على تعليمها، فإن كان قبيحًا بها أن تتكلم في الكنيسة، حيث يجب أن تصمت، فقبيح بالرجل أن يصمت حينما يكون من واجبه أن يتكلم، عندما تسأله في البيت. ٢ - يختم الرسول بأنه قبيح بالمرأة أن تتكلم في الكنيسة فالقباحة أو العار هنا انعكاس غير مريح للذهن على شيء تم فعله بدون لياقة، وأي شيء لا يليق أكثر من أن تترك المرأة مكانها، إذ أنها خلقت لتخضع للرجل، وعليها الاحتفاظ بمكانها وترضى به. المرأة ليست مجد اللَّه وهي دون الرجل ! ! قال بولس في رسالته الأولى إلى كورنثوس (١١/ ٩: ٣): وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ كُلِّ رَجُلٍ هُوَ الْمَسِيحُ. وَأَمَّا رَأْسُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ. وَرَأْسُ الْمَسِيحِ هُوَ اللَّه. ٤ كُلُّ رَجُلٍ يُصَلِّي أَوْ يَتَنَبَّأُ وَلَهُ عَلَى رَأْسِهِ شَيْءٌ يَشِينُ رَأْسَهُ. ٥ وَأَمَّا كُلُّ امْرَأَةٍ تُصَلِّي أَوْ تَتَنَبَّأُ وَرَأْسُهَا غَيْرُ مُغَطًّى فَتَشِينُ رَأْسَهَا لأَنَّهَا وَالْمَحْلُوقَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ. ٦ إِذِ الْمَرْأَةُ إِنْ كَانَتْ لَا تَتَغَطَّى فَلْيُقَصَّ شَعَرُهَا. وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُقَصَّ أَوْ تُحْلَقَ فَلْتَتَغَطَّ. ٧ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ لِكَوْنِهِ صُورَةَ اللَّه وَمَجْدَهُ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَهِيَ مَجْدُ الرَّجُلِ. ٨ لأَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مِنَ الْمَرْأَةِ بَلِ الْمَرْأَة مِنَ الرَّجُلِ. ٩ وَلأَنَّ الرَّجُلَ لَم يُخْلَقْ مِنْ أَجْلِ الْمَرْأَةِ بَلِ الْمَرْأَةُ مِنْ أَجْلِ الرَّجُلِ. * * *

стр. 6292

٩ - شبهة: ضرب الزوجات . نص الشبهة: ١ - أباح الإسلام للرجل عند نشوز الزوجة وعصيانها أن يعالج هذا النشوز بالضرب الخفيف الذي لا يوجع، وذلك بعد نصح الزوجة أولًا، ثم هجرانها ثانيًا، ولقد فهم البعض هذه القضية فهمًا خاطئًا. ٢ - ثم لماذا لم يبح الإسلام للزوجات ضرب أزواجهن عند الشذوذ، كما أباح ذلك للأزواج، وذلك من باب المساواة والعدل؟ والجواب على الأمر الأول من وجوه: الوجه الأول: الآية المبيحة للضرب والتفسير الصحيح لها . الوجه الثاني: ما هو المباح من الضرب؟ . الوجه الثالث: متى يكون الضرب؟ . الوجه الرابع: من المرأة التي تُضْرَبُ؟ . الوجه الخامس: كيف يعالج الرجل نشوز المرأة. الوجه السادس: لماذا شرع اللَّه تعالى الضرب؟ الوجه السابع: إن الضرب المشروع ضرب غير موجع، بخلاف غيرنا من الغرب. وإليك التفصيل الوجه الأول: الآية المبيحة للضرب والتفسير الصحيح لها قال اللَّه تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (النساء: ٣٤). قال القرطبي: قَوْلَهُ تَعَالَى: ((وَاضْرِبُوهُنَّ)) أَمَرَ اللَّه أَنْ يَبْدَأَ النِّسَاءُ بِالمَوْعِظَةِ أَوَّلًا ثم بالهجران، فإن لم ينجعا فَالضَّرْبُ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُصْلِحُهَا لَهُ وَيَحْمِلُهَا عَلَى تَوْفِيَةِ حَقِّهِ. وَالضَّرْبُ فِي هَذِهِ الآيَةِ هُوَ ضَرْبُ الْأَدَبِ غَيْرُ المُبَرِّحِ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَكْسِرُ عَظْمًا وَلَا يَشِينُ

стр. 6293

جَارِحَةً كَاللَّكْزَةِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الصَّلَاحُ لَا غَيْرَ. فَلَا جَرَمَ إِذَا أَدَّى إِلَى الهَلَاكِ وَجَبَ الضَّمَانُ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي ضَرْبِ المُؤَدِّبِ غُلَامَهُ لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْأَدَبِ. وَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّه وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّه وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْربُوهُنَّ ضرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ) الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي الْحَجِّ، أَيْ لَا يَدْخِلْنَ مَنَازِلَكُمْ أَحَدًا مِمَّنْ تَكْرَهُونَهُ مِنَ الْأَقَارِبِ وَالنِّسَاءِ الْأَجَانِبِ. وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ التِّرْمذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ أنَّهُ شَهِدَ حَجة الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَّرَ وَوَعَظَ فَقَالَ: (أَلا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أَلا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا وَلنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إليهن في كسوتهن وطعامهن (. قال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. فَقَوْلُهُ: (بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) يُرِيدُ لَا يَدْخِلْنَ مَنْ يَكْرَهُهُ أَزْوَاجُهُنَّ وَلَا يُغْضِبْنَهُمْ. وَلَيْسَ المُرَادُ بِذَلِكَ الزِّنَى، فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ وَيلْزَمُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَقَدْ قَالَ ﵊: (اضْرُبوا النِّسَاءَ إِذَا عَصَيْنَكُمْ فِي مَعْرُوفٍ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ). قَالَ عَطَاءٌ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ مَا الضَّرْبُ غَيْرُ المُبَرِّحِ؟ قَالَ بِالسِّوَاكِ وَنَحْوِهِ. وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ فَعُذِلَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ: (لَا يُسْأَلُ الرَّجُلُ فِيمَ ضرَبَ أَهْلَهُ) (١). الوجه الثاني: ما هو المباح من الضرب ؟ الضرب الذي أباحه اللَّه للأزواج لتأديب أزواجهن ضرب غير مُبَرِّح؛ أي: أنه ضرب لا يكسر عظمًا، ولا يشين عضوًا، ولا يدميها، ولا يؤثر فيها شيئًا، ولا يقترن بشيء من

стр. 6294

التقبيح، أو الإهانة، فهو ضرب خفيف غير موجع أقرب إلى العلاج النفسي البسيط من الزوج لحالة الزوجة الخاصة. الوجه الثالث: متى يكون الضرب ؟ إن الزوج لا يبدأ بضرب زوجته عند نشوزها، وإنما يبدأ بوعظها، فإن أصرت على العصيان والنشوز تدرج بعد ذلك في التأديب، فينتقل إلى مرتبة الهجر، فيهجرها في الفراش، فإن لم ينصلح حالها فحينئذٍ يلجأ إلى الضرب. الوجه الرابع: من المرأة التي تضرب ؟ إن هذا الضرب مخصوص بصنف واحد من النساء، لسن من الكريمات، وإنما هو مخصوص بنوع قليل من النساء، سليطة اللسان، مجاهرة بعصيان زوجها ومعاندته، حريصة على إهانته ومخالفة أمره، غير مكرمة لنفسها أو لما بينهما من عشرة، ولا تكون مثل هذه المرأة عادة من البيوت الكريمة الأصيلة، لأن سليلة هذه البيوت تعرف من الوسائل ما يجعلها أكرم على نفسها وعلى غيرها من اتباع أسلوب الوقاحة والسلاطة والعصيان، وحين ترى أن العشرة قد استحالت بينها وبين زوجها فإنها تتخذ من الوسائل ما تسعى به في تحقيق رغبتها دون اللجوء إلى وسائل تحمل زوجها على ضربها، وذلك كله على فرض أن الزوج مؤد لها كافة حقوقها غير ظالم لها في شيء مما يأمرها به، أما من تلجئ الزوج إلى ضربها على أمل إصلاحها وحملها على الطاعة -لأن المسلم الحق لا يضرب عندئذٍ إلا على هذا الأمل- فإن تكوينها النفسي والثقافي كثيرًا ما يكون في صورة يؤدي الضرب الخفيف معها إلى الإصلاح، والحمل على الطاعة، بل إن في الحياة تجارب تدل على أن أعدادًا من النسوة -قد تكون نادرة لكنها موجودة- تأخذ الضرب عندئذٍ -أو التهديد به- على محمل أنه تعبير عن شيء من صفات الرجولة في زوجها، وقد يقترن بإظهار الغضب منه شيء من

стр. 6295

الرضا النفسي الخفي، وتلك حالات نادرة لكنها غيرُ منعدمة، لكنَّ الضرب المباح أيضًا في الشريعة إنما يباح في مثل هذه الحالات، ولا يباح في كلِّ امرأة يقينًا. (١) الوجه الخامس: كيف يعالج الرجل نشوز المرأة . نريد أن نسأل القوم الذين يستكبرون مشروعية تأديب الناشز، ولا يستكبرون أن تنشز هي، وتترفع على زوجها، فتجعله -وهو رئيس البيت- مرءوسًا بل محتقرًا، وتصر على نشوزها، وتمشي على غُلَوائها، حتى إنَّها لا تلين لوعظه، ولا تستجيب لنصحه، ولا تبالي بإعراضه وهجره، تُرى كيف يعالجون هذا النشوز؟ وبم يشيرون على أزواجهن أن يعاملوهن به؟ هل من كرامة الرجل أن يُهرع إلى طلب محاكمة زوجته كلما نشزت؟ لقد أمر القرآن الكريم بالصبر والأناة، وبالوعظ، والإرشاد، ثم بالهجر في المضاجع، فإذا لم تنجح كل هذه الوسائل، فحينئذٍ يلجأ إلى الضرب غير الموجع (٢). الوجه السادس: لماذا شرع اللَّه تعالى الضرب ؟ إن مشروعية هذا التأديب لا يستنكرها عقل ولا فطرة، حتى نحتاج إلى تأويلها، فالضرب طريق من طرق العلاج، ينفع في بعض الحالات مع بعض النفوس الشاذة المتمردة، التي لا تفهم الحسنى، ولا ينفع معها الجميل، وإن من النساء، بل من الرجال من لا يقيمه إلا التأديب، ومن أجل ذلك وضعت العقوبات، وفتحت السجون. يقول الشيخ الشعراوي: قد يقول بعض الناس. إن ضرب الزوج لزوجته معناه الكراهية، ونقول لهؤلاء! ألا يضرب الأب ابنه؛ . . أيكره الأب ابنه الذي هو قطعة منه؛ طبعًا لا. بل إنه لا يحب شيئًا في الدنيا أكثر من ابنه، ولكنه يريد مصلحته، وقد يسبب له ألمًا خفيفًا ليقيه من آلام كثيرة سيتعرض لها لو استمر في الطريق الخاطئ الذي يمشي فيه. إن المجتمعاتِ الإسلاميةَ هي أقل المجتمعات إيذاء للنساء؛ لأن الشرع الحنيف يحضُّ الأب والزوج على الترفق بهن لضعفهن وقلة حيلتهن، أما في أوربا وأمريكا فإن الأزواج

стр. 6296

يضربون زوجاتهم ضربًا مبرحًا لدرجة أنه بدأت تنشأ هناك جمعيات لحماية الزوجات من ضرب الأزواج، واللَّه قد جعل بين الأزواج والزوجات مودة ورحمة، وذلك مصداقًا لقوله ﵎ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: ٢١). هذه المودة والرحمة هي الرابطة بين الزوج وزوجته أوجدها اللَّه لذلك لا تجد من هو أكثر تسامحًا من الزوج مع زوجته أو الزوجة مع زوجها، يحدث بينهما الكثير، وبعد ساعة أو أقل تجدهما نسيا ما حدث، وعادا إلى الحب والصفاء، ورسول اللَّه ﷺ يقول: "استوصوا بالنساء خيرًا" الحديث. وهكذا نرى أن الضرب ليس علامة الكراهية، ولكنه قد يكون علامة حب، وأنه ما دام غير مبرح فإنه يسبب ألمًا بسيطًا وأن الإنسان قد يلجأ إلى ضرب خفيف مع من يحب، لأنه يحب مصلحته ويهمه أمره. والمرأة بطبيعتها تتفهم ذلك من زوجها وتعرف أن غضبه عليها ومعاقبته لها، سرعان ما يتلاشى ويزول بزوال أسبابه فتدوم بينهما العشرة وكأن شيئًا لم يكن. (١) الوجه السابع: إن الضرب المشروع ضرب غير موجع، بخلاف غيرنا من الغرب . قال د/ محمد سعيد رمضان البوطي: وقد انتشرت في أمريكا أخيرًا ملاجئ من نوع خاص، تستقبل النساء اللواتي أتيح لهن الفرار من وابل الضرب والتحطيم من قبل الأزواج أو الأصدقاء، وتحيط بمباني هذه الملاجئ عادة جدران مزخرفة وديكورات لا توحي بطبيعة ما وراءها للتمويه، ابتغاء قطع السبيل إلى معرفة الأماكن التي يأوى إليها هذا القطيع الكبير من النساء المنكوبات، كي لا يلاحقهن الأزواج والأصدقاء بالضرب والأذى إلى المأمن الذي التجأن إليه. .! وقد امتدَّ من هذا البلاء الصاعق وباء عمَّ الولايات المتحدة كلها، وهو الآن ينتشر بسرعة في مختلف البلاد الأوربية. (٢)

стр. 6297

وقد كتب (Rechard. F. Jones) الأستاذ في معهد القبالة وأمراض النساء في أمريكا (American College Obstetricias and Gynecologists) كتب مقالًا عن هذه الظاهرة الوبائية المخيفة، في المجلة العائدة لهذا المعهد، في عدد يناير عام ١٩٩٣ م بعنوان: Domestic Violence: Let our voices be heard أي: الاغتصاب العائلي، أو المنزلي: فلندع أصواتنا تسمع. افتتحه بقوله: "هنالك وجاء يجتاح بلدنا. . إنه لشنيع. . وإنه غير قابل للتجاوز عنه أو التساهل في أمره. . إنه يجب أن يوقف، وإنه لمرض يبعث على الاشمئزاز ولا يمكن لأي بلد حضاري أن يقبل به. ثم قال الكاتب: إنه في كل (١٢) ثانية في الولايات المتحدة الأمريكية تخضع امرأة لهذا الوباء. . في كلِّ (١٢) ثانية امرأة تُضرب إلى درجة القتل أو التحطيم من قبل زوج أو صديق! . . وفي كلِّ يوم نرى نتائج هذا الضرب وآثاره في مكاتبنا. . وفي غرف الطوارئ. . وفي عياداتنا! . ثم يقول الدكتور/ البوطي: فالذي يعاقَبُ في شخص المرأة في ديننا هو شذوذها المتمرد الذي تطاول أمده، ومن ثم فهو أندر ما يكون في البيوتات الإسلامية. وأما الذي يُعاقبُ في شخص المرأة في الغرب، فهو إنسانيتها الوديعة التي لا تنشد أكثر من حقها، ومن ثم فهو بلاء ماض في التفاقم والانتشار، وأذكرك بالتقرير الأمريكي القائل: في كلِّ اثنتي عشرة ثانية امرأة تضرب إلى درجة القتل أو التحطيم من قبل زوج أو خليل، في الولايات المتحدة الأمريكية. والزوجة المسلمة التي تعيش في دار إسلامية مع زوج مسلم، لا يدعها إسلامها تنزلق إلى النشوز أصلًا، فإن انزلقت بدافع من نزق أو هياج نفسي عارض، فلسوف تعود، مستغفرة اللَّه، خلال المرحلة العلاجية الأولى، ولن يدعها التزامها الإسلامي تبقى حبيسة هذا الانزلاق إلى المرحلة الثالثة قط، والزوج المسلم الذي يعيش مع زوجته المسلمة، لن

стр. 6298

يجنح في التعامل مع زوجته إلى أي إساءة بضرب أو شتيمة بلسان، حتى ولو بدر منها خطأ أو نشوز، أي: إن الالتزام الحقيقي بالإسلام يشكل لدى كل من الزوجين صمام أمان ضد تطاول الآخر بالسوء في حق صاحبه، وإن تجاوز كلُّ منهما الحدَّ لبعض الوقت. والبيوتات الإسلامية عندنا، خير شاهد ناطق بما نقول. أما البيوتات الأخرى. فإنما وبال جنوحها عليها ومن الأعاجيب التي يعرفها الناس جميعًا -ولا عجب- أن الذين يتظاهرون بالغيرة على المرأة وحقوقها، من حيث ينتقصون الإسلام ويعيبون فيه آية النشوز التي ورد فيها ذكر الضرب، هم أسرع الناس إيذاء لزوجاتهم، وأطولهم أيْدي إليهن بالضرب واللكم. وفي الذهن أسماء كثيرة، وقصص مؤلمة مثيرة، ولكن اللَّه أمر بالسّتر. قلت: نعم أمر اللَّه بالستر، ولكن هؤلاء لا يستحقون الستر، فإنهم على ما هم فيه يلقون التهم على الإسلام فهم كما قال الشاعر: رمتني بدائها وانسلت. فنحن نقول بأنهم أسرع الناس إيذاءً لزوجاتهم. دليل ذلك ما ذكره، الأستاذ/ محمد رشيد العويد: من أن دراسة أمريكية جرت في عام (١٤٠٧ هـ) (١٩٨٧ م) أشارت إلى أن "٧٩%" من الرجال يقومون بضرب النساء، بخاصة إذا كانوا متزوجين بهن، وكانت الدراسة قد اعتمدت على استفتاء أجراه د/ جون بيرير الأستاذ المساعد لمادة علم النفس في جامعة "كارولينا الجنوبية" بين عدد من طلبة الجامعة. وقد أشارت الدراسة إلى أن استعداد الرجال لضرب زوجاتهم عالٍ جدًّا، فإذا كان هذا بين طلبة الجامعة، فلا شك في أنه أعلى نسبة بين من هم دونهم تعليمًا. (١) وفي دراسة أعدها المكتب الوطني الأمريكي للصحة النفسية: جاء أن "١٧%" من النساء اللواتي يدخلن غرف الإسعاف: هن ضحايا ضرب الأزواج أو الأصدقاء. وأن

стр. 6299

"٨٣ %" دخلن المستشفيات سابقًا مرة على الأقل، للعلاج من جروح وكدمات أصِبن بها، كان دخولهن نتيجة للضرب. وقال إفان ستارك: معد هذه الدراسة التي فحصت (١٣٦٠) سجلًا للنساء في المستشفيات: "إن ضرب النساء في أمريكا ربَّما كان أكثر الأسباب شيوعًا للجروح التي تصاب بها النساء، وأنها تفوق حتى ما يلحق بهنَّ من أذى نتيجة حوادث السيارات، والسرقة، والاغتصاب مجتمعة". وأكدت الدكتورة/ آن فليتكرافت: التي ساهمت في وضع الدراسة: "أن ضرب النساء هو إحدى حقائق المجتمع الأميركي. . ومشكلة اجتماعية واسعة الانتشار". وقالت جانيس مور -وهي منسقة في منظمة "الائتلاف الوطني ضد العنف المنزلي" ومقرها واشنطن-: "إن هذه المأساة المرعبة وصلت إلى حد هائل، فالأزواج يضربون نساءهم في سائر أنحاء الولايات المتحدة، مما يؤدي إلى دخول عشرات الآلاف منهن إلى المستشفيات للعلاج. وأضافت: إن نوعية الإصابات تتراوح بين كدمات سوداء حول العينين، وكسور في العظام، وحروق وجروح وطعن بالسكين، وجروح الطلقات النارية، وبين ضربات أخرى بالكراسي والسكاكين والقضبان المحماة. وأشارت إلى أن الأمر المرعب، هو أن هناك نساء أكثر يصبن بجروح وأذى على أيدي أزواجهن، ولكنهن لا يذهبن إلى المستشفى طلبًا للعلاج، بل يضمدن جراحهن في المنزل. وقالت جانيس مور: "إننا نقدر بأن عدد النساء اللواتي يُضربن في بيوتهن كل عام، يصل إلى ستة ملايين امرأة، وقد جمعنا معلومات من ملفات مكتب التحقيقات الفدرالي، ومن مئات الملاجئ التي توفر المأوى للنساء الهاربات من عنف وضرب أزواجهن". مائة ألف ألمانية يضربهن الرجال سنويًا. وذكرت دراسة ألمانية أن ما لا يقل عن مائة ألف امرأة تتعرض سنويًا لأعمال العنف

стр. 6300

الجسدي أو النفساني التي يمارسها الأزواج، أو الرجال الذين يعاشرونهن، مع احتمال أن يكون الرقم الحقيقي يزيد على المليون. وقالت الدراسة: إن الأسباب المؤدية إلى استخدام العنف هي البطالة زمنًا طويلًا، والديون المالية، والإدمان على المشروبات الكحولية، والغيرة الشديدة. وقد وضعت الوزارة الألمانية الاتحادية لشئون الشبيبة والأسرة والصحة مشروعًا لتقديم المساعدة من قبل منظمة خيرية، على أن يتم ذلك خلال عامين. وفي فرنسا تتعرض حوالي مليوني امرأةٍ للضرب، وأمام هذه الظاهرة، التي تقول الشرطة إنها تشمل حوالي عشرة في المائة من العائلات الفرنسية، أعلنت الحكومة أنها ستبدأ حملة توعية لمنع أن تبدو أعمال العنف هذه كأنها ظاهرة طبيعية. وقالت أمينة سر الدولة لحقوق المرأة ميشال أندريه: حتى الحيوانات تعامل أحيانًا أحسن منهن، فلو أن رجلًا ضرب كلبًا في الشارع فسيتقدم شخص ما بشكوى إلى جمعية الرفق بالحيوان، ولكن إذا ضرب رجل زوجته في الشارع فلن يتحرك أحد. وأضافت في تصريح إلى وكالة "فرانس برس": يجب إفهام الجميع بأن الضرب مسألة تطالها العدالة، أريد أن يتم التوقف عن التفكير بأن هذا الأمر عادي. وتابعت: إن عالمنا يقر بأن هنالك مسيطرًا ومسيطَرًا عليه، إنه منطق يجب إيقافه. ونقلت صحيفة "فرانس سوار" عن الشرطة، في تحقيق نشرته حول الموضوع: أن (٩٢.٧%) من عمليات الضرب التي تتم بين الأزواج تقع في المدن. وأن (٦٠%) من الدعوات الهاتفية التي تتلقاها شرطة النجدة في باريس أثناء الليل، هي نداءات استغاثة من نساء يسىء أزواجهن معاملتهن. وذكرت أمانة سر الدولة لحقوق المرأة: أن هنالك أنواعًا من العنف الذي يمارس على النساء، منها معنوي (تهديدات وإهانات) ومنها جسدي (ضرب).

стр. 6301

ولاحظت جمعية (نجدة النساء اللواتي يتعرضن للضرب) أن النساء اللواتي تستقبلهن تتراوح أعمارهن بين (٢٥) و (٣٥) سنة، ولهن ما معدله طفلان، ومستواهن التعليمي متدنٍ، وهن غالبًا معزولات عن عائلاتهن أو جيرانهن، وكثيرًا ما أدت ذريعة مثل: المرض، أو إدمان الكحول، أو البطالة إلى تفاقم العنف الذي يمارس أساسًا عليهن، ولكن قليلات من الضحايا يجسرن على فضح عمليات العنف هذه بسبب الخوف من الانتقام، أو بسبب نقص الشجاعة. وأظهر استطلاع نُشرت نتائجه في بريطانيا، تزايد العنف ضد النساء، ففي استطلاع شاركت فيه سبعة آلاف امرأة قالت (٢٨) من المشاركات إنهن تعرضن لهجوم من أزواجهن أو أصدقائهن. وحسب تقدير للوكالة الأميركية المركزية للفحص والتحقيق f. p. t فإن هناك زوجة يضربها زوجها كلَّ (١٨) ثانية في أمريكا. وكتبت جريدة (Paychology Today) أن امرأة من كلِّ عشر نسوة يضربها زوجها، فعقبت عليها جريدة (Family Relation) بقولها: لا، بل واحدة من كل امرأتين تتعرض للظلم والعدوان من قبل زوجها! . ويفيد تقرير بريطاني أن الزوج يضرب زوجته دون أن يكون هناك سبب يبرر الضرب، ويشكل هذا نسبة (٧٧%) من عمليات الضرب. ويستفاد من التقرير نفسه أن امرأة ذكرت أن زوجها ضربها ثلاث سنوات ونصف السنة منذ بداية زواجها. وقالت: لو قلت له شيئًا إثر ضربي لعاد إلى الضرب ثانية، ولذا أبقى صامتة. وهو لا يكتفي بنوع واحد من الضرب، بل يمارس جميع أنواع الضرب من اللطمات، واللكمات، والركلات والرفسات، وضرب الرأس بعرض الحائط، ويحكى التقرير عن امرأة أدْنَتْ أذنها إلى زوجها فضربها ضربة انصدع منها صمام الأذن. ولا يبالي الزوج إذا وقعت لكماته أو ركلاته في أعضاء من الجسد ذات حساسية زائدة، وربما تكون المرأة حاملًا وهو لا يكترث لذلك، فيركل برجله في بطنها فيسقط حملها، وقد وقعت عدة

стр. 6302

أحداث بالفعل من هذا النوع. كما انكسرت أضلاع عدد من النساء نتيجة الضرب. وقد يبلغ الأمر ببعض الرجال إلى حد يمسكون فيه بأعناقهن، ثم يضيقون عليهن الخناق، ويجن جنون بعضهم فيحرقها بالسجائر، أو يكبلها بالسلاسل والأغلال ثم يغلق عليها الباب. وفي الصين: نشرت صحيفة "العمال" اليومية نبأ إعدام مسئول صغير بتهمة الاعتداء على فتيات، وتعذيب زوجته بالسجائر والكهرباء، والإبر والأحزمة. ونشرت صحيفة تشوانغ منغ المحلية رسالة كتبتها "تشاي جيانكسيونغ" وهي طبيبة في مقاطعة شانكسي وصفت فيها كيف ضربها زوجها على وجهها ومعدتها وأطرافها؛ لأنها رفضت الموافقة على الطلاق، وعولجت في المستشفى من إصابات خارجية وداخلية خطيرة. ثم حاولت والدة الزوج طردها من المستشفى، وقد حدث ذلك دون أن يعاقب الزوج. وفي قضية أخرى: قام رجل بكسر ذراع زوجته في أثناء شجار بينهما، ولم تجرؤ الزوجة على البقاء في المنزل، واضطرت إلى قضاء عدة ليالٍ في قن البط. وكتبت إحدى الزوجات إلى مجلة "النساء" في الصين تشكو من سوء معاملة زوجها وأفراد أسرته الذين يقيمون معها في منزل واحد، وتحكي كيف ضربها زوجها؛ لأنها رفضت أن تعطي والديه مبلغًا من المال يعادل عشرة دولارات. وفي الصين لا توجد مراكز للزوجات اللواتي يتعرضن للضرب، ويلجأن في العادة إلى اللجان الاجتماعية القريبة، أو إلى فروع الاتحاد النسائي، وفي بعض الحالات إلى المحاكم، ولكن المرأة الصينية تخاف في الأغلب من تحدي زوجها، وتخجل من طلب المساعدة. وفي كندا: مائة وخمسون ألف كندي يضربون زوجاتهم، والمؤسسات الاجتماعية والثقافية في البلاد تعتبر الأمر فضيحة. و"التجمع الذكوري ضد العنف العائلي" أنشئ خصيصًا في مونتريال للحد من عمليات ضرب النساء. وقد وضع في تصرف الرجال السريعي الغضب خط هاتفي، على مدى ٢٤ ساعة، يتصل به الزوج ليفرغ غضبه إلى الطرف الآخر. . لعلَّ هذا يغنيه عن ضرب زوجته.

стр. 6303

ونشرت مجلة "التايم" الأميركية أن حوالي أربعة آلاف زوجة، من حوالي ستة ملايين زوجة مضروبة، تنتهي حياتهن نتيجة ذلك الضرب. وأشار خبر نشره مكتب التحقيقات الفيدرالية جاء فيه أن أربعين في المائة من حوادث قتل السيدات ارتكبها أزواجهن. وأشار أيضًا إلى دراسة جرت في إحدى المستشفيات الأميركية الكبيرة، واستغرقت أربع سنوات، وجاء فيها أن (٢٥%) من محاولات الانتحار التي تُقدم عليها الزوجات يسبقها تاريخ من ضرب الأزواج لهن، أي: أنهن لا يجدن نجاة من هذا الضرب إلا في الانتحار. جاء في جريدة الرأي العام العدد ١٠٦٨٥ بتاريخ ٩/ ٥/ ١٤١٧ هـ ما يلي: بات مشروعًا للأزواج الإيطاليين أن يضربوا زوجاتهم في لحظات الغضب والغيرة الشديدة بعد أن ألغت محكمة إيطالية حكمًا أصدرته محكمة ابتدائية وقضي بسجن زوج ثمانية أشهر لضربه زوجته التي اتهمها بالإكثار من الخروج الأمر الذي أثار الشائعات بين الجيران في شأن سلوكها. واشترطت المحكمة في ضرب الزوجات ألا يتكرر كثيرًا وأن لا يكون عنيفًا جدًّا مبررة حكمها بأن العلاقات الزوجية علاقات معقدة وفيها كثير من الخصوصية وتداخل الأمور بحيث يصعب على أطراف خارجية مثل المحكمة أدراك كثير من تفاصيلها ورأت المحكمة أن ضرب الزوجة أو الزوج بسبب انفعال عارض تثيره الغيرة أو الغضب المباغت لا يعد أمرًا يصلح لقضية أمام المحاكم. وتعود القضية إلى حادثة وقعت في صقلية حين ضرب فرانسيسكو كومباردو (٤٢ عامًا وهو عامل بناء من صقلية زوجته أنا (٣٩ عامًا) في لحظة غضب وغيره محتجًا على تصرفاتها التي باتت تثير الريب وخروجها الكثير من منزل الزوجية وتركها أولادها الثلاثة منه مما أثار الشائعات في أوساط الجيران عن أنها تخرج لملاقاة عشيق سرًا.

стр. 6304

وعبرت السيدة عن ارتياحها لحكم محكمة الاستئناف الذي ألغى الحكم الأول بسجن زوجها ثمانية أشهر وقالت: "أنا سعيدة بإلغاء حكم السجن على زوجي، لم يكن الأمر سوى اشتباك بيني وبين زوجي كما يحصل في كل أسرة في صقلية، وكل الأزواج في منطقتي تنتابهم الغيرة الشديدة. نعم كان فرانسيسكو عنيفًا معي لكنني أفضل أن أراه خارج السجن". ويتوقع أن يشير الحكم جدلًا واسعًا تثيره منظمات الدفاع عن النساء الأوروبيات؛ لأنه يشكل سابقة في القضاء الأوربي لكن موقف السيدة سيضعف دفاع مثل هذه المنظمات كثيرًا. وكتب الأستاذ/ محمد مصطفى غنيم في (يوميات الأخبار) بتاريخ ٤ سبتمبر ١٩٧٣ م (الصفحة الثامنة) تحت عنوان (ذروة الحضارة، وضرب الزوجات): هل تعرف الموضوع الذي يشغل بال الرأي العام البريطاني في هذه الأيام أكثر من أي موضوع سواه؟ أنه ليس الأزمة الاقتصادية الطاحنة، وليس سياسة الوفاق، بل إن المشكلة التي لا تكاد تخلو منها صحيفة واحدة أو ينقطع الحديث عنها في أي لقاء، وهي ظاهرة ضرب الزوجات التي تفشت في المجتمع البريطاني، وروى أن المشكلة نوقشت في أعلى المستويات الحكومية؛ لأنه في أغلب الأحيان ضرب قاسٍ عنيف أدى في أحيان كثيرة إلى موت الزوجة، وقد تبين أن بعض الأزواج اعتاد أن يضرب زوجته كل ليلة بصورة منتظمة دون أن يجرؤ أحدٌ على التدخل أو الشكوى، فالبوليس البريطاني لا يتدخل حتى لا يتهم بالتدخل في شئون العائلات. ويقول تقرير أعدته جماعة (مساعدة المرأة المعتدى عليها) إن بعض الزوجات استمرت عمليات ضربهن سنوات دون أن تتقدم إحداهن بالشكوى، وذلك أما خجلًا أو خوفًا، وقال التقرير إن كثيرات من الزوجات أصبن بكسور وكدمات، بل إن البعض كان يتحمل (علقة) الزوج حتى خلال فترة الحمل. وقد تعهد (إدوارد هيث) رئيس الوزارة بالتحقيق ومعالجة هذه الظاهرة المتفشية. "والطريف بعد ذلك أن عددًا كبيرًا من الزوجات يرفضن طلب الطلاق من أزواجهن رغم تكرار الاعتداء عليهن بالضرب، ويفضلن البقاء تحت سقف الزوجية رغم الآلام

стр. 6305

التي يعانينها" وهذه هي ذروة الحضارة الغربية. فإذا تركنا الحضارة الغربية إلى اليابان هذه القوة الحضارية العملاقة التي صعدت إلى القمة في التفوق التكنولوجي والمدنية المادية المعاصرة - سوف نجد أن رئيس وزرائها السيد كاكوي تاناكا أصدر أخيرًا كتابًا بعنوان (حياتي) قال فيه: إنه يؤمن بأن أفضل أسلوب لمعاملة المرأة هو ضربها بين الحين والحين، واعترف تاناكا بأنه يضرب زوجته وابنته كثيرًا، ورغم ذلك فالعلاقة بينهم تعتبر مثالية؛ بل إنه نصح زوج ابنته -ليلة زفافها- بضرورة ضربها حتى تنصلح حالها، وقد فوجئ زوج الابنة بما يطلبه منه حموه، ولكن تاناكا عاد وأكد أن الضرب بدون سبب هو الذي قد يغضب الزوجة. أمَّا ضربها لارتكابها بعض الأخطاء فإن هذا قد يؤلمها ويوجعها، ولكنها ستزداد حبًا لزوجها بعد أن يتبدد الألم والوجع (جريدة أخبار اليوم ٢٤ نوفمبر ١٩٧٣ م الصفحة الثانية). يقول أ/ محمد رشيد العويد: هكذا يضرب غير المسلمين زوجاتهم، دون قيد، ودون حساب، ولأتفه الأسباب، فأين هم من الإسلام الذي جعل الضرب الوسيلة الأخيرة في الإصلاح، "ضرب لا يُقصد منه الإيلام وإطفاء الغيظ، بقدر ما يُقصد منه إعلان الأسف، وعدم الرضا بالسلوك، ولذا ورد النص مطلقًا في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (النساء: ٣٤) أي: أدنى ما يتحقق به مفهوم الضرب، فهو ضرب تأديب وإصلاح -كما يقول المفسرون- وضرب تقويم وعلاج، وليس ضرب إيلام وإزعاج، وجاءت أقوال الفقهاء في تحديد آلة الضرب بنحو السواك، وباجتناب ضرب الوجه، ومواطن الضرر، وإذا ترتب على الضرب ضرر ما، كالذي يترك أثرًا، فإنه يكون مضمونًا على الزوج، مستحقًا به التعزير الكافي والتغريم بحسب ما يراه الحاكم كافيًا". "فالضرب المؤذي مرفوض، وغير مقبول شرعًا، بل هو من التجاوزات التي يعزر عليها الشارع،
следующие страницы →