← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

ولاحظت جمعية (نجدة النساء اللواتي يتعرضن للضرب) أن النساء اللواتي تستقبلهن تتراوح أعمارهن بين (٢٥) و (٣٥) سنة، ولهن ما معدله طفلان، ومستواهن التعليمي متدنٍ، وهن غالبًا معزولات عن عائلاتهن أو جيرانهن، وكثيرًا ما أدت ذريعة مثل: المرض، أو إدمان الكحول، أو البطالة إلى تفاقم العنف الذي يمارس أساسًا عليهن، ولكن قليلات من الضحايا يجسرن على فضح عمليات العنف هذه بسبب الخوف من الانتقام، أو بسبب نقص الشجاعة. وأظهر استطلاع نُشرت نتائجه في بريطانيا، تزايد العنف ضد النساء، ففي استطلاع شاركت فيه سبعة آلاف امرأة قالت (٢٨) من المشاركات إنهن تعرضن لهجوم من أزواجهن أو أصدقائهن. وحسب تقدير للوكالة الأميركية المركزية للفحص والتحقيق f. p. t فإن هناك زوجة يضربها زوجها كلَّ (١٨) ثانية في أمريكا. وكتبت جريدة (Paychology Today) أن امرأة من كلِّ عشر نسوة يضربها زوجها، فعقبت عليها جريدة (Family Relation) بقولها: لا، بل واحدة من كل امرأتين تتعرض للظلم والعدوان من قبل زوجها! . ويفيد تقرير بريطاني أن الزوج يضرب زوجته دون أن يكون هناك سبب يبرر الضرب، ويشكل هذا نسبة (٧٧%) من عمليات الضرب. ويستفاد من التقرير نفسه أن امرأة ذكرت أن زوجها ضربها ثلاث سنوات ونصف السنة منذ بداية زواجها. وقالت: لو قلت له شيئًا إثر ضربي لعاد إلى الضرب ثانية، ولذا أبقى صامتة. وهو لا يكتفي بنوع واحد من الضرب، بل يمارس جميع أنواع الضرب من اللطمات، واللكمات، والركلات والرفسات، وضرب الرأس بعرض الحائط، ويحكى التقرير عن امرأة أدْنَتْ أذنها إلى زوجها فضربها ضربة انصدع منها صمام الأذن. ولا يبالي الزوج إذا وقعت لكماته أو ركلاته في أعضاء من الجسد ذات حساسية زائدة، وربما تكون المرأة حاملًا وهو لا يكترث لذلك، فيركل برجله في بطنها فيسقط حملها، وقد وقعت عدة

стр. 6302

أحداث بالفعل من هذا النوع. كما انكسرت أضلاع عدد من النساء نتيجة الضرب. وقد يبلغ الأمر ببعض الرجال إلى حد يمسكون فيه بأعناقهن، ثم يضيقون عليهن الخناق، ويجن جنون بعضهم فيحرقها بالسجائر، أو يكبلها بالسلاسل والأغلال ثم يغلق عليها الباب. وفي الصين: نشرت صحيفة "العمال" اليومية نبأ إعدام مسئول صغير بتهمة الاعتداء على فتيات، وتعذيب زوجته بالسجائر والكهرباء، والإبر والأحزمة. ونشرت صحيفة تشوانغ منغ المحلية رسالة كتبتها "تشاي جيانكسيونغ" وهي طبيبة في مقاطعة شانكسي وصفت فيها كيف ضربها زوجها على وجهها ومعدتها وأطرافها؛ لأنها رفضت الموافقة على الطلاق، وعولجت في المستشفى من إصابات خارجية وداخلية خطيرة. ثم حاولت والدة الزوج طردها من المستشفى، وقد حدث ذلك دون أن يعاقب الزوج. وفي قضية أخرى: قام رجل بكسر ذراع زوجته في أثناء شجار بينهما، ولم تجرؤ الزوجة على البقاء في المنزل، واضطرت إلى قضاء عدة ليالٍ في قن البط. وكتبت إحدى الزوجات إلى مجلة "النساء" في الصين تشكو من سوء معاملة زوجها وأفراد أسرته الذين يقيمون معها في منزل واحد، وتحكي كيف ضربها زوجها؛ لأنها رفضت أن تعطي والديه مبلغًا من المال يعادل عشرة دولارات. وفي الصين لا توجد مراكز للزوجات اللواتي يتعرضن للضرب، ويلجأن في العادة إلى اللجان الاجتماعية القريبة، أو إلى فروع الاتحاد النسائي، وفي بعض الحالات إلى المحاكم، ولكن المرأة الصينية تخاف في الأغلب من تحدي زوجها، وتخجل من طلب المساعدة. وفي كندا: مائة وخمسون ألف كندي يضربون زوجاتهم، والمؤسسات الاجتماعية والثقافية في البلاد تعتبر الأمر فضيحة. و"التجمع الذكوري ضد العنف العائلي" أنشئ خصيصًا في مونتريال للحد من عمليات ضرب النساء. وقد وضع في تصرف الرجال السريعي الغضب خط هاتفي، على مدى ٢٤ ساعة، يتصل به الزوج ليفرغ غضبه إلى الطرف الآخر. . لعلَّ هذا يغنيه عن ضرب زوجته.

стр. 6303

ونشرت مجلة "التايم" الأميركية أن حوالي أربعة آلاف زوجة، من حوالي ستة ملايين زوجة مضروبة، تنتهي حياتهن نتيجة ذلك الضرب. وأشار خبر نشره مكتب التحقيقات الفيدرالية جاء فيه أن أربعين في المائة من حوادث قتل السيدات ارتكبها أزواجهن. وأشار أيضًا إلى دراسة جرت في إحدى المستشفيات الأميركية الكبيرة، واستغرقت أربع سنوات، وجاء فيها أن (٢٥%) من محاولات الانتحار التي تُقدم عليها الزوجات يسبقها تاريخ من ضرب الأزواج لهن، أي: أنهن لا يجدن نجاة من هذا الضرب إلا في الانتحار. جاء في جريدة الرأي العام العدد ١٠٦٨٥ بتاريخ ٩/ ٥/ ١٤١٧ هـ ما يلي: بات مشروعًا للأزواج الإيطاليين أن يضربوا زوجاتهم في لحظات الغضب والغيرة الشديدة بعد أن ألغت محكمة إيطالية حكمًا أصدرته محكمة ابتدائية وقضي بسجن زوج ثمانية أشهر لضربه زوجته التي اتهمها بالإكثار من الخروج الأمر الذي أثار الشائعات بين الجيران في شأن سلوكها. واشترطت المحكمة في ضرب الزوجات ألا يتكرر كثيرًا وأن لا يكون عنيفًا جدًّا مبررة حكمها بأن العلاقات الزوجية علاقات معقدة وفيها كثير من الخصوصية وتداخل الأمور بحيث يصعب على أطراف خارجية مثل المحكمة أدراك كثير من تفاصيلها ورأت المحكمة أن ضرب الزوجة أو الزوج بسبب انفعال عارض تثيره الغيرة أو الغضب المباغت لا يعد أمرًا يصلح لقضية أمام المحاكم. وتعود القضية إلى حادثة وقعت في صقلية حين ضرب فرانسيسكو كومباردو (٤٢ عامًا وهو عامل بناء من صقلية زوجته أنا (٣٩ عامًا) في لحظة غضب وغيره محتجًا على تصرفاتها التي باتت تثير الريب وخروجها الكثير من منزل الزوجية وتركها أولادها الثلاثة منه مما أثار الشائعات في أوساط الجيران عن أنها تخرج لملاقاة عشيق سرًا.

стр. 6304

وعبرت السيدة عن ارتياحها لحكم محكمة الاستئناف الذي ألغى الحكم الأول بسجن زوجها ثمانية أشهر وقالت: "أنا سعيدة بإلغاء حكم السجن على زوجي، لم يكن الأمر سوى اشتباك بيني وبين زوجي كما يحصل في كل أسرة في صقلية، وكل الأزواج في منطقتي تنتابهم الغيرة الشديدة. نعم كان فرانسيسكو عنيفًا معي لكنني أفضل أن أراه خارج السجن". ويتوقع أن يشير الحكم جدلًا واسعًا تثيره منظمات الدفاع عن النساء الأوروبيات؛ لأنه يشكل سابقة في القضاء الأوربي لكن موقف السيدة سيضعف دفاع مثل هذه المنظمات كثيرًا. وكتب الأستاذ/ محمد مصطفى غنيم في (يوميات الأخبار) بتاريخ ٤ سبتمبر ١٩٧٣ م (الصفحة الثامنة) تحت عنوان (ذروة الحضارة، وضرب الزوجات): هل تعرف الموضوع الذي يشغل بال الرأي العام البريطاني في هذه الأيام أكثر من أي موضوع سواه؟ أنه ليس الأزمة الاقتصادية الطاحنة، وليس سياسة الوفاق، بل إن المشكلة التي لا تكاد تخلو منها صحيفة واحدة أو ينقطع الحديث عنها في أي لقاء، وهي ظاهرة ضرب الزوجات التي تفشت في المجتمع البريطاني، وروى أن المشكلة نوقشت في أعلى المستويات الحكومية؛ لأنه في أغلب الأحيان ضرب قاسٍ عنيف أدى في أحيان كثيرة إلى موت الزوجة، وقد تبين أن بعض الأزواج اعتاد أن يضرب زوجته كل ليلة بصورة منتظمة دون أن يجرؤ أحدٌ على التدخل أو الشكوى، فالبوليس البريطاني لا يتدخل حتى لا يتهم بالتدخل في شئون العائلات. ويقول تقرير أعدته جماعة (مساعدة المرأة المعتدى عليها) إن بعض الزوجات استمرت عمليات ضربهن سنوات دون أن تتقدم إحداهن بالشكوى، وذلك أما خجلًا أو خوفًا، وقال التقرير إن كثيرات من الزوجات أصبن بكسور وكدمات، بل إن البعض كان يتحمل (علقة) الزوج حتى خلال فترة الحمل. وقد تعهد (إدوارد هيث) رئيس الوزارة بالتحقيق ومعالجة هذه الظاهرة المتفشية. "والطريف بعد ذلك أن عددًا كبيرًا من الزوجات يرفضن طلب الطلاق من أزواجهن رغم تكرار الاعتداء عليهن بالضرب، ويفضلن البقاء تحت سقف الزوجية رغم الآلام

стр. 6305

التي يعانينها" وهذه هي ذروة الحضارة الغربية. فإذا تركنا الحضارة الغربية إلى اليابان هذه القوة الحضارية العملاقة التي صعدت إلى القمة في التفوق التكنولوجي والمدنية المادية المعاصرة - سوف نجد أن رئيس وزرائها السيد كاكوي تاناكا أصدر أخيرًا كتابًا بعنوان (حياتي) قال فيه: إنه يؤمن بأن أفضل أسلوب لمعاملة المرأة هو ضربها بين الحين والحين، واعترف تاناكا بأنه يضرب زوجته وابنته كثيرًا، ورغم ذلك فالعلاقة بينهم تعتبر مثالية؛ بل إنه نصح زوج ابنته -ليلة زفافها- بضرورة ضربها حتى تنصلح حالها، وقد فوجئ زوج الابنة بما يطلبه منه حموه، ولكن تاناكا عاد وأكد أن الضرب بدون سبب هو الذي قد يغضب الزوجة. أمَّا ضربها لارتكابها بعض الأخطاء فإن هذا قد يؤلمها ويوجعها، ولكنها ستزداد حبًا لزوجها بعد أن يتبدد الألم والوجع (جريدة أخبار اليوم ٢٤ نوفمبر ١٩٧٣ م الصفحة الثانية). يقول أ/ محمد رشيد العويد: هكذا يضرب غير المسلمين زوجاتهم، دون قيد، ودون حساب، ولأتفه الأسباب، فأين هم من الإسلام الذي جعل الضرب الوسيلة الأخيرة في الإصلاح، "ضرب لا يُقصد منه الإيلام وإطفاء الغيظ، بقدر ما يُقصد منه إعلان الأسف، وعدم الرضا بالسلوك، ولذا ورد النص مطلقًا في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (النساء: ٣٤) أي: أدنى ما يتحقق به مفهوم الضرب، فهو ضرب تأديب وإصلاح -كما يقول المفسرون- وضرب تقويم وعلاج، وليس ضرب إيلام وإزعاج، وجاءت أقوال الفقهاء في تحديد آلة الضرب بنحو السواك، وباجتناب ضرب الوجه، ومواطن الضرر، وإذا ترتب على الضرب ضرر ما، كالذي يترك أثرًا، فإنه يكون مضمونًا على الزوج، مستحقًا به التعزير الكافي والتغريم بحسب ما يراه الحاكم كافيًا". "فالضرب المؤذي مرفوض، وغير مقبول شرعًا، بل هو من التجاوزات التي يعزر عليها الشارع،

стр. 6306

ويكون للمرأة بسببها طلب التفريق من الزوج، قضاء، وإذا ثبت في المحاكم أرغم القاضي الزوج المسرف على طلاق زوجته، وإن لم يطلقها طلقها القاضي عليه، وفرق بينه وبينها بحكمه". (١) ومن يرجع إلى السنة النبوية يجد أن الضرب ورد في حال معينة، وهي حال الانحراف في سلوك الزوجة، في بيت الزوجية، وقد ورد الضرب في هذه مقيدًا أيضًا بعدم الشدة: وهو ذلك أن النبي ﷺ لما حج حجة الوداع - وقف يوم عرفة، وخطب الناس، وعلى ناقته القصواء، بعد أن استنصت الناس، واستشهد اليوم والزمان والمكان، ولخص للناس أمهات شريعتهم، فكان فيما قال لهم: "اتقوا اللَّه في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة اللَّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربًا غير مبرح". (٢) وفسرَّ المحدثون الضرب غير المبرح، بأنه ضرب غير شديد ولا شاق، ولا يكون الضرب كذلك إلا إذا كان خفيفًا، وبآلة خفيفة، كالسواك ونحوه، إذ لم يكن القصد فيه إلى البطش والتعذيب، ولكن إلى التأديب والزجر، والتربية والتوجيه، ومع ذلك قال الشاعر العربي القديم: رأيت رجالًا يضربون نساءهم ... فشلت يميني يوم أضرب زينبا ولم يرد في الشريعة ضرب النساء، إلا في هذه المناسبة، وهي مناسبة خطيرة في الحياة الزوجية، وكان الضرب تعزيرًا وتأديبًا، وكان آخر مراحل التأديب والتعزير، ومما تستوجبه طبيعة الحياة الزوجية، وتفرضه التزاماتها. أما عن قولهم لماذا لم يبح الإسلام للزوجات ضرب أزواجهن عند الشذوذ، كما أباح للأزواج، وذلك من باب المساواة والعدل ؟ فالجواب: "نحن البشر نعلم جميعًا -فضلًا عن الإله الذي خلقهم وأودع في الرجل صفة الرجولة، وفي النساء معنى الأنوثة- أن المرأة لو أقدمت على ضرب زوجها الناشز تأديبًا له، لتحولت الرجولة التي في كيانه إلى وحشية مستشرية ضارية لا يضبطها لجام

стр. 6307

غريزة كالتي في الوحوش، ولا ضياء عقل كالذي في بني الإنسان، ولا نقْضّ عليها في ضراوة مرعبة، ثم لم يفلتها إلا وهي محطمة أو هالكة، أي: فالنتيجة هي أن تقدم حياتها -على الأغلب- قربانًا لمساواة، لا في أصلِ الكرامة التي متع اللَّه بها كلًا من الرجل والمرأة على السواء، بل من أجل وحدة السبيل إلى رعايتهاها كل منهما، فهل يستأهل هذا الموقف الذي لا موجب له، أن تقدم المرأة حياتها قربانًا في سبيله؟ . (١) لقد كان جواب الشريعة الإسلامية، أن الزوج الناشز أو المسيء يجب أن يلقى عقابه، على أن لا يعرض السبيل إلى ذلك الزوجة، لأي خطر يحوم حولها أو لأي أذى ينزل بها، وإنما تتم ضمانة ذلك بأن تقيم الشريعة من القاضي نائبًا عن الزوجة في الانتصار لها وإنزال العقوبة اللازمة بزوجها، وقد لا تقف العقوبة التي يستحقها الزوج عند حد الضرب، بل قد تتجاوزها إلى السجن وغيره. وهذا هو منهج الشريعة الإسلاميةِ في إنزال العقوبات على مستحقيها، فهي تكلف بذلك السلطة القضائية وما يستتبعها من السلطة التنفيذية، كلَّما غلب على الظن أن الطرف المظلوم لا يستطيع أن يستقل بالانتصار لنفسه، أو يستطيع في الظاهر، ولكنها استطاعة من شأنها أن تجر وراءها ذيولًا من الفتن قد يكون هذا المظلوم ذاته هو أول من يحترق بنارها. ينبغي أن نعلم أولًا أن الشريعةَ الإسلاميةَ أخضعت كلًا من الزوج والزوجة لهذا العقاب، إذا تحقق موجبه، ولم تخضع الزوجة فقط له، غير أن الشريعة فرقت بينهما في طريقة التنفيذ ففي الوقت الذي مكنت الزوج من تطبيق هذا العقاب على الزوجة بشروطه وقيوده، إنما مكنت القاضي دون غيره من تطبيق هذا العقاب وأشدَّ منه على الزوج بشروطه وقيوده أيضًا للسبب الذي أوضحناه. فبين الرجل والمرأة مساواة دقيقة في التعرض لهذا العقاب عند حصول موجباته، ولكنَّ الاختلافَ إنما هو في السبيل التي ينبغي أن تتخذ إلى هذه المساواة بينهما. * * *

стр. 6308

١٠ - شبهة: كيد المرأة . نص الشبهة: يدعي البعض بأن الإسلام يصف كيد الشيطان بأنه ضعيف، ويصف كيد المرأة بأنه عظيم، الذين نظروا للمرأة على أنها أسوأ من الشيطان نفسه وأكثر شرًّا ودعوة إلى الفساد والإفساد، واستدلوا على ذلك بأن اللَّه قال عن كيد الشيطان إنه ضعيف، وعن كيد المرأة إنه عظيم. والجواب على ذلك من هذا الوجه الوجه الأول: الفهم الصحيح لآيات الكيد . الواقع أن السياقين مختلفان: فالآية الأولى هي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء: ٧٦). أما علة هذا الضعف فترجع إلى أن اللَّه تعالى يكيد لأوليائه، أي: يدبر لهم أمورهم ويهيئ لهم خيرها، ويكيد أعداءه -وأولهم الشيطان- فيبطل كيدهم ومكرهم وعملهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ (الطارق: ١٥، ١٦). وقال: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ (يوسف: ٧٦). فإذا قورن كيد اللَّه بكيد الشيطان المخذول الذي ليس له سلطان على الذين آمنوا - ثبت ضعف كيده وهوانه. أما الآية الثانية: فسياقها وموضوعها مختلف، إذ إنها تصور موقف هروب يوسف ﵇ من فتنة امرأة العزيز، وهي تطلبه؛ ليرجع ويفعل ما تأمره به، فإذا بهما أمام زوجها لدى الباب، فلم ترتبك ولم تتلجلج في هذا الموقف العصيب، بل على الفور قلبت الحقيقة وارتدت ثوب المرأة الفاضلة حين تشكو من يحاول إغراءها، فالكيد العظيم هنا هو سرعة الانتقال النفسي -في لحظة واحدة- من موقف من تطارد الرجل لموقف العفيفة المتأبية على الفتنة، وانتقال مشاعر بعض النساء من النقيض إلى النقيض في لمحة واحدة كان مما يستوقف الرجال ويثير عجبهم، يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ

стр. 6309

كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ (يوسف: ٢٨، ٢٩). فالموقف مختلف، وسياق الكلام فيه مختلف، ونوع الكيد مختلف، فلا يصح مقارنة الكيد هنا بالكيد هناك؛ لأنه إنما يعني هنا براعة انتقال المرأة وسرعتها بين المشاعر المختلفة، مما قد لا يستطيعه الرجل، ومن هنا جاءت عظمة الكيد، أما هناك فهو في مقابل كيد اللَّه -تعالى- لأولياوئه، ولا شيء من فعل المخلوقات إلا وهو ضعيف حقير في جنب اللَّه -تعالى- لأنَّ كيده تعالى متين كما قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ (الأعراف: ١٨٣). يقول العقاد: جاء وصف الشتاء بالكيد في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم، مرتين على لسان يوسف ﵇، ومرة على لسان العزيز، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾ (يوسف: ٣٣)، ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾ (يوسف: ٥٠)، ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ (يوسف: ٢٨). والكيد صفة مذكورة في مواضع كثيرة من القرآن، بعضها منسوب إلى الإنسان، وبعضها منسوب إلى الشيطان، ومن الرجال الذين نسبت إليهم صالحون مؤمنون، ومنهم كفرة مفسدون، بل وردت وصفًا للَّه مع المقابلة بين الكيد الإلهي وكيد المخلوقات، وبغير مقابلة في آيات. ويدخل في الكيد صفات كثيرة تمدح وتذم، وتطلب وتمنع، تشترك كلها في معاني التدبير والمعالجة والحيلة، وقد يجمع الحميد والذميم منها قولهم: "الحرب مكيدة" لأنها تدبير ومعالجة وحيلة تتطلبها مواقف القتال، وقد تذم أحيانًا في هذِه المواقف، كما تذم في سواها.

стр. 6310

وقد جاء وصف الكيد في سورة يوسف نفسها منسوبًا إلى أخوة يوسف، إذ جاء فيها على لسان يعقوب ﵇: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾ (يوسف: ٥). وجاء منسوبًا إلى اللَّه ﷻ بمعنى التدبير: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾ (يوسف: ٧٦). أما الكيد الذي وصفت به امرأة العزيز وصاحباتها، فهو كيد يعهد في المرأة ولا ينسب إلى غيرها، أو هو كيدهن الذي يتسمن به ويصدر عن خلائقهن وطبائعهن، كما يفهم من الإضافة المتكررة في الآيات الثلاث، ويدل عليه عمل امرأة العزيز فيما غشَّت به زوجها، واحتالت له من مراودة غلامها عن نفسه، ثم من اتهامه بمراودتها وتنصلها من فعلها، وكلها أعمال تتلخص في "الرياء" أو في إظهار غير ما تبطنه، واحتيالها للدس والإخفاء. (١) والرياء صفة عامة تشاهد في كثير من المستضعفين من الرجال والنساء، وأسبابه الاجتماعية تحدث لكل ضعيف يقهره غيره، فلا يخص المرأة دون الرجل، ولا ينحصر بين فئة من الناس دون فئة، وقد يحدث للحيوان الضعيف ويلجئه إلى المراوغة والملق، وهو لا يتكلف لذلك كما يتكلف الإنسان الذي يفكر فيما يعمل وفيما يقصد إليه. وينسب رياء المرأة إلى الضرورات التي فرضها عليها في حياتها الاجتماعية أو حياتها البيتية، وقد يظهر فيها على نحو يناسبها حتى يتلبَّس بالبواعث الأنثوية المقصورة عليها، فلا تختص به في أصوله، إذ كانت أصوله من الضعف الذي يشاركها فيه جميع الضعفاء، وإنَّما تختص به؛ لأن بواعثها الأنثوية مقصورة على جنسها.

стр. 6311

إلا أن "الرياء" الأنثوي الذي يصح أن يقال فيه: إنه رياء المرأة خاصة إنما يرجع إلى طبيعة في الأنوثة تلزمها في كل مجتمع، ولا تفرضه عليها الآداب والشرائع، ولا يفارقها باختيارها أو بغير اختيارها، بل لعلها هي تأبى أن يفارقها لو وكل إليها الاختيار فيه. فمن أصول هذا الرياء في تكوين الأنثى أنها مجبولة على التناقض بين شعورها بغريزة حب البقاء، وشعورها بغريزتها النوعية، فهي تتعرض للخطر على الحياة وتفوح بوفاء أنوثتها في وقت واحد، وهي إذ تضع حملها تتألم أشد الألم، وتعاني جزع الخشية على حياتها حين تخامرها وتسري في كيانها غبطة الأم التي أتمت وجودها، وتوجت حياتها الجنسية بأعز ما تصبو إليه وتتمناه، ويستوي كيانها كله على أن تفرح وهي تتألم، وتتألم وهي تفرح، فلا يستقيم شعورها خالصا من النقيضين في أعمق وظائفها التي خلقت لها، ومثل هذا التناقض يلازم عواطفها جميعًا فيما هو دون ذلك من نزعتها وأهوائها. ومن أصول هذا الرياء في تكوينها، أنها مجبولة كذلك على التناقض بين شعورها بالشخصية الفردية، وشعورها بالحب والعلاقة الزوجية، فهي كجميع المخلوقات الحية ذات وجود شخصي مستقل تحرص عليه، وتأبى أن تلغيه أو تتخلى عن ملامحه ومعالم كيانه وهي في حوزتها الشخصية مدفوعة إلى صدِّ كل الفتيات ينذرها بالفناء في شخصية أخرى، ولكنها في أشد حالات الوحدة لا تتوق إلى شيء، كما تتوق إلى الظفر بالرجل الذي يغلبها بقوَّته، ويستحق منها أن تأوي إليه، وتلحق وجودها بوجوده، وأسعد ما تكون في حبها أو في علاقتها الزوجية، إذ يملكها الرجل الذي يفوقها بالقدرة المطاعة، والعزيمة النافذة، ونتيجة المقاومة عندها أن تجمع بين الانتصار والخذلان في لحظة واحدة، فهي منتصرة حين تظفر بالرجل الذي يغلبها ويستولي عليها. وشبيه بهذا التناقض مع اختلاف أسبابه، أن الرغبة الجنسية عندها تنفصل عن الغريزة النوعية في معظم أيامها، فليست الرغبة الجنسية -بحكم الطبيعة- عبثًا في وقت من الأوقات عند الرجل، ولكنها عبث عند المرأة في أوقات حملها، وفي غير أوقات الحمل

стр. 6312

من أيام دوراتها الشهرية، وقد عوفيت أنثى الحيوان من هذا العبث؛ لأنها إذا حملت صدت عن الذكر وصد الذكر عنها، ولكن المرأة التي تحس أنها عابثة في أحق الوظائف النوعية بالجد والمبالاة، يختلط عندها العبث بالجد، والسرور العقيم بالوظيفة الطبيعية، وقد تقضي بعد من اليأس زمنًا يحكمها فيه هذا العبث الذي لا نظير له في حياة الرجولة. وحب الزينة أصل من أصول الرياء يشاركها فيه الرجل في ظاهر الأمر، ولكنه يخصها في جانب غير مشترك بينها وبين زينة الرجولة، فإن الرجل يتزين ليعزز إرادته، وإنما تتزين المرأة لتعزز إرادة غيرها في طلبها، وزينة المرأة كافية إذا راقت بمنظرها الظاهر في عين الرجل، ولكن زينة الرجل تجاوز ظاهره إلى الدلالة على قوته ومكانته وكفايته لمؤنة أهله، وليست الزينة التي تراد للإغراء بالقبول كالزينة التي تراد للإغراء بالطلب، فإن الفرق بينهما هو الفرق بين الإرادة والانقياد، وبين من يريد ومن ينتظر أن يُراد. وجملة القول أن الرياء على عمومه هو إظهار غير ما في الباطن، وهو حالة تعرض للرجال والنساء في الحياة الجنسية وغير الحياة الجنسية، ولكن الأنوثة تختص بلون منه؛ لأنها إذا لجأت إليه فإنما تلجأ إليه اضطرارًا؛ لأن من خلقها ألا تظهر كل ما في نفسها، وإن كان من الأمور الطبيعية التي لا إثم فيها، ولا مخالفة بها لوظيفتها.

стр. 6313

١١ - شبهة: صوت المرأة . نص الشبهة: يقولون: إن الإسلام جعل صوت المرأة عورة لا يجوز أن يسمعه الرجال بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ. . .﴾ (الأحزاب: ٣٢) والجواب على هذا من وجوه: الوجه الأول: الأدلة على أن صوت المرأة ليس بعورة . الوجه الثاني: ضوابط صوت المرأة. الوجه الثالث: ماذا عن صوت المرأة كما في الكتاب المقدس. وإليك التفصيل الوجه الأول: الأدلة على أن صوت المرأة ليس بعورة. إن صوت المرأة ليس بعورة، وذلك لأن النساء كن يكلمن الرجال في زمن النبي ﷺ ، وفي زمن أصحابه ﵃ بالسلام، والسؤال، والاستفهام، والاستفتاء في أمور الدين، والمشاورة، وغير ذلك كما هو معروف من سيرهن وسيرهم، ولو كان صوت المرأة عورة لا يحل لرجل أجنبي سماعه منها، لا استحل هؤلاء الصحابة لأنفسهم سماعه من نساء أجنبيات عنهم، فهم أورع من أن يفعلوا ما حرمه الشارع عليهم أو لأنكر عليهم رسول اللَّه ﷺ ، أو أنكر بعضهم على بعض، ولكن لم يرد عن رسول اللَّه ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه نكير على ذلك، فدل هذا على أن صوت المرأة ليس بعورة، وأنه يحل لأجنبي عنها سماعه منها. وأيضًا: لو كان صوت المرأة عورة لأمرت بستره وحجبه عن الرجال الأجانب عنها، كما أمرت بستر العورة من بدنها عنهم، فلما لم تؤمر بستر صوتها، وعدم التحدث مع الرجال الأجانب عنها، دل هذا على أنه ليس بعورة منها. قال د/ يوسف القرضاوي: القرآن أجاز سؤال أزواج النبي ﷺ من وراء حجاب، رغم التغليظ في أمرهن، حتى حرم عليهن ما لم يحرم على غيرهن؟ ومع هذا قال اللَّه: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (الأحزاب: ٥٣) والسؤال يقتضي جوابًا، وهو

стр. 6314

ما كانت تفعله أمهات المؤمنين، حيث كن يفتين من استفتاهن، ويروين الأحاديث من يريد أن يتحملها عنهن، وقد كانت المرأة تسأل النبي ﷺ في حضرة الرجال، ولم تجد في ذلك حرجًا، ولا منعها النبي ﷺ . وقد رأينا الفتاة ابنة الشيخ الكبير المذكور في سورة القصص تقول لموسى: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ (القصص: ٢٥). كما تحدثت إليه هي وأختها من قبل حين سألهما: ﴿مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (القصص: ٢٣). كما حكى لنا القرآن ما جرى من حديث بين سليمان ﵇ وملكة سبأ، ومثل ذلك بينها وبين قومها من الرجال. وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ما ينسخه من شرعنا، كما هو المذهب المختار. كل ما يمنع هنا هو التكسر والتميع في الكلام، الذي يراد به إثارة الرجل وإغراؤه، وهو ما عبر عنه القرآن باسم الخضوع بالقول، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (الأحزاب: ٣٢). فالمنهي عنه هنا هو هذا الخضوع الذي يطمع الذين أمرضت قلوبهم الشهوات، وهذا ليس منعًا للكلام كله مع الرجال كلهم، بدليل قوله تعالى تتمة للآية: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (الأحزاب: ٣٢). (١) الوجه الثاني: ضوابط صوت المرأة . (٢) وأما سماع الرجال صوت النساء غير المرقق أو المقطع فيباح عند أمن الفتنة، إذا كان ثمة ضرورة أو حاجة تقتضيه، ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف، فقد كان أصحاب رسول اللَّه

стр. 6315

- ﷺ يذهبون إلى بيوت أزواجه يسألونهن عن عبادته وما يعن لن من أسئلة حتى بعد نزول آيات الحجاب، ولم ينكر رسول اللَّه ﷺ على هؤلاء السائلين أن سمعوا أصوات زوجاته، ولو كان صوتهن عورة لأنكر عليهن، أو لنزل الوحي بأمرهن بمنع التحدث مع الرجال الأجانب عنهن، كما نزل بأمرهن بالاحتجاب، بل إن آيات الحجاب قد أبيح فيها للرجال الأجانب عنهن أن يسألوهن الفتوى في بعض المسائل، وهذا يقتضي أن يسمع السائلون أصوات أمهات المؤمنين بالجواب عن ذلك، كما أن بعض أصحاب رسول اللَّه ﷺ قد رووا الأحاديث عن النساء، وقامت امرأة من بين صفوف النساء تسأل رسول اللَّه ﷺ عن السبب في أن أكثر النساء حطب جهنم، وقامت أخرى من بين النساء في آخر المسجد تجادل عمر وتحاوره في دعوته إلى عدم المغالاة في المهور (١)، ولم ينكر رسول اللَّه ﷺ على الأولى أن تحدثت في حضرة الرجال الأجانب عنها، فقد سمعها جابر بن عبد اللَّه -راوي الحديث- وهو في صفوف الرجال في مقدمة المسجد، وسمعها بلال الذي كان مع رسول اللَّه ﷺ حينئذ، وكذلك لم ينكر عمر رضى اللَّه عنه على المرأة الثانية الكلام بحضرة الرجال الأجانب عنها، فلو كان صوت المرأة عورة لأنكر على هاتين المرأتين، فدل هذا على أن صوتها ليس بعورة وأنه يجوز للرجال الأجانب عنها سماعه منها عند الحاجة إلى ذلك، كسماعه منها عند التعليم، أو المعاملة، أو تشخيص المرض، أو الشهادة، أو الفتوى، أو ما شابه ذلك إذا أمنت الفتنة. اهـ. قال د/ البلتاجي: إذا كنا نتكلم في إطار الإسلام الذي أتى به النبي محمد ﷺ فاذكروا لنا نص القرآن الكريم، أو السنة الصحيحة التي قالت إن صوت المرأة عورة يجب سترها عن عالم الرجال، فهل عندكم مثل هذا النص؟ . إن الذي ورد في القرآن الكريم متصلًا بذلك هو قوله تعالى لنساء النبي ﷺ : ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ (الأحزاب: ٣٢). أي -كما

стр. 6316

يقول ابن كثير وغيره- أن تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، ولا ترقيق للصوت، كالكلام الذي تخاطب به المرأة زوجها، فالممنوع إذن هو تضمين الصوت ما يطمع الرجل في المرأة، أما القول الجاد الذي لا خضوع فيه ولا إثارة، وهو صوت المرأة الإنسان وليس صوت المرأة الأنثى، فلا شيء فيه مطلقًا، وقد سجلت لنا كتب السيرة، والسنة، وتراجم الصحابة والصحابيات آلاف الحوارات الشريفة بين الرجال والنساء في كل مجال، ولم يقل أحد عندئذ: إن مجرد صوت المرأة يعتبر عورة، فمن أين أتى هذا؟ (١). الوجه الثالث: ماذا عن صوت المرأة كما في الكتاب المقدس . صمت المرأة ! ! قال بولس في رسالته الأولى إلى كورنثوس (١٤: ٣٤): "لِتَصْمُتْ النِّسَاءُ فِي الْكَنَائِسِ، فَلَيْسَ مَسْمُوحًا لَهُنَّ أَنْ يَتكَلَّمْنَ، بَلْ عَلَيْهِنَّ أَنْ يَكُنَّ خَاضِعَاتٍ، عَلَى حَدِّ ما تُوصِي بِهِ الشَّرِيعَةُ أَيْضًا. وَلَكِنْ، إِذَا رَغِبْنَ فِي تَعَلُّمِ شَيْءٍ مَا، فَلْيَسْأَلْنَ أَزْوَاجَهُنَّ فِي الْبَيْتِ، لأَنَّهُ عَارٌ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَتكَلَّمَ فِي الْجَمَاعَةِ". فالرجل هو وحده المُعلِّم، وهو الذي يفهم، وهو الذي عليه أن يتكلم، أما الخادمة زوجته فتفعل فقط ما يمليها عليها زوجها، وتَعلم فقط ما علمه وفهمه زوجها. . . ونحن نسأل هل التزمت الكنيسة بهذه التعاليم؟ إننا نجد المرأة تتكلم بل تغني وبصوت مرتفع في الكنائس، فلماذا تخالف الكنيسة تعاليم بولس وتسمح للمرأة أن تتكلم وتغني في الكنيسة؟ (٢) * * *

стр. 6317

١٢ - شبهة: البغاء . نص الشبهة: ادعى المدعي في هذه الشبهة أن البغاء أحله اللَّه تعالى في كتابه واستدل على ذلك بآيات من القرآن وببعض الوقائع التي حدثت؛ فهل هذا صواب؟ والجواب على ذلك من وجوه الوجه الأول: ما هو البغاء ؟ . الوجه الثاني: إثبات حكم البغاء في الشريعة الإسلامية والإجابة عن الآيات التي استدلوا بها . الوجه الثالث: الإجابة عن الوقائع التي زعموا أنها حجة على الإسلام مع ذكر حال المجتمع الغربي مع البغاء. الوجه الرابع: البغاء في الكتاب المقدس. وإليك الفصيل الوجه الأول: ما هو البغاء؟ البغاء: الزنا، مصدر: بغت المرأة تبغي بغاء، أي: زنت، وهو مختص بزنا النساء (١)، وقال النسفي: ويكنى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة والبغاء الزنا للنساء خاصة وهو مصدر لبغت (٢)، وقال الماوردي: البغاء (الزنى). (٣) الوجه الثاني: إثبات حكم البغاء في الشريعة الإسلامية والإجابة عن الآيات التي استدلوا بها. حكم البغاء: يدعي هذا المدعي أن اللَّه أحل البغاء في كتابه وأحله النبي ﷺ في أحاديثه ونحن نقول: إن حرمة البغاء ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع. وهذه هي الأدلة على ذلك: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾ (النور: ٣٣).

стр. 6318

يقول تعالى ذكره: زوجوا الصالحين من عبادكم وإمائكم ولا تكرهوا إماءكم على البغاء وهو الزنا ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ يقول: إن أردن تعففًا عن الزنا. ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يقول: لتلتمسوا بإكراهكم إياهن علي الزنا عرض الحياة الدنيا. وذلك ما تعرض لهم إليه الحاجة من رياشها وزينتها وأموالها، (ومن يكرهن) يقول: ومن يكره فتياته على البغاء، فإن اللَّه من بعد إكراهه إياهن على ذلك، لهن ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ووزر ما كان من ذلك عليهن دونهن (١). وعن جابر، أن جارية لعبد اللَّه بن أبي يقال لها مسيكة وأخرى يقال لها أميمة فكان يكرههما على الزنى فشكتا ذلك إلى النبي ﷺ فأنزل اللَّه ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إلى قوله ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. (٢) فهذا أول دليل على تحريم البغاء في الشريعة الإسلامية، ولكن العجيب أنه استدل بها على العكس، فماذا قال فيها علماء الإسلام وما هي شبهته في هذه الآية؟ وقال البغوي: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾ إماءكم، ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾ أي: الزنا. (٣) وقال البقاعي: ولما أمر اللَّه سبحانه بالجود في أمر الرقيق تارة بالنفس، وتارة بالمال، نهاهم عما ينافيه، فقال: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾ أي: إماءكم، ولعله عبر بلفظ الفتوة هزًا لهم إلى معالي الأخلاق، وتخجيلًا من طلب الفتوة من أمة ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾ أي الزنى لتأخذوا منهن مما يأخذنه من ذلك، ولما كان الإكراه على الزنى لا يصح إلا عند العفة وكان ذلك نادرًا من أمة ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾ أي: الزنى لتأخذوا منهن مما يأخذنه من ذلك، ولما كان الإكراه على هذا الفعل حيث كانت النساء مطلقًا يتعففن عنه مع أنهن مجبولات على حبه، فكيف

стр. 6319

إذا لم يمنعهن مانع خوف أو حياء كالإماء؟ فكيف إذا أذن لهن فيه؟ ، فكيف إذا ألجئن إليه؟ وأشار بصيغة التفعل وذكر الإرادة إلى أن ذلك لا يكون إلا عن عفة بالغة، وزاد في تصوير التقبيح بذكر علة التزام هذا العار في قوله: ﴿لِتَبْتَغُوا﴾ أي تطلبوا طلبًا حثيثًا فيه رغبة قوية بإكراههن على الفعل الفاحش ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فإن العرض متحقق فيه الزوال والدنيا مشتقة من الدناءة. ولما نهي سبحانه عن الإكراه رغب الموالي في التوبة عند المخالفة فيه، فقال ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ﴾ دون أن يقول: وإن أكرهن، وعبر بالمضارع إعلامًا بأن يقبل التوبة ممن خالف بعد نزول الآية، وعبر بالاسم العلم في قوله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ إعلامًا بأن الجلال غير مؤيس من الرحمة، ولعله عبر بلفظ ﴿بَعْدِ﴾ إشارة إلى العفو عن الميل إلى ذلك الفعل عند مواقعته إن رجعت إلى الكراهة بعده، فإن النفس لا تملك بغضه حينئذ، فقال ﴿مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ أي: لهن وللموالي يستر ذلك الذنب إن تابوا ﴿رَحِيمٌ﴾ بالتوفيق إلى ما يرضيه. (١) وقال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾، كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فلما جاء الإسلام نهي اللَّه المؤمنين عن ذلك وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة فيما ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف في شأن عبد اللَّه بن أبي بن سلول، فإنه كان له إماء فكان يكرههن على البغاء طلبًا لخراجهن ورغبة في أولادهن ورياسة منه فيما يزعم (٢). إنه سبحانه لما أرشد الموالي إلى نكاح الصالحين من المماليك نهى المسلمين عما كان يفعله أهل الجاهلية من إكراه إمانهم على الزنا، فقال: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾، والمراد

стр. 6320

بالفتيات هنا الإماء وإن كان الفتى والفتاة قد يطلقان على الأحرار في موضع آخر، والبغاء: الزنا مصدر بغت المرأة تبغي بغاء إذا زنت وهذا مختص بزنا النساء، فلا يقال للرجل إذا زنا إنه بغي (١)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ﴾ إلى آخرة جملة مستأنفة سيقت لتقرير النهي وتأكيد وجوب العمل ببيان خلاص المكرهات من عقوبة المكره عليه عبارة، ورجوع غائلة الإكراه إلى المكرهين إشارة أي ومن يكرههن على ما ذكر من البغاء فإن اللَّه من بعد إكراههن غفور رحيم لهن كما في قراءة ابن مسعود وقد أخرجها عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عنه لكن بتقديم لهن على غفور رحيم ورويت كذلك أيضًا عن ابن عباس ﵁ وينبئ عنه على ما قيل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ أي كونهن مكرهات على أن الإكراه مصدر المبني للمفعول، فإن توسيطه بين اسم إن وخبرها للإيذان بأن ذلك هو السبب للمغفرة والرحمة (٢). قلت: فهذه بعض أقوال العلماء في تفسير الآية، وهي واضحة في أنهم استدلوا بها على تحريم البغاء، فما هي شبهة المتكلم على هذه الآية حيث استدل بها على العكس؟ أجاب العلماء على ذلك من وجوه: أحدها: أن الكلام ورد على سبب، وهو الذي ذكرناه، فخرج النهي عن صفة السبب وإن لم يكن شرطًا فيه (٣). وقال الماوردي: أنه وارد على سبب فخرج النهي على صفة السبب وإن لم يكن شرطًا فيه، وهذا ما روى جابر بن عبد اللَّه أن عبد اللَّه بن أبي بن سلول كاهما له أمة يقال لها مسيكة، وكان يكرهها على الزنى، فزنت ببُرْدٍ فأعطته إياه، فقال: ارجعي فازني على آخر،

стр. 6321

فقالت: لا واللَّه ما أنا براجعة، وجاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن سيدي يكرهني على البغاء، فأنزل اللَّه هذه الآية وكان مستفيضًا من أفعال الجاهلين طلبًا للولد والكسب (١). والثاني: إنه إنما شرط إرادة التحصن؛ لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن، فأما إذا لم ترد المرأة التحصن، فإنها تبغي بالطبع (٢). وقال الخازن: إنما شرط إرادة التحصن لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن، فأما إذا لم ترد المرأة التحصن فإنها تبغي بالطبع طوعها (٣). وقال الجصاص: وإنما (إن أردن تحصنًا) لأنها لو أرادت الزنا ولم ترد التحصن ثم فعلته على ما ظهر من الإكراه وهي مريدة له، كانت آثمة بهذه الإرادة، وكان الإكراه زائلًا عنها في الباطن وإن كان ثابتًا في الظاهر (٤). والثالث: أن (إن) بمعنى (إذا) ومثله قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة من الآية ٢٧٨)، وقوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ (آل عمران: ١٣٩). (٥) والرابع: أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، تقديره: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ إلى قوله ﴿وَإِمَائِكُمْ﴾ ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾، ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ

стр. 6322

الدُّنْيَا﴾ وهو كسبهن وبيع أولادهن ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ للمكرهات ﴿رَحِيمٌ﴾ وقرأ ابن عباس، وأبو عمران الجوني، وجعفر بن محمد ﴿مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١)، وعلى هذا يكون: وَأَنْكِحُوا الأَيَامَي مِنْكُمْ إن أردن تحصنًا ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء. (٢) الخامس: قال البيضاوي: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ تعففًا شرط للإكراه، فإنه لا يوجد دونه، وإن جعل شرطًا للنهي لم يلزم من عدمه جواز الاكراه لجواز أن يكون ارتفاع النهي بامتناع المنهي عنه، وإيثار إن على إذا؛ لأن إرادة التحصن من الإماء بالشاذ النادرة هي غالب أحوال الإماء البغايا المؤمنات إذ كن يحببن التعفف أو لأن القصة التي كانت سبب نزول الآية كانت معها إرادة التحصن، والداعي إلى ذكر القيد تشنيع حالة البغاء في الإسلام بأنه عن إكراه وعن منع من التحصن ففي ذكر القيدين إيماء إلى حكمة تحريمه وفساده وخباثة الاكتساب به (٣). السادس: قال الآلوسي: وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ليس لتخصيص النهي بصورة إرادتهن التعفف عن الزنا وأخراج ما عداها عن حكمه، كما إذا كان الإكراه بسبب كراهتهن الزنا لخصوص الزاني أو لخصوص الزمان أو لخصوص المكان، أو لغير ذلك الأمور المصححة للإكراه في الجملة، بل هو للمحافظة على عادة من نزلت فيهم الآية حيث كانوا يكرهونهن على البغاء وهن يردن التعفف عنه مع وفور شهوتهن الآمرة بالفجور وقصورهن في معرفة الأمور الداعية إلى محاسن الزاجرة عن تعاطي القبائح، وفيه من الزيادة لتقبيح حالهم وتشنيعهم على ما كانوا يفعلونه من القبائح ما لا يخفى، فإن من له أدنى مروءة لا يكاد يرضى بفجور من يحويه بينه من إمائه، فضلًا عن أمرهن به أو إكراههن عليه لاسيما عند إرادة التعفف

стр. 6323

وتوفر الرغبة فيها، كما يشعر به التعبير بأردن بلفظ الماضي وإيثار كلمة إن علي إذا لأن إرادة التحصن من الإماء كالشاذ والنادر، أو للإيذان بوجوب الانتهاء عن الاكراه عند كون إرادة التحصن في حيز التردد والشك، فكيف إذا كانت محققة الوقوع كما هو الواقع؟ (١). وقال أبو السعود: للمحافظة على عادتهم المستمرة حيث كانوا يكرهونهن على البغاء وهن يردن التعفف عنه مع وفور شهوتهن الآمرة بالفجور وقصورهن في معرفة الأمور الداعية إلى المحاسن الزاجرة عن تعاطي القبائح، فإن عبد اللَّه بن أبي كانت له ست جوار يكرهن على الزنا، وضرب عليهن ضرائب، فشكت اثنتان منهن إلى رسول اللَّه ﷺ فنزلت، وفيه من زيادة تقبيح حالهم وتشنيعهم على ما كانوا عليه من القبائح ما لا يخفى، فإن من له أدنى مروءة لا يكاد يرضى بفجور من يحويه حرمه من إمائه فضلًا عن أمرهن به أو إكراههن عليه لا سيما إرادتهن التعفف فتأمل! . (٢) السابع: وقال الآلوسي: ويعلم من توجيه هذا الشرط ما أشرنا إليه بيان حسن موقع الفتيات هنا باعتبار مفهومها الأصلي أنه لا مفهوم لها ولو فرضت صفة لأن شرط اعتبار المفهوم عند القائلين به أن لا يكون المذكور خرج مخرج الغالب، وقد تمسك جمع بالآية لإبطال القول بالمفهوم فقالوا: إنه لو اعتبر يلزم جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصن والإكراه على الزنا غير جائز بحال من الأحوال إجماعًا ومما ذكرنا يعلم الجواب عنه، وفي شرح المختصر الحاجي للعلامة العضد الجواب عن ذلك أولًا أنه مما خرج مخرج الأغلب إذ الغالب أن الإكراه عند إرادة التحصن ولا مفهوم في مثله وثانيًا أن المفهوم اقتضى ذلك وقد انتفى لمعارض أقوى منه وهو الإجماع، وقد يجاب عنه بأنه يدل على عدم الحرمة عند عدم الإرادة وأنه ثابت إذ لا يمكن الإكراه حينئذ لأنهن إذ لم يردن التحصن لم يكرهن البغاء والإكراه إنما هو إلزام فعل مكروه، وإذا لم يمكن لم يتعلق به التحريم لأن شرط

стр. 6324

التكليف الإمكان ولا يلزم من عدم التحريم الإباحة انتهى، ولعل ما ذكرناه أولًا هو الأولى وجعل غير واحد زيادة التقبيح والتشنيع جوابا بتغيير يسير ولا بأس به. (١) الثامن: وقال ابن عثيمين: إنما هذا القيد للتعليل أي للعلة هذه وليست للاحتراز. العاشر: وقال السيوطي في الإتقان فائدة، قال بعضهم: وقع في القرآن إن بصيغة الشرط وهو غير مراد في ستة مواضع ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ (النور: ٣٣). (٢) ثم تعلق بكلمة أخرى من الآية وهي قوله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ حيث فهم أنه إذا لم يبتغ عرض الحياة الدنيا جاز له إكراهها، وجواب ذلك أنه: لا حجة لهم في قوله تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فإنه كما في إرشاد العقل السليم قيد للإكراه لا باعتبار أنه مدار للنهي عنه، بل باعتبار أنه المعتاد فيما بينهم أيضًا جيء به تشنيعًا لهم فيما هم عليه من احتمال الوزر الكبير لأجل الوزر الحقير، أي: لا تفعلوا ما أنتم عليه من إكراههن على البغاء لطلب المتاع السريع الزوال الوشيك الاضمحلال، فالمراد بالابتغاء الطلب المقارن لنيل المطلوب واستيفائه بالفعل إذ هو الصالح لكونه غاية للإكراه مترتبًا عليه، لا المطلق المتناول للطلب السابق الباعث عليه ولا اختصاص لعرض الحياة الدنيا بكسبهن أعني أجورهن التي يأخذها على الزنا بهن وإن كان ظاهر كثير من الأخبار يقتضي ذلك، بل ما يعمه، وأولادهن من الزنا، وبذلك فسره سعيد بن جبير كما أخرجه عنه ابن أبي حاتم وفي بعض الأخبار ما يشعر بأنهم كانوا يكرهونهن على ذلك للأولاد. أخرج الطبراني والبزار وابن مردوية بسند صحيح عن ابن عباس أن جارية لعبد اللَّه بن أبي كانت تزني في الجاهلية فولدت له أولادًا من الزنا فلما حرم اللَّه تعالى الزنا، قال لها: ما لك لا تزنين قالت واللَّه لا أزني أبدًا فضربها فأنزل اللَّه تعالى ﴿وَلَا تُكْرِهُوا﴾ الآية، ولا يقتضي هذا

стр. 6325

وأمثاله تخصيص العرض بالأولاد كما لا يخفى، وسمعت أن بعض قبائل أعراب العراق كآل عزة يأمرون جواريهم بالزنا للأولاد كفعل الجاهيلة، ولا يستغرب ذلك من الأعراب لا سيما في مثل هذه الأعصار التي عرا فيها كثير من رياض الأحكام الشرعية في كثير من الواضع أعصار، فإنهم أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل اللَّه ولا حول ولا قوة إلا باللَّه (١). وقال الشوكاني: وهذا التعليل أيضًا خارج مخرج الغالب، والمعنى: أن هذا العرض هو الذي كان يحملهم على إكراه الإماء على البغاء في الغالب؛ لأن إكراه الرجل لأمته على البغاء لا لفائدة له أصلًا لا يصدر مثله عن العقلاء، فلا يدل هذا التعليل على أنه يجوز له أن يكرهها إذا لم يكن مبتغيًا بإكراهها عرض الحياة الدنيا، وقيل إن هذا التعليل للإكراه هو باعتبار أن عادتهم كانت لا أنه مدار للنهي عن الإكراه لهن وهذا يلاقي المعنى الأول ولا يخالفه ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، هذا مقرر لا قبله ومؤكد له والمعنى أن عقوبة الإكراه راجعة إلى المكرهين لا إلى المكرهات (٢)، فظهر بما سبق أن الآية لا تدل على الإباحة وإنما تدل على الحرمة صراحة لا ضمنا وعلى هذا أجمع علماء التفسير، وهذا هو الدليل الأول على تحريم البغاء في الإسلام. الدليل الثاني: الآيات التي دلت على تحريم الزنا ومنها ١ - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ (الإسراء: ٣٢): يقول تعالى ذكره: وقضى أيضًا أن ﴿تَقْرَبُوا﴾ أيها الناس ﴿الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ يقول: إن الزنا كان فاحشة ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، يقول: وساء طريق الزنا طريقًا؛ لأنه طريق أهل معصية اللَّه والمخالفين أمره فأسوئ به طريقًا يورد صاحبه نار جهنم (٣). ٢ - ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ

стр. 6326

وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ (الأحزاب: ٣٠): يقول تعالى جل ذكره لأزواج النبي ﷺ : ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾، يقول: من يزن منكن الزنى المعروف الذي أوجب اللَّه عليه الحد يضاعف لها العذاب على فجورها في الآخرة ضعفين على فجور أزواج الناس غيرهم. ٣ - قوله في وصف عباد الرحمن: يقول تعالى ذكره: وما عند اللَّه للذين آمنوا ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾ (الشورى: ٣٧). ٤ - ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ (النجم: ٣٢)، وقوله ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ يقول: الذين يبتعدون عن كبائر الإثم التي نهى اللَّه عنها وحرمها عليهم فلا يقربونها، وذلك الشرك باللَّه، وقد بيناه في قوله ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (النساء: ٣١)، وقوله: ﴿الْفَوَاحِشَ﴾ وهي الزنا وما أشبه مما أوجب اللَّه فيه حدًا. ٥ - ما جاء في البيعة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ (الممتحنة: ١٢)، وقوله تعالى ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾، وفي حديث سمرة: ذكر عقوبة الزناة بالعذاب الأليم في نار الجحيم وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت "جاءت فاطمة بنت عتبة تبايع رسول اللَّه ﷺ ، فأخذ عليها ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا

стр. 6327

يَزْنِينَ﴾ الآية، قال: فوضعت يدها على رأسها حياء، فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: أقري أيتها المرأة فواللَّه ما بايعنا إلا على هذا قالت: فنعم إذا فبايعها بالآية (١). ٦ - ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ (النساء: ٢٤: ٢٥). فهذه الآية واضحة في الدلالة على حرمة السفاح والبغاء والزنى، لكن قال من لا يفهم معناها إن الأجر المذكور في الآية هو أجر الزنى لأن المهر في الإسلام يكون مقدمًا وهذا مؤخر فهل هذا الاستدلال صحيح؟ والجواب: أنه لا يعرف الصحة ولا تعرفه كذلك، وهذا بيان معنى الآية: قال أبو جعفر: فأما المحصنات، فإنهن جمع محصنة وهي التي قد منع فرجها بزوج يقال منه "أحصن الرجل امرأته فهو يحصنها إحصانًا" وحصنت هي فهي تحصن حصانة، إذا عفت وهي حاصن من النساء عفيفة كما قال العجاج: وحاصن من حاصنات ملس ... عن الأذى وعن قراف الوقس

стр. 6328

ويقال أيضًا، إذا هي عفت وحفظت فرجها من الفجور: "قد أحصنت فرجها فهي محصنة"، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ (التحريم: ١٢)، بمعنى: حفظته من الريبة ومنعته من الفجور، وإنما قيل لحصون المدائن والقرى "حصون" لمنعها من أرادها وأهلها، وحفظها ما وراءها ممن بغاها من أعدائها، ولذلك قيل للدرع: درع حصينة. فإذا كان أصل الإحصان ما ذكرنا من المنع والحفظ، فبين أن معنى قوله ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ والممنوعات من النساء حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم، وإذا كان ذلك معناه وكان الإحصان قد يكون بالحرية كما قال جل ثناؤه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (المائدة: من الآية ٥)، ويكون بالإسلام كما قال تعالى ذكره ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (النساء: من الآية ٢٥)، ويكون بالعفة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (النور: من الآية ٤)، ويكون بالزوج، ولم يكن ﵎ خص محصنة دون محصنة في قوله ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فواجب أن تكون كل محصنة بأي معاني الإحصان كان إحصانها حراما علينا سفاحًا أو نكاحًا إلا ما ملكته أيماننا منهن بشراء كما أباحه لنا كتاب اللَّه جل ثناؤه، أو نكاح على ما أطلقه لنا تنزيل اللَّه، فالذي أباحه اللَّه ﵎ لنا نكاحًا من الحرائر: الأربع، سوى اللواتي حرمن علينا بالنسب والصهر، ومن الإماء: ما سبينا من العدو سوى اللواتي سبيناهن من أهل الكتابين ولهن أزواج، فإن السباء يحلهن من سباهن بعد الاستبراء، وبعد إخراج حق اللَّه ﵎ الذي جعله لأهل الخمس منهن، فأما السفاح، فإن اللَّه ﵎ حرمه من جميعهن، فلم يحله من حرة، ولا أمة، ولا مسلمة، ولا كافرة مشركة، وأما الأمة التي لها زوج فإنها لا تحل لمالكها إلا بعد طلاق زوجها إياها، أو وفاته وانقضاء عدتها منه فأما بيع سيدها إياها فغير موجب بينها وبين زوجها فراقًا ولا تحليلًا لمشتريها لصحة الخبر عن رسول اللَّه ﷺ : أنه خير

стр. 6329

بريرة إذ أعتقتها عائشة بين المقام مع زوجها الذي كان سادتها زوجوها منه في حال رقها، وبين فراقه ولم يجعل ﷺ عتق عائشة إياها لها طلاقًا، ولو كان عتقها وزوال ملك عائشة إياها لها طلاقًا، لم يكن لتخيير النبي ﷺ إياها بين المقام مع زوجها والفراق معنى ولوجب بالعتق الفراق وبزوال ملك عائشة عنها الطلاق، فلما خيرها النبي ﷺ بين الذي ذكرنا وبين المقام مع زوجها والفراق، كان معلومًا أنه لم يخير بين ذلك إلا والنكاح عقده ثابت كما كان قبل زوال ملك عائشة عنها، فكان نظيرًا للعتق الذي هو زوال ملك مالك المملوكة ذات الزوج عنها البيع، الذي هو زوال ملك مالكها عنها إذ كان أحدهما زوال البيع، والآخر بعتق في أن الفرقة لا تجب بينها وبين زوجها بهما ولا بواحد منهما، ولا يجب بهما ولا بواحد منهما طلاق، وإن اختلفا في معان أخر: من أن لها في العتق خيار في المقام مع زوجها والفراق لعلة مفارقة معنى البيع، وليس ذلك لها في البيع. قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف يكون معنيًا بالاستثناء من قوله ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ما وراء الأربع من الخمس إلى ما فوقهن بالنكاح والمنكوحات به غير مملوكات؟ قيل له: إن اللَّه تعالى لم يخص بقوله ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ المملوكات الرقاب دون المملوك عليها بعقد النكاح أمرها، بل عم بقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ كلا المعنيين أعني ملك الرقبة، وملك الاستمتاع بالنكاح لأن جميع ذلك ملكته أيماننا، أما هذه فملك استمتاع، وأما هذه فملك استخدام واستمتاع وتصريف فيما أبيح لمالكها منها. (١) وقال الشوكاني: بعد ذكر كلام العلماء على الآية: ومعنى الآية، واللَّه أعلم واضح لا سترة به، أي: وحرمت عليكم المحصنات من النساء، أي: المزوجات أعم من أن يكن مسلمات، أو كافرات إلا ما ملكت أيمانكم منهن إما بسبي فإنها تحل ولو كانت ذات زوج أو بشراء فإنها تحل ولو كانت متزوجة وينفسخ

стр. 6330

النكاح الذي كان عليها بخروجها عن ملك سيدها الذي زوجها، وسيأتي ذكر سبب نزول الآية إن شاء اللَّه، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وقد قرئ (المحصنات) بفتح الصاد وكسرها، فالفتح على أن الأزواج أحصنوهن، والكسر على أنهن أحصن فروجهن من غير أزواجهن أو أحصن أزواجهن. (١) وقال السعدي: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ أي: ذوات الأزواج فإنه يحرم نكاحهن ما دمن في ذمة الزوج حتى تطلق وتنقضي عدتها ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: بالسبي، فإذا سبيت الكافرة ذات الزوج حلت للمسلمين بعد أن تستبرأ، وأما إذا بيعت الأمة المزوجة أو وهبت فإنه لا ينفسخ نكاحها لأن المالك الثاني نزل منزلة الأول ولقصة بريرة حين خيرها النبي ﷺ (٢). ٢ - وأما قوله ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ ففي محل نصب على العلة، أي: حرم عليكم ما حرم وأحل لكم ما أحل لأجل أن تبتغوا بأموالكم النساء اللاتي أحلهن اللَّه لكم، ولا تبتغوا بها الحرام، فتذهب حال كونكم: ﴿مُحْصِنِينَ﴾ أي: متعففين عن الزنا، ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: غير زانين، والسفاح: الزنا، وهو مأخوذ من سفح الماء أي: صبه وسيلانه، فكأنه سبحانه أمرهم بأن يطلبوا بأموالهم النساء على وجه النكاح، لا على وجه السفاح، وقيل: إن قوله ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ بدل من ﴿مَا﴾ في قوله ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أي: وأحل لكم الابتغاء بأموالكم والأول أولى، وأراد سبحانه بالأموال المذكورة ما يدفعونه في مهور الحرائر وأثمان الإماء. (٣) وقال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما نحن مبينوه، وهو أن اللَّه جل ثناؤه بين لعباده المحرمات بالنسب والصهر، ثم المحرمات من المحصنات من النساء، ثم

стр. 6331

أخبرهم جل ثناؤه أنه قد أحل لهم ما عدا هؤلاء المحرمات المبينات في هاتين الآيتين أن نبتغيه بأموالنا نكاحًا وملك يمين، لا سفاحًا (١). وقال السعدي: وقوله ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ أي: تطلبوا من وقع عليه نظركم واختياركم من اللاتي أباحهن اللَّه لكم حالة كونكم ﴿مُحْصِنِينَ﴾ أي: مستعفين عن الزنا ومعفين نساءكم. ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، والسفح: سفح الماء في الحلال والحرام، فإن الفاعل لذلك لا يحصن زوجته لكونه وضع شهوته في الحرام، فتضعف داعيته للحلال، فلا يبقى محصنا لزوجته، وفيها دلالة على أنه لا يزوج غير العفيف لقوله ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ (النور: ٣). ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ أي: إتيانكم إياهن أجورهن فرض فرضه اللَّه عليكم ليس بمنزلة التبرع الذي إن شاء أمضاه وإن شاء رده أو معنى قوله فريضة: أي: مقدرة قد قدرتموها فوجبت عليكم فلا تنقصوا منها شيئًا. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ أي بزيادة من الزوج أو إسقاط من الزوجة عن رضا وطيب نفس (هذا قول كثير من المفسرين، وقال كثير منهم: إنها نزلت في متعة النساء التي كانت حلالا في أول الإسلام ثم حرمها النبي ﷺ وأنه يؤمر بتوقيتها وأجرها، ثم إذا انقضى الأمد الذي بينهما تراضيًا بعد الفريضة فلا حرج عليهما، واللَّه أعلم). ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: كامل العلم والسعة، كامل الحكمة: فمن علمه وحكمته شرع لكم هذه الشرائع وحد لكم هذه الحدود الفاصلة بين الحلال والحرام (٢). وقال النسفي: ﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾ يعني المهور، وفيه دليل على أن النكاح لا يكون إلا بمهر، وأنه يجب وإن لم يسم، وأن غير المال لا يصلح مهرًا وأن القليل لا يصلح مهرًا إذ

стр. 6332

الحبة لا تعد مالًا عادة ﴿مُحْصِنِينَ﴾ في حال كونكم محصنين، ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دينكم ودنياكم، ولا فساد أعظم من الجمع بين الخسرانين، والإحصان العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام، والمسافح الزاني من السفح وهو صب المني، ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ فما نكحتموه منهن ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن لأن المهر ثواب على البضع. (١) ٣ - وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ (النساء: ٢٥). أي: ومن لم يستطع الطول الذي هو المهر لنكاح المحصنات أي: الحرائر المؤمنات وخاف على نفسه العنت أي: الزنا والمشقة الكثيرة، فيجوز له نكاح الإماء المملوكات المؤمنات، وهذا بحسب ما يظهر، وإلا فاللَّه أعلم بالمؤمن الصادق من غيره، فأمور الدنيا مبنية على ظواهر الأمور وأحكام الآخرة مبنية على ما في البواطن. ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ أي: المملوكات ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ أي: سيدهن واحدا أو متعددا. ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: ولو كن إماء، فإنه كما يجب المهر للحرة فكذلك يجب للأمة، ولكن لا يجوز نكاح الإماء إلا إذا كن ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ وأي: عفيفات عن الزنا ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ أي: زانيات علانية، ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ أي: أخلاء في السر، فالحاصل أنه لا يجوز للحر المسلم نكاح أمة إلا بأربعة شروط ذكرها اللَّه: الإيمان

стр. 6333

بهن، والعفة ظاهرًا وباطنًا، وعدم استطاعة طول الحرة، وخوف العنت فإذا تمت هذه الشروط جاز له نكاحهن، ومع هذا فالصبر عن نكاحهن أفضل لما فيه من تعريض الأولاد للرق ولما فيه من الدناءة والعيب، وهذا إذا أمكن الصبر فإن لم يكن الصبر عن المحرم إلا بنكاحهن وجب ذلك، ولهذا قال: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). قلت: فهذا معنى الآية وليس فيها أدنى إشارة إلى حل السفاح أو الزنى، أما المهر في الإسلام فقد يكون مقدمًا وقد يكون مؤخرًا، وقد يتجزأ مقدمًا ومؤخرًا وفي كل الأحوال لا بد من العقد الصحيح المتكامل الشروط التي شرطها اللَّه تعالى على ما سبق بيانه. ٤ - ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الأنعام: ١٥١). ٥ - ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ (النور: ٢). ٦ - ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: ٣) فقرن فيها الزنى بالشرك وقدمه. (٢) ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ (آل عمران: ١٣٥). ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ فعلة بالغة في القبح كالزنى (٣).

стр. 6334

ومن ذلك أن اللَّه حرم القذف بالزنى كما في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ (النور: ٤: ٥). وفي الكلام حذف، المعنى والذين يرمون المحصنات بالزنى، ثم حذف لأن قبله ذكر الزانية والزاني (١)، وأثنى اللَّه في كتابه على مريم ﵉ بقوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ (مريم: ٢٨). الدليل الثالث: ومن ذلك ما جاء في السنة: فعن أبي مسعود الأنصاري أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن. (٢) قال ابن عبد البر: في هذا الحديث ما اتفق عليه وفيه ما اختلف فيه، فأما مهر البغي: والبغي الزانية، ومهرها ما تأخذ على زناها، فمجتمع على تحريمه، تقول العرب بغت المرأة إذا زنت تبغي بغاء فهي بغي وهن البغايا، قال اللَّه ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ يعني زانية، وقال ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ يعني الزنا وهو مصدر. وقال أيضًا: ولا معنى من شبه المهر اليسير بمهر البغي؛ لأن مهر البغي لو كان قنطارًا لم يجز ولم يحل لأن الزنى ليس على شروط النكاح بالشهود، والولي، والصداق المعلوم، وما يجب للزوجات من حقوق العصمة وأحكام الزوجية. (٣)

стр. 6335

وقال: فلما جاء الإسلام أبطل به رسول اللَّه ﷺ حكم الزنى (لتحريم اللَّه إياه) وقال للعاهر الحجر فنفي أن يلحق في الإسلام ولد الزنى، وأجمعت الأمة على ذلك نقلًا عن نبيها ﷺ وجعل رسول اللَّه ﷺ كل ولد يولد على فراش لرجل لاحقًا به على كل حال إلى أن ينفيه بلعان. (١) وقال محمد فؤاد عبد الباقي: (ومهر البغي) فهو ما تأخذه الزانية على الزنا، وسماه مهرًا لكونه على صورته وهو حرام بإجماع المسلمين. (٢)، وعن رافع بن خديج عن رسول اللَّه ﷺ قال: (ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث): وعنه قال سمعت النبي ﷺ يقول (شر الكسب مهر البغي، وثمن الكلب، وكسب الحجام) (٣). الوجه الثالث: الإجابة عن الوقائع التي زعموا أنها حجة على الإسلام مع ذكر حال المجتمع الغربي مع البغاء . ثم عاد الكاتب بأمور من وقائع ليحتج بها على الإسلام ومعلوم أن انحراف بعض الأفراد ليس حجة على أي دين ما دامت نصوص الدين تمنع ذلك وتحرمه ومع ذلك سأرفع له تقريرا عن حال الغرب في بلادهم للنظر فيه قبل أن يتهم الإسلام بما قد حرمه ونهى عنه كما هو. وهذا شيء من كيسهم، ونتيجة لتحطم نظام الأسرة، وبقاء الرجل دون زوجة أو أطفال، وخروج المرأة للعمل حتى تكسب لقمة عيشها، وبقاؤها دون زوج أو أطفال، وعدم قدرتها على تكوين أسر جديدة نتيجة للفقر المدقع والتمزق الاجتماعي الرهيب، فإن الرغبات الجنسية الطبيعية لدى كل من الرجل والمرأة واجهت كبتًا شديدًا في أول الأمر، وخاصة أن المعتقدات الدينية لدى العامة لم تزل قوية حتى ذلك العهد، وما كان من الفلاسفة والمنظرين اليهود إلا أن قاموا بحل هذه المعضلة واعتبار العلاقات الجنسية

стр. 6336

خارج نطاق الزوج أمرًا لا غبار عليه، بل هو أمر مرغوب فيه لأنه يزيل الكبت والعقد النفسية ولقد جاء في البروتوكول الثاني عشر من بروتوكولات حكماء صهيون: (الأدب والصحافة هما أعظم قوتين تعليميتين خطيرتين، ولقد نشرنا في كل الدول الكبرى ذوات الزعامة أدبًا مرضًا قذرًا يقذي النفوس)! ! وجاء في موضع آخر من البروتوكولات: (لا تتصوروا أن تصريحاتنا كلمات جوفاء، لاحظوا أن نجاح دارون وماركس ونيتشه قد رتبناه من قبل والأثر الأخلاقي لاتجاهات هذه العلوم في الفكرة الأممي الجوييم (أي غير اليهودي) سيكون واضحًا لنا على التأكيد). وأقيم من أجل الوصول إلى هذه الغاية ثورة ثقافية كبرى اشترك فيها آلاف الكتاب والأدباء والفنانين، ومجدوا الانحدار نحو مستنقع الرذيلة وألفت آلاف القصص وأقيمت آلاف المسرحيات والتمثيليات التي تشجع الرجال والنساء على البغاء واعتباره عملًا بطوليًا رائعًا وخاصة أولئك النساء اللاتي تبرعن بفروجهن للجنود في زمن الحرب وأقيمت لهن حفلات التكريم التي كان يحضرها رئيس الدولة كما أقيمت لهن التماثيل. يقول الأستاذ أبو الأعلي المودودي ﵀ في كتاب الحجاب: (وجاءت الحرب العالمية الأولى فابتدعت بدعة البغاء المتطوع علاوة على البغاء التجاري المعروف وبلغ هذا النوع المبتكر للفحشاء من عظم الشأن أن أكرمت النساء المحبات للوطن اللاتي كن خدمن الأبطال المدافعين عن أرض فرنسا وولدن من جراء تلك الخدمة أولادًا لا يعرف أباؤهم، ملقبين بلقب أمهات زمان الحرب, وأصبح تشجيعهن وأعالتهن فضيلة خلقية عند أولي الدعارة والفجور، وعنيت الجرائد اليومية الكبرى عناية بالغة باستمالة رجال الأعمال إليهن، وقامت بهذه الخدمة أكثر من غيرها الجريدتان المصورتان السيارتان فنتاسيو (Fantasio) ولا في باريزيان (La via parisenne) حتى جاء عدد واحد من هذه الأخيرة يشتمل على ١٩٩ إعلانًا عن أمرهن).

стр. 6337

وغلفت هذه القاذورات بورق السولفان والورق المذهب وأعطيت أريج الحب ونكهته: وتحدث فرويد عن العقد النفسية الناتجة عن الكبت والحرمان، واستمر الهراء حتى بلغ فرويد أن يقول إن حب الفتى لأمه إنما هو حب جنسي بحت وحقيقته عقدة أوديب، وإن حب الفتاة لأبيها ليس إلا حبًا جنسيًا محضًا وحقيقته عقدة إليكترا. ووجد هؤلاء المتفلسفون والمنظرون في الأساطير الإغريقية ملاذهم فكسوها ثوبًا فضفاضًا كثير البريق واللمعان تحت مسميات ضخمة حتى يوهموا العوام وأنصاف المثقفين بأن تحت ذلك الهراء السخيف علم غزير، ومجد هؤلاء الفساق ودعاة الرذيلة، وأعطيت لهم أضخم الجوائز التشجيعية ليواصلوا إفساد الأخلاق وصورت المومسات على أنهن نجوم وكواكب يهتدى بها ويقتدى بأعمالها وفعالها. . . ولهواة علم النفس الفرويدي نقول قد انكشف الزيف على لسان من تؤلهونهم وتتبعونهم، فقد نشرت مجلة التايم الأمريكية في عددها الصادر ٩ إبريل سنة ١٩٧٩ تحقيقًا طويلًا عن علم النفس جاء فيه: إن علم النفس الحديث وخاصة مدرسة فرويد الجنسية مدرسة صممها وروج لها اليهود في العالم أجمع وفي أمريكا على وجه الخصوص وأنها ليس لها أي مستند علمي حقيقي، وأن تمسك الناس بها في الولايات المتحدة ليس إلا من قبيل التمسك بالعادات الضارة كالتدخين وشرب الخمور، رغم أن الجميع يدركون الآن مضار هاتين العادتين وهكذا أصبح الحال بالنسبة لمدرسة فرويد وخاصة من يسمون بعلماء النفس فرغم أنهم يدركون زيفها وبطلانها، إلا أن كثيرًا منهم يستمر في اجترار هذا الزيف بحكم العادة حينًا وحكم المصلحة حينًا آخر. وخلاصة القول في خروج المرأة للعمل في أوربا أنه جاء نتيجة لمخططات الرأسماليين اليهود الذين قاموا بتحطيم نظام الأسرة، واستغلال الرجال أولًا فلما بدأ هؤلاء يجتمعون لأخذ بعض حقوقهم لجأوا إلى استغلال النساء والأطفال الذين دفع بهم العوز والمسغبة على براثن الرأسماليين، ومنذ خروج المرأة في أوربا وهي تدور في الدوامة الرهيبة تلهث وراء لقمة

стр. 6338

العيش، وتجتذب الجميلات منهن لتجارة الرقيق الأبيض الذي يعتبر من أكثر المهن تنظيمًا ويقول مسيو فردنيان دريفوس عضو البرلمان الفرنسي: (أن حرفة البغاء لم تعد الآن عملًا شخصيًا، بل قد أصبحت تجارة واسعة وحرفة منظمة بفضل ما تجلب وكالاتها من الأرباح)، ويقول مسيو بول بيورو (إن احتراف البغاء قد أصبح في زماننا نظامًا محكم التركيب يجري بما شئت من التنظيم على أيدي الموظفين والعاملين المأجورين، ويخدمه ويعمل فيه أرباب القلم، وناشروا الكتب، والخطباء، والمحاضرون، والأطباء، والقابلات، والشركات السياحية، ويستعمل له كل جديد من فنون النشر والعرض والإعلان (١). وهكذا تتسع تجارة الجنس، والأفلام، والقصص، والخمور، والمخدرات لتعود بالبلايين إلى العقول الخبيثة الماكرة التي تستخدم هذه الجيوش كلها بدهاء نادر لا يملكه في العادة إلا اليهود، ومن هذه الدوائر القذرة تتسع رقعة للنفوذ اليهودي الأخطبوطي لتشمل رجال السياسة والفكر والإعلام، وتسيطر بالتالي على معتقدات وأفكار العامة، واستمع إلى زعيم الحزب الديمقراطي الألماني يتحدث للتأكد مما قلناه في الأسطر السابقة يقول الزعيم بيبل (وهل الرجل والمرأة إلا نوع من الحيوان؟ وهل يكون بين أزواج الحيوانات شيء من قبيل الزواج، فكيف بالزواج الأبدي؟ ). ويكتب الدكتور دريسدل قائلًا: (أن العاطفة المطلقة من قيد الزواج مظهر للخلق العلي، لأنها أدنى إلى نواميس الفطرة، ولأنها تنشأ من العواطف والأحاسيس والحب المحض مباشرة وأن الشوق والنزوع التي تتولد منه هذه العلاقة شيء عظيم القدر غالي القيمة في الأخلاق). ويقول في موضع آخر (الحاجة ماسة إلى اتخاذ التدابير التي تجعل الحب بغير قيد الزواج شيئًا يجل ويكرم، ومما يسر أن سهولة الطلاق في هذا الزمان لا تزال تمحق طريق الزواج رويدًا رويدًا).

стр. 6339

ويقول بول روبين الزعيم الفرنسي: (من المغانم الحقيقية أننا قد بلغنا من النجاح في مساعينا لمدة ربع القرن الماضي أنه قد أصبح ولد الزنا في منزلة أولاد الحلال، فلا يبقى بعد هذا إلا أن يكون أولادنا جميعًا من هذا النوع الأول فقط حتى نستريح من هذه الموازنة بين النوعين من الأولاد). ويلخص الأستاذ أبو علي المودودي موقف المرأة في أوروبا اليوم بأصدق عبارة في كتابه القيم (الحجاب) حيث يقول: (كان من نتائج (النظام الرأسمالي) أن أصبحت المرأة كلًا على زوجها، وأصبح الولد عبئًا على أبيه، وتعذر على كل فرد أن يقيم أود نفسه فضلًا عن أن يعول غيره من المتعلقين به، وقضت الأحوال الاقتصادية أن يكون كل واحد من أفراد المجتمع عاملًا مكتسبًا، فاضطرت جميع طبقات النسا من الأبكار والأيامى والثياب أن يخرجن من بيوتهن لكسب الرزق رويدًا ولما كثر بذلك اختلاط الجنسين واحتكاك الذكور بالإناث وأخذت تظهر عواقبه الطبيعية في المجتمع تقدم هذا التصور للحرية الشخصية وهذه الفلسفة الجديدة للأخلاق فهدأ من قلق الآباء والأخوة والأخوات والبعولة والزوجات وجعل نفوسهم المضطربة تطمئن إلى أن الذي هو واقع أمام أعينهم لا بأس به، فلا يوجد منه خيفة إذ ليس هبوطًا ولا ترديًا بل هو نهضة وارتقاء وليس فسادًا خلقيًا بل هو عين اللذة والمتعة التي يجب أن يقتنيها المرء في حياته وأن هذه الهاوية التي يدفع بهم إليها الرأسمالي ليست بهاوية النار بل هي جنة تجري من تحتها الأنهار (١). وقال محمد رشيد رضا: (البغاء): وما أدراك ما هو؟ ! ارتياد الفاحشة الكبرى وتطلب النقيصة السوأى من جماعة من النساء يستعددن لذلك ويتجاهرن به.

стр. 6340

الزنا مولد الأدواء المشوهة القاتلة، ومقلل النسل، ومضيع الأنساب ومتلف الأموال، ومفسد نظام العائلات، وإن المجاهرة به مدعاة لتعميمه وتعميمه فتنة في الأرض وفساد كبير وبلاء على الأمم وبيل فشا في الأمة الفرنسوية وهي مفيضة العلم على أوربا وقدوتها في التربية العملية التي بها قوام المدنية فصدمها صدمة وقفت بنموها وقللت رجالها فقد كان متوسط المواليد فيها أوائل هذا القرن ٣٢ في الألف، فهبط في بعض بلادهم إلى ١٤، وفي بعضها على ٢٢ في الألف ولقد كان سكان أوربا يومئذ نحو مائة مليون ربعهم من الفرنسيون فزادت بروسيا في مدة القرن خمسة أضعاف، وبريطانيا أربعة أضعاف، وروسيا ثلاثة أضعاف، وفرنسا ضعفًا واحدًا، وأصبح أهل فرنسا عشر أهل أوربا وسبب ذلك الأكبر فشو الزنا فيهم وساستهم الآن في حيرة من تلافيه هذا، وإن لهذه المصيبة من الضرر المالي في مثل هذه البلاد ما لا نظير له في فرنسا وذلك لأن معظم المال الذي ينفق على الفحش هنا إنما ينقصه الأجانب من ثروة البلاد؛ لأن معظم المسافحات وذوات الأخدان فيها من الإفرنج، لا سيما صواحب الأمراء والوجهاء اللواتي يفاض عليهن المال جزافًا بلا عد ولا كيل، وبهذا المعنى نعد البغايا والمومسات من الجند الفاتح للبلاد، فإنهن ما نزلن في عراص قوام إلا مهدن لأبناء جنسهن فيها المقام وأورثنهم أرضهم وديارهم وأموالهم وشاهد ذلك بين يدينا وتحت مواقع أبصارنا فعلى من ابتلى بذلك أن يقلع حفظًا لدينه ودنياه، وإن كان استحوذ عليه الشيطان وملك عليه أمره فليستتر، لا سيما عن أهله وبنيه لئلا يجني عليهم فيفسدهم كما فسد ويضيع الأمل من مستقبل البلاد بهم، وليحجبهم ويمنعهم من قرناء السوء أمثاله ولا يأتمن عليهم الخدم فإنهم في الغالب على دينه ومشربه الخبيث ولقد بلغنا أن هؤلاء الخدم يغشون مواخير المومسات ومعهم الأولاد الصغار
следующие страницы →