← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وأيضا: فقد كان واجب عيسى ﵇ الأساسي هو البشارة بملكوت الله، والمعزي أو إيليا الذي سيأتي من بعده. وها هي النصوص على ذلك: ١ - ورد في لوقا (٤/ ٤٣): "٤٣ فَقَال لَهُمْ: "إِنَّهُ يَنْبَغِي لِي أَنْ أُبَشِّرَ الْمُدُنَ الأُخَرَ أَيْضًا بِمَلَكُوتِ الله، لأَنِّي لهِذَا قَدْ أُرْسِلْتُ". ٤٤ فَكَانَ يَكْرِزُ فِي مَجَامِعِ الْجَلِيلِ." ٢ - كما أوصى يسوع تلاميذه قائلا: "٧ وَفِيمَا أَنْتُمْ ذَاهِبُونَ اكْرِزُوا قَائِلِينَ: إِنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ." (متى ١٠/ ٧). ٣ - وورد في متى (١١/ ١٤): "١٤ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا، فَهذَا هُوَ إِيلِيَّا الْمُزمِعُ أَنْ يَأْتِيَ." ٤ - ورد في يوحنا (١٤/ ١٥ - ١٧): " "إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ، ١٦ وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ، ١٧ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الْعَالمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لَا يَرَاهُ وَلَا يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ." (١) ومما سبق يتبين أن أساس عقيدة النصرانية يقوم على عدة أركان: الأول: دعوى الخطية ولزوم الفداء (وقد سبق الكلام عنهما). الثاني: دعوى تجسد ابن الله من أجل الخلاص. الثالث: دعوى الصلب من أجل الخلاص. الرابع: دعوى قيامة المسيح من أجل الخلاص. الباب الثاني: الرد على دعوى تجسد ابن الله من أجل الخلاص ١ - عقيدة النصارى في التجسد وأقوالهم فيها والرد عليها . يدعي النصارى أن الإنسان لا يستطيع أن يتحرر ويتخلص بنفسه من الطبيعة الخاطئة التي ورثها عن آدم - بناء على فكرتهم في توارث خطيئة آدم - وذلك لأنه خاطئ. وها هي بعض أقوالهم في تقرير هذا المعنى:

стр. 667

يقول عوض سمعان: "فالإنسان لانتقال الطبيعة الخاطئة إليه بالوراثة وتسلطها على كيانه تبعًا لذلك لا يستطيع بمجهوده أن يتحرر منها أو يرتقي فوقها". (١) "فالبشر جميعًا بما فيهم الأنبياء محتاجون إلى من يفديهم". (٢) وهل يستطيع أن يقوم بهذه المهمة ملاك من الملائكة؟ والجواب هو أنه: لا يستطيع - في نظرهم - أن يقوم بمهمة الفداء أيضا ملاك. ففي تاريخ الأمة القبطية" لم يكن باستطاعة إنسان أو ملاك أن يقوم بهذه الفدية لأن الإنسان خاطئ ولأن الملاك مخلوق". (٣) كذلك لا يستطيع أي مخلوق آخر - في نظرهم - أن يقوم بالفداء. يقول حبيب جرجس: "ولم يستطع إنسان ولا ملاك ولا خليقة أخرى أن تصلح الجنس البشري من فساده لأن ذلك ضرب من المحال" (٤). ويقول حبيب جرجس: "وهذا الفادي ليس إنسانًا ولا ملاكًا ولا خليقة أخرى بل هو مخلصنا وفادينا ابن الله الوحيد ربنا يسوع المسيح". (٥) ويقول عوض سمعان: "بما أنه لا يستطيع فدائنا إلا الله، وبما أنه ليس من المعقول أن يخلق الله شخصا نظيره؛ لأن المخلوق يكون محدثًا، والمحدث لا يكون مثل الأزلي إذن ليس هناك كائن غير الله يستطيع القيام بفدائنا والتكفير عنا." (٦) ولكي يقوم ابن الله بالخلاص لابد وأن يتجسد ويظهر في صورة بشرية أي في ثوب الخطية حتى يستطيع الانتصار عليها بثوبها.

стр. 668

يقول القس صموئيل حبيب: "لذلك جاء يسوع في جسد الخطية ليفتدي الخطاة". (١) ولكي يستطيع أن يموت على الصليب ويتحمل الخطايا والآثام كان ولابد أن يظهر في صورة الجسد القابل للموت. يقول اثناسيوس الرسولي: "وإنه مستحيل أن يتحمل الكلمة الموت لأنه غير مائت، ولأنه ابن الآب لهذا أخذ لنفسه جسدا قابلا للموت حتى باتحاده بالكلمة الذي هو فوق الكل يكون جديرا أن يموت نيابة عن الكل." (٢) ٢ - الرد على هذه الدعوى إذا كان كل أفراد الجنس البشري متصفين بالسقوط في الخطيئة نتيجة لعصيان آدم فكيف يكون المسيح بجسد بشري وهو غير خاطئ؟ ذلك أن المسيح ولد من مريم وهي واحدة من أفراد الجنس البشري الساقط - في نظرهم - الذي ورث الخطية عن آدم، فكيف يكون مبرأ من الخطية وهو قد ولد من جسد خاطئ؟ خاصة وأن الأناجيل تقول "١٧ هكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، ١٨ لَا تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، وَلَا شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا جَيِّدَةً." (متى ٧/ ١٧ - ١٨). فالنسل الفاسد - في نظرهم - لا يستطيع أن يثمر نسلًا جيدًا. فإذا كان المسيح - في نظرهم - قد ولد من جسد فاسد أو من نسل فاسد أو من طبيعة فاسدة فإن طبيعته كذلك فاسدة - هذا على اعتقادهم - أما نحن المسلمين فنعتقد في عيسى ﵇ أنه عبد الله ورسوله. والجواب عند المسيحيين على مثل هذه الاعتراضات أن المسيح اتخذ جسدا مبرأ من الخطية؛ لأنه ابن الله المتجسد. ونرد عليهم فنقول:

стр. 669

إنه على ذلك ليس من نسل آدم، والشرط عندكم أن يكون الفادي من نسل آدم حتى يستطيع أن يقوم بالفداء. يقول أنسلموس اللاهوتي: "وبما أنه من آدم وحواء قد سرت الخطية إلى العالم فلا يقتضي أن يكفر عن خطايا العالم إلا هما بالذات أو واحد من نسلهما، ولما كانا هما غير قادرين على ذلك وجب أن يعمله واحد من ذريتهما". (١) وتقول فرنسس يونغ: "الادعاءات الخاصة أن هناك طريقة واحدة لفهم موضوع الخلاص عن طريق المسيح لم تكن قط جزءا من قوانين الكنيسة المسيحية لا في الاعتقاد ولا في التعريف." (٢) الباب الثالث: دعوى صلب المسيح من أجل الخلاص والرد عليها . تمهيد: يدعي المسيحيون أن المسيح ابن الله الذي تجسد وظهر في صورة بشرية كان ولابد أن يموت على الصليب حتى يستطيع أن يفدي البشرية ويخلصها من خطيئة آدم والخطايا الأخرى. يقول يوحنا "وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ." (يوحنا (١) ١/ ٧). يقول إلياس مقار: "إنه لابد أن يدفع الثمن كاملا لرفع الخطية، وإلا لكان الأمر مجرد تمثيلية بعيدة عن الحقيقة والواقع، ومن ثم لم يكن صلب المسيح مجردًا عن دفاع عن مبدأ يؤثر الناس الموت على تركه واستشهاده من أجل عقيدة يتمسك بها صاحبها وإلا لما افترق موت المسيح عن موت الشهداء وأصحاب المبادئ والمثل، لكن موت المسيح كان كفارة وفداء عن العقوبة التي وقعت للجنس البشري كله بسقوط وخطية نائبه الأول (آدم) فالصليب هو رافع العقوبة والدين وشاف ومطهر من اللوثة والطبيعة الفاسدة." (٣) من هنا كان الصلب في نظرهم هو مركز الدائرة وقطب الرحى الذي تدور عليه

стр. 670

النصرانية كلها، ولننظر أهمية الصلب وسفك الدماء عندهم من أجل الخلاص. الفصل الأول: أهمية الصلب عند النصارى . يدعي النصارى أن هناك ارتباطًا بين غفران الذنوب وسفك الدماء، وذلك أن أساس غفران الخطايا عندهم هو سفك الدماء. (١) ففي الرسالة الموجهة إلى العبرانيين يقول الكاتب "٢٢ وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لَا تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ! " (عبرانيين ٩/ ٢٢). ويقول بولس "الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ" (أفسس ١/ ٧). يقول باركلي: "وهناك صلة بين الكفارة والذبيحة ففي ناموس العهد القديم كان المخطئ يقدم لله ذبيحة يهدف منها إلى جلب رضا الله وإزالة غضبه ورفع العقوبة عنه، لنفترض أن إنسانا أخطأ، فالخطية تفسد العلاقة بينه وبين الله، ولكي تعود العلاقة السليمة يقدم المخطئ ذبيحة." (٢) يقول إنسطاسي شفيق" والذبائح كانت جزءا من عبادة الله التي وضعها منذ البدء وعلى ذلك نرى في الكتاب أن هابيل ونوحًا والآباء وإبراهيم وإسحاق ويعقوب قدموا الذبائح" (٣). والمسيح ابن الله -في نظر المسيحيين- هو الذبيحة الحقيقة التي حصل بها الغفران والخلاص والفداء للبشرية. يقول حبيب جرجس: "وكلمة الكفارة معناها في الأصل التغطية والستر أي أن خطايانا سترت بواسطة ذبيحة المسيح وكفارته من انتقام العدل الإلهي" (٤) ويقول باركلي: "إن الذبائح الحيوانية فشلت في تحقيق هذا" ١٦ لأَنَّكَ لَا تُسَرُّ بِذَبِيحَةٍ وَإِلَّا فَكُنْتُ أُقَدِّمُهَا. بِمُحْرَقَةٍ لَا تَرْضَى." (مزمور ٥١/ ١٦). "٦ بِمَ أَتَقَدَّمُ إِلَى الرَّبِّ وَأَنْحَنِي لِلإِلهِ الْعِليِّ؟ هَلْ أَتَقَدَّمُ بِمُحْرَقَاتٍ، بِعُجُول أَبْنَاءِ سَنَةٍ؟

стр. 671

٧ هَلْ يُسَرُّ الرَّبُّ بِأُلُوفِ الْكِبَاشِ، بِرِبَوَاتِ أَنْهَارِ زَيْتٍ؟ هَلْ أُعْطِي بِكْرِي عَنْ مَعْصِيَتِي، ثَمَرَةَ جَسَدِي عَنْ خَطِيَّةِ نَفْسِي؟ " (ميخا ٦/ ٦ - ٧). ونرد عليهم فنقول: لقد جاء في أسفار العهد القديم أن الذبائح الحيوانية كانت وسيلة من وسائل التقرب إلى الله تعالى، وأن الله قبل بعضها ورد أخرى. يقول سفر التكوين: "٣ وَحَدَثَ مِنْ بَعْدِ أَيَّامٍ أَنَّ قَايِينَ قَدَّمَ مِنْ أَثْمَارِ الأَرْضِ قُرْبَانًا لِلرَّبِّ، ٤ وَقَدَّمَ هَابِيلُ أَيْضًا مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا. فَنَظَرَ الرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَقُرْبَانِهِ، ٥ وَلكِنْ إِلَى قَايِينَ وَقُرْبَانِهِ لَمْ يَنْظُرْ. فَاغْتَاظَ قَايِينُ جِدًّا وَسَقَطَ وَجْهُهُ." (تكوين ٤/ ٣ - ٥). فواضح من هذا أن الله قبل قربان هابيل ولم يقبل قربان قايين. وأيضًا: "٢٠ وَبَنَى نُوحٌ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ. وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ الْبَهَائِمِ الطَّاهِرَةِ وَمِنْ كُل الطُّيُورِ الطَّاهِرَةِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى المْذْبَحِ، ٢١ فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا. وَقَال الرَّبُّ فِي قَلْبِهِ: "لَا أَعُودُ أَلْعَنُ الأَرْضَ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الإِنْسَانِ، لأَنَّ تَصَوُّرَ قَلْبِ الإِنْسَانِ شِرِّيرٌ مُنْذُ حَدَاثَتِهِ. وَلَا أَعُودُ أَيْضًا أُمِيتُ كُلَّ حَيٍّ كَمَا فَعَلْتُ." (تكوين ٨/ ٢٠ - ٢١). فالله قبل ذبائح نوح ﵇ التي تقرب بها إلى الله تعالى. وهناك دليل أوضح من هذا، وهو أن ذبائح موسى وقومه كانت سببًا في نجاتهم من عذاب الرب، فلو لم تكن الذبائح الحيوانية كافية في التكفير عن الخطية، لما نجى الله موسى وقومه من العذاب. يقول سفر الخروج "٢١ فَدَعَا مُوسَى جَمِيعَ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ وَقَال لهمُ: "اسْحَبُوا وَخُذُوا لَكُمْ غَنَمًا بِحَسَبِ عَشَائِرِكُمْ وَاذْبَحُوا الْفِصْحَ. ٢٢ وَخُذُوا بَاقَةَ زُوفَا وَاغْمِسُوهَا فِي الدَّمِ الَّذِي فِي الطَّسْتِ وَمُسُّوا الْعَتَبَةَ الْعُلْيَا وَالْقَائِمَتَيْنِ بِالدَّمِ الَّذِي فِي الطَّسْتِ. وَأَنْتُمْ لَا يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ بَابِ بَيْتِهِ حَتَّى الصَّبَاحِ، ٢٣ فَإِنَّ الرَّبَّ يَجْتَازُ لِيَضْرِبَ المصْرِيِّينَ. فَحِينَ يَرَى الدَّمَ عَلَى الْعَتَبَةِ الْعُلْيَا وَالْقَائِمَتَيْنِ يَعْبُرُ الرَّبُّ عَنِ الْبَابِ وَلَا يَدَعُ المُهْلِكَ يَدْخُلُ بُيُوتَكُمْ لِيَضْرِبَ. ٢٤ فَتَحْفَظُونَ هذَا الأَمْرَ فَرِيضَةً لَكَ وَلأَوْلَادِكَ إِلَى الأَبَدِ." (١٢/ ٢١ - ٢٥).

стр. 672

فالنص يبين أن موسى فدى بني إسرائيل بأن دلهم على الذبائح الحيوانية التي كانت سببا في نجاته هو وقومه من عذاب الرب الذي عذب به المصريين. وعلى هذا ففكرة المسيحيين بأن الذبائح الحيوانية فشلت في تحقيق غفران الخطايا فكرة مناقضة لما جاء في أسفار العهد القديم الدالة على أن هابيل ونوحًا وموسى وقومه قد قدموا الذبائح الحيوانية، والله قبلها منهم وغفر لهم خطاياهم ونجاهم من العذاب. وعليه فلا داعي للادعاء بأهمية صلب وسفك دماء المسيح، ولا داعي لأن ننسب إلى الله الظلم - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - فقد كان من الممكن أن يقوم بهذه المهمة حيوان بدلا من تعذيب إنسان برئ لا ذنب له. (١) ونأتي الآن للسؤال الأهم وهو: الفصل الثاني: هل صلب المسيح فعلًا أم لا؟ وما أدلتهم على ذلك ؟ أما بالنسبة للأدلة التي تثبت وقوع صلب المسيح، فليس للنصارى من أدلة سوى ما بين أيديهم من الأناجيل الأربعة، والنصارى أنفسهم يعترفون بذلك. يقول د/ حنا جرجس الخضري: "إن الأناجيل الأربعة تذكر لنا مؤامرة القبض ومحاكمة يسوع وموته، كما أنها أيضا تذكر أسماء رؤساء الكهنة اليهود والحاكم الروماني الذين اشتركوا في محاكمة يسوع، ولكن الوثائق التاريخية غير الإنجيلية التي تتكلم عن يسوع وموته قليلة جدًّا الأمر الذي أدهش المؤرخين كثيرًا بل يعتبر حجر عثرة بالنسبة لهم." (٢) ويذكر أيضًا أن السجلات والوثائق الرومانية لا تذكر شيئًا عن صلب المسيح. وهنا يتساءل بعض المؤرخين واللاهوتيين: كيف يمكن أن يصدر بيلاطس البنطي حكمه بإعدام شخص في أمة خاضعة لسلطة روما دون أن يرسل تقريرًا مفصلًا أو حتى موجزًا عن هذه القضية خصوصا وأن رؤساء الكهنة والكتبة قدموه إلى الحاكم الروماني كمفسد

стр. 673

للأمة (١) وكإنسان ثائر ضد روما والسلطة الحاكمة". (٢) فبما أنه لا دليل في أيديهم على صلب المسيح سوى الأناجيل فلنناقش هذه الروايات التي وردت في الأناجيل ونرى هل تثبت أمام النقد الصحيح في إثبات هذه القضية أم لا؟ والله المستعان. الفصل الثالث: الرد على دعوى الصلب، وينقسم إلى عدة مباحث: المبحث الأول: تناقضات روايات قصة الصلب . لقد تحدثت الأناجيل عن حياة المسيح من الميلاد إلى الصلب والقيامة - كما يزعمون - وسنحاول بإذن الله تعالى أن نثبت الخطأ والتناقض بين هذه الروايات، من أول مقدمات حادثة الصلب إلى الانتهاء من صلب المسيح ودفنه - كما يزعمون -. وينقسم هذا المبحث إلى عدة مطالب: المطلب الأول: تناقض روايات مقدمة أحداث الصلب ١ - مسح جسد المسيح بالطيب يقول إنجيل مرقس (١٤/ ١ - ٨): "١ وَكَانَ الْفِصْحُ وَأيَّامُ الْفَطِيرِ بَعْدَ يَوْمَيْنِ. وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ يَطْلُبُونَ كَيْفَ يُمْسِكُونَهُ بِمَكْرٍ وَيَقْتُلُونَهُ، ٢ وَلكِنَّهُمْ قَالوا: "لَيْسَ فِي الْعِيدِ، لِئَلَّا يَكُونَ شَغَبٌ فِي الشَّعْبِ". ٣ وَفِيمَا هُوَ فِي بَيْتِ عَنْيَا فِي بَيْتِ سِمْعَانَ الأَبْرَصِ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ، جَاءَتِ امْرَأَةٌ مَعَهَا قَارُورَةُ طِيبِ نَارِدِينٍ خَالِصٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ. فَكَسَرَتِ الْقَارُورَةَ وَسَكَبَتْهُ عَلَى رَأْسِهِ. ٤ وَكَانَ قَوْمٌ مُغْتَاظِينَ فِي أنفُسِهِمْ، فَقَالوا: "لِمَاذَا كَانَ تَلَفُ الطِّيبِ هذَا؟ ٥ لأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُبَاعَ هذَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِمِئَةِ دِينَارٍ وَيُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ". وَكَانُوا يُؤَنِّبُونَهَا. ٦ أَمَّا يَسُوعُ فَقَال: "اتْرُكُوهَا! لِمَاذَا تُزْعِجُونَهَا؟ قَدْ عَمِلَتْ بِي عَمَلًا حَسَنًا! . ٧ لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَمَتَى أَرَدْتُمْ تَقْدِرُونَ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِمْ خَيْرًا. وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ. ٨ عَمِلَتْ مَا عِنْدَهَا. قَدْ سَبَقَتْ وَدَهَنَتْ بِالطِّيبِ جَسَدِي لِلتَّكْفِينِ."

стр. 674

ويقول إنجيل لوقا: "٣٦ وَسَأَلَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ الْفَرِّيسِيِّ وَاتَّكَأَ. ٣٧ وَإِذَا امْرَأَةٌ فِي المْدِينَةِ كَانَتْ خَاطِئَةً، إِذْ عَلِمَتْ أَنَّهُ مُتَّكِئ فِي بَيْتِ الْفَرِّيسِيِّ، جَاءَتْ بِقَارُورَةِ طِيبٍ ٣٨ وَوَقَفَتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ بَاكِيَةً، وَابْتَدَأَتْ تَبُلُّ قَدَمَيْهِ بِالدُّمُوعِ، وَكَانَتْ تَمْسَحُهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا، وَتُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ وَتَدْهَنُهُمَا بِالطِّيبِ.٣٩ فَلَمَّا رَأَى الْفَرِّيسِيُّ الَّذِي دَعَاهُ ذلِكَ، تَكَلَّمَ فِي نَفْسِهِ قِائِلًا: "لَوْ كَانَ هذَا نَبِيًّا، لَعَلِمَ مَنْ هذِهِ الامَرْأَةُ الَّتِي تَلْمِسُهُ وَمَا هِيَ! إِنَّهَا خَاطِئَةٌ". ٤٠ فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَال لَهُ: "يَاسِمْعَانُ، عِنْدِي شَيْءٌ أَقُولُهُ لَكَ". فَقَال: "قُلْ، يَا مُعَلِّمُ". ٤١"كَانَ لِمُدَايِنٍ مَدْيُونَانِ. عَلَى الْوَاحِدِ خَمْسُمِئَةِ دِينَارٍ وَعَلَى الآخَرِ خَمْسُونَ. ٤٢ وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعًا. فَقُلْ: أَيُّهُمَا يَكُونُ أَكْثَرَ حُبًّا لَهُ؟ " ٤٣ فَأَجَابَ سِمْعَانُ وَقَال: "أَظُنُّ الَّذِي سَامَحَهُ بِالأَكْثَرِ". فَقَال لَهُ: "بِالصَّوَابِ حَكَمْتَ". ٤٤ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْمَرْأَةِ وَقَال لِسِمْعَانَ: "أَتَنْظُرُ هذِهِ الْمَرْأَةَ؟ إِنِّي دَخَلْتُ بَيْتَكَ، وَمَاءً لأَجْلِ رِجْلَيَّ لَمْ تُعْطِ. وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ غَسَلَتْ رِجْلَيَّ بِالدُّمُوعِ وَمَسَحَتْهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا. ٤٥ قُبْلَةً لَمْ تُقَبِّلْنِي، وَأَمَّا هِيَ فَمُنْذُ دَخَلْتُ لَمْ تَكُفَّ عَنْ تَقْبِيلِ رِجْلَيَّ. ٤٦ بِزَيْتٍ لَمْ تَدْهُنْ رَأْسِي، وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ دَهَنَتْ بِالطِّيبِ رِجْلَيَّ. ٤٧ مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَقُولُ لَكَ: قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا الْكَثِيرَة، لأَنَّهَا أَحَبَّتْ كَثِيرًا. وَالَّذِي يُغْفَرُ لَهُ قَلِيلٌ يُحِبُّ قَلِيلًا". ٤٨ ثُمَّ قَال لَهَا: "مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ". (٧/ ٣٦ - ٤٨). ويقول إنجيل يوحنا: "١ ثُمَّ قَبْلَ الْفِصْحِ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ أَتَى يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا، حَيْثُ كَانَ لِعَازَرُ الْمَيْتُ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ. ٢ فَصَنَعُوا لَهُ هُنَاكَ عَشَاءً. وَكَانَتْ مَرْثَا تَخْدِمُ، وَأَمَّا لِعَازَرُ فَكَانَ أَحَدَ المَّتكِئِينَ مَعَهُ. ٣ فَأَخَذَتْ مَرْيَمُ مَنًا مِنْ طِيبِ نَارِدِينٍ خَالِصٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ، وَدَهَنَتْ قَدَمَيْ يَسُوعَ، وَمَسَحَتْ قَدَمَيْهِ بِشَعْرِهَا، فَامْتَلأَ الْبَيْتُ مِنْ رَائِحَةِ الطِّيبِ. ٤ فَقَال وَاحِدٌ مِنْ تَلَامِيذِهِ، وَهُوَ يَهُوذَا سِمْعَانُ الإِسْخَريُوطِيُّ، المْزمِعُ أَنْ يُسَلِّمَهُ: ٥ "لِمَاذَا لَمْ يُبَعْ هذَا الطِّيبُ بِثَلَاثَمِئَةِ دِينَارٍ ويُعْطَ لِلْفُقَرَاءِ؟ " ٦ قَال هذَا لَيْسَ لأَنَّهُ كَانَ يُبَالِي بِالْفُقَرَاءِ، بَلْ لأَنَّهُ كَانَ سَارِقًا، وَكَانَ الصُّنْدُوقُ عِنْدَهُ، وَكَانَ يَحْمِلُ مَا يُلْقَى فِيهِ. ٧ فَقَال يَسُوعُ: "اتْرُكُوهَا! إِنَّهَا لِيَوْمِ تَكْفِينِي قَدْ حَفِظَتْهُ، ٨ لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ". (١٢/ ١ - ٨).

стр. 675

فيما سبق يتبين لنا التناقض الواضح في قصة (المسح بالطيب) ويتجلى ذلك في عدة أمور: أولًا: وقت حدوثها. فنجد أن يوحنا يذكرها مبكرا عما أورده مرقس ببضعة أيام (يوحنا ١٢/ ١) ويذكرها لوقا في موقع مختلف تماما من سيرة يسوع (٧/ ٣٦). ثانيًا: في مكان حدوثها. فبينما نجدها قد حدثت في منزل سمعان الأبرص من قرية بيت عنيا (حسب مرقس ومتى) - وفي بيت فريسي (حسب لوقا) - وفي بيت مريم ومرثا ولعازر (حسب يوحنا ١٢/ ١ - ٢). ثالثا: في شخصية المرأة. فهي مجهولة (حسب مرقس ومتى) - وخاطئة (حسب لوقا) - وامرأة صديقة هي مريم أخت لعازر (حسب يوحنا). رابعًا: ماذا فعلت؟ دهنت رأس يسوع بالطيب (حسب مرقس ومتى) - دهنت رجليه بالطيب (حسب لوقا ويوحنا). خامسًا: رد الفعل عند المشاهدين. اغتاظ قوم لإسرافها (حسب مرقس) - واغتاظ التلاميذ (حسب متى ٢٦/ ٨) - وكان تساؤل الفريسي مع نفسه حول معرفة يسوع بشخصية المرأة (حسب لوقا) - واغتاظ يهوذا الإسخريوطي لإسرافها (حسب يوحنا). (١) ٢ - خيانة يهوذا يقول مرقس: "١٠ ثُمَّ إِنَّ يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيَّ، وَاحِدًا مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ، مَضَى إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ لِيُسَلِّمَهُ إِلَيْهِمْ. ١١ وَلَّما سَمِعُوا فَرِحُوا، وَوَعَدُوهُ أَنْ يُعْطُوهُ فِضَّةً. وَكَانَ يَطْلُبُ كَيْفَ يُسَلِّمُهُ فِي فُرْصَةٍ مُوافِقَةٍ." (١٤/ ١٠ - ١١). أما متى فقد غير -كما يقول جون فنتون- "في قول مرقس: ووعدوه أن يعطوه فضة

стр. 676

- إلى: فجعلوا له (بمعنى دفعوا له) ثلاثين من الفضة. لكن كلمات متى مقتبسة من سفر زكريا الذي يقول: "١٢ فَقُلْتُ لَهُمْ: "إِنْ حَسُنَ فِي أَعْيُنِكُمْ فَأَعْطُونِي أُجْرَتِي وَإِلَّا فَامْتَنِعُوا". فَوَزَنُوا أُجْرَتِي ثَلَاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ." (١١/ ١٢). كذلك يوجد تلميح إلى ما في الإصحاحات الأخيرة من زكريا وقد ذكرها متى في ٢١/ ٥، ٢٤/ ٣، ٣٠، ٣١، ٢٦/ ١٨، ٢٧/ ٩ لقد قرأ متى هذه التفاصيل من العهد القديم". (١) ٣ - التحضير للعشاء الأخير يقول مرقس: "١٢ وَفي الْيَوْمِ الأَوَّلِ مِنَ الْفَطِيرِ. حِينَ كَانُوا يَذْبَحُونَ الْفِصْحَ، قَال لَهُ تَلَامِيذُهُ: "أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نَمْضِيَ وَنُعِدَّ لِتَأْكُلَ الْفِصْحَ؟ " ١٣ فَأَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلَامِيذ وَقَال لَهُما: "اذْهَبَا إِلَى المدِينَةِ، فَيُلَاقِيَكُما إِنْسَانٌ حَامِلٌ جَرَّةَ مَاءٍ. اِتْبَعَاهُ. ١٤ وَحَيْثُمَا يَدْخُلْ فَقُولَا لِرَبِّ الْبَيْتِ: إِنَّ المُعَلِّمَ يَقُولُ: أَيْنَ المُنْزِلُ حَيْثُ آكُلُ الْفِصْحَ مَعَ تَلَامِيذِي؟ ١٥ فَهُوَ يُرِيكُمَا عِلِّيَّةً كَبِيرَةً مَفْرُوشَةً مُعَدَّةً. هُنَاكَ أَعِدَّا لَنَا". ١٦ فَخَرَجَ تِلْمِيذَاهُ وَأَتَيَا إِلَى المُدِينَةِ، وَوَجَدَا كَمَا قَال لَهُمَا. فَأَعَدَّا الْفِصْحَ." (١٤/ ١٢ - ١٦) "إن أغلب المفسرين يعتقدون أن هذه الفقرة (بأعدادها من رقم ١٢ إلى ١٦) إنما كانت في الواقع إضافة أدخلت فيما بعد إلى الرواية التي كان يتبعها مرقس في هذا الجزء من إنجيله. ومن أسباب ذلك ما يلي: ١ - وصف اليوم الذي قيل إن القصة حدثت فيه بأسلوب لا يستخدمه اليهودي العادي الذي كان معاصرًا لها. ٢ - وصف اتباع يسوع في كل فقرة من هذا الإصحاح (الرابع عشر) بأنهم تلاميذه، بينما أشير إليهم بإصرار في هذه الفقرة بأنهم الاثنى عشر. ٣ - إن كاتب العدد ١٧ (الذي يقول: ولما كان المساء جاء مع الإثنى عشر) لا يعلم شيئا عن رحلة التلميذين التي ذكرت في العدد ١٣. فلو كان كاتب العدد ١٧ يعلم محتويات تلك الفقرة، لكان عليه أن يتحدث عن العشرة (وليس عن الاثنى عشر، أي أن

стр. 677

العدد ١٧ كان يجب أن يقرأ هكذا: ولما كان المساء جاء مع العشرة). (١) ويختلف متى عن مرقس في قصة الإعداد للعشاء، إذ يجعل التلاميذ جميعا يشتركون في هذا الإعداد (٢) فيقول: "١٨ فَقَال: "اذْهَبُوا إِلَى المدِينَةِ، إِلَى فُلَانٍ وَقُولُوا لَهُ: المُعَلِّمُ يَقُولُ: إِنَّ وَقْتِي قَرِيبٌ. عِنْدَكَ أَصْنَعُ الْفِصْحَ مَعَ تَلَامِيذِي". ١٩ فَفَعَلَ التَّلَامِيذُ كَمَا أَمَرَهُمْ يَسُوعُ وَأَعَدُّوا الْفِصْحَ." (٢٦/ ١٨ - ١٩). ٤ - توقيت العشاء الأخير وأثره على قضية الصلب . يتفق متى مع مرقس (وكذلك لوقا ٢٢/ ٨) في أن العشاء الأخير كان هو الفصح، وعلى العكس من ذلك نجد الإنجيل الرابع يجعل الفصح يؤكل في المساء بعد موت يسوع (يوحنا ١٨/ ٢٨). ويرى أغلب العلماء أن توقيت كل من متى ومرقس ولوقا صحيح، وأن يوحنا قد غير ذلك لأسباب عقائدية". (٣) ذلك أن يوحنا يقرر أن العشاء الأخير الذي حضره يسوع مع تلاميذه كان قبل الفصح: "١ أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ ... ٢ فَحِينَ كَانَ الْعَشَاءُ ... ٤ قَامَ عَنِ الْعَشَاءِ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ، وَأَخَذَ مِنْشَفَةً وَاتَّزَرَ بِهَا ... ٥ ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَل، وَابْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التَّلَامِيذِ وَيَمْسَحُهَا بِالمنْشَفَةِ الَّتِي كَانَ مُتَّزِرًا بِهَا". (١٤/ ١ - ٥) وكذلك يقرر يوحنا أنهم قبضوا على يسوع في مساء اليوم السابق لأكل الفصح، وذلك في قوله: "٢٨ ثُمَّ جَاءُوا بِيَسُوعَ مِنْ عِنْدِ قَيَافَا إِلَى دَارِ الْوِلَايَةِ، وَكَانَ صُبْحٌ. وَلَمْ يَدْخُلُوا هُمْ إِلَى دَارِ الْوِلَايَةِ لِكَيْ لَا يَتَنَجَّسُوا، فَيَأْكُلُونَ الْفِصْحَ." (١٨/ ٢٨). إن اختلاف الأناجيل في توقيت العشاء الأخير ترتب عليه اختلافهم في نقطة جوهرية تعتبر واحدة من أهم عناصر قضية الصلب، ألا وهي تحديد يوم الصلب. فإذا أخذنا برواية مرقس ومتى ولوقا لكان يسوع قد أكل الفصح مع تلاميذه مساء الخميس ثم كان القبض بعد

стр. 678

ذلك بقليل في مساء الخميس ذاته وبذلك يكون الصلب قد حدث يوم الجمعة. أما الأخذ برواية يوحنا فإنه يعني أن القبض كان مساء الأربعاء، وأن الصلب حدث يوم الخميس. فهل حدث الصلب يوم الخميس أم يوم الجمعة؟ ! ! ! . (١) ٥ - العشاء الأخير والتلميذ الخائن . يقول مرقس (١٤/ ١٦ - ٢١): "١٧ وَلمَّا كَانَ المْسَاءُ جَاءَ مَعَ الاثْنَيْ عَشَرَ. ١٨ وَفِيمَا هُمْ مُتَّكِئُونَ يَأْكُلُونَ، قَال يَسُوعُ: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي. الآكِلُ مَعِي! " ١٩ فَابْتَدَأُوا يَحْزَنُونَ، وَيَقُولُونَ لَهُ وَاحِدًا فَوَاحِدًا: "هَلْ أَنَا؟ " وَآخَرُ: "هَلْ أَنَا؟ ٢٠ فَأَجَابَ وَقَال لَهُمْ: "هُوَ وَاحِدٌ مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِي يَغْمِسُ مَعِي فِي الصَّحْفَةِ. ٢١ إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. كَانَ خَيْرًا لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ! ". " أما التغييرات التي أدخلها متى على رواية مرقس فتعتبر بسيطة، إذ قد حذف قول مرقس في العدد ١٨: الآكل معي - وهذا غريب، حيث إن هذا النص يعطي تلميحًا لما في المزمور ٤١/ ٩ (الَّذِي يَأْكُلُ مَعِي الْخُبْزَ رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ.) وقد اقتبسه يوحنا في ١٣/ ١٨ علمًا بأن متى لا يترك أي نقطة تشير إلى تتمة كتب العهد القديم إلا استخدمها. وكذلك أضاف متى كلمة ربي في العدد ٢٢ (٢٢ فَحَزِنُوا جِدًّا، وَابْتَدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ لَهُ: "هَلْ أَنَا هُوَ يَارَبُّ؟ "". كما أضاف العدد ٢٥ بأكمله (٢٥ فَأَجَابَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ وَقَال: "هَلْ أَنَا هُوَ يَا سَيِّدِي؟ " قَال لَهُ: "أَنْتَ قُلْتَ". (٢) ويقول لوقا (٢٢/ ١٤، ١٥، ١٩، ٢٠): "١٤ وَلمَّا كَانَتِ السَّاعَةُ اتَّكَأَ وَالاثْنَا عَشَرَ رَسُولًا

стр. 679

مَعَهُ، ١٥ وَقَال لهمْ: "شَهْوَةً اشْتَهَيْتُ أَنْ آكُلَ هذَا الْفِصْحَ مَعَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَأَلَّمَ، ١٦ لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لَا آكُلُ مِنْهُ بَعْدُ حَتَّى يُكْمَلَ فِي مَلَكُوتِ الله" ... ١٩ وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: "هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي". ٢٠ وَكَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلًا: "هذ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنكمْ." يقول جورج كيرد في تفسيره لهذه الفقرات "إن قصة العشاء الأخير في لوقا تعتبر كابوسًا، فهي تثير مشاكل في أغلب مواضيع دراسة العهد الجديد، كما أنها أعطت الأساس لطوفان من النظريات المتصارعة" ولتوضيح هذا التصارع والتناقض نقول: ١ - أغلب النسخ تشتمل على ما يعرف بالنص الأطول وهو الذي يحتوي على جزء من العدد ١٩، والعدد ٢٠ (وهما المكتوبان بالبنط العريض وتحتهما خط) كما أن هناك النص الغربي - وقد سارت عليه النسخة القياسية المراجعة - الذي يحذف هذين العددين. ويبدو أنهما أخذا مما جاء في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس ١١/ ٢٤، ٢٥ وجزءا من مرقس ١٤/ ٢٤، ثم أدخلا إلى النص في عهد مبكر على يد كاتب اعتقد أن قصة لوقا خاطئة." (١) ٢ - رواية يوحنا فيها اختلاف عن بقية الأناجيل الثلاثة الأخر فهو يقول: "لمَّا قَال يَسُوعُ هذَا اضْطَرَبَ بِالرُّوحِ، وَشَهِدَ وَقَال: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي! ". ٢٢ فَكَانَ التَّلَامِيذُ يَنْظُرُونَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَهُمْ مُحْتَارُونَ فِي مَنْ قَال عَنْهُ. ٢٣ وَكَانَ مُتَّكئًا فِي حِضْنِ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنْ تَلَامِيذ، كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ. ٢٤ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَال عَنْهُ. ٢٥ فَاتَّكَأَ ذَاكَ عَلَى صَدْرِ يَسُوعَ وَقَال لَهُ: "يَا سَيِّدُ، مَنْ هُوَ؟ " ٢٦ أَجَابَ يَسُوعُ: "هُوَ ذَاكَ الَّذِي أَغْمِسُ أَنَا اللُّقْمَةَ وَأُعْطِيهِ! ". فَغَمَسَ اللُّقْمَةَ وَأَعْطَاهَا لِيَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ. ٢٧ فَبَعْدَ اللُّقْمَةِ دَخَلَهُ الشَّيْطَانُ. فَقَال لَهُ يَسُوعُ: "مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَة". (١٣/ ٢١ - ٣١). ٣ - ولتحديد شخصية الخائن نجد الأناجيل قد أوردت إجابات مختلفة لسؤال التلاميذ

стр. 680

معلمهم عمن يكون، فقد قال مرقس على لسان المسيح "الَّذِي يَغْمِسُ مَعِي فِي الصَّحْفَةِ.". وقال متى كلامًا يقرب من هذا إلا أنه أضاف: "فَأَجَابَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ وَقَال: "هَلْ أَنَا هُوَ يَا سَيِّدِي؟ " قَال لَهُ: "أَنْتَ قُلْتَ". "وتوقف لوقا عند القول بكلام شبيه بكلام مرقس. أما يوحنا فقد قال: "الَّذِي أَغْمِسُ أَنَا اللُّقْمَةَ وَأُعْطِيهِ! ". فَغَمَسَ اللُّقْمَةَ وَأَعْطَاهَا لِيَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ." وهناك أيضًا اختلاف آخر وهو: ٤ - أن الشيطان دخل يهوذا قبل العشاء (حسب رواية لوقا ٢٢/ ٣) إذ قد خرج بعد ذلك ليتآمر مع رؤساء الكهنة. لكن يوحنا يقرر أن الشيطان دخل يهوذا بعد أن أعطاه يسوع اللقمة أثناء العشاء (١٣/ ٢٧). (١) ٦ - شك التلاميذ . يقول مرقس: "٢٧ وَقَال لَهُمْ يَسُوعُ: "إِنَّ كُلَّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذ اللَّيْلَةِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتبَدَّدُ الْخِرَافُ. ٢٨ وَلكِنْ بَعْدَ قِيَامِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ". ٢٩ فَقَال لَهُ بُطْرُسُ: "وَإِنْ شَكَّ الْجَمِيعُ فَأَنَا لَا أَشُكُّ! " ٣٠ فَقَال لَهُ يَسُوعُ: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ مَرَّتَيْنِ، تُنْكِرُنِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ". ٣١ فَقَال بِأَكْثَرِ تَشْدِيدٍ: "وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لَا أُنْكِرُكَ! ". وَهكَذَا قَال أَيْضًا الْجَمِيعُ." (١٤/ ٢٧ - ٣١). والشيء الهام هنا هو قول يسوع بوضوح لتلاميذه - كل تلاميذه -" إِنَّ كُلَّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذ اللَّيْلَةِ". فرغم أن الجملة واضحة تمامًا وتعني شك التلاميذ في معلمهم، إلا أن المعنى يزداد وضوحا حين نعلم أن كلمة: تشكون تعني: ترتدون عن عقيدتكم، وتزلون - كما في التراجم غير العربية. ومن المعلوم كذلك أن الإنكار غير الشك: فقد ينكر الإنسان أمرًا أمام الناس بينما هو

стр. 681

يعلمه في قرارة نفسه بيقين، أما الشك فيمكن تعريفه في إحدى صوره التي تنطبق على حالتنا هذه بأنه تراجع - يجري داخل النفس - عن التصديق بالشيء. لقد آمن التلاميذ بالمسيح رسولًا من الله يقول الصدق، وهو إذا تنبأ بمستقبل كانت تنبؤاته صادقة ولابد أن يحدث ما سبق وأن تنبأ به. أما إذا رأى التلاميذ أن ما حدث يعتبر مخالفًا لما سبقت به نبؤة المسيح فعندئذ يكون الشك، وهنا فقط يشك التلاميذ في المسيح، ويرتدون عن عقيدتهم في الإيمان به والتصديق برسالته. فهل حدث الشك أم لا؟ لننظر ونتأمل. (١) ٧ - آلام المسيح . يقول مرقس: "٣٢ وَجَاءُوا إِلَى ضَيْعَةٍ اسْمُهَا جَثْسَيْمَانِي، فَقَال لِتَلَامِيذِهِ: "اجْلِسُوا ههُنَا حَتَّى أُصَلِّيَ". ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا، وَابْتَدَأَ يَدْهَشُ وَيَكْتَئِبُ. ٣٤ فَقَال لَهُمْ: "نَفْسي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ! اُمْكُثُوا هُنَا وَاسْهَرُوا". ٣٥ ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلًا وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ، وَكَانَ يُصَلِّي لِكَيْ تَعْبُرَ عَنْهُ السَّاعَةُ إِنْ أَمْكَنَ. ٣٦ وَقَال: "يَا أَبَا الآبُ، كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لَكَ، فَأَجِزْ عَنِّي هذ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِيَكُنْ لَا مَا أُرِيدُ أَنَا، بَلْ مَا تُرِيدُ أَنْتَ". ٣٧ ثُمَّ جَاءَ وَوَجَدَهُمْ نِيَامًا، فَقَال لِبُطْرُسَ: "يَا سِمْعَانُ، أَنْتَ نَائِمٌ! أَمَا قَدَرْتَ أَنْ تَسْهَرَ سَاعَةً وَاحِدَةً؟ ٣٨ اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلَّا تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ، وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ". ٣٩ وَمَضَى أَيْضًا وَصَلَّى قَائِلًا ذلِكَ الْكَلَامَ بِعَيْنِهِ. ٤٠ ثُمَّ رَجَعَ وَوَجَدَهُمْ أَيْضًا نِيَامًا، إِذْ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ ثَقِيلَةً، فَلَمْ يَعْلَمُوا بِمَاذَا يُجِيبُونَهُ. ٤١ ثُمَّ جَاءَ ثَالِثَةً وَقَال لَهُمْ: "نَامُوا الآنَ وَاسْتَرِيحُوا! يَكْفِي! قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ! هُوَذَا ابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي الْخُطَاةِ. ٤٢ قُومُوا لِنَذْهَبَ! هُوَذَا الَّذِي يُسَلِّمُنِي قَدِ اقْتَرَبَ! "." (١٤/ ٣٢ - ٤٢). إن هذا الجزء" يصف آخر مرة كان فيها يسوع مع تلاميذه، إذ أننا نجد أن نهاية الفقرة التالية لنظيره متى تقول: "حِينَئِذٍ تَرَكَهُ التَّلَامِيذُ كُلّهُمْ وَهَربُوا." (٢٦/ ٥٦). (٢) ويروي لنا لوقا آلام المسيح أيضا فيقول: "٣٩ وَخَرَجَ وَمَضَى كَالْعَادَةِ إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ،

стр. 682

وَتَبِعَهُ أَيْضًا تَلَامِيذُهُ. ٤٠ وَلمَّا صَارَ إِلَى الْمَكَانِ قَال لَهُمْ: "صَلُّوا لِكَيْ لَا تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ". ٤١ وَانْفَصَلَ عَنْهُمْ نَحْوَ رَمْيَةِ حَجَرٍ وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَلَّى ٤٢ قَائِلًا: "يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لَا إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ". ٤٣ وَظَهَرَ لَهُ مَلَاكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ. ٤٤ وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ. ٤٥ ثُمَّ قَامَ مِنَ الصَّلَاةِ وَجَاءَ إِلَى تَلَامِيذِهِ، فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا مِنَ الْحُزْنِ. ٤٦ فَقَال لَهُمْ: "لِمَاذَا أَنْتُمْ نِيَامٌ؟ قُومُوا وَصَلُّوا لِئَلَّا تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ"." (٢٢/ ٣٩ - ٤٦). فنلاحظ من خلال هذه الروايات مدى الفزع والهلع الذي حل بيسوع، يقول جورج كيرد في تفسيره لهذه الفقرات: "حسب رواية مرقس (الذي كان مصدرًا للوقا) نجد أن يسوع بدأ يكتنفه الآن الفزع والذهول، وقد تحدث إلى تلاميذه عن الحزن الذي صحب استنزاف حياته وتلاشيها، ولما كان غير قادر على رفقة أعز أصحابه (تلاميذه) فإنه قضى الليل في تشنجات متتالية من صلاة المكروب". وعندما نتذكر الشجاعة والثبات التي واجه بها الموت رجال آخرون شجعان، بكل أشكاله البربرية وما كان يصحب ذلك من تعذيب مفرط، فلا يسعنا إلا أن نتسائل عن ماهية الكأس التي كان يسوع يرجو الله - في صلاته - أن يجيزها عنه. (١) "إن تحذير يسوع لتلاميذه من خطر التجربة يكشف لنا عن شعوره بأنه شخصيًا وتلاميذه قد أحاطت بهم سلطات الظلمة الروحية، التي جاهدها في مستهل دعوته. ولقد كان من بواعث محنته، ما شعر به من أن جهاده وما كان يمثله من طهر وكمال، يتعرض آنذاك بصورة مروعة لعملية اغتصاب نهائي على يد سلطات الظلمة". (٢) أما رواية يوحنا فإنها تذكر أن يسوع استنفد الفترة ما بين خروج يهوذا لتنفيذ مؤامرته، وعودته مع القوة التي جاءت للقبض على معلمه، في جعل يسوع يلقي محاضرة طويلة على

стр. 683

تلاميذه استغرقت أكثر من أربعة إصحاحات هي: بقية الإصحاح ١٣ ثم الإصحاحات ١٤، ١٥، ١٦، ١٧ فكانت تمثل بذلك نحو ٢٠ في المائة من حجم إنجيل يوحنا يركز على ما اعتبره البعض - فيما بعد - تأكيدا على لاهوت المسيح. ولقد صمت يوحنا عن آلام المسيح ومعاناته في الحديقة، ولم يذكر لنا سوى نبذه يسيرة عن حالة الفزع والاضطراب التي لحقت به حين شعر بخطر المؤامرة يقترب منه، وكان ذلك أثناء العشاء الأخير - إذ قال يوحنا: "٢١ لمَّا قَال يَسُوعُ هذَا اضْطَرَبَ بِالرُّوحِ، وَشَهِدَ وَقَال: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي! "." (يوحنا ١٣/ ٢١). ٨ - القبض على المسيح . يقول مرقس (١٤/ ٤٣ - ٥٢): "٤٣ وَلِلْوَقْتِ فِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ أَقْبَلَ يَهُوذَا، وَاحِدٌ مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ، وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ. ٤٤ وَكَانَ مُسَلِّمُهُ قَدْ أَعْطَاهُمْ عَلَامَةً قَائِلًا: "الَّذِي أُقَبِّلُهُ هُوَ هُوَ. أَمْسِكُوهُ، وَامْضُوا بِهِ بِحِرْصٍ". ٤٥ فَجَاءَ لِلْوَقْتِ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ قَائِلًا: "يَا سَيِّدِي، يَا سَيِّدِي! " وَقَبَّلَهُ. ٤٦ فَأَلْقَوْا أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ وَأَمْسَكُوهُ. ٤٧ فَاسْتَلَّ وَاحِدٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ السَّيْفَ، وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ. ٤٨ فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَال لَهُمْ: "كَأَنَّهُ عَلَى لِصٍّ خَرَجْتُمْ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ لِتَأْخُذُونِي! ٤٩ كُلَّ يَوْمٍ كُنْتُ مَعَكُمْ فِي الْهَيْكَلِ أُعَلِّمُ وَلَمْ تُمْسِكُونِي! وَلكِنْ لِكَيْ تُكْمَلَ الْكُتُبُ". ٥٠ فَتَرَكَهُ الْجَمِيعُ وَهَرَبُوا. ٥١ وَتَبِعَهُ شَابٌّ لَابِسًا إِزَارًا عَلَى عُرْيِهِ، فَأَمْسَكَهُ الشُّبَّانُ، ٥٢ فَتَرَكَ الإِزَارَ وَهَرَبَ مِنْهُمْ عُرْيَانًا." ونقول تعليقًا على هذه الفقرات: ١ - لقد طعن أحد علماء الكتاب المقدس وهو "باكون" في القيمة التاريخية لكل هذه الفقرات في مقال هام وشهير" ماذا كانت خيانة يهوذا؟ " - وذلك على أساس أن السلطات كانت تعرف يسوع، كما كانت على علم تام بتحركاته، وكان في استطاعتها أن تكتشف مكانه بسهولة وتقبض عليه في هدوء، دون ما حاجة إلى معاونة غير مضمونة من خونة مأجورين .... ٢ - أن العدد ٤٧ (٤٧ فَاسْتَلَّ وَاحِدٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ السَّيْفَ، وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ.) من الواضح أنه قد ألحق بأسلوب مفكك جدا بما قبله.

стр. 684

٣ - أن القول (وَلكِنْ لِكَيْ تُكْمَلَ الْكُتُبُ) قد أدخل هنا على الرغم من عدم ورود فقرة معينة من كتب العهد القديم تناسب هذا الموقف. ٤ - أن العددين ٥١، ٥٢ (٥١ وَتَبِعَهُ شَابٌّ لَابِسًا إِزَارًا عَلَى عُرْيِهِ، فَأَمْسَكَهُ الشُّبَّانُ، ٢٥ فَتَرَكَ الإِزَارَ وَهَرَبَ مِنْهُمْ عُرْيَانًا.) يدعوان للحيرة، فقد وضعا بطريقة مربكة بعد العدد (٥٠)، ولهذا فإن بعض النساخ قد نقحوا الأصل الإغريقي لكي ينصقل الترابط مع ما قبلهما، كما أن كلا من متى ولوقا قد حذفهما من إنجيله." (١) أما رواية متى فقد دخل فيها بعض التغييرات مثل إضافته إلى قول يهوذا: السلام يا سيدي، وكذلك قول يسوع إلى أحد تابعيه بعد قطع أذن عبد رئيس الكهنة: ""رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! ٥٣ أَتَظُنُّ أَنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ؟ ٥٤ فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟ "." وأيضًا حذف متى قصة مرقس عن الشاب الذي هرب عريانًا. (٢) وأما لوقا فإنه يسير في روايته بمحاذاة متى، إلا أنه يرفض رواية الإثنى عشر جيشًا من الملائكة، كما لم يذكر شيئًا عن الشاب الذي هرب عريانًا. ثم هو يذكر شيئًا مختلفًا عن قُبلة يهوذا إذ يقول: "٤٧ وَبَيْنَمَا هُوَ يَتكَلَّمُ إِذَا جَمْعٌ، وَالَّذِي يُدْعَى يَهُوذَا، أَحَدُ الاثْنَيْ عَشَرَ، يَتَقَدَّمُهُمْ، فَدَنَا مِنْ يَسُوعَ لِيُقَبِّلَهُ. ٤٨ فَقَال لَهُ يَسُوعُ: "يَا يَهُوذَا، أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ ابْنَ الإِنْسَانِ؟ "" (٢٢/ ٤٧ - ٤٨). وأما رواية يوحنا فإنها تعطي صورة مختلفة تمامًا عما روته الأناجيل الثلاثة عن حادث القبض - فهو يقول: "٣ فَأَخَذَ يَهُوذَا الْجُنْدَ وَخُدَّامًا مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ، وَجَاءَ إِلَى هُنَاكَ بِمَشَاعِلَ وَمَصَابِيحَ وَسِلاحٍ. ٤ فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ، وَقَال لَهْمْ: "مَنْ تَطْلُبُونَ؟ " ٥ أَجَابُوهُ:

стр. 685

"يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ". قَال لَهُمْ: "أَنَا هُوَ". وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضًا وَاقِفًا مَعَهُمْ. ٦ فَلَمَّا قَال لَهُمْ: "إِنِّي أَنَا هُوَ"، رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ. ٧ فَسَأَلَهُمْ أَيْضًا: "مَنْ تَطْلُبُونَ؟ " فَقَالوا: "يَسُوعَ النَّاصرِيَّ). ٨ أَجَابَ يَسُوع: "قَدْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هؤُلَاءِ يَذْهَبُونَ". ٩ لِيَتِمَّ الْقَوْلُ الَّذِي قَالهُ: "إِنَّ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لَمْ أُهْلِك مِنْهُمْ أَحَدًا"١٠ ثُمَّ إِنَّ سِمْعَانَ بُطْرُسَ كَانَ مَعَهُ سَيْفٌ، فَاسْتَلَّهُ وَضرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى. وَكَانَ اسْمُ الْعَبْدِ مَلْخُسَ. ١١ فَقَال يَسُوعُ لِبُطْرُسَ: "اجْعَلْ سَيْفَكَ فِي الْغِمْدِ! الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ أَلَا أَشْرَبُهَا؟ "." (١٨/ ٣ - ١١). التعليق: وبعد عرض الروايات الأربع لهذه الحادثة الخطيرة، يحق لنا أن نسأل: أين شك التلاميذ؟ ، لقد سبق أن ذكرت الأناجيل على لسان المسيح قوله لتلاميذه: ": "كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ". ونحن هنا أمام احتمالين: أحدهما: أن يكون المسيح قد تنبأ لتلاميذه بأن مؤامرة ستدبر ضده، ورغم أنها ستسبب له ألما ومعاناة إلا أنها ستفشل وينقذه الله من القتل الذي ينتظره على أيدي مدبريها. ثانيهما: أن يكون المسيح قد تنبأ لتلاميذه بأن مؤامرة ستدبر ضده وتسبب له ألما ومعاناة وتنتهي بقتله. فإن كانت الحالة الأولى، ورأى التلاميذ - حسب ما ترويه الأناجيل - بكل وضوح أن المسيح قبض عليه في تلك الليلة، واستطاعت قوى الشر أن تنتصر عليه، وتحقق ما تريد فعندئذ لا بد أن يشك التلاميذ في معلمهم الذي تنبأ لهم بنجاته، وقد يكون الارتداد عن العقيدة أيضًا. ولما كانت الأناجيل قد أظهرت جميعها أن التلاميذ لم يشكوا في المسيح في تلك الليلة. فإن هذا يعني أن الأحداث سارت حسبما جاء في تلك الحالة التي تنتهي بنجاة المسيح من القبض والقتل. وأما إن كانت الحالة الثانية، وهي أن المسيح تنبأ لتلاميذه بالقبض عليه وقتله، فإن ما شاهده التلاميذ - حسب رواية الأناجيل أيضًا - هو أن ذلك ما حدث، ولا محل للشك

стр. 686

إذن في هذه الحالة. والخلاصة: أن الأناجيل الأربعة اختلفت في قصة القبض وملابساتها: ١ - روى كل من (مرقس ومتى) أن يهوذا قبَّل المسيح، وروى (لوقا) أن يهوذا كان على وشك التقبيل، بينما لا يعرف (يوحنا) شيئًا عن التقبيل. ٢ - ويذكر كل من مرقس ومتى أن تحية وكلامًا جرى بين يهوذا والمسيح ويصمت لوقا عن تلك التحية بينما لا يذكر يوحنا شيئًا عن يهوذا سوى الصمت التام بعد أن قاد القوة التي جاءت للقبض عليه في البستان. ونستطيع أن نضع أيدينا على ثلاث نقاط أساسية: ١ - أن القبلة كانت الوسيلة الوحيدة لتعريف أفراد القوة بشخصية المسيح (حسب مرقس ومتى ولوقا) - بينما تم ذلك بعد أن أظهر المسيح ذاته لهم بطريقة تنم عن التحدي والثبات الذي يتحلى به الشجعان في مثل هذه المواقف. ٢ - وأن حادثًا غير عادي وقع في تلك اللحظة مما أذهل أفراد القوة وجعلهم يرجعون إلى الوراء ويسقطون على الأرض. ٣ - أن التلاميذ - حسب ما يرويه كتبة الأناجيل - لم يشكوا في المسيح ولو للحظة واحدة في تلك الليلة. ٤ - ولما كانت قصة المسيح بكل تفاصيلها ترد دائمًا إلى تنبؤات العهد القديم وخاصة سفر المزامير، فإن المزمور ٩١ الذي يستشهد به كثيرًا - يقول: "٩ لأَنَّكَ قُلْتَ: "أَنْتَ يَا رَبُّ مَلْجَإي". جَعَلْتَ الْعِليَّ مَسْكَنَكَ، ١٠ لَا يُلَاقِيكَ شَرٌّ، وَلَا تَدْنُو ضَرْبَةٌ مِنْ خَيْمَتِكَ. ١١ لأَنَّهُ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ. ١٢ عَلَى الأَيْدِي يَحْمِلُونَكَ لِئَلَّا تَصْدِمَ بحَجَرٍ رِجْلَكَ .... أُرَفِّعُهُ لأَنَّهُ عَرَفَ اسْمِي. ١٥ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، مَعَهُ أَنَا فِي الضِّيقْ، أُنْقِذُهُ وَأُمَجِّدُهُ. ١٦ مِنْ طُولِ الأَيَّامِ أُشْبِعُهُ، وَأُرِيهِ خَلَاصِي"." (٩/ ١٦). أليس من حق القائل أن يقول: إن ملائكة الله حملت المسيح على أيديها في تلك اللحظة

стр. 687

التي كادت تزيغ فيها قلوب المؤمنين؟ وأليس هذا هو ما تنطق به المزامير؟ . (١) المطلب الثاني: تناقضات روايات قبل الصلب ١ - هل ذهب رؤساء الكهنة للقبض على المسيح ؟ مَن الذي ذهب للقبض على يسوع؟ يقول متى: "جَمْعٌ كَثِيرٌ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ." (متى ٢٦/ ٤٧). وزاد مرقس بأن ذكر أن من الجمع الكتبةَ والشيوخ (انظر مرقس ١٤/ ٤٣)، فيما ذكر يوحنا أن الآتين هم جند الرومان وخدم من عند رؤساءِ الكهنة (انظر يوحنا ١٨/ ٣) ولم يذكر أي من الثلاثة مجيء رؤساء الكهنة، ولو كانوا قد حضروا لما صح إغفال ذكرهم مع الحاضرين، فهم ليسوا أقل أهمية من الكتبة والشيوخ والدهماء. ولكن لوقا ذكر أن رؤساء الكهنة جاءوا بأنفسهم للقبض على المسيح إذ يقول: "٥٢ ثُمَّ قَال يَسُوعُ لِرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَقُوَّادِ جُنْدِ الْهَيْكَلِ وَالشُّيُوخِ المقْبِلِينَ عَلَيْهِ" (لوقا ٢٢/ ٥٢). فالتناقض بين لوقا والباقين ظاهر. ٢ - هل قبله يهوذا أم لم يقبله ؟ قال متى: إن اليهود استأجروا أحد الحواريين ليرشدهم عن المسيح فأعطاهم علامة أن يقبضوا على الذي يقبله، فلما أقبل ومن معه "٤٩ فَلِلْوَقْتِ تَقَدَّمَ إِلَى يَسُوعَ وَقَال: "السَّلَامُ يَا سَيِّدِي! " وَقَبَّلَهُ. فَقَال لَهُ يَسُوعُ: "يَا صَاحِبُ، لِمَاذَا جِئْتَ؟ " حِينَئِذٍ تَقَدَّمُوا وَأَلْقَوْا الأَيَادِيَ عَلَى يَسُوعَ وَأَمْسَكُوهُ." (متى ٢٦/ ٤٧ - ٥٠). وقد روى يوحنا هذه الحادثة بشكل مختلف عما ذكره متى، فقد قال: "٣ فَأَخَذَ يَهُوذَا الْجُنْدَ وَخُدَّامًا مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ، وَجَاءَ إِلَى هُنَاكَ بِمَشَاعِلَ وَمَصَابِيحَ وَسِلَاحٍ. ٤ فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ، وَقَال لَهُمْ: "مَنْ تَطْلُبُونَ؟ ٥ أَجَابُوهُ: "يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ". قَال لَهُمْ: "أَنَا هُوَ". وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضًا وَاقِفًا مَعَهُمْ. ٦ فَلَمَّا قَال لَهُمْ:

стр. 688

"إِنِّي أَنَا هُوَ"، رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ. ٧ فَسَأَلَهُمْ أَيْضًا: "مَنْ تَطْلُبُونَ؟ " فَقَالوا: "يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ". ٨ أَجَابَ يَسُوع: "قَدْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هؤُلَاءِ يَذْهَبُونَ"." (يوحنا ١٨/ ٣ - ٨). ونلاحظ هنا الاختلاف بين الروايتين، حيث إنه لم يذكر هنا أن يهوذا تقدم إليه وقبله. ٣ - متى حوكم المسيح ؟ وتذكر الأناجيل محاكمة المسيح، وتتفق في وصف الكثير مما جرى في أثناء المحاكمة، كاستفسار كبير الكهنة عن شخص الماثل بين يديه، وإجابته له أن ابن الإنسان عن يمين قوة الله، وأنه سوف يأتي في سحاب السماء. (لوقا ٢٢/ ٦٧ - ٦٩). ولكنهم اختلفوا في موعد هذه الجلسة من جلسات المحاكمة، إذ يجعلها لوقا صباح الليلة التي قبض عليه فيها فيقول: "٦٦ وَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ اجْتَمَعَتْ مَشْيَخَةُ الشَّعْبِ: رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ، وَأَصْعَدُوهُ إِلَى مَجْمَعِهِمْ ٦٧ قَائِلِينَ: "إِنْ كُنْتَ أَنْتَ المْسِيحَ، فَقُلْ لَنَا! " (لوقا ٢٢/ ٦٦ - ٦٧). وأما الإنجيليون الثلاثة فإنهم يجعلون المحاكمة في ليلة القبض عليه، فيقول مرقس: "٥٣ فَمَضَوْا بِيَسُوعَ إِلَى رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ جَمِيعُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْكَتَبَةُ ..... " (مرقس ١٤/ ٥٣) (وانظر: متى ٢٦/ ٥٧، ويوحنا ١٨/ ٣). ٤ - كم مرة سيصيح الديك ؟ وتبع بطرس المسيح من بعيد ليرى محاكمته، وقد أخبره المسيح بأنه سينكره في تلك الليلة ثلاث مرات قبل أن يصيح الديك مرتين حسب مرقس "قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ مَرَّتَيْنِ، تُنْكِرُنِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"." (مرقس ١٤/ ٧٢) ومَرةً حسب الثلاثة، يقول لوقا: "إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُنِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ"." (لوقا ٢٢/ ٦١) (انظر: متى ٢٦/ ٧٤، يوحنا ١٨/ ٢٧) وقد ذكر الثلاثة خلال القصة صياحًا واحدًا فقط، خلافًا لما زعمه مرقس، فقد ذكر صياحين للديك. ٥ - أين تعرفت الجارية على بطرس أول مرة ؟ وأثناء متابعة بطرس للمحاكمة تعرف بعض الموجودين في المحاكمة عليه، وعرفوا أنه

стр. 689

من أتباع المسيح، مما اضطر بطرس لإنكار ذلك ثلاث مرات. وتتفق الأناجيل في أنه تعرفت عليه في المرة الأولى جارية، وتختلف في تحديد المكان الذي تعرفوا فيه على بطرس، فيذكر متى ويوحنا أنه كان حينذاك خارج الدار "٦٩ أَمَّا بُطْرُسُ فَكَانَ جَالِسًا خَارِجًا فِي الدَّارِ، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ جَارِيَةٌ قَائِلَةً: "وَأَنْتَ كُنْتَ مَعَ يَسُوعَ الْجَلِيليِّ! "." (متى ٢٦/ ٦٩، ٧٥). وذكر مرقس ولوقا أنه كان داخل الدار يستدفئ من البرد، يقول مرقس: "٦٦ وَبَيْنَمَا كَانَ بُطْرُسُ فِي الدَّارِ أَسْفَلَ جَاءَتْ إِحْدَى جَوَارِي رَئِيسِ الْكَهَنَةِ. ٦٧ فَلَما رَأَتْ بُطْرُسَ يَسْتَدْفِئُ، نَظَرَتْ إِلَيْهِ وَقَالتْ: "وَأَنْتَ كُنْتَ مَعَ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ! "" (مرقس ١٤/ ٦٦). وفي لوقا: "٥٥ وَلمَّا أَضْرَمُوا نَارًا فِي وَسْطِ الدَّارِ وَجَلَسُوا مَعًا، جَلَسَ بُطْرُسُ بَيْنَهُمْ. ٥٦ فَرَأَتْهُ جَارِيَةٌ جَالِسًا عِنْدَ النَّارِ فَتَفَرَّسَتْ فيه وَقَالتْ: "وَهذَا كَانَ مَعَهُ! "." (لوقا ٢٢/ ٥٥ - ٥٦)، فهل كان بطرس داخل الدار أم خارجها؟ كما نلحظ اختلافًا ثانيًا بين الأناجيل في الفعل الذي كان يصنعه بطرس حين تعرفت الجارية عليه، فقد ذكر الإنجيليون الثلاثة أنه كان جالسًا عند النار يستدفئ، فخالفوا يوحنا الذي أخبرنا أن الجارية تعرفت عليه عند البوابة، فهذه الجارية مسئولة عن البوابة، وقد صرح به يوحنا حين أخبرنا أن تلميذًا من تلاميذ المسيح توسط لبطرس عند رئيس الكهنة ليدخله إلى الدار، "١٧ فَقَالتِ الْجَارِيَةُ الْبَوَّابَةُ لِبُطْرُسَ: "أَلَسْتَ أَنْتَ أَيْضًا مِنْ تَلَامِيذِ هذَا الإِنْسَانِ؟ " قَال ذَاكَ: "لَسْتُ أَنَا! "." (يوحنا ١٨/ ١٧)، إذًا اكتشف أمر بطرس عند البوابة، خلافًا لما ذكره الإنجيليون الثلاثة الذين أخبرونا بأنه كان جالسًا عند النار. ٦ - من الذي تعرف على بطرس في المرة الثانية والثالثة؟ وأما المرة الثانية، فقد تعرفت عليه حسب مرقس نفس الجارية التي تعرفت عليه في المرة الأولى، يقول: "٦٩ فَرَأَتْهُ الْجَارِيَةُ أَيْضًا وَابْتَدَأَتْ تَقُولُ لِلْحَاضِرِينَ: "إِنَّ هذَا مِنْهُمْ! "" (مرقس ١٤/ ٦٩). ولكن حسب متى فإن الذي تعرف عليه جارية أخرى غير الأولى "٧١ ثُمَّ إِذْ خَرَجَ إِلَى الدِّهْلِيزِ رَأَتْهُ أُخْرَى، فَقَالتْ لِلَّذِينَ هُنَاكَ: "وَهذَا كَانَ مَعَ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ! "" (متى ٢٦/ ٧١).

стр. 690

ويخالفهما جميعًا لوقا الذي ذكر أن الذي تعرف عليه هذه المرة رجل من الحضور وليس جارية، فيقول: "٥٨ وَبَعْدَ قَلِيل رَآهُ آخَرُ وَقَال: "وَأَنْتَ مِنْهُمْ! " فَقَال بُطْرُسُ: "يَا إِنْسَانُ، لَسْتُ أَنَا! "" (لوقا ٢٢/ ٥٨). ويحاول يوحنا الخروج من الخلاف والجمع بين الأقوال المتناقضة للثلاثة الذين سبقوه، فيستعير قصة الإنكار الثالث لبطرس حين أشار جمع إليه، فيجعلها في الإنكار الثاني، فيقول: "٢٥ وَسِمْعَانُ بُطْرُسُ كَانَ وَاقِفًا يَصْطَلي. فَقَالوا لَهُ: "أَلَسْتَ أَنْتَ أَيْضًا مِنْ تَلَامِيذهِ؟ " فَأَنْكَرَ ذَاكَ وَقَال: "لَسْتُ أَنَا! "." (يوحنا ١٨/ ٢٥). وهذه الصيغة في التعرف على بطرس بواسطة الجموع ذكرها مرقس ومتى في سياق الإنكار الثالث، حيث يقول مرقس: "٧٠ فَأَنْكَرَ أَيْضًا. وَبَعْدَ قَلِيل أَيْضًا قَال الْحَاضِرُونَ لِبُطْرُسَ: "حَقًّا أَنْتَ مِنْهُمْ، لأَنَّكَ جَلِيليٌّ أَيْضًا وَلُغَتُكَ تُشْبِهُ لُغَتَهُمْ! ". ٧١ فَابْتَدَأَ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ: "إِنِّي لَا أَعْرِفُ هذَا الرَّجُلَ الَّذِي تَقُولُونَ عَنْهُ! "" (مرقس ١٤/ ٧٠ - ٧١). وكذا ذكرها متى في الإنكار الثالث، فقال: "٧٣ وَبَعْدَ قَلِيل جَاءَ الْقِيَامُ وَقَالوا لِبُطْرُسَ: "حَقًّا أَنْتَ أَيْضًا مِنْهُمْ، فَإِنَّ لُغَتَكَ تُظْهِرُكَ! " ٧٤ فَابْتَدَأَ حِينَئِذٍ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ: "إِنِّي لَا أَعْرِفُ الرَّجُلَ! "" (متى ٢٦/ ٧٣ - ٧٤). وأما لوقا ويوحنا فجعلا المتعرف على بطرس هذه المرة (الثالثة) رجل واحد، وليس مجموعة من الموجودين في المحكمة، يقول لوقا: "٥٩ وَلمَّا مَضَى نَحْوُ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ أَكَّدَ آخَرُ قَائِلًا: "بِالْحَقِّ إِنَّ هذَا أَيْضًا كَانَ مَعَهُ، لأَنَّهُ جَلِيليٌّ أَيْضًا! ". ٦٠ فَقَال بُطْرُسُ: "يَا إِنْسَانُ، لَسْتُ أَعْرِفُ مَا تَقُولُ! "." (لوقا ٢٢/ ٥٩ - ٦٠). ويصادق على كلامه يوحنا، فيذكر أن هذا الرجل أحد عبيد رئيس الكهنة "٢٦ قَال وَاحِدٌ مِنْ عَبِيدِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، وَهُوَ نَسِيبُ الَّذِي قَطَعَ بُطْرُسُ أُذْنَهُ: "أَمَا رَأَيْتُكَ أَنَا مَعَهُ فِي الْبُسْتَانِ؟ " ٢٧ فَأَنْكَرَ بُطْرُسُ أَيْضًا." (يوحنا ١٨/ ٢٦). فهل الذي تعرف على بطرس في المرة الثانية نفس الجارية؟ أم جارية أخرى؟ أم رجل؟

стр. 691

وهل أنكر بطرس المسيح في المرة الثالثة بسبب تعرف الجمع على لهجته؟ أم بسبب عبد رئيس الكهنة الذي رأى بطرس في البستان مع تلاميذ المسيح؟ ويعترف بهذا التضارب بين الروايات الأب متى المسكين، فيقول: "أقوال القديس لوقا اختلفت عن أقوال القديس مرقس في المضمون وأنواع الأفراد الذين تصدوا لبطرس وأسباب كل مرة". (١) ٧ - لماذا حبس بارباس؟ وتختلف الأناجيل في تحديد السبب الذي من أجله حبس باراباس في سجن بيلاطس، فيذكر يوحنا بأنه كان لصًا "وَكَانَ بَارَابَاسُ لِصًّا." (يوحنا ١٨/ ٤٠). واتفق مرقس ولوقا على أنه صاحب فتنة، وأنه حصل فيها قتل، فاستوجب حبسه، يقول لوقا: "وَأَطْلِقْ لَنَا بَارَابَاسَ! " ١٩ وَذَاكَ كَانَ قَدْ طُرِحَ فِي السِّجْنِ لأَجْلِ فِتْنَةٍ حَدَثَتْ فِي الْمَدِينَةِ وَقَتْل." (لوقا ٢٣/ ١٩، وانظر: مرقس ١٥/ ٧). وأما سفر أعمال الرسل فينصُّ على أن بارباس كان قاتلًا، وليس مجرد لص أو مشارك في الفتنة، إذ يقول: "١٤ وَلكِنْ أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ." (أعمال ٣/ ١٤). ٨ - قصة نهاية يهوذا. ويتحدث العهد الجديد عن نهايتين مختلفتين للتلميذ الخائن يهوذا الأسخريوطي الذي خان المسيح، وسعى في الدلالة عليه وتسليمه مقابل ثلاثين درهمًا من الفضة، فيقول متى: " ٣ حِينَئِذٍ لمَّا رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ، نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلَاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ ٤ قَائِلًا: "قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا". فَقَالوا: "مَاذَا عَلَيْنَا؟ أنتَ أَبْصِرْ! " ٥ فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ، ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ. ٦ فَأَخَذَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ الْفِضَّةَ وَقَالوا: "لَا يَحِلُّ أَنْ نُلْقِيَهَا فِي الْخِزَانَةِ لأَنَّهَا ثَمَنُ دَمٍ". ٧ فَتَشَاوَرُوا وَاشْتَرَوْا بِهَا حَقْلَ الْفَخَّارِيِّ مَقْبَرَةً لِلْغُرَبَاءِ. ٨ لهِذَا سُمِّيَ ذلِكَ الْحَقْلُ "حَقْلَ الدَّمِ" إِلَى هذَا الْيَوْمِ." (متى ٢٧/ ٣ - ٨).

стр. 692

ولكن سفر أعمال الرسل يحكي نهاية أخرى ليهوذا وردت في سياق خطبة بطرس، حيث قال: "فَقَال: ١٦"أَيُّهَا الرِّجَال الإِخْوَةُ، كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ الَّذِي سَبَقَ الرُّوحُ الْقُدُسُ فَقَالهُ بِفَمِ دَاوُدَ، عَنْ يَهُوذَا الَّذِي صَارَ دَلِيلًا لِلَّذِينَ قَبَضُوا عَلَى يَسُوعَ، ١٧ إِذْ كَانَ مَعْدُودًا بَيْنَنَا وَصَارَ لَهُ نَصِيبٌ فِي هذِهِ الْخِدْمَةِ. ١٨ فَإِنَّ هذَا اقْتَنَى حَقْلًا مِنْ أُجْرَةِ الظُّلْمِ، وَإِذْ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ انْشَقَّ مِنَ الْوَسْطِ، فَانْسَكَبَتْ أَحْشَاؤُهُ كُلُّهَا. ١٩ وَصَارَ ذلِكَ مَعْلُومًا عِنْدَ جَمِيعِ سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ، حَتَّى دُعِيَ ذلِكَ الْحَقْلُ فِي لُغَتِهِمْ "حَقَلْ دَمَا" أَيْ: حَقْلَ دَمٍ. " (أعمال ١/ ١٦ - ١٩). فقد اختلف النصان في جملة من الأمور: ١ - كيفية موت يهوذا، فإما أن يكون قد خنق نفسه ومات "ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ."، وإما أن يكون قد مات بسقوطه، حيث انشقت بطنه وانسكبت أحشاؤه فمات" وَإِذْ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ انْشَقَّ مِنَ الْوَسْطِ، فَانْسَكَبَتْ أَحْشَاؤُهُ كُلُّهَا."، ولا يمكن أن يموت يهوذا مرتين، كما لا يمكن أن يكون قد مات بالطريقتين معًا، ويجدر هنا أن نذكر أن المؤرخ الأسقف بابياس (١٥٥ م) ذكر أن يهوذا مات دهسًا بعربة فانسكبت أحشاؤه! ٢ - من الذي اشترى الحقل، هل هو يهوذا "١٨ فَإِنَّ هذَا اقْتَنَى حَقْلًا مِنْ أُجْرَةِ الظُّلْمِ"، أم الكهنة الذين أخذوا منه المال "٧ فَتَشَاوَرُوا وَاشْتَرَوْا بِهَا حَقْلَ الْفَخَّارِيِّ"؟ ٣ - هل مات يهوذا نادمًا "لمَّا رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ، نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلَاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ ٤ قَائِلًا: "قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا". " أم معاقبًا بذنبه كما يظهر من كلام بطرس؟ ٤ - هل رد يهوذا المال للكهنة " وَرَدَّ الثَّلَاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ"، أم أخذه واشترى به حقلًا "١٨ فَإِنَّ هذَا اقْتَنَى حَقْلًا مِنْ أُجْرَةِ الظُّلْمِ"؟ . ٥ - هل كان موت يهوذا قبل صلب المسيح وبعد المحاكمة "وَدَفَعُوهُ إِلَى بِيلَاطُسَ الْبُنْطِيِّ الْوَالِي. حِينَئِذٍ لما رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ، نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلَاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى

стр. 693

رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ" أم أن ذلك كان فيما بعد، حيث مضى واشترى حقلًا ثم مات في وقتٍ الله أعلم متى كان؟ . ٦ - هل سمي الحقل حقل دم؛ لأنه كان ثمنًا لدم المسيح "٦ فَأَخَذَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ الْفِضَّةَ وَقَالوا: "لَا يَحِلُّ أَنْ نُلْقِيَهَا فِي الْخِزَانَةِ لأَنَّهَا ثَمَنُ دَمٍ". ٧ فَتَشَاوَرُوا وَاشْتَرَوْا بِهَا حَقْلَ الْفَخَّارِيِّ مَقْبَرَةً لِلْغُرَبَاءِ. ٨ لهِذَا سُمِّيَ ذلِكَ الْحَقْلُ "حَقْلَ الدَّمِ" إِلَى هذَا الْيَوْمِ."، أم سمي بذلك لأن دم يهوذا قد سال فيه لما انشق بطنه "١٨ فَإِنَّ هذَا اقْتَنَى حَقْلًا مِنْ أُجْرَةِ الظُّلْمِ، وَإِذْ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ انْشَقَّ مِنَ الْوَسْطِ، فَانْسَكَبَتْ أَحْشَاؤُهُ كُلُّهَا. ١٩ وَصَارَ ذلِكَ مَعْلُومًا عِنْدَ جَمِيعِ سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ، حَتَّى دُعِيَ ذلِكَ الْحَقْلُ فِي لُغَتِهِمْ "حَقَلْ دَمَا" أَيْ: حَقْلَ دَمٍ.". ٩ - من الذي طلب ترك المسيح ليحقق المعجزات؟ ويحدثنا مرقس أن المسيح لما كان على الصليب صرخ يطلب الماء "٣٦ فَرَكَضَ وَاحِدٌ وَمَلأَ إِسْفِنْجَةً خلًّا وَجَعَلَهَا عَلَى قَصَبَةٍ وَسَقَاهُ قَائِلًا: "اتْرُكُوا. لِنَرَ هَلْ يَأْتِي إِيلِيَّا لِيُنْزِلَهُ! "" (مرقس ١٥/ ٣٦)، فقائل العبارة السابقة هو ذلك الذي سقى المسيح، ويوجه خطابه للآخرين قائلًا: "اتْرُكُوا. لِنَرَ هَلْ يَأْتِي إِيلِيَّا لِيُنْزِلَهُ! ". وهذا وصف ناقضه فيه متى حيث كتب: "٤٨ وَللْوَقْتِ رَكَضَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَأَخَذَ إِسْفِنْجَةً وَمَلأَهَا خَّلًا وَجَعَلَهَا عَلَى قَصَبَةٍ وَسَقَاهُ. ٤٩ وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَقَالوا: "اتْرُكْ. لِنَرَى هَلْ يَأْتِي إِيلِيَّا يُخَلِّصُهُ! "." (متى ٢٧/ ٤٨ - ٤٩)، فجعل القائل لتلك العبارة الآخرون، فقد طلبوا من الذي يسقي المسيح أن يتركه "اتْرُكْ"، فمن القائل؟ ومن المخاطَب؟ . ١٠ - متى انشق حجاب الهيكل؟ ويرى الإنجيليون أنه لا يليق أن تكون نهاية المسيح عادية كسائر الأموات، بل لابد أن تصحبها بعض الأحداث الكبيرة، والتي يختلفون في نسجها وفقًا لخيالاتهم الخصبة، لكنهم على أي حال يتفقون على واحدة منها، وهي انشقاق حجاب الهيكل، من غير أن يتفقوا على لحظة حصوله، فمرقس يجعله بعد وفاة المسيح، فيقول: "٣٧ فَصَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ. ٣٨ وَانْشَقَّ حِجَابُ الْهَيْكَلِ إِلَى اثْنَيْنِ، مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ."

стр. 694

(مرقس ١٥/ ٣٧ - ٣٨). أما لوقا المتتبع لكل شيء بتدقيق فإنه يخالف البشير مرقس أول الإنجيلين تأليفًا، ويرى أن تلك الأعجوبة كانت قبل موت المسيح، فيقول: "٤٤ وَكَانَ نَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ، فَكَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. ٤٥ وَأَظْلَمَتِ الشَّمْسُ، وَانْشَقَّ حِجَابُ الْهَيْكَلِ مِنْ وَسْطِهِ. ٤٦ وَنَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَال: "يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي". وَلمَّا قَال هذَا أَسْلَمَ الرُّوحَ." (لوقا ٢٣/ ٤٤ - ٤٦)، فانشقاقه كان قبل موت المسيح خلافًا لما زعمه مرقس. المطلب الثالث: تناقضات روايات أحداث الصلب . ١ - من كان يحمل الصليب؟ قال لوقا (٢٣/ ٢٦): "٢٦ وَلمَّا مَضَوْا بِهِ أَمْسَكُوا سِمْعَانَ، رَجُلًا قَيْرَوَانِيًّا كَانَ آتِيًا مِنَ الْحَقْلِ، وَوَضَعُوا عَلَيْهِ الصَّلِيبَ لِيَحْمِلَهُ خَلْفَ يَسُوعَ." ويقول يوحنا (١٩/ ١٧ - ١٨): "فَأَخَذُوا يَسُوعَ وَمَضَوْا بِهِ. ١٧ فَخَرَجَ وَهُوَ حَامِلٌ صَلِيبَهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَال لَهُ "مَوْضِعُ الْجُمْجُمَةِ" وَيُقَال لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ "جُلْجُثَةُ"، ١٨ حَيْثُ صَلَبُوهُ .. " ١ - ماذا كان عنوان علة المصلوب؟ يقول متى إنه كان (يَسُوعُ مَلِكُ الْيَهُودِ) (٢٧/ ٣٧). ويقول مرقس ("مَلِكُ الْيَهُودِ" (١٥/ ٢٦). ويقول لوقا (: "هذَا هُوَ مَلِكُ الْيَهُودِ".) (٢٣/ ٣٨). ويقول يوحنا (: "يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ مَلِكُ الْيَهُودِ". (١٩/ ١٩). فيا ترى ما هو العنوان الحقيقي الذي كان مكتوبا على الصليب أو فوقه؟ . ٢ - متى كان المصلوب على الصليب؟ يقول كل من متى ومرقس ولوقا إن المسيح كان على الصليب نحو الساعة السادسة، ويعارضهم يوحنا في ذلك ويقول: إن المسيح لم يكن وقتئذ على الصليب، بل كان في حضرة بيلاطس (يوحنا ١٩/ ١٤). ٣ - ماذا قدم للمصلوب؟ يقول مرقس (١٥/ ٢٣) إن جند بيلاطس قدموا له "خَمْرًا مَمْزُوجَةً بِمُرّ لِيَشْرَبَ، فَلَمْ

стр. 695

يَقْبَلْ."، ويقول متى (٢٧/ ٣٤) "خلًّا مَمْزُوجًا بِمَرَارَةٍ لِيَشْرَبَ. وَلمَّا ذَاقَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْرَبَ."، ويقول يوحنا (١٩/ ٢٨ - ٣٠) أن يسوع قال ": "أَنَا عَطْشَانُ". ٢٩ وَكَانَ إِنَاءٌ مَوْضُوعًا مَمْلُوًّا خلًّا، فَمَلأُوا إِسْفِنْجَةً مِنَ الْخَلِّ، وَوَضَعُوهَا عَلَى زُوفَا وَقَدَّمُوهَا إِلَى فَمِهِ. ٣٠ فَلَمَّا أَخَذَ يَسُوعُ الْخَلَّ قَال: "قَدْ أُكْمِلَ". " وهنا تلحظ تناقضًا آخر: فالأول يقول: إن الذي قدم إليه خمر ومر ولم يقبلها، ويقول الثاني: إن الذي قدم إليه خل ومر لما ذاقها ردهما، والثالث يقول: إن المقدم إليه هو الخل طلبه يسوع وشربه. ٤ - ماذا قال المصلوب؟ قال متى (٢٧/ ٤٦) "٤٦ وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: "إِيلي، إِيلي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟ " أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا ترَكْتَنِي؟ " ويقول مرقس (١٥/ ٣٤) إنه صرخ قائلا: "إِلُوِي، إِلُوِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟ الَّذِي تَفْسِيرُهُ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا ترَكْتَنِي؟ " ويقول لوقا (١٣/ ٤٦) "٤٦ وَنَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَال: "يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي". وَلمَّا قَال هذَا أَسْلَمَ الرُّوحَ.". ٥ - حال الرجلين المصلوبين مع المصلوب. يقول متى (٢٧/ ٤٤) إن المسيح صلب مع لصين، وكان اللصان يعيرانه، وقال لوقا (٢٣/ ٣٩) "٣٩ وَكَانَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُذْنِبَيْنِ الْمَعَلَّقَيْنِ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ قَائِلًا: "إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ، فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا! " ٤٠ فَأجَابَ الآخَرُ وَانْتَهَرَهُ قَائِلًا: "أَوَلَا أَنْتَ تَخَافُ الله، إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟ ٤١ أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْل، لأَنَّنَا نَنَال اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا، وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ". ٤٢ ثُمَّ قَال لِيَسُوعَ: "اذْكُرْني يَارَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ". ٤٣ فَقَال لَهُ يَسُوعُ: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ". " ويقول مرقس (١٥/ ٣٧) إن المسيح صلب مع لصين ولم يذكر أنهما كانا يعيرانه، أو أن أحدهما كان يعيره والآخر يمدحه. ويقول يوحنا: إنهم صلبوه مع اثنين ولم يبين حالهما

стр. 696

فواضح من كل هذه التناقضات أن حدوث قصة الصلب أمر لا يمكن تصوره مع كل هذه الاختلافات والتناقضات؛ إذ لو كانت صحيحة لاتحدت في تفاصيلها وأحداثها، وهكذا دائما تبقى الحقيقة ناصعة وواضحة وضوح الشمس لا يغفل عنها إلا الأعمى. المطلب الرابع: تفرد أحد الإنجيليين في الرواية . وينفرد أحد الإنجيليين بذكر حوادث قد تكون مهمة، مع ذلك أَغفلها الآخرون، قد يتبادر للذهن لأول وهلة أن ذلك يرجع لنظرية تكامل الروايات التي لا تعتبر زيادات البعض في روايتهم ضربًا من التناقض والتعارض. وهذا ليس بصحيح، إذ معرفتنا البسيطة بتدوين الإنجيل وتاريخه تُنبئنا بأن الإنجيليين اعتمد اللاحق فيهم على السابق، فإغفال اللاحق لبعض ما ذكره سلفه، إنما يرجع لتشككه في جدوى الرواية، أو صحتها، أو تناسقها مع المعتقد، وهو ما يقال أيضًا في الإضافة التي قرر المتأخر زيادتها عن السابق. ولعل مما يوضح الصورة ويجليها نقل مقدمة لوقا الذي يقول: "٣ رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ، ٤ لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلَامِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ." (لوقا ١/ ٣ - ٤)، فهو ينقل عن السابقين له بتدقيق وإمعان في رواياتهم، وما يدعه من مروياتهم إنما تركه لعدم وثوقه بهذه الروايات. وقد انفرد بعض الإنجيليين بذكر أحداث مهمة تثير أسئلة استفهام كبيرة، تبحث عن إجابة، ومن هذه الأمور التي انفرد بها أحد الإنجيليين: ١ - انفرد لوقا فذكر في وصف ليلة القبض على المسيح أمورًا لم يذكرها غيره، ومنها: أنه بالغ في إظهار جزع المسيح، حتى إن الله أيده بملاك يقويه، وكأنه أوشك على الانهيار. يقول لوقا: "٤٣ وَظَهَرَ لَهُ مَلَاكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ. ٤٤ وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لجَاجَةٍ، وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ." (لوقا ٢٢/ ٤٣ - ٤٤). وهاتان الفقرتان - رغم وجودهما في أكثر النسخ المتداولة - فإن المراجع القديمة تحذفهما، كما نقل أحمد عبد الوهاب عن جورج كيرد مفسر إنجيل لوقا حيث يقول: "فإن هذا الحذف

стр. 697

يمكن إرجاع سببه إلى فهم أحد الكتبة بأن صورة يسوع هنا قد اكتنفها الضعف البشري، كان يتضارب مع اعتقاده في الابن الإلهي الذي شارك أباه في قدرته القاهرة". (١) ولعل هذا ما دعا الإنجيليين إلى تجاهل هذا الوصف الدقيق، بل إن يوحنا لم يذكر شيئًا عن معاناة المسيح وآلامه تلك الليلة، وذلك للسبب نفسه بالطبع. ولنا أن نتساءل كيف عرف لوقا بنزول الملاك؟ وكيف شاهد عرقه وهو يتصبب منه على هذه الكيفية؛ كيف ذلك وجميع التلاميذ نيام كما وصفهم لوقا بعدها مباشرة بقوله: " ٤٥ ثُمَّ قَامَ مِنَ الصَّلَاةِ وَجَاءَ إِلَى تَلَامِيذ، فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا مِنَ الْحُزْنِ." (لوقا ٢٢/ ٤٥)؛ كما أن المسيح لم يكن بجوارهم، فقد كان يصلي بعيدًا عنهم "٤١ وَانْفَصَلَ عَنْهُمْ نَحْوَ رَمْيَةِ حَجَرٍ وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَلَّى" (لوقا ٢٢/ ٤١). ٢ - ذكر الإنجيليون ضرب أحد التلاميذ لعبد رئيس الكهنة بالسيف، وأنه قطع أذنه، وتتكامل الروايات، فيذكر يوحنا أن اسم العبد ملخس، وأن الأذن هي اليمنى، فيما لم يحدد متى ومرقس اسم الضارب، كما لم يحددا الأذن المضروبة. لكن أحدًا منهم - سوى لوقا الغائب حينذاك - لم يذكر أن المسيح أبرأ أذن العبد وردّها، وهي ولاشك معجزة كبيرة ستترك أثرًا في تلك الجموع الكافرة .. "٥١ فَأَجَابَ يَسُوعُ وقَال: "دَعُوا إِلَى هذَا! " وَلمَسَ أُذْنَهُ وَأَبْرَأَهَا." (لوقا ٢٢/ ٥١)، ولم يذكر لوقا أي ردة فعل للجند والجموع تجاه هذه المعجزة الباهرة. وكأن شيئًا لم يكن. ٣ - كما انفرد مرقس بواحدة أخرى، وهي: قصة الشاب الذي هرب من الشبان، فأمسكوا بإزاره الذي يلبسه على عري، فترك الإزار، وهرب منهم عريانًا (مرقس ١٤/ ٥١ - ٥٢). ٤ - وأيضًا انفرد يوحنا بأن المسيح طلب من الجند أن يدعوا تلاميذه يهربون. (انظر: يوحنا ١٨/ ٨) مع أن أحدًا لم يتعرض لتلاميذه، لكن يوحنا يريد بذلك أن يحقق نبوءة

стр. 698

توراتية، فقد قال بعدها "٩ لِيَتِمَّ الْقَوْلُ الَّذِي قَالهُ: "إِنَّ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لَمْ أُهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدًا"." (يوحنا ١٨/ ٩). ٥ - وانفرد يوحنا عن بقية الإنجيليين، فذكر أن الجند لما همّوا بالقبض على يسوع، وقعوا على الأرض، يقول يوحنا: "٦ فَلَمَّا قَال لَهُمْ: "إِنِّي أَنَا هُوَ"، رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ." (يوحنا ١٨/ ٦)، ولم يذكر هذا الخبر - على أهميته - غيره، فما الذي أخاف الجنود حتى سقطوا؟ إنه خوفهم من الملائكة الذين حموا المسيح، فذاك الذي سبب لهم هذا السقوط، كما في النبوءة التوراتية: "١٠ لَا يُلَاقِيكَ شَرٌّ، وَلَا تَدْنُو ضَرْبَةٌ مِنْ خَيْمَتِكَ. ١١ لأَنَّهُ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ. ١٢ عَلَى الأَيْدِي يَحْمِلُونَكَ لِئَلَّا تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ." (المزمور ٩١/ ١٠ - ١٢). ٦ - وانفرد يوحنا فذكر ذهاب الجند بالمسيح إلى حنان - حما رئيس الكهنة قيافا -، ثم أخذه بعدها إلى قيافا الكاهن. (انظر يوحنا ١٨/ ١٢ - ١٣). ٧ - وانفرد لوقا بذكر إرسال بيلاطس المسيح إلى هيرودس حاكم الجليل (انظر لوقا ٢٣/ ٨)، مع أن هيردوس مات قبل ذلك بكثير، وذلك إبان طفولة المسيح، يقول متى: " ١٩ فَلَمَّا مَاتَ هِيرُودُسُ، إِذَا مَلَاكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ في حُلْمٍ لِيُوسُفَ في مِصْرَ ٢٠ قَائِلًا: "قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّهُ قَدْ مَاتَ الَّذِينَ كَانُوا يَطْلُبُونَ نَفْسَ الصَّبِيِّ". ٢١ فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَجَاءَ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ. ٢٢ وَلكِنْ لمَّا سَمِعَ أَنَّ أَرْخِيلَاوُسَ يَمْلِكُ عَلَى الْيَهُودِيَّةِ عِوَضًا عَنْ هِيرُودُسَ أَبِيه ... " (متى ٢/ ١٩ - ٢٠). فلو صدق متى في خبر وفاة هيرودس زمن طفولة المسيح فإن لوقا حينذاك من الكاذبين رغم تتبعه لكل شيء بتدقيق. والذي دعاه لإحضار هيرودس من الموت - كما يرى مفسر إنجيل لوقا جورج كيرد -: أنه أراد أن يشرك ملكًا آخر مع بيلاطس، ليحقق نبوءة المزمور الثاني، وفيه: "٢ قَامَ مُلُوكُ

стр. 699

الأَرْضِ، وَتَآمَرَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ" (المزمور ٢/ ٢). (١) ٨ - وانفرد متى فذكر عجائب حصلت والمسيح على الصليب في اللحظة التي فارق فيها الحياة، فيقول: "٥١ وَإِذَا حِجَابُ الْهَيْكَلِ قَدِ انْشَقَّ إِلَى اثْنَيْنِ، مِنْ فَوْقٍ إِلَى أَسْفَلٍ. وَالأَرْضُ تَزَلْزَلَتْ، وَالصُّخُورُ تَشَقَّقَتْ، ٥٢ وَالْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ، وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ الرَّاقِدِينَ ٥٣ وَخَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ الْمَقَدَّسَةَ، وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ. " (متى ٢٧/ ٥١ - ٥٣)، فهذه الأعاجيب ينفرد بها دون سائر الإنجيليين والمؤرخين ومنهم لوقا المتتبع بالتدقيق لكل شيء. ولو صح مثل هذا لكان من أعظم أعاجيب المسيح، ولحرص الجميع على ذكره، لذا فهو إلى الكذب أقرب، يقول نورتن المسمى"حامي الإنجيل": "هذه الحكاية كاذبة، والغالب أن أمثال هذه الحكاية كانت رائجة في اليهود، بعدما صارت أورشليم خرابًا، فلعل أحدًا كتب في حاشية النسخة العبرانية لإنجيل متى، وأدخلها الكُتاب في المتن، وهذا المتن وقع في يد المترجم، فترجمها على حسبه". وقد نقلت هذه الأخبار عن الأساطير القديمة، يقول المفسر كيرد في تفسيره (٢) "كان الشائع قديمًا أن الأحداث الكبيرة المفجعة يصحبها نذر سوء، وكأن الطبيعة تواسي الإنسان بسبب تعاسته". ويقول المفسر نينهام في تفسيره (٣): "لقد قيل: إن مثل تلك النذر لُوحِظَتْ عند موت بعض الأحبار الكبار، وبعض الشخصيات العظيمة في العصور القديمة والوثنية، وخاصة عند موت يوليوس قيصر". ويقول المفسر جون فنتون في تفسيره مدافعًا عن تحريف متى، مبررًا إضافاته في القصة: "لقد

стр. 700

كان قصد متى من هذه الأحداث الخرافية أن يبين أن موت يسوع كان عملًا من صنع الله". (١) ومما يدل على كذب كاتب إنجيل متى في هذه الزيادة، أن نتأمل أثر ظهور هذه العجائب في الأحداث التالية، فلو وقع ما ذكره متى لما تجرأ اليهود على الرجوع إلى بيلاطس، وطلب حراسة القبر، ولو وقعت هذه الأحداث الخرافية لما تجاسر قيافا أن يصف المسيح وقتئذ بالمضل، ولانتقم منهم بيلاطس، بل وعامة اليهود، ولآمن كثيرون بالمسيح، كما آمن كثيرون في أعجوبة أقل من ذلك، حين نزل روح القدس على التلاميذ، فآمن ثلاثة آلاف شخص. (انظر أعمال ٢/ ٤٠ - ٤١)، وما ذكره متى من عجائب تزامنت مع موت المسيح أعظم من ذلك. ثم ماذا عن هؤلاء الأموات؟ هل عادوا بأكفانهم؛ أم حفاة عراة؟ ومع مَن تكلموا؟ هل كان خروجهم حزنًا عليه أم نصرة له؛ أم فرحًا به؟ ثم كم عاشوا؟ وكيف ماتوا؟ ومتى؟ . ٩ - وانفرد يوحنا بذكر وجوده إلى جوار المسيح، وأم المسيح معه وقت الصلب (يوحنا ١٩/ ٢٥ - ٢٦)، وأمر كهذا لا يتصور أن تغفله الأناجيل لو كان حقًّا، كما لا يمكن تصور أن الجند يسمحون لذوي المسيح من الاقتراب منه وهو على الصليب، وهم الذين أنكر بطرس بين أيديهم معرفة المسيح ثلاث مرات، لخوفه من بطشهم. (٢) المبحث الثاني: إبطال صلب المسيح بنبوءات التوراة المطلب الأول: أهمية النبؤات في التوراة بالنسبة للمسيحيين تحتل النبوءات في الفكر المسيحي مكانة سامقة، جعلت بعض النصارى يشترطون لصحة النبوة أن يسبقها نبوءة. وحادثة صلب المسيح - كما يعتبرها النصارى - أحد أهم أحداث المعمورة، فكان لابد وأن يتحدث عنها الأنبياء في أسفارهم، وأن يذكرها المسيح لتلاميذه.

стр. 701

فهل أخبرت الأنبياء بصلب المسيح وقيامته؟ وهل أخبر المسيح تلاميذه بذلك؟ والإجابة النصرانية عن هذه التساؤلات: نعم، وحدث ذلك في مواضع كثيرة من الأناجيل والرسائل والأسفار التوراتية. ولعل من نافلة القول أن نذكر بأن النصارى يعتبرون أسفار التوراة جزءًا مقدسًا من كتابهم المقدس، كيف لا والأناجيل ما فتئت تحيل إلى هذه الأسفار، تستمد منها تنبؤاتها المستقبلية، التي تحققت في شخص المسيح في حياته أو حين صلبه -كما يزعمون-. وللأسفار التوراتية دور عظيم في قصة صلب المسيح، فقد أكثر الإنجيليون في سردهم للقصة من الإحالة إلى أسفار التوراة؛ التي يرونها تتنبأ بالمسيح المصلوب، وكانت نصف هذه الإحالات إلى المزامير المنسوبة لداود وغيره. وقد أكد عيسى ﵇ لتلاميذه ضرورة أن تتحقق فيه النبوءات التوراتية بقوله: "أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزامِيرِ"." (لوقا ٢٦/ ٤٤)، وقد قال لهم: "٣٩ فتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي." يقول جوش مكدويل: "هناك تسع وعشرون نبوءة في العهد القديم تتحدث عن خيانة المسيح (أي خيانة يهوذا للمسيح) ومحاكمته وموته ودفنه ... وتحققت كلها حرفيًا في أربع وعشرين ساعة من الزمان". (١) وبعض هذه النبوءات استشهد بها الإنجيليون في سياق روايتهم لقصة صلب المسيح، ومجموع هذه النبوءات أربع عشرة نبوءة، ذكر متى منها ستًّا، ومرقس أربعًا، ولوقا اثنتين، بينما ذكر منها يوحنا سبع نبوءات. ونخلص من هذا إلى أهمية النبوءات التوراتية المتعلقة بصلب المسيح. ويبالغ النصارى في التركيز على أهمية وكثرة النبوءات التوراتية المتحدثة والمشيرة إلى المسيح، فيقول القمّص سرجيوس في كتابه "هل تنبأت التوراة عن المسيح؟ ":

стр. 702

"فالمسيح ساطع في كل الكتاب المقدس في إشراق دائم، وليس كالشمس التي تغيب عن نصف الأرض ليلًا، إذ ليس في التوراة أو كتب الأنبياء جزء تغرب عنه شمس المسيح، بل يشع اسمه، وشخصه، وصفاته، وأعماله، وظروفه، وأحواله في التوراة، وكتب الأنبياء، وفي ثنايا سطورها نجد المسيح في كل جملة، وفي كل إصحاح، وفي كل سفر من أسفارها. وما حروفها وكلماتها إلا خطوط أو ظلال لصورة المسيح المجيدة ... فنحن المسيحيين لا نهتم أين نفتح التوراة وكتب الأنبياء لنجد الكلام عن المسيح ... " (١)، ورغم ما في الكلام من مبالغة، فإننا نستشف منه أهمية النصوص التوارتية في الدلالة على المسيح. ولسفر المزامير وموضوع الصلب شأن خاص، يصفه سرجيوس فيقول: "أما سفر المزامير فكان الهالة التي أحاطت بكوكب يسوع، فتكلم حتى عن إحساساته العميقة، وآلامه المبرحة، ناهيك عن صفاته وألقابه، أكثر من أي نبي آخر، ويمكننا القول: إن سفر المزامير هو سفر "مسِيّا" الخاص، بدليل أن الاقتباسات التي اقتبسها كتبة العهد القديم من سفر المزامير هذا بلغت نصف الاقتباسات المأخوذة من العهد القديم كله". المطلب الثاني: البعث في المزامير وتوجيهها: دعونا نتجرد ونبحث عن الجواب الصحيح في سفر المزامير الذي فاقت أهميته عند اللاهوتيين جميع الأسفار، ولسوف نستعرض في هذه العجالة ثلاثة عشر مزمورًا فقط، من نبوءات المزامير، وهي تتحدث عن المسيح المصلوب. أولًا: المزمور الثاني (نبوءة عن المؤامرة الفاشلة لصلب المسيح) . وفيه: "١ لِمَاذَا ارْتَجَّتِ الأُمَمُ، وَتَفَكَّرَ الشُّعُوبُ فِي الْبَاطِلِ؟ ٢ قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَتَآمَرَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ، قَائِلِينَ: ٣"لِنَقْطَعْ قُيُودَهُمَا، وَلْنَطْرَحْ عَنَّا رُبُطَهُمَا ٤ السَّاكِنُ فِي السَّمَاوَاتِ يَضْحَكُ. الرَّبُّ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ. ٥ حِينَئِذٍ يَتكلَّمُ عَلَيْهِمْ بِغَضَبِهِ، وَيَرْجُفُهُمْ بِغَيْظِهِ." (المزمور ٢/ ١ - ٥). والمزمور الثاني يراه العلماء النصارى نبوءة بالمسيح الموعود.

стр. 703

يقول د. هاني رزق في كتابه "يسوع المسيح ناسوته وألوهيته" عن هذا المزمور: "وقد تحققت هذه النبوءة في أحداث العهد الجديد، إن هذه النبوءة تشير إلى تآمر وقيام ملوك ورؤساء الشعب على يسوع المسيح لقتله وقطعه من الشعب، وهذا ما تحقق في أحداث العهد الجديد في فترتين، في زمان وجود يسوع المسيح له المجد في العالم" ويقصد تآمر هيرودس في طفولة المسيح، ثم تآمر رؤساء الكهنة لصلب المسيح. ووافقه "فخري عطية" في كتابه "دراسات في سفر المزامير" و"حبيب سعيد" في كتابه "من وحي القيثارة" وويفل كوبر في كتابه "مسيا عمله الفدائي" وياسين منصور في كتابه "الصليب في جميع الأديان"، فيرى هؤلاء جميعًا أن المزمور نبوءة بالمسيح المصلوب. (١) وقولهم بأن النص نبوءة بالمسيح تصديق لما ورد في سفر أعمال الرسل: "٢٤ فَلَمَّا سَمِعُوا، رَفَعُوا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ صَوْتًا إِلَى الله وَقَالوا: "أَيُّهَا السَّيِّدُ، أنتَ هُوَ الإِلهُ الصَّانِعُ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، ٢٥ الْقَائِلُ بِفَمِ دَاوُدَ فتَاكَ: لِمَاذَا ارْتَجَّتِ الأُمَمُ وَتَفَكَّرَ الشُّعُوبُ بِالْبَاطِلِ؟ ٢٦ قَامَتْ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَاجْتَمَعَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ. ٢٧ لأَنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ اجْتَمَعَ عَلَى فتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ، الَّذِي مَسَحْتَهُ، هِيرُودُسُ وَبِيلَاطُسُ الْبُنْطِيُّ مَعَ أُمَمٍ وَشُعُوبِ إِسْرَائِيلَ، ٢٨ لِيَفْعَلُوا كُلَّ مَا سَبَقَتْ فَعَيّنتْ يَدُكَ وَمَشُورَتُكَ أَنْ يَكُونَ .... " (أعمال ٤/ ٢٤ - ٣١). ولا نرى مانعًا في موافاقتهم بأن المزمور نبوءة عن المسيح، فالمزمور يتحدث عن مؤامرات اليهود عليه، وهذا لا خلاف عليه بين المسلمين والنصارى، وإنما الخلاف: هل نجحوا أم لا؟ فبماذا يجيب النص؟ . يجيب المزمور بأن الله ضحك منهم واستهزأ بهم، وأنه حينئذ، أي في تلك اللحظة أرجف المتآمرين بغيظه وغضبه. فهل يكون ذلك دليل نجاحهم في صلب المسيح، أم أن الرب يضحك لنجاة عبده المسيح من بين أيديهم، ووقوعهم في شر أعمالهم؟

стр. 704

ويفسر المزمور السابع والثلاثون سبب ضحك الرب واستهزائه، فيقول: "١٢ الشِّرِّيرُ يَتَفَكَّرُ ضِدَّ الصِّدِّيقِ وَيحرِّقُ عَلَيْهِ أَسْنَانَهُ. ١٣ الرَّبُّ يَضحَكُ بِهِ لأَنَّهُ رَأَى أَنَّ يَوْمَهُ آتٍ! ١٤ الأَشْرَارُ قَدْ سَلُّوا السَّيْفَ وَمَدُّوا قَوْسَهُمْ لِرَمْي المسْكِينِ وَالْفَقِيرِ، لِقَتْلِ المُسْتَقِيمِ طَرِيقُهُمْ. ١٥ سَيْفُهُمْ يَدْخُلُ فِي قَلْبِهِمْ، وَقِسِيُّهُمْ تَنْكَسِرُ." (المزمور ٣٧/ ١٢ - ١٥)، لقد ضحك الرب لفشل المؤامرة، وعودها على أصحابها، فقد وقعوا في الحفرة التي حفروها للمسيح الذي نجاه الله بقوته. ثانيًا: المزمور السابع (نبوءة عن عود المؤامرة على أصحابها) . وفيه نقرأ: "يَا رَبُّ إِلهِي، عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ. خَلِّصْنِي مِنْ كُلِّ الَّذِينَ يَطْرُدُونَنِي وَنَجِّنِي، ٢ لِئَلَّا يَفْتَرِسَ كَأَسَدٍ نَفْسِي هَاشِمًا إِيَّاهَا وَلَا مُنْقِذ ٣ يَا رَبُّ إِلهِي، إِنْ كُنْتُ قَدْ فَعَلْتُ هذَا. إِنْ وُجِدَ ظُلْمٌ فِي يَدَيَّ. ٤ إِنْ كَافَأْتُ مُسَالمِي شَرًّا، وَسَلَبْتُ مُضَايِقِي بِلَا سَبَبٍ، فَلْيُطَارِدْ عَدُوٌّ نَفْسِي وَلْيُدْرِكْهَا، وَلْيَدُسْ إِلَى الأَرْضِ حَيَاتِي، وَلْيَحُطَّ إِلَى التُّرَابِ مَجْدِي. سِلَاهْ. ٦ قُمْ يَا رَبُّ بِغَضبِكَ. ارْتَفِعْ عَلَى سَخَطِ مُضَايِقِيَّ وَانْتَبِهْ لِي. بِالحَقِّ أَوْصَيْتَ. ٧ وَمَجْمَعُ الْقَبَائِلِ يُحِيطُ بِكَ، فَعُدْ فَوْقَهَا إِلَى الْعُلَى. ٨ الرَّبُّ يَدِينُ الشُّعُوبَ. اقْضِ لِي يَا رَبُّ كَحَقِّي وَمِثْلَ كَمالِي الَّذِي فِيَّ. ٩ لِيَنْتَهِ شَرُّ الأَشْرَارِ وَثَبِّتِ الصِّدِّيقَ. فَإِنَّ فَاحِصَ القلوب والكلى الله الْبَارُّ. ١٠ تُرْسِي عِنْدَ الله مُخَلِّصِ مُسْتَقِيمِي الْقُلُوبِ. ١١ الله قَاضٍ عَادِلٌ، وَإِلهٌ يَسْخَطُ فِي كُلِّ يَوْمٍ. ١٢ إِنْ لَمْ يَرْجعْ يُحَدِّدْ سَيْفَهُ. مَدَّ قَوْسَهُ وَهَيَّأَهَا، ١٣ وَسَدَّدَ نَحوَهُ آلةَ المُوْتِ. يَجْعَلُ سِهَامَهُ مُلْتَهِبَةً. ١٤ هُوَذَا يَمْخَضُ بِالإِثْمِ. حَمَلَ تَعَبًا وَوَلَدَ كَذِبًا. ١٥ كَرَا جُبًّا. حَفَرَهُ، فَسَقَطَ فِي الْهُوَّةِ الَّتِي صَنَعَ. ١٦ يَرْجعُ تَعَبُهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَعَلَى هَامَتِهِ يَهْبِطُ ظُلْمُهُ. ١٧ أَحْمَدُ الرَّبَّ حَسَبَ بِرِّهِ، وَأُرَنِّمُ لاسْمِ الرَّبِّ الْعَليِّ" (المزمور ٧/ ١ - ١٧). ولكن هل المزمور نبوءة تتعلق بالمسيح؟ ، والجواب نعم، فعلى قول الترنم في هذا المزمور: "اقْضِ لِي يَا رَبُّ كَحَقِّي وَمِثْلَ كَمَالِي الَّذِي فِيَّ. "يعلق القديس جيروم فيقول: "لا يقدر داود أن يذكر هذه الكلمات عن نفسه، إنما هي

стр. 705

بالحقيقة تخص المخلص الكامل الذي لم يخطئ قط" (١) فهو يرى أن هذا المزمور نبوءة عن المسيح. ويؤكد ذلك فخري عطية في كتاب "دراسات في المزامير" فيقول عن هذا المزمور: "واضح أنه من مزامير البقية، إذ يشير إلى زمن ضد المسيح، وفيه نسمع صوت البقية، ومرة أخرى نجد روح المسيح ينطق على فم داود بالأقوال التي تعبر عن مشاعر تلك البقية المتألمة، في أيام الضيق العظيمة". (٢) والربط واضح وبيّن بين دعاء المزمور المستقبلي "١ يَا رَبُّ إِلهِي، عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ. خَلِّصْنِي مِنْ كُلِّ الَّذِينَ يَطْرُدُونَنِي وَنَجِّنِي ... " وبين دعاء المسيح ليلة أن جاءوا للقبض عليه "إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذ الْكَأْسُ". ثم يطلب الداعي من الله عونًا؛ أن يرفعه إلى فوق، في لحظة ضيقه "فَعُدْ فَوْقَهَا إِلَى الْعُلَى"، ويشير إلى حصول ذلك في لحظة الإحاطة به "٧ وَمَجْمَعُ الْقَبَائِلِ يُحِيطُ بِكَ، فَعُدْ فَوْقَهَا إِلَى الْعُلَى.". ثم يذكر المزمور بأن "١١ الله قَاضٍ عَادِلٌ" فهل من العدل أن يصلب المسيح أم يهوذا؟ ثم يدعو الداعي في المزمور الله أن يثبت الصديق، وأن ينتهي شر الأشرار، ويؤكد لجوءه إلى الله، مخلص القلوب المستقيمة. ثم يتحدث المزمور عن خيانة يهوذا. وقد جاء". مَدَّ قَوْسَهُ وَهَيَّأَهَا، ١٣ وَسَدَّدَ نَحوَهُ آلةَ الْمُوْتِ. يَجْعَلُ سِهَامَهُ مُلْتَهِبَةً." (القُبلة الآثمة) "يَجْعَلُ سِهَامَهُ مُلْتَهِبَةً". ولكن حصل أمر عظيم، لقد انقلب السحر على الساحر، " ١٤ هُوَذَا يَمْخَضُ بِالإِثْمِ. حَمَلَ تَعَبًا وَوَلَدَ كَذِبًا. ١٥ كَرَا جُبًّا. حَفَرَهُ، فَسَقَطَ فِي الْهُوَّةِ الَّتِي صَنَعَ. ١٦ يَرْجعُ تَعَبُهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَعَلَى هَامَتِهِ يَهْبِطُ ظُلْمُهُ. "لقد ذاق يهوذا ما كان حفره لسيده المسيح، ونجا المسيح من مجمع القبائل إلى العلا. لقد تحقق في يهوذا سنة الله وعادته في عقوبة الخائنين" ٢٧ مَنْ يَحْفِرُ حُفْرَةً يَسْقُطُ فِيهَا، وَمَنْ يُدَحْرِجُ حَجَرًا يَرْجعُ عَلَيْهِ." (الأمثال ٢٦/ ٢٧).
следующие страницы →