← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

"من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". (١) ولو قدر على الإنفاق على زوجة واحدة فقط لا يحل له شرعًا أن يتزوج من ثانية لأن هذا يعتبر ظلمًا للثانية، ويوصف الرجل عندئذ بعدم المبالاة بحقوق الغير، وقد اتفق الفقهاء على هذين الشرطين العدالة والقدرة على الإنفاق، لا بد من توافرهما لكل من يريد الزواج وعنده زوجة، لكن إذا حصل وتزوج مع فقد هذين الشرطين أو أحدهما فالزواج صحيح مع الإثم، بمعنى أن اللَّه سيحاسبه على الظلم وعدم القيام بتكاليف الزواج. (٢) وإنما حكم العلماء بصحة الزواج مع الإثم لما يلي: (١) هذان الشرطان ليسا من شروط صحة الزواج، وفساد العقود وصحتها يرتبطان بأمور واقعة لا بأمور متوقعة، ولو حكمنا بفساد العقد لخشية الظلم أو لعدم الإنفاق لحكمنا بفساد العقد لأمر متوقع قد يقع وقد لا يقع. (٢) إن خوف الظلم أمر نفسي، وأحكام العقود بالصحة والفساد لا يصح أن ترتبط بأمور نفسية خفية لا تجري عليها أحكام القضاء، والقدرة على الإنفاق أمر يتصل بالرزق، والرزق أمره عند علام الغيوب، فليس لأحد أن يجئ إلى عاقدين علم كل منهما بأمر صاحبه وقدرته وقد رضيا بالزواج؛ فيقول لهما لا تتزوجا، أو الزواج بينكما غير صحيح؛ لأنه في المستقبل لا يستطيع الإنفاق عليها. اهـ (٣) الضابط الثالث: ومن ضوابط التعدد أن لا يزيد على أربع إلا ما كان من رسول اللَّه ﷺ فهذه خصوصية له قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (النساء: ٣).

стр. 6372

وهذه مسألة مجمع عليها بين علماء أهل السنة والجماعة وقد نقل الإجماع فيها الحافظ ابن حجر، وابن قدامة، وابن كثير، وابن حزم، إلا ما استنفره من لا حظ له في الإسلام، أو رافضي ونحوه، ومن أسلم وتحته أكثر من أربع أُمِرَ بفراق ما زاد على الأربع، ولا يشترط أن يفارق الأخريات بعينهن أو الأوليات، بل يفارق مَنْ شاء بشرط ألا يزيد ما تحته على أربع نسوة. أما إذا كان مسلمًا وعنده أربع نسوة وعقد على خامسة أُمر بفراقها؛ لأن عقدها فاسد إلا إذا طلق إحدى الأربع وانقضت عدتها. (١) الضابط الرابع: عدم الجمع بين الأختين، أو البنت وعمتها، أو خالتها، نسبًا أو رضاعًا لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (النساء: ٢٣). وعن زَيْنَبَ ابْنَة أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّه انْكِحْ أختي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ. فَقَالَ: أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ . فَقُلْتُ: نَعَمْ؛ لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي في خَيْرٍ أُخْتِي، فَقَالَ النبي ﷺ : "إِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لي، قُلْتُ: فَإِنَّا نُحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي في حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَىَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ". (٢) ويدخل في هذا منع الشرع من الزواج بالمحرمات نسبًا أو رضاعًا من باب أولى. وقال ابن عباس ﵄: كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، قال: فأنزل اللَّه : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (النساء: ٢٢، ٢٣). (٣)

стр. 6373

فالجمع بين الأختين حرام بالإجماع، سواءٌ كانتا شقيقتين، أَمْ من أب، أَمْ من أُمّ، وسواء الرضاع والنسب، وإذا كان بملك اليمين فالجمهور وفقهاء الأمصار على المنع. قال الشافعي: ولا يجمع بين الأختين أبدًا بنكاح ولا وطء ملك، وكل ما حرم من الحرائر بنسب أو رضاع حرم من الإماء مثله إلا العدد؛ والعدد ليس من النسب والرضاع بسبيل، فإذا نكح امرأة ثم نكح أختها فنكاح الآخرة باطل ونكاح الأولى ثابت وسواء دخل بها أو لم يدخل بها ويفرق بينه وبين الآخرة. (١) حتى إن من أسلم وتحته أختان خُيِّرَ فَيُمْسِكَ إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة. (٢) وكما أنه لا يجمع بين الأختين، يحرم عليه أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (٣). والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يعلم بينهم اختلاف أنه لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها، أو خالتها، فإن نكح امرأة على عمتها، أو خالتها، أو على بنت أخيها، أو أختها، فنكاح الأخرى منها مفسوخ وبه يقول عامة أهل العلم. (٤) فأيتهما نكح أولًا ثم نكح عليها أخرى فسد نكاح الآخرة، ولو نكحهما في عقدة واحدة كانت العقدة مفسوخة وينكح أيتهما شاء بعد. (٥) وممن نقل الإجماع في هذه المسألة على التحريم ابن عبد البر، والقرطبي، والنووي، وابن حزم، واستثنى بعض العلماء الخوارج والشيعة ولا عبرة بخلافهم لأنهم يَرَدُّون الأحاديث. (٦)

стр. 6374

وعن ابن عمر ﵃: أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشرُ نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يتخير أربعًا منهن". (١) ولعل المعترض يقول مادام التعدد لا بد فيه من العدل والقدرة على الإنفاق فلماذا لا تمنعه الشريعة الإسلامية سدًا لباب الظلم، ودفعًا لإضاعة الأهل والعيال بسبب قلة المال في يوم من الأيام؟ وهي النقطة الثالثة. الوجه الثالث: الحكمة من تعدد الزوجات في الشريعة الإسلامية .

стр. 6375

١ - إن لتشريع تعدد الزوجات فضلًا كبيرًا في بقاء المجتمع الإسلامي نقيًا، بعيدًا عن الرذائل الاجتماعية والنقائص الخلقية التي فشت في المجتمعات التي تحارب التعدد وتحرمه فقد لوحظ في المجتمعات التي تحرم التعدد ما يلي: أ- شيوع الفسق وانتشار الفجور حتى زاد عدد البغايا على عدد المتزوجات في بعض البلاد. ب- انتشار الأمراض البدنية والعقد النفسية. جـ- انحلال عرى الصلات الوثيقة بين الزوج والزوجة. د- كثرة المواليد من الزنا. (١) ٢ - قد يوجد عند بعض الرجال بحكم طبيعتهم النفسية والبدنية رغبة جنسية جامحة حتى لا تشبعه امرأة واحدة، ولا سيما في بعض المناطق الحارة، فبدلًا من أن يتخذ خليلة أو عشيقة تفسد عليه أخلاقه أُبيح له أن يشبع غريزته من طريق حلال مشروع. (٢) ٣ - إذا كان للزوج -الرجل- زوجة واحدة واعتراها مرض لا يرجى منه الشفاء، أو كانت عقيمة لا تلد وهي مع ذلك راغبة في استمرار الحياة الزوجية، فهل يؤذيها بالفراق؟ أو يوفق بين رغبتها ورغبته؛ فيتزوج بأخرى ويبقى عليها، فتلتقي مصلحته ومصلحتها معًا؟ لا شك أن الحل الأخير هو الحل الوحيد الذي لا يسع صاحب ضمير حي إلا أن يتقبله ويرضى به. (٣)، وذلك لأنه ليس من المروءة ولا الإنسانية طلاقها وليس لها من يعولها، وهي لا تستطيع الكسب، ولا تستطيع ولا يمكن أن تتزوج بغيره، وليس من الحكمة منعه من التزوج؛ لئلا يتعطل نسله أو تميل به الشهوات الطبيعية إلى الزنا. (٤)

стр. 6376

ومما يتعلق بهذا أن تبلغ المرأة سن اليأس والرجل قادر على الإنجاب، وهو يريد ذلك. (١) ٤ - إن المجتمع في نظر الإسلام كالميزان يجب أن تتعادل كفتاه ومن أجل المحافظة على التوازن يجب أن يكون عدد الرجال بقدر عدد النساء، ولكن كيف نصنع حين يختل التوازن ويصبح عدد النساء أضعاف عدد الرجال؟ أتُحرم المرأة من نعمة الزوجية ونعمة الأمومة، ونتركها تسلك طريق الفاحشة والرذيلة، أم نحل هذه المشكلة بطريقة شريفة فاضلة نصون فيها كرامة المرأة، وطهارة الأسرة، وسلامة المجتمع. أيهما أفضل لدى العاقل: أن ترتبط المرأة برباط مقدس تنضم فيه مع امرأة أخرى تحت حماية رجل بطريق شرعي شريف، أم نجعلها عشيقة لهذا الرجل؛ وتكون العلاقة بينهما علاقة إثم وإجرام؟ لاشك أن التعدد حينئذ فيه صيانة للمرأة وحفظ كرامتها. (٢) ٥ - وهذا يتضح أكثر في أعقاب الأزمات، والثورات، والأوبئة، والكوارث العامة، والتي يموت فيها كثير من الرجال، فتبقى نساء عديدة بلا أزواج ينتج عن ذلك نقص في عدد المواليد لا محالة، فإذا لم يُسمح بالتعدد في هذه الحالة كما فعل الإسلام فسوف تنتشر في المجتمع الدعارة، ومشكلة الخليلات، والخيانة الزوجية، ويكثر فيه اللقطاء، والأولاد غير الشرعيين. فليس لهذه المشكلة حل أسلم وأكرم من تعدد الزوجات، وهو ما فعله الإسلام؛ لأن المرأة التي لا تتزوج تعيش عيش البطالة والفتنة وتحدث فوضى جنسية تسبب في النهاية تفكيك الأسرة. (٣)

стр. 6377

٦ - ومع قلة الرجال عن النساء نجد أن الإناث كلهن مستعدات للزواج، وكثير من الرجال لا قدرة لهم على القيام بلوازم الزواج لفقرهم، فالمستعدون للزواج من الرجال أقل من المستعدات له من النساء؛ لأن المرأة لا عائق لها، والرجل يعوقه الفقر وعدم القدرة على لوازم النكاح فلو قصر الواحد على الواحدة لضاع كثير من المستعدات للزواج أيضًا بعدم وجود أزواج؛ فيكون ذلك سببًا لضياع الفضيلة وتفشي الرذيلة والانحطاط الخلقي وضياع القيم الإنسانية كما هو واضح. (١) ٧ - أن يكون للرجل امرأةٌ لا يأويها غيرهُ وهو متزوج، فمن الحذلقة المرذولة أن يقال في هذه الحالة أن الإحسان إليها بالصدقة أكرم لها من كفالتها في عصمته، ورضاها أولى بالتقديم من رضى زوجته التي تعميها الأثرة عن كل شعور غير شعورها، فكلتاهما امرأة وكلتاهما إنسان، يحق له العطف والحماية من الكدر والشقاء. (٢) ٨ - أن يكون الرجلُ مسئولًا عن يتامى يتولى رعايتهم وهم يعيشون في حضانة أمهم الشابة ومن حق هذه المرأة أن تأخذ نصيبها من الحياة الزوجية، فإذا تزوجت بزوج أجنبي عن الأولاد فإنهم سيتعرضون للضياع وعدم الرعاية، وأيضًا فإن الوصي قد يتحرج من الدخول على اليتامى وبينهم أمهم الأَيِّم، وفي هذا الجو من خوف الفتنة والإغراءات النفسية ما لا يخفى والمؤمن لا ينبغي أن يضع نفسه وضعًا يكون فيه فاتنًا أو مفتونًا، والخلاص الوحيد من هاتين المشكلتين أن يتزوج أم اليتامى مع زوجته الأولى فيجمع بذلك بين رعاية اليتامى على الوجه المطلوب، وبين وقاية نفسه، ووقاية أم اليتامى من عوامل السوء والفتنة. (٣) ٩ - أن يشتد كره الزوج لزوجته بحيث لم ينفع معه علاج التحكيم، والطلاق الأول، والثاني، وما بينهما من هدنة العدة التي تمتد في كل مرة فترة زمنية تسمح بمراجعة النفس،

стр. 6378

وهنا يجد الزوج نفسه بين احتمالين: الأول: إما أن يطلقها ويتزوج غيرها. والثاني: أن يبقيها عنده لها حقوقها المشروعة كزوجة ويتزوج عليها أخرى، ولا شك أن الاحتمال الثاني أكرم للزوجة الأولى، وأكثر عزمًا على الزوج، والدليل على وفائه ونبل خلقه وهو في الوقت نفسه أضمن لمصلحة الزوجة خصوصًا بعد تقدم السن وإنجاب الأولاد. (١) ١٠ - أن يكون الرجل بحكم عمله كثير الأسفار، ويقيم في غير بلدته ما قد يستغرق في بعض الأحيان شهورًا، ومن الصعوبة بمكان أن ينقل معه زوجته وأولاده، ويشق عليه الصبر والصوم. فنحن أمام حلين: الأول: إما أن يعيش في أسفاره مع امرأة يأنس بها عن طريق غير شرعي، وليس لها حق الزوجة، ولا لأولادها حقوق الأولاد الشرعيين. والثاني: أن يتزوج بأخرى، ويقيم معها في أسفاره إقامة مشروعة في نظر الدين، والأخلاق والمجتمع، وأولادُه منها أولادٌ شرعيون، وأعتقد أن التفكير المتزن والحل الواقعي يختار الحل الثاني. (٢) ١١ - إن الذين يقولون بأن التعدد ظلم للمرأة نَسَوا وغفلوا عن أن الزوجة الثانية امرأة أيضًا، وبهذا فالزواج فيه مصلحة للمرأة بوجه عام، وإن كان فيه إدخال للألم على الزوجة الأولى، ولا شك أن هذا مضرة، ولكن بالموزانة بين الضرر الذي يلحق بالمتزوجة ابتداء والضرر الذي يلحق بمجموع النساء عامة؛ يتبين أن ضرر المنع أشد من ضرر الإباحة، ولقد ثبت بالعرف ومجرى الأمور أن المرأة في الغالب لا تقدم على الزواج من رجل متزوج إلا إذا كانت مضطرة إما لأنه استهواها واستهوته ولا مناص لهما من الاتصال إما الحلال

стр. 6379

أو الحرام، ولا شك أن حلالًا كهذا أولى من حرام مؤكد، وأن زواجًا تصان فيه المرأة وتثبت لها كل حقوق الزوجية ولأولادها كل حقوق الأولاد، أَو من سفاح لا يثبت لها حقوقها ولا لأولادها نسبًا ولا ميراثًا، ولو منع الزواج الرسمي لكثر الزواج من غير توثيق وأدى إلى ضياع الحقوق للنساء والأولاد، وقد يكون إقدامها على الزواج إذا لم يتقدم لها أحد، فإما أن تموت أنوثتها وتضطرب أعصابها إلا أن تكون من ذوات الإرادات الخارقة وكلاهما ضرر شديد بالمرأة وقد ثبت في البلاد التي يمنع فيها التعدد أنه تكثر الخلائل واتخاذ الأخدان، وخير للمرأة أن تكون حليلة بدلًا أن تكون خليلة. (١) ١٢ - من فوائده وحكمه الحاجة إلى توثيق الروابط بين عائلتين، أو بين رئيس وبعض أفراد رعيته؛ حيث إن مما يحقق هذه الروابط المصاهرة حتى ولو ترتب على ذلك تعدد الزوجات. (٢) ١٣ - يترتب على التعدد كثرة النسل وكثرة الأيدي العاملة، وفي هذه الكثرة قوة للأمة وزيادة في إنتاجها (٣). وقد كتب العالم الإنجليزي هربرت سبنسر في كتاب أصول علم الاجتماع: إذا طرء على الأمة حالة اجتاحت رجالها بالحروب، ولم يكن لكل رجل من الباقين إلا زوجة واحدة وبقيت نساء عديدات بلا أزواج؛ ينتج من ذلك نقص في عدد المواليد لا محالة، ولا يكون عددهم مساويًا لعدد الوفيات. فإذا تقابلت أمتان مع فرض أنهما متساويتان في كل الوسائل المعيشية، وكانت إحداهما لا تستفيد من جميع نسائها بالاستيلاد، فلا تستطيع أن تقاوم خصيمتها التي يستولد رجالُها جميعَ نسائها، وتكون النتيجة أن الأمة الموحدة للزوجات تفنى أمام الأمة المعددة للزوجات. (٤)

стр. 6380

١٤ - إن نظام التعدد نظام أخلاقي إنساني، أما إنه أخلاقي فلأنه لا يسمح للرجل بأي حال من الأحوال أن يتصل بأكثر من أربع نساء، وهذا الاتصال لا يكون سرًا بأي واحدة منهن، بل لابد أن يكون عن طريق إجراء عقد وإعلان هذا العقد، ولابد من أن يعلم أولياء المرأة بهذا الاتصال الشرعي ويوافقون عليه، ويسجل هذا العقد طبقًا للتنظيم الحديث في محكمة مخصصة لعقود الزواج، وأن يشهر هذا الاتصال وسط جمع من الناس بكل فرح وإكرام فخلق المسلم يحتم عليه ذلك، وأما أنه نظام إنساني فلأن الرجل يقوم بدور فعال في المجتمع عن طريق تخفيفه من أعباء المجتمع؛ بأن يتحمل مسئولية امرأة ويكون زوجًا لها وينقلها إلى مصاف الزوجات المحصنات، ومقابل اتصاله بها؛ فإنه يدفع مهرًا ونفقات وأثاثًا يعادل فائدته الاجتماعية من بناء خلية اجتماعية تنتج للأمة نسلًا عاملًا، وإنه ليتحمل قسطًا من أعباء حملها فلا يخلى بينها وبين متاعب حملها، بل ينفق عليها أثناء حملها وولادتها، وإنه ليعترف بالأولاد الذين أنجبهم منها، ويعتز بهم، وتعتز بهم أمته في المستقبل. إن نظام التعدد يحدد الإنسانُ فيه شهوته إلى قدر محدود، ولكنه يضاعف أعباءه ومتاعبه إلى قدر غير محدود، فهو لا جرم نظام أخلاقيٌ يحفظ الأخلاق، إنساني يشرف الإنسان (١). ١٥ - إن الشريعة قد حرمت الزنا، وضيقت في تحريمه؛ لما يجر إليه من الفساد في الأخلاق، والأنساب، ونظام العائلات، فناسب أن توسع على الناس في تعدد النساء لمن كان من الرجال ميالًا إلى التعدد مجبولًا عليه. (٢) ١٦ - قصد الابتعاد عن الطلاق إلا لضرورة. (٣) كما هو واضح في حالة كره الرجل لزوجته أو حبه لغيرها وإرادته الزواج منها، وفي حالة المرض والعقم، وأمثال هذا.

стр. 6381

١٧ - إن المرأة تحيض وتمرض وتنفس، وغير ذلك من العوائق المانعة بأخص اللوازم الزوجية، والرجل مستعد للتسبب في زيادة الأمة، فلو حبس عليها في أحوال أعذارها لعطلت منافعه باطلًا من غير ذنب. (١) ١٨ - وبعد هذا فإني أسأل سؤالًا وهو: ما الحل عندكم في رجل له زوجة يحبها وله منها أولاد، ولا يستطيع أن يفارقها ثم طابت لنفسه امرأةٌ أخرى وهام على وجهه خلف غبار هواها، وليس أمامه إلا الطلاق لزوجته ليتزوج بهذه، فما ذنبها؟ ، وإما أن يظل محرومًا تائهًا حتى الموت، وإما أن يزني، وإما أن يتزوجها، فأي الحلول يختاره العقلُ السليمُ والفطرةُ السليمةُ؟ لا شك أن ديننا يقول لنا ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (النساء: ٣)، وهذا هو الحل الصحيح الوحيد من هذه الحلول فاعتبروا يا أولي الأبصار. الوجه الرابع: تعدد الزوجات كان معروفًا قبل الإسلام . إن التعدد لم يكن أمرًا جديدًا جاء به الإسلام، إنما هو أمر موافق للفطرة البشرية، ولذا تراه عند سائر الأمم، لكن الإسلام وجهه في الطريق السليم نحو العدل والبناء والتعمير. ومن ذلك ما يلي تعدد الزوجات عند العرب . ١ - عند الحديث عن منشأ تعدد الزوجات، فإننا نتناوله في بلاد العرب، أو في الشرق على الجملة قبل بعثة النبي محمد ﷺ ، فليس تعدد الزوجات من خواص المشرق، ولا وحدة الزوجة من خواص المغرب، بل في المشرق شعوب لا تعرف تعدد الزوجات كالتبت والمغول، والمغرب فيه شعوب تعرفه وقد انتشر فيهما كالغولوا والجرمانيين في زمن ناسيت، بل أباحه بعد البابوات لبعض الملوك بعد دخول الدين المسيحي إلى أوربا باكشرلمان ملك فرنسا.

стр. 6382

وكان ذلك بعد الإسلام، كان الرؤساء وأهل الثروة يميلون إلى تعدد الزوجات في بلاد يزيد فيها عدد النساء عن عدد الرجال توسعًا في التمتع، وكانت البلاد العربية مما تجري فيها هذه العادة لا إلى حد محدود، فكان الرجل يتزوج من النساء ما تسمح له أو تحمله عليه قوة الرجولة وسعة الثروة للإنفاق عليهن وعلى ما يأتي له من الولد. ٢ - وعندما جاء الإسلام وأشرق فجره على العرب، كان بعض العرب تحته عشرُ نسوة وقد أسلم غيلان ﵁، وعنده عشرُ نسوة، فأمره النبي ﷺ بإمساك أربعٍ منهن ومفارقة الباقيات، فسبب الإكثار من الزوجات إنما هو الميل إلى التمتع بتلك اللذة المعروفة وبكثرة النساء، وكان العرب قبل البعثة في شقاق وقتال دائمين والقتال إنما كان بين الرجال، فكان عدد الرجال ينقص بالقتل؛ فيبقى عدد كثير من النساء بلا أزواج، فمن كانت عنده قدرة مالية وبدنية وأراد التمتع بأكثر من واحدة فعل من غير حرج ولا عدد معين. ٣ - وكان العرب ينكحون بالاسترقاق، ولكن لا يستكثرون من ذلك، بل كان الرجل يأخذ السبايا؛ فيختار منهن واحدة، ثم يوزع على رجاله ما بقى منهن واحدة واحدة. ٤ - ثم جاء النبي ﷺ وحال الرجال مع النساء كما ذكرنا لا فرق بين متزوجة وسرية في المعاملة، ولا حد لما يبتغي الرجل من الزوجات، فأراد اللَّه أن يجعل في شرعه رحمة للنساء وتقريرًا لحقوقهن، وحكمًا عدلًا يرتفع به شأنهن وليس الأمر كما يقول الكتبة الأوربيين أن ما كان عند العرب عادة جعله الإسلام دينًا، وإنما أخذ الافرنج ما ذهبوا إليه من سوء استعمال المسلمين لدينهم وليس له مأخذ صحيح منه. (١) الغرب وتعدد الزوجات . أ - إن المجتمعات الغربية تجهل حكم الإسلام فيما يتعلق بالمرأة عامة وبتعدد الزوجات خاصة، وهذه هي مارجريت ماركوس الأمريكية؛ والتي كانت يهودية ثم

стр. 6383

أسلمت، وأصبح اسمها المهدية مريم جميلة، قد نشرت كتابها الإسلام بين النظرية والتطبيق، فقالت عن الإسلام وتعدد الزوجات: "لم يُفْتَرَ على الإسلام في شيء؛ كما افترى عليه في نظام تعدد الزوجات، وهو عند الغرب يعتبر برهانًا لا يقبل الرفض على انحطاط المرأة في الإسلام، وتقول: وإن المصلحين من المسلمين في أحسن الأحوال ينتقصون من أهميته، فيعتبرونه خاصًا بالمجتمعات المتأخرة، ولا يقبل إلا في أحوال استثنائية جدًا وغير عادية، ثم تقول: وعلينا أن نفهم أن هذا التفسير الذي يدافع به المجددون المسلمون ليس له أساس في القرآن الكريم ولا في الحديث الشريف، وإنما هو النتيجة المطلقة للعبودية الفكرية لقيم الحضارة الغربية، فالفزعُ الذي ينظر به الغرب إلى تعدد الزوجات معزوٌّ على الفردية الغالبة التي تسيطر على المجتمع الحاضر، لدرجة أن الزنا يعتبر أقل بغضًا من تعدد الزوجات. إن النظرة الغربية لتعدد الزوجات نظرة لا تتصل بفوائد هذا التعدد وأضراره، بل ترجع إلى إنكار هؤلاء للرسول والرسالة التي جاء بها، لهذا اتخذ المتعصبون من نظام الأسرة في الإسلام وسيلة للطعن على هذا الدين الذي لا يعيب فيه، سوى أنه حرم الزنا، وما يتصل به أو يؤدي إليه؛ من الأقوال والأعمال وما يسمى حضارة الغرب التي تعد الزنا من التقدم أو الحرية الشخصية؛ وليس جريمة في ذاته، وقد جعل هؤلاء من تعدد الزوجات للرسول ﷺ وسيلة للطعن في الرسول والرسالة، ولو كانت المسألة هي الطعن على نظام تعدد الزوجات بصفة عامة؛ لما آمن هؤلاء بصدق كتابهم المقدس حيث تضمن الجزء الأول منه أن نبي اللَّه سليمان قد تزوج بألف امرأة، ولكن عندما يشفق النبي الكريم ﷺ على العجائز اللاتي فقدن عائلهن فيتزوجهن لأسباب إنسانية يصبح الزواج من الأرملة العجوز جريمة في حق الإنسانية. (١) ب - وأين هذا التعدد الأخلاقي النبيل الشريف من التعدد الواقع من حياة الغربيين؟ حتى تحداهم أحد كتابهم أن يكون أحدهم وهو على فراش الموت يدلي باعترافاته للكاهن،

стр. 6384

تحداهم أن يكون فيهم واحد لا يعترف للكاهن بأنه اتصل بامرأة ولو مرة واحدة في حياته إن هذا التعدد واقع عند الغربيين من غير قانون، بل واقع تحت سمع القانون وبصره، إنه لا يقع باسم الزوجات ولكنه يقع باسم الصديقات والخليلات، إنه ليس مقتصرًا على أربعٍ فحسب، بل هو إلى ما لا نهاية له من العدد، إنه لا يقع علنًا تفرح به الأسرة، ولكن سرًا لا يفرح ولا يعلم به أحد، إنه لا يلزم صاحبه بأية مسئولية مالية نحو النساء اللاتي يتصل بههن، بل حسبه أن يلوث شرفهن ثم يتركهن للخزي والعار وتحمل آلام الولادة غير المشروعة. إنه لا يلزم صاحبه بالاعتراف بما نتج عن هذا الاتصال من أولاد، بل يعتبروا غير شرعيين يحملون حياتهم خزي السفاح ما عاشوا، ولا يملكون أن يرفعوا بذلك رأسًا، إنه تعدد قانوني من غير أن يسمى تعدد الزوجات، خالٍ من كل تصرف أخلاقي، أو يقظة وجدانية، أو شعور إنساني، إنه تعدد تبعث عليه الشهوة والأنانية ويفر من تحمل كل مسئولية، فأي النظامين ألصق بالأخلاق وأكبح للشهوة وأكرم للمرأة وأدل على الرقي وأبر بالإنسانية؟ . (١)

стр. 6385

المبحث الثاني: تعدد زوجات النبي ﷺ - ومما يتعلق بمسألتنا في التعدد، تعدد زوجات نبينا ﷺ ، حيث قال المعترض إن هذا يدل على أنه كان شهوانيًا يجري وراء هواه، وهل يبيح كتاب من عند اللَّه لرسول من عند اللَّه أن يتزوج بمن ملكت يمينه من الأسرى وبأية امرأة تهواه فتهبه نفسها إن وقع هو في هواها؟ والجواب على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: النبي ﷺ لم يتزوج بكرًا إلا عائشة، ولم يعدد ﷺ إلا بعد بلوغ سن الشيخوخة . فأما رد الشبهة بصفة عامة فهناك نقطتان جوهريتان تدفعان الشبهة عن النبي الكريم ﷺ ، وتلقمان الحجر لكل مفتر أثيم؛ يجب ألا نغفل عنهما، ونضعهما نصب أعيننا حين نتحدث عن أمهات المؤمنين وعن حكمة زوجاته الطاهرات، هاتان النقطتان هما: ١ - لم يعدد الرسول ﷺ زوجاته إلا بعد بلوغ سن الشيخوخة أي بعد أن جاوز من العمر الخمسين. ٢ - جميع زوجاته الطبيات الطاهرات ثيبات أرامل ما عدا السيدة عائشة ﵂ فهي بكر، وهي الوحيدة من بين نسائه التي تزوجها في حالة الصبا والبكارة، ومن خلال هاتين ندرك بكل وضوح بطلان هذا الادعاء الذي ألصقه به المستشرقون الحاقدون، فلو كان المراد من الزواج الجري وراء الشهوة أو السير وراء الهوى أو مجرد الاستمتاع بالنساء لتزوج في سن الشباب لا في سن الشيخوخة، ولتزوج الأبكار الشابات لا الأرامل المسنات، وهو القائل لجابر بن عبد اللَّه حين جاءه وعلى وجهه أثر التطيب والنعمة: "هل تزوجت؟ ، قال: نعم، قال: بكرًا أم ثيبًا، قال: بل ثيبًا، فقال له ﷺ : فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك؟ " فالرسول الكريم ﷺ أشار عليه بتزوج البكر، وهو صلوات اللَّه عليه يعرف طريق الاستمتاع وسبيل الشهوة، فهل يعقل أن يتزوج الأرامل ويترك الأبكار، ويتزوج في سن الشيخوخة ويترك سن الصبا إذا كان غرضه الاستمتاع والشهوة؟ خصوصًا والصحابة

стр. 6386

-﵃ كانوا يفدونه ﷺ بالمهج والأرواح، ولو أنه طلب منهم الأبكار لما ترددوا، فلماذا لم يعدد الزوجات في مقتبل العمر وريعان الشباب؟ ، ولماذا ترك الزواج بالأبكار وتزوج الثيبات؟ إن هذا بلا شك يدفع كل تَقَوِّلٍ وافتراء، ويدحض كل شبهة وبهتان، ويرد على كل أفاك أثيم يريد أن ينال من قدسية الرسول ﷺ أو يشوه سمعته، فما كان زواج رسول اللَّه ﷺ بقصد الهوى أو الشهوة؛ وإنما كان لحكم نبيلة وغايات جليلة وأهداف حامية؛ سوف يقر الأعداء بنبلها وجلالها إذا ما تركوا التعصب الأعمى وحَكَّمَوا منطق العقل والوجدان، وسوف يجدون في هذا الزواج المثل الأعلى في الإنسان الفاضل الكريم والرسول النبي الرحيم الذي يضحي براحته في سبيل مصلحة غيره وفي سبيل مصلحة الدعوة والإسلام. الوجه الثاني: الحكمة من تعدد زوجات النبي ﷺ -. وهي كثيرة ومتشعبة ويمكننا أن نجملها فيما يلي: ١ - الحكمة التعليمية. ٢ - الحكمة التشريعية. ٣ - الحكمة الاجتماعية. ٤ - الحكمة السياسية. وهذه إشارة سريعة نحو كل حكمة من هذا الحكم أولًا: الحكمة التعليمية . لقد كانت الغاية الأساسية من تعدد زوجات رسول ﷺ هي تخريج بضع معلمات للنساء يعلمنهن الأحكام الشرعية فالنساء نصيف المجتمع، وقد فرض عليهن من التكاليف ما فرض على الرجال، وقد كان الكثيرات منهن يستحيين من سؤال النبي ﷺ عن بعض الأمور الشرعية وخاصة المتعلقة بهن كأحكام الحيض، والنفاس، والجنابة، والأمور الزوجية وغيرها من الأحكام، وقد كانت المرأة تغالب حياءها عندما تريد أن تسأل رسول اللَّه ﷺ عن مسألة من هذه المسائل، كما كان من خُلق الرسول الحياء الكامل وكان كما تروي كتب السنة أشد حياءً من العذراء في خدرها، فما كان ﷺ يستطيع أن يجيب عن كل سؤال يعرض عليه من جهة النساء بالصراحة الكاملة، كان يُكَنِّي في بعض الأحيان ولربما لم تفهم المرأة عن طريق الكناية مراده ﷺ .

стр. 6387

عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النبي ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ، فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ: "خذي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا" (١). قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ: "تَطَهَّرِي بِهَا". قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: "سُبْحَانَ اللَّه تَطَهَّرِي". فَاجْتَبَذْتها إِلَيَّ فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ. (٢) فكان صلوات اللَّه عليه يستحي من مثل هذا التصريح، وهكذا كان القليل من النساء من تستطيع التغلب على نفسها وعلى حيائها فتجاهر النبي ﷺ بالسؤال عما يقع لها. ومن ذلك حديث أم سلمة ﵂، قالت: جاءت أم سليم إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقالت له "يا رسول اللَّه: إن اللَّه لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت، فقال لها النبي ﷺ : نعم إذا رأت الماء، فقالت أم سلمة لقد فضحت النساء، ويحك أو تحتلم المرأة، فأجابها النبي ﷺ بقوله: إذًا فبما يشبهها ولدها؟ " (٣) مراده ﷺ أن الجنين يولد من ماء الرجل وماء المرأة؟ ولهذا يأتي له شبه بأمه، وهكذا مثل هذه الأسئلة المحرجة كان يتولى الجواب عنها فيما بعد زوجاته الطاهرات. ولهذا تقول السيدة عائشة ﵂: "نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين" (٤). وكانت المرأة تأتي السيدة عائشة في الظلام لتسألها عن بعض أمور الدين وعن أحكام الحيض والنفاس والجنابة وغيرها من الأحكام، فكان نساء الرسول خير معلمات وموجهات لهن وعن طريقهن تفقه النساء في دين اللَّه. ثم إنه من المعلوم أن سنة النبي ﷺ ليست قاصرة على قول النبي ﷺ فحسب، بل هي تشمل قوله وفعله وتقريره؛ وكل هذا من التشريع الذي يجب على الأمة اتباعه، فمن ينقل

стр. 6388

لنا أخباره وأفعاله ﵇ في المنزل غير هؤلاء النسوة اللاتي أكرمهن اللَّه ؛ فكن أمهات للمؤمنين وزوجات لرسوله الكريم في الدنيا والآخرة؟ ! لا شك أن لزوجاته الطاهرات رضوان اللَّه عليهن أكبر الفضل في نقل جميع أحواله وأطواره وأفعاله المنزلية ﷺ ، ولقد أصبح من هؤلاء الزوجات معلمات ومحدثات فقلن هديه ﵊، واشتهرن بقوة الحفظ والنبوغ والذكاء. ثانيًا: الحكمة التشريعية . ونتحدث الآن عن الحكمة التشريعية التي هي جزء من حكمة تعدد زوجات الرسول ﷺ ، وهذه الحكمة ظاهرة تدرك بكل بساطة؛ وهي أنها كانت من أجل إبطال بعض العادات الجاهلية المستنكرة ونضرب لذلك مثلًا: بدعة التبني التي كان يفعلها العرب قبل الإسلام، فقد كان دينًا متوارثًا عندهم؛ يتبنى الرجل ولدًا ليس من صلبه ويجعله في حكم الولد الصلبي، ويتخذه ابنًا حقيقيًا له حكم الأبناء من النسب في جميع الأحوال: في الميراث، والطلاق، والزواج. . . إلخ حيث كان الواحد منهم يتبنى ولد غيره، فيقول: له أنت ابني وترثني، وما كان الإسلام ليقرهم على باطل ولا ليتركهم يتخبطون في ظلمات الجهالة، فمهد بذلك أنه ألهم رسوله ﷺ أن يتبنى زيد بن حارثة على عادة العرب قبل بعثته ﷺ ، وبعد ذلك زوجه الرسول ﷺ بابنة عمه زينب بنت جحش الأسدية ﵂، وقد عاشت معه مده من الزمن، ولحكمة يريدها اللَّه تعالى: ساءت العلاقة بينهما، ثم طلقها زيد، ثم أمر اللَّه رسوله ﷺ أن يتزوجها ليبطل بدعة التبني ويقيم أسس الإسلام، ويأتي على الجاهلية من قواعدها، ولكنه ﷺ كان يخشى من ألسنة المنافقين أن يتكلموا فيه ويقولوا تزوج محمد امرأة ابنه؛ فكان يتباطأ حتى نزل العقاب الشديد لرسول اللَّه ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ (الأحزاب: ٣٧) وهكذا انتهى حكم التبني وبطلت تلك العادات التي كانت متبعة في الجاهلية؛ وكانت دينًا تقليديًا لا محيد عنه، ونزل قوله تعالى مؤكدًا هذا التشريع الجديد

стр. 6389

﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (الأحزاب: ٤٠)، وسيأتي مزيد لذكر حكم هذا الزواج فيما يأتي إن شاء اللَّه. اهـ. ثالثًا: الحكمة الاجتماعية . أما الحكمة الثالثة فهي الحكمة الاجتماعية، وهي تظهر بوضوح في تزوج النبي ﷺ بابنة الصديق الأكبر أبي بكر ﵁ ووزيره الأول، ثم بابنة وزيره الثاني عمر ﵁ وأرضاه، ثم باتصال ﷺ بقريش اتصال مصاهرة ونسب وتزوجه العديد منهن مما ربط بين هذه البطون والقبائل برباط وثيق، وجعل القلوب تلتف حوله وتلتقي حول دعوته في إيمان وإكبار وإجلال، لقد تزوج النبي ﷺ بالسيدة عائشة بنت أحب الناس إليه وأعظمهم قدرًا لديه الذي كان أسبق الناس إلى الإسلام وقدم نفسه وروحه وماله في سبيل نصرة هذا الدين والذود عن رسوله وتحمل ضروب الأذى في سبيل اللَّه؛ حتى قال ﷺ : "ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافيناه بها ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يدًا يكافيه اللَّه تعالى بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن صاحبكم خليل اللَّه". (١) فلم يجد رسول اللَّه ﷺ مكافأة لأبي بكر في الدنيا أعظم من أن يقر عينه بهذا الزواج بابنته ويصبح بينهما قرابة ومصاهرة تزيد في صداقتهما وترابطهما الوثيق. رابعًا: الحكمة السياسية . لقد تزوج ﷺ ببعض النسوة من أجل تأليف القلوب عليه وجمع القبائل حوله، فمن المعلوم أن الإنسان إذا تزوج من قبيلة أو عشيرة يصبح بينه وبينهم قرابة ومصاهرة وذلك بطبيعته يدعوهم إلى نصرته وحمايته، ولنضرب بعض الأمثلة على ذلك أثناء الكلام على المحور الثاني؛ وهو الإشارة إلى قصة زواج النبي ﷺ بكل واحدة منهن على حدة ليظهر ما فيها من الروعة والجمال الأخلاقي.

стр. 6390

والإنساني الذي انفرد به رسول اللَّه ﷺ . (١) الوجه الثالث: لو فرض أن النبي ﷺ عدد لقضاء الوطر؛ لم يكن في ذلك قصورًا في مقام النبوة . وهذه فتوى للشيخ الفاضل ابن عثيمين رحمة اللَّه عليه عن زوجات النبي ﷺ : سئل ﵀ عمن قال: إن تزوج النبي ﷺ كان لغرضين: أحدهما: مصلحة الدعوة، والثاني: التمشي مع ما فطره اللَّه عليه من التمتع بما أحل اللَّه له؟ فأجاب بقوله: من المعلوم أن النبي ﷺ بشر أكرمه اللَّه تعالى بالنبوة والرسالة إلى الناس كافة، وأن اتصافه بما تقتضيه الطبيعة البشرية من الأكل، والشرب، والنوم، والبول، والغائط ومدافعة البرد، والحر، والعدو، ومن التمتع بالنكاح، وأطايب المأكول والمشروب وغيرها من مقتضيات الطبيعة البشرية لا يقدح في نبوته ورسالته، بل قد قال اللَّه له: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ (الأنعام: ٥٥)، وقال هو عن نفسه: "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون". وانتفاء علم الغيب وطرو النسيان على العلم قصور في مرتبة العلم من حيث هو علم، لكن لما كان من طبيعة البشر الذي خلقه اللَّه ضعيفًا في جميع أموره، لم يكن ذلك قصورًا في مقام النبوة ونقصًا في حق النبي ﷺ ، ولا ريب أن شهوة النكاح من طبيعة الإنسان، فكمالها فيه من كمال طبيعته، وقوتها فيه تدل على سلامة البنية واستقامة الطبيعة، ولهذا ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس ابن مالك ﵁ قال "كنا نتحدث أنه يعني النبي ﷺ أعطى قوة ثلاثين" يعني على النساء، وهذا واللَّه أعلم ليتمكن من إدراك ما أحل اللَّه منهن بلا حصر ولا مهر ولا ولي فيقوم بحقوقهن، ويحصل بكثرتهن ما حصل من المصالح

стр. 6391

العظيمة الخاصة بهن والعامة للأمة جميعًا، ولولا هذه القوة التي أمده اللَّه بها ما كان يدرك أن يتزوج بكل هذا العدد، أو يقوم بحقهن من الإحصان والعشرة. ولو فرض أن النبي ﷺ تزوج امرأة لمجرد قضاء الوطر من الشهوة والتمشي مع ما تقتضيه الفطرة بل الطبيعة لم يكن في ذلك قصور في مقام النبوة، ولا نقص في حقه ﷺ كيف وقد قال ﷺ : "تنكح المرأة لأربع: مالها، وحسبها، وجمالها، ودينها، فاظفر بذات الدين"، بل قد قال اللَّه له: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ (الأحزاب: ٥٢). لكننا لا نعلم حتى الآن أن رسول اللَّه ﷺ تزوج امرأة لمجرد قضاء الوطر من الشهوة، ولو كان كذلك لاختار الأبكار الباهرات جمالًا، الشابات سنًا، كما قال لجابر ﵁ حين أخبره أنه تزوج ثيبًا، قال: "فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك"؟ وفي رواية "تضاحكها وتضاحكك" وفي رواية "مالك وللعذارى ولعابها"، رواه البخاري، وإنما كان زواجه ﷺ إما تأليفًا، أو تشريفًا، أو جبرًا، أو مكافأة، أو غير ذلك من المقاصد العظيمة، وقد أجملها في فتح الباري (٩/ ١١٥) حيث قال: "والذي تحصل من كلام أهل العلم في الحكمة في استكثاره من النساء عشرة أوجه: ١ - أن يكثر من يشاهد أحواله الباطنة فينتفي عنه ما يظن به المشركون من أنه ساحر أو غير ذلك. ٢ - لتتشرف به قبائل العرب بمصاهرته فيهم. ٣ - الزيادة في تألفهم لذلك. ٤ - الزيادة في التكليف حيث كلف أن لا يشغله ما حبب إليه منهن عن المبالغة في التبليغ. ٥ - لتكثر عشيرته من جهة نسائه فتزداد أعوانه على من يحاربه. ٦ - نقل الأحكام الشرعية التي لا يطلع عليها الرجال، لأن أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يختفي مثله.

стр. 6392

٧ - الاطلاع على محاسن أخلاقه الباطنة، فقد تزوج أم حبيبه وأبوها يعاديه، وصفية بعد قتل أبيها وعمها وزوجها، فلو لم يكن أكمل الخلق في خلقه لنفرن منه، بل الذي وقع أنه كان أحب إليهن من جميع أهلهن. ٨ - خرق العادة له في كثرة الجماع مع التقليل من المأكول والمشروب وكثرة الصيام والوصال، وقد أمر من لم يقدر على مؤن النكاح بالصوم، وأشار أن كثرته تكثر شهوته، فانخرقت هذه العادة في حقه ﷺ . ٩، ١٠ - ما تقدم عن صاحب الشفاء من تحصينهن والقيام بحقوقهن. اهـ وقد أضاف ابن العثيمين خمسة أوجه وهي: ١١ - وهو إظهار كمال عدله في معاملتهن لتتأسى به الأمة في ذلك. ١٢ - كثرة انتشار الشريعة فإن انتشارَها من عدد؛ أكثرُ من انتشارها من واحدة. ١٣ - جبر قلب من فات شرفها كما في صفيه بنت حيي وجويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق. ١٤ - تقرير الحكم الشرعي وانتشال العقيدة الفاسدة التي رسخت في قلوب الناس من منع التزوج بزوجة ابن التبني، كما في قصة زينب فإن اقتناع الناس بالفعل أبلغ من اقتناعهم بالقول، وانظر اقتناع الناس بحلق النبي ﷺ رأسه في الحديبية ومبادرتهم بذلك حين حلق بعد أن تباطؤوا في الحلق مع أمره لهم به. ١٥ - التأليف وتقوية الصلة كما في أمر عائشة وحفصة، فإن النبي ﷺ شد صلته بخلفائه الأربعة عن طريق المصاهرة، مع ما لبعضهم من القرابة الخاصة فتزوج ابنتي أبي بكر وعمر، وزوج بناته الثلاث بعثمان وعلي رضي اللَّه عن الجميع، فسبحان من وهب نبيه ﷺ هذه الحكم وأمده بما يحققها قدرًا وشرعًا، فأعطاه قوة الثلاثين رجلًا، وأحل له ما شاء من النساء يرجي من يشاء منهن، ويؤوي إليه من يشاء وهو سبحانه الحكيم العليم. وأما عن تزوجه بالواهبة نفسها، فلا يدل على أنه تزوج من سواها لجرد الشهوة وقضاء وطر النكاح، وأما ابنة الجون فلم يعدل عن تزوجه بل دخل عليها وخلا بها،

стр. 6393

ولكنها استعاذت باللَّه منه فتركها النبي ﷺ وقال: "لقد عذت بعظيم فالحقي بأهلك" ولكن هل تزوجها النبي ﷺ لمجرد جمالها وقضاء وطر النكاح أو لأمر آخر؟ إن كان لأمر آخر سقط الاستدلال به على أن النبي ﷺ كان يتزوج لمجرد قضاء الوطر، وإن كان لأجل قضاء الوطر فإن حكمة اللَّه تعالى أن حال بينه وبين هذه المرأة بسبب استعاذتها منه. وأما سودة ﵂ فقد خافت أن يطلقها النبي ﷺ لكبر سنها فوهبت يومها لعائشة، وخوفها منه لا يلزم منه أن يكون قد هم به، وأما ما روي أنه طلقها بالفعل فضعيف لإرساله. وأما زواجه ﷺ بزينب فليس لجمالها بل هو لإزالة عقيدة سائدة بين العرب، وهي امتناع الرجل من تزوج مفارقَةِ من تبناه فأبطل اللَّه التبني، وأبطل الأحكام المترتبة عليه عند العرب، ولما كانت تلك العقيدة السائدة راسخة في نفوس العرب كان تأثير القول في اقتلاعها بطيئًا، وتأثير الفعل فيها أسرع، فقيض اللَّه سبحانه بحكمته البالغة أن يقع من النبي ﷺ في تزوجه بمفارقة مولاه زيد بن حارثة الذي كان تبناه من قبل ليطمئن المسلمون إلى ذلك الحكم الإلهي ولا يكون في قلوبهم حرج منه، وقد أشار اللَّه تعالى إلى هذه الحكمة بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾. ثم تأمل قوله تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فإنه يشعر بأن تزويجها إياه لم يكن عن طلب منه أو تشوف إليها، وإنما هو قضاء من اللَّه لتقرير الحكم الشرعي وترسيخه وعدم الحرج منه وبهذا يعرف بطلان ما يروي: أن النبي ﷺ أتى زيدًا ذات يوم لحاجة فرأى زينب فوقعت في نفسه وأعجبه حسنها فقال: "سبحان اللَّه مقلب القلوب" فأخبرت زينب زيدًا بذلك ففطن له فكرهها وطلقها بعد مراجعة النبي ﷺ وقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ (الأحزاب: ٣٧) فهذا الأثر باطل مناقض لما ذكر اللَّه تعالى من الحكمة في تزويجها إياه، وقد أعرض عنه ابن كثير ﵀ فلم يذكره، وقال: أحببنا أن نضرب عنها أي عن الآثار

стр. 6394

الواردة عن بعض السلف صفحًا لعدم صحتها فلا نوردها، ويدل على بطلان هذا الأثر أنه لا يليق بحال الأنبياء فضلًا عن أفضلهم وأتقاهم للَّه . (١) وما أشبهه هذه القصة بتلفيق قصة دواد ﵇ وتَحَيُّلِهِ على التزوج بزوجة من ليس له إلا زوجة واحدة، على ما ذكر في بعض كتب التفسير عند قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ (ص: ٢١) إلى آخر القصة فإن من علم قدر الأنبياء وبعدهم عن الظلم والعدوان والمكر والخديعة علم أن هذه القصة مكذوبة على نبي اللَّه داود ﵇. (٢) والحاصل أنه وإن جاز للنبي ﷺ أن يتزوج لمجرد قضاء الوطر من النكاح وجمال المرأة وأن ذلك لا يقدح في مقامه، فإننا نعلم أن النبي ﷺ تزوج زواجًا استقرت به الزوجة وبقيت معه من أجل هذا الغرض. واللَّه أعلم. (٣) الوجه الرابع: الكلام في قصة كل زوجة على حدة بما يرد هذا الزعم الباطل ويبين نبل أخلاق النبي ﷺ . والرد على شبهة زواج النبي ﷺ من عائشة وهي صغيرة السن . والآن أسوق إليك عزيزي القارئ شيئًا يبدي لك ما تقر به عين كل محب إن شاء اللَّه، ويكشف الحق أمام طالبه. أولًا: خديجة ﵂ . * كانت خديجة ﵂ أوسط نساء قريش نسبًا وأعظمهم شرفًا، فهي ابنة خويلد بن أسد بن عبد العزى. * تزوجت مرتين قبل النبي ﷺ . * بينما كانت هي أول زوجات النبي ﷺ . * تزوجها وهو في الخامسة والعشرين وهي في الأربعين من عمرها.

стр. 6395

* كانت خديجة تاجرة ذات مال وكانت تبعث من يتاجر لها في مالها، فلما سمعت بأمانته ﷺ بعثت إليه ليتاجر لها، ثم رغبت هي فيه زوجًا لها لما رأت فيه ما لم تر في غيره من الرجال، ففاتحته صديقتها نفيسة بنت منية. . .، ثم خطبها النبي ﷺ ، وكان اختياره لها لسداد رأيها ووفرة ذكائها، وكان زواجه بها زواجًا حكيمًا موفقًا؛ لأنه كان زواج؛ العقل للعقل ولم يكن فارق السن بينهما بالأمر الذي يقف عقبه في طريق هذا الزواج لأنه لم يكن الغرض منه قضاء الوطر والشهوة؛ وإنما كان هدفًا إنسانيًا ساميًا. محمد رسول اللَّه ﷺ قد هيأه اللَّه لتحمل الرسالة وأعباء الدعوة، وقد يسر اللَّه له هذه المرأة التقية النقية العاقلة الذكية لتعينه على المضي في تبليغ الدعوة ونشر الرسالة وهي أول من آمن به ﷺ . * ومما يشهد لقوة عقلها وسداد رأيها أن الرسول ﷺ لما جاءه جبريل وهو في غار حراء رجع إلى زوجه يرجف فؤاده فدخل عليها وهو يقول: زملوني زملوني، الحديث. وفيه أنه قال لها: لقد خشيت على نفسي، فقالت له: خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّه لا يُخْزِيكَ اللَّه أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِى الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. . . إلخ الحديث. (١) * قضى ﷺ معها زهرة شبابه، فلم يتزوج عليها مع أنها تفوقه في السن بخمسة عشر عامًا. * بل وما أَحَبَّ أحدًا مثل حبه لها حتى غارت منها عائشة ﵂ بعد موتها بسبب كثرة ذكره ﷺ لها. * عاشت ﵂ مع النبي ﷺ خمسة وعشرين عامًا، وماتت وهي في الخامسة والستين بينما كان هو في الخمسين من عمره ﷺ ، ولم يكن عنده سواها عندما ماتت. * لقد حزن ﷺ حزنًا شديدًا لفراقها، ولم يفرح لأنه تخلص منها ليتزوج بالشابات الجميلات حتى عرف هذا العام من سيرته ﷺ بعام الحزن. * وصفها ﷺ بالكمال حتى بعد موتها. * ظل بعدها من غير زوج حتى عُرض عليه ﷺ الزواج كما سيأتي

стр. 6396

- فهل يفعل هذا رجل يجري وراء الشهوة. ويريد أن يتمتع بالنساء، ويكون هذا هو غرضه؟ . .، ثم انظر يرحمك اللَّه: من الزوجة الثانية ؟ إن الثانية في العقد هي عائشة وهي في السادسة من العمر؛ وفي الدخول هي سودة التي تزيد عليه في العمر، فأين الشهوة في هذه أو تلك؟ ! وهكذا كان الزواج الأول لمحمد ﷺ من امرأة أرملة تزيد عليه في العمر كما مر يقضي معها ربع قرن كما مر في حياة زوجية كريمة، حتى إذا ماتت ظل يصرح لمن حوله بحبها وإكبارها، ثم يقسم أنها خير نسائه لأسباب هي: الإيمان برسالته، ودعمه ماديًا ومعنويًا، ثم إنجابها الذرية له، وجميعها أسباب لا تمت إلى متعة الجسد وشهوته المشروعة من قريب أو بعيد، وحتى إذا كانت تلك المتعة والشهوة المشروعة دافعًا لزواج رسول اللَّه محمد ﷺ سواء بخديجة أو بغيرها فما ذلك بعيب طالما كان إنسان كاملًا يملك نفسه ولا تملكه أهواء النفس، ومن مثل محمد ﷺ يملك نفسه كما قالت عائشة ﵂ فيما بعد، فهو أولًا وأخيرًا بشر كما قال القرآن بوضوح: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (الكهف: ١١٠) لكنه بحق أفضل البشر، فهل يقال لمن أدى شبابه مع امرأة واحده تكبره في السن بخمسة عشر عامًا إنه عدد قبل ذلك للشهوة فأين كانت الشهوة أيام الشهوة عند الشباب. وأعود فأقول مرة ثانية، من هي الزوجة الثانية، وكيف تم الزواج بها، وكم سنها آن ذلك. الزوجة الثانية: سودة بنت زمعة ﵂ -. * كانت سودة ﵂ أرملة السكران بن عمرو الأنصاري. * كان النبي ﷺ بعد وفاة خديجة وأبي طالب في عام واحد يناله أذى قريش، وقبل ذلك كان أبو طالب يمنعه في الخارج، وكانت خديجة تضمد جراحه في الداخل، أما الآن قد ماتا جميعًا، وكان الصحابة يودون أن لو تزوج رسول اللَّه ﷺ ، حتى فاتحته خولة بنت حكيم السلمية، واقترحت عليه عائشة ثم سوده.

стр. 6397

* ولقد كانت سودة ﵂ مسنة حيث كانت قرابة الستين من العمر، وليس لها من الجمال أو المال نصيب، وما تزوجها رسول اللَّه ﷺ إلا ليجبر كسرها ويرحم شيخوختها، وقد أبلت في الإسلام بلاء حسنًا وتحملت المخاطر والأهوال في الهجرة مع زوجها إلى الحبشة ثم في العودة إلى مكة، ولما مات زوجها صارت مهيضة الجناح معرضة لنكال أبيها الذي كان مشركًا. * كان الحل الوحيد لسودة أن يتزوجها رجل من المسلمين -والمسلمون يومئذ قليل- ليحميها ويرد عنها الفتنة في دينها. * لم يكن غير رسول اللَّه ﷺ لينقذ هذه المسكينة، ويعوضها خيرًا فيتخذها زوجًا ويجعلها أمًا راعية لبناته. * لقد ظل النبي ﷺ معها قرابة ثلاث سنوات حتى دخل بعائشة، وعلى هذا كان ﷺ فوق الثلاث والخمسين ولم يكن عَدَّدَ الزوجات. * لما تزوج ﷺ بعائشة تنازلت سودة عن ليلتها لعائشة حبًا لرسول اللَّه ﷺ ، ولم يكن رغب في طلاقها كما تذكر بعض الروايات، إنما الصحيح أنه ﷺ تزوج عائشة وكانت صغيرة فرحمت سودة وحشتها وأرضت رسول اللَّه بدرجة أكثر فتنازلت عن ليلتها لعائشة. * وبهذا ترى أن التعدد الفعلي لم يبدأ إلا بعد زواج النبي ﷺ بحفصة ﵂ كما سنذكر. * مَنْ أولى العقول قال إن مَنْ أراد أن يرضي شهوته بعد وفاة زوجته لأنها شهوة جامحة فليذهب ليتزوج بامرأة عجوز مسنة أرملة أكبر منه في السن وهو فوق الخمسين؟ * وبهذا ترى وتعلم أن الزواج بسودة لا يوجد فيه أدنى شيء ولا اتهام بشهوة؛ ولو كان لما كان عيبًا ما دام في الطيب الحلال المشروع، فمن الثالثة. . .؟ الزوجة الثالثة: عائشة ﵂ -. * تزوجها النبي ﷺ وكانت بكرًا؛ وهي البكر الوحيدة من بين نسائه الطاهرات؛ فلم يتزوج بكرًا غيرها، وكانت عائشة أذكى أمهات المؤمنين وأحفظهن، بل كانت أعلم من

стр. 6398

أكثر الرجال، فقد كان كثير من علماء الصحابة ﵃ يسألونها عن بعض الأحكام التي تشكل عليهم فتحلها لهم. * كان الزواج من عائشة بمثابة المكافأة لأبيها على سبقه في الإسلام، وتقوية للصلة بينه وبين قائده وحبيبه ﷺ . * خطبها رسول اللَّه وهي بنت ست وقيل سبع ودخل بها وهي بنت تسع وقيل عشر. ٤. كان من عادة العرب ولا يزال إلى اليوم أن تخطب الفتاة مبكرًا ثم تتزوج خلال بضع سنين بعد أن ينضج ويكتمل بناؤها، وهذا ما كان أمر عائشة ﵂ قبل خطبتها إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقد خطبها المطعم بن عدي لابنه جبير، فلما جاءت خولة بنت حكيم لتخطبها لرسول اللَّه ﷺ ، قال لها أبو بكر: انتظريني حتى أرجع، وقالت أم رومان (زوجه): فجلوا الموقف للخاطبة أن المطعم بن عدي كان قد ذكر عائشة على ابنه جبير، ولا واللَّه ما وعد أبو بكر شيئًا قط فأخلف، فدخل أبو بكر على المطعم وعنده امرأته أم جبير وكانت مشركة فقالت العجوز يا ابن أبي قحافة لعلنا إن زوجنا ابننا ابنتك، أن تصبئه وتدخله في دينك الذي أنت عليه؟ فلم يرد عليها أبو بكر، بل التفت إلى زوجها المطعم، فقال: ما تقول هذه؟ فأجاب: إنها تقول ذلك الذي سمعت، فخرج أبو بكر وقد شعر بارتياح لما أحله اللَّه من وعده وعاد إلى بيته، فقال لخولة: ادعي لي رسول اللَّه". وهذا الكلام مهم جدًا لأنهم يقولون كيف يخطبها وهي صغيرة هكذا مازالت طفلة، ويبدوا مما سبق أن هذه كانت عادة عند العرب، ولا شيء فيها فقد كانت عائشة نفسها مخطوبة لجبير بن مطعم قبل أن تذكر لرسول اللَّه ﷺ ، فلما أحل اللَّه أباها من تلك الخطبة خطبها رسول اللَّه ﷺ . * ولقد خاض جهلة المستشرقين في أمر فارق السن بين رسول اللَّه ﷺ وبين عائشة ﵂، إذ غابت عنهم خصائص تلك البيئة العربية وما شابهها قديمًا وحديثًا والتي لا تجعل فارق

стр. 6399

السن بين الزوجين محل اعتبار، حيث إن إنجاب الذرية هدف أساسي يرجع تحقيقه في حالة الزوجة صغيرة السن ذات الخصوبة العالية التي لا تلبث أن تتضاءل كلما مرت الأيام، فلقد تزوج عبد المطلب الشيخ هالة بنت عم آمنة في اليوم الذي تزوج فيه عبد اللَّه أصغر أبنائه ترب هالة: آمنة بنت وهب، وتزوج عمر بن الخطاب بنتَ علي وهو أكبر من أبيها، وكان عمر يعرض ابنته على أبي بكر وعثمان وهما أكبر منه سنًا، وفي تاريخ الأنبياء السابقين مثل ذلك؛ بل أكثر من ذلك، فها هو إبراهيم خليل اللَّه وأبو الأنبياء يخبرنا كتبة التوراة أنه لما خرج مهاجرًا إلى أرض كنعان كان ابن خمس وسبعين سنة (تكوين ١٢: ٤) وبعد ذلك حدثت مجاعة اضطرته أن ينحدر إلى مصر ليتغرب هناك وبعد ما حدث من فرعون مصر لسارة وما منح إبراهيم بسببها من عبيد وجواري وأنعام عاد ثانية إلى أرض كنعان (التكوين ١٢: ١٠ - ٢٠). ولما كان لا يزال من غير ذرية بسبب عقم، فقد أخذت هذه هاجر المصرية وأعطتها لإبراهيم رجلها زوجة له فدخل على هاجر فحبلت. (تكوين ١٦: ١١٦) وباعتبار أن هاجر قدمت لإبراهيم سارة كهدية فرعونية كانت لم تتعد العشرين ربيعًا وهي السن المقبولة لهؤلاء الفتيات نجد أن عمر إبراهيم عندما تزوج هاجر ٨٦ - ١ = ٨٥ سنة، وعمر هاجر عندما تزوجت إبراهيم ٧٥ - ٢٠ = ٥٥ سنة وبذلك يكون فارق السن ٥٥ سنة وفي حالة داود نجد أنه لما توفى كان عمره حسب (سفر صموئيل الثاني ٥: ٤) يبلغ سبعين عامًا: "ولما شاخ الملك داود وتقدم في الأيام. . . فتشو على فتاة جميلة. . . فوجدوا أبيشنج الشونمية فجاؤا بها إلى الملك"، وهذه الفتاة ما كانت لتتعدى العشرين ربيعًا أو دون الخامسة والعشرين على أقصى الفروض وهي حاضنة لداود يداعبها وتداعبه، لقد كان فارق السن بين داود وبين آخر نسائه يتعدى ٤٥ سنة على أقل تقدير. * وفوق هذا كله كان زواج عائشة بوحي من اللَّه تعالى، ففي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "أريتك في المنام ثلاث ليال يجيء بك" أي

стр. 6400

بصورتك "الملك في سَرْقه من حرير، فقال لي: هذه امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب؛ فإذا أنت هي، فقلت: إن يكن هذا من عند اللَّه يمضي". (١) * كان لصغر سن عائشة ﵂ أكبر الأثر في حفظ ونقل أحاديث النبي ﷺ ، فقد عاشت فترة طويلة بعده صلوات اللَّه عليه وسلامه تروي عن رسول اللَّه ﷺ ويروي عنها أصحابه ﵁، وبالنظر في زواج عائشة من النبي ﷺ نرى أن دعواهم بعيدة عن الحقيقة كل البعد، فهو زواج اجتماعي دعوي تربوي تعليمي أكثر منه في أي جانب آخر في عين كل من أراد أن يسلك سبيل الإنصاف. الزوجة الرابعة حفصة ﵂ -. * حفصة هي بنت عمر بن الخطاب ﵄. * كانت قبل رسول اللَّه ﷺ عند خنيس بن حذاقة السهمي وهو من أشد أنصار رسول اللَّه ﷺ واستشهد في غزوة بدر. * عرضها عمر على أبي بكر وعثمان، ثم خطبها رسول اللَّه ﷺ وتزوجها إكرامًا لعمر ﵁ وتقوية للصلة بينهما. * لم تكن حفصة ﵂ ناهده عذراء؛ وإنما كانت أرملة، وكان النبي ﷺ قد بلغ آنذاك الخامسة والخمسين من عمره، وهذه هي بداية التعدد الحقيقي لرسول اللَّه ﷺ لأنه سبق أن ذكرنا أن سودة وهبت نوبتها لعائشة ﵂، فأين الشهوانية في هذا التعدد؟ إنه لاشك زواج يدل على البر، والرحمة، وبعد النظر، وسمو الخلق، بعيدًا كل البعد عن الشهوة وحب النساء ومباهج الدنيا، ومن هنا نرى أن النبي ﷺ في الخامسة والخمسين من عمره كان له ثلاث زوجات، يقسم لاثنتين وتنازلت الثالثة عن ليلتها. الزوجة الخامسة: زينب بنت خزيمة أم المساكين ﵂ -. * تزوجها الرسول ﷺ بعد حفصة بنت عمر ﵄.

стр. 6401

* وهي أرملة البطل المقدام شهيد الإسلام عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب الذي استشهد في أول مبارزة في غزوة بدر. * كانت حين استشهد زوجها تقوم بواجبها في إسعاف الجرحى. * لم يشغلها استشهاد زوجها عن القيام بواجبها حتى كتب اللَّه النصر للإسلام. * لما علم الرسول ﷺ بصبرها وثباتها، وأنه لم يعد هناك من يعولها خطبها لنفسه وآواها وجبر خاطرها بعد أن انقطع عنها الناصر والمعين. * وكانت قد بلغت الستين من عمرها حينما تزوج بها النبي ﷺ . * لم تُعَمِّرْ عند النبي الكريم ﷺ سوى عامين، ثم توفاها اللَّه إليه راضية مرضية. * ما رأيكم إذًا في هذا الزواج الشريف وهذه الغاية النبيلة، وهل يجد أحد فيه أثرًا للشهوة والهوى؟ ، أم هو النبل، والعفاف، والعظمة، والرحمة، والفضل، والإحسان من الذي جاء رحمة العالمين. الزوجة السادسة: أم سلمة ﵂ -. * تزوج بها رسول اللَّه ﷺ وهي أرملة عبد اللَّه بن عبد الأسد وكان زوجها من السابقين الأولين إلى الإسلام. * استشهد زوجها في غزوة أحد؛ فبقيت هي وأيتامها بلا كفيل ولا معيل، فلم ير ﷺ عزاءً لها، ولا كافلًا لها ولأولادها غير أن يتزوج بها. * لما خطبها لنفسه اعتذرت إليه بسنها وأيتامها وغيرتها فأزال النبي ﷺ ذلك بطيب الكلام حتى رضيت فتزوجها ولم يعبأ بالسن، وقام على تربية أيتامها ووسعهم قلبه الكبير حتى أصبحوا لا يشعرون بفقد الأب إذ عوضهم أبًا أرحم من أبيهم رسول اللَّه ﷺ . * وقد اجتمع لأم المؤمنين النسب الشريف والبيت الكريم والسبق في الإسلام. * على أن لها فضيلة أخرى وهي جودة الرأي، ويدل على ذلك استشارة النبي ﷺ لها في أمر الحلف يوم صلح الحديبية.

стр. 6402

* تعد أم سلمة من أكثر أمهات المؤمنين رواية عن النبي ﷺ بعد عائشة رضي اللَّه عن الجميع، فنقلت إلى الأمة فقهًا غزيرًا وعلمًا كثيرًا من هدى النبي ﷺ في شتى أنواع الأحكام والعبادات. وبعد، فماذا ترى في هذا الزواج؟ هل ترى فيه غير الرحمة والشفقة ونفع الأمة بعقل هذه المرأة وفقهها وجودة رأيها؟ ! . الزوجة السابعة: زينب بنت جحش ﵂ -. * كانت زينب زوجة لزيد بن حارثة الذي تبناه النبي ﷺ قبل ذلك. * وتزوجها زيد قبل الهجرة بنحو ثماني سنوات، وعاش معها ما يقرب من ثلاثة عشر عامًا. * كانت الحياة الزوجية في هذه الفترة عبئًا ثقيلًا عليهما. * لما بلغ السيل الزبى واستحالت العشرة طلقها زيد. * فرض اللَّه على نبيه الزواج منها حتى يبدأ شريعة جديدة في مسألة التبني حيث حرمها اللَّه تعالى وبدأ تحريمها بعبده ورسوله ﷺ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ (الأحزاب: ٣٧). * لكن هذا الزواج الوحيد الذي تم بأمر من السماء أثار من أحاديث الهمز واللمز والأقاويل الشيء الكثير، فقديمًا قال المشركون: حرم محمد ﷺ نساء الولد وتزوج امرأة ابنه، وقد سبق الجواب عن هذا بأن هذه بداية لتحريم التبني الذي كان عليه أهل الجاهلية، فكأن مثل هذا الكلام كان متوقعًا منهم، ولهذا قال اللَّه تعالى لنبيه ﷺ ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (الأحزاب: ٣٧). * ثم لمز البعض بأنها أعجبت رسول اللَّه ﷺ ووقع حبها في قلبه وسيطر عليه، ولذلك تزوجها بمجرد أن طلقها زيد ﵁، واعتمدوا في ذلك على روايات مكذوبة لا تصح، أما أهل الحق فيقولون إن زينب كانت بنت عمه ﷺ ربيبة نظره ما يشمل البنت مع والدها لأول الأمر، حتى أنه اختارها لمولاه زوجة مع إبائها وإباء أخيها وعد إباءها هذا عصيانا، ولا زالت

стр. 6403

كذلك حتى نزل في شأنها قرآنا، فكأنه أرغمها على زواجه لما ألهمه اللَّه من المصلحة لها وللمسلمين في ذلك، ونزل قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ (الأحزاب: ٣٦). ولو كان للجمال سلطان على قلبه ﷺ لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في روائه ونضرة جدته، وقد كان يراها ولم يكن بينها وبينه حجاب ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة، ولكنه لم يرغبها لنفسه ورغبها لمولاه، فكيف يحيد نظره إليها ويصيب قلبه سهم حبها بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده أنعم اللَّه عليه بالعتق والحرية؟ وكذلك لم يعرف فيما يغلب على مألوف البشر شهوة القريب وولعه بالقريب إلى درجة تبلغ حد العشق خصوصًا إذا كان عشيره منذ صغره بل المألوف زهاده الأقرباء بعضهم في بعض متى تعود بعضهم النظر إلى بعض من بداية السن إلى أن يبلغ حدًا منه يحول فيه نظر الشهوة، فكيف يظن أو يتوهم أن النبي الذي يقول اللَّه تعالى فيه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ (طه: ١٣١). يخالف مألوف العادة ثم يخالف أمر اللَّه في ذلك؟ أم كيف يخطر ببال أن من عصم اللَّه قلبه عن كل دنيئة يغلب عليه سلطان الشهوة في بنت عمته بعد أن زوجها لعبد من عبيده. * عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب ﵂، قال ﷺ لزيد بن حارثة: اذهب فاذكرها عليَّ، فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع انظر إليها وأقول إن رسول اللَّه ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي وقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول اللَّه يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة حتى أؤامر ربي ، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن. . . وجاء رسول اللَّه ﷺ ودخل عليها بغير إذن،

стр. 6404

وهذا من أبلغ ما وقع في ذلك، وهو أن يكون الذي كان زوجها هو الخاطب لئلا يظن أن ذلك وقع قهرًا بغير رضاه، وفيه اختبار ما كان عنده منها هل بقي منه شيئًا أم لا؟ . (١) * عن أنس ﵁ قال: إن زينب كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ فتقول: "زوجكن أهاليكن وزوجني اللَّه من فوق سبع سماوات" (٢)، فكان وليها في الزواج هو اللَّه تعالى والسفير أو وكيلها جبريل ﵇ زوجها رسول اللَّه ﷺ . * ومن هنا نرى أن هذا الزواج غلبت عليه الحكمة التشريعية التي كان لابد أن يبدأ فيها رسول اللَّه ﷺ بنفسه، ولقد جاء الأمر من عند اللَّه ، فماذا يقول الحاقدون وقد رد اللَّه عليهم بقوله: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾ (الأحزاب: ٣٨). فهذه مخاطبة من اللَّه تعالى لجميع الأمة، أعلمهم أن هذا ونحوه هو السنن الأقدم في الأنبياء أن ينالوا ما أحله لهم أي سنه لمحمد رسول اللَّه ﷺ من التوسعة في النكاح هو سنة الأنبياء الماضية كداود وسليمان ﵉، ثم إنه تعالى نفى الحرج عن المؤمنين فيما ذكر واندرج الرسول ﷺ فيهم إذ هو سيد المؤمنين، ونفي عنه الحرج مرتين إحداهما في الإندراج في العموم والأخرى في الخصوص. (٣) الزوجة الثامنة: أم حبيبة ﵂ -. * تزوج النبي ﷺ بالسيدة أم حبيبة (أرملة بنت أبي سفيان ﵄. * كان أبو سفيان في ذلك الحين حامل لواء الشرك وألد الأعداء لرسول اللَّه ﷺ . * كانت ابنته قد أسلمت في مكة ثم هاجرت مع زوجها إلى الحبشة فرارًا بدينها. * وفي الحبشة مات زوجها فبقيت وحيدة فريدة لا معين لها ولا أنيس.

стр. 6405

* فلما علم الرسول الكريم بأمرها أرسل إلى النجاشي ملك الحبشة ليزوجه إياها، فأبلغها النجاشي بذلك، فسرت سرورًا لا يعلمه إلا اللَّه تعالى؛ لأنها لو رجعت إلى أبيها وأهلها لأجبروها على الكفر والردة أو عذبوها عذابًا شديدًا، وقد أصدقها عنه أربعمائة دينار وهدايا نفيسة، ولما عادت إلى المدينة المنورة تزوجها النبي ﷺ . * لما بلغ هذا الزواج أبا سفيان أقره وافتخر بالنبي ﷺ . * كان هذا الزواج مباركًا لبني أمية فلانت قلوبهم القاسية للإسلام وبعد مدة أسلم كثير منهم. * لقد تزوج النبي ﷺ أم حبيبة وقد بلغت من الكبر عتيا، وهي أرملة، وفي دار غربة، ولم يكن يرها في ذلك الوقت حتى يقال فتن بها، وإنما تزوجها رحمة ورأفة بها. * كان هذا الزواج فيما بعد من العوامل الأساسية التي دفعت أبا سفيان إلى الدخول في الإسلام في العام التالي عام الفتح وخفف الرسول ﷺ بهذا الزواج عداوة بني أمية للإسلام. * فهل هناك مجال بعد هذا كله للطعن في هذا الزواج الطيب بأنه كان للهوى والشهوة؟ إنه دليل على عظمة صاحب الرسالة محمد ﷺ وعلى بعد نظره، وثاقب رأيه، وكريم عطفه، ورحمته بالمؤمنين والمؤمنات ﷺ . الزوجة التاسعة: جويرية بنت الحارث ﵂ -. * هي جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق، وكانت قد أسرت مع قومها وعشيرتها ثم بعد أن وقعت تحت الأسر أرادت أن تفتدي نفسها، فجاءت إلى رسول اللَّه ﷺ تستعينه بشيء من المال فعرض عليها أن يدفع عنها الفداء وأن يتزوج بها، فقبلت ذلك فتزوجها. * لما رأى المسلمون ما فعله النبي ﷺ مع جويرية بعد أن كانوا قد اقتسموا بني المصطلق قالوا: إن أصهار الرسول ﷺ لا يسترقون فأعتقوا ما في أيديهم من الأسرى. * ونتيجة لهذا الإحسان أسلم بنو المصطلق وحسن إسلامهم. * كان لهذا الزواج بجويرية أفضل الآثار وأحسن النتائج، فما كانت امرأة أعظم بركة على قومها من جويرية أعتق بسببها عدد كثير، وسمع أبوها بما حدث فأعلن إسلامه ﵁. * وبهذا صارت جويرية أمًا للمؤمنين، وزوجة لسيد المرسلين ﷺ عالمة بما تسمع،

стр. 6406

عاملة بما تعلم، فقيهه، عابدة، تقية، ورعة تقية الفؤاد، مضيئة العقل، مشرقة الروح، تحب اللَّه ورسوله، وتحب الخير للمسلمين، راوية لأحاديث الرسول ﷺ ، ناقلة لدين اللَّه من مقره ومحل تنزله ﷺ ، فأي بركة وخير أعظم من هذا الزواج الذي يشنع به الأعداء؟ ! الزوجة العاشرة: صفية بنت حُيي ﵂ -. * والدها حُيي بن أخطب زعيم يهود بني النضير. * كانت صفية قد أسرت في غزوة خيبر بعد قتل زوجها ووقعت في سهم دحيه الكلبي ﵁. * أعطاها دحيه للنبي ﷺ وأخذ مكانها جارية. * خيرها النبي ﷺ بين أمرين: أ- إما أن يعتقها ويتزوجها. ب- وإما أن يطلق سراحها فتلحق بأهلها. * اختارت ﵂ أن يعتقها وتكون زوجة له؛ وذلك لما رأته من جلالة قدره وعظمته وحسن معاملته، وقد أسلمت وأسلم بإسلامها عدد من الناس. * وهكذا تم الزواج باختيار صفية ﵂ لتتحول من صفية بنت ألد أعداء الدولة الإسلامية إلى صفية زوجة القائد الأعلى والرسول الأعظم ﷺ ، وإلى صفية أم المؤمنين ﵂. * ويبدو من سياق قصتها في روايات السيرة الصحيحة، أنه ﷺ رأى أنها بنت ملك وزوجة ملك، ومثلها لا يوهب كما توهب السبايا الأخريات، ولهذا استرجعها النبي ﷺ من دحيه الكلبي ﷺ مما يدل على إكرام النبي ﷺ لهذه السيدة عملًا بالقاعدة الإنسانية والإسلامية التي تقول ارحموا عزيز قوم ذل، وليس أكرم لها وأجبر لخاطرها من أن تكون زوجة للنبي ﷺ بدلًا من أن تكون مملوكة عند رجل من الناس، فلو لم يكن باعث استرجاع صفية ﵂ من دحيه الكلبي هو باعث إسلامي إنساني شريف؛ ما خيرها النبي الكريم ﷺ بعد أن حررها من الأسر بين أن تعود إلى أهلها حرة مكرمة وبين أن يتزوجها لتكون إحدى أمهات المؤمنين، ولو أراد ﷺ أخذها جارية لنفسه لفعل، ولا يمكن أن يجد أي طاعن مجالًا للطعن في تصرفه ﷺ ؛ لأن قوانين الحرب المتفق عليها بين الشعوب والأمم والتي عمل بها الإسلام وطبقها كعمل حربي مقابل في ذلك العصر تبيح للنبي ﷺ -

стр. 6407

أن يعامل صفية كنوع من الرقيق فيتخذها لنفسه جارية دونما أخذ موافقهتا؛ لأنها أسيرة حرب تعتبر مملوكة بموجب قانون الحرب الدولي المعمول به في ذلك العصر، ولكن النبي ﷺ تكريمًا لهذه السيدة العظيمة في قومها أبى إلا أن يخصها من بين جميع السبايا بإعطائها مطلق الحرية في أن تختار أي السبيلين تريد بمحض إرادتها العودة إلى عشيرتها مع البقاء على دينها، أو الدخول في الإسلام لتكون زوجة للرسول ﷺ ، لا فرق بينها وبين ابنة أبي بكر الصديق في الحقوق والواجبات، فاختارت الزواج بمحض اختيارها. وكان النبي ﷺ يبالغ في إكرام هذه السيدة ويراعي شعورها لعلمه بما هي عليه من حسياسة وشعور مرهف كامرأة عزيزة في قومها فقدت الوالد والزوج وكلاهما عزيز على قومه، حتى كانت صفية ﵂ تتحدث عن هذه المعاملة النبيلة والمواساة النابعة من أشرف قلب. ولعل من أسباب اصطفائه لها أن مثلها في السبايا قليل، فإذا صارت لرجل آخر لعل الآخر يغضب، فقطع النبي ﷺ وسد الباب بذلك، وهكذا يتضح نبل القصد وشرف الغاية في كل عمل يعمله النبي ﷺ وصحابته الكرام، كما تنكشف أمام أضواء هذه الحقيقة المشرقة الناصعة خبث نوايا وسوء قصد الذين يفسرون تزوج النبي ﷺ بصفية ذلك التفسير المقصود به الطعن في مقام الرسول ﷺ ، حيث يرون أنه تزوجها لمجرد الشهوة والمتعة، وهذا عجب لأن المسلمات كثير ويتمنين ذلك، فكأن المتكلم يرى أن ليس في المجتمع الإسلامي امرأة تصلح للزواج حتى جاءت ﵂! ! . الزوجة الحادية عشرة: ميمونة بنت الحارث ﵂ -. * هذه السيدة المباركة تزوجت قبل النبي ﷺ رجلين: الأول منهما: ابن عبد ياليل الثقفي مات عنها أو فارقها، والثاني: أبو رهم بن عبد العزى ومات عنها. * تزوجها النبي ﷺ وهي آخر زوجاته ﷺ لم يتزوج بعدها. * تزوجها النبي ﷺ سنة سبع من الهجرة، قالت عنها السيدة عائشة ﵂: أَمَا إنها كانت من أتقانا للَّه وأوصلنا للرحم.

стр. 6408

* تزوجها النبي ﷺ وهي أرملة قد بلغت من الكبر عتيًا. * من الحكم في زواجه ﷺ بها ربط صلته ﷺ بأقاربه المصاهرين لأقاربها ونشر أحكام الدين والدعوة. فهل نجد أثرًا للهوى والشهوة في مثل هذا الزواج الكريم، أم إنه الفضل، والمروءة، والبر والإحسان، والعطف، والرحمة، والسياسة، والكياسة، لكل ذلك دعاه إلى مثل هذا الزواج النبيل الذي دل على بعد نظر الرسول ﷺ وسمو قصده وجميل إحسانه بالمؤمنات. وهكذا نرى أن تعدد زوجات النبي ﷺ كان في بعضٍ إنسانيًا؛ كزواجه بنساء فقدن أزواجهن فضمهن إليه وقام على أمرهن كالسيدة سوده بنت زمعة، وأم سلمة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وكان في بعضه الآخر وفاء بحق صاحبين جليلين وهما أبو بكر وعمر ﵄، وكان في بعضه اكتمال التشريع كإبطال التبني، وكذا للمساهمة الكبرى في رواية السنة وانتشار التعليم؛ حيث إن نصف المجتمع نساء وأنهن بحاجة إلى الثقافة والتعليم كالرجال سواء بسواء، وإن واحدة أو اثنتين أو ثلاثة لا يمكن أن يقمن بدورهن في إرشاد النساء وتعليم البنات في المجتمع الإسلامي الجيد، لذلك فالأمر يتطلب أن يقوم بعض نسوة في أداء رسالتهن كمرشدات ومعلمات حتى يتعلم النساء كل ما ينفعهن في أمر دينهن ودنياهن، ولاسيما في الأمور التي يستحيين أن يسألن عنها رسول اللَّه ﷺ كمسائل الحيض والنفاس و. . غيرها. ومن الحكمة أيضًا أن اكتسب النبي ﷺ من التأييد بسبب زواجه من قبائل قريش، وأصبحوا يدخلون في الإسلام تباعًا ويعتنقون الإسلام طواعية واختيارًا، وينبغي ألا يغيب عن البال أن النبي ﷺ بشر تسري عليه طبيعة البشر؛ ولكنه لم يخضع لأهواء هذه الطبيعة، بل أوتي القدرة على كبحها لينصرف إلى المهمة العليا التي اختير من أجلها. الوجه الخامس: أنه قد ثبت في كتابهم المقدس تعدد نساء الأنبياء؛ وكذلك التسري . فإن كان كتابهم هذا من عند اللَّه؛ فقد أباح ما اعترضوا عليه بأنه لا يبيحه كتاب من عند اللَّه لرسول من عند اللَّه، وإن كان التعدد والتسري لا يمكن أن يتأتى في كتاب من عند اللَّه؛

стр. 6409

فحاصل هذا أن كتابهم هذا ليس من عند اللَّه، فإما أن يلتزموا بما في كتابهم وأنه أباح التعدد والتسري، وقد سبق النقل عنهم في هذا الأمر - فيلزمهم الرجوع عن قولهم، وإما أن يلتزموا بما قالوه فيلزم عليه أن كتابهم ليس من عند اللَّه، فلابد من الرجوع إلى كتاب من عند اللَّه، فأين هو وما الذي فيه بخصوص هذا الأمر؟ وليس إلا كتاب اللَّه القرآن الكريم (١). المبحث الثالث: الرد على شبهات التعدد . الشبهة الأولى: يقولون: مادام جواز التعدد مشروط بالعدل، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ (النساء: ١٢٩)، فالعدل مستحيل؛ فالتعدد لا يجوز بنص القرآن؟ والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه. الوجه الأول: لا يوجد تعارض بين الآيتين مطلقًا، ولا بين اشتراط العدل في آية والإخبار عن عدم استطاعته في آية أخرى؛ لأن العدل في الآية الأولى التي يستدل بها على وجوبه مقصود به العدل في الأمور المادية التي يستطيعها العبد. أما العدل المنفي في الآية الثانية فهو الحب، والمودة، والجماع، وميل القلب، فهذه أمور خارجة عن قدرة الرجل، ولا يستطيع التحكم فيها. (٢) الوجه الثاني: إن شرط العدل في هذه الآية شرط مرجعه إلى شخص المكلف لا يدخل تحت سلطان التشريع والقضاء، فإن اللَّه قد أذن للرجل بصيغة الأمر أن ينكح ما طاب له من النساء دون قيد بإذن القاضي، أو بإذن القانون، أو بإذن الحاكم أو غيره، وأمره أنه إذا خاف في نفسه ألا يعدل بين الزوجات أن يقتصر على واحدة، وبالبداهة أَنْ ليس لأحد سلطان على قلب المريد للزواج حتى يستطيع أن يعرف ما في دخيلة نفسه من خوف الجور أو عدم

стр. 6410

خوفه بل ترك اللَّه ذلك لتقديره في ضميره وحده، ثم أعلمه اللَّه -سبحانه- أنه على الحقيقة لا يستطيع إقامة ميزان العدل بين الزوجات إقامة تامة لا يدخلها ميل فأمره أن لا يميل كل الميل، فيذر بعض زوجاته كالمعلقة، فاكتفى ربه منه في طاعة أمره بالعدل أن يعمل منه بما استطاع، ورفع عنه ما لم يستطع، وهذا العدل المأمور به مما يتغير بتغير الظروف ومما يذهب ويجيء بما يدخل في نفس المكلف، ولذلك لا يعقل أن يكون شرطًا في صحة العقد، بل هو شرط نفسي متعلق بنفس المكلف وبتصرفه في كل وقت بحسبه، فرب رجل عازم على الزواج المتعدد وهو مُضْمِر في قلبه عدم العدل، ثم لم ينفذ ما كان مصرًا عليه، وعدل بين أزواجه، فهذا لا يستطيع أحد يعقل الشرائع أن يدعي أنه خالف أمر ربه إذ أنه أطاع اللَّه بالعدل، وعزيمته في قلبه من قبل لا أثر لها في صحة العقد أو بطلانه بداهة، خصوصًا وأن النصوص صريحة في أن اللَّه لا يؤاخذ العبد بما حدَّث به نفسه ما لم يعمل به أو يتكلم، ورب رجل تزوج زوجة أخرى عازمًا في نفسه على العدل ثم لم يفعل، فهذا قد ارتكب الإثم بترك العدل ومخالفة أمر ربه، ولكن لا يستطيع أحد يعقل الشرائع أن يدعي أن هذا الجور المحرم منه قد أثر على أصل العقد بالزوجة الأخرى، فنقله من الحل والجواز إلى الحرمة والبطلان، إنما إثمه على نفسه فيما لم يعدل، ويجب عليه طاعة ربه في إقامة العدل، وهذا شيء بديهي لا يخالف فيه من يفقه الدين والتشريع. اهـ. (١) الوجه الثالث: ومما يبين أن العدل في الحب القلبي لا يجب، أن هذا الحب يتغير بتغير الظروف، وهذه الظروف قد تجعلها إحدى الزوجات موافقة للحب، وقد تجعلها الأخرى موافقة لغيره، كأن تكون إحدى الزوجتين في غاية الحب لزوجها، والطاعة، والاحترام، والأدب، والتضحية لأجله، والمواساة بالمال والنفس، والمؤازرة في الشدائد لكل ما تملك، لا تقعد إذا وقف ولا تتكلم إذا نطق، إذا أمرها أطاعته، وإذا نظر إليها سرته، وإذا غاب عنها حفظته. . . إلخ.
следующие страницы →