← Общие книги

Общие книги · id 146418

موسوعة محاسن الإسلام ورد شبهات اللئام

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (7 349 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

عاملة بما تعلم، فقيهه، عابدة، تقية، ورعة تقية الفؤاد، مضيئة العقل، مشرقة الروح، تحب اللَّه ورسوله، وتحب الخير للمسلمين، راوية لأحاديث الرسول ﷺ ، ناقلة لدين اللَّه من مقره ومحل تنزله ﷺ ، فأي بركة وخير أعظم من هذا الزواج الذي يشنع به الأعداء؟ ! الزوجة العاشرة: صفية بنت حُيي ﵂ -. * والدها حُيي بن أخطب زعيم يهود بني النضير. * كانت صفية قد أسرت في غزوة خيبر بعد قتل زوجها ووقعت في سهم دحيه الكلبي ﵁. * أعطاها دحيه للنبي ﷺ وأخذ مكانها جارية. * خيرها النبي ﷺ بين أمرين: أ- إما أن يعتقها ويتزوجها. ب- وإما أن يطلق سراحها فتلحق بأهلها. * اختارت ﵂ أن يعتقها وتكون زوجة له؛ وذلك لما رأته من جلالة قدره وعظمته وحسن معاملته، وقد أسلمت وأسلم بإسلامها عدد من الناس. * وهكذا تم الزواج باختيار صفية ﵂ لتتحول من صفية بنت ألد أعداء الدولة الإسلامية إلى صفية زوجة القائد الأعلى والرسول الأعظم ﷺ ، وإلى صفية أم المؤمنين ﵂. * ويبدو من سياق قصتها في روايات السيرة الصحيحة، أنه ﷺ رأى أنها بنت ملك وزوجة ملك، ومثلها لا يوهب كما توهب السبايا الأخريات، ولهذا استرجعها النبي ﷺ من دحيه الكلبي ﷺ مما يدل على إكرام النبي ﷺ لهذه السيدة عملًا بالقاعدة الإنسانية والإسلامية التي تقول ارحموا عزيز قوم ذل، وليس أكرم لها وأجبر لخاطرها من أن تكون زوجة للنبي ﷺ بدلًا من أن تكون مملوكة عند رجل من الناس، فلو لم يكن باعث استرجاع صفية ﵂ من دحيه الكلبي هو باعث إسلامي إنساني شريف؛ ما خيرها النبي الكريم ﷺ بعد أن حررها من الأسر بين أن تعود إلى أهلها حرة مكرمة وبين أن يتزوجها لتكون إحدى أمهات المؤمنين، ولو أراد ﷺ أخذها جارية لنفسه لفعل، ولا يمكن أن يجد أي طاعن مجالًا للطعن في تصرفه ﷺ ؛ لأن قوانين الحرب المتفق عليها بين الشعوب والأمم والتي عمل بها الإسلام وطبقها كعمل حربي مقابل في ذلك العصر تبيح للنبي ﷺ -

стр. 6407

أن يعامل صفية كنوع من الرقيق فيتخذها لنفسه جارية دونما أخذ موافقهتا؛ لأنها أسيرة حرب تعتبر مملوكة بموجب قانون الحرب الدولي المعمول به في ذلك العصر، ولكن النبي ﷺ تكريمًا لهذه السيدة العظيمة في قومها أبى إلا أن يخصها من بين جميع السبايا بإعطائها مطلق الحرية في أن تختار أي السبيلين تريد بمحض إرادتها العودة إلى عشيرتها مع البقاء على دينها، أو الدخول في الإسلام لتكون زوجة للرسول ﷺ ، لا فرق بينها وبين ابنة أبي بكر الصديق في الحقوق والواجبات، فاختارت الزواج بمحض اختيارها. وكان النبي ﷺ يبالغ في إكرام هذه السيدة ويراعي شعورها لعلمه بما هي عليه من حسياسة وشعور مرهف كامرأة عزيزة في قومها فقدت الوالد والزوج وكلاهما عزيز على قومه، حتى كانت صفية ﵂ تتحدث عن هذه المعاملة النبيلة والمواساة النابعة من أشرف قلب. ولعل من أسباب اصطفائه لها أن مثلها في السبايا قليل، فإذا صارت لرجل آخر لعل الآخر يغضب، فقطع النبي ﷺ وسد الباب بذلك، وهكذا يتضح نبل القصد وشرف الغاية في كل عمل يعمله النبي ﷺ وصحابته الكرام، كما تنكشف أمام أضواء هذه الحقيقة المشرقة الناصعة خبث نوايا وسوء قصد الذين يفسرون تزوج النبي ﷺ بصفية ذلك التفسير المقصود به الطعن في مقام الرسول ﷺ ، حيث يرون أنه تزوجها لمجرد الشهوة والمتعة، وهذا عجب لأن المسلمات كثير ويتمنين ذلك، فكأن المتكلم يرى أن ليس في المجتمع الإسلامي امرأة تصلح للزواج حتى جاءت ﵂! ! . الزوجة الحادية عشرة: ميمونة بنت الحارث ﵂ -. * هذه السيدة المباركة تزوجت قبل النبي ﷺ رجلين: الأول منهما: ابن عبد ياليل الثقفي مات عنها أو فارقها، والثاني: أبو رهم بن عبد العزى ومات عنها. * تزوجها النبي ﷺ وهي آخر زوجاته ﷺ لم يتزوج بعدها. * تزوجها النبي ﷺ سنة سبع من الهجرة، قالت عنها السيدة عائشة ﵂: أَمَا إنها كانت من أتقانا للَّه وأوصلنا للرحم.

стр. 6408

* تزوجها النبي ﷺ وهي أرملة قد بلغت من الكبر عتيًا. * من الحكم في زواجه ﷺ بها ربط صلته ﷺ بأقاربه المصاهرين لأقاربها ونشر أحكام الدين والدعوة. فهل نجد أثرًا للهوى والشهوة في مثل هذا الزواج الكريم، أم إنه الفضل، والمروءة، والبر والإحسان، والعطف، والرحمة، والسياسة، والكياسة، لكل ذلك دعاه إلى مثل هذا الزواج النبيل الذي دل على بعد نظر الرسول ﷺ وسمو قصده وجميل إحسانه بالمؤمنات. وهكذا نرى أن تعدد زوجات النبي ﷺ كان في بعضٍ إنسانيًا؛ كزواجه بنساء فقدن أزواجهن فضمهن إليه وقام على أمرهن كالسيدة سوده بنت زمعة، وأم سلمة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وكان في بعضه الآخر وفاء بحق صاحبين جليلين وهما أبو بكر وعمر ﵄، وكان في بعضه اكتمال التشريع كإبطال التبني، وكذا للمساهمة الكبرى في رواية السنة وانتشار التعليم؛ حيث إن نصف المجتمع نساء وأنهن بحاجة إلى الثقافة والتعليم كالرجال سواء بسواء، وإن واحدة أو اثنتين أو ثلاثة لا يمكن أن يقمن بدورهن في إرشاد النساء وتعليم البنات في المجتمع الإسلامي الجيد، لذلك فالأمر يتطلب أن يقوم بعض نسوة في أداء رسالتهن كمرشدات ومعلمات حتى يتعلم النساء كل ما ينفعهن في أمر دينهن ودنياهن، ولاسيما في الأمور التي يستحيين أن يسألن عنها رسول اللَّه ﷺ كمسائل الحيض والنفاس و. . غيرها. ومن الحكمة أيضًا أن اكتسب النبي ﷺ من التأييد بسبب زواجه من قبائل قريش، وأصبحوا يدخلون في الإسلام تباعًا ويعتنقون الإسلام طواعية واختيارًا، وينبغي ألا يغيب عن البال أن النبي ﷺ بشر تسري عليه طبيعة البشر؛ ولكنه لم يخضع لأهواء هذه الطبيعة، بل أوتي القدرة على كبحها لينصرف إلى المهمة العليا التي اختير من أجلها. الوجه الخامس: أنه قد ثبت في كتابهم المقدس تعدد نساء الأنبياء؛ وكذلك التسري . فإن كان كتابهم هذا من عند اللَّه؛ فقد أباح ما اعترضوا عليه بأنه لا يبيحه كتاب من عند اللَّه لرسول من عند اللَّه، وإن كان التعدد والتسري لا يمكن أن يتأتى في كتاب من عند اللَّه؛

стр. 6409

فحاصل هذا أن كتابهم هذا ليس من عند اللَّه، فإما أن يلتزموا بما في كتابهم وأنه أباح التعدد والتسري، وقد سبق النقل عنهم في هذا الأمر - فيلزمهم الرجوع عن قولهم، وإما أن يلتزموا بما قالوه فيلزم عليه أن كتابهم ليس من عند اللَّه، فلابد من الرجوع إلى كتاب من عند اللَّه، فأين هو وما الذي فيه بخصوص هذا الأمر؟ وليس إلا كتاب اللَّه القرآن الكريم (١). المبحث الثالث: الرد على شبهات التعدد . الشبهة الأولى: يقولون: مادام جواز التعدد مشروط بالعدل، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ (النساء: ١٢٩)، فالعدل مستحيل؛ فالتعدد لا يجوز بنص القرآن؟ والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه. الوجه الأول: لا يوجد تعارض بين الآيتين مطلقًا، ولا بين اشتراط العدل في آية والإخبار عن عدم استطاعته في آية أخرى؛ لأن العدل في الآية الأولى التي يستدل بها على وجوبه مقصود به العدل في الأمور المادية التي يستطيعها العبد. أما العدل المنفي في الآية الثانية فهو الحب، والمودة، والجماع، وميل القلب، فهذه أمور خارجة عن قدرة الرجل، ولا يستطيع التحكم فيها. (٢) الوجه الثاني: إن شرط العدل في هذه الآية شرط مرجعه إلى شخص المكلف لا يدخل تحت سلطان التشريع والقضاء، فإن اللَّه قد أذن للرجل بصيغة الأمر أن ينكح ما طاب له من النساء دون قيد بإذن القاضي، أو بإذن القانون، أو بإذن الحاكم أو غيره، وأمره أنه إذا خاف في نفسه ألا يعدل بين الزوجات أن يقتصر على واحدة، وبالبداهة أَنْ ليس لأحد سلطان على قلب المريد للزواج حتى يستطيع أن يعرف ما في دخيلة نفسه من خوف الجور أو عدم

стр. 6410

خوفه بل ترك اللَّه ذلك لتقديره في ضميره وحده، ثم أعلمه اللَّه -سبحانه- أنه على الحقيقة لا يستطيع إقامة ميزان العدل بين الزوجات إقامة تامة لا يدخلها ميل فأمره أن لا يميل كل الميل، فيذر بعض زوجاته كالمعلقة، فاكتفى ربه منه في طاعة أمره بالعدل أن يعمل منه بما استطاع، ورفع عنه ما لم يستطع، وهذا العدل المأمور به مما يتغير بتغير الظروف ومما يذهب ويجيء بما يدخل في نفس المكلف، ولذلك لا يعقل أن يكون شرطًا في صحة العقد، بل هو شرط نفسي متعلق بنفس المكلف وبتصرفه في كل وقت بحسبه، فرب رجل عازم على الزواج المتعدد وهو مُضْمِر في قلبه عدم العدل، ثم لم ينفذ ما كان مصرًا عليه، وعدل بين أزواجه، فهذا لا يستطيع أحد يعقل الشرائع أن يدعي أنه خالف أمر ربه إذ أنه أطاع اللَّه بالعدل، وعزيمته في قلبه من قبل لا أثر لها في صحة العقد أو بطلانه بداهة، خصوصًا وأن النصوص صريحة في أن اللَّه لا يؤاخذ العبد بما حدَّث به نفسه ما لم يعمل به أو يتكلم، ورب رجل تزوج زوجة أخرى عازمًا في نفسه على العدل ثم لم يفعل، فهذا قد ارتكب الإثم بترك العدل ومخالفة أمر ربه، ولكن لا يستطيع أحد يعقل الشرائع أن يدعي أن هذا الجور المحرم منه قد أثر على أصل العقد بالزوجة الأخرى، فنقله من الحل والجواز إلى الحرمة والبطلان، إنما إثمه على نفسه فيما لم يعدل، ويجب عليه طاعة ربه في إقامة العدل، وهذا شيء بديهي لا يخالف فيه من يفقه الدين والتشريع. اهـ. (١) الوجه الثالث: ومما يبين أن العدل في الحب القلبي لا يجب، أن هذا الحب يتغير بتغير الظروف، وهذه الظروف قد تجعلها إحدى الزوجات موافقة للحب، وقد تجعلها الأخرى موافقة لغيره، كأن تكون إحدى الزوجتين في غاية الحب لزوجها، والطاعة، والاحترام، والأدب، والتضحية لأجله، والمواساة بالمال والنفس، والمؤازرة في الشدائد لكل ما تملك، لا تقعد إذا وقف ولا تتكلم إذا نطق، إذا أمرها أطاعته، وإذا نظر إليها سرته، وإذا غاب عنها حفظته. . . إلخ.

стр. 6411

فهذه لا شك تحب، فكيف به إذا كانت الأخرى على الضد منها في كل شيء؟ فهي رفيق سوء وجار سوء، وشريكٌ وعشيرٌ سوء، ومركب سوء، ومنظر سوء، تفرح في حزنه، وتحزن في فرحه، فهل من الحكمة والعقل والدين أن يكون حب هذه كحب تلك؟ ! أقول: لا بل ولا من العدل. نعم: ليس من العدل الذي أمر اللَّه به أن يكون حب المحسن كحب المسيء، هذا إذا كان الحب والبغض بيده، فكيف والأمر بيد من يقلب القلوب كيف يشاء سبحانه ؟ ! الوجه الرابع: ومن تمام العدل أن يسوى بينهم في القَسَم، حتى لو كان يميل إلى إحداهن أو يبغض إحداهن فهو مكلف على كل حال بالعدل في القسم بينهن قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النساء: ١٩)، وليس مع الميل معاشرة بالمعروف، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: ١٣٥)، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (المائدة: ٨). وعن أنس ﵁ قال: "كان للنبي ﷺ تسع، فكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع". (١) وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال "مَنْ كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل". (٢)

стр. 6412

ففي الحديثين دليل على أنه يجب على الزوج التسوية بين الزوجات ويحرم عليه الميل إلى إحداهن، وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾، والمراد: الميل في القسم والإنفاق لا في المحبة. (١) ويقسم للحائض، ولا يجوز له أن يجامعها، ويقسم لكل امرأة يومًا وليلة، ولا يخرج من بيت امرأة في الليل إلى بيت غيرها إلا لحاجة، ولا يجامع امرأة في وقت غيرها إلا إذا أذنت ورضيت بذلك، والحرة والأمة في القسم سواء، وكذا المسلمة والكتابية، ولا قسم على الرجل فيما ملكت يمينه، وبهذا ترى أن الضابط في التعدد هو العدل في كل ما يملكه العبد ولا يحمله كره واحدة أو حب الأخرى على عدم العدل، والعدل بين الزوجات في القسم محل إجماع بين أهل العلم. قال ابن قدامة: لا نعلم بين أهل العلم في وجوب التسوية بين الزوجات في القسم خلافًا. (٢) الشبهة الثانية . يقولون: ما دام التعدد جائزًا فلماذا خلق اللَّه لآدم زوجة واحدة؟ والجواب على هذه الشبهة . نعم هذه ظاهرة واقعة وثابتة في جميع الرسالات السماوية، ولكن على أساس هذه الظاهرة لا يصح القول: بأن نظام الزوج الواحد والزوجة الواحدة هو النظام الطبيعي الوحيد ولا يجوز التعدد؛ وذلك لأن خلقَ حواءَ واحدةٍ لآدمَ ﵇ كان لحكمة سامية، هي أن يكون البشرُ جميعًا أبناءَ رجلٍ واحدٍ وامرأة واحدة، فلا يفاضل بعضهم بعضًا بحسب أو نسب، فيزعم مثلًا أنه ينتهي إلى أب أو إلى أم أشرف من أم الآخرين، فليس هناك أبناء للَّه، أو شعب خاص مختار عنده، بل الجميع بشر ممن خلق، كلهم من آدمَ وحواءَ وبالتالي لا تفاضل بينهم إلا بالإيمان والعمل الصالح والتقوى (٣).

стр. 6413

الشبهة الثالثة . يقول المعترض: لماذا لم يجعل تعدد الزوجات بيد القاضي حتى يتأكد من وجود ضوابط التعدد عند الرجل؟ والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه. الوجه الأول: إن اللَّه تعالى أناط بالراغب في الزواج وحده تحقيق شرطي التعدد فهو الذي يقدر الخوف من عدم العدل لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾. فإن الخطاب فيه لنفس الراغب في الزواج، لا لأحد سواه من قاضٍ أو غيره، فيكون تقدير مثل هذا الخوف من قبل غير الزوج مخالفًا لهذا النص، وكذلك البحث في توافر القدرة على الإنفاق، فإنه منوط بالراغب في الزواج لقوله ﷺ "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج"، فهو خطاب للأزواج لا لغيرهم. الوجه الثاني: إن إشراف القاضي على الأمور الشخصية أمر عبث؛ إذ لا يطلع على السبب الحقيقي، ويخفى الناس عادة عليه ذلك السبب، فإن اطلع على الحقائق كان اطلاعه فضحًا لأسرار الحياة الزوجية وتدخلًا في حريات الناس، وإهدارًا لإدارة الإنسان وخوضًا في قضايا ينبغي توفير وقت القضاة لغيرها ومنعًا وأمرًا في غير محله فالزواج أمر شخصي بحت يتفق فيه الزوجان مع أولياء المرأة، لا يستطيع أحد تغيير وجهته وتبديل قيمه، وإن أسرار البيت المغلقة لا يعلم بها أحد غير الزوجين. (١) الشبهة الرابعة . يقول المعترض: لماذا تعدد الزوجات للرجال؟ ولم يجز تعدد الأزواج للنساء؟ والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجه:

стр. 6414

الوجه الأول: إن المساواة بين الرجل والمرأة في أمر التعدد مستحيلة، وذلك لأن المرأة في طبيعتها لا تحمل إلا في وقت واحد مرة واحدة في السنة كلها، أما الرجل فغير ذلك، فمن الممكن أن يكون للرجل أولاد متعددون من نساء متعددات، لكن المرأة لا يكون لها إلا مولود واحد من رجل واحد. الوجه الثاني: إن تعدد الأزواج بالنسبة للمرأة يضيع نسبة ولدها إلى شخص معين، وليس الأمر كذلك بالنسبة للرجل. وهذا يعني اختلاط الأنساب، ولا يقال يمكن التعرف عليه بالعلوم الحديثة لأن الإسلام جاء لكل عصر ومصر، وليس كل البلاد؛ ولا كل الأمكنة تحتوي على إمكانيات الأجهزة الحديثة، وهذا على التسليم بأنها تغلب عليها الإصابة في التعرف على نسب الجنين. الوجه الثالث: أن تعدد الأزواج بالنسبة للمرأة فيه إهدار للطاقة البشرية عندما تحتاج إلى كثرة النسل. الوجه الرابع: أن تعدد الأزواج بالنسبة للمرأة سبب لكثير من الأمراض النفسية والبدنية بالنسبة لها، وللرجال كذلك، وهذا ثابت. الوجه الخامس: أن هذا يستدعي أن تكون المرأة هي القيم على البيت، مَنْ احتاجته من الرجال وجدته تحت يدها، وإلا فما معنى أن ينفق الرجل على المرأة فإذا احتاجها وجدها تحت رجل آخر؟ ! الوجه السادس: إذا نفست المرأة أو مرضت بحيث لا يستطيع أحد الاقتراب منها فماذا يصنع أزواجها؟ الوجه السابع: إذا اختلفوا على الولد، وكلهم يريده فماذا تصنع هي وكلهم أزواج؟ وكذا إذا نفاه الكل فماذا تصنع هي ومن يعوله وينفق عليه؟ الوجه الثامن: إن هذا أمر تأباه النفس الشريفة المعتدلة، أما الشواذ ومرضى النفس والقلب فلا يقاس عليهم.

стр. 6415

الوجه التاسع: إن هذا وضع فيه اجهاد للمرأة، ولعلهم ينتظرونها خلف بعض ليقعوا عليها، ولعلها لا تحتمل ذلك فماذا تصنع هل تقسم لهم؟ ! الوجه العاشر: لا أدري كيف يستقيم حال امرأة فيها شركاء متشاكسون، يقتل بعضهم بعضًا لأجلها وكيف يُربى الأبناء في هذا البيت؟ الوجه الحادي عشر: هذا الأمر لا وجود له في نص سماوي أو في أي كتاب سماوي، ولا فعله نبي من الأنبياء، ولا صاحب نبي، ولا تابع للنبي، بخلاف تعدد الزوجات، فقد كثر واشتهر في الكتب السماوية وعن أنبياء اللَّه تعالى. (١) قال ابن القيم: فإن قيل كيف روعي جانب الرجل وأطلق له العنان أن يسيم طرفه ويقضي وطره، ويتنقل من واحدة إلى واحدة بحسب شهوته وحاجته، داعي المرأة داعية وشهوتها شهوته؟ قيل: لما كانت المرأة من عادتها أن تكون مخَّبأة من وراء الخدور، ومحجوبة في بيتها، وكان مزاجها أبرد من مزاج الرجل، وحركتها الظاهرة والباطنة أقل من حركته، كان الرجل قد أعطي من القوة والحرارة التي هي سلطان الشهوة أكثر مما أعطيته المرأة، وبلي بما لم تبل به، أطلق له عدد من المنكوحات ما لم يطلق للمرأة، وهذا مما خص اللَّه به الرجال وفضلهم به على النساء، كما فضلهم عليهن بالرسالة والنبوة والملك والإمارات وولاية الحكم والجهاد وغير ذلك، وجعل الرجال قوامين على النساء ساعين في مصالحهن يدأبون في أسباب معيشتهن، ويركبون الأخطار، ويجوبون القفار، ويعرضون أنفسهم لكل بلية ومحنة في مصالح الزوجات، والرب تعالى شكور حليم متشكر لهم ذلك، وجبرهم بأن مكنهم مما لم يمكن منه الزوجات، وأنت إذا قايست بين تعب الرجال وشقائهم وكدهم ونصبهم في مصالح النساء وبين ما ابتلي به النساء من الغيرة وجدت حظ الرجال من تحمل الغيرة فهذا من كمال عدل اللَّه

стр. 6416

وحكمته ورحمته؛ فله الحمد كما هو أهله. وأما قول القائل: إن شهوة المرأة تزيد على شهوة الرجل؛ فليس كما قال، والشهوة منبعها الحرارة، وأين حرارة الأنثى من حرارة الذكر؟ ، ولكن المرأة لفراغها وبطالتها يغمرها سلطان الشهوة ويستولي عليها ولا يجد عندها ما يعارضه، بل يصادف قلبًا فارغًا ونفسًا خالية فيتمكن منها كل التمكن فيظن الظان أن شهوتها أضعاف شهوة الرجل وليس كذلك، ومما يدل على هذا أن الرجل إذا جامع زوجته أمكنه أن يجامع غيرها في الحال. وكان النبي ﷺ يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وطاف سليمان على تسعين امرأة في ليلة؛ ومعلوم أن له عند كل امرأة شهوة وحرارة باعثة في الوطء، والمرأة إذا قضي الرجل وطره فترت شهوتها وانكسرت نفسها، ولم تطلب قضاءها من غيره في ذلك الحين؛ فتطابقت حكمة القدر والشرع والخلق والأمر والحمد للَّه (١). ثم كيف أنتم الآن تقولون بعظم شهوتها؟ فإذا تكلمتم في الختان قلتم إن الختان يضعف شهوتها ويؤدي إلى البرود فنرجو منكم أن تكونوا في جهة واحدة، هل تريدون إشعال شهوتها بترك الختان لتكفي زوجًا واحدًا، أم تريدون إطفاء شهوتها بكثرة الأزواج؟ ولقد سخر بعض الكتاب من إثارة هذا السؤال فقال: أما عدم إباحة زواج المرأة بأكثر من رجل؛ فإني أحسب هذه من مسائل الهزل والمزح التي لا تثار في مسائل النقد العلمي، فهل عندكم في دينكم أو حتى مدنيتكم زوجة لعدد من الرجال؟ إن المرأة وعاء فهل يتسع إناء لضدين؟ لقد عرف زواج المرأة من عدة رجال في الشعوب البدائية، وما زال يوجد هذا النوع في جنوب الهند وعلى حدودها الشمالية، والحكومات الهندية تحاول إخضاع هذه القبائل لقوانينها العامة التي لا تبيح مثل هذا الزواج، وهذا الزواج كذلك موجود في جنوب أمريكا وأماكن أخرى تجمعها كلها البداوة وعدم التحضر، وقد كان هذا أحد أنواع الزواج التي أبطلها

стр. 6417

الإسلام في سبيل إصلاحاته وإخراجه البشر من ظلمات الجهل والجاهلية. الشبهة الخامسة . يقول المعترض: لماذا حد النساء بأربع وليس كذلك الإماء؟ والجواب على هذه الشبهة . أن هذا من تمام نعمته وكمال شريعته وموافقتها للحكمة والرحمة والمصلحة، فإن النكاح يراد للوطء وقضاء الوطر ثم من الناس ما يغلب عليه سلطان هذه الشهوة؛ فلا تندفع حاجته بواحدة فأطلق له الثانية وثالثة ورابعة، وكان هذا العدد موافقًا لعدد طباعه وأركانه وعدد فصول سنته، ولرجوعه إلى الواحدة بعد صبر ثلاث عنها، والثلاث أول مراتب الجمع، وقد علق الشارع بها عدة أحكام، ورخص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد أداء النسك ثلاثًا، وأباح للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثًا، فَرَحِمَ الضرةَ بأن جعل غاية انقطاع زوجها عنها ثلاثًا ثم يعود؛ فهذا ملخص الرحمة والحكمة والمصلحة. وأما الإماء فلما كن بمنزلة سائر الأموال من الخيل والعبيد وغيرها لم يكن لقصر المالك على منهن أربع أو غيرها من العدد معنى، فكما ليس في حكمة اللَّه ورحمته أن يقصر السيد على أربعة عبيد أو أربع دواب وثياب ونحوها، فليس من حكمته أن يقصره على أربع إماء. وأيضًا فللزوجة حق على الزوج اقتضاء عقد النكاح يجب على الزوج القيام به؛ فإن شاركها غيرها وجب عليه العدل بينهما، فقصر الأزواج على عدد يكون العدل فيه أقرب مما زاد عليه، ومع هذا فلا يستطيعون العدل ولو حرصوا عليه، ولا حق لإمائه عليه في ذلك؛ ولهذا لا يجب لهن قسم ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ واللَّه أعلم. (١) الشبهة السادسة . وهو أن التعدد يلزمه الخصام والشغب الدائم المفضي إلى نكد الحياة؛ لأنه كلما أرضى إحدى الطرفين سخطت الأخرى، فهو بين سخطتين دائمًا، وأن هذا ليس من الحكمة؟

стр. 6418

والجواب على هذه الشبهة . إن هذا كلام ساقط يظهر سقوطه لكل عاقل؛ لأن الخصام والمشاغبة بين أفراد أهل البيت لا انفكاك عنه البتة، فيقع بين الرجل وأمه، وبينه وبين أبيه، وبينه وبين أولاده، وبينه وبين زوجته الواحدة، فهو أمر عادي ليس له كبيرُ شأن، وهو في جنب المصالح العديدة العظيمة التي ذكرنا في تعدد الزوجات؛ من صيانة النساء وتيسير التزويج لجميعهن وكثرة عدد الأمة لتقوم بعددها الكبير في وجه أعداء الإسلام لأن المصلحة العظمى يقدم جلبها على المفسدة الصغرى، فلو فرضنا أن المشاغبة المزعومة في تعدد الزوجات مفسدة، أو أن إيلام قلب الزوجة الأولى بالضرة الثانية مفسدة، لقدمت عليها تلك المصالح الراجحة التي ذكرنا كما هو معروف في الأصول. فالقرآن الكريم أباح تعدد الزوجات لمصلحة المرأة في عدم حرمانها من الزواج ولمصلحة الرجل بعدم تعطيل منافعه في حال قيام العذر بالمرأة الواحدة، ولمصلحة الأمة فيكثر عددها فيمكنها مقاومة عدوها لتكون كلمة اللَّه هي العليا؛ فهو تشريع حكيم خبير لا يطعن فيه إلا من أعمى اللَّه بصيرته بظلمات الكفر، وتحديد الزوجات بأربع تحديد من حكيم خبير؛ وهو أمر وسط بين القلة المفضية إلى تعطيل منافع الرجال؛ وبين الكثرة التي هي مظنة عدم القدرة على القيام بلوازم الزوجية للجميع؛ والعلم عند اللَّه تعالى. (١) الشبهة السابعة . يقول المعترض: لماذا لم يوافق النبي ﷺ على زواج علي بن أبي طالب من ابنة أبي جهل؟ ووجه السؤال أن النبي ﷺ منع عليًا من الزواج من بنت أبي جهل وهذا يدل على التحريم. والجواب على هذه الشبهة. إن الذي أوقعهم في ذلك أنهم لم يسوقوا لفظ الحديث كاملًا؛ وإنما لخصوا القصة تلخيصًا مريبًا ليستدلوا على أن النبي ﷺ يمنع تعدد الزوجات؛ وهذا غير صحيح، ولا

стр. 6419

تدل القصة عليه؛ لأن تمام القصة بقوله ﷺ "وإني لست أحرم حلالًا؛ ولا أحل حرامًا، ولكن واللَّه لا تجتمع بنت رسول اللَّه وبنت عدو اللَّه مكانًا واحدًا أبدًا". (١) فهذا رسول اللَّه ﷺ المبلغ عن اللَّه، والذي كلمته الفصل في بيان الحلال والحرام؛ يصرح باللفظ العربي المبين في أدق حادث يمس أحب الناس إليه وهي ابنته الكريمة السيدة الزهراء بأنه لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا، ولكن يستنكر أن تجتمع بنت رسول اللَّه وبنت عدو اللَّه في مكان واحد. قال الشيخ أحمد شاكر: وعندي وفي فهمي أن النبي ﷺ لم يمنع عليًا من الجمع بين ابنته وبنت أبي جهل بوصفه رسولًا مُبلّغًا عن ربه حكمًا شرعيًا بدلالة تصريحه بأنه لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا، وإنما منعه منه منعًا شخصيًا؛ بوصفه رئيس الأسرة التي فيها عليّ ابن عمه وفاطمة ابنته؛ بدلالة أن أسرة بنت أبي جهل هي التي جاءت تستأذنه فيما طلب إليهم عليّ ﵁، وكلمة رئيس الأسرة مطاعة وخصوصًا إذا كان هذا الرئيس هو سيد قريش وسيد العرب وسيد الخلق أجمعين (٢). المبحث الرابع: تعدد الزوجات في اليهودية والنصرانية . تعدد الزوجات في اليهودية. لقد جاءت التوراة مبيحة تعدد الزوجات دون أن تحدد عددًا معينًا، وكانت تذكر الأنبياء الذين عددوا الزوجات من غير قدر محدود كما تذكر غيرهم (٣). ففي سفر اللاويين (١٨/ ١٨): وَلَا تَأْخُذِ امْرَأَة عَلَى أُخْتِهَا لِلضِّرِّ لِتَكْشِفَ عَوْرَتهَا مَعَهَا فِي حَيَاتِهَا.

стр. 6420

ومعنى هذا الكلام أن التعدد ليس حرامًا، ولكن المحرم هو أن يتزوج الرجل شقيقة زوجته أثناء حياتها معه في عصمته. ثم هذه التوراة نفسها، تقول: إن النبي داود كان له تسع وتسعون زوجة من الحرائر وثلاثمائة من الجواري، وكان لعيسى بن إسحاق أكثر من زوجة كما في التوراة: فَذَهَبَ عِيسُو إِلَى إِسْمَاعِيلَ وَأَخَذَ مَحْلَةَ بِنْتَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أُخْتَ نَبَايُوتَ، زَوْجَةً لَهُ عَلَى نِسَائِهِ. (التكوين ٢٨/ ٩). وفي التوراة كذلك أن سيدنا سليمان ﵇ كان له أكثر من زوجة: وَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ مِئَةٍ مِنَ النِّسَاءِ السَّيِّدَاتِ، وَثَلَاثُ مِئَةٍ مِنَ السَّرَارِيِّ (الملوك الأولى ١١/ ٣) وعلى هذا فتعدد الزوجات في الشرائع السابقة كان موجودًا، ولما بعث اللَّه موسى ﵇ أقر بتعدد الزوجات بدون أن يحدد للرجل عددهن، حتى قرر بنو التلمود تحديد الزوجات؛ إلا أن بعض علماء بني إسرائيل منعوه وبعضهم أباحه، وتعللوا في ذلك إذا كانت الزوجة مريضة أو عقيمة أو للخيانة وغير ذلك وعلمًا بأن التلمود عند اليهود أباح تعدد الزوجات ولكن قيده بعدد محدد ومعين. (١) ولقد جاء في التوراة ما يثبت هذا التعدد في نساء أعظم أنبيائهم وملوكهم كداود ﵇ حيث تقول: فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: "أَنْتَ هُوَ الرَّجُلُ! هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ: أَنَا مَسَحْتُكَ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ وَأَنْقَذْتُكَ مِنْ يَدِ شَاوُلَ، وَأَعْطَيْتُكَ بَيْتَ سَيِّدِكَ وَنِسَاءَ سَيِّدِكَ فِي حِضْنِكَ، (صموئيل الثاني ١٢/ ٧). ثم وبخه على قتله لأوريا الحثي وأخذ زوجته فقال: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هأَنَذَا أُقِيمُ عَلَيْكَ الشَّرَّ مِنْ بَيْتِكَ، وَآخُذُ نِسَاءَكَ أَمَامَ عَيْنَيْكَ وَأُعْطِيهِنَّ لِقَرِيبِكَ، فَيَضْطَجعُ مَعَ نِسَائِكَ فِي عَيْنِ هذِهِ الشَّمْسِ (صموئيل الثاني ١٢/ ٧). وبهذا نرى أن تعدد الزوجات كان شائعًا ومنتشرًا عند اليهود من غير نكير، ولقد ظل اليهود طيلة العصور الوسطى يجمعون بين عدة زوجات؛ حتى منع الأحبار الربانيون تعدد

стр. 6421

الزوجات لضيق أحوال المعيشة التي كان يعانيها اليهود في تلك العصور، وقد صدر هذا المنع في القرن الحادي عشر وقرر المجمع الكنيسي في مدينة وارمس بألمانيا، وكان هذا المنع في أول الأمر قاصرًا على يهود ألمانيا ويهود شمال فرنسا، ثم عم جميع يهود أوربا، وقد أخذت قوانين الأحوال الشخصية لليهود بعدئذٍ بمنع تعدد الزوجات، وألزمت الزوج أن يحلف يمينًا حين إجراء العقد على ذلك، وإذا شاء الرجل أن يتزوج بامرأة أخرى فعليه أن يطلق زوجته، ويدفع إليها جميع حقوقها إلا إذا أجازته بالزواج وكان في وسعه أن يعيل الزوجتين، وقادرًا على العدل بينهما، وكان هناك مسوغ شرعي لهذا الزواج كعقر الزوجة. (١) يقول ينيوفيلد صاحب كتاب قوانين عند العبرانيين الأقدمين: إن التلمود والتوراة معًا قد أباحا تعدد الزوجات على إطلاقه، وإن كان بعض الربانين ينصحون بالقصد في عدد الزوجات، وإن قوانين البابليين وجيرانهم من الأمم التي اختلط بها بنو إسرائيل كانوا جميعًا على مثل هذه الشريعة في اتخاذ الزوجات والإماء. (٢) يقول ديشتر: لقد سمح الكتاب المقدس بتعدد الزوجات والمعاشرة الجنسية للإماء، وسبايا الحرب والعاهرات، وغير المتزوجات اللاتي خرجن من كنف آبائهن بل أكثر من ذلك، فقد كان يمكن للأب أن يعطي أبناءه عند وصول سن البلوغ إماءً للزوم الفراش، وأي علاقة جنسية خارج هذا الإطار للسيدة المتزوجة كانت تقابل بعقوبة الموت، كما كانت هذه سنة الأنبياء جميعًا، وانظر ما يلي: وَاتَّخَذَ لَامَكُ لِنَفْسِهِ امْرَأَتيْنِ: اسْمُ الْوَاحِدَةِ عَادَةُ، وَاسْمُ الأُخْرَى صِلَّةُ. (تكوين ٤ - ١٩). فَأَخَذَتْ سَارَايُ امْرَأَةُ أَبْرَامَ هَاجَرَ الْمِصْرِيَّةَ جَارِيَتَهَا، مِنْ بَعْدِ عَشَرِ سِنِينَ لإِقَامَةِ أَبْرَامَ فِي

стр. 6422

أَرْضِ كَنْعَانَ، وَأَعْطَتْهَا لأَبْرَامَ رَجُلِهَا زَوْجَةً لَهُ. (تكوين ١٦ - ٣). وَعَادَ إِبْرَاهِيمُ فَأَخَذَ زَوْجَةً اسْمُهَا قَطُورَةُ (تكوين ٢٥ - ١). تزوج يعقوب من أربعة على الأقل: ليئة وراحيل وبلهة وزلفة، وكان في المساء أنه أخذ ليئة ابنته وأتى بها إليه فدخل عليها (التكوين ٢٩ - ٢٣). فعل يعقوب هذا فأكمل أسبوع هذه فأعطاه راحيل ابنته زوجة له (التكوين ٢٩ - ٢٨). فأعطته بلهة جاريتها زوجة فدخل عليها يعقوب. ولما رأت ليئة أنها توقفت عن الولادة أخذت زلفة جاريتها وأعطتها ليعقوب زوجة (التكوين ٣٥ - ٩). كما تزوج موسى من اثنتين، ابنة يثرون وأما موسى فكان يرعى غنم يثرون حميه كاهن مديان (الخروج ٣ - ١). وامرأة كوشية: وتكلمت مريم وهارون على موسى بسبب المرأة الكوشية التي اتخذها لأنه كان قد اتخذ امرأة) كوشية عدد (١٢ - ١) ويقول سفر القضاه: إنه كان لجدعون ٧٠ ولدًا: (وكان لجدعون سبعون ولدًا خارجون من صلبه لأنه كانت له نساء كثيرات وسريته التي في شكيم ولدت له أيضًا ابنًا فسماه أبيمالك) قضاة (٨ - ٣٠ - ٣١). وتزوج رحبعام من ١٨ امرأة و ٦٠ من السواري: (٢١. وأحب رحبعام معكة بنت أبشالوم أكثر من جميع نسائه وسرارية لأنه اتخذ ثماني عشرة امرأة وستين سريه). من الجدير بالذكر أن تعدد الزوجات أباحته كل الأديان، ولم تفرضه، وكانت الكنيسة والدولة تقرانه إلى منتصف القرن الثامن عشر (١٨)، وكانت العلة من الاكتفاء بواحدة هي مهانة المرأة إذ عللوا ذلك بالاكتفاء بشر واحد، لذلك كانت الرهبنة عندهم وعدم الزواج من الأمور السامية التي يتخلصون فيها من الشر الذي هو الأنثى، فهل ظهر الآن أن تعدد الزوجات رفعة لشان المرأة فلو كان الرجل يحتقرها لاكتفى بواحدة أو زهد

стр. 6423

فيهن، أضف إلى ذلك أقوال التوراة الصريحة بتعدد الزوجات. إن اتخذ لنفسه أخرى لا ينقص طعامها وكسوتها ومعاشرتها (أخبار الأيام الثاني ١: ٢١). إذا كان للرجل امرأتان إحداهما محبوبة والأخرى مكروهة فولدتا له بنين المحبوبة والمكروهة فإن كان الابن البكر للمكروهة ١٦. فيوم يقسم لبنيه ما كان ليس له أن يقدم ابن المحبوبة بكرًا على ابن المكروهة البكر. . . (تكوين ٢٦ - ٣٤). وأخذ داود أيضًا سراري ونساء من أورشليم بعد مجيئه من حبرون (صموئيل الثاني ٥ - ١٣). ويقول القمص أندراوس عزيز؛ وهو يتكلم عن تعدد الزوجات في اليهودية: ولا يمكن أن تنسى في سياق هذا الحديث ذكر داود النبي والذي قال عنه اللَّه: (فتشت قلب عبدي داود فوجدته مثل قلبي) (صموئيل الأول ١٣/ ١٤). نعم لقد أخطأ داود خطيئة كبيرة ضد الناموس الذي يقول: لا تزن ولا تقتل فزنى وقتل، وعاقبه اللَّه، وتاب وشملته رحمة اللَّه الواسعة، عاقبه اللَّه على الزنا ولم يعاقبه أو يؤنبه على تعدد الزوجات. . .، ثم قال: عاقبه على زناه مع امرأة أوريا الحثي، ولكنه لم يعاقبه على أخذ عدد كبير من النساء زوجات له يتراوح عددهن بين ثماني زوجات وعشر سراري (١). . . إلخ، ما كُتِبَ استدلالٌ على تعدد زوجات نبي اللَّه داود ﵇، وحتما ولابد لا نوافقه على أن نبي اللَّه داود زنى، ولا نستدل تأصيلًا على كلامه في تعدد الزوجات إنما نلزمهم بما في كتبهم. يقول أندراوس عزيز بعد ذكر تعدد نساء الأنبياء: فقد كان تعدد الزوجات شائعًا في العهد القديم، ولم يكن قضية خلاصية تعوق خلاص الإنسان أو تقوده إلى هلاك نفسه، ولم تكن مخالفة للوصية السابقة -لا تزن- (تثنية: ٥ - ١٨) وطبعًا هؤلاء جميعًا إبراهيم، أو يعقوب البطاركة الكبار الأبرار، أو داود، أو سليمان، أو غيرهم الذين تركوا للكنيسة الأولى تراثًا لا يقدر بثمن وكتبوا أسفارًا بأكملها وصلوات روحية عميقة كثيرة ترددها الكنيسة في كل عصر ومصر على مدى الأجيال، هؤلاء الذين

стр. 6424

تتلمس الكنيسة خطاهم وتتبع آثارهم وتردد قصصهم مدى الأجيال ولقد ملكوا من الأزواج والسراري عددًا وفيرًا ولم يكونوا عائقًا في دخولهم الملكوت. (١) وانظروا فما هذا الجدول من الكتاب (المقدس) ثم نعود للكلام عن الموضوع في العهد الجديد: جدول اسم النبي. . . عدد أولاده. . . عدد زوجاته. . . الشاهد إبراهيم. . . ٢+٦+٥. . . ٤+٣ السراري سارة وهاجر وقطورة وحجورة. . . تك ٢٠/ ١٢٠، تك ١٦/ ٤ يعقوب. . . ٦+٢+٢+٢=١٢. . . ٤+ السراري ليئه، راحيل، بلهه، زلفه. . . تك ٢٩/ ٢٣، تك ٢٩/ ٢٨، تك ٣٠/ ٤، تثنيه ٥/ ١٢ موسى. . . ... . . . ٢+ السراري صفوره، الكوشيه. . . خروج ٣/ ١ عدد ١٢/ ١ داود. . . ... . . . ٩+٢٠+٤٠=٦٩. . . صموائيل الثاني ١٢/ ١ - ٢ جدعون. . . ٧٠ ولدًا. . . ٢٣. . . قضاه ٨/ ٣٠ سليمان. . . .... . . ٧٠٠+٣٠٠. . . ملوك الأول ١١/ ٣ رحبعام. . . ٢٨+٦٠. . . ١٨+٦٠. . . أخبار الأيام الثاني ١١/ ٢١ عبدون. . . ٤٠ ولدًا. . . ١٣+ السراري. . . قضاه ١٢/ ١٣=١٤ تعدد الزوجات في العهد الجديد -عند النصارى - المسيحيين -.

стр. 6425

الذي يراجع تعليمات بولس في رسالته الأولى الى تيموثاوس لا يخفى عليه أن استحسانه بوجود زوجة واحدة فقط للأسقف والشماس، حتى يمكنه تدبير بيته وبالتالي يحسن تدبيره لكنيسته، ومعنى ذلك أنه يجوز على الأقل للآخرين أن يكون لهم أكثر من زوجة واحدة: ليكن الشماسه كلُّ بعل امرأة واحدة مدبرين أولادهم وبيوتهم حسنًا (تيموثاوس الأولى ٣: ١٢) (١). فيجب أن يكون الأسقف بلا لوم بعل امرأة واحدة، صاحبًا، عاقلًا، محتشمًا، مضيفًا للغرباء، صالحًا للتعليم غير مدمن الخمر، ولا ضراب، ولا طامع بالربح القبيح، بل حليمًا، غير مخاصم، ولا محب للمال يدبر بيته حسنًا، له أولاد في الخضوع بكل وقار، وإنما إن كان أحد لا يعرف أن يدبر بيته فكيف يعتني بكنيسة اللَّه؟ . (٢) ولم تحرم المسيحية التعدد مطلقًا وانظر ما يلي: * كان شارلمان الإمبراطور الروماني المسيحي متزوجًا بأكثر من زوجة، ومن زوجاته (سوارت) و (هولجاور) إلى جانب عدد كبير من المحظيات. * وكان للامبراطور (ليو السادس) في القرن العاشر الميلادي ثلاث زوجات وتسرى برابعة، وهي التي ولدت له ابنه الإمبراطور قسطنطين الذي حكم الإمبراطورية الرومانية الشرقية. * وكان لملك انجلترا هنري الثامن ثلاث زوجات فقد تزوج كاترين، آن بولين، حنا سيمور. * وقد قرر الإمبراطور فلنتيان الثاني الذي ولي الحكم عام ٣٧٥ م أي في القرن الرابع الميلادي: أن الاقتصار على زوجة واحدة إنما هو من آثار الوثنية الرومانية، ولذلك أصدر أمرًا بجواز الجمع بين أكثر من زوجة، قائلًا: إن المسيحية لم تمنع ذلك، وهذا الاتجاه في التعدد يتلاءم مع ما رآه مارتن لوثر زعيم طائفة البروتستانت، الذي قرر: أن التعدد أمر لم

стр. 6426

يحرمه الرب، وضرب مثلًا بإبراهيم الذي كان له ثلاث أو أربع زوجات، لذلك سمح لوثر لأمير هيس الأمير فليب أن يجمع بين زوجتين وقال: إذا نظر الرجل إلى امرأة وحسنت في عينيه وأحبها وهو متزوج فخير له أن يتزوجها من أن يتخذها خليلة، الأمر الذي جعل طائفة (برسير) في إنجلترا تقرر أن من حق المسيحي أن يجمع بين عدد زوجات. * ومن علماء المسيحية أنفسهم من يقرر أن نظام الزوجة الواحدة نظام مصطنع، ولا يتصل مطلقًا بالديانة المسيحية في نشأتها الأولى، وإنما هو نظام وضعته الكنيسة كما قرر وول ديورانت قال أرثر فيلبس في كتابه (دراسة الزواج والأسرة في أفريقيا): كما أن بعضهم يرى أن التعدد إنما فرضه المسيحيون الأوربيون على أنفسهم، لينفذوه في البلاد التي استعمروها؛ ليبقى لهم فائض خيرات هذه المستعمرات، والمنع لم يكن لسبب ديني وإنما كان لسبب استعماري. * وبقى تعدد الزوجات في العالم المسيحي مباحًا إلى القرن الثامن عشر، وبالتحديد إلى عام ١٧٥٠، أما قبل هذا التاريخ فلم يكن التعدد ممنوعًا، وإنما كان مباحًا تقره الكنائس المسيحية وتباركه كما جاء في تواريخ الزواج بين الأوربيين. يقول وسترماك في تاريخه: وفي الحق إن العهد الجديد اتخذ هذا النظام كمثل أعلى للزواج ولكن مع ذلك لم يحرم تعدد الزوجات، تحريمًا ظاهرًا إلا للشماس أو القسيس، ويكفي أن نعلم أننا لم نجد مجلسًا كنيسيًا واحدًا عارض تعدد الزوجات، أو وضع عقبات في سبيله عند الملوك أو الحكام الذين كانوا يمارسونه في الدول الوثنية في قرون المسيحية الأولى، ثم قال: إن ديارمنت ملك إيرلندا كان له زوجتان وسريتان وتعدد زوجات الملوك الميروفنجيين غير مره في القرون الوسطى، وكان لشارلمان زوجتان كما يظهر في بعض قوانينه أن تعدد الزوجات لم يكن مجهولًا بين رجال الدين أنفسهم، وبعد ذلك بزمن كان

стр. 6427

فيليب أوف هيس وفردريك وليام الثاني البروس بيرمان عقد الزواج مع اثنتين بموافقة القساوسة اللوثريين، وأقر مارتن لوثر نفسه تصرف الأول منهما، كما أقره ملانكستون، وكان لوثر يتكلم في شتى المناسبات عن تعدد الزوجات بغير اعتراض، فإنه لم يحرم بأمر من اللَّه، ولم يكن إبراهيم يحجم عنه إذْ كان له زوجتان ﴿وهو هنا قد نسى أن إبراهيم قد تزوج بقطروة﴾ نعم إن اللَّه أذن بذلك لرجال من العهد القديم في ظروف خاصة، ولكن المسيحي الذي يريد أن يقتدي بهم يحق له أن يفعل ذلك؛ متى تيقن أن ظروفه تشبه تلك الظروف فإن تعدد الزوجات على كل حال أفضل من الطلاق. * وعقب الحرب العالمية الأولى، قام جورج أنكيتي بالمطالبة بإلغاء النص في القانون الذي يعاقب على الجمع بين زوجتين بالأشغال الشاقة المؤقتة، وطالب بإباحة تعدد الزوجات للقضاء على شيوع الفجور الذي كان لوجود عدد كبير من النساء بدون رجال، وحتى يكون لكل امرأة حقها الطبيعي في تحقيق نزعة الأمومة المشروعة. * في سنة ١٨٣٠ م قامت فرقة تسمى فرقة المورنتر التي أسسها جوزيف سمث تبيح التعدد وتقول: إن إفرادية الزوجة أمر غير طبيعي. * وقال جرجي زيدان: فالنصرانية ليس فيها نص صريح يمنع أتباعها من التزوج بامرأتين فأكثر لو شاءوا لكان تعدد الزوجات جائز عندهم، ولكنَّ رؤساءهم القدماء وجدوا نظام الزوجة الواحدة أقرب لحفظ نظام العائلة واتحادها - وكان ذلك شائعًا في الدولة الرومانية. * ونرى المسيحية المعاصرة تعترف بالتعدد في إفريقيا السوداء، فقد وجدت الإرساليات التبشيرية نفسها أمام واقع اجتماعي، وهو تعدد الزوجات لدى الإفريقيين الوثنيين، ورأوا أن الإصرار على منع التعدد يَحُوْلُ بينهم وبين الدخول في النصرانية، فنادوا بوجوب السماح للإفريقيين المسيحيين بالتعدد إلى غير حد محدود، وقد ذكر السيد تورجيه مؤلف كتاب (الإسلام والنصرانية في أواسط أفريقية) هذه الحقيقة، ثم قال:

стр. 6428

فقد كان هؤلاء الإرساليون يقولون إنه ليس من السياسة أن نتدخل في شئون الوثنيين الاجتماعية التي وجدناهم عليها وليس من الكياسة أن نُحَرِّمَ عليهم التمتعَ بأزواجهم ماداموا نصارى يدينون بدين المسيح، بلا ضرر من ذلك مادامت التوراة؛ -وهي الكتاب الذي يجب على المسيحيين أن يجعلوه أساس دينهم- تتيحُ هذا التعدد فضلًا عن أن المسيح قد أقر ذلك بقوله: لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. (متى ٥: ١٧). وأخيرًا أعلنت الكنيسة رسميًا: السماح للأفريقيين النصارى بتعدد الزوجات إلى غير حد. * كما وجدت الشعوب الغربية نفسها -تجاه زيادة عدد النساء على الرجال عندهم خاصةً بعد الحربين العالميتين- إزاءَ مشكلةٍ اجتماعية خطيرة لا تزال تتخبط في إيجاد الحل المناسب لها، وقد كان بين الحلول التي برزت؛ إباحة تعدد الزوجات، فقد حدث أن مؤتمر الشباب العالمي عقد في ميونغ بألمانيا عام ١٩٤٨ م، واشترك فيه بعض المسلمين الدارسين من البلاد العربية، وكان من لجانهِ لجنةٌ تبحث مشكلة زيادة عدد النساء في ألمانيا أضعافًا مضاعفةً عن عدد الرجال بعد الحروب، وقد استعرضت مختلف الحلول بهذه المشكلة، وتقدم الأعضاء المسلمون في هذه اللجنة باقتراح تعدد الزوجات، وقوبل هذا الرأي بشيء من الدهشة والاشمئزاز، ولكن أعضاء اللجنة اشتركوا جميعًا في مناقشته، فتبين بعد البحث الطويل أنه لا حل غيره، وكانت النتيجة أن قررت اللجنة توصية المؤتمر بالمطالبة بإباحة تعدد الزوجات لحل المشكلة. * ويقول هنري هلام henrihallam: إن المصلحين الألمان من علماء الدين المسيحي قد أقروا التزوج بثانية وزوجة ثالثة مع الزوجة الأولى، واستمر العمل بذلك حتى القرن السادس الميلادي، وكذلك قال الألماني إدواردفون هارتمان آراء تشبه هذه الآراء فهو يرى أن الغريزة الطبيعية للرجل تميل إلى تعدد الزوجات. * وفي عام ١٩٤٩ م تقدم أهالي بون عاصمة ألمانيا الاتحادية في ذلك الوقت بطلب إلى السلطات المختصة، يطلبون فيه أن ينص في الدستور الألماني على تعدد الزوجات.

стр. 6429

* بل ذكرت الصحف الألمانية في ذلك الوقت أن الحكومة الألمانية أرسلت إلى مشيخة الأزهر تطلب منها نظام تعدد الزوجات في الإسلام؛ لأنها تفكر في الاستفادة منه كحل لمشكلة زيادة النساء، ثم أتبع ذلك وصول وفد من العلماء الألمان اتصلوا بشيخ الأزهر لهذه الغاية، كما التحقت بعض الألمانيات المسلمات بالأزهر لتطلعَ بنفسها على أحكام الإسلام في موضوع المرأة عامةً وتعدد الزوجات خاصةً، وقد حدثت محاولة قبل هذه الحالات في ألمانيا أيام الحكم النازي لتشريع تعدد الزوجات. يقول د/ عبد الودود شلبي: حدثنا الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين الأكبر: أن هتلر حدثه برغبته في وضع قانون يبيح تعدد الزوجات وطلب إليه أن يضع له في ذلك نظامًا مستمدًا من الإسلام، ولكن قيام الحرب العالمية الثانية حالت بين هتلر وبين تنفيذ هذا الأمر، وقد سبق أن حاول "إدوارد السابع" مثل هذه المحاولة، فأعد مرسومًا يبيح فيه التعدد ولكن مقاومة رجال الدين قضت عليه. ثم إن المفكرين الغربيين الأحرار أثنوا على تعدد الزوجات خاصة عند اليهود والمسلمين، فقد عرض جروثيوس العالم القانوني المشهور لموضوع تعدد الزوجات، فاستصوب شريعة الآباء العبرانيين والأنبياء خاصة في العهد القديم في إقرارها تعدد الزوجات، وكذلك استحسن القديس أوغسطين أن يتخذ الرجل إلى جانب زوجته سرية إذا ما كانت زوجته عقيمًا وثبت عقمها، وإن كان لم يسمح بمثل ذلك للزوجة إذا ثبت أن زوجها هو العقيم، وليس ذلك خوفًا من اختلاط الأنساب، ولكن لأمن الأسرة لأنه كما قال في كتابه الزواج الأفضل: لا يصح أن يكون في الأسرة سيدان. * وقال الفيلسوف الألماني الشهير "شوبنهاور" في رسالته كلمة عن النساء: إن قوانين أوربا فاسدة المبنى بمساواتها المرأة بالرجل، فقد جعلتنا نقتصر على زوجة واحدة، فأفقدتنا نصف حقوقنا، وضاعفت علينا واجباتنا، على أنها مادامت أباحت للمرأة حقوقًا مثل الرجل كان من اللازم أن تمنحها أيضًا عقلًا مثل عقله. . .، إلى أن

стр. 6430

قال: ولا تَعْدَمُ امرأة من الأمم التي تجيز تعدد الزوجات زوجًا يتكفل بشؤونها، والمتزوجات عندنا نفر قليل، وغيرهن لا يحصين عددًا، تراهن بغير كفيل بين بكر من الطبقات العليا قد شاخت وهي هائمة متحسرة، ومخلوقات ضعيفة من الطبقات السفلى يتجشمن الصعاب ويتحملن شاق الأعمال، وربما ابتُذِلْنَ فيعشن تعيسات متلبسات بالخزي والعار، ففي مدينة لندن وحدها ثمانون ألف بنت عمومية -هذا على عهد شوبنهاور- سُفِكَ دمُ شرفهن على مذبحة الزواج نتيجة الاقتصار على زوجة واحدة نتيجةَ تعنتِ السيدة الأوربية وما تدعيه لنفسها من أباطيل. وهنا طائفة أخرى من الطوائف المسيحية في أمريكا تسمي طائفة المورمون وقد أسسها جوزيف سميث سنة ١٨٣٠ م، تحدث عنها الأستاذ ذكي نجيب محمود في كتابه "أيام في أمريكا"، وقد قال أحد أتباع هذه الطائفة عندما سئل عما إذا كان يحب زوجاته الخمس، فقال: لقد سئلت هذا السؤال مرارًا كأنه لغز لا حل له، وجوابي دائمًا على هذا السؤال هو الآتي: هل يمكن لرجل أن يحب خمسة من أبنائه دفعة واحدة؟ هل يمكن أن يحب خمسة من أصدقاء دفعة واحدة؟ أروني رجلًا واحدًا ممن يدعون الالتزام بنظام الزوجة الواحدة لا تكون له امرأة غير زوجته يبادلها الحب وتبادله، ثم قال ونحن لا نعشق سرًا إننا لا نحب حبًا يلفه العار بل نحب جهرًا وعلانية حبًا يزدان بالشرف، ليس بيننا المرأة التي تحمل جنينها في خفاء من القانون ثم تضع حملها إجهاضًا، فنساؤنا جميعًا يحملن الأجنة من أزواج ويلدهن أطفالا ذوي نمو كامل. ما هو رأي عيسى ﵇ في تعدد الزوجات ؟ في الواقع لو راجعنا كتب الأناجيل والرسائل الحالية؛ لن نجد فيها نصًا يحرم تعدد الزوجات إلا على القساوسة والشمامسة فقط، وهي من رسائل بولس، فلم يأت في أحاديث عيسى ﵇ تصريح بتحريم تعدد الزوجات، ونلمس إشارات لموافقته ضمنيًا من هذه النصوص:

стр. 6431

١ - لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. ١٨ فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لَا يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ. (متى: ١٧ - ١٨). كذلك نفهم إقراره لتعدد الزوجات من مثل (العشر عذارى) الذي ضربه متى: حِينَئِذٍ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ عَشْرَ عَذَارَى، أَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَخَرَجْنَ لِلِقَاءِ الْعَرِيسِ. وَكَانَ خَمْسٌ مِنْهُنَّ حَكِيمَاتٍ، وَخَمْسٌ جَاهِلَاتٍ. ٣ أَمَّا الْجَاهِلَاتُ فَأَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَلَمْ يَأْخُذْنَ مَعَهُنَّ زيتًا، ٤ وَأَمَّا الْحَكِيمَاتُ فَأَخَذْنَ زيتًا فِي آنِيَتهِنَّ مَعَ مَصَابِيحِهِنَّ. ٥ وَفِيمَا أَبْطَأَ الْعَرِيسُ نَعَسْنَ جَمِيعُهُنَّ وَنمْنَ. ٦ فَفِي نِصْفِ اللَّيْلِ صَارَ صُرَاخٌ: هُوَ ذَا الْعَرِيسُ مُقْبِلٌ، فَاخْرُجْنَ لِلقَائِهِ! ٧ فَقَامَتْ جَمِيعُ أُولئِكَ الْعَذَارَى وَأَصْلَحْنَ مَصَابِيحَهُنَّ. ٨ فَقَالَتِ الْجَاهِلَاتُ لِلْحَكِيمَاتِ: أَعْطِينَنَا مِنْ زَيْتِكُنَّ فَإِنَّ مَصَابِيحَنَا تَنْطَفِئُ. ٩ فَأَجَابَتِ الْحَكِيمَاتُ قَائِلاتٍ: لَعَلَّهُ لَا يَكْفِي لَنَا وَلَكُنَّ، بَلِ اذْهَبْنَ إِلَى الْبَاعَةِ وَابْتَعْنَ لَكُنَّ. ١٠ وَفِيمَا هُنَّ ذَاهِبَاتٌ لِيَبْتَعْنَ جَاءَ الْعَرِيسُ، وَالمُسْتَعِدَّاتُ دَخَلْنَ مَعَهُ إِلَى الْعُرْسِ، وَأُغْلِقَ الْبَابُ. ١١ أَخِيرًا جَاءَتْ بَقِيَّةُ الْعَذَارَى أَيْضًا قَائِلَات: يَا سَيِّدُ، يَا سَيِّدُ، افْتَحْ لَنَا! ١٢ فَأَجَابَ وَقَالَ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُنَّ: إِنِّي مَا أَعْرِفُكُنَّ. ١٣ فَاسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لَا تَعْرِفُونَ الْيَوْمَ وَلَا السَّاعَةَ الَّتِي يَأْتِي فِيهَا ابْنُ الإِنْسَانِ. (متى ٢٥: ١ - ١٣). أي إن العريس قد اكتفى بخمس زوجات، ولم تستطع العذارى الخمس الباقيات أن يلحقن بالعريس، وضاعت أمامهن فرصة للزواج به، مع التحفظ الشديد أن المثل قد ضربه يسوع إشارة إلى وجوب الاستعداد بالعلم والعمل لاستقبال المسيَّا (رسول اللَّه والنبي الخاتم). وكان هذا التعدد شائعًا بين نصارى العالم كله ولم تحرمه الكنيسة إلا في عام ١٧٥٠، إذن فالنصارى الأقدمون لم يفهموا نصوص الكتاب وتعاليم يسوع بصورة خاطئة، ولو كانوا غير ذلك فما حكمهم إذًا في الآخرة؟ . (١)

стр. 6432

الخلاصة لما سبق بالنسبة لكلام النصارى . من المعروف أن الإنجيل ليس فيه تشريعات وأحكام لأن سيدنا عيسى ﵇ كان يعمل بشريعة التوراة، ويطلق المسيحيون الآن على مجموع العهدين القديم والجديد اسم الكتاب المقدس، وإن عمل أهل الإنجيل لا ينفصل أبدًا عن عمل أهل التوراة؟ وليس ناسخًا لها لأنه لم يأتي بشرعة، وكذلك لأن أهل الإنجيل لا يمكنهم العمل بتعاليم الإنجيل الروحية وحدها منفردة دون العمل بشريعة التوراة، ولأن العمل بالإنجيل منفردًا يعني العمل بلا شريعة، فعندما يطعن في أمر النساء من حيث تعدد الزوجات؛ ويكون هذا الطعن مصدره من يؤمنون بالكتاب المقدس وينتمون إليه، فإن الكتاب المقدس يرد عليهم، وذلك أنه يشتمل على أن الزواج بأكثر من واحدة جائز وموجود في الشرائع السابقة؛ لأن إبراهيم ﵇ تزوج بسارة ثم بهاجر في حياة سارة، وكذا غيره من الأنبياء، ولا يفهم من موضوع من مواضع التوراة حرمة التزويج بأزيد من امرأة واحدة، ولو كان حرامًا لصرح موسى ﵇ بحرمته كما صرح بسائر المحرمات وشدد في إظهار تحريمها، بل يفهم جوازه من مواضع، لأنك لو رجعت إلى سفر العدد بالعهد القديم لعلمت أن الأبكار التي كانت في غنيمة المديانيين كانت اثنتين وثلاثين ألفًا قسمت علي بني إسرائيل سواء كانوا ذوي زوجات أو لم يكونوا ولا يوجد فيه تخصيص العزاب فقد ثبت أن كثرة الأزواج كانت موجودة في شريعة موسى ولذلك اتخذ كثيرون ممن جاء بعده زوجات كثيرة. (١) فهل يأخذون بكتابهم المقدس؟ أم يفرون منه ويقولون بالنسخ وهم لا يؤمنون به، ولو آمنوا به في هذا الموضع لكذبهم العهد الجديد فيما ادعوه، حيث جاء المسيح ليكمل لا لينقص.

стр. 6433

خاتمة: وجملة الحكمة في الجواب أنه ﷺ راعى المصلحة في اختيار كل زوج من أزواجه عليهن الرضوان في التشريع والتأديب، فجذب إليه كبار القبائل بمصاهرتهم، وعلم أتباعه احترام النساء، وإكرام كرائمهن، والعدل بينهن، وقرر الأحكام بذلك. وترك من بعده تسع أمهات للمؤمنين يعلمن نساءهم من الأحكام ما يليق بهن مما ينبغي أن يتعلمنه من النساء دون الرجال، ولو ترك واحدة فقط لما كانت تغني في الأمة غناء التسع، ولو كان ﷺ أراد بتعدد الزوجات ما يريده الملوك والأمراء من التمتع بالحلال فقط؛ لأختار حسان الأبكار على أولئك الثيبات الكهلات منهن؛ كما قال لمن اختار ثيبًا: "هلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك"، كما أن تعدد الزوجات في ذلك العصر كان من الضرورات لكثرة القتلى من الرجال وحاجة نسائهم إلى من يكفلهن. (١) النتائج: * التعدد أمر واقعي مناسب لحال الناس ولا يمكن للبشرية أن تستقيم بدون شريعة التعدد. * مشروعية التعدد لها ضوابط وهي: ١ - العدل. ٢ - القدرة على النفقة. ٣ - لا يزيد على أربع لغير النبي ﷺ . ٤ - أن لا يجمع بين الأختين، أو بين البنت وخالتها، أو عمتها، أو بين العمتين أو الخالتين نسبًا أو رضاعًا. * لا يمكن في الشريعة الإسلامية جعل التعدد بإذن القاضي وتحت إشراف القضاء لما في ذلك من مفاسد. * لمشروعية التعدد حكم كثيرة وفوائد جليلة يجلب اللَّه بها النفع ويدفع بها الفساد والضرر عن الفرد والمجتمع. * وفي التعدد مراعاة، للرجل، والمرأة، والمجتمع ككل.

стр. 6434

* التعدد ليس ظلمًا للمرأة؛ لأن الثانية امرأة أيضًا، وكذا الثالثة والرابعة، وهي التي تختار الارتباط برجل متزوج لأمر ما. * لا يمكن للمرأة تعدد الأزواج؛ لأنه مناف للفطرة ولا فائدة فيه، ويترتب عليه ضرر كبير صحيًا، واجتماعيًا، وأخلاقيًا. * تعدد الزوجات نظام أخلاقي إنساني حيث يتحمل الرجل مسئولية المرأة ورعايتها. * تعدد الزوجات لم يكن من الشرائع الخاصة بالإسلام؛ بل كان عند اليهود والعهد القديم فيه كم هائل من النصوص تدل على ذلك. * كبار الأنبياء والرسل من بني إسرائيل عدَّد الزوجات. * ليس من حق أحد أن يحرم تعدد الزوجات، وأن يصدر حكمًا بذلك. * ولا يوجد في العهد الجديد نص صريح يمنع تعدد الزوجات. * وفي تاريخ المسيحية كبار كثيرون عددوا الزوجات ولم تعارضهم الكنيسة. * بقي التعدد في المسيحية مباحًا حتى عام ١٧٥٠ م. * من العجيب أن المسيحية المعاصرة تعترف بالتعدد في أفريقيا السوداء حتى الآن. * كثير من الشعوب الغربية كالشعب الألماني تجد نفسها الآن مضطرة إلى إباحة تعدد الزوجات. في حوالي عام ١٩٤٩ أرسلت الحكومة الألمانية إلى مشيخة الأزهر تطلب منهم نظام تعدد الزوجات في الإسلام كحل لمشكلة زيادة النساء. * كذلك كان تعدد الزوجات موجودًا عند العرب وبدون نظام فنظمه الإسلام. * من أكثر الأشياء التي يجهلها الغرب عن الإسلام نظام تعدد الزوجات. * المجتمعات التي تمنع التعدد انتشرت فيها الرذائل والقبائح الأخلاقية. * لقد كانت الشريعة الإسلامية في غاية الحكمة عندما عددت الزوجات بأربع ولم تحدد الإماء. * إذا قام نظام التعدد على الأسس والضوابط الشرعية كان من أحسن الأسس والأنظمة، ولا يترتب عليه مشاكل، ولا اضطراب في البيوت.

стр. 6435

* لم يمنع النبي ﷺ عليًا من التعدد وإنما منعه من زواج ابنة أبي جهل. * لم يتزوج النبي ﷺ في شبابه إلا امرأة تكبره في السن بخمسة عشر عامًا. لم يعدد النبي ﷺ إلا بعد الخمسين. كانت إحدى الزوجتين كبيرة عجوز؛ فوهبت ليلتها للزوجة الثانية التي كانت في التاسعة. وبهذا صار في حكم عدم المعدد من ناحية النساء والشهوة. لم يتم القسم إلا بعد زواج حفصة ﵂ وكان ذلك وهو في الخامسة والخمسين من عمره. * كانت للتعدد حكم عظيمة ترجع إلى أربع: السياسية. التشريعية. الاجتماعية. التعليمية والدعوية. الذي ينظر في قصة زواج كل زوجة من هؤلاء الزوجات لا يرى في واحدة منهن داعٍ من دواعي الشهوة، ولو كان فلا عيب فيه. * * *

стр. 6436

١٥ - شبهة: نكاح الواهبة . نص الشبهة: أن رسول اللَّه ﷺ نهى عن النكاح بغير ولي، وجعل الذي ينكح بغير ولي زانيًا، فما القول فيمن وهبن أنفسهن لرسول اللَّه ﷺ بغير ولي؟ ! الرد على هذه الشبهة من هذه الوجوه. الوجه الأول: نهى النبي ﷺ عن النكاح بغير ولي . الوجه الثاني: بيان معنى قوله : ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾. الوجه الثالث: هل كان عنده ﷺ امرأة وهبت نفسها له؟ الوجه الرابع: هل يلزم من قول من قال: إن فلانة وهبت نفسها للنبي ﷺ أن يكون قد دخل بها؟ الوجه الخامس: هل ثبت أن النبي ﷺ نكح امرأة بلا ولي؟ الوجه السادس: أنه لو سلمنا أنه ﷺ تزوج امرأة بلا ولي فلا تعارض بين ذلك وبين نهيه ﷺ عن النكاح بغير ولي. وإليك التفصيل الوجه الأول: نهى النبي ﷺ عن النكاح بغير ولي. قد ثبت عن النبي ﷺ النهي عن النكاح بغير ولي. * عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا نكاح إلا بولي". (١) * عن حديث عائشة ﵂ قالت: قال ﷺ : "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاثًا، فإن أصابها فلها مهرها بما أصابهما وإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له". (٢)

стр. 6437

الوجه الثاني: في بيان معنى قوله -تعالى-: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأحزاب: ٥٠) قال ابن الجوزي: وللمفسرين في معنى خالصة ثلاثة أقوال: أحدها: أن المرأة إذا وهبت نفسها لم يلزمه صداقها دون غيره من المؤمنين، قاله: أنس بن مالك، وابن المسيب، وهذا هو الذي عليه جماهير علماء التفسير. (١) والثاني: أن له أن ينكحها بلا ولي ولا مهر دون غيره؛ قاله قتادة. والثالث: خالصة لك أن تملك عقد نكاحها بلفظ الهبة دون المؤمنين؛ وهذا قول الشافعي، وأحمد. (٢) وقد جاءت رواية عن عائشة ﵂ أنها كانت تعير النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول اللَّه ﷺ وتقول: "ألا تستحي امرأة أن تعرض نفسها بغير صداق فأنزل اللَّه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (الأحزاب: ٥١). الوجه الثالث: هل كان عند رسول اللَّه ﷺ امرأة وهبت نفسها له ؟ الجواب: اختلف أهل العلم في ذلك على قولين: (٣) الأول: أنه لم يكن عنده ﷺ منهن أحد. الثاني: أنه كان عنده ﷺ بعضهن. القول الأول: من قال أنه لم يكن عنده ﷺ منهن أحد. ١. ابن عباس ﵁ حيث قال: "لم يكن عند رسول اللَّه ﷺ امرأة وهبت نفسها". (٤)

стр. 6438

٢. مجاهد بن جبر قال: " ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ. .﴾ قال: لم تهب نفسها". (١) ٣. عطاء بن أبي رباح. (٢) القول الثاني: أنه كان عنده ﷺ بعضهن. وقد اختلفوا في تعيين هذه المرأة على خمسة أقوال: ١. أنها ميمونة بنت الحارث ﵂. ٢. أنها خولة بنت حكيم ﵂. ٣. أنها أم شريك ﵂. ٤. أنها زينب بنت خزيمة ﵂. ٥. أنها ليلى بنت الخطيم ﵂. وإليك تفصيل من قال بكل قول من ذلك: من قال إنها ميمونة بنت الحارث ﵂ -. ١. ابن عباس: عن ابن عباس قال ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ. . .﴾ قال: هي ميمونة بنت الحارث. والأثر ضعيف. (٣)

стр. 6439

٢. عكرمة مولى عباس: عن ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع عكرمة يقول: وهبت ميمونة نفسها للنبي ﷺ . (١) ٣. قتادة بن دعامة الدوسي: عن قتادة أن ميمونة وهبت نفسها للنبي ﷺ . (٢) ٤. الزهري: قال الزهرى: إن ميمونة ﵂ وهبت نفسها للنبي ﷺ . (٣) ٥. محمد بن كعب. ٦. عمر بن الحكم. ٧. عبد اللَّه بن عبيدة. أنهم قالوا: التي وهبت نفسها للنبي ﷺ ميمونة. (٤) من قال أنها خولة بنت حكيم ﵂ -. ١. عن عائشة ﵂ قالت: "التي وهبت نفسها للنبي ﷺ خولة بنت حكيم". (٥)

стр. 6440

٢. عن عروة بن الزبير: قال: "خولة بنت حكيم كانت من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول اللَّه ﷺ ، زاد في رواية معمر: "ولم أسمع أنه قبلها". (١) من قال أنها أم شريك ﵂ -. (٢) من عدها في الواهبات: ١. ورد ذلك عنها من طريقين أحدهما متصل والآخر منقطع. الطريق الأول (المتصل) عن أم شريك قالت أنها كانت فيمن وهبت نفسها للنبي ﷺ . (٣) الطريق الثاني (المنقطع) أخرجه ابن سعد في الطبقات قال ابي سعد: نا محمد بن عمر قال ثنى الوليد بن مسلم عن منير بن عبد اللَّه الدوسي قال: أسلم زوج أم شريك؛ وهي غزية بنت جابر الدوسية من الأزد؛ وهو أبو العكر؛ فهاجر إلى رسول اللَّه ﷺ مع أبي هريرة مع دوس حين هاجروا، قالت أم شريك: فجاءني أهل أبي العكر فقالوا: لعلك على دينه قلت أي واللَّه أني لعلى دينه، قالوا: لا جرم لنعذبنك

стр. 6441

عذابًا شديدًا، فارتحلوا بنا من دارنا ونحن كنا بذي الخلصة وهو موضعنا، فساروا يريدون منزلًا وحملوني على جمل ثقال شر ركابهم وأغلظه، يطعموني الخبز بالعسل ولا يسقوني قطرة من ماء، حتى إذا انتصف النهار وسخنت الشمس ونحن قائظون فنزلوا فضربوا أخبيتهم وتركوني في الشمس حتى ذهب عقلي ومسمعي وبصري، ففعلوا ذلك بي ثلاثة أيام فقالوا لي في اليوم الثالث اتركي ما أنت عليه، قالت: فما دريت ما يقولون إلا لكلمة بعد الكلمة فأشير بأصبعي إلى السماء بالتوحيد قالت: فواللَّه إني لعلى ذلك وقد بلغني الجهد إذ وجدت برد دلو على صدري فأخذته فشربت منه نفسًا واحدًا ثم انتزع مني، فذهبت انظر فإذا هو معلق بين السماء والأرض فلم أقدر عليه، ثم ولي إلى ثانية فشربت منه نفسًا ثم رفع، فذهبت انظر فإذا هو بين السماء والأرض، ثم ولي إلى الثالثة فشربت منه حتى رويت وأهرقت على رأسي ووجهي وثيابي، قالت: فخرجوا فنظروا، فقالوا: من أين لك هذا يا عدوة اللَّه؟ قالت: فقلت لهم إن عدوة اللَّه غيري من خالف دينه، وأما قولكم من أين هذا؟ فمن عند اللَّه رزقًا رزقنيه اللَّه، قالت: فانطلقوا سراعًا إلى قربهم وأدواهم فوجدوها موكأة لم تحل، فقالوا: نشهد أن ربك هو ربنا وأن الذي رزقك ما رزقك في هذا الموضح بعد أن فعلنا بك ما فعلنا هو الذي شرع الإسلام، فأسلموا وهاجروا جميعًا إلى رسول اللَّه وكانوا يعرفون فضلي عليهم وما صنع اللَّه إلى، وهي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ ، وهي من الأزد فعرضت نفسها على النبي ﷺ ، وكانت جميلة وقد أسنت، فقالت: إني أهب نفسي لك وأتصدق بها عليك فقبلها النبي ﷺ ، فقالت عائشة: ما في امرأة حين تهب نفسها لرجل خير، قالت أم شريك: فأنا تلك فسماها اللَّه: " ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ. . .﴾ فلما نزلت الآية قالت عائشة: إن اللَّه يسرع لك في هواك. (١)

стр. 6442

٢. روي عن ابن عباس: عن ابن عباس وذكر نحوًا من السياق السابق وفيه: "وأقبلت إلى النبي ﷺ فوهبت نفسها له بغير مهر فقبلها ودخل عليها" (١). ٣. عروة بن الزبير: عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كنا نتحدث أن أم شريك كانت وهبت نفسها للنبي ﷺ وكانت امرأة صالحة. (٢) ٤. عكرمة: عن عكرمة قال في هذه الآية ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ. . .﴾ قال: هي أم شريك الدوسية. (٣) ٥. علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين. عن علي بن الحسين أن المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ أم شريك امرأة من الأزد. (٤)

стр. 6443

٦. محمد بن إبراهيم التيمي: عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كانت أم شريك امرأة من بني عامر بن لؤي، وإنما وهبت نفسها لرسول اللَّه ﷺ فلم تتزوج حتى ماتت. (١) ٧. الشعبي: عن الشعبي في قوله : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾. قال: "كن نساءً وهبن أنفسهن للنبي ﷺ فدخل ببعضهن وأرجأ بعضهن لم يتزوجن بعده منهن أم شريك الدوسية". (٢) من قال أنها زينب بنت خزيمة . ١ - روي ذلك عن قدامة بن موسى بن عمر. قال: خطب رسول اللَّه ﷺ زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين، فجعلت أمرها إليه، فتزوجها رسول اللَّه ﷺ وأشهد وأصدقها اثنتى عشرة أوقية ونشًا. . . " (٣) ٢. روي ذلك عن المطلب بن عبد اللَّه بن حنطب بمثل ما ورد عن قدامة. (٤)

стр. 6444

٣. ذكر ذلك عن الشعبي: (١) من قال أنها ليلى بنت الخطيم . ١ - روي ذلك عن ابن عباس قال: أقبلت ليلى بنت الخطيم إلى النبي ﷺ وهو مولي ظهره الشمس فضربت على منكبه فقال من هذا أكله الأسد وكان كثيرًا ما يقولها فقالت: أنا ابنة مطعم الطير ومباري الزيج أنا ليلى بنت الخطيم جئتك لأعرض عليك نفسي تزوجني قال قد فعلت فرجعت إلى قومها فقالت: تزوجني النبي ﷺ فقالوا: بئس ما صنعت أنت امرأة غيرى والنبي ﷺ صاحب نساء تغارين فيدعوا اللَّه عليك فاستقيليه نفسك؛ فرجعت فقالت: يا رسول اللَّه أقلني قال: قد أقلتك، قال: فتزوجها مسعود بن أوس بن سواد فولدت له فبينما هي في حائط من حيطان المدينة تغتسل إذ وثب عليها ذئب لقول النبي ﷺ فأكل بعضها وأدركت فماتت. (٢)

стр. 6445

٢. روي ذلك عن عبد الواحد بن أبي عوان، قال: إن ليلى بنت الخطيم وهبت نفسها للنبي ﷺ ووهبن نساء أنفسهن فلم يسمع أن النبي ﷺ قبل منهن أحدًا. (١) ٣. روي ذلك عن عاصم بن عمر بن قتادة: قال: كانت ليلى بنت الخطيم وهبت نفسها للنبي ﷺ فقبلها ثم ساق حديثًا بنحو سياق ابن عباس الماضي. (٢) خلاصة الوجه الثالث: في خمس نقاط: الأولى: ثبت عن ابن عباس ﵄، ومجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح: أن النبي ﷺ لم يدخل بامرأة وهبت نفسها له ﷺ . الثانية: ثبت عن عكرمه وقتادة والزهري أنهم قالوا: إن ميمونة وهبت نفسها للنبي ﷺ . الثالثة: صح عن عائشة ﵂ وعروة أن خوله بنت حكيم وهبت نفسها للنبي ﷺ . الرابعة: صح عن أم شريك، وعروة، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والشعبي: أن أم شريك وهبت نفسها للنبي ﷺ . الخامسة: لم يصح عن أحد أن زينب بنت خزيمة وكذلك ليلى بنت الخطيم أن واحدة منهن وهبت نفسها للنبي ﷺ . الوجه الرابع: هل يلزم من قول من قال: إن فلانة وهبت نفسها للنبي ﷺ أن يكون قد دخل بها ؟ والجواب: أن ذلك ليس بلازم وذلك من خلال نقطتين: الأولى: أنه لا يلزم من قولي لك وهبت لك كذا أن تكون قبلته، وعليه فلا يلزم من قول من قال: إن فلانة وهبت نفسها للنبي ﷺ أن يكون قد تزوجها وقبلها، ولذا قال
следующие страницы →