عذابًا شديدًا، فارتحلوا بنا من دارنا ونحن كنا بذي الخلصة وهو موضعنا، فساروا يريدون منزلًا وحملوني على جمل ثقال شر ركابهم وأغلظه، يطعموني الخبز بالعسل ولا يسقوني قطرة من ماء، حتى إذا انتصف النهار وسخنت الشمس ونحن قائظون فنزلوا فضربوا أخبيتهم وتركوني في الشمس حتى ذهب عقلي ومسمعي وبصري، ففعلوا ذلك بي ثلاثة أيام فقالوا لي في اليوم الثالث اتركي ما أنت عليه، قالت: فما دريت ما يقولون إلا لكلمة بعد الكلمة فأشير بأصبعي إلى السماء بالتوحيد قالت: فواللَّه إني لعلى ذلك وقد بلغني الجهد إذ وجدت برد دلو على صدري فأخذته فشربت منه نفسًا واحدًا ثم انتزع مني، فذهبت انظر فإذا هو معلق بين السماء والأرض فلم أقدر عليه، ثم ولي إلى ثانية فشربت منه نفسًا ثم رفع، فذهبت انظر فإذا هو بين السماء والأرض، ثم ولي إلى الثالثة فشربت منه حتى رويت وأهرقت على رأسي ووجهي وثيابي، قالت: فخرجوا فنظروا، فقالوا: من أين لك هذا يا عدوة اللَّه؟ قالت: فقلت لهم إن عدوة اللَّه غيري من خالف دينه، وأما قولكم من أين هذا؟ فمن عند اللَّه رزقًا رزقنيه اللَّه، قالت: فانطلقوا سراعًا إلى قربهم وأدواهم فوجدوها موكأة لم تحل، فقالوا: نشهد أن ربك هو ربنا وأن الذي رزقك ما رزقك في هذا الموضح بعد أن فعلنا بك ما فعلنا هو الذي شرع الإسلام، فأسلموا وهاجروا جميعًا إلى رسول اللَّه وكانوا يعرفون فضلي عليهم وما صنع اللَّه إلى، وهي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ ، وهي من الأزد فعرضت نفسها على النبي ﷺ ، وكانت جميلة وقد أسنت، فقالت: إني أهب نفسي لك وأتصدق بها عليك فقبلها النبي ﷺ ، فقالت عائشة: ما في امرأة حين تهب نفسها لرجل خير، قالت أم شريك: فأنا تلك فسماها اللَّه: " ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ. . .﴾ فلما نزلت الآية قالت عائشة: إن اللَّه يسرع لك في هواك. (١)
стр. 6442
٢. روي عن ابن عباس: عن ابن عباس وذكر نحوًا من السياق السابق وفيه: "وأقبلت إلى النبي ﷺ فوهبت نفسها له بغير مهر فقبلها ودخل عليها" (١).
٣. عروة بن الزبير: عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كنا نتحدث أن أم شريك كانت وهبت نفسها للنبي ﷺ وكانت امرأة صالحة. (٢)
٤. عكرمة: عن عكرمة قال في هذه الآية ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ. . .﴾ قال: هي أم شريك الدوسية. (٣)
٥. علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين.
عن علي بن الحسين أن المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ أم شريك امرأة من الأزد. (٤)
стр. 6443
٦. محمد بن إبراهيم التيمي:
عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كانت أم شريك امرأة من بني عامر بن لؤي، وإنما وهبت نفسها لرسول اللَّه ﷺ فلم تتزوج حتى ماتت. (١)
٧. الشعبي: عن الشعبي في قوله : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾.
قال: "كن نساءً وهبن أنفسهن للنبي ﷺ فدخل ببعضهن وأرجأ بعضهن لم يتزوجن بعده منهن أم شريك الدوسية". (٢)
من قال أنها زينب بنت خزيمة .
١ - روي ذلك عن قدامة بن موسى بن عمر.
قال: خطب رسول اللَّه ﷺ زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين، فجعلت أمرها إليه، فتزوجها رسول اللَّه ﷺ وأشهد وأصدقها اثنتى عشرة أوقية ونشًا. . . " (٣)
٢. روي ذلك عن المطلب بن عبد اللَّه بن حنطب بمثل ما ورد عن قدامة. (٤)
стр. 6444
٣. ذكر ذلك عن الشعبي: (١)
من قال أنها ليلى بنت الخطيم .
١ - روي ذلك عن ابن عباس قال:
أقبلت ليلى بنت الخطيم إلى النبي ﷺ وهو مولي ظهره الشمس فضربت على منكبه فقال من هذا أكله الأسد وكان كثيرًا ما يقولها فقالت: أنا ابنة مطعم الطير ومباري الزيج أنا ليلى بنت الخطيم جئتك لأعرض عليك نفسي تزوجني قال قد فعلت فرجعت إلى قومها فقالت: تزوجني النبي ﷺ فقالوا: بئس ما صنعت أنت امرأة غيرى والنبي ﷺ صاحب نساء تغارين فيدعوا اللَّه عليك فاستقيليه نفسك؛ فرجعت فقالت: يا رسول اللَّه أقلني قال: قد أقلتك، قال: فتزوجها مسعود بن أوس بن سواد فولدت له فبينما هي في حائط من حيطان المدينة تغتسل إذ وثب عليها ذئب لقول النبي ﷺ فأكل بعضها وأدركت فماتت. (٢)
стр. 6445
٢. روي ذلك عن عبد الواحد بن أبي عوان، قال: إن ليلى بنت الخطيم وهبت نفسها للنبي ﷺ ووهبن نساء أنفسهن فلم يسمع أن النبي ﷺ قبل منهن أحدًا. (١)
٣. روي ذلك عن عاصم بن عمر بن قتادة:
قال: كانت ليلى بنت الخطيم وهبت نفسها للنبي ﷺ فقبلها ثم ساق حديثًا بنحو سياق ابن عباس الماضي. (٢)
خلاصة الوجه الثالث: في خمس نقاط:
الأولى: ثبت عن ابن عباس ﵄، ومجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح: أن النبي ﷺ لم يدخل بامرأة وهبت نفسها له ﷺ .
الثانية: ثبت عن عكرمه وقتادة والزهري أنهم قالوا: إن ميمونة وهبت نفسها للنبي ﷺ .
الثالثة: صح عن عائشة ﵂ وعروة أن خوله بنت حكيم وهبت نفسها للنبي ﷺ .
الرابعة: صح عن أم شريك، وعروة، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والشعبي: أن أم شريك وهبت نفسها للنبي ﷺ .
الخامسة: لم يصح عن أحد أن زينب بنت خزيمة وكذلك ليلى بنت الخطيم أن واحدة منهن وهبت نفسها للنبي ﷺ .
الوجه الرابع: هل يلزم من قول من قال: إن فلانة وهبت نفسها للنبي ﷺ أن يكون قد دخل بها ؟
والجواب: أن ذلك ليس بلازم وذلك من خلال نقطتين:
الأولى: أنه لا يلزم من قولي لك وهبت لك كذا أن تكون قبلته، وعليه فلا يلزم من قول من قال: إن فلانة وهبت نفسها للنبي ﷺ أن يكون قد تزوجها وقبلها، ولذا قال
стр. 6446
الإمام أبو بكر بن العربي معقبًا على قول عائشة ﵂: "كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن. . . "، قال: "فاقتضى هذا اللفظ أن من وهبت نفسها للنبي ﷺ عدة ولكنه لم يثبت عندنا أنه تزوج منهن واحدة أم لا. (١)
فلو كان مجرد قول عائشة: "وهبن أنفسهن" دليل على الدخول بهن لما قال ابن العربي: لم يثبت عندنا أنه تزوج منهن واحدة أم لا.
الثانية: تحرير القول في (ميمونة، خولة، أم شريك)
١. تحرير القول في ميمونة: تقدم أنه قد صح عن عكرمة وقتادة والزهري أن ميمونة ﵂ وهبت نفسها للنبي ﷺ وصح في غير ما حديث في الصحيحين أن ميمونة كانت زوجة نبينا ﷺ (٢).
وهذا التعارض الظاهري بين هذا وبين ما قدمنا لا يعكر علينا وذلك كما يلي:
أ- أنه قد صح عن ابن عباس ﵄ أن ميمونة ﵂ جعلت أمرها إلى أختها أم الفضل، وأن أم الفضل جعلت أمرها إلى العباس ﵁ وأن العباس هو الذي قام بتزويجها. (٣)
стр. 6447
ب- أنه قد صح عن محمد بن عبد الرحمن القرشي أنه قال: إن رسول اللَّه ﷺ بعث إلى ميمونة يخطبها فجعلت ذلك إلى أم الفضل، فولت أم الفضل العباس بن عبد المطلب فأنكحها إياه العباس. (١)
جـ- أنه لو فرضنا أنه قد تزوجها النبي ﷺ بلا ولي وهذا لم يكن كما مر فإنه حين زواجها لم يكن أحد من أوليائها حاضرًا، ولم يكن لها ولي حينئذ من قومها على الإسلام،
стр. 6448
ولا ولاية لكافر على مسلم، فعادت ولايتها لرسول اللَّه ﷺ حيث قال: "والسلطان ولي من لا ولي له". (١)
٢ - تحرير القول في خولة بنت حكيم:
تقدم أنه قد صح عن عائشة وعروة أن خولة بنت حكيم وهبت نفسها للنبي ﷺ إلا أن النبي ﷺ لم يتزوجها ولم يدخل بها وإليك بيان ذلك:
تقدم في المبحث الثالث في تخريج أثر عروة أن معمر ممن روي الأثر عن عروة (٢)، وقد زاد معمر في روايته أن عروة قال: "ولم أسمع أنه قبلها"، وهذه زيادة ثقة، فمعمر إمام ثقة، وهذه الزيادة لا تنافي.
أنه لم يذكرها أحد ممن ذكر أزواج رسول اللَّه ﷺ مع أزواجه بل عدها ابن الجوزي في فيمن لم يدخل بهن ﷺ . (٣)
٣ - تحرير القول في أم شريك .
تقدم في الوجه الثالث أنه قد صح عن أم شريك، وعروة، وعلي بن الحسين، والشعبي: أن أم شريك وهبت نفسها للنبي ﷺ ، إلا أن النبي ﷺ لم يتزوجها ولم يدخل بها، وإليك بيان ذلك:
أ- أنه قد تقدم أنه قد صح عن الشعبي أنه قال "وأرجأ بعضهن لم يتزوجن بعده، منهن أم شريك الدوسية".
ب- لم يذكرها أحد من أهل العلم فيمن دخل بهن النبي ﷺ .
جـ- أن ابن حبان عندما ترجم لها ذكر أن النبي ﷺ لم يدخل بها (٤)، وقال ابن عبد البر في ترجمة أم شريك قال: "وقد ذكرها بعضهم في أزواج النبي ﷺ ولا يصح من ذلك شيء لكثرة الاضطراب فيه". (٥)
стр. 6449
الوجه الخامس: هل ثبت أن النبي ﷺ نكح امرأة بلا ولي ؟
إذا ثبت أنه ﷺ لم يدخل بامرأة وهبت نفسها له إلا ميمونة وتقدم أن وليها كان العباس فهل ثبت أنه ﷺ نكح امرأة بلا ولي؟
الجواب: أنه قد ثبت أن جميع زوجات النبي ﷺ زوجهن أولياؤهن، ودليل ذلك حديث أنس ﵁ قال: جاء زيد بن حارثة يشكو فجعل النبي ﷺ يقول "اتق اللَّه وأمسك عليك زوجك". (١)
قال أنس: لو كان رسول اللَّه ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه، قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني اللَّه تعالى من فوق سبع سماوات.
قال ابن حزم: فهذا إسناد صحيح بين أن جميع نسائه ﵇ إنما زوجهن أولياؤهن حاشا زينب رضي اللَّه تعالى عنها فإن اللَّه تعالى زوجها منه ﷺ . (٢)
الوجه السادس: أننا لو سلمنا أن النبي ﷺ تزوج امرأة بغير ولي فلا تعارض البتة بين ذلك وبين نهيه ﷺ عن النكاح بغير ولي .
وذلك من خلال نقطتين:
الأولى: أن اشتراط الولي إنما كان لأجل الكفاءة، ولا أكفأ في الناس من رسول اللَّه ﷺ .
قال الإمام الشافعي: لا أعلم في أن للولاة أمرًا مع المرأة في نفسها شيئًا جعل لهم أبين من ألا تزوج إلا كفؤً. (٣)
وقال ابن عساكر: وجاز له النكاح من غير ولي ولا شهود على الصحيح لأن الولي يراد لتحصيل الكفاءة، ولا كفء أكفأ منه ﷺ . (٤)
стр. 6450
والنبي ﷺ أحرص الناس على الناس وأنفع الناس للناس حيث قال فيه رب العالمين : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٦).
ولا يظن بولي يريد كفؤًا لابنته يؤمن باللَّه ورسله يأتيه نبي لينكح ابنته ثم يرده.
وقال ابن حزم: واللَّه -تعالى- يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ. . .﴾ فهذا خارج من قوله ﷺ : "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل". (١)
الثانية: أن النكاح بلا ولي من خصائصه ﷺ ، وخصائص الأنبياء ثابتة شرعًا وعقلًا وبيان ذلك فيما يلي:
أولًا شرعًا: من المتواتر شرعًا أن رب العالمين اختص الأنبياء بخصائص عن باقي البشر منها: الوحي، الرسالة، تكليم ربِّ العالمين بعضَهم، رؤية الملائكة وتكليمهم، المعجزات، وغير ذلك، وهذا كله ورد في القرآن وإليك غيض من فيض، قال رب العالمين: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (البقرة: ٢٥٣)، وقال رب العالمين: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ (الشورى: ٥١)، وقال رب العالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٣)، وقال رب العالمين: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا﴾ (هود: ٦٩)، وقال رب العالمين: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾.
ودلت السنة على اختصاص الأنبياء بخصائص أخرى نذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
стр. 6451
١. أن الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم: دليله حديث أنس ﵁ وفيه "وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم". (١)
٢. أن الأنبياء يخيرون عند الموت: دليله حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة". (٢)
٣. أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون: دليله حديث أبي بكر الصديق قال: قال ﷺ : "لن يقبر نبي إلا حيث يموت". (٣)
٤. أن الأرض لا تأكل أجسادهم: دليله حديث أوس بن أبي أوس أن النبي ﷺ قال: "إن اللَّه حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". (٤)
ثانيًا: عقلًا: وذلك أن العقلاء يقرون أن الأنبياء بشر لكنهم يوحى إليهم؛ وهذه خصوصية لهم، وهم مبلغون عن رب العالمين، فلا إنكار أن يحل اللَّه لهم أشياء دون الناس أو يحرم عليهم أشياء أحلها للناس كما أيقن العقل بأن اللَّه خصهم بالمعجزات.
وقد قسم أهل العلم ما اختص به النبي ﷺ إلى:
القسم الأول: ما أوجبه اللَّه عليه دون الأمة.
القسم الثاني: ما حرمه اللَّه عليه وأحله للأمة.
القسم الثالث: ما أحله اللَّه له وحرمه على الأمة.
وإليك أمثلة لكل قسم مما ذكر
أمثلة على القسم الأول:
стр. 6452
- قيام الليل وعليه يدل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (الإسراء: ٧٩) (١).
- تخيير نساءه وعليه يدل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ (الأحزاب: ٢٨ - ٢٩). (٢)
أمثلة القسم الثاني:
- حرم اللَّه عليه الصدقة: ويدل عليه حديث أبي هريرة ﵁ قال: كان ﷺ إذا أتى بطعام سأل عنه فإن قيل هدية أكل منها وإن قيل صدقة لم يأكل منها. (٣)
- حرم عليه أن يورث ماله: ويدل عليه حديث عائشة ﵂ أن أبا بكر ﵁ قال: قال ﷺ "لا نورث ما تركنا صدقة" (٤).
أمثلة القسم الثالث:
- الوصال: ويدل عليه حديث ابن عمر "أن النبي ﷺ نهى عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، قال: إني لست كهيئتكم إني أطعم وأُسقى". (٥)
- الزيادة على أربع، وهذا بإجماع العلماء: (٦)
- الزواج بلا ولي: وقد نص على ذلك عدة من أهل العلم منهم:
стр. 6453
الإمام أحمد (١)، والبغوي (٢)، وابن العربي (٣)، وابن قدامة (٤). وابن عساكر (٥)، وابن حجر. (٦)
وغيرهم كثير وليس غرضنا الاستقصاء.
وخلاصة هذه الوجوه: الأول: أنه ثبت أن النبي ﷺ نهى عن النكاح بغير ولي.
الثاني: بيان معنى قوله : ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ وبينا أن جماهير أهل العلم وهو الصحيح على أن معناها: وهبت نفسها دون مهر، وأن هناك قولًا آخر وهو وهبت نفسها بلا ولي؛ وهو قول مرجوح.
الثالث: هل كان عنده ﷺ امرأة وهبت نفسها له؟ وبينا أن الراجح أنه لم يكن عنده ﷺ امرأة منهن، وأن هناك قولًا آخر؛ وهو أنه كان عنده ﷺ منهن بعضهن.
الرابع: هل يلزم من قول من قال: إن فلانة وهبت نفسها للنبي ﷺ أن يكون قد دخل بها؟ وبينا أن ذلك ليس بلازم مع تحرير القول فيمن قيل أنها وهبت نفسها للنبي ﷺ .
الخامس: أنه قد ثبت أنه ﷺ لم يدخل بامرأة وهبت نفسها له إلا ميمونة، وقد زوجها العباس فهل تزوج النبي ﷺ امرأة بلا ولي؟ وبينا أن جميع أزواجه ﷺ زوجهن أولياؤهن إلا زينب زوجها رب العالمين.
السادس: أنه لو سلمنا أنه ﷺ تزوج امرأة بلا ولي فلا تعارض بين ذلك وبين نهيه ﷺ عن النكاح بغير ولي وذلك من نقطتين: الأولى: أن الولاية في النكاح جعلت لأجل الكفاءة ولا أكفأ من رسول اللَّه ﷺ . الثانية: أن النكاح بلا ولي من خصائصه ﷺ .
* * *
стр. 6454
١٦ - شبهة: نكاح الكتابيات .
نص الشبهة:
في القرآن: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (المائدة: ٥)
في هذه الآية بيان قرآني باحترام الدين المسيحي؛ حيث يجيز للمسلمين أن يتزوجوا المسيحيات، وفي هذه الحالة -الزوجة هي التي ستربي أولاد الزوج- بينما يحرم الإنجيل تحريمًا باتًا زواج المسيحيات بغير المسيحيين.
١ - وكذلك الآية تدل على إباحة الزواج من غير الكتابيين. بينما جاء في آيات أخرى ما يدل على التحريم كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (البقرة: ٢٢١)، وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (الممتحنة: ١٠).
٢ - وقد يقال كيف يبيح اللَّه زواج الكتابيات وقد أمر بعدم موالاة أهل الكتاب واتخاذهم أولياء، والموالاة تشمل: المحبة والنصرة، والزوج لابد أن يحب امرأته، وقد يميل إلى بعض ما يهوى مما لا يقره الإسلام؟ ؟
والجواب كما يلي من وجوه
الوجه الأول: حكم نكاح الكتابيات.
الوجه الثاني: مساوئ الزواج من الكتابيات إن لم تتبع تعاليم وشروط الإسلام.
الوجه الثالث: الدين الإسلامي يؤمن ويحترم المسيحية؛ ولكن المسيحية والإنجيل الذي نزل على عيسى ﵇.
الوجه الرابع: هذه هي مزية دين الإسلام.
الوجه الخامس: الإسلام يسمح بزواج المسلم من المسلمة أو أهل الكتاب، ولا يسمح بزواج المسلمة إلا من المسلم وذلك من عظمة هذا الدين.
стр. 6455
الوجه السادس: أما عن قوله ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ وقوله ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ متعارضة مع قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾.
الوجه السابع: الرد على قولهم كيف يحيى اللَّه زواج الكتابيات وقد أمر بعدم موالاة أهل الكتاب واتخاذهم أولياء.
الوجه الثامن: الكتاب المقدس يسمح بزواج المرأة المسيحية من غير المسيحي ويأمرها بطاعته
وإليك الفصيل
الوجه الأول: حكم نكاح الكتابيات .
ويمكن تقسيم ذلك إلى قسمين:
الأول: الزواج من الكتابية في دار الإسلام.
الثاني: الزواج من الكتابية في دار الكفر أو الحربية.
أولًا: الزواج من الكتابية في دار الإسلام
اختلف العلماء في حكم زواج المسلم بالكتابية في دار الإسلام على قولين:
القول الأول مذهب الجمهور: وهو جواز نكاح الكتابية في أرض الإسلام مع الكراهة.
قال السرخسي: ولا بأس بأن يتزوج المسلم الحرة من أهل الكتاب لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (١).
وقال ابن حجر: وذهب الجمهور إلى أن عموم آية البقرة خص بآية المائدة وهي قوله ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٢).
القول الثاني: عدم الجواز وهو قول ابن عمر ﵁ -
فكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ قَالَ: إِنَّ اللَّه حَرَّمَ المُشْرِكَاتِ عَلَى المُؤْمِنِينَ وَلَا أَعْلَمُ مِنَ الإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى، وَهْوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّه. (٣)
стр. 6456
قال ابن حجر: وهذا مصير منه إلى استمرار حكم عموم آية البقرة فكأنه يرى أن آية المائدة منسوخة.
وقد رد الجمهور على هذا القول بأمور:
١ - أن المشركات لا يتناول الكتابيات لقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ (البقرة: ١٠٥)؛ فقد عطف المشركين على أهل الكتاب والعطف يقتضي المغايرة. (١)
٢ - ما قالوه في النسخ ليس بصحيح؛ لأن البقرة من أول ما نزل بالمدينة والمائدة من آخر ما نزل؛ فالراجح هو قول الجمهور، أو أن آية المائدة خصصت عموم آية البقرة (٢).
ثانيًا: حكم الزواج من الكتابية الحربية
تمهيد
الآية التي دلت على جواز زواج المسلم بالكتابية، لم تفرق بين أن يتزوجها في دار الإسلام أو في دار الحرب. ولكن دار الحرب تختلف عن دار الإسلام؛ بأن السيطرة في دار الإسلام للمسلمين الذين هم أهل الحل والعقد يحكمون بشريعة اللَّه التي أنزلها في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ ، وتظهر فيها شعائر الإسلام، واحتمال ميل الزوجة إلى دين زوجها المسلم وارد كما أن احترامها لآداب الإسلام وعدم مجاهرتها بما يخالفها أقرب؛ إرضاءً لزوجها الذي يغيظه مخالفة دينه في الأخلاق وارتكاب المحرمات، وهذا بخلاف دار الحرب التي تكون الهيمنة والسيطرة فيها للكفار الذين هم أهل الحل والعقد.
والحكم فيها إنما يكون بقوانينهم التي تخالف الإسلام، كما أن الشعائر الظاهرة فيها هي شعائر الكفر وليست شعائر الإسلام؛ والأخلاق السائدة فيها هي أخلاق الكفار،
стр. 6457
ولهذا اختلف العلماء الذين أجازوا زواج المسلم بالكتابية في دار الإسلام في زواجه بها في دار الحرب. (١)
قال القرطبى: وأما نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حربًا فلا يحل. وسئل ابن عباس عن ذلك فقال: لا يحل، وتلا قول اللَّه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. . . إلى قوله. . . وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. قال المحدث: حدثت بذلك إبراهيم النخعي فأعجبه.
وكره مالك تزوج الحربيات، لعلة ترك الولد في دار الحرب، ولتصرفها في الخمر والخنزير. (٢)
وسبب التحريم: أن المسلم مأمور بقتال الكفار المحاربين وفي زواجه بالحربية في دار الحرب ركون إلى تلك الدار وداع إلى سكناه بها وبقائه فيها، وذلك يعود إلى معنى قتاله مع إخوانه المسلمين بالنقض؛ بل إن في بقائه في دار الحرب مع ذريته تكثير لسواد الكفار المحاربين على المسلمين.
ولذا قال النووي: وَتَحِلُّ كِتَابِيَّةٌ ولَكِنْ تُكْرَهُ حَرْبِيَّةٌ وَكَذَا ذِمِّيَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وقال في الحاشية: لكن الحربية أشد كراهة منها. (٣)
وقال الخرقي: ولا يتزوج في أرض العدو إلا أن تغلب عليه الشهوة فيتزوج مسلمة ويعزل عنها ولا يتزوج منهم ومن اشترى منهم جارية لم يطأها في الفرج وهو في أرضهم. (٤)
وقال ابن القيم: وإنما الذي نص عليه أحمد ما رواه عنه ابنه عبد اللَّه قال: أكره أن يتزوج الرجل في دار الحرب أو يتسرى من أجل ولده، وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم: لا يتزوج ولا يتسرى الأسير في دار الحرب، وإن خاف على نفسه لا يتزوج. وقال في رواية
стр. 6458
حنبل: ولا يتزوج الأسير ولا يتسرى بمسلمة إلا أن يخاف على نفسه؛ فإذا خاف على نفسه لا يطلب الولد. (١)
فدار الخلاف على الكراهة التنزيهية أو على التحريمية والأكثر على التحريمية.
أسباب تحريم العلماء لزواج المسلم بالكتابية في دار الحرب، أو كراهته .
١ - الخوف على ذرية المسلم المولودين في دار الحرب.
٢ - أن يترتب على زواجه مفاسد كمخالفته الأمر بالهجرة إلى بلاد الإسلام وغيرها من المفاسد التي سنذكرها في حينها إن شاء اللَّه تعالى.
لقد وضع الإسلام ضوابط وشروط الزواج من الكتابيات وهي:
١ - شرط الإحصان المذكور في الآية مفقود غالبًا في النساء الكتابيات، قال تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (المائدة: ٥)، فإن اشتراط صفة الإحصان يدل على عدم جواز زواج المسلم من الكتابية التي لا توجد فيها صفة الإحصان.
وقد اختلف أهل العلم في المراد بهذه الصفة على قولين.
الأول: أن المراد بها: العفة، فإذا كانت الكتابية عفيفة لم تقارف الفاحشة جاز نكاحها، وممن فسر الإحصان بالعفة عمر بن الخطاب ﵁؛ فإنه عندما كتب إليه حذيفة بن اليمان: أحرام هي -يعني الكتابية-، فكتب إليه عمر قائلًا: لا، ولكني أخاف أن توقعوا المومسات منهن. (٢)
قال أبو عبيدة: يعني العواهر.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قَالَ: إحْصَانُ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّة أَنْ تَغْتَسِلَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَأَنْ تُحْصِنَ فَرْجَهَا. (٣)
стр. 6459
الثاني: الإحصان هنا: الحرية، أي يجوز نكاح الكتابية الحرة دون الأمة؛ وإن كانت أتت بفاحشة إذا تابت منها بشرط أن تكون بموضع لا يخاف الناكح فيه على ولده أن يجبر على الكفر.
٢ - من شروط الزواج بالكتابية أن لا يخاف الناكح على ولده أن يجبر على الكفر. (١)
الوجه الثاني: مساوئ الزواج من الكتابيات إن لم تتبع تعاليم وشروط الإسلام .
١ - ربما مال إليها قلبه ففتنته، أو أثرت عليه بعاداتها وأخلاقها ففتنته فمال إليها.
٢ - ربما كان بينهما ولد فيميل إليها.
٣ - فَقْدُ معنى الولاء والبراء الذي أمر اللَّه به المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة: ٥١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: ٥٥ - ٥٧).
وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (المتحنة: ٤).
والغالب أن المسلم الذي يخالط الكفار ويؤاكلهم ويشاربهم ويصاهرهم يذهب من قلبه العداء لهم ويقل في قلبه ولاؤه للَّه ولرسوله ولعباده المؤمنين.
٤ - الرضا بالمنكر الذي يراه يتكرر من زوجته الكتابية أو من أقاربها من وقوع في الكفر والمعاصي التي ظنوا أن دينهم يبيحها لهم ولا يستطيع أن ينكر هذا كله.
وقد قال النبي ﷺ في الحديث: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ". (٢)
стр. 6460
الوجه الثالث: الدين الإسلامي يؤمن ويحترم المسيحية؛ ولكن المسيحية والإنجيل الذي نزل على عيسى ﵇ .
وهذا من سماحة الدين الذي يريد نشر الخير، فالمسلم إذا تزوج المسيحية كان ذلك في الغالب عاملًا على دعوتها إلى الخير وإلى الإسلام، فالمسلم غالبًا لا يرضى أن تظل زوجته على دين آخر، بل وتكون مربية لأولاده على دينها.
والدين الإسلامي يؤمن ويحترم المسيحية والإنجيل الذي نزل على عيسى ﵇، وأنه رسول وبشر وليس إلهًا، ويؤمن بأن ما يدعيه النصارى اليوم من التثليث وألوهية عيسى وغيرها من الأمور التي يسير عليها نصارى اليوم ليست في الإنجيل الذي لم يحرف الذي أنزل على عيسى.
الوجه الرابع: هذه هي مزية دين الإسلام .
فإن اتبع الناكح هذه الضوابط والشروط لنكاح الكتابية صارت قريبة جدًا من دين الحق دين الإسلام فتعلم عن الإسلام ما فيه من خير وفلاح ونجاة للعباد، للرجل والمرأة. فتعلم المرأة حقها الذي لا يهضم وهي زوجة، وهي أم، وهي بنت، في جميع أطوار حياتها. بل وينشأ ولدها منسوبًا إلى أبيه المسلم الذي يعلمه ويأخذ بيديه إلى تعلم الحق ومعرفته، فتصبح هذه الأسرة يغلب عليها الوازع الديني؛ لأن حكم البيت وقوامة البيت في يد الرجل المسلم. وفي ذلك دعوة إلى دين اللَّه ﵎. هذا هو الحال، ولو أن الحال على غير ذلك أن تزوجت هذه الكتابية بكتابي مثلها لهضم حقها وأصبح بيتها مفتوحًا للأمور المنكرة التي ينكرها أي عقل وشرع، وتصبح ذليلة لرجل لا تستطيع أن تفارقه لو حدث بينهما مشاكل، وهذا ملموس بين صفوف هؤلاء الذين لا يجدون حلًا لمشاكلهم سوى الوقوع في المعاصي كالزنا وغيره.
الوجه الخامس: الإسلام يسمح بزواج المسلم من المسلمة أو أهل الكتاب، ولا يسمح بزواج المسلمة إلا من المسلم وذلك من عظمة هذا الدين .
стр. 6461
يعترف المسلم بكل أنبياء اللَّه، ويعترف بكل الكتب المنزلة على أنبيائه، الأمر الذي يختلف تمامًا في اليهودية والمسيحية؛ فأصحاب هاتين الديانتين لا يعترفون بالإسلام دينًا ولا بمحمد ﷺ نبيًا ورسولًا.
وترجع مسألة الزواج في الإسلام إلى ما يعرف فقه الزواج باسم (الكفاءة)؛ لذلك إذا تزوج رجل مسلم زانٍ بامرأة مسلمة عفيفة فلا يُعتبر كفؤًا لها، وكذلك المسلم يحرُم عليه الزواج بالوثنية؛ لأنها لا تعترف بأي دين سماوي.
والمسلمة مؤمنة بكل الأنبياء، أما غير المسلم فهو جاحد لغير واحد منهم فهو أقل دينًا وإيمانًا فلا يستحق أن تكون له القوامة عليها، ثم إن الزوج غير المسلم ولو كان كتابيًا لا يعترف بدين المسلمة بل يكذب بكتابها ويجحد رسالة نبيها، ولا يمكن لبيت أن يستقر وهذه حالة (القيم) فيه، وعلى العكس من ذلك: إذا تزوج المسلم بالكتابية فإنه يعترف بدينها ويؤمن بنبيها وكتابها الذي أنزله اللَّه، وبذلك يتحقق السكن والرحمة، الَّذَيْنَ يقوم عليهما الزواج، ولا يتأتى من إجبارها على ترك دينها.
ومن عظمة الإسلام في هذا العمل الذي يثبت فيه عدم أنانيته أنه لم يبح أن يرث الرجل زوجته الكتابية إذا ماتت على دينها، كما منع أن ترثه وهي على غير دينه.
ثم كيف يُسلم الإسلام ابنته لرجل كتابي يمنع المرأة من التعلم ويبيح بيع بناته القصر ويعتبر المرأة ذليلة وأسيرة خطإٍ ارتكبه آدم وحواء لا يبيح الطلاق؟ لماذا يرمي الإسلام بناته في نار جهنم. فكيف تنفك المسلمة من الكتابي إذا ظلمها أو سامها سوء العذاب؟ وكيف تحصل على حقوقها التي كفلها لها الإسلام وكرمها بها؟ فهل يجبر الزوج الكتابي على كل هذا، كيف والإسلام ينادي بأنه لا إكراه في الدين؟
وإذا كنا عرفنا من التاريخ الأسود للمرأة بسبب تعاليم الكنيسة وفهم رجالها لنصوص الكتاب فما هو الخير الذي سينتظر المرأة المسلمة لو تزوجت بمسيحي؟ كانت ستزيد من أعداد المعذبات، وكانت ستزداد صفحات تاريخ المرأة سواد على سوادها، ثم
стр. 6462
منعًا للتعصب وحقنًا للدماء وتركًا للقيم من أهل الكتاب وشأنه فيما يعتقده من أخلاق التعامل من غير أهل ملته؛ وحتى تستقيم أمور الأسرة جاء منع زواج المسلمة من غير المسلم. فنظرة المسيحية واليهودية لمن يخالف دينهم أنه يستحق القتل، بل يستبيح التلمود سرقة غير اليهودي. (١)
الوجه السادس: أما عن قوله ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ وقوله ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ متعارضه مع قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾؛ فظاهرها التعارض .
وأجاب أهل العلم عن هذا بأقوال:
القول الأول:
١ - آية المائدة ناسخة لآية البقرة
قال الطبري: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾: اختلف أهل التأويل في هذه الآية: هل نزلت مرادًا بها كل مشركة، أم مراد بحكمها بعض المشركات دون بعض؟ وهل نسخ منها بعد وجوب الحكم بها شيء أم لا؟ .
فقال بعضهم: نزلت مرادًا بها تحريم نكاح كل مشركة على كلّ مسلم من أيّ أجناس الشِّرك كانت عابدةَ وثن كانت أو كانت يهودية، أو نصرانية، أو مجوسية، أو من غيرهم من أصناف الشرك، ثم نسخ تحريم نكاح أهل الكتاب بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ (المائدة: ٤ - ٥).
стр. 6463
ثم نسب هذا القول بإسناده إلى ابن عباس، وعكرمة، والحسن البصري، (١) وكذلك نسب هذا القولَ القرطبيُّ إلى: مالك، والثوري، والأوزعي. (٢)
ثم قال الطبري ردًا على من قال بالنسخ:
وقد بينا في غير هذا الموضع من كتابنا هذا وفي كتابنا (كتاب اللطيف من البيان): أن كل آيتين أو خبرين كان أحدهما نافيًا حكم الآخر في فطرة العقل، فغير جائز أن يقضَى على أحدهما بأنه ناسخ حكم الآخر إلا بحجة من خبر قاطع للعذر مجَيئُه، وذلك غير موجود أن قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ناسخٌ ما كان قد وجبَ تحريمه من النساء بقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾؛ فإذ لم يكن ذلك موجودًا كذلك، فقول القائل: "هذه ناسخة هذه"، دعوى لا برهان له عليها، والمدعي دعوَى لا برهان له عليها متحكم، والتحكم لا يعجز عنه أحدٌ. (٣)
القول الثاني:
٢ - آية المائدة مخصصة لعموم آية البقرة
قال الطبري: وقال آخرون: بل أنزلت هذه الآية مرادًا بحكمها مشركات العرب لم ينسخ منها شيء ولم يُستثن، وإنما هي آية عامٌّ ظاهرُها خاصٌّ تأويلها.
وذكر بإسناده إلى قتادة قال: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، يعني: مشركات العرب اللاتي ليس فيهن كتاب يقرأنه. (٤)
ثم قال: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله قتادة: من أن اللَّه -تعالى ذكره- عَنَى بقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ مَنْ لم يكن من أهل الكتاب من المشركات، وأن الآية عام ظاهرها خاص باطنها، لم ينسخ منها شيء، وأن نساء أهل الكتاب غير
стр. 6464
داخلات فيها؛ وذلك أنّ اللَّه -تعالى ذكره- أحل بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ للمؤمنين من نكاح محصناتهن، مثلَ الذي أباح لهم من نساء المؤمنات. (١)
قال ابن حجر: وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّ عُمُوم آيَة الْبَقَرَة خُصَّ بِآيَةِ الْمَائِدَة وَهِيَ قَوْله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فَبَقِيَ سَائِر المُشْرِكَات عَلَى أَصْل التَّحْرِيم. (٢)
القول الثالث: لفظ الشرك في آية البقرة لا يتناول أهل الكتاب لتفريق القرآن بين أهل الكتاب والشرك .
قال القرطبي: وقال بعض العلماء: وأما الآيتان فلا تعارض بينهما، فإن ظاهر لفظ الشرك لا يتناول أهل الكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وقال: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾؛ ففرق بينهم في اللفظ، وظاهر العطف يقتضى مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، وأيضًا فاسم الشرك عموم وليس بنص، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ بعد قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ نص، فلا تعارض بين المحتمل وبين ما لا يحتمل. (٣)
قال شيخ الإسلام: قيل الجواب من ثلاثة أوجه: أن الشرك المطلق في القرآن لا يدخل فيه أهل الكتاب؛ وإنما يدخلون في الشرك المقيد. قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ. . .﴾ (البينة: ١)، فجعل المشركين قسمًا غير أهل الكتاب.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (الحج: ١٧) فجعلهم قسمًا غيرهم.
стр. 6465
فأما دخولهم في المقيد ففي قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ (التوبة: ٣١) فوصفهم بأنهم مشركون.
وسبب هذا: أن أصل دينهم الذي أنزل اللَّه به الكتب وأرسل به الرسل ليس فيه شرك كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (الأنبياء: ٢٥)، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ (الزخرف: ٤٥)، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦)، ولكنهم بدلوا وغيروا فابتدعوا من الشرك ما لم ينزل به اللَّه سلطانًا فصار فيهم شرك باعتبار ما ابتدعوا لا باعتبار أصل الدين، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (الممتحنة: ١٠) هو تعريف الكوافر المعروفات اللاتى كن في عصم المسلمين وأولئك كن مشركات لا كتابيات من أهل مكة ونحوها. (١)
الوجه السابع: الرد على قولهم كيف يبيح اللَّه زواج الكتابيات وقد أمر بعدم موالاة أهل الكتاب واتخاذهم أولياء .
كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ (المائدة: ٥١) والموالاة تشمل المحبة والنصرة والزوج لا بد أن يحب امرأته وقد يميل إلى بعض ما تهوى مما لا يقره الإسلام؟
والجواب من وجوه:
١ - أن اللَّه تعالى الذي نهى المسلمين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، هو الذي أحل نساء أهل الكتاب للمسلمين، وهو يعلم -تعالى- ما يترتب على ذلك، والمؤمن مأمور أن يتقي اللَّه ما استطاع.
стр. 6466
٢ - أن محبة الزوج لامرأته، هي من نوع المحبة الطبيعية التي لا تدخل في المحبة المنهي عنها، وهي المحبة الدينية أي أن يحبها لدينها وأخلاقها وعاداتها التي تخالف شريعة الإسلام، فلا يضره أن يحب امرأته المحبة الطبيعية، وحكم امرأته الكتابية التي أحلها اللَّه له كحكم أمه وأبيه وأقاربه المشركين الذين قال اللَّه تعالى في شأنهم: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الممتحنة ٧ - ٩)، والبر هو الصلة الدنيوية.
٣ - أن الأصل في المسلم الذي يتزوج الكتابية، أن يجتهد في دعوتها إلى الإسلام، لأن من أهم أهداف حِلِّهَا له أن يرغبها في الإسلام لتدخل فيه، كما قال علاء الدين الكاساني: فكان في نكاحه إياها رجاء إسلامها، فيجوز نكاحها لهذه العاقبة الحميدة، بخلاف المشركة. (١)
الوجه الثامن: الكتاب المقدس يسمح بزواج المرأة المسيحية من غير المسيحي ويأمرها بطاعته
ففي بطرس الأولى ٣/ ١: (كَذلِكُنَّ أَيَّتُهَا النِّسَاءُ، كُنَّ خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِكُنَّ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ لَا يُطِيعُونَ الْكَلِمَةَ، يُرْبَحُونَ بِسِيرَةِ النِّسَاءِ بِدُونِ كَلِمَةٍ).
وقد يُفسر البعض لا يطيعون الكلمة، بأنها نصارى أيضًا لكن اسمًا فقط أولا يجتهدون في الطاعة. حيث تمنع قوانين الأحوال الشخصية الكنسية الزواج بين رجل وامرأة مختلفي العقيدة، فلا يجوز عندهم زواج يهودي أو مسلم بمسيحية ولا يجوز زواج أرثوذوكسي من كاثوليكية. وهذا القانون مستمد من العهد القديم.
стр. 6467
ففي سفر التكوين (٢٨/ ١: ٢): فَدَعَا إِسْحَاقُ يَعْقُوبَ وَبَارَكَهُ، وَأَوْصَاهُ وَقَالَ لَهُ: "لَا تَأْخُذْ زَوْجَةً مِنْ بَنَاتِ كَنْعَانَ. ٢ قُمِ اذْهَبْ إِلَى فَدَّانَ أَرَامَ، إِلَى بَيْتِ بَتُوئِيلَ أَبِي أُمِّكَ، وَخُذْ لِنَفْسِكَ زَوْجَةً مِنْ هُنَاكَ، مِنْ بَنَاتِ لَابَانَ أَخِي أُمِّكَ.
والسبب فيه الحفاظ على ميراث كل سبط من أسباط بني إسرائيل
ففي العدد (٣٦/ ٧: ٩): ٧ فَلَا يَتَحَوَّلُ نَصِيبٌ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ سِبْطٍ إِلَى سِبْطٍ، بَلْ يُلَازِمُ بَنُو إِسْرَائِيلَ كُلُّ وَاحِدٍ نَصِيبَ سِبْطِ آبَائِهِ. ٨ وَكُلُّ بِنْتٍ وَرَثَتْ نَصِيبًا مِنْ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَكُونُ امْرَأَةً لِوَاحِدٍ مِنْ عَشِيرَةِ سِبْطِ أَبِيهَا، لِكَيْ يَرِثَ بَنُو إِسْرَائِيلَ كُلُّ وَاحِدٍ نَصِيبَ آبَائِهِ، ٩ فَلَا يَتَحَوَّلْ نَصِيبٌ مِنْ سِبْطٍ إِلَى سِبْطٍ آخَرَ، بَلْ يُلَازِمُ أَسْبَاطُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كُلُّ وَاحِدٍ نَصِيبَهُ.
هذا على الرغم من أن موسى ﵇ تزوج من امرأة كوشية .
ففي عدد (١٢/ ١): وتكلمت مريم وهرون على موسى بسبب المرأة الكوشية التي اتخذها لأنه كان قد اتخذ امرأة كوشية.
ففي ملوك الأولى (١١/ ١: ٤): (وَأَحَبَّ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ نِسَاءً غَرِيبَةً كَثِيرَةً مَعَ بِنْتِ فِرْعَوْنَ: مُوآبِيَّاتٍ وَعَمُّونِيَّاتٍ وَأَدُومِيَّاتٍ وَصِيدُونِيَّاتٍ وَحِثِّيَّاتٍ ٢ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ قَالَ عَنْهُمُ الرَّبُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: "لَا تَدْخُلُونَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَدْخُلُونَ إِلَيْكُمْ، لأَنَّهُمْ يُمِيلُونَ قُلُوبَكُمْ وَرَاءَ آلِهَتِهِمْ". فَالْتَصَقَ سُلَيْمَانُ بِهؤُلَاءِ بِالْمَحَبَّةِ. ٣ وَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ مِئَةٍ مِنَ النِّسَاءِ السَّيِّدَاتِ، وَثَلَاثُ مِئَةٍ مِنَ السَّرَارِيِّ، فَأَمَالَتْ نِسَاؤُهُ قَلْبَهُ. ٤ وَكَانَ فِي زَمَانِ شَيْخُوخَةِ سُلَيْمَانَ أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلًا مَعَ الرَّبِّ إِلهِهِ كَقَلْبِ دَاوُدَ أَبِيهِ.) (١)
* * *
стр. 6468
١٧ - شبهة: جماع المرأة في الحيض .
نص الشبهة:
أن الإسلام أحل جماع المرأة في الحيض بدليل حديث ميمونة ﵂ "أن النبي ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض" (١)
الجواب عليها من وجوه:
الوجه الأول: حرمة جماع المرأة في الحيض بصريح الآية ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ .
الوجه الثاني: سبب نزول الآية يؤكد تحريم الجماع في الحيض.
الوجه الثالث: الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ تؤكد حرمة جماع الحائض.
الوجه الرابع: إباحة المرأة الحائض للزوج في كل شيء عدا الفرج والدبر.
الوجه الخامس: نقل إجماع أهل العلم على تحريم وطء الحائض.
الوجه السادس: مفهوم الأذى الوارد في الآية من منظور طبي.
الوجه السابع: المرأة الحائض في الكتاب المقدس نجسة ومخطئة وكالمصابة بالجذام.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: حرمة جماع المرأة في الحيض بصريح الآية ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾.
قال الطبري: وإنما كان القوم سألوا رسول اللَّه ﷺ فيما ذكر لنا عن الحيض لأنهم كانوا قبل بيان اللَّه لهم ما يتبينون من أمره، لا يساكنون حائضًا في بيت ولا يؤاكلونهن في إناء ولا يشاربونهن، فعرفهم اللَّه بهذه الآية أن الذي عليهم في أيام حيض نسائهم أن يجتنبوا جماعهن فقط دون ما عدا ذلك من مضاجعتهن ومؤاكلتهن ومشاربتهن. (٢)
وقال الآلوسي: "وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ" تقرير للحكم السابق لأن الأمر بالاعتزال يلزمه النهي عن القربان وبالعكس؟ فيكون كل منهما مقررًا وإن تغايرا بالمفهوم فلذا عطف
стр. 6469
أحدهما على الآخر وفيه بيان لغايته فإن تقييد الاعتزال بقوله "في المحيض" وترتيبه على كونه أذى يفيد تخصيص الحرمة بذلك الوقت ويفهم منه عقلًا انقطاعها بعده (١).
وقال محمد رشيد رضا: وقد أفادت عبارة الآية الكريمة تأكيد الحكم إِذْ أمرت باعتزال النساء في زمن المحيض وهو كناية عن ترك غشيانهن فيه، ثم بينت مدة الاعتزال بصيغة النهي، والحكمة في التأكيد هي مقاومة الرغبة الطبيعية في ملابسة النساء وإيقافها دون حد الإيذاء، وكان يظن الناس أن الاعتزال وترك القرب حقيقة لا كناية، وأنه يجب الابتعاد عن النساء في المحيض وعدم القرب منهن بالمرة، ولكن النبي ﷺ بين أن المحرم هو الوقاع. (٢)
الوجه الثاني: سبب نزول الآية يؤكد تحريم الجماع في الحيض .
عن أنس ﵁ أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ فأنزل اللَّه تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (البقرة: ٢٢٢)
إلى آخر الآية، فقال النبي ﷺ "اصنعوا كل شيء إلا النكاح". (٣)
فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول اللَّه إن اليهود تقول كذا وكذا أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول اللَّه ﷺ حتى ظننا أنه قد وجد عليهما فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ فأرسل في آثارهما فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما. (٤)
الوجه الثالث: الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ تؤكد حرمة جماع الحائض .
١ - قوله ﷺ : "اصنعوا كل شيء إلا النكاح". (٥)
стр. 6470
٢ - وقوله ﷺ "من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنًا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد". (١)
الوجه الرابع: إباحة المرأة الحائض للزوج في كل شيء، من أكل، وشرب، واضطجاع، وتلذذ فيما عدا الفرج والدبر .
أكرم الإسلام المرأة وأعلى قدرها وحفظ نفسها خاصة وهي حائض، فلم يأمر بهجرها ولم يأمر بمقاطعتها في الأكل، والشراب، والنوم. ولم يذكر أنها نجسة وتنجس من حولها ومن يمسها كما عند اليهود وغيرهم، ولكن ذكر شرعنا عن التعامل مع المرأة حال حيضتها أنها امرأة ولها حقوقها في التعامل، وفي المؤاكلة، وفي المشاربة، وفي مضاجعتها على فراش واحد، وفي التلذذ بها؛ إلا حالة واحدة ألا وهي: جماعها في فرجها. وبين العلة من ذلك كما في الآية: (قُلْ هُوَ أَذًى).
وإليك كلام النبي ﷺ في هذه المسألة وبعض كلام الصحابة الكرام، وأيضًا حال النبي مع زوجاته أثناء حيضتهن في جميع الأمور لتقف على هذه الأحكام التي ترفع قدر المرأة:
١ - عن أنس بن مالك ﵁ أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبي ﷺ فأنزل اللَّه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (البقرة: ٢٢٢).
стр. 6471
قال النبي ﷺ "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. . . (١) الحديث.
٢ - وعن عائشة ﵂ أنها قالت: كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فِيَّ فيشرب، وأَتَعَرّقُ العَرْق (٢) وأنا حائض، ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه عَلَى موضع فِيَّ (٣).
٣ - وعن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يتكئ في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن (٤).
قال ابن حجر: وهو دال على أن ذات الحائض طاهرة، وعلى أن حيضها لا يمنع ملامستها. . .، ثم قال: وفي الحديث دلالة على طهارة بدن المرأة وعرقها. (٥)
٤ - وقالت: قال لي رسول اللَّه ﷺ "نَاوِلينِى الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ". قَالَتْ: فَقُلْتُ إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ "إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ" (٦).
٥ - وعنها أيضًا قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يُخْرِجُ إِلَيَّ رأسه من المسجد وأنا في حجرتي فَأرجَّلُ رأسه وأنا حائض (٧).
٦ - وابن عباس ﵄ قال: سمعت ميمونة زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يضطجع معي وأنا حائض وبيني وبينه ثوب (٨).
стр. 6472
٧ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: بينما أنا مضطجعة مع رسول اللَّه ﷺ في الخميلة (١) إذ حضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي فقال لي رسول اللَّه ﷺ : أنفستِ؟ قلت: نعم، فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة (٢).
٨ - وعن حفصة ﵂ قالت: كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن في العيدين. . . فلما قدمت أم عطية سألتها أسمعت النبي ﷺ ؟ قالت: بأبي نعم، وكانت لا تذكره إلا قالت. . "بأبي" سمعته يقول: "يخرج العواتق وذوات الخدور أو العواتق ذوات الخدور والحيض وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين ويعتزل الحيض المصلى". قالت حفصة: فقلت الحيض؟ فقالت: أليس تشهد عرفة كذا وكذا؟ (٣).
قلت: سبحان اللَّه ما أعظم هذا التكريم وهذا الإحسان بالمرأة هي حائض، ومع ذلك يأمرها النبي ﷺ أن تشهد مع المسلمين الخير، فهي ليست نجسة كما قالوا ولا تنجس؛ وإنما مسألة الحيض أمر كتبه اللَّه عليها ولا يمنعها عن أي شيء كما قال النبي ﷺ "إن هذا أمر كتبه اللَّه على بنات آدم" (٤).
وكذلك للزوج حق الاستمتاع بزوجته وهي حائض فيما عدا الفرج، وذلك بنص كلام النبي ﷺ -:
١ - عن عائشة ﵂ قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا فأراد رسول اللَّه ﷺ أن يباشرها أمرها أن تتزر في فور حيضتها ثم يباشرها. قالت: وأيكم يملك إربه كما كان النبي ﷺ يملك إربه (٥).
стр. 6473
٢ - وعن ميمونة ﵂ كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض (١).
قال ابن حجر: المراد بالمباشرة هنا التقاء البشرتين لا الجماع (٢).
وعن عمارة بن غراب أن عمة له حدثته أنها سألت عائشة قالت: إحدانا تحيض وليس لها ولزوجها إلا فراش واحد؛ قالت: أخبرك بما صنع رسول اللَّه ﷺ دخل فمضى إلى مسجده -يعني مسجد بيته- فلم ينصرف حتى غلبتني عيني وأوجعه البرد فقال: ادني مني فقلت: إني حائض فقال ﷺ : -وإن- اكشفي عن فخذيك فكشفت فخذي فوضع خده وصدره على فخذي وحنيت عليه حتى دفئ ونام (٣).
قلت: ومع ضعف الحديث كما بينا في الحاشية، ولا يجوز الاحتجاج به كما هو في الشبهة (٤)، فليس فيه ما يدل على جماع الحائض.
الوجه الخامس: نقل إجماع أهل العلم على تحريم وطء الحائض .
انعقد إجماع أهل العلم على تحريم وطء المرأة الحائض "أي نكاحها في فرجها"، وقد نقل هذا الإجماع كثير من أهل العلم.
ذكر الطبري في تفسيره قائلًا: مراد اللَّه تعالى ذكره بقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ هو اعتزال بعض جسدها دون بعض وإذ كان ذلك كذلك وجب أن يكون ذلك هو الجماع المجمع على تحريمه على الزوج في قبلها. (٥)
стр. 6474
ونقله القرطبي في تفسيره. (١) وابن كثير في تفسيره. (٢) والنووي في شرح مسلم. (٣) وابن تيمية في مجموع الفتاوي، فقال:
وقد سُئل -رحمه اللَّه تعالى- عن جماع الحائض هل يجوز أم لا؟ فأجاب: وطء الحائض لا يجوز باتفاق الأئمة كما حرم اللَّه ذلك ورسوله. (٤)
الوجه السادس: مفهوم الأذى الوارد في الآية من منظور طبي .
الحكمة من تحريم معاشره النساء في الحيض:
حرم اللَّه على الرجال نكاح أزواجهن إذا كن حُيَّضًا، ونص القرآن على علة التحريم وهي كون المحيض أذى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (البقرة: ٢٢٢).
والدراسات العلمية في هذا المجال كشفت لنا عن شيء. الأذى الذي أشارت إليه الآية الكريمة، ولكنهم لم يصلوا إلى التعرف على جميع الأذى الذي أشارت إليه الآية الكريمة.
يقول د. محيي الدين خالد العليمي: يجب الامتناع عن جماع المرأة الحائض لأن جماعها يؤدي إلى اشتداد النزف الطمثي لأن عروق الرحم تكون محتقنة وسهلة التمزق وسريعة العطب كما أن جدار المهبل سهل الخدش وتصبح إمكانية حدوث الالتهابات كبيرة مما يؤدي إلى التهاب الرحم أيضًا، أو يحدث التهاب في عضو الرجل بسبب الخدوش التي تحصل أثناء الانتصاب والاحتكاك، كما أن جماع الحائض يسبب اشمئزاز لدى الرجل وزوجه على السواء بسبب وجود الدم ورائحته، وبالتالي قد يؤثر على الزوج فيصاب بالبرود الجنسي. (٥)
стр. 6475
ويرى الدكتور البار أن الأذى لا يقتصر على ما ذكره ولكن يتعداه إلى أشياء أخرى هي:
١ - امتداد الالتهابات إلى قناتي الرحم فتسدها، أو تؤثر على شعيراتها الداخلية التي لها دور كبير في دفع البويضة من المبيض إلى الرحم؛ وذلك يؤدي إلى العقم أو إلى الحمل خارج الرحم، وهو أخطر أنواع الحمل على الإطلاق ويكون الحمل عندئذ في قناة الرحم الضيقة ذاتها، وسرعان ما ينمو الجنين وينهش في جدار القناة الرقيق حتى تنفجر القناة الرحمية فتنفجر الدماء أنهارًا إلى أقتاب البطن، وإن لم تتدارك الأم في الحال بإجراء عملية جراحية سريعة فإنها لا شك تلاقي حتفها.
٢ - امتداد الالتهاب إلى قناة مجرى البول، فالمثانة، فالحالبين، فالكلى وأمراض الجهاز البولي خطيرة ومزمنة.
٣ - ازدياد الميكروبات في دم الحيض وخاصة ميكروب السيلان.
ويذكر الدكتور البار أيضًا أن الأذى لا يقتصر على الحائض في وطئها وإنما ينتقل إلى الرجل الذي وطئها فقال: إدخال القضيب إلى المهبل المليء بالدماء يؤدي إلى تكاثر الميكروبات والتهاب قناة مجرى البول لدى الرجل، وتنمو الميكروبات السبحية والعنقودية على وجه الخصوص في مثل هذه البيئة الدموية. (١)
وتنتقل الميكروبات من قناة مجرى البول إلى البروستاتا والمثانة، والتهاب البروستاتا سرعان ما يزمن لكثرة قنواتها الضيقة الملتفة، والتي نادرًا ما يصلها الدواء بكمية كافية لقتل الميكروبات المختفية في تلافيقها، فإذا أزمن التهاب البروستاتا فإن الميكروبات سرعان ما تغزو بقية الجهاز البولي التناسلي فتنتقل إلى الحالبين ومنه إلى الكلى، وما أدراك ما التهاب الكلى المزمن؛ إنه العذاب حتى يحين الأجل. . . ولا علاج، وقد تنتقل الميكروبات من البروستاتا إلى الحويصلات المنوية فالحبل المنوي فالبربخ فالخصيتين وقد يسبب ذلك عقمًا نتيجة إنسداد قناة المني أوالتهاب الخصيتين كما أن الآلام المبرحة التي يعانيها المريض
стр. 6476
تفوق ما قد ينتج عن ذلك الالتهاب من عقم. (١)
وصدق اللَّه اذ يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (البقرة: ٢٢٢)، نعم هو أذى للزوجة وأذى للزوج، وعدم قربان المرأة في المحيض طهارة من الأنجاس والأمراض.
ويقول الدكتور البار متحدثا عن الأذى الذي في المحيض:
يُقذَف الغشاء المبطن للرحم بأكمله أثناء الحيض وبفحص دم الحيض تحت المجهر نجد بالإضافة إلى كرات الدم الحمراء والبيضاء قطعًا من الغشاء المبطن للرحم، ويكون الرحم متقرحًا نتيجة إلى ذلك تمامًا كما يكون الجلد مسلوخًا فهو معرض بسهولة لعدوان البكتريا الكاسح، ومن المعلوم طبيًا أن الدم هو خير بيئة لتكاثر الميكروبات ونموها، وتقل مقاومة الرحم للميكرويات الغازية نتيجة لذلك، ويصبح دخول الميكروبات الموجودة على سطح القضيب يشكل خطرًا داهمًا على الرحم، ومما يزيد الطين بلة أن مقاومة المهبل لغزو البكتريا تكون في أدنى مستواها أثناء الحيض، إذ يقل إفراز المهبل للحامض الذي يقتل الميكروبات، ويصبح الإفراز أقل حموضة إن لم يكن قلوي التفاعل، كما تقل المواد المطهرة الموجودة بالمهبل على أدنى مستوى لها. ليس ذلك فحسب، ولكن جدار المهبل المكون من عدة طبقات من الخلايا يرق أثناء الحيض ويصبح رقيقًا ومكونًا من طبقة من الخلايا بدلًا من الطبقات العديدة التي نراها في أوقات الطهر، وخاصة في وسط الدورة الشهربة حيث يستعد الجسم بأكمله للقاء الزوج؛ لهذا فإن إدخال القضيب إلى الفرج والمهبل في أثناء الحيض ليس إلا إدخالًا للميكروبات في وقت لا تستطيع فيه أجهزة الدفاع أن تقاوم، كما أن وجود الدم في المهبل والرحم يساعد على نمو تلك الميكروبات وتكاثرها. (٢)
الوجه السادس: المرأة الحائض في الكتاب المقدس نجسة ومخطئة وكالمصابة بالجذام:
في الكتاب المقدس عند النصارى: بماذا وصفوا المرأة حال حيضتها؟
ففي سفر اللاويين ١٥: ١٩ - ٣٠ يقول: وَإِذَا كَانَتِ امْرَأَةٌ لَهَا سَيْلٌ، وَكَانَ سَيْلُهَا دَمًا فِي لَحْمِهَا، فَسَبْعَةَ أَيَّامٍ تَكُونُ فِي طَمْثِهَا. وَكُلُّ مَنْ مَسَّهَا يَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. ٢٠ وَكُلُّ مَا
стр. 6477
تَضْطَجِعُ عَلَيْهِ فِي طَمْثِهَا يَكُونُ نَجِسًا، وَكُل مَا تَجْلِسُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا. ٢١ وَكُلُّ مَنْ مَسَّ فِرَاشَهَا يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. ٢٢ وَكُلُّ مَنْ مَسَّ مَتَاعًا تَجْلِسُ عَلَيْهِ، يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. ٢٣ وَإِنْ كَانَ عَلَى الْفِرَاشِ أَوْ عَلَى الْمَتَاعِ الَّذِي هِيَ جَالِسَةٌ عَلَيْهِ عِنْدَمَا يَمَسُّهُ، يَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. ٢٤ وَإِنِ اضْطَجَعَ مَعَهَا رَجُلٌ فَكَانَ طَمْثُهَا عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ. وَكُلُّ فِرَاشٍ يَضْطَجِعُ عَلَيْهِ يَكُونُ نَجِسًا. وَإِذَا كَانَتِ امْرَأَةٌ يَسِيلُ سَيْلُ دَمِهَا أَيَّامًا كَثِيرَةً فِي غَيْرِ وَقْتِ طَمْثِهَا، أَوْ إِذَا سَالَ بَعْدَ طَمْثِهَا، فَتَكُونُ كُلَّ أَيَّامِ سَيَلَانِ نَجَاسَتِهَا كَمَا فِي أَيَّامِ طَمْثِهَا. إِنَّهَا نَجِسَةٌ. ٢٦ كُلُّ فِرَاشٍ تَضْطَجِعُ عَلَيْهِ كُلَّ أَيَّامِ سَيْلِهَا يَكُونُ لَهَا كَفِرَاشِ طَمْثِهَا. وَكُلُّ الأَمْتِعَةِ الَّتِي تَجْلِسُ عَلَيْهَا تَكُونُ نَجِسَةً كَنَجَاسَةِ طَمْثِهَا. ٢٧ وَكُلُّ مَنْ مَسَّهُنَّ يَكُونُ نَجِسًا، فَيَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ، وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ. ٢٨ وَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ سَيْلِهَا تَحْسُبُ، لِنَفْسِهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ تَطْهُرُ.
ومعنى هذا: أن المرأة الحائض تقضي ربع عمرها واقفة لا تجلس ولا تنام لأن كل ما ستجلس عليه سيكون نجسًا، وإن اقترح أحدهم أن يكون لها كرسي مخصص، أو سرير مخصص لهذا الوقت. فلك أن تتخيل مدى الفضيحة التي ستكون فيها عند وجود أقرباء أو ضيوف بالبيت، ولك أن تتخيل مدى الإحراج الذي ستكون عليه بجلوسها منفردة معزولة. الكل يفر منها ويبتعد عنها حتى لا يتنجس! وقد كان اليهود لا يتركونهن يخرجن للشارع لكي لا يتنجس المارة وخاصة المؤمنين منهم، وكانوا يضعون سريرًا أو خيمة للمرأة في فناء البيت لتنام عليه قريبًا من الكلب أثناء فترة طمثها حتى تطهر، وكانت إذا لمست الكلب كان عليهم أن يُحَمّوه (من الاستحمام)! ؛ لأنه قد تنجس من ملامستها إياه وكانت القطط تهرب منها، لأنها تعلم لو لمستها امرأة ستستحم بالماء الأمر الذي تكرهه القطط.
فلك أن تحكم على قوم حكموا أن الكلب أطهر من المرأة فهل هذا كلام اللَّه وهل هؤلاء أناس كرموا المرأة أم أهانوها؟ . (١)
والأهم من هذا أن السيدة مريم أم الإله عند النصارى كانت نجسة بعد ولادتها الإله
стр. 6478
لمدة أربعين يومًا تقريبًا، وكان الإله أيضًا نجسًا في هذا الوقت لأنها كانت تحمله وترضعه وتغير له ملابسه التي يبول فيها أو يتبرز، كما ظل هذا الإله على الأقل ربع حياته نجسًا (سبعة أيام في الشهر التي تأتي أمه فيها الدورة الشهرية) إلى أن انفصل عنها.
أما إن كانت مريضة بمرض يسبب لها نزيفًا فقد قضى عليها الرب بالموت إهمالًا فأي طبيب هذا الذي سيتجرأ للكشف عليها لينجس نفسه، حتى من مسَّها واستحم سيكون نجسًا للمساء، ولا أدري هل لو مس فرد ما أحد هؤلاء الأنجاس حتى المساء هل سيتنجس هو الآخر معه حتى المساء، وكيف سيكون الحال لو مسها أحد في المساء، فإلى متى تستمر نجاسته؟ وبهذا الوضع تسبب المرأة الحائض شللًا للحياة العامة.
وعلى هذا تكون عندهم فكرة المواصلات العامة فكرة فاشلة؛ لأن الكل سيكونون أنجاس، أو على السائق أو الركاب تفتيش النساء تفتيشًا ذاتيًا حتى يضمنوا عدم نجاستهم لكي تقبل صلاتهم، ولا يمكن لها أن تبيع وتشتري لأن النقود التي ستمسكها ستكون نجسة وستنجس من يأخذها، ولا يمكنها خدمة زوجها أو أولادها في البيت أو تطبيب أو إسعاف أحد منهم، ولا يصح لها أن تعمل بالطب، أو التمريض أو الصيدلة، أو المحاماة، أو التدريس، أو البيع والشراء، أو تصنيع الغذاء، أو أي شيء، فأي تعقيد وإهانة أرادها هذا الكتاب للمرأة, أي إذلال يمكن أن يكون بعد ذلك!
فعلى هذا فلا يمكن أن يكون هذا الكتاب الذي يفضح أخص خصوصيات المرأة ويعريها من الستر ويجردها من الحياء أمام البشر كتابًا منزلًا من عند اللَّه، فإن هذا الدين وهذا الكتاب غير صالح لكل زمانٍ، بل غير صالح لأي زمانٍ. (١)
* * *
стр. 6479
١٨ - شبهة: نكاح المرأة في دبرها .
نص الشبهة:
قالوا: إن الإسلام أحل نكاح دبر المرأة بدليل الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (البقرة: ٢٢٣). قالوا: إن الإسلام أحل نكاح دبر المرأة بدليل بعض الفتاوى التي أحلت ذلك. هذا ما وقفوا عليه تجاه هذه الشبهة.
والرد على ذلك من الوجوه.
الوجه الأول: آية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ . .﴾ فيها دليل على حرمة الوطء في الدبر، وليس العكس.
الوجه الثاني: آية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾: فيها دليل على حرمة الوطء في الدبر كما في كلمة ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
الوجه الثالث: آية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ تدل أيضًا من وجه آخر على حرمة وطء المرأة في الدبر.
الوجه الرابع: آية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ فيها دلالة أخرى.
الوجه الخامس: السنة النبوية تؤكد حرمة وطء المرأة في الدبر.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: آية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
فيها دليل على حرمة الوطء في الدبر، وليس العكس كما في كلمة (حَرْث)، حيث ذكر كلمة (حَرْث) يفيد أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج الذي هو القبل خاصة، إذ هو مزدرع الذرية كما أن الحرث مزدرع النبات، فقد شبه ما يلقى في أرحامهم من النطفة التي منها النسل بما يلقي في الأرض من البذور التي منها النبات، بجامع أن كل واحدة منها مادة لما يحصل منه.
وقوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ أي محل زرعكم واستنباتكم الولد وهو القبل، وهذا على
стр. 6480
سبيل التشبيه، فجعل فرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالزرع. (١)
قال محمد رشيد رضا: فهو يقول أنه لم يأمر بإتيان النساء الأمر التكويني بما أودع في فطرة كل من الزوجين من الميل إلى الآخر، والأمر التشريعي بما جعل الزواج من أمر الدين وأسباب المثوبة والقربة إلا لأجل حفظ النوع البشري بالاستيلاد كما يحفظ النبات بالحرث والزرع، فلا تجعلوا استلذاذ المباشرة مقصودًا فتأتوا النساء في المحيض حيث لاستعداد لقبول زراعة الولد وعلى ما في ذلك من الأذى، وهذا يتضمن النهي عن إتيانهن في غير المأتى الذي يتحقق به معنى الحرث. (٢)
الوجه الثاني: الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. فيها دليل على حرمة الوطء في الدبر كما في كلمة أنى شئتم:
قال الطبري: معنى قوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي من أي وجه شئتم؛ وذلك أن (أَنَّى) في كلام العرب كلمة تدل إذا ابتدئ بها في الكلام عن المسألة عن الوجوه والمذاهب فكأن القائل إذا قال لرجل أنى لك هذا المال؟ يريد من أي الوجوه لك، ولذلك يجيب المجيب فيه بأنه يقول: من كذا وكذا، كما قال تعالى ذكره مخبرًا عن زكريا في مسألته مريم: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (آل عمران: ٣٧). وهي مقاربة أين وكيف في المعنى؛ ولذلك تداخلت معانيها فأشكلت (أَنَّى) على سامعها ومتأولها حتى تأولها بعضهم بمعنى أين، وبعضهم بمعنى كيف، وآخرون بمعنى متى، وهي مخالفة جميع ذلك في معناها وهن لها مخالفات؛ وذلك أن أين إنما هي حرف استفهام عن الأماكن والمحال، وإنما يستدل على افتراق معاني هذه الحروف بافتراق الأجوبة عنها. ألا ترى أن سائلًا لو سأل آخر فقال أين مالك؟ لقال بمكان كذا ولو قال له أين أخوك؟ لكان الجواب أن يقول ببلدة كذا أو بموضع كذا فيجيبه بالخبر عن محل ما مسألة عن محله؛ فيعلم أن أين مسأله عن المحل.